الاثنين، 14 أغسطس 2017




تلخيص رواية 

 الغجرية -ميغيل دي ثربانتس 

 إعداد وإشراف - رجاء حمدان 



 على ما يبدو أن بعض الناس ذكورا وإناثا جاءوا الى هذا العالم كى يكونوا لصوصا يتعلمون فن اللصوصية و يعيشون بين اللصوص ، وشهوة السرقة عندهم لا تضعف ولاتكن إلا مع انتزاع الروح من الجسد ...على كل حال هذا هو حال وعيش الغجر فى جميع الاحوال .من بين كل هؤلاء الغجر كانت توجد في ربعنا فتاة غجرية ، التقطتها امراة عجوز وهى رضيعة اسمتها بريثيوثا ، ربتهاعلى أنها حفيدتها و احتضنتها ، أشربتها خصال الغجر و درستها فنون السرقة والأحتيال و اجادت هذه الفتاة الرقص والغناء كما انها تمتعت بجمال باهر لامثيل له بين جميع بنات قومها ولكنها تميزت عنهم ب رجاحة العقل و العفة رغم صغر سنها . 

تعلمت بريثيوثا كم هائل من الأغاني الدينية والرومنثية ولا سيما الشعبية وأتقنتها وأبدعت فى القاءها. دخلت بريثيوثا مدريد للمرة الاولى في عمرها يوم عيد سانتا آنا وشاركت في رقصة تضم ثمان غجريات، تجمع البشر من كل الانحاء لرؤيتها وازداد افتتانهم بها عندما أخدت تغني بصوتها العذب. تناثرت التعليقات حولها من كل صوب "بوركت يا فتاة" لم تكن عين الغجرية العجوز تهملها او تغفل عنها لحظه خوفا من قيام أحدهم باختطافها. لم تكد بريثيوثا تنتهي من غنائها حتى علا التصفيق وتعالت نداءات الجمهور:هيا ارجعي للغناء هيا , فالنقود معنا كثيرة ولن نبخل بها عليك. ذهبت الغجريات لممارسة أعمالهن ونشاطهن في الصباح وجمع الجباية واثناء مشيهم بالطريق الى مدريد عند واد صغير شاهدن فتى رشيقا وسيما، كان يحمل سيفا ودرع يلمعان وكأنهما جذوة من الذهب كان يقف بكامل عدته الحربية ، ويضع فوق رأسه قبعة اضطربت الغجريات لرؤيته و حدقن فيه ، ووقفن مصدومات ومستغربات من وقوف فتى جميل مثله في ذلك المكان البعيد وفي تلك الساعة المبكرة. اقترب الشاب منهن و تكلم إلى العجوز قائلا: - ارجوك أن تتكرمي وتعطيني الفرصة حتى اتكلم معك أنت و بريثيوثا على انفراد. نادت على حفيدتها ثم ابتعدوا جانبا ..

فقال لها الفتى : - ان جمال بريثيوثا وحصافتها ملك على زمام نفسي ، منذ ان رأيتها للمرة الاولى ترقص وتغنى فى البلدة ومنذ ذلك الوقت وانا لا اترك مكان تروح اليه الا واكون فيه ،عيونى لاتفارقها ولا تغفل عنها طوال ذهابها و ايابها حفظت غناءها ورقصها لايفارق فكرى ومخيلتى ،شعرت من وقتها وان قلبى وعقلى صارا ملكها وليس ملكى ، فبذلت اقصى جهدي محاولا التخلص من سجن عشقها ولسع نيرانه وويلاته ، الا اننى فشلت،وفي النهاية استسلمت و رضخت لهذا الهوى والحب الجارف الذى اتعبني و اقلق مضجعى ليلا ونهارا، انا يا سيدتي و سابقى أناديكما وابجلكما هكذا إذا حققت السماء ما اتمناه ،فانا ياسيدتى كما تشاهدين، فارس ابن فلان ولاحترامي الكبير ومكانته لن أعلن الآن عن أسمه ،أنا ابنه الوحيد الذي أوصى له بماله و ثروته الكبيرة، تنتظرني مكانة كبيرة أود أن أرفع اليها أصول ونسب بريثيوثا المتواضعة واجعلها مكافئة لي وزوجة، فاذا ياسيدتى ، حققت السماء ارادتي فيما اتمناه و صدقتما كلامي فاننى ساغلق كافة الابواب في وجه أي شيء يمنع اقترابي من بريثيوثيا او اي عوائق تذهب في طريقي اليها كانت بريثيوثا تستمع باهتمام بالغ و شديد لكلام الشاب الفارس وقد اثار حديثه اعجابها ،و شعرت بصدق كل كلمة تكلم بها وفور انتهائه من حديثه اقتربت من جدتها قائله: 
- معذرة يا جدتي ...لو سمحت لى ان ارد على كلام هذا اللص العاشق - افعلي ما تشائي يا بريثيويا ، فأنت أهل للحكمه وتحمل المواقف وتعلمين من الحياة كثر منى رغم صغر سنك
 قالت بريثيوثا : - أنا يا سيدي الفارس رغم كوني غجرية متواضعة النشأة فقيرة الحال الا أن خيالي الكبير الموجود هنا بداخل عقلي يحملني إلى أشياء عظيمة و أجواء بعيدة ،أنا لست ممن تضعفهم الهبات او تحركهم الوعود ولا تقض على مضاجعهم وحياتهم كلمات الحب المعسولة، ومع أنني ساكمل الخامسة عشرة الا ان تفكيري وحكمتى مثل كبار السن وأصل بعقلي إلى أبعد مما تظن وتسمح به سنوات عمري. وهذا بسبب فطرتي لا خبرتي . أنا لا احمل سوى جوهرة واحدة ,العذرية ,وما تستوجبه من طهارة وهي عندي اثمن من الحياة كلها ومن ثم لا ينبغي خسارتها مقابل الوعود أو الهبات. اذا كنت تريد الزواج بي حقا، فسأكون لك كذلك ، لكن هذا لن يتم الا باختبارات مسبقة وشروط ،وهى.. أنه يجب التيقن أولا مما اذا كنت بالفعل ذلك الشخص الذي تقول انك هو ، ومن ثم وبعد ذلك عليك ان تترك عيشك بين اهلك و ان تاتي للعيش معنا في مضاربنا وخيمنا وارتداء ملابسنا والدراسة عامين في مدارسنا فاذا اعجبتك صفاتك وأعجبتني خصالك أصبحت زوجتك والى أن ياتي ذلك الوقت يجب أن تتعامل معي كأخت لك. وانا من ناحيتي ساخدمك .

 أطرق الفتى إلى الارض في ذهول و صدم و حاول التفكير فيما سيجيب به ، ثم واصلت بريثيوثا حديثها وقالت - التفكير في هذه القضية الخطيرة سياخذ منك وقتا طويلا لا يتسع له الوقت الان ،ارجع الى بيتك وتدبر الامر على مهل واستقر على رأى ثم بعد ذلك أفعل ما تراه ملائما لك وعندما تستقر على رأي يمكنك ان تراني في هذا المكان أثناء ذهابي الى مدريد. أجاب الفتى بكل ادب قائلا: 
- عندما منت علي السماء بنعمة هيامك قررت ساعتها على الاتيان بكل ما يساعدني على ذلك، لكن لم يدر براسي إطلاقا أنك ستطلبين شيئا كهذا......ومع ذلك فبإمكانك واستطاعتك اعتباري غجريا من هذه الدقيقة واللحظة وبوسعك اختباري كما تريدين وسوف تجديني على العهد والوعد قائما في ثبات. تواعدا في نهاية اللامر على اللقاء بالمكان نفسه بعد ثمانية أيام كي يقول لها القرار النهائي الذي اتخذه، أخرج الفتى كيسا من الاستبرق الثمين وأخرج منها مائة إسكودو و اعطاها للعجوز، لكن بريثيوثا طلبت منها رفضها وردها اليه . ****

 مضت الغجرية في طريقها و راحت تبحث عن بيت اب اندريس الفتى العاشق . مشت قليلا للبحث عن الشارع الذى يسكن به الفتى بعد وقت قصير من المشى رات نفسها في منتصف شارع كبير يطل عليه قصر عظيم ، رفعت رأسها فرأت شبابيك من حديد مذهب ،ثم رات فارسا ذا مهابة ووقار في الخمسين من العمر على احدى شرفات ذلك القصر المهيب التقت نظرتها بعين الفارس الذي نادى عليهم -اصعدن يا فتيات و ستعطين ما تطلبن من الهدايا والمنح، دخل الشرفة على صوته ثلاثة فرسان من بينهم أندريس الذي اصفر لونه لما راى بريثيوثا وكان على وشك فقدان الوعي لشدة هول المفاجأة غير المتوقعة. صعدن الغجريات وعندما وولجوا القاعة راوا الفارس المسن يقول للاخرين : - لا شك بان هذه هي الغجرية الجميلة التي تلف ذهابا وايابا مدريد و يتكلم عنها الجميع 

 – اجاب اندريس: انها هى بذاتها....أجمل فتاة رأتها العين. - رد الفارس العجوز: بحياة ابني دون خوانيكو ؟أنت في الحقيقة اشد فتنة و أكثر جمالا من الوصف - سألت بريثيوثا :من يكون دون خوانيكو؟ - أجاب العجوز:هذا الشاب الواقف إلى جانبك. - بريثيوثا: لقد اعتقدت أن صاحب السعادة يحلف بحياة طفل لا يتعدى عمره السنتين، يا له من دون خوانيكو ويا لطوله الفارع! اعتقده الان متزوجا وان لم يكن فلن تمض كما تشير خطوط جبهته ثلاث اعوام حتى يكون كذلك على هواه - سأل أحد الحاضرين:اتعرف الغجرية أيضا في لوحة الحظوظ ؟ - فقالت بريثيوثا اخمن باصبعي ما اراه بعيني و أرى ان السيد دون خوانيكو ، مندفعا وعجولا متسرعا في الوعود بأشياء تبدو مستحيلة و متيما بعض الشيء ،. أتضرع إلى الرب ألا يكون كذوبا لأن أفة الكذب تفسد كل شيء. إنه يستعد للقيام بنزهة إلى مكان بعيد جدا.. 
- قال دون خوان : لقد قلت الحقيقة في كثير مما قلته عني لكنك ابدعت عنها بإدعائك كذبي ، لأنني شخص اقول الصدق في كل المواقف مهما كانت النتائج، أصبت في خبر رحلتي لأنني بالفعل خلال أربعة أو خمسة أيام راحل إلى فلاندس - بريثيوثا: مهلا يا سيد ما اردت بحديثي هذا سوى تهدئتك وإقناعك بالتريث والبقاء مع اهلك لرعايتهما في الكبر. اهدأ أيها المفزع المستثار وعليك بالتفكير أولا في أمر زواجك وفي وهبنا أجرنا حبا في الله وفداء لك. 
- دون خوان - : لقد قلت من قبل من المنتظر المتوقع إنك على حق في كل شيء فيما عدا هاجس الاحساس بالخوف من كذبي وسلامة نيتي، كلمتي التى قلتها في الخلاء أحافظ عليها، إذ انه من غير الممكن لمن تمتزج روحه بأفة الكذب الادعاء الباطل انه فارس سيعطيك الله صدقة تقربا إلى الله ومحبة لي. جاء وقت رحيل الغجريات واستأدن بالخروج ،وعندما هممن بالخروج قالت بريثيوثا لدون خوان : كل أيام هذا الاسبوع مناسبة للسفر ولا يوجد بينهما اي يوم مشؤم تنتظرك حياة عريضة ومفعمة بالحرية ولذيذة فعجل بالرحيل قدر ما تستطيع .
 - دون خوان : ان حياة الجندية لا تتصف بالحرية الكاملة كما تعتقدين بل إن أهم مبادئها يكاد يكون مقصورا على ما فيها من قيود ومع هذا ساخذ بمشورتك. 

جاء أندريس بمفرده دون خادم على ظهر حصانه في مكان اللقاء الاول في صباح احد الايام ، استقبلته بريثيوثا و جدتها اللتان كانتا في انتظاره هناك حسب الاتفاق الذى كان بينهما ، طلب منهن ان يصطحبوه إلى موقع وكر الأخوية قبل أن يتاخر الوقت وينتبه أحد الى غيابه فيقوموا بالبحث عنه . على الفور قامتا باخذه الى حيث يسكن الاخوه ، وبعد وقت قليل من المشى بدأت تترأى لهم اكواخ الصفيح. دخل أندريس أكبر كوخ في المعسكر و جاء فورا لرؤيته حوالي اثنى عشر شابا انيقا ،كانت العجوز الغجرية قد قالت لهم عن الضيف الجديد الذي سينضم اليهم. و استقبله الجميع وأقاموا احتفالا له بمناسبة تعميده غجريا ثم أخلو وفرغوا له احسن كوخ عندهم وزينوه بالاغصان . 

عندما انتهت مراسم الاحتفال جاء غجري كبير في السن ووقف مع بريثيوثا قبالة أندريس بعدما أخذها من يدها ثم القى الكلمات التالية: - هذه الفتاة التي تعتبر أيقونة الجمال الغجري في جميع البلاد نقدمها لك كصديقة أو زوجة وفي كلا الحالتين لك عليها ما اردت من السلطان، انظر اليها جيدا اذا رأيت فيها شيئا لا يعجبك اختر غيرها من بين الغجريات هنا ويجب ان تعرف ان التي يستقر عليها رأيك وتطلبها الان لا يمكنك ان تستبدلها بعد ذلك أو الجمع بينها وبين أخرى. نحن نحيا من عرقنا و كدنا ولدينا كل ما نرغب به لأننا نرضى مسرورين بما هو تحت أيدينا. 
ردت بريثيوثا : - اذا كان هؤلاء السادة المشرعون قد راوا في لوائحهم وحساباتهم ما يسمح لهم تقديمي اليك طالما صادف هذا رغبة في نفسك فإن قانون ارادتي يرفض الاستسلام لما اقروه إلا بالشروط التي اتفقنا عليها مع بعضنا البعض قبل حضورك ومجيئك إلى هذا المكان ومن ثم يتوجب عليك البقاء في مساكننا عامين قبل ارتباطك بي رباط الزوجيه كي لا تندم بعد ذلك على رغبتك،وأنا أيضا لا ألعن تسرعي الذي غرر بي ،وانت تعلم جيدا اتفاقنا، ربما أكون لك وتكون لي لو قبلت شروطي . غالبية العيون لا تفرق عند النظرة الاولى بين صفرة الذهب والنحاس لكنها لو حدقت قليلا فيهما لأدركت الاختلاف بين الاصلي و التقليد وهذا الجمال الرائع الذي نهتم به وتدعي أنه عندك اغلى من الذهب قيمة وأعلى من الشمس منزلة أعطيك سنتين لتختار الأفضل لك ولتراجع فيهما نفسك لان رباط الزواج المقدس لا خلاص منه الا بالموت ولذا يجب أن يكون مسبوقا بوقت طويل يسمح بالنظر ثم إعادة النظر لاكتشاف ما به من محاسن و عيوب .
 - أندريس : لديك كل الحق فيما تتكلمي به يا بريثيوثا وإذا أردت أن اقلل من خوفك وأبدد مخاوفك بالقسم على الالتزام فاختاري نوع القسم الذي ترغبين وستجديني رهن اشارتك. - بريثوثا:لا أريد منك اي قسم يا سيد أندريس بل احفظ كل هذا لفترة الاختبار والتجربة.... حيث سأتولى مسالة الدفاع عن نفسي ضد أية بادرة إهانة من طرفك. في اليوم التالي اراد اندريس تغيير محل اقامتهم كى لا يتعرف عليه أحد لو بقيوا فى هذا المكان القريب من بلدته فقالوا له أنهم كانوا قد قرروا قبل مجيئه الذهاب إلى جبال طليطلة لممارسة نشاطهم في المناطق القريبة منها جمعوا حقائبهم الخاصة وحملوها على الدواب والعربات ثم قدموا لاندريس جحشا ليصعد اليه و لكنه ابى و رغب في المشي وقدم الجحش لبريثيوثا لتصعد اليه ،فى كل مره يجمعون حاجياتهم فيها، ترى بريثيوثا ذلك الصندوق الصغير الذى تخفيه الجدة دائما عن الانظار و لا يفارقها وكأنه كنز، وعندما تسأل عنه بريثيوثا تتوتر الجدة وتجاوبها باقتضاب هذا ليس من شأنك انه أمانه لأحد الاشخاص ولايمكن ان نفتحه الا بوجوده ، ثم تبتعد عنها وهى تمتم بعبارات شتم تلعن فيها الناس و الحياة ولاتسمح لها بمزيد من الاسئله حوله حتى أنها تذكر مره وهي صغيره فى احد ايام السفر واثناء لعبها مع الاطفال وبعيدا عن عين جدتها أخذت ذلك الصندوق لتعلب به ،فما كان من جدتها الا ان غضبت غضبا شديدا حين راته بين يدها ونالت فى حينها بريثيوثا عقابا شديدا من جدتها جعلها من بعد ذلك لاتريد ان تراه مرة ثانية. 

 سارت المحبوبة متباهية بتابعها الوسيم الرشيق الانيق وهو مغتبط برؤية من نصبها فؤاده مليكة لمشيئته تمضي إلى جانبه. بعد أربعة أيام من المشي المتواصل ألقوا بعض الترحال عند بلدة تبعد فرسخين عن طليطلة ،ثم تفرقوا بعد ذلك في جماعات لممارسة نشاطاتهم واشغالهم ،أنضم أندريس إلى إحدى المجموعات ،و خرج مع مجموعته ليتلقى تعليمه العملي الأول في السرقة. كانت كل عملية نشل ينفذها معلميه توجعه في الصميم و تحز في نفسه وغالبا ما كان يرق ويدمع لدموع الاشخاص الذين تمت سرقتهم و يعيد اليهم من ماله الخاص ما سرقه زملاؤه منهم ، فتعب منه الغجر وأفهموه أن سلوكه هذا يعاكس مبادئهم و قوانينهم. أخبرهم أندريس أنه يريد ممارسة السرقة بمفرده دون وصاية من أحد وانه سيكون مسؤولا عن نتيجة اعماله . 

لم يرغب اندريس فى النشل او ان يتعلم فنونها فهذا الشئ ليس من صفاته ،لذلك قرر ان يشتري سلعة ما و يقول أنه سرقها ليخفف على نفسه قدر استطاعته من تعذيب ضميره. نفذ أندريس خطته تلك ،وتلقت منه الأخوية الغنائم في أقل من شهرما يفوق مجموع ما أحضره أربعة من احسن لصوصها،كانت بريثيوثا شديدة الفخر بمهارة خطيبها وبتحوله إلى لص مجتهد ومع هذا كان يدمرها ويقلقها الخوف عليه من إيقاعهم به ذات يوم و تانيبه. أمضوا في شوارع طليطلة اكثر بقليل من الشهر ،ثم شدوا الرحال مع نهاية سبتمبر. كان أندريس يتبادل كلام الغرام الطاهرة مع بريثيوثا وشيئا فشيئا تعلقت الفتاة به وبمعاملته اللطيفة وبأدبه الجم.. كان يلفت إليه العيون والاندهاش في أي مكان كانوا يحلون به فهو يقفز ويعدو كالظباء يلعب الصولجان والكرة بمهارة وخفة. و انتشر صيته في مدة وجيزة بالتوازي مع شهرة خطيبته في اماكن الغجر وسكان الاقاليم التى يسافرون اليها ، وكان سكان الاقاليم يتنافسون على توجيه الدعوة اليهما ليعطوا مزيدا من الفرح و الطاقة على أعيادهم الدينية ،وهكذا بدأ الغنا والازدهار والشهرة تدب في اوصال مخيمات الغجر وترفرف فوقها أجنحة الفرح بينما اكتفى العاشقان الولهان التبادل النظرات. بين أشجار البلوط في مكان بعيد سمعوا ذات مساء صوت نباح الكلاب يتعالى بصوت كبير وحمية أكثر من المعتاد خرج بعض الافراد وبينهم اندريس ليروا ما الامر فوجدوا شاب يريد ابعاد الكلاب عنه ،فركضوا اليه وبعد انقاذه سأله أحدهم: 
- ما الذي جاء بك في هذه الساعه إلى هذا المكان البعيد عن الطريق ؟ أجئت تسرقنا؟
 - ماقدمت الى هنا من اجل النشل ،فأنا لا اعرف إذا كنت امشي على الطريق أو خارجه ،لكن بربكم أيها السادة الا يوجد نزل قريب من هنا امكث فيه هذه الليلة لأضمد جراح كلابكم الصعرانه ؟ 
- أجاب اندريس لا يوجد نزل قريب لكن لن نعجز عن توفير فراش مريح ما دام الامر متعلق بليلة واحدة , نحن معاشر الغجر نعرف الرحمة ايضا. كانت الليلة مقمرة صافية مما جعلهم يرونه بوضوح، كان شابا رشيق القد جميل الخلقة ، ارسلوا في طلب الغجرية العجوز لتضميد جراحه . 
كانت بريثيوثا تسترق النظر إلى الشاب الجريح ولم يستطع هو الاخر ان لا ينظر اليها . أخدت بريثيوثا أندريس وتنحت جانبا وقالت له : - يبدو انه شاب راجح العقل مهذب ، لقد التقيت به في مدريد انه يشتغل ك وصيفا لاحد الامراء ولا ادري ما الذي جاء به إلى هذا المكان. - وما اعتقادك أنت يا بريثيوثا ؟ ...لم يجيء هذا الشاب إلى هنا إلا الذي جاء بي من قبله وجعلني غجريا لقد اصبح واضحا للعيان انه يسعدك ان تري نفسك محاطة بالعديد من المعجبين، لو كان الموضوع هكذا فاقتلينى أولا ثم ألحقي بي هذا الاخر. 
- بريثيوثا:عفوك يا الهي ! أيمكن أن يصل بك التفكير إلى هذا الحد ، لقد تمكن سيف الغيرة القوي من اختراق قلبك في يسر وسهولة. قل لي يا أندريس هل نظرت حولك ووجدت شائبة خداع فيما قلته لك ؟ ألم يكن باستطاعتي الصمت وإخفاء حقيقة هذا الفتى .؟ ولكي أرضيك وأقطع دابر الشك الذى اراه فى صدرك أطلب منك طرد هذا الشاب الان للبحث عن السبب الذي القى به إلى هذا المكان. ولو فرضنا أن هذا لن يحدث اقسم لك بعدم ترك مسكني من هذه اللحظة. 
- أندريس :إذا لم يصيبني الجنون فأي عارض أخر قد يلاحقنى يعد تافها أو لا وجود له نظرا لما يمكن أن تفعله الغيرة القاسية من أضراركبيرة في قلبي. ورغم كل هذا فلا مانع لدي من الرد عليك ومحاولة الوقوف على حقيقة ما يرغب به هذا الوصيف الشاعر. 
- بريثيوثا:أستحلفك بحياتك يا أندريس وحياتي ، أن تتصرف بكل عقل وروية فى هذا الامر،. ودعـته بريثيوثا و رجعت إلى كوخها بينما بقي هو منتظرا طلوع الصباح لايستطيع النوم وقد اقلق نومه ماكان يدور فى عقله.... هل سيعترف الجريح لماذا اتى الى اماكننا ؟ اه.. اننى لا اقدر ان اتخيل سبب أخر لمجيء ذلك الوصيف سوى افتتانه بجمالها. أخيرا طلع الصباح ،اتجه أندريس إلى كوخ النزيل الجريح وأخد يساله عن اسمه ,و مغزى سيره في وقت متأخر من الليل بعيدا عن الطريق العمومي ووجهته ,و أجابه الشاب : أنه بخير ولم يعد يشعر بأي ضرر مما يجعله يستطيع ان يواصل طريقه أما بالنسبه لأسمه ووجهته فلم يجب أكثر من أنه يدعى ألونسو أورتادو وأنه خرج في مسالة مهمه وأن حرصه على ان يصل بسرعة اليها هو الذي اضطره إلى المشي ليلا. بدا واضحا لأندريس كذب هذه التصريحات المزيفة 
فقال له بغضب - يا أخي لو كنت أنا الحاكم وجئت إلى ساحتي متهما بقضية ارتكبته ووجه إليك المدعون الاسئلة التي قلتها الان فإن أجابتك الحالية ستجعلني آمرهم بزيادة الضغط عليك بالقيود والحبال المتينه ، أريد أن تنصت الى هذه النصيحة أذا كنت بحاجة إلى الكذب فافعل بشكل لا ينتبه اليه احد فذلك الوصيف الذي شاهدته في مدريد وذلك الشاعر الذي كتب قصيدتين في غجرية فاتنة كانت تلف ارصفة العاصمة منذ بضعة أشهر ؟ قل لي الحقيقة وأعدك بأن أحفظ السر. لا ترتبك هيا قل ولا تعتقد أنك بين براثن ومخالب مجموعة من النشالين بل في ملجأ آمن يعرف الدفاع عنك وحمايتك من العالم.. أسمع ان نفسي تقول لي شيء ،اعتقد انك .. قد وقعت هاويا في غرام بريثيوثا. فقال الشاب :آه يا صديقي ارغب أن تعرف ان القوة الجبارة التي ارغمتني على ارتداء هذه الثياب لا علاقة لها بالعشق ولا حتى ببريثيوثا فالعاصمة مدريد تمتلئ بالفاتنات اللاتي يأسرن الافئدة وجمال قريبتك وإن كان يعجبني الا أنه في نهاية الطريق يقع على غجرية ,ما ألقى بي إلى هذا المكان مصيبة عظيمة هبطت على أم رأسي و طامة كبرى . 

استعاد أندريس بعد انصاته للكلام قواه الضعيفة وبدا له ان الامور تسير في اتجاه مغاير لما ذهب راسه اليه، عاود الضغط على الشاب لكي يعرف عن أبعاد مصيبته. -فقال الشاب: في مدريد اشتغل ك مضيفا لاحد حاملي الالقاب , كان لسيدي هذا ولد وحيد يقاربني في العمر ويشبهني في سماته ، حدث أن عشق هذا الابن بنت من أحد البيوت الاصيلة ،كان يتودد ابن سيدي إلى هذه الفتاة سرا بعيدا عن كل الانظار فيما عدا عيني هاتين اللتين رايتا محاولاته المتواصلة لارضائها وفي أثناء مرورنا بشارع تلك الفتاة راينا رجلين يحومان بحذر حول منزلها أراد صديقي معرفة من هذان الرجلان ،ولم يكد يخطو بضع خطوات حتى امسك كل واحد منهما سيف بيد وبالاخرى اظهر مسدسه واتجها نحونا، ونحن فعلنا نفس الشيء معهم ومن ثم تعاركنا معهم بعنف و اقتتلنا ،وبعد انتصارنا عليهم ،عدنا إلى المنزل بعد ان اخدنا ما طالته أيدينا من المال التى كانت بحوزتهم ثم خرجنا من المنزل خوفا من ملاحقتنا ولجأنا إلى دير لنحتمي به ، ثم علمنا ان قضاة البلدة احتجزوا الفتاة و ابويها للاستجواب وأن خادمة الفتاة قالت لهم أن صديقي كان يحوم حول البيت ليل نهار فقامت قوات الشرطة بالهجوم على المنزل للقبض علينا وبهذا أنتشرت الاقاويل بالعاصمة باننا منفذا الجريمة ،و ظللنا مختبئين خمسة عشر يوما وفي النهايه خرج صديقي مع أحدهم متخفيا في ملابس قس ليواصل الفرار إلى ايطاليا وانا اخدت طريقا معاكسا متنكرا في ملابس خادم قسيس ،خرجت على قدمي و مشيت خارج الطريق العمومي حتى رايت نفسي هنا. هذه قصتي باختصار و ليس لها علاقة بلوعة الحب أو تباريح الهوى. ومن هنا سأواصل فراري إلى اشبيلية و اتمنى ان يقبلني هؤلاء الغجر ضمن مسيرتهم إن كانوا قد أزمعوا الرحيل اليها. -فقال اندريس: لا اعرف اذا كان الغجر بمخيمنا سيشدون النية والرحال في القريب العاجل إلى هناك ام لا، لكني اظن أننا بعد يومين سنمر على مخيم أخر للغجر ولا اعتقد انهم سيمانعون في انضمامك اليهم في حين ستعطيهم في المقابل بعض ما لديك من النقود . عاد اندريس الى الغجر ليقول لهم قصة الشاب و ارادته في المكوث عندهم للسفر إلى اشبيلة مقابل مبلغ من المال كبير. 

 قالوا للشاب فيما بعد بما سيفعلونه من أجله و مد لهم على الفور مائة إسكودو ليقتسموها بينهم. كان لهذا المال مفعول السحر في نفوس الغجر، فصاروا يعاملونه بكل لين ولطف ، لكن بريثيوثا لم ترتح لوجود الفتى وكذلك أندريس شعر بثقل وهم كبير على كتفه لبقاء كليمنتي ( اللقب الذي اطلقوا عليه الغجر) لظنه أنه لم يبرأ تماما من افتتانه القديم ببريثيوثا ، لذا حرص أندريس على ان يكون صديقه المرافق له في المحل والاقامة والترحال حتى لا يختفي عن عينيه ويستطيع مراقبة سكناته وحركاته حتى أصبحا متلازمين منذ تلك الدقيقة يتصادقان عن سعة بال ويشتركان معا في الرقص وفي نشاطات العدو و القفز ورمي الزانة التي أظهرا فيها براعة رهيبة. لم يجد كليمنتي طوال تلك المدة التي زادت عن شهر ونصف أيه فرصة للحديث مع بريثيوثا وبينما كانت تقف ذات يوم مع اندريس مر كليمنتى الى جانبهما فشاهده اندريس وطلب منه الانضمام لهما ، وعندما اقترب منهما 
قالت له بريثيوثا : - لقدعرفتك يا كليمنتي من المرة الاولى التي شاهدتك فيها في مساكننا وتذكرت قصائدك التي كتبتها لي في مدريد . وقد تألمت لما اصابك من مصيبة، الا انني خفت فى بادئ الامر من قوة صداقتك مع اندريس ،ولكن عاد الارتياح إلى قلبي الذي سيطر عليه الخوف لاعتقاده ان بإمكان دون شانتشو انتحال شخصية أخرى ما دام دون خوان قد تحول قبله إلى أندريس والذى دفعني ان اقول هذا ...علمي من أندريس أنه قال لك عن حقيقته وعن دوافعه لاتخاده واختياره حياة الغجر ويبدو أنه قال لك على سره ليستطيع الحديث معك وتبادل الافكار والنقاش حول هذا الموضوع.
 - كلمنتي :لا تعتقدي أيتها الجوهرة أن أندريس كشف لي عن شخصيته بسبب ضعف قد اصابه ،فانا الذي عرفته أولا أنا الذي قلت له اولا من يكون و خمنت بالسر الذي يطوق إرادته وقد تصرف هو حسب المنطق والعقل وأصدقني الجواب و قال لي الحقيقه كامله. حينها قمت وباركت له الامر ،وهو على هذا خير شاهد. أصبحا أندريس وكليمنتي صديقين عزيزين و زميلين وهذا بفضل نوايا كليمنتي الجيدة وخفر بريثيوثا اللذين تكفلا بدفن أية فرصة يمكن أن تشعل الغيرة في قلب عشيقها كانا الاثنين يحبان بالموسيقى وعازفين ماهرين على الاتها.

 في صباح اليوم التالي جمعوا حقائبهم الخاصة في رحالهم واتجهوا صوب شطر بلدة من قرى مرسية . انطلقت المجموعه التى تضم بريثيوثا و جدتها وأخرين بالاضافة الى أندريس وكليمنتي وحلوا رحالهم فيها ، أنزلوا رحالهم فى خان لامراة ثرية أرملة لها ابنة وحيدة تدعى خوانا ، كانت الفتاة لا تنعم بحظ من الجمال وقليلة الحياء بعض الشيء. لذا استحقت بكل جدارة لقب كاردوتشا الذي أطلقوه عليها .. حين شاهدت الفتاة الغجر يرقصون جن جنونها بأندريس وعشقته ، انتهزت فرصة دخوله الحظيره ليحضر جحشين منها و تبعته وقالت له : أندريس أنا انسه وحيدة أمي غنية, ,وأرغب في الزواج منك اذا اردت وأريد منك ان ترد علي فى الحال ، اما إذا كان خجلك يمنعك الان من الموافقة فإنني سأعتبر خيارك في عدم الرحيل و البقاء بمثابة موافقة ضمنية على زواجنا وثق تماما أنك لن تندم بتاتا طيلة حياتك على زواجك بي صدم أندريس من جرأة الفتاة و طيشها وفضل الاجابة عليها بالسرعة التي تريدها :
 - فقال : أنا أيتها الفتاة لا اريد الزواج وحتى ان لم أكن كذلك فنحن معاشر الغجر من تقاليدنا اننا لا نتزاوج الا فتيات غجريات أما المعروف الذي تتحدثين به ، فلا أملك حياله سوى التوجه والتضرع إلى الله بالدعاء لكي يجزيك جل ثوابه. صدمتها إجابة أندريس وكانت على وشك الاجابة عليه لو لم تدخل عليهما مجموعة من الغجريات فانسحبت مسرعة وهي تشتعل غضبا وفي نيتها الانتقام لهذه الإهانة . 

طلب أندريس من الغجر في تلك الليلة ضرورة ترك المكان فوافقوا، واستعدوا صبيحة اليوم التالي للذهاب من تلك القرية المشؤومة. وحين رأت كاردوتشا رغباتها تتبخر و أحلامها تنهار برحيل أندريس قررت العمل على ان يظل في القرية بالقوة ، فعمدت بذكاءها الى حيلة خبيثة ، دست بعض من مجوهراتها في رحل اندريس ،وعندما استعد الغجر للذهاب من الخان صاحت بأعلى صوتها متهمة إياهم بسرقة أغراضها الشخصية الثمينة وتجمع على صياحها جميع سكان البلدة و رجال الشرطه عندها عرف أندرس فى نفسه انها تقصده فضحك قائلا : 
- أيتها الانسة المحترمة هذا هو رحلي وهذا دابتي لو عثرت على ما تبحثين عنه سأعوضك بسبعة أمثاله. قلب رجال الشرطة رحل أندريس وما هي الا ثواني حتى عثروا على المجوهرات التى دستها له ،ألجمت الصدمة لسان أندريس - قالت كاردوتشا : ألم تكن شكوكي في محلها هل ترون ! ؟ من كان يعتقد ان هذا الوجه البريء الجميل يخفي وراءه سارقا مخضرما! أخذ العمدة يشتم أندريس وبقية الغجر باقبح الالفاظ والشتائم. تقدم ابن أخت العمدة ثم رفع كفه الكبير وهوى به على خد أندريس الذي افاقته اللطمة من صدمته وجعلته يتذكر أنه دون خوان الفارس المقدام لا ذلك المجهول الغجري أندريس ، هجم غاضبا على الشرطي و ما هي الا لحظة حتى امتدت يده فجأة واختطفت سيف عدوه من غمده و طعنه به طعنة تردى بها على الأرض ميتا. تكاثر المتحمسون على أندريس والذي بدا عليه الاضطراب و الصدمة من هول الموقف فقيدوه بسلسلتين غليظتين وأوقعوه أرضا ،وفي اليوم التالي اتجهت العربة التى تضم المقبوض عليهم من الغجر وفي مقدمتهم بريثيوثا وأندريس فدفع الفضول زوجة القاضي لرؤية البنت التي يتغنى جميع الناس بجمالها وحسنها ،وحاولت اقناع زوجها عدم تركها في السجن مع الاخرين واحضارها إلى منزله. احتضنتها زوجة القاضي و بقيت تنظر اليها لفترة طويلة بتمعن ثم التفتت لجدتها وسألتها عن سنها .. أجابت العجوز خمسة عشر عاما. 
- انه عمر ابنتي كوستانثا لو بقيت حية، آه .. لقد جددت هذه الفتاة احزاني و اثارت شجوني مسكت بريثيوثا يدها وغمرتها بالقبلات قائلة : -سيدتي الفاضلة السجين الغجري لا ذنب له ،الاخر هو الذي اثار غضبه ,استحلفك بالله أن تطلبي من القاضي ان يؤجل محاكمته ،فاذا كان لجمالي شفاعة عندك لا تجعليه يسرع بالخلاص منه والحكم عليه لان حياتي متعلقة بحياته. لقد كان سيصبح زوجي .. لا شك أنك تعلمين يا سيدتي معنى الحب والم الفراق. كانت بريثيوثا تقول لها هذا وهي ممسكة بيديها والدموع تنهمر بغزارة من عينيها ،وكذلك زوجة القاضي لم تكن أقل منها تمسكا وتحديقا ودموعا. فوجىء القاضي عند دخوله بهذا المشهد وسأل عن سبب هذه المناحة وهذا المشهد المحزن فما كان من بريثيوثا الا أن تركت يدي امرأته لتتشبث بقدميه وهي تقول : 
- الرحمة يا سيدي الرحمة، لو توفي الغجري ستقبض روحي معه أنا السبب واذا لم تستطع محاكمتي بدلا منه فلتعيد النظر في مسالته لعل السماء تأتي بالصدق وبالحق وتتمكن من الاهتداء إلى الوسائل الحقيقية لتبرئته . تجددت صدمة القاضي من جراء حديثها الناضج الموجع للقلب، كانت الغجرية العجوز مطاطاة الرأس وبعد كثير من التدبر والتفكير خرجت عن صمتها ثم قالت:
 - على مهلكم أيها السادة فربما يمكنني تحويل هذا البكاء الموجع إلى سعادة و بهجة رغم احتمال خطورته على حياتي. خرجت العجوز متعجلة الى مكان حقائبها وعادت بسرعه وهي تمسك بصندوقا صغيرا ثم طلبت ان تجلس لوحدها مع القاضي وزوجته لاطلاعهما على سر كبير، جلست على ركبتيها أمامهما وقالت : 
- إذا لم يكن السر الذي اكشفه الان يستحق تبرئتي من الجريمة الذي اقترفتها ذات يوم فأنا على مستعدة لقبول العقوبة التي ترونها مناسبة لكن قبل هذا الا يمكنكما ان تتعرفا على محتويات الصندوق ؟ وضعت الصندوق الخاص ببريثيوثا بين يدي القاضي 

وعندما فتحه ....لم يجد سوى بعض ادوات الزينة الصغيرة التي تخص الفتيات حديثات الولادة، لم يدرك هو وزوجته إلى الصلة بين محتويات الصندوق والسر الذي تتكلم عنه. تناول القاضي الورقة الموضوعة بسرعة وقرأ ما يلي : اسم الطفلة: دونيا كوستانثا ، الاب دون فرناندو فارس أخوية قلعة الرياح الام دونيا جيومار ،. اختفت الطفلة من بيت والدها ومعها صندوق حليها في الثامنة هذا الصباح عام الف وخمسمائة خمس وتسعين. عرفت امرأه القاضي فور سماعها للمكتوب في الورقة على الحلي الصغيرة وضعتها على فمها وراحت تقبلها الاف المرات ثم سقطت مغشى عليها على الارض فاقدة لوعيها ركض القاضي لنجدتها رغم الصدمة وتجمد الدم فى عروقه من شدة هول المفاجأة التى سمعها من تلك المراة ، وعندما أفاقت الزوجة وعادت إلى وعيها سألت : 
- اين صاحبة هذه الحلي ايتها المرأه الطيبة ؟ - انها هنا في منزلكم تلك الغجرية الصغيرة التي اخذت منكم هي صاحبة الحلي لقد اختطفتها من بيتكم في مدريد. حين سمعت ذلك وهى لاتصدق ما سمعت هذه السيدة المتوترة قفزت حافية إلى الصالة حيث كانت بريثيوثا دنت منها ودون ان تقول اي كلمة كشفت عن صدرها وبحثت تحت نهدها الايسر على علامة صغيرة فراتها في مكانها واضحه و بارزه رغم مرور الزمن، وباللهفة نفسها والوجع نفسه قامت بخلع الفردة اليمنى من قدمها ورأت فيه ما كانت تبحث عنه لحمه تصل بين الابهام والسبابة وكانوا قد تركوها دون جراحة حرصا منهم على عدم اوجاعها بجراحة في تلك السن الصغيرة. قامت على الفور باحتضان الفتاة والعودة بها إلى حيث ينتظر القاضي والغجرية العجوز. 

وصلت دونيا جيومار بالفتاة الرائعة إلى زوجها ووضعتها بين ذراعيه قائلة : 
- استلم ابنتك انها هي لا شك يخامرني في تلك الحقيقة لانني رايت الاصبعين والشامة ناهيك عما تقوله نفسي منذ اللحظة التي رايتها فيها طلب القاضي من زوجته وابنته والغجرية العجوز حفظ السر حتى يتولى هو الكشف عنه فى الوقت الملائم ، وعندما هدأ العجوز من صدمته وهول المفاجأه ،اخبر العجوز بعفوه عن الضرر العميق والالم الذي الحقته به وبزوجته، ولكنه أخذ يوبخها على تزويجها من لص وقاتل غجري وهي تعلم عراقة أصلها وطيب منبتها - قالت بريثيوثا : آه يا سيدي هو ليس غجري ولا بلص. ثم أخذت الغجرية العجوز تحكي بايجاز قصة اندريس وكيف انه من منبت عريق الاصل ,وانه مثل أبيه فارس في أخوية سنتياجو وانها ما زالت تحتفظ بثيابه الاصليه واشارت إلى الاتفاق المعقود بين بريثيوثا وبين دون خوان بشأن فترة الاختبار التي تمتد عامين . أمر القاضي العجوز بجلب ثياب دون خوان. تنهدت بريثيوثا فأدركت والدتها بحسها الانثوي أنها تعشق دون خوان بجنون ،وعندئذ قالت لزوجها : 
 - ما المانع من الزواج اذا كان دون خوان سيدا من السادة ويحب ابنتنا بهذا الشكل ؟ - أتريدين أن نخسرها ثانية يوم عثرنا عليها ؟ دعينا نفرح بها لبضع الوقت - معك الحق كله لكن عليك بأن تبرئ الدون خوان لا بد أنه تعب في تلك الزنزانة الكريهة. ذهب القاضي إلى السجن بحجة اخذ افادة دون خوان كانت الزنزانة مظلمة فأمر بفتح نافذة عالية كانت بها ، قال له مازحا: 
- كيف حال الزنزانة الطيبة ؟ لو سجنت فيه الغجر الموجودين باسبانيا لما بقي هنا اي غجري أعلم أيها السارق القاتل أنني قاضي البلدة ولقد جئت لاعرف منك اذا كانت احدى الغجريات التي جاءت معكم هي بالفعل زوجتك حين سمع أندريس هذا اعتقد أن القاضي وقع في حب بريثيوثا قال له :
 - لو قالت انها زوجتي فهي على حق ولو قالت غير هذا فهي أيضا على حق فمن المستحيل ان يجري الكذب على لسان بريثيوثا. 
 - أتحبها كثيرا ؟ - نعم وان كانت كلمة جدا لا تفي بما اضمره لها، حقا ايها القاضي ان نهايتي اصبحت قريبة لقد قتلت ذلك الشرطي الذى اعتدى على عرضي ولا أنكر حبي لتلك الغجرية . لذا سأموت مسرورا راضيا لو أنى فارقت الحياة ونحن متزوجين 
- حسنا ..سأجعلهم يجلبونك هذه الليلة إلى منزلي لازوجك وغدا في منتصف النهار ستكون متواجد على حبل المشنقة. حل المساء وفي حوالي الساعة العاشرة أخرجوا اندريس من الحبس و جلبوه إلى دار القاضي ، دخل بعدهم بمدة قصيره القس وطلب منه أيضا الاعتراف لانه سيموت في اليوم التالي. خرج أندريس إلى الصالة حيث تقف بريثيوثا والقاضي وزوجته ،وحين شاهدته بريثيوثا مقيدا بسلسلة كبيرة وعلى عينيه اثار دموع وشاحب الوجه ، وضعت يدها على فؤادها والقت بنفسها بين ذراعي والدتها .

 قال القاضي للقسيس هذا الغجري والغجرية اللذان ستعقد قرانهما - أين اعلان الكنيسة برغبتهما في الزواج ؟ لا يمكنني القيام بهذا العمل ما لم تستأنف الاجراءات الضرورية لذلك, وامتنع القس عن عقد قرانهما لعدم اتمام الاجراءت الاساسية ثم خرج دون ان يعقد القران 
 - قال القاضي : خير ما فعل أبونا ،ربما اراد الله اطالة مدة تعذيب أندريس ، ما اريده هو معرفة أندريس على ما يلي : لو كان زواجه سيتم في ظروف طبيعية فهل كان سيفرح بها أندريس دون خوان ؟ حين سمع اندريس اسمه الحقيقي رد قائلا : 
- لا ملجا من الاعتراف بأنني سأكون في كل الظروف سعيدا و راضيا بقسمة السماء ما دامت ستعطيني منتهى أملي. 
- القاضي :لا يمكنني يا دون خوان الا ان ازوجك في الحين المناسب من بريثيوثا وان اعلن عن موافقتي بتسليمك الان أغلى جوهرة في عمري لاني سأعطيك دونيا كوستانثا طفلتي الوحيدة فهي ان كانت تحبك فانها لا تقل عنك نسبا و أصلا. صدم اندريس لما سمع لكن دونيا جيومار حكت له بطريقة موجزة حكاية خطف وضياع ابنتها والعثور عليها ، عانق خوان مخاطبا اياهما بسادتي ووالدي ثم قبل يد بريثيوثا والدموع تنهمر من عينيه وطلب قبولها الزواج منه . خرج النبأ من الدار و انفرط السر ، ارتدى دون خوان ثيابه الاصلية وتحول الحبس والاغلال الحديدية إلى حرية واساور ذهبية ثم تحول حزن الغجر المحبوسين إلى فرحة لانهم استردوا حريتهم بكفالة وفي اليوم التالي .. تلقى خال القتيل وعدا بألفي دوكادوس في حال تنازله عن الدعوة و تبرئة عن الدون خوان،وكذلك خوان لم ينسى في خضم الاحداث المتلاحقة زميله كليمنتي و بعث في طلبه لكنهم لم يجدوا له اثر . 

بقيت العجوز الغجرية في البيت لانها لم ترد مفارقة حفيدتها بريثيوثا . وصلت اخبار زواج الغجرية الصغيرة إلى المدينة وعندما عرف دون فرانثيسكو ان ولده هو العريس وان بريثيوثا هي العروس فرح فرحا شديدا لانه كان قد تصور ضياع ولده لعدم ذهابه مع رفاقه إلى فلاندس ومن جهة ثانية فقد اجبرته مكانة صهره المرموقة و الجمال الفاتن للعروس على العفو عن الهفوة التي بدرت من ابنه . وبقدومه تجددت السعادة وأقيم حفل الزواج ، وعلى طريقتهم احتفل شعراء البلدة بالحدث الفريد و السعيد كما ان الابنة العاشقة لصاحبة الخان قد نسيت حقدها على الغجري أندريس واعترفت للشرطة بذنبها وهيامها وحبها الشديد الذي دفعها لاتهامه زورا بالنشل، لكنها لم تاخذ أي عقوبة لان الفرحة الكبيرة بالعثور على الزوجين السعيدين كانت قد غطت على شهوة الانتقام و اطلقت العنان للرحمة والتسامح. 


                                                النهايه



  1. رواية جميلة ومشوقة، استمتعت بالقرأة وشعرت وكأنني احضر فلما

    ردحذف