الاثنين، 14 أغسطس 2017


















 تلخيص رواية
 وبعد : غيوم ميسو
اعداد واشراف -رجاء حمدان 


ككل صباح إستيقظ ناتان ديل أميكو على وقع رنينين متزامنين . كان ناتان يقيم في الطابق الثالث والعشرين من مبنى سان ريمو , عشية ذلك اليوم أعلنت النشرة الجوية عن طقس ثلجيٍّ ولكن لم يتساقط أي شيء , سار في الشارع بخطوات صغيرة , فرض ناتان على نفسه منذ سنوات عديدة إيقاعاً ثابتاً من الجري, كان الهواء قارصاً ولكن ما كان ليتخلى عن ساعته اليومية من الرياضة لأي سبب في الدنيا , توقف قليلاً عن المشي واستسلم لذكرى قهقهات ابنته بوني التي غزت ذاكرته  وكان في أشد الشوق إليها , وعبَر أيضاً في ذهنه وجه زوجته مالوري وعيناها الواسعتان كمحيط , كان يشعر بأنه وحيد بائس ....


صفَق ناتان باب سيارة الأجرة ودخل  إلى البرج الزجاجي الذي يضم مكاتب المحاماة , كان يعمل في مكاتب ماربل الأشهر والأكثر نجاحاً حيث ذاع صيته سريعاً في المؤسسة ورشحه آشلي جوردان كشريك له ,  حقق ناتان طموحه في أن يصبح أشهر المحامين وأحد الذين يتم الإعتراف بجدارتهم وتميزهم في المهنة , لقد نجح في الحياة بشكل عام .
جلس ناتان في مكتبه ولا زال الألم في صدره متواصل باستمرار , جاءت مساعدته (آبي) وأطلعته على برنامجه بعد الظهيرة حيث اتصل شخص إسمه غورديش , طبيب مشهور,  قال إنه صديق لآشلي جوردان وأراد موعداً عاجلاً . وبالفعل وصل غورديش قبل الساعة الخامسة بقليل , كان رجلاً بادي الشيب طويل القامة , وما أن لاقت نظرة غورديش نظرة ناتان حتى شعر ناتان بالضيق وتسارَع تنفسه على نحو غريب وتشوشت أفكاره لبرهة وقال غورديش : أنا طبيبٌ إن أردت أن أعاينك فسأفعل ذلك بطيبة خاطر ، لكن  ناتان رفض ذلك بلطف ثم استفسر عن سبب الزيارة فقال غورديش : لدي بضعة كيلومترات زائدة وأدري أن هذا لا يحتاج خدمات محامي قضايا . حل صمتٌ في الغرفة ثم تنقل غورديش في الغرفة فرأى العديد من التماثيل على شكل أوز فسأله : هل أنت مهتم بالثقافة السلتية ؟ , فقال ناتان : عائلة أمي من أصلٍ إيرلندي وزوجتي كذلك , فاعترضه غورديش وقال : تقصد زوجتك السابقة !! أخبرني آشلي أنكما انفصلتما ثم أشار إلى جرح بيد ناتان وقال : في اللحظة التي تتحدث أنت بها تتجدد مئات الخلايا في جلدك حينما تموت خلية , وبالتوازي مع ذلك العديد من الخلايا العصبية لدماغك تتلف كل يوم وذلك مذ بلغت العشرين , هذا هو التوازن بين الخلق والدمار , حينها نهض ناتان من مكتبه وخرج سريعاً من القاعة ودخل إلى شبكة الإنترنت وفتح مواقع مستشفيات نيويورك . لم يكن الشخص الجالس في مكتبه محتالا ولم يكن مريضاً عقلياً بل كان  بالفعل  دكتوراً في جراحة الأورام السرطانية , وكان شخصاً مهماً وقطباً حقيقياً في عالم الطب , فليس هناك مجال لأي شك ,ولكن لماذا إذاً لم يكن شكله غريباً عليه ؟. رجع إلى مكتبه وسأله صراحة : بماذا يمكنني أن أفيدك ؟ فقال غورديش : سيحين الوقت يا ناتان , من يدري ما الذي قد يحدث في الغد ؟  ولعلمك أنا لا أعرف آشلي جوردان بل كان وسيلة للوصول إليك , وعرفت أنك مطلّقٌ من وجهك ويبدو أنك لا تصدق ذلك ولهذا سأدعك وشأنك ! . غادر غورديش مقعده واجتاز عتبة الباب دون أن يلتفت إلى الوراء .
شق على ناتان أن يكمل عمله بعد حديثه الغريب مع غورديش ,وكان وهج الحرارة التي غمرته والألم المتزايد  لصدره يمنعانه من التركيز , وقرر أن يكمل دراسة ملفاته في البيت . إتصل بعدها بطليقته ليدقق في تفاصيل وصول ابنته في العطلة القادمة , طلب رقم الهاتف بتخوف وبعد ردِّ مالوري الجاف أغلق الهاتف . لم يفكر قط أن أحاديثهما ستصل ذات يوم إلى هذه الدرجة من الجفاء , فحياته الخاصة سلكت في المسار المعاكس لمسار نجاحه المهني , فقد تفككت حياته الزوجية في السنوات الأخيرة وتحول المكتب ليصبح كل حياته , أما إبنته بوني إبنة السبع سنوات فهي من تأثرت بكل تلك الحوادث فكثيراً ما تساورها نوبات القلق كما تقول مالوري .
أخيراً وفي نحو الساعة السابعة والنصف تلقى المكالمة التي كان ينتظرها من بوني , تحادثا طويلاً على الهاتف ثم  في نهاية المكالمة قالت بوني : أخاف أن أستقل الطائرة وحدي أريد أن تأتي لتصطحبني يوم السبت . كان لدى ناتان موعد مهم يوم السبت بالضبط وكان هو من أصر على تثبيت ذلك التاريخ , وفي نهاية المكالمة كشف الغصّات التي تصاعدت في حلق ابنته , فكان خوفها من أن تستقل الطيارة يدل على قلق حقيقي , وبالنهاية وعدها على أن يستقلها ونام على الأريكة . وفي حوالي الساعة التاسعة استيقظ متوثباً على رنين الإنترفون , وكان الحارس بيتر حيث أخبره بأن السيد غاريت غورديش يطلبه ! . إستغرب ناتان من ذلك وطلب من الحارس أن يُدخله  وبالفعل دخل غورديش . اصطحب غورديش ناتان  إلى أحد أشهر أبراج مانهاتن      ( إمباير ستيت ) , كان غورديش قد اشترى بطاقتين فدخلا إلى البرج , ولوقت طويل لم يتبادل ناتان وغورديش أي كلام مكتفين بالإنبهار بأضواء المدينة من الأعلى إلى أن قطع غورديش الصمت وقال : الصبي ذو السترة البرتقالية إسمه كيفن وليامسون , لقد رمى والده نفسه من عن هذه المنصة , وهو يأتي إلى هنا إسبوعياً وبانتظام , ولكن الأهم من ذلك أنه سيموت الآن ! ,حينها رد ناتان : تباً لك يا غاريت كيف عرفت ذلك ؟ فقال غورديش : لنقل إنني أجريت تحقيقي الصغير عنه , وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى أخرج كيفن مسدسه وأطلق النار على نفسه وسط اندهاش ناتان الذي بحث بعدها على غورديش الذي اندس في أول مصعد شاغر , ولما التقت نظراتهما لجزء من الثانية أمام البابين الجرارين صاح ناتان : لماذا لم تفعل شيئاً وأنت كنت تعلم بأنه سوف يموت ؟ .

صباح اليوم التالي إستيقظ ناتان متأخراً وأول ما أحس به هو الألم المتواصل في صدره, وكان قد حلم مرة أخرى بذلك الحلم بالغرق ,علامة القلق عنده .. ماذا كان يريد ذلك الشخص تباً له ؟ بدأ كل ذلك يغدو مقلقاً !. إنطلق ناتان إلى عمله والغى موعده المؤجل مع جوردان , ثم انطلق بسيارة الأجرة إلى أمام مركز العمليات الجراحية , دخل ناتان مهرولاً يطلب الطبيب غورديش وما أن خرج الطبيب حتى سأله ناتان مباشرة : حضرت إلى مكتبي ثم إلى منزلي وجعلتني أحضر عملية انتحارٍ رهيبة من دون أن تقول لي شيئاً , هلا شرحت لي ؟؟ إعتذر الطبيب غورديش لأنه لديه العديد من العمليات وعرض على ناتان أن يرافقه لحضور إحدى العمليات إن أحب !. شعر ناتان أن غاريت غورديش يسيطر عليه فلحق به وحضرعملية استئصال البلعوم لأحد المدخنين الشرهين, نظر ناتان إلى غورديش وهو مستغرق في عمليته وقال في نفسه كلا هذا ليس مجنوناً بل طبيب بارع , رجل يستيقظ صباحاً لينقذ حياه البشر , ولكن ما الذي يريده مني ؟؟!!. شعر ناتان وهو في غرفة العمليات بصغره , بدت له ملفاته واجتماعاته وذلك المليون من الدولارات الموجود في حسابه كلها تافهة ! حينها خرج ناتان من غرفة العمليات ولحقه غورديش بعد عشر دقائق وقال غورديش : إنني أعمل في قسم العناية المسكنة , هذا القسم الذي يستقبل مرضى فقدَ الطب الأمل في شفائهم ولا يعود أمامهم سوى بضعة أسابيع للعيش , ومهمتنا أن نصاحبهم إلى الموت , هذا القسم مخصص لأشخاص سبق وأن توقع لهم الطب الموت ولكن هناك أيضاً كمّ كبيرٌ من الوفيات التي من غير الممكن التنبوء بها مسبقاً !, ولكن يمكن لبعض الناس المبشرين التنبوء بتلك الوفيات , ويسمحون لمن سيموتون بترتيب حياتهم قبل وفاتهم , وبإمكانك أن تكون من أولئك المبشرين ! صدِّقني أقول لك ببساطة أن لدي القدرة على الحدس بموت بعض الأشخاص , أعلم أنهم سيموتون قبل حدوث أول العلامات المنذرة  وأجهد لأن أعدهم  لما ينتظرهم , قال ناتان : إذاً أنت هنا من أجلي ؟ هل هذا هو ما عليَّ أن أفهمه ؟ هل حانت ساعتي ؟ فإنه إذا ما يراودك حدسك تهبط على الناس لتخبرهم بأنه لم يعد أمامهم سوى أسبوع !! حينها قال غورديش : لم أقل أيّ شيء للذين سيموتون, أنا أعرف ذلك هذا كل شيء ! حينها غادر ناتان القاعة نهائياً وبقي غورديش وحيداً على الطاولة  يراقب شبح  ناتان الذي ابتعد وسط الثلج والبرد .

ترك ناتان المكان ولم يعد يعرف ما هو رأيه بكلمات غورديش ولكن أمراً واحداً كان مؤكداً أنه كان بحاجة إلى استراحة , بحاجة أن يأخذ وقته وأن يستغل العطلة ليهتم أكثر بإبنته . 
في صباح اليوم التالي لم يكن الألم قد زال بل على العكس كان لا يزال يعصر تجويفه الصدري , وأخيراً قرر أن يبقى على الريق لتؤخذ منه عينة من الدم لتحليلها . ركب في سيارته فوجد إسطوانة قديمة لأحد المغنيين المفضلين لزوجته السابقة مالوري . كانت مالوري تحب المغنيين الشعبيين والمعارضين عموماً , كانت مالوري معارضة لكل شيء , معارضة للدين وللتلوث ولعمالة الأطفال ولبؤس البلدان الفقيرة ,كما أنه رغم استهزائه أحياناً بالنزعة النضالية لزوجته كان معجباً بها سراً لأنه كان يعرف جيداً لو أن العالم سيعتمد على أشخاص مثله ليتقدم نحو الأفضل لما انتهى انتظاره !. وصل ناتان إلى عيادة الدكتور بويلي فعيادته كانت مؤسسة مشهورة برعايتها الطبية , وتم إجراء الفحوصات اللازمة له ثم أرسل إلى إختصاصي في حالات الإرهاق العام لإجراء اختبارات لقياس مدى قلقه المهني والعائلي , ثم انتقل بعدها إلى الإختصاصي في الأمراض القلبية ثم إلى عدة اختصاصيين بعدها, وانتظر ساعة لتظهر النتائج . أخذ يفكر في مالوري وكيف كانت حياتهما الزوجية في حالةٍ من السعادة العميقة  ومع ذلك انتهت بالإنفصال , حيث كان للعمل  والإنشغال الكبير دوراً كبيراً في ذلك ولكن بشكل خاص كان هناك دوراً لوفاة سين طفلهما الثاني في الشهر الثالث من عمره . حصل ذلك قبل ثلاثة أعوام حيث كانت مالوري مضطرة للسفر وأخذ ناتان الإهتمام بالطفلين بوني وسين , لكن المشكلة كانت في ذلك المساء أنه لم يكن لديه الوقت فقد كان يعمل على قضية هامة وصعبة , وبعد أن أعطى الطفل رضاعته إستغرق في النوم وعلى غير عادته لم يستيقظ على صوت سين الذي وجده جثة هامدة في سريره , وهكذا جرت الأمور سريعاً وأصبح وجوده مع زوجته فجأة لا يطاق , كيف يمكنه العيش تحت وطأة نظراتها التي كانت لاشعورياً تتهمه ربما بموت سين ؟ .. بعد ساعة كان ناتان يجلس قبالة الدكتور بويلي الذي قال : لن تموت غداً صباحاً ليس هناك أي شيء مقلق في فحصك الطبي , أما بالنسبة للألم الذي في صدرك فهو ليس بالأمر العظيم في أسوأ الأحوال فهو ذبحة صدرية كامنة سببها إرهاق عام شديد . غادر ناتان سريعاً عندما اطمئن على صحته ولكنه كان صاحياً بما فيه الكفاية ليرى أن شيئاً ما لا يسير على نحو طبيعي .

كان مرتاحاً جداً , إنطلق إلى وحدة العناية ليقابل الطبيب غورديش , فقابله وطاف به الطبيب في المركز ليطمئنوا على أحوال المرضى في المبنى ,  كان الطبيب غودريش خطيباً لا مثيل له يدير المزاج بسهولة ويسر, لاحظ ناتان أن أحد المرضى غير خائف على عكس البقية وحينها علم أن الخوف من الموت يقل حينما يتخلى المرء عن المشاريع ، فإنكار الموت ليس حلاً!  حينها قال ناتان : ليكن الأمر واضحاً تماماً , فأنا لا أصدقك يا غورديش فكل ما قلته لي وكل كلامك الخلاب عن الموت والمبشرين لا أصدق كلمة واحدة منه , بالإضافة إلى أن صحتي ممتازة ولست مشرفاً على الموت إطلاقاً , قال غورديش : أنا أفهمك , إن من يعتقد بأنه يتحكم بحياته لا يرغب أن يزعزع يقينه أحد , ويبهجني أن أسمع أن صحتك جيدة ولكن عليك أن تزور كانديس التي تعمل نادلة في مقهى , لقد مررت من أمامها وفجأة تجلت لي رؤيا , وعرفت في قرارة نفسي أنه لم يتبق لها سوى بضعة أسابيع ! صعق ناتان مما سمع حينها !!! .

إنتقل ناتان إلى المقهى الذي أعلمه عنه غورديش وانتظر أن تأتي النادلة لتأخذ طلبه , دقق ناتان في إحدى النادلات وكانت سريعة ونشيطة ولكنها جذابة وذات مظهر عادي, عرف ناتان بالفطرة أنها كانديس وتأكد من ذلك حين قرأ اللوحة الأسمية المثبتة على قميصها , خرج ناتان من المقهى حتى لا يشك أحد بأمره وجلس في سيارته يراقب كانديس من بعيد إلى أن أتاه اتصالٌ من ابنته بوني التي قالت له بعد حديث طويل : لقد سهرنا بالأمس مع فينس صديق أمي ولكن أعتقد أن أمي لا تحبه ولكنها محتاجة للحب في حياتها , كان ناتان يعلم أن مالوري تُواعد تايلور فينس الشاب المتعجرف المقتنع بأن نَسبه يمنحه تفوقاً على الناس المحيطة به . كان ناتان يعتقد أن فراقه عن مالوري مؤقت لذلك لم يفكر قط في أن يستأنف حياته مع إمرأة أخرى غيرها أبداً , على كل الأحوال لا أحد بوسعه أن يسد الفراغ الذي تركته مالوري .

بعد مدة انتهت كانديس من عملها وانطلقت بسيارة بيك أب وانطلق ورائها ناتان , فنزلت إلى إحدى البيوت والتقطت طفلاً صغيراً , ثم ذهبت لشراء بعض البضائع ثم توقفت عند محلٍ لبيع الكحول واشترت زجاجتي جعة . هذا أمر غريب لم يتصورها تشرب الجعة ! إنتقلت إلى حي قروي صغير والتقت برجل في الستين من عمره كان يدهن الشرفة ودخل معها إلى شقتها, لعله والدها . ظل ناتان ساكناً في سيارته بلا حراك مراقباً  لشقة كانديس من بعيد إلى أن جاءته رسالة من غورديش محتواها ( أنظر إلى رسائلك الإلكترونية ) , فتح البريد الخاص به وقلب ليرى رسالة على شكل فيديو من غورديش , كان التسجيل يعود إلى قبل ثلاثة أشهر, كان في التسجيل سيارة تسير في طرق تكساس , وكان التسجيل الثاني مُصور داخل شقة صغيرة فيها جدار مُغطى بالصور فيها صورة كبيرة لفتاة صغيرة شقراء واقفة على أرجوحة , وهناك رجل مشمر الكمين يثير حماستها من خلفها وكانت سيجارته خلف أذنه !! .

إنطلق ناتان بسيارته إلى بيت غورديش بعد أن أخذ العنوان من المستشفى, كان للبيت مظهراً غامضاً . طرق ناتان الباب فجاءه صوت غورديش قائلاً : كنت في انتظارك يا ناتان ! نظر ناتان إلى غوردش قائلاً في نفسه : لقد رأيته من قبل , أعرف أني قد رأيت هذا الرجل , حاول لبرهة أن يتخيله من دون لحية شعر, شعر بأنه في لحظة ما من حياته بأنه  قد حاول أن ينسى هذا الوجه , حينها سأله ناتان أتعيش وحيداً هنا ؟ قال غورديش : نعم أعيش وحيداً ماتت زوجتي منذ أكثر من عشرين عاماً وقمت بتجربة مريرة بعدها وانتهت بالطلاق .. للمرة الأولى منذ زمن طويل أحس ناتان بأن شيئاً ما كان يسترخي في داخله ووجد نفسه في انسجامٍ تام مع الطبيب فسأله عن كانديس فقال غورديش : ولدت كانديس في حي شعبي , إنفصل والداها وعاشت مع أمها وظلت تلتقي بوالدها بانتظام إلى أن دخل السجن وهو الرجل الذي رأيته معها يا ناتان  وأنا من أعدته إليها , أما أنا فأكتفي بالتقرب من العائلة فلا أحد يستطيع تغيير مجرى الأمور , حينها رد ناتان بغضب : إذا كنت تعرف أن كانديس ستموت فأنقذها ,غيِّر شيئاً ,فلو قبِلتُ في حياتي بكل ما أريد أن يُفرض علي لكنت الآن أكدس الصناديق في مصنع ! حينها عرض غورديش على ناتان النوم في البيت معه فهناك غرف فارغة , وقبل ناتان الدعوة دون تمنع .

إستمر ناتان في مراقبة كانديس , فاليوم الجمعة وعلى ما يبدو فإن لديها عمل إضافي في إحدى الحانات , إنطلق ناتان وراءها ونزل إلى الحانة وبقي ينظر إليها إلى أنِ انتبهت عليه فحادثها وطلب منها أن يخرجا سوية بعد العمل , ثم جاءها اتصال يخبرها بأن والدها قد أصيب بنوبة قلبية  فأخذها ناتان إلى المستشفى , وكان والدها قد أصبح جثة هامدة حين وصولهما . إتصل ناتان على غورديش كي يخبره بأنه كاذب ولكن غورديش أكد انه لم يتقرب من والد كانديس للدرجة التي يمكنه التنبوء بالموت فيها , إنتقل بعدها ناتان إلى بيت كانديس ليطمئن عليها وعرض عليها مبلغاً كبيراً من المال لتربي إبنها ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً ,حاول إقناعها بأنْ كشف لها عن كل أوراقه وهويته ومهنته ولكنها رفضت .
وبعد أيام أخذت كانديس تتفحص أوراقه وهويته وشعرت أنه صادق فاتصلت به  ووافقت ، ذهبا ثلاثتهم ناتان وكانديس وابنها جوش إلى المصرف حيث كانت ساعة الذروة والناس محتشدة هناك, إنطلقت كانديس لتصرف الصك  وأخذ ناتان ينظر إليها , في تلك اللحظة ذكّرته بمالوري , بالتأكيد كان يزداد تعلقاً بهذه المرأة ببساطتها وبالطمأنينة المنبعثة من حياتها , وفجأة دفع رجل عريض المنكبين باب المدخل ثم تبعه رجل آخر ثم رفعوا سلاحهم في وسط القاعة, إنها عملية سطو مسلح على المصرف, كان الجميع قد انبطح على الأرض وكانديس قد اختبأت هي وجوش تحت إحدى  المكاتب , حاول ناتان أن يقوم من مكانه فركله أحد الرجلين فداخ وبالكاد التقط أنفاسه , حينها تحركت كانديس باتجاهه  وفي نفس الوقت جاءت الشرطة إلى المصرف , فحاول أحد الرجلين أخذ كانديس كرهينة فأطلق رجل أمن المصرف طلقتي رصاص عليه استقرت إحداها في خاصرة كانديس , وأصبح وجهها شديد الشحوب وفارقت الحياة على إثرها . لم يستطع ناتان فعل أي شيء حيال ذلك سوى أنه التقط جوش واحتضنه بين يديه وجلس على الرصيف , وشعر أنه السبب في موت كانديس لأنه هو من أحضرها إلى هذا المصرف اللعين ! .
  
في المساء استسلم ناتان لغزو أضواء المدينة وأصغى إلى ضجيج نيويورك وحيداً خائفاً مشتاقاً لزوجته , إنه يعلم أنه سيموت قريباً لم يعد يشك الآن في قدرة غورديش على الحدس بالموت ولكن كيف سيتصرف الآن وهو على موعد مع الموت ؟ تذكر الطفل الحزين جوش وكيف انتزعه موظف الخدمات الإجتماعية , شعر ناتان بأنه محبط  للغاية , قفز إلى سيارته وسار بسرعة شديدة , لم يكن بوسعه التركيز على وجهته . لا بد من القول أن نسبة الكحول التي في دمه كانت عالية جداً  ، توالت صور ذكرياته منذ طفولته للآن في رأسه, وفي النهاية وصل إلى بيت غورديش.
دق الباب ، لم يكن غورديش موجوداً , نظر إلى من حوله وكان عليه أن يدخل إلى البيت بأي ثمن ولكن كلب الحراسة يحول دون ذلك , عض الكلب على رجل ناتان ولكنه استطاع بالنهاية الإفلات منه والدخول إلى البيت . دخل ناتان إلى غرفة المكتب حيث يحتفظ غورديش فيها بعدد من الوثائق التي تخصه مرتبة زمنياً , أخيراً وصل إلى عام 1972,  كان الدكتور قد أنهى اختصاصه في الجراحة وكان في السابعة والعشرين من عمره . إستخرج ناتان كُراساً صغيراً أسمر اللون (سجل يومي – مستوصف نانتوكيت ) , تأكدت الشكوك التي راودت ناتان , فقد كان ناتان قد تعرض لحادث ونقل إلى المستوصف بينما كان الدكتور المناوب هو غاريت غورديش ! جاء في السجل : (( اليوم نقل إلينا طفل صغير في الثامنة من عمره في حالة موت سريري , أجرينا له الصدمات الكهربائية وبخلاف كل التوقعات نجحنا في إنعاشه , وفي اليوم التالي استعاد الصبي وعيه , إنه طفل خجول وكتوم يدعى ناتان ديل أميكو إنه طفل جذاب ويمتلك معجماً واسعاً من المفردات وسجلت حديثي معه على إسطوانه ممغنطة )) . وضع ناتان يده على التسجيل وفتحه وجاء في التسجيل الصوتي : (( يسأل غورديش : كيف حالك , إرْوِ لي ما حدث لك يا بطل , ليجيب صوت طفل قائلاً : أعرف أنني كنت ميتاً , فحين وصلت على النقالة أنت قلت إنني ميت وصرخت بكلمات لا أفهمها , كنت أحَلّق عند السقف ورأيت كل شيء , ولكن هناك شيء سحبني يشبه النفق ورأيت أناساً كانوا  موتى , وكنت أعلم أنني سأموت وأردت ن أغرق في النور ولكن كان هناك شيء يشبه الباب منعني من البلوغ , لقد أرسلت إليَّ رؤية وقررت العودة , قال غورديش : وما الرؤية , رد الطفل ناتان : آسف هذا لا يعنيك )) وانتهى التسجيل بينما أكمل ناتان السجل (( منذ يومين وأنا لا أكف عن التفكير في كلمات ناتان ,وبعد يومين خرج الطفل من المستشفى, وحينما جاءت أمه في الصباح سألتها إن كان من عادتها أن تحادثه عن الملائكة أو الفردوس فأكدت لي أنها لا تفعل )) . حل الليل وسمع ناتان صوت سيارة وأن احداً دخل البيت وأشعل النور, إنه غورديش . قام غورديش بعلاج ناتان من عضة الكلب ثم سأله ناتان عما كُتب في السجل فقال غورديش : لا بد أنها هي حالة يعيشها أشخاص قلة ما بين الحياة والموت ولكن ليس العالم الآخر , ولكن قل لي يا ناتان ما هي الرؤية التي رأيتها في صغرك ؟ . كان ناتان صامتاً فقد عاش تجربة شديدة الغرابة بحيث يكون من الطبيعي أن يحرص على الإحتفاظ لنفسه بجزء من ذلك اللغز ومن تلك النجاة الأعجوبة فقال ناتان : أنا بنفسي لم أعد أتذكر شيئاً ! ولكن أنت أخبرني عن المبشرين ؟ قال غورديش : لقد سبق وشرحت لك أنني أستشعر مسبقاً من سيموت ولكن ليس لدي قدرات أخرى , العالم مأهول بالمبشرين , نظرغورديش إلى ناتان الذي سأله وقال بماذا تنصحني إذاً ؟ رد عليه : لا أعرف ولكن كل شيء يحمل على الإعتقاد بأنك لا تزال تحب زوجتك حاول أن تجعلها تعرف ذلك . حينها نهض غورديش وذهب إلى نيويورك بعمل طاريء بينما بقي ناتان في البيت وحيداً يتأمل في النار التي على  المدفأة , ووضع الإسطوانة السمعية وسجله الطبي في جيبه , وأخذ يقرأ في سجل إيميلي زوجة غورديش ومذكراتها في آخر أيامها ثم ترك البيت . سار ليلاً على الطرقات المغطاة بالثلج ويشغل باله سؤال : هل هناك مكان نذهب إليه جميعاً ؟! قادته تجربة الموت الوشيك تلك بلا ريب إلى شيء فبدا له الموت شيئاً وديعاً وجذاباً , ولكنه كان يعرف أنه لا يزال غير مهيء لمواجهة تلك الحادثة في حياته .

إتصل ناتان بمالوري ليقدم موعد لقاءه بإبنته ولكن ردّ مالوري كان جافاً فقال لها :هل تتذكرين تلك الفترة التي كان كل منا يحكي للآخر كل شيء ؟ الفترة التي كنا نمسك فيها أيدي بعضنا ونحن نسير في الشارع , إنني أفكر في تلك الفترة كل يوم , تخيلي أن مكروهاً قد حصل لي ,الصورة الأخيرة التي ستحتفظين بها هي صورة زوجين منفصلين , أعتقد أنك ستلومين نفسك وأنه سيكون من الصعب عليكِ التعايش مع هذه الحالة , حينها انفجرت مالوري قائلة : قلت لك إن ذلك حصل بسببك إذا ... ثم شعرت بغصة في حلقها فأغلقت الخط وأخذت تبكي .

بقيت وستبقى وفاة سين إلى الأبد المأساة الكبرى لحياتهما والخيبة الكبرى لفشل زواجهما , كانت تلك المرة الأولى التي شعرت فيها بأنها غريبة عن ناتان , ففي اللحظة التي كانت بأمس الحاجة إلى مساندته كان منهمكاً أكثر في حياته المهنية بينما هي تغرق في ألمها , لقد ظنا أن كلا منهما يخطو خطوة نحو الآخر ولكنهما لم يكونا على وفاق , تذكرت مالوري أيامهما السعيدة معاً , كانت بالتأكيد مشتاقة لناتان ولكن الهوة بينهما كانت عميقة جداً بحيث لم تشعر أنها قادرة على أن تخطو خطوة حقيقية نحوه ! إتصلت بناتان وقالت : يمكنك أن تأتي وتأخذ بوني مبكراً بالإضافة إلى أنني أتذكر كل شيء يا ناتان , أتذكر كل اللحظات التي قضيناها معاً , أتذكر كلماتك حين أخبرتك بأني حامل , أتذكر كل شيء وخاصة عندما لم يكن يهمني أي شيء في حياتي غيرك , وبالتالي ليس لك الحق في أن تتكلم بالطريقة التي تفعل بها وأغلقت السماعة ! .

نزل غورديش من بيته واستقل سيارته ليرى ناتان جالساً بجواره فقد كان قد أخذ النسخة الإحتياطية من المفاتيح من بيته , وقال ناتان : سنذهب أنا    وأنت إلى المطار , فأنا ميت مع وقف التنفيذ في حين أنك في مأمن , أعْترفُ أنك نجحت في إثارة الهلع داخلي ولم أعد أستطيع أن أضع قدمي خارجاً من دون أن أخشى أن تصدمني سيارة أجرة أو تنزل سقالة فوقي فستكون أنت ضمان حياتي . ركبا الطيارة  ووصلا إلى كاليفورنيا وناتان لا يفكر سوى بأنه  سوف يرى مالوري , وصلا إلى جانب  بيت صغير خشبي , دق ناتان الباب وكان قد تحسب لكل شيء إلا أن يفتح له الباب فينس تايلر ! . كانت بوني عند زميلتها أما مالوري فكانت في الأعلى , وبعد مدة جاءت بوني وارتمت بين ذراعي ناتان ثم تبعتها مالوري التي نزلت واستعجلت تايلر ليخرجا سوية .
في مطار سان دييغو الدولي كان غورديش يقضم لوحه الخامس من الشوكولا بينما كانت بوني تستمع إلى الموسيقى وكان ناتان تائهَ النظرةِ خلف الزجاج يجتاحه شعورٌ مشؤوم , وماذا لو لم ير مالوري مرة أخرى, لا يمكن لحكايتهما أن تنتهي بهذه الطريقة , كان عليه أن يلتقي بزوجته على الأقل للمرة الأخيرة .
توجه إلى غورديش وقال له إنه سيقابل مالوري وسيترك الصغيرة بوني برفقته , فعلى الرغم من قدرات غورديش كان ناتان يثق به وبشدة . تضاعفت شدة المطر وابتل ناتان بالكامل بينما كان ينتظر مالوري على باب شقتها , وفجأه ظهرت مالوري ونزلت من السيارة وركضت نحو البيت , كان ناتان يقف حائراً متردداً هل كان هناك أدنى معنى لرغبته في أن يقول لهذه المرأة أنه لا يزال يحبها ؟ وفجأه انفتح الباب وخرجت مالوري مرة أخرى إلى الشارع تصرخ ناتان ؟؟؟؟؟ وأدخلته إلى بيتها ! . كيف شعرت بوجوده حتى من دون أن تعرف أنه لم يستقل طائرته ؟ لن تفهم ذلك أبداً , فلقد دفعتها قوة سحرية لأن تلتقي بناتان فجأة , فلم تكن على إيمان ديني عميق ومع ذلك كان بينهما نوع من العلاقة الروحية المطمئنة والغامضة في آن واحد . كانا مرتبكين بلا معالم كعاشقين قديمين معروفين جيداً في ما مضى قبل أن يفترقا بسبب صروف الحياة , تبادلا أطراف الحديث ثم سألها ناتان عما أودى بهما إلى هذا الحد فردت مالوري : لم يطمئنني العيش مع شخص بلا عيوب , كان بوسعك ربما أن تقر بنقاط ضعفك على الأقل أمامي , كان بوسعك ربما أن تثق بي , لقد خيبت أملي ! ثم تركت ملامتها جانباً  وتكورت على جذعه وأغمضت عينيها , ولكنها كانت تعرف أنها بعد بضع دقائق ستشعر على نحو أليم بغيابه , ثم تملصت منه وقالت له يجب أن تغادر الآن . إندس ناتان في السيارة ولم يستطع الإمتناع عن الإلتفاف إلى الوراء ليلقي عليها النظرة الأخيرة , النظرة الأخيرة لرجل يخشى أن يفقد إلى الأبد المرأة التي عشقها , العلامة الأخيرة لامتنانٍ من روحٍ حظيت على هذه الارض بفرصةِ العثور على نصفها الآخر .

رجع ناتان إلى سان ريمو وأخذ ابنته إلى بيته , لقد كان قلقاً عليها بشكل كبير, هل ستكون قادرة على مواجهة المحنة الأصعب في بداية حياتها ؟ هل هناك طريقة لتهيئة طفل لموت أحد والديه الوشيك ؟ أراد أن يقول لها ألا تخشي المستقبل وأنه حتى وهو ميت سيكون حاضراً على الدوام لرعايتها وحمايتها , تكلم ناتان مع ابنته قليلاً عن الموت ثم قال لها : إن الموت محتوم فإن مت يجب ألا تكوني حزينة هل فهمت ؟ , وعليك ألا تتحسري على أنك قضيت القليل من الوقت معي , قولي لنفسك دائماً إننا قد قمنا بالكثير من الأمور معاً وأن الكثير من الذكريات ستبقى لنا .

في الصباح انتزع ناتان بوني من السرير وأراد أن يفي بالوعد الذي قطعه لمالوري بأن يأخذها لبيت جديها ليومين كاملين مع أنه لا يرغب في ذلك حقاً ، وعندما وصلا إلى بيت الجدين اندفعت بوني إلى جدها بحرارة , بعدها استقل السيد جيفري ويكسلر جد بوني سيارة ناتان وخرج ليشتري عدة الصيد . جلس ناتان والسيدة ليزا في الصالة , وبدا على السيدة ليزا القلق عندما سمعت أن زوجها استقل السيارة , وأخبرت ناتان أن زوجها ممنوع من قيادة السيارات فقد سُحبت رخصته منذ عام لقيامه بقيادة سيارته تحت تاثير الكحول , وعندما رجع السيد جيفري إلى البيت كان بادياً عليه أنه تحت تاثير الكحول , فأخذ ناتان السيارة ورجع إلى المدينة ليتبين له أنه كان هناك حادثاً قد وقع خلال الساعات القليلة , فرأى أمامه عدداً من سيارات الشرطة والإسعاف تقوم بسحب طفل صغير إلى المستشفى , حينها قال ناتان : إذا مات الطفل فسيدان جيفري بعملية قتل !! ولكن لن يحتمل جيفري ذلك , والسيدة  ليزا لا تستطيع تحمل حبس زوجها أما مالوري !! ستكون هذه نهاية آل ويكسلر , حينها تقدم الشرطي من السيارة فأنزل ناتان الزجاج وقال : أنا .. أنا من صدمت هذا الطفل ! .
عويل سيارة الإسعاف جمَّد الدم في عروق الطبيبة كلير جولياني ,الطبيبة المقيمة الشابة التي أنهت فترة خدمتها منذ دقائق , ولأن الطبيب المقيم غير موجود فبالتالي ستكون وحيدة في إدارة الأمور وسيكون عليها مواجهة الموقف , بينما بات ناتان ليلتها في السجن يفكر في كيفن وكانديس وهذا الفتى الصغير , فرؤية أجسادهم الجريحة والميتة قد ولّدتْ داخله شعوراً بالفزع والعجز ، خرجت الطبيبة كلير لأهل الطفل لتخبرهم : يعاني إبنكما من عدة كسور وتعرّض لرض دماغي شديد مع ورم دموي , إن إبنكما سيخرج من الغيبوبة خلال ساعات وربما علينا أن ننتظر أكثر !, بينما قال والد الطفل : سأقتله إن لم يستيقظ إبني ,سوف أقتل محامي الشؤم هذا ! .

أطلق سراح ناتان بعد ما دفع جيفري الكفالة المترتبه عليه وتكفلت السكرتيرة آبي بالمعاملات القانونية . جلس ناتان وجيفري في المطعم وسأله جيفري بغضب : لا يجوز أن تتحمل المسؤولية نيابة عني ,لا تمثل دور البطل يا ناتان فأنا قد عشت حياتي , أما أنت فلديك إبنة وتعلم جيداً بأنه ربما لم ينته كل شيء مع مالوري .. أشعر بمسؤوليتك ولكن لماذا فعلت ذلك ؟ حينها رد ناتان وكان عليه أن يعترف بجزء من الحقيقة : سأموت يا جيفري , أنا مريض ولا أمل من شفائي ولم يعد لدي الكثير, بضعة أشهر وربما أقل . طرف الرجل العجوز بعينيه مراراً وسالت دموعه على طول خده ثم افترقا ليخرج ناتان إلى آبي ويعودا , وفجأة توقفت سيارة قديمة الطراز ونزل منها رجل قوي البنية وبدأ يصرخ على ناتان : أنت قاتل , كان ينبغي أن تودع في السجن , كيف تركت الطفل يحتضر في حفرة وهربت إنك دنيء ! حينها قالت آبي لناتان إنه والد الطفل , فقال ناتان الذي أراد أن يُهديء الرجل ولكنه كان يعرف ما سيشعر به شخصياً حيال سائق لو أنه صدم بوني : إنه حادث وأؤكد لك أن ولدك سيحظى بأفضل عناية طبية , لكمه والد الطفل فوقع ناتان أثرها على الأرض وسال الدم من وجهه . نظرت آبي إلى ناتان وقالت : كنت دائماً معجبة بك , كنت أجدك مختلفاً عن كل أولئك الشبان اللامعين الصغار , كنت أعتقد أنك في الجوهر شخص طيب وذو قيم ولكن منذ البارحة فقدت أوهامي وفقدت الشيء الأهم , لأنني لم يعد بوسعي أن أثق بشخص ترك طفلاً محتضراً على قارعة الطريق ... أخذتِ الأخبار في الصحف والمجلات تردد : محام شهير في بارك افينيو متورط في حادث سير خطير .

لقد أمضى ناتان سنوات في تجميل صورته كنجم من نجوم المهنة وكل تلك العمارة الجميلة تنهار خلال بضعة ساعات . بعد مدة وصل فاكس إلى السكرتيرة آبي التي أسرعت لتعرضه على ناتان الذي وجد فيه عدة صور لسيارته , ولكن المفاجيء أن جيفري ويكسلر كان واضحاً بشكل كبير في الصور , ولكن من يقف وراء كل هذا , صاحت آبي : إن هذه الصور تبرئك تماماً من القضية , أما من يقف وراء هذا فأنا سأخبرك , إنه مدير محطة الخدمة الرديئة تلك , إنه شخص سعيد للغاية باكتشاف سر القضية , في اللحظة ذاتها وصل فاكس جديد لآبي , كانت هناك ببساطة ثلاثة علامات مكتوبة بخط عريض ( 1M$ ) مليون دولار , فكر ناتان بأسى : سوف أكسب القضية بخسارتها وسوف تساعديني يا آبي في الإنغماس في القضية بعض الشيء ! .
كان كريد ليروي هو من سجل على كاميرته -التي كان قد وضعها صدفة في الشارع- الحادث الذي قام به ويكسلر , ولكنه تفاجأ عندما رأى في المجلات تورط المحامي في ذلك , لذلك قام بإرسال الفيديو لابتزاز المحامي وأخذ بعض النقود منه . شرع كل من آبي وناتان في العمل والبحث سريعاً عن إسم صاحب محل محطة الخدمة والذي يدعى كريد ليروي , كان ناتان عازماً على إنقاذ جيفري في سبيل حماية مالوري وسيدفع المبلغ الخيالي الذي طالبه به هذا الرجل . رفع ناتان هاتفه واتصل بكرويد وكان متعجلاً لمعرفة طين هذا الرجل وأراد أن يكون متاكداً من أنه لن يدفع إلا مرة واحدة .

دفع غورديش الباب ودخل إلى الطفل القابع على السرير ,إقترب غورديش  منه ,كان الطفل ساكناً صغيراً جداً وغارقاً تماماً وسط ذلك السرير الواسع.  كان غورديش  قد جاء إلى المستشفى بطلب من ناتان , إقترب غورديش  من الطفل حينها تأكد أنه لن يستيقظ من غيبوبته ، ولكنه في كل الأحوال لن يموت ثم قرب يديه بهدوء إلى وجه الطفل ,كان ذلك أمراً غريباً لم يكن هو بنفسه يستطيع السيطرة عليه فهي قدرة إضافيه تأتي للمبشرين مع الوقت , إقترب غورديش  من الطفل وما أن لامس جبينه حتى انفجرت صورة في ذهنه : صورة ذلك الطفل البالغ من العمر حوالي العشرين وهو يقفز بمظلة , حينها تأكد غورديش من أمر واحد وهو أن هذا الطفل لن يموت , ليس هذا فحسب بل وسيخرج سريعاً من غيبوبته ! .

التقى ناتان بكريد ليروي الذي كان قد ثبت الموعد والمكان , إنتظر ناتان قليلاً قبل أن يذهب لكريد وتأكد بأن هاتفه المحمول على وضع التشغيل وآبي على الطرف الآخر من السماعة لتسجيل كل الأقوال القادرة على إفحام كريد ليروي ! أنهى ناتان حديثه مع ليروي ليُسمعه بالنهاية التسجيل الذي سجله له , وبهذا أنهى كريد إبتزازه لناتان .

كان جيفري ومالوري يجلسان على الشرفة , وكان جيفري قد روى لمالوري بالتفصيل أحداث الأيام الأخيرة ولم يفوت لحظة واحدة ,روى لها كل شيء عدا أن ناتان سيموت , حينها انفجرت مالوري بالغضب على أبيها وقالت : كيف استطعت فعل ذلك ؟ كيف استطعت أن تدع ناتان يُتهم عوضاً عنك ؟ وحزنت كثيراً على ناتان ثم قالت : أنا تعيسة يا أبي إلى حد الإرهاق , منذ أن تركت ناتان يا أبي وأنا أشعر بالخوف من ألا يعود يحبني وأن يكتشف حقيقتي الضعيفة والهشة , قال جيفري : إنه بحاجة إليك بقدر ما أنت بحاجة إليه , فما أقدم عليه حديثاً يظهر أنه يحبك فاذهبي للقائه ولكن استعجلي فالوقت يضغط ! .

كانت آخر الأخبار مُطمْئِنة فاتصل جيفري بناتان ليخبره بأن الطفل قد استفاق من الغيبوبة بينما كان ناتان وبوني قد أمضيا ثلاثة أيام رائعة من العطلة لم يفعلا خلالها شيئاً سوى الترفيه والتسلية , فلقد تُرك لناتان الوقت ليودع إبنته وزوجته , كل الموتى لم يحظوا بهذه الفرصة . وبينما كان بوني وناتان في العطلة شاهدها تأتي قادمة من بعيد وسط الضياء .. مالوري حينما لمحته أخذت تركض نحوه وارتمت بين ذراعيه , حينها قفزت بوني وتعانق الثلاثة بشدة . لم يكن ناتان قد شعر قط بهذا القدر من الحيوية  منذ  أن فهم أنه سيموت عما قريب ,حينها فكر في غورديش وأنه سيتركه يواصل إجراء العمليات للناس بينما هو ككلِّ الذي سبقونه سيكون قد حصل على جوابٍ للسؤال : هل هناك مكان نذهب إليه جميعاً ؟.

وعلى بعد حوالي مئة كيلومتر نهض جيفري ويكسلر من سريره ثم سحب صندوقاً فيه ست زجاجات من الويسكي ونقل الصندوق إلى المطبخ وأخذ يقرع الزجاجات في المجلى , لقد قاوم الإغراء ثم عاد وتمدد إلى جانب زوجته الذي قرر أن يتواصل ويتحدث معها أكثر في الصباح ..

في مكان ما من حارة شعبيه في بروكلين فتحت كوني بوكر الباب وانحنت فوق جوش لتقبله ,فقبل عشرة أيام توفيت إبنة أختها كانديس وأبقت جوش لوحده , وفي الصباح عثرت في صندوق بريدها على بعض الأوراق النقدية وسيارة صغيرة كهربائية وعليها توقيع ناتان وتوضح الرسالة أن هذا المال مخصص لعيد ميلاد الطفل ..

لم تستطع بوني أن تنام الليلة فقد كانت في غاية السعادة بأن أحب والداها بعضهما من جديد .. فتحت مالوري عينها شعرت بالثقة وحلمت بإمكانية إنجاب طفل آخر , ولكن يعلم الله لماذا تذكرت أنها لم تمر لتأخذ نتائج التحاليل التي كان طبيبها قد طلب منها إجراؤها في الأسبوع الماضي ,لا يهم في كل الأحوال فطبيبها يقلق دائماً لأي شيء .
إستيقظ ناتان من النوم وكانت مالوري تعد فطائر الصباح بينما بوني تقفز في الأرجاء , وقف ناتان أمام المرآة لا شك أنه هو بلحمه وعظمه , عشية ذلك اليوم إعتقد أنه سيموت خلال الليل ولكنه الآن لم يعد يشعر بشيء , وكان الخطر الذي هدده قد تلاشى ومع ذلك شعر على نحو غامض أن شيئاً ما لا يسير على ما يرام , في البداية لم يلاحظ أي شيء خاص , كانت مالوري تقف متألقة وسط الضياء حاملة صينية الفطائر , ولكن حينما تقدمت ارتعش ناتان وشعر فجأة أن الأرض تهتز من تحته : ظلتْ هالة من الضياء الأبيض مُعلقة بشعر مالوري . أسرع ناتان فغورديش  وحده هو الذي يعرف الإجابة , ذهب إلى بيته فلم يجده , أخبرته عجوز هناك بمكانه فأسرع إليه , كان القلق يأكله ولم يعد يرى حقاً الطريق أمامه لم يكن يرى سوى صورة مالوري المحيطة بالضياء , ومرر يده عبر شعرها ليزيل تلك الهالة اللعينة ولكن الضياء لم يختف وكأنه الوحيد الذي يراه !!! وأخيراً لمح غورديش فصرخ به : ما هذا ؟ إلتفت إليه غورديش ولم يبدُ أنه فوجيء برؤيته وكأنه قد عرف على الدوام أن الحكاية ستنتهي هنا وبهذه الطريقة ! وقال : إنك تعرف ذلك جيداً يا ناتان ! صرخ ناتان وبقوة : لقد زعمت أنني أنا من سأموت !! , ثم فكر ناتان وأدرك أن غورديش  لم يكن أبداً قد أكد له أنه سيموت ثم قال : في الحقيقة لم تكن هنا لتخبرني أني ساموت بل أردت أن تخبرني أني ساصبح مبشراً !! أقر غودريش بذلك بإشارة من رأسه وقال : كان دوري أن أدربك على هذه المهنة وأن أتأكد أنك أصبحت قادراً على شغل الدور الآيل لك , حينها صرخ ناتان : مالوري ستموت !!!!!! فقال غورديش  : نعم أخشى ذلك , المهمة التي تنتظر المبشر تكون صعبة لأنها تشتمل على أن يصاحب موت الشخص الأقرب له , حينها صرخ ناتان : لماذا يجب حضور موت المرأة التي نحب لكي نصل إلى تلك الحالة ؟ أنا لم أختر أن أصبح مبشراً ! قال غورديش : هذا ليس صحيحاً أنت من قررت أن تعود , هل تذكر تجربتك في الموت الوشيك ! حينها أقر ناتان وتذكر تلك اللحظة الشهيرة التي لا يزال يكبتها في داخله , تذكر أنه وفي اللحظة الأخيرة شعر بأن الخيار يترك له في أن يرحل أو يعود , ولمساعدته على اتخاذ قراره أرْسِلت له رؤية كومضة قصيرة من المستقبل , كان وجه المرأة التي ستصبح زوجته مختلف ولكنه عرف في قرارة نفسه وعرف على الدوام أنها هي , وكانت تناديه متألمة ووحيدة ولهذا عاد ليكون إلى جانب زوجته حينما سيأتي الموت في طلبها كانت هي مالوري !!! .

سار ناتان وكان يعلم أن الأيام المقبلة ستكون صعبة , تدافع كل شيء في ذهنه .. ماذا سيقول لمالوري حينما يجد نفسه أمامها ؟ هل سيُحْسِنُ أن يكون على مستوى القدرة الساحقة التي سيتملكها من الآن فصاعداً ؟ ولكن كان شيء واحد مؤكداً وهو أنه سيحيطها بكل ما أوتي من حب .. أما بالنسبه لما تبّقى فهو لم يمتلك القوة على تخيل حينما لن تعود مالوري بجانبه , وحينما يكون عليه مساعدة الآخرين على القيام بالقفزة الكبيرة . في هذه اللحظة لم يكن بوسعه التفكير إلا بها سيكون بوصلتها ودليل لحظاتها الأخيرة .. أسرع الخطى : كانت المرأة التي يحبها تنتظره في البيت .. و كانت بحاجة إليه .

                             النهاية



  1. نحن نقدم قرض عاجل هنا جميع المشاكل المتعلقة القرض هو حل بين فترة قصيرة من الزمن مع انخفاض معدل الفائدة من 3٪ والمدة أكثر من 20 عاما ما تنتظرون تطبيق الآن وحل مشكلتك أو بدء الأعمال التجارية مع دفع القرض من مختلف الفواتير فقط مراسلتنا الآن في
    jameshenryloancompany40@gmail.com
    واتساب نومبر: 2348110133466+

    ردحذف

  2. مرحبا،

    اسمي رمزي مايك، أنا سعيد جدا لتلقي الرهن العقاري من أي جزء من العالم، وأنا هنا أن يوصي كل ما في حاجة إلى المساعدة المالية للاتصال armani_investor لتطبيق الرهن العقاري الخاص بك. كنت في حاجة إلى 40،000 $ الرهن العقاري لشراء سيارة جديدة وأيضا لدفع فواتير بلدي، اتصلت به للحصول على طلب الرهن العقاري بلدي، وتلقي الرهن العقاري بنجاح.

    يرجى الاتصال السيد وليام بول عبر البريد الإلكتروني لرهنك العقاري: armani_investors2009@hotmail.com أو ال واتساب +2349027088121

    ردحذف
  3. شهادة بشأن كيف استلمت قرضاتي من قرض حقيقي للمقرض 2018

    تحية للجميع
     هذه هي الطريقة التي حصلت بها على قرض من بنك قروض عبقرية
    تجربة ممتازة مع هذا القرض وكالة على الانترنت ولكن لا أشعر أن به
    جيد أن نعلمك أين وكيف حصلت على طفلي المالي
      
    أنا السيدة كارولينا راسل ، في وقت سابق من هذا العام ، كنت أواجه
    الأزمة المالية كانت أعمالي منخفضة لدرجة أنني اضطررت لبيع سيارتي حتى أتمكن من ذلك
    دفع عمالي وإيقاف فواتري حتى يوم واحد ، كنت مشغول التحقق
    الاعلان على الانترنت وجدت شركة وقررت أن محاولة ، قررت أن تأخذ
    خطوة جريئة وأخبرتني الشركة بأنني سأحصل على قرضي في 24
    ساعات مع انخفاض سعر الفائدة 3 ٪ ، كان مثل حلم بالنسبة لي كما في الساعات 12-24 القادمة ، تلقيت
    قراري من السيد باتريك اليوم أنا امرأة سعيدة لأن حلمي جاء أخيراً ، لقد دفعت لي
    فواتير ، زاد عملي وأبقي رأسي فوق الماء أنا سعيدة و
    أنصح الجميع منكم الذين يغرقون مالياً بالاتصال بالسيد باتريك مايكل على هذا البريد الإلكتروني
    (Patrickloans15@gmail.com)
    يقدمون القروض التجارية وجميع أنواع القروض ،

     السيد باتريك رجل جيد وموثوق به
     الجميع هناك تبحث عن قرض هناك الآن فرصة جيدة بالنسبة لك لتطبيق وتكون ناجحة.
    تطبق بسرعة معهم اليوم والحصول على قرضك دون أي خسارة
    Patrick Loans Ltd هي شركة معتمدة وموثوقة للقروض وسوف تدلي بشهادته
     كل ذلك بفضل السيد باتريك ، مقرض قرض حقيقي
     مرة أخرى ، التقديم معهم عبر هذا البريد الإلكتروني PATRICKLOANS15@GMAIL.COM أو WHATSAPP +2348154644557

    ردحذف