الاثنين، 28 يونيو 2021

 

لسماع الرواية ..قناة راجو شو.... الرابط التالي :         

https://www.youtube.com/watch?v=KktUafaYUUw&t=85s



صلاح الدين الايوبي - الجزء الثالث 
إعداد رجاء حمدان 

وصل صلاح الدين القدس يوم الخميس في 20 سبتمبر سنة 1187م، من جهة عين سلوان حتى يكون الماء قريب من جيشه وأمر جنده بمحاصرة المدينة في هيئة دائرية، وصلى المسلمين على الجبل الذي يحيطها في يوم الجمعة، وزحفوا للقتال بعد الصلاة، ولم يكن في المدينة المقدسة قوة كبيرة لحمايتها من الهجوم الأيوبي،  وكان باليان بن بارزان فارس من فرسان الفرنجة الكبار يسكن مدينة القدس ويتولى شؤونها منذ أن غادرها الملك غي،  وكان ماهرًا في إدارة القتال وتوجيه المقاتلين أمام قوات صلاح الدين، وكان خوفه الأكبر أن يقتل المسلمين كل مسيحيي القدس عند دخولهم كما فعل الصليبيون عندما فتحوا المدينة قبل ما يزيد عن قرن من الزمن، فحث السكان أن يدافعوا عن حياتهم ومقدساتهم حتى الرمق الأخير، وعندما أرسل له صلاح الدين أن يسلم المدينة ويطلب الأمان لم يفعل، وأصر على القتال واستمر في الحرب لمدة 14 يومًا. 

ولما رأى صلاح الدين أن الحرب ستكون شديدة ولم يقدر على احتلال مدينة القدس، أحضر يوسف البطيط، وهو رجل مسيحي أرثوذكسي مقدسي وطلب منه أن يتفق مع المسيحيين الأرثوذكس من عرب وروم ويوعدهم بالعفو إذا لم يساعدوا الفرنجة في القتال وأن يسلموا المدينة لصلاح الدين من الجهة التي يسكنون بها في القدس فيُهلكوا الفرنجة،اما باليان فقد هدد بقتل الرهائن المسلمين، والذين يُقدّر عددهم بأربعة الآف مسلم، وتدمير الأماكن الإسلامية المقدسة، أي قبة الصخرة والمسجد القبلي، اللذان يُشكلان المسجد الأقصى، إذا لم يعف صلاح الدين عنهم. 

قبل صلاح الدين الأيوبي هذه الشروط، دخل صلاح الدين المدينة في ليلة المعراج في 2 أكتوبر عام 1187م، وسمح لليهود بالعودة للمدينة، وأغلق صلاح الدين كنيسة القيامة بوجه الفرنجة بعد فتح المدينة، وأمر بترميم المحراب العمري القديم وحمل منبر مليح من حلب الذي امر نور الدين محمود بن زنكي بصنعه ليوضع في المسجد الأقصى متى فُتح بيت المقدس، ونُصب بالمسجد الأقصى،وأزيل ما هناك من آثار مسيحية منها الصليب الذي رفعه الإفرنج على قبة المسجد، وغُسلت الصخرة المقدسة بماء الورد وبُخّرت وفُرشت وجُعلت به مدرسة للفقهاء الشافعية وقد ابتهج المسلمون ابتهاجًا عظيمًا بعودة القدس إلى ربوع الأراضي الإسلامية والخلافة العباسية.
 
   الحملة الصليبية الثالثة 
كانت معركة حطين وفتح القدس سببين رئيسيين لخروج الحملة الصليبية الثالثة، فسار الإمبراطور الألماني فريدريش بربروسا بجيشه برًا عبر المجر ورومانيا حتى بلغ القسطنطينية، فشلت حملة فريدريش في الوصول إلى الشرق، لطول المسافة وحلول الشتاء على الجيش المرتحل ومقاومة بعض أمراء المناطق التي مرت بها الحملة للجيش الغازي وقلة المؤن، خاصة بعد امتناع إسحق الثاني إمبراطور الروم عن إمدادهم بالمؤن، إضافة إلى غرق فريدريش بربروسا نفسه في أحد الأنهار بالقرب من أنطاكية، والخلافات التي تبعت وفاته على من يخلفه، وقد أثارت أنباء فشل حملة بربروسا الغبطة والسرور في المعسكر المسلم « لم تتوقف الحملة عند ذلك، بل تبع تلك الحملة حملات لملكان من أكبر ملوك أوروبا في ذلك الوقت هما ريِتشارد الأول «قلب الأسد» ملك إنجلترا وفيليپ أغسطس ملك فرنسا، وانضما إلى حصار عكا، التي سقطت في عام 1191م، أمام القوات التي يقودها ريتشارد، أعدمت فيها ثلاثة آلاف سجين مسلم منهم نساء وأطفال. فردّ صلاح الدين على ذلك بقتل كل الفرنجة الذين أسرهم ، اشتبكت جيوش صلاح الدين مع جيوش الصليبيين بقيادة ريتشارد قلب الأسد في معركة أرسوف التي انهزم فيها صلاح الدين، إلا أن الصليبيين لم يتمكنوا من التوغل في الداخل وبقوا على الساحل، وبقيت الحرب سجال بين الفريقين، وفشلت كل محاولات الفرنجة لغزو القدس. 
وعقدت هدنة للصلح في 1 سبتمبر سنة 1192م، لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر تبدأ من ذاك التاريخ، بعد أن أجهدت الحرب كلا الفريقين، التي بموجبها تنحصر مملكة بيت المقدس الصليبية في شريط ساحلي ما بين يافا وصور، وتظل القدس في أيدي المسلمين مع السماح للمسيحيين بالحج إليها. 
ومع ذلك، كانت علاقة صلاح الدين مع ريتشارد يسودها الاحترام المتبادل والشهامة بعيدًا عن التنافس العسكري، فعندما أصيب ريتشارد بالحمى، عرض صلاح الدين الأيوبي عليه خدمات طبيبه الشخصي، وأرسل إليه فاكهة مثلجة. وفي أرسوف، عندما فقد ريتشارد جواده، أرسل إليه صلاح الدين الأيوبي جواديين اثنين محله. 
كما عرض ريتشارد على صلاح الدين فلسطين موحدة للمسيحيين الأوروبيين والمسلمين عن طريق تزويج أخت ريتشارد الأول بأخي صلاح الدين وأن تكون القدس هدية زفافهما، على أن يكون ما فتحه المسلمون تحت حكم العادل وما بيد الفرنجة تحت حكم أخت ريتشارد، إلا أن الأمر لم يتم.
 وعلى الرغم من هذا إلا أن الرجلين لم يلتقيا أبدًا وجهًا لوجه وكان التواصل بينهما بالكتابة أو بالرسل.
 ولما تم الصلح سار صلاح الدين إلى بيت المقدس وحصّن أسوارها، وأدخل كنيسة صهيون داخل أسوارها، وبنى فيها مدرسة ورباطًا للخيل وبيمارستان، وغير ذلك من المصالح، وقضى بالمدينة شهر رمضان متوجهًا إلى دمشق حيث قضى آخر أيامه. وفاته 

 كانت المواجهة مع الملك ريتشارد ومعاهدة الرملة هي آخر أعمال صلاح الدين، إذ مرض صلاح الدين بالحمى الصفراوية بعد رحيل المك ريتشادرد بوقت قصير وأصابه أرق فلم يستطع ان ينم الليل إلا قليلاً، وأخذ المرض يزداد ويشتد عليه ، حتى قال طبيبه الخاص، أن أجل السلطان أصبح قاب قوسين أو أدنى وبعد تسعة أيام حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب، ولمّا كان اليوم العاشر حُقن على دفعتين، وحصل له من الحقن بعض الراحة، لكنه عاد واشتد عليه المرض حتى يأس الأطباء من حالته.
و فجر يوم الأربعاء في 4 مارس عام 1193م، توفي صلاح الدين ، فأفجع موته المسلمين عامة والدمشقيين خاصة ، وبكاه الكثيرون عند تشييعه ، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان يتميزبه من صدق وفاء، ودُفن بعد صلاة عصر في ذلك اليوم في المدرسة العزيزية قرب المسجد الأموي في دمشق، إلى جوار الملك نور الدين زنكي، وعندما فُتحت خزانته االخاصة لم يكن يوجد فيها ما يكفي من المال لجنازته، فلم يكن فيها سوى سبعة وأربعين درهمًا ناصريًا ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف ملكًا ولا بيتا ، إذ كان قد أنفق معظم ماله في الصدقات. . الدولة الأيوبيّة بعد صلاح الدين قسّم صلاح الدين دولته التى وحدها قبل وفاته بين أولاده وعدد من أفراد عائلته، فجعل إمارة دمشق لابنه الاكبر الافضل نور الدين علي،  وأوصى له بالسلطنة، وجعل الديار المصرية لولده العزيز عثمان، وإمارة حلب لولده الظاهر غازي غياث الدين، وترك الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدانًا كثيرة قاطع الفرات لأخيه العادل، وحماة لابن أخيه محمد بن تقي الدين عمر، وحمص والرحبة وغيرها لحفيد عمه شيركوه، أسد الدين شيركوه بن ناصر، واليمن جعلها في قبضة اخيه السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب.

 ولم يمض وقت طويل حتى ما لبث أن دبّ الخلاف بين أولاد صلاح الدين، مما جعل عمهم العادل يعزلهم ويقوم بتوحيد البيت الأيوبي تحت رايته. وكما فعل صلاح الدين من قبل، فعل أخوه الملك العادل، فقسّم أراضي دولته بين أبنائه وهو على قيد الحياة، ولكن هؤلاء الإخوة لم يكونوا على وفاق بعد وفاة أبيهم، فكانوا يتقاتلون و يُحاربون بعضهم بعضًاوبالطبع فقد استفاد الصليبيين من هذه الخلافات، الا ان واحدًا استطاع أن يلمع نجمه في ظلام هذا الخلافات ،و هو «الصالح أيوب»، حفيد الملك العادل، الذي أعاد توحيد دولة صلاح الدين تحت سلطانه. ولمّا مات الصالح أيوب تولّى السلطنة ابنه توران شاه ، لكن مماليكه ائتمرواعليه وقتلوه، ثمّ نصبوا زوجة أبيه شجرة الدر» سلطانة عليهم، وبهذا زالت الدولة الأيوبيّة في مصر وقامت مكانها دولة المماليك.
 صلاح الدين في التراث في الوعي العربي يعد صلاح الدين في الوعي العربي الإسلامي محرر القدس، ، فقد كان في تحريره للقدس من الصليبيين مصدر إلهام لمعارضة العرب في العصر الحديث للصهيونية واكتسبت بطولات صلاح الدين وقيادته أهمية جديدة. كما استُلهمت شخصيته في الملاحم والأشعار وحتى مناهج التربية الوطنية في الدول العربية، كما أُلِّفَت عشرات الكتب عن سيرته،. ولا يزال صلاح الدين يضرب به المثل كقائد مسلم مثالي واجه أعداءه بحسم ليحرر أراضي المسلمين، دون تفريط في الشهامة والأخلاق الرفيعة. 
علاوة على ذلك، أصبح طائرالعقاب الخاص بصلاح الدين رمزًا للدولة الملكية في مصر،واعتمد لاحقًا كشعار لعدد من الدول العربية الأخرى مثل العراق وفلسطين واليمن وسوريا.. كما يوجد عدد قليل من المباني منذ عهد صلاح الدين ما زالت باقية في المدن الحديثة. فقد كان صلاح الدين الأيوبي أول من حصّن قلعة القاهرة مدخلا ذلك الطراز المعماري العسكري إلى مصر الذي لم تعرف قبله سوى القصبات الشمال أفريقية، في الوعي الأوروبي بالرغم من كون صلاح الدين كان خصمًا لدودا للأوروبيين، الا انه ظل في الوعي الأوروبي نموذجًا مثاليا للفارس الشهم الذي تتجسد فيه أخلاق الفروسية بالمفهوم الأوروبي، حتى أنه توجد ملحمة شعبية شعرية من القرن الرابع عشر تصف أعماله البطولية. 
فعلى الرغم من المذبحة الكبرى التي قام بها الصليبيون عندما احتلوا القدس في عام 1099م، الا ان صلاح الدين عفا وسمح للمسيحيين الغربيين بالمغادرة مع بقايا الجيش المسيحي المنهزم، طالما أنهم كانوا قادرين على دفع الفدية التي فرضها عليهم. 
كما عومل الأرثوذكس (ومنهم مسيحيون عرب) معاملة أفضل لأنهم في العادة كانوا يعارضون الغزو الأوروبي الصليبي. 
بالرغم من الاختلاف في العقيدة فإن القادة المسيحيين امتدحوا صلاح الدين، خصوصًا ريتشارد قلب الأسد، الذي يُروى أنه قال عنه أنه أمير عظيم وأنه بلا شك أعظم وأقوى قائد في العالم الإسلامي؛كما يُروى أن صلاح الدين ردَّ بأنه لم يكن هناك قائد مسيحي أشرف من ريتشارد. 
وبعد معاهدة الرملة، تبادل صلاح الدين وريتشارد الهدايا كرمز للاحترام المتبادل، ولكنهما لم يلتقيا قط وجهًا لوجه. . 
قال عنه المؤرخون الأوروبيون « أن كرمه وورعه وبعده عن التعصب؛ وتلك الليبرالية والنزاهة التي كان يتميز بها جعلته النموذج الذي ألهم مؤرخينا القدماء؛ وهي ما أكسبته احترامًا في سوريا الإفرنجية لا يقل عن الذي له في أرض الإسلام.»

                        النهاية