الخميس، 7 ديسمبر 2017


تلخيص رواية
 لوليتا: فلاديمير نابوكوف 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان
 


لوليتا يا نور حياتي, أيتها النار المشتعلة في عروقي , هل كُتبت اللعنة منذ الأزل الازلين على لوليتا ذات الإثني عشر سنة ؟ الواقع أنها ولدت ملعونة, إني أوجه إليكم هذه التصريحات لاعلن فيها لعبة النصيب معي .. لقد ولدتُ في باريس عام 1910, كان ابي رجلاً ميسوراً يمتلك فندقاً كبيرا ، سويسري الجنسية, أما والدتي فهي إنكليزية وقد ماتت عندما كنت في الثالثة من عمري. وقد حلت محل والدتي في المنزل شقيقتها الكبرى سيبيل. والواقع أنني أغرمت بهذه الأم الجديدة على الرغم من تشدد بعض القواعد التي وضعَتها على حياتنا في المنزل , ولكنها لم تبق مدة طويلة , فقد ماتت بعد عيد ميلادي السادس عشر. 

 في الدراسة كنت تلميذاً ناجحاً كما نجحت كذلك في اكتساب محبة اصحابي وأساتذتي على حد سواء , ولست أذكرأنه كانت لي أي خبرة جنسية واضحة المعالم قبل أن أبلغ سن الثالثة عشر من عمري والتقي بالصغيرة آنابيل, والتي كانت تصغرني بأشهر معدودة . كانت آنابيل مثلي من دم خليط من أب إنكليزي وأم هولندية, إلا أنني لم أعد أتذكر شكلها وملامحها بذلك الوضوح الذي كنت أتذكرها به قبل أن التقي ب لوليتا . ولقد وقعنا أنا وآنابيل في حب بعضنا البعض حباً عميقا يائساً دونما خجل أو استحياء. ولكن فجأة توفيت آنابيل بالتيفوس عندما انتقلت إلى جزيرة كورفو اليونانية. 

  إنني اتذكر مدى الدهشة التي فعلها لي موت انابيل قد عززت الضياع والتشتت النفسي الذي الّم بي , وجعل من ذلك التشتت عقبة على الدوام في طريق أي غرام صادفته في سنوات شبابي القاسية . ذلك لأنني بقيت احس حتى بعد مرور زمن طويل على موتها , بأن ذكراها تحاصرني و تلاحقني وتنفذ إليّ من خلال ذكرياتي عن ذلك التماثل الرهيب بيننا حتى في الصدف. لا أزال أذكر شذى رائحة آنابيل, رائحة هي مزيج من رائحة البسكويت المطعم بالشوكولاته ومن رائحة البودرة الإسبانية , مزيج من رائحة امرأة وطفلة, لقد أسكرني هذا العبق . لقد ظلتْ ذكرى أنابيل تتابعني كاللعنة, ولم أتمكن من أن أفك هذا السحر عني إلا بعد أربعة وعشرين سنة , يوم أعدت إلى الحياة آنابيل في جسم لوليتا وشخصها . 

 كلما عدت بذاكرتي إلى أيام صباي بدت لي هذه الأيام وكأنها تنتشر كدمار مقابلي . إنتقلت إلى دراسة الأدب الإنكليزي , وكنت امضي كل اوقاتي في باريس, ونشرتُ دراسات ركيكة في الجرائد , ووضعت كتاباً بإسم ( التاريخ المختصر للشعر الإنكليزي ) , ثم مضيت أضع مرجعاً عن الأدب الفرنسي للتلاميذ البريطانيين, وقد أشغلَ ذلك اعوامي حتى بلغت الأربعين, وهكذا انقضى عمري . 

 كنت دائماً أصاحب المرأة الراشدة , ولكن الطفلة هي التي كنت دوماً أشتهيها وأحن إليها. وهكذا كنت اخبا هذا الشوق بان اخرج الى الحدائق العامة حيث تلعب هناك القاصرات , أسترق النظر إليهن و أتاملهن , فلا بد أن تكون من بينهن حورية مسعورة. هنا أريد أن أبسّط الفكرة التي توصلت إليها من تَعرّفي على عالم المراهقات و الصغيرات : هناك فتيات بين سن التاسعة والرابعة عشر يكنّ لعين بعض الرجال مسعورات اكثر مما هن ضعيفات . فيتكشفن لهذا النوع من الرجال عن طبيعتهن الحقيقية المسعورة الشهوانية, ولهذا أطلقت على هذا النوع من القاصرات إسم الحوريات المسعورات .. 

 قررت أن الزواج هو أفضل لحالتى و لصحتي و حياتي . وخطر لي أن جو الحياة الزوجية قد يعاونني على ان ابقى تحت رقابة سلمية إن لم يعاونني على تطهير نفسي من شهواتي المخزية الدنيئة . فأخذت أفتش عن الزوجة المناسبة , وبعد تفكير طويل وقع اختياري على ابنة دكتور بولوني. وهنا يجب أن احكي أنني كنت ولا أزال رجلاً طويل القامة جميل الشكل , , ذا شعر حالك جذاب و ناعم بشكل استثنائي. واخترت أنا همبرت زوجتي فاليريا. وما شدني إليها حقاً هو قدرتها على أن تظهر بشكل الفتاة الصغيرة المراهقة . ولم يمض إلا وقت قليل حتى أخذت زوجتي ترجع إلى حقيقتها كامرأة وتبتعد عن اشكال الفتيات. وسرعان ما وجدت بدلاً من الفتاة الشاحبة النحيلة التي خيل لي أني تزوجتها إمرأة سخيفة . ودامت حياتي الزوجية معها من عام 1935 الى عام 1939. ولا ريب أن املها فيّ قد خاب مثلما خاب املي فيها, فمضى عمري معها ساكن نوعاً ما إلى أن مات عمي في صيف 1939 تاركاً لي مرتبا سنوياً على شرط أن أذهب للإقامة في الولايات المتحدة . ولقد احببت هذا التغيير في حياتي. 

وعندما انهينا أنا وفاليريا أوراق السفر قالت لي إن هناك رجلاً آخر في حياتها . كان ما سمعته كزوج بالطبع شيئاً شنيعا , حينها احسست بغضب حارق يجتاحني , فدفعتها إلى سيارة اجرة لاحظت أنها كانت منذ أمد تمشي بمحاذاة الرصيف كمن يدعونا بإلحاح إليها. ضربتها بيدي على ركبتها سائلاً إياها عمن يكون حبيبها ؟ ودون أن تتفوه باي كلمة أشارت بأصبعها إلى سائق السيارة . أوقف السائق السيارة و ذهبنا إلى مقهى صغير , وتحدثنا ثلاثتنا , وأخيراً اقترحتُ عليهم أن تنتقل فاليريا و تترك منزلي . وكنت حائراً أسأل ذاتي إذا كان يجب أن أقتلها, أو أقتل حبيبها , أو أقتلهما سوية , أو إذا كان يجب عليَّ تركهما كحشرتين تذهبان في فيافي الحياة .

أخّرت عملية إجراءات الطلاق انتقالي إلى الولايات المتحدة, ولم أصل إليها إلا بعد أن امضيت فصل الشتاء الطويل الممل في البرتغال . وفي نيويورك رضيت بالوظيفة اليسيرة التي عُرضت عليّ وهي إصدار اخبار دعائية عن عطور شركة عمي . وفي الوقت نفسه شجعتني واحدة من كليات نيويورك على أن أنهي المؤلف الذي بداته عن تاريخ الأدب الفرنسي, والذي اقتضاني الجزء الأول منه ساعات طويلة من الشغل لمدة عامين . ولعلك تصورت اغبراري واحتراقي وأنا أحاول أن ألتقط ببصري نظرات من أجساد المراهقات المسعورات. وهذه الحالة سببت لي انهياراً عصبياً بعثني إلى مصح الأمراض النفسية , وقضيت أكثر من عام فيه . إستطعت أن أصل إلى قراءة التقارير السرية التي كتبها الدكاترة المختصون على ضوء معالجتهم لي. فاكتشفتُ أن بعض الاطباء وضعوني كشاذ جنسيا , بينما صنفني الاخرون في فئة الأشخاص أصحاب العفة الطاهرة . 

 بعد خروجي من المشفى , أخذت أفتش في البلدات عن قرية هادئة أو مدينة صغيرة اقدر ان اقضي فيها فصل الصيف واضعا جل وقتي لإنهاء مؤلفي الأدبي وللسباحة في بحيرة قريبة . فاقترح عليّ أحد العاملين أن أقضي الصيف في بيت ابن عمي الفقير ماك كو, الذي يرغب في أن يؤجر الطابق العلوي من منزله . وذكر لي أن لإبن عمي ابنتين , إحداهما رضيعة و الثانية في الثانية عشرة من عمرها . وهكذا فقد وجدت ان اقتراحه بديعاً ومرضياً. فانتقلت اليه بالقطار وأنا أحاول أن اتصور شكل الفتاة المراهقة التي سأعايشها والتي سأقاربها و أغازلها بالطريقة الهمبرية *طريقتي, فإسمي هو همبرت *. لم يستقبلني اي شخص في المحطة, فتوجهت إلى الفندق , وعندما وصلت توجه لي شخص وقال لي إن منزله قد احترق (بيت ماك كو), وأن اسرته لجأت إلى مزرعة يملكها , وأن صاحبة لزوجته تدعى المسز هيز قد عرضت أن تسكنني عندها. 

 وعندما بلغنا منزل المسز هيز. كانت المسز هيز في الثلاثين من عمرها تقريبا , بسيطة المظهر ولكن ملامحها لم تكن فاتنة . تحدثنا برهة عن الحريق الذي جرى في منزل ابن عمي ماك كو. كانت مسز هيز من الصنف النسائي المحروم على الدوام من روح النكتة , لكنها كانت حريصة على قواعد الحديث و مبادئه , وقررت في ذاتي ان اترك المكان, إلا أن تهذيبي أجبرني على ان اساير تلك السيدة . 

 وعندما نزلنا لنشاهد الحديقة رأيت هناك حورية تماثل في شكلها آنابيل, الحبيبة التي سببت شرخ حياتي ....لقد وجدتها من جديد. كان الشبه بينهما غريباً و رهيبا , إنني أجد مشكلة كبيرة في التعبير عن الشعور الكبير الذي اندفع في قلبي , شعرت بفراغ ذاتي يمتص كل لمحة من ملامح جمالها الفاتن , ويقارنها بملامح حبيبتي الميتة . ولكن لم يمض وقت قليل حتى محت هذه الفتاة التي تدعى لوليتا صورة نموذجها الاساسي آنابيل. فكل شيء جرى لي بين فقداني لآنابيل , و رؤيتي للوليتا, لم يكن إلا خبطات عشوائية في بحر الحياة, ولم يكن ما علمته من فرح في حياتي سوى شعور مزيف بالغبطة. وعندما صرخت المسز هيز قائلة : هذه ابنتي لوليتا وهذه هي ورداتي , أجبتها حالاً : إنها جميلة, جميلة كثيرا , جميلة ! تذكرت أحلامي وتخيلاتي في القطار التي دارت حول ابنة ماك كو , وحين رأيت تلك الفتاة , كانت نحيلة وعرجاء وممروضة , ما أبعد الفرق بينها وبين هذه الحورية التي تتفجر بالحيوية والحياة .

 إنني اعلم انه من اكبر الحماقات أن أكتب هذه المذكرات اليومية , ولكن ذلك يبعث في ذاتي رعشة جديدة تدهش ذاتي . كنت أجلس مقابلها أتظاهر بالقراءة قبل أن تقدم للإستحمام في المسبح , وقفتْ حبيبتي لوليتا الى جانبي لحظة وكانت تنطلق منها رائحة تماماً مثل رائحة حبيبة الريفييرا آنابيل , ولكنها كانت أقوى و أشد , إنها رائحة تلفحها الحرارة صحت فيّ رجولتي في الحال , كانت أجمل مراهقة حورية , وكنت ألتهمها بنظراتي. سمعت يوماً أنني أشبه ممثلاً أو مغنياً تهيم لوليتا حباً به في تصورها المراهق. إنني اقدر أن أكون شاعراً في مزاجي الهادئ , وقد كتبت شعراً أتغزل فيه برموشها الفاتنة , وعينيها الجميلتين , وبرشاقة ملامحها , ولكنني ما لبثت أن مزقت القصيدة . ما يثير عقلي هو طبيعة هذه الحورية , تلك الطبيعة المتضادة , فهي ليست امرأة وهي ليست طفلة , إنما مزيج من عهر العاهرات في الحركات و براءة الطفولة في الملامح , ومزيج من الوحل والأثير. والأهم من ذلك أنه لم يعد هناك شيء في حياتي أهم منها , فهي قبل كل شيء وفوق كل شيء . 

 وفي إحدى المرات تقدمت لوليتا باتجاهي وهمست لي : *إقنع والدتي ان تصطحبني معك إلى البحيرة غداً*. أما والدتها فقالت لي : * إن لوليتا مشاكسة مناكدة منذ كانت في العام الأول من عمرها. أما وقد بلغت الثانية عشرة من عمرها فقد صارت مشكلة مزمنة, فهي لا ترغب من الحياة شيئاً سوى أن تقضي يوماً راقصة متشخلعة متخلعة. و في المدرسة لاتحصل إلا على أدنى العلامات , ولكنها مع ذلك صارت أحسن حالاً مما كانت عليه في مدينة بيسكي قبل عامين . أريد منك يا سيدي - إذا كنت ستظل معنا إلى الخريف- أن تعطيها الدروس لتعاونها في دراستها *, حينها أردت أن اصرخ بأني أود أن اظل الى جانب لوليتا لاخر عمري . وبدأت أنصب شباكي في جميع أنحاء المنزل , فكنت أتسمع من كرسيّ الحركات محاولاً تبيّن مكان لوليتا في المنزل من وقع قدميها, وأنا أرجو بين الحين والثاني أن تظهر أمامي, آه يا لوليتا كم تكون الحياة مشكلة بدونك. =إضطررنا إلى تأجيل النزهة عند البحيرة أكثر من يوم بسبب الجو .. هل يتآمر القدر عليّ ؟ كنت اعلم أن المسز هيز تكرهها لأنها تتدلع عليّ و تلاطفني, وهكذا فقد قررت أن أجعل النزهة ملائمة لاكتساب رضاء الأم . 

 ثلاثة أسابيع مرت عليّ وأنا اضع كل الخطط فتحبطها الأم هيز . إن التوقد الذي اشتعل في قلبي وجسدي حيال هذه الحورية كان خليقاً بأن ياخذني من جديد إلى مستشفى الأمراض العقلية , لولا أن إبليس قد علم بأنه يجب أن يتوفر لي ما يفرج عن ذاتي , إذا كان يريد أن يلعب بي زمناً كبيرا . فقد كانت لوليتا آخر حورية يمكن أن تصل إليها مخالبي الخجولة المألومة . إن القدر يعاكسني , فقبيل اليوم المحدد للنزهة إتصلت أم ماري هاملتون تلفونياً , صديقة لوليتا التي كانت ستذهب معنا في النزهة الموعودة أيضاً ,وأخبرتنا بأن ابنتها متعبة جداً من الحمى التي ألمت بها وبالتالي فإنها لن تتمكن من الخروج معنا للنزهة . ونتيجة لذلك قالت هيز لإبنتها لوليتا أن النزهة سوف تتأخر لوقت اخر . 

  تناولت غدائي بقوة كبيرة لم أعرفها منذ اعوام , ولما رجعت الى البيت كانت لوليتا غائبة . احسست بساعات الأصيل تطول في ذلك الهدوء المريب , فأخذت ادعو إلى الله أن تأتي, اتوسل اليك يا إلهي أن تأتي فأنا أعبدها بشكل عجيب . وعندما رجعت لوليتا قالت إنها ستخرج مع بنت الجيران في مخيم صيفي للفتيات لمدة ثلاثة أسابيع حتى وقت افتتاح المدارس . فاجأني هذا الخبر و صدمني بشدة , أليس معناه أني سأفقد حبيبتي في الوقت الذي صارت لي فيه سرياً ؟! وعندما جلست في ظلام الليل على الشباك مع السيدة هيز, قالت لي بضحكة بأنها قالت لابنتها لوليتا بأن محبوبها همبرت راضيا كل الرضى على فكرة إرسالها إلى المخيم , فأجابتها لوليتا بأن بعثها إلى المخيم كان حجة مني ومنك للتخلص منها. 

 سأقول بأنني علمت بأنني قد وقعت في حب لوليتا لنهاية عمري , ولكنني كنت اعلم كذلك بأنها لن تكون لي لوليتا الأبدية , ففي كانون الثاني ستصير في عمر الثالثة عشرة , وبعد عامين لن تظل حورية مسعورة مراهقة , إنما ستتحول إلى مجرد صبية , ثم إلى طالبة جامعية , وهكذا فإن كلمة الابدية تشير فقط إلى غرامي وإلى لوليتا الأزلية الخالدة كما تنعكس في دمائي. لهذا تساءلت في نفسي كيف سأقدرعلى ان لا المحها لمدة شهرين كاملين ؟ تساءلت هل أتنكر في ثوب فتاة عانس وأنصب خيمة بجانب مخيم البنات ؟. 

وبعد أن خرجتْ لوليتا إلى المخيم من البيت , نادت عليّ الخادمة لويز وقالت لي إن هناك مكتوبا لي , وناولتني مغلفا فتحته بيدين مرتعشتين وقرأت الرسالة : *ليس هذا بمكتوب إنما اعتراف فأنا أحبك (هكذا بدأت الرسالة التي ظننت من خطها المرتعش أن لوليتا هي التي كتبتها). لقد أحببتك من الدقيقة التي رأيتك فيها , ولقد لاقيت فيك حبيب حياتي أنا المرأة الشاعرية التي تقاسي الوحدة . أرجوك أن تحزم اغراضك وترحل على الفور . إني أأمرك بصفتي مالكة المنزل التي تطرد مستاجراً. أجل إني أطردك يا أحب حبيب فاخرج من هنا . ولكن إذا قررت ان تظل في المنزل , فإن بقاءك يعني أنك ترغب فيّ بقدر ما ارغب فيك , أي كشريكة حياة , وأنك مستعد لأن تربط حياتك بحياتي الى نهاية العمر , وأن تكون أباً لابنتي الصغيرة. وداعاً ... شارلوت هيز*. 

شعرت بالدهشة والإنكفاء والشرود, خرجت من شرودي لأجد ذاتي في حجرة لوليتا, وكان هناك إعلان على جريدة منتزعة من مجلة يمثل عريساً شاباً ذا عينين زرقاوين و شعر أسود,. وكانت لوليتا قد رسمت سهماً متجهاً إلى وجه هذا الرجل وأضافت إليه بحروف واضحة *هـ . هـ* .والواقع أن الشبه كبير جداً لولا فرق بعض الاعوام . حينها مزقت رسالة شارلوت وذهبت إلى حجرتي وأنا أفكر بالمداعبات التي في مقدوري ان اعملها مع لوليتا بصفتي زوج والدتها , وتصورت نفسي احضنها ثلاث مرات في اليوم وكل يوم . حينها تكلمت إلى لوليتا عبر الهاتف و قلت لها وأنا أرتجف بأنني سوف أتزوج والدتها . حينها فرحتْ بالخبر, ثم أخبرت شارلوت بقراري . 

 كانت شارلوت إمرأة كثيرة الكلام تحب أن تحيطني بالدعاية لدى رفيقاتها و كانت فرحتها عارمة و لكن الاحساس الاكبر الذي اجتاحني هو شعور الهزء والسخرية من السيدة هيز, ومن إيمانها الكبير بالأخلاق الإجتماعية. ومع ذلك صارت شارلوت تحاول أن تفرح حياتي الزوجية بتجديد بعض معالم المنزل والأثاث . لم أفكر في أنها ستكون غيورة بشكل كبير , وأظهرت فضولاً جامحا لمعرفة ماضيّ , فكانت كلما اخذت احكي لها عن حبيباتي الماضيات بطريقة مزرية , كانت سعادتها تكبر . كانت قلما تتحدث عن لوليتا بأكثر مما تتكلم عن طفل أشقر فقدته وهو فتى , وكانت في بعض الأحلام تتنبأ بأن روح ذلك الصبي الأشقر سترجع إلى الأرض في شكل فتى ستحمله مني . ومع أنني لم احس باي حماس لأن أعطي لوليتا شقيقاً من والدتها , فقد خطر لي أن ذهاب الوالدة إلى مستشفى الولادة, ربما أتاح لي فرصة ان ابقى لوحدي مع لوليتا , وتصورت كيف سأتمتع بمفاتن المسعورة المراهقة, بعد أن أدس لها الأقراص المنومة في شرابها . لقد كانت شارلوت تتضايق من ابنتها وترى فيها طفلة متمردة شقية سلبية قلقة وعنيدة, وكانت تبدي تضايقها بتحطيم سمعة ابنتها حيثما سنحت الفرصة لها . 

 في أحد الأيام قالت لي شارلوت : *إنني أتمنى ان احصل على خادمة مدربة حقيقية كالخادمة التي جلبوها جيراننا, ويمكنها أن تنام في حجرة لوليتا فهي ثقب وليست حجرة * حينها احسست بالدم يتصاعد إلى وجهي وقلت لها : *أين ستتركين البنت إذا أتت الخادمة* فقالت : *آه تعني لوليتا, لا مكان لها في بيتنا الجديد , فسأرسلها من المخيم و من بعدها مباشرة إلى مدرسة داخلية جيدة , لقد قمت بترتّيب كل شيء*. حينها استأذنت منها وابتعدت قليلاً, ورفعت كفيّ إلى السماء قائلاً : *أنظر يا الهي , هذه القيود الجديدة التي ترغب تلك المرأة أن تقيدني بها *. كانت الورقة الهامة في اللعبة هي ان شارلوت لا تعلم بعشقي الجارف الهائل لابنتها لوليتا, وكنت قد بدأت ألاحظ انزعاجها لأن لوليتا تميل إليّ . حينها علمت أن الحل الطبيعي للامر يكمن في القضاء على السيدة هيز , ولكنه تبين لي بأنني لن اقدر غداً أو بعد غد أو في أي يوم آخر أن أحمل ذاتي على إنهاء حياتها. بعد أسبوع جاء ل شارلوت اجابة من المدرسة الداخلية , جاء فيه أنها تأخرت في تسجيل ابنتها , ولكن إذا اتت بها إلى المدرسة في الشهر الاول من السنة فإن الإدارة قد تتمكن من ترتيب أمر تسجيلها . وكنت في حالة من الغبطة الطاغية, فقد كان قد قرب رجوع لوليتا. وبدأت أعد ذاتي إعداداً كبيرا لهذا الحدث, فكان عليّ أن أكون متأكداً من الطرق التي ساجهز فيها نوماً عميقاً للوليتا ووالدتها , بحيث لا تقدر اي لمسة او ضجة أن توقظهما من نومهما فى كل ليلة منذ أن ترجع لوليتا إلى أن تأخذها المدرسة مني . واشتريت أقوى أنواع الحبوب المنومة , و عدت الى المنزل لأرى شارلوت وقد شوهت الإنفعالات ملامح وجهها , و صرخت في وجهي : *إن شارلوتك السخيفة لم تعد العوبة في يدك , إنك رهيب وحش , سأترك لك المنزل كله, ولكنك لن ترى بعد الآن تلك الطفلة الحزينة , هيا اخرج من أمامي*. 

 صعدت إلى الحجرة ووقفت هناك وأنا انظر الى الصندوق الذي يحتوي أوراقي السرية مفتوحاً مُنتهكاً . حينها نزلت إلى شارلوت وأنا أقول : *شارلوت إنك تهدمين حياتك و حياتي, إن المذكرات التي في الصندوق ليست إلا مقتطفات من رواية اعمل على تاليفها * , فلم ترد عليّ بأي جواب , وكان بجانبها مكتوبين , وفي يديها تكتب الرسالة الثالثة , رجعت إلى المطبخ لأجلب كاسين من الويسكي, ثم سمعت الهاتف يدق , رديتُ لأسمع صوتاً يقول : *لقد دهست سيارة مسرعة زوجتك السيدة همبرت والأفضل أن تأتي في الحال !* فتفحصت في في غرفة المعيشة فلم أجد أثر لشارلوت. لقد كانت شارلوت مسرعة لتلقي في علبة البريد الرسائل الثلاث التي دونتها , فصدمتها السيارة و رمتها أمامها عدة أقدام , أما أنا فتظاهرت بالصدمة ومزقت الرسائل الثلاث قطعة قطعة ... 

كانت الجنازة ساكنة كحفلة الزواج تماما . ولقد قضيت ليلتي الأولى كأرمل وأنا مخمور إلى حد أنني نمت كولد صغير . وفي الصباح تفقدت قصاصات الرسائل الثلاث التي دونتها شارلوت و وضعتها في جيبي : الأولى كانت مبعوثة إلى لوليتا , والثانية تشير إلى ارادة شارلوت في الفرار مع لوليتا إلى مسقط رأسها خوفاً عليها من أحد الذئاب أو الشواهين , أما الثالثة كانت عبارة عن طلب لتسجيل لوليتا في مدرسة داخلية للبنات اشتهرت بشدة نظامها . وحين جاء قسيس البلدة إليّ أكدت له أنني ساجعل جل عمري لاسعاد البنت لوليتا. أجل كم كنت خبيثا معه ! وعندما زالت شارلوت من الحياة و رجعت الى المنزل والداً متحرراً حراً , كانت في فكري خاطرة محمومة وهي أن لوليتا بجسمها الدافيء, وشعرها العسلي ستكون بعد ساعات بين يدي و في احضاني . بعدها قررت أن أغادر المنزل المظلم . 

  قد يفترض القاريء أن موت شارلوت قد أزال جميع الصعوبات في طريقي الى ما ينتهي من السعادة التي تنتظرني, ولكن الموضوع لم يكن كذلك, فلقد إجتاحتني أنواع كثيرة من المخاوف و الشكوك فتساءلت : ألن يثير دهشة الناس أن تكون لوليتا قد ظلت بعيدة عن عرس امها ثم عن جنازتها ؟ ربما بعض الاصحاب قال للويتا الخبر , وربما ياخذونها الآن من المخيم عائدين في الدقيقة التي أنا ذاهب فيها لاصطحبها من المخيم. كانت خطتي في أخذ لوليتا تقول بأن أتصل بمخيم البنات لاقول ل لوليتا بأن عملية جراحية ستجري لوالدتها في مستشفى وهمي بعيد, وبأن أخرجها من المخيم, و اخذها من فندق ريفي إلى آخر, وأنا اقول لها بين اليوم والآخر بأن حالة والدتها تتحسن, إلى أن تاتي اللحظة واخبرها أن والدتها قد ماتت. فاتصلت بمديرة المخيم , فقالت لي إن لوليتا قد خرجت في رحلة إلى التلال, واقترحت أن أؤجل قدومي إلى الغد, وعندما سألتني عن النبا قلت لها إن أم لوليتا قد دخلت المستشفى وحالتها ليست مستقرة البتة .


  وفي الغد سمعت أنفاس لوليتا , لمحتها و حدقت بها كانت أنحف وأطول, وسرعان ما طوقت رقبتها بيدي وأخذت باليد الاخرى حقيبتها, كانت لوليتا كلها مشتهيات, كانت تمثالاً من العسل و ماء الورد . وفي الطريق قالت لي لوليتا : *لم تعد تعتني بي, فلم تقبّلني حتى هذه اللحظة * حينها أوقفت السيارة فعانقتني لوليتا وقبلتني. كنت اعلم أن هذه القبلة بالنسبة لها لم تكن سوى لعبة بريئة , وتقليد لما علق براسها من مراسم الغراميات العادية , ولقد خفت من ان اروح في اللعبة الى مكان أبعد مما يجب, و خفت أن أتسبب في قرفها و اخافتها , قالت لوليتا : *قل لي ألن يُجن جنون والدتي , إذا علمت أننا حبيبان ؟* حاولت أن أغير الموضوع وقلت : *حدثيني عن مغامراتك في المخيم* فقالت : *إنك تتحدث كالمعلم الحكيم , حسناً علموني كيف أنمي شخصية شجاعة , وعلموني أن أكون مفيدة , ولكني لا أزال قبيحة التخيلات , وسخة الافكار, ولا أزال سيئة قولاً وفعلاً*, كنت أقود بسرعة كبيرة فأمامنا ثمانون ميلاً يجب أن نقطعها لندخل إلى الفندق المبارك. 

 وأخيراً وصلنا إلى فندق السحرة و الصيادين. وقلت للرجل الذي كان في استقبالنا إذا كان يستطيع إعطاءنا أية حجرة , فإن ابنتي التي تبلغ من العمر عشر اعوام متعبة جدا . تم إعطائنا حجرة بسرير مزدوج. وبالفعل صعدنا إلى حجرتنا و عبرنا من خلال الدهليز الذي يخيم عليه صمت الموت , وحين دخلنا الحجرة قالت لوليتا : *هل سننام في حجرة واحدة؟ أمي يا عزيزي ستطلقك و ستذبحني عندما تكتشف الموضوع * ولكنها لم تكن جادة في حديثها . وبعد أن تناولنا الطعام وانتهينا من الحلوى امسكت الأقراص المنومة, وقلت لها إنها أقراص مقويات وأخذت قرصاً وتظاهرت أني شربته , وتناولت لوليتا قرصها و شربته , ثم قتلها النعاس. وعندما اخذتها على حافة السرير قالت لي بصوتها الناعم : *هل تعدني بأنك لن تغضب مني وتحتج إن قلت لك ؟؟ لقد كنت فتاة سيئة دعني أخبرك*, فقلت لها : *غداً يا لوليتا, إذهبي إلى السرير * ,ووضعت مفتاح الحجرة في معطفي وخرجت. وبعد عشرين أو ثلاثين دقيقة سارجع إلى الحجرة لأجد حوريتي, لالاقي عروستي أسيرة لنومها الصافي العميق .

 أخذت أتمشي في ازقة الفندق مظلم الروح مبتهج الجسم. وفي إحدى الصالونات لمحت صبية في سن لوليتا إلا أن بشرتها أكثر تفتحا , كانت شهية مثل لوليتا فأخذت انظر اليها بنظرات شهية حادة , فانتبهت الى نظراتي فأخذت تسدل طرف تنورتها على ساقيها , ثم أدارت ظهرها إليّ. وعدت إلى لوليتا و لاقيتها تتطلع إليّ عبر الظلمة, وكان هذا شيئاً غير منطقيا , فقد كان من المفروض أن القرص سيجعلها تغط في نوماً عميقاً . وعلمت فيما بعد أن القرص لا ينتمي إلى فصيلة الأقراص القوية , وأنه خفيف المفعول . و قضيت ليلتي مسهداً تتلقف أذناي كل حركة , فاضطررت إلى أن ألجأ ألى المرحاض , فليس مثل الماء البارد من علاج في مثل هذه الاحوال . 

 في الصباح كانت لوليتا تنظر إليّ, وبعد أن قبلتني رغبت مني أن تلعب اللعبة التي لعبتها مع شارلي إبن مسؤولة المخيم, الذكر الوحيد في مخيم البنات, وعلمتني إياها, ولكنها لم تكن مستعدة إلى العديد من الاختلافات بين حياتها كمراهقة وحياتي كرجل راشد متقدم في العمر. إنني أحاول أن أصف هذه الأشياء ليس من أجل أن احياها من جديد في هذا الشقاء الذي أحياه في حبسي , إنما من أجل أن أفرز الجانب الجميل عن الجانب الجهنمي, إنه حب يتماوج فيه الجمال الروحي مع الحيوانية . ولقد وجدت في مكتبة الحبس مجلة جاء فيها أن الجو في مدن كسانت لويس وشيكاغو يجعل البنات بالغات ناضجات في عامهن الثاني عشر . فهل أنا الذي قطفت زهرة لوليتا ؟ كلا لم أكن أنا , بل لم أكن اول عاشق في حياتها. 

 وبعد أن انتقلنا من الفندق كانت وجهتنا هي بلدة ليبينغفيل القريبة من المستشفى الوهمي الذي اخبرت لوليتا إن والدتها قد دخلت إليه. ولكن إذا كان حلم حياتي قد تحقق باجمل مما كنت اتخيله , فإن ذلك لم يمنعه الآن من أن يتحول إلى كابوس مخيف , و علمت في هذه الدقيقة بأنني كنت خسيساً فاجراً و طائشاً غبياً . وفي الطريق طلبت مني أن تتكلم مع أمها فقلت لها : *لا يمكنك ذلك لأن أمك قد ماتت !!*. وفي بلدة ليبينغفيل أخذنا بالفندق حجرتين منفصلتين . وفي الليل جاءت تبكي الى حجرتي , فلم يكن لديها قطعاً أي مكان آخر تذهب إليه. 

 وعند ذلك التطور في علاقاتنا بدأت انتقالاتنا الحثيثة في جميع انحاء الولايات المتحدة . كنت أجد لوليتا من الناحية العقلية مراهقة عادية صغيرة, فكانت موسيقى الجازباند وأقداح البوظة والرقصات السريعة والمجلات السينمائية أحب الأشياء إلى فؤادها . كانت تؤمن بثقة كبيرة بما يُكتب في الجرائد , بل كانت تستجيب لكل إعلان فمثلاً إذا لمحنا إعلان يقول زوروا مخزن الهدايا فإننا يجب أن نذهب اليه وهكذا. وفي كل مرة كانت تثير جنوني بنقيقها وتصرفاتها النزقة الصبيانية , كنت أتوعدها أني سآخذها إلى مكان متوحد لمدة شهر لتدرس تحت ادارتي اللاتينية والفرنسية. ولكونها بسيطة كانت تصيح مستنكرة و تترجاني ألا أفعل ذلك. 

 ولكي تظل علاقتنا الفاجرة سراً مخفياً ,فقد قررت ان اكون حارسها وحاميها بحيث يصبح كتمان الموضوع طبيعة مستقرة فيها , وفي جميع الاحوال مهما كان ما تضمره لي ,. ولندع التعابير القانونية حول نظامية المعاشرة و المساكنة بين رجل في الخمسين و بنت صغيرة لم تبلغ الثالثة عشرة . إنني لست مجرماً منحرف الميول فاسقاً , كنت أقول لها لنتصور يا لوليتا ماذا سيجري إذا اتهمت أنت القاصرة بإفساد أخلاق رجل راشد في فندق نظيف ؟ ماذا يحدث إذا قلت للبوليس من أنني انتهكتك و اختطفتك ؟ إن العقوبة القصوى هي السجن عشر اعوام , وهكذا سأذهب إلى الحبس , حسناً ما الذي سيجري لك أيتها اليتيمة إذا رماني البوليس في السجن ؟ سياخذونك إلى الإصلاحية, ألا تعتقدين أن هذا اللذي نحن به هو الأفضل لنا ؟ وهكذا نجحت في أن أثبِّت في راسها وجاهة المحافظة على السرية, , و الشعور بالذنب والإثم بالإضافة إلى المشاركة في التكتم. 

 كانت لوليتا تعلم مدى فتنتها , وكنت غالباً أفاجأها وهي تبعث نظرة مسروقة باتجاه شاب أنيق رفيع , وما أكاد أدير راسي لأشتري قطعة حلوى للوليتا حتى أسمعها هي والشاب ينشدان إحدى الأغاني الغرامية المعروفة . وأذكر مرة سمحت لها بان تذهب إلى حلبة التزلج, وقالت لي بقسوة ليس هناك من متعة في مصاحبتي لها, إذ أن وقت الصباح مخصص للصبية فقط . وبينما كنت أتجنب ما أمكن من الناس, كانت لوليتا تبذل كل ما في مقدورها كيما تجتذب أكثر عدد من الشهود إلى مدارها كالهرة الفاتنة . 


 لقد إقتحمت لوليتا عالمي الأسود المجنح , دخلته بفضول متهور طائش , ولكن بدا لي الآن أنها تتهيأ الى ان تخرج من هذا العالم بشيء اقرب الى التقزز والقرف . ليس هناك اصعب من أن يحب الإنسان طفلة صبية , فعلى الرغم من فوارق العمر , وعلى الرغم من قسوتها , ومن جميع الأخطار فإنني رحت معها عميقاً في جنتي التي اخترتها , إنها جنة ذات سماوات بلون ألسنة نيران اللهب , ولكنها على كل حال جنة . ولا ريب أن المحلل القدير النفسي خليق بأن يرغب بي أن أذهب ولوليتا إلى الساحل كي أحقق حلم حياتي , كي أحرر عقلي الداخلي من عقدة خلقها فشلي في أن أتوج غرام طفولتي بان امتلك حبيبتي الأولى آنابيل على ساحل الريفيرا . لقد كان مزاج لوليتا المتقلب مجرد شامة سوداء في وجه فرحتي الوضاح. لقد قررت أن أدخل لوليتا مدرسة للفتيات , حيث سأعكف على مراجعة بعض المراجع القانونية حول الوصاية على القصّر. 

 والواقع يبدو أنني ارتكبت ذنبا كبيرا إذ قررت أن أدخلها المدرسة بدلاً من أن نذهب لنسير في منطقة الحدود لنمضي بعدها إلى المكسيك حيث كان في مقدورنا أن نعتزل الحياة في جو من الفرح , إلى أن اقدر الزواج من معذبتي الصغيرة , لأنه يجب عليّ أن اصرح ان لوليتا سيختفي منها طابعها كحورية مسعورة. وهناك جنون يجتاحني في أن أملأ بطنها بجنين سيتحول إلى حورية مسعورة , فتكون لوليتا الاخرى في الثامنة أو التاسعة , حيث سابقى قادراً أن أمثل دور الجد الذي ياخذها بوصايته, الجد الذي هو إنسان لا يزال أخضر القلب أزرق الناب .

 إنتقلنا إلى منزل اخر بالقرب من المدرسة الجديدة للوليتا , وكانت إحدى جاراتي اكثر الجيران خطراً ، إمرأة ذات طبيعة فضولية و أنف معكوف. وإني لأذكر كيف اني لاحظتها تحدق بنظراتها الحادة في لوليتا و هي تكنس وأنا وراء نافذة الإستقبال أنتظر محموماً رجوع حبيبتي من مدرستها. وأيضاً كان عليّ أن أكون شديد الحذر من المسز هوليفان الطباخة و الغسالة في البيت, ولكن لحسن الحظ أنها كانت ضعيفة النظر فلم تلحظ التفاصيل. 

 أنا الآن أواجه مهمة صعبة وغريبة , هي مهمة تسجيل هبوط في مستوى أخلاق لوليتا. فقد كان المخصص الاسبوعي الذي تحصّله مني بشرط أن تؤدي واجباتها الأساسية معي يصل الى 21 سنتاً , ثم ازداد شيئاً فشيئاً .. كنت قد وضعت قائمة بالاشياء الممنوعة على لوليتا, وعلى رأسها المواعيد مع الفتيان , ولا أسمح لها ابدا أن تذهب مع أي شاب إلى اي مكان , أو إلى السينما, أو إلى حفلات راقصة تقام في منازل صاحباتها . لقد أغضبت هذه القواعد لوليتا وأثارت حنقها علي, ودعتني بالقذر و المحتال , وأسوأ من ذلك من الصفات , ولكني مع ذلك لم احس أنها تخفي خيانة جدية. 

 وفي مطلع ديسمبر دعتني مديرة المدرسة لان تكلمني في موضوع لوليتا التي كنت اعرف أن علاماتها المدرسية متدنية بعض الشيء . قالت المديرة : *إن لوليتا فتاة ذكية و جذابة ولكنها مهملة, فالحوافز البيولوجية والبسيكولوجية غير منسجمة وغير متصلة في لوليتا إتصالاً مكتمل الدائرة. إنها تتعب المعلمات بشكل كبير, وتبدو مشوشة الذهن ولا تقدر أن تترجم انفعالاتها و مشاعرها بالأفعال, فلوليتا عديمة الاعتناء بالقضايا الجنسية , بل إنها تكبت فضولها من أجل أن لا تظهر جهلها بتلك المسائل , وفي رأينا نحس بأنه عليك أن تسمح للوليتا بان تتمتع بصحبة أشقاء زميلاتها في نادي الشباب , وفي منازل آباء بناتنا , فهي تسخر من رفيقاتها لأنهن يواعدن الشبان مواعيد طبيعية بريئة *. حاولت الإتفاق مع المديرة العانس وأنا احس بأن ما تقدم من كلام كان مجرد مناورات قبل كشف الستار عن الفعل الشنيع , وخيل لي أنهم يعرفون السر . 

عندما حل الربيع كانت لوليتا قد صارت مجنونة هائمة بالتمثيل والمسرح. إنني أكره المسرح و اعدّه شيئاً بدائياً فاسداً متعفناً . وسمحت لها أن تأخذ دروساً في البيانو . وذات مساء تكلمت معي معلمة البيانو وسألت إذا كانت لوليتا ستأتي إلى محاضراتها هذا الأسبوع, لأنها لم تاتي الى دروسها الأسبوع الماضي , كما تغيبت عن درسها هذه الليلة . وهنا طار عقلي و تشتت فكري , وعندما استجوبت لوليتا قالت إنها كانت تتدرب على دورها في إحدى المسرحيات مع صاحبتها مونا داهل, وعندما سألت صاحبتها أكدت لي ذلك . وعندما عدت إلى لوليتا كانت متعبة على مقعدها الهزاز, وهي تقضم ظفراً من أظافرها. فجأة في تلك اللحظة تبينت كم تغيرت لوليتا منذ أن رايتها قبل سنتين . إن هيئتها هي هيئة تلميذة ثانوية لا تهتم بهندامها , وسوقية المستوى . ثبتتْ نظراتها عليّ بشكل اعطاني فكرة ان لوليتا, هذه المراهقة اليتيمة , تستطيع أن تقول للسلطات عن افعالي دون أن تتعرض للعقاب. فأخذنا نتشاجر , وقالت لي إنها تمقتني , وقالت إنني حاولت عدة مرات أن اعتدي عليها عندما كنت اسكن مع والدتها , وقالت إنها واثقة من أنني قد قتلت والدتها , وأنها ستضاجع أول من تقابله . وأمسكتها من ذراعها الضعيفة , فحاولت أن تتملص حتى خفت أن تتكسر عظامها, وقلبي يذوب حرقة عليها. رن جرس التليفون فذهبت من الحجرة لأرد عليه, وبينما كنت مشغولا على الهاتف سمعت الباب يغلق , أين لوليتا؟ هل هربت؟ ومن الشباك رأيت شبحاً يمشي , ورأيت الشبح يمتطي الدراجة وينفلت إلى العتمة الكالحة .

 رغم مرور ثلاث سنوات عل تلك الحادثة وحتى الآن لست اقدر, أن أتخيل منظر ذلك الشارع في تلك الليلة دون أن اشعر بالخوف , وعندما لحقت بها في ذلك الوقت لاقيت دراجتها أمام محل لبيع المثلجات , وقالت لي : *لقد قررت شيئا هاما , إنني أريد أن اهجر المدرسة, ويجب أن نترك البلد في الحال و نخرج في رحلة طويلة, ولكننا سنخرج حيث أريد أنا*. وبالفعل تركت المدرسة, و رجعنا مرة اخرى الى السفر من نزل ريفي سياحي إلى ثاني . ولا أستطيع أن أقسم متاكدا بأنها استطاعت في مناسبة أو مناسبتين أثناء الرحلة أن تحاكي اشخاص لا اعرفهم , أو أن تبوح لهم ببعض التفاصيل عن علاقتنا . وفي إحدى المرات ذهبت إلى السوق وعندما رجعتُ رأيت قرب حجرتنا شاباً عتياً كان يحمل ثلاجة إلى سيارة شحن, فضايقتني منه الإبتسامة التي سلّم عليّ بها إذ مررت به. وعندما دخلت لاقيت لوليتا مرتدية ملابسها وقد جلستْ على حافة الفراش , وكانت ترسل نظرات متألقة حالمة ببريق شيطاني , لم يكن يتعلق بي باي حال من الأحوال !! وحادثة ثانية , لاحظتُ أن هناك سيارة مكشوفة حمراء تتبعنا, حسبت في بداية الموضوع أن سائقها حبيب لوليتا, وعندما نزلت إلى محطة البنزين اصطفت السيارة الحمراء, ورأيت الشاب يستمع إلى لوليتا وهي تطل براسها من شباك المركبة , وتكلمه بسرعة ويداها تشتركان في الحديث مع فمها , وكانت تبدو جدية كثيرا , أحسست أن الرجل معروف لديها, وهو في مثل عمري تقريباً. وفي اليوم الذي يليه عاد مطاردنا مرة ثانية , وطيلة الوقت كنت احس بوهج يأتيني من صوب لوليتا, وعيناها تلتمع ببريق رائع . بعدها مررنا ببريد البلدة , وبعد أن قرأت الرسائل إلتفتُ لأبحث عن لوليتا فلم الاقيها مكانها , وفي تلك الليلة لم أدرك شيئاً سوى أنها هجرتني الى نهاية عمرها , ولكنها عادت وتشاجرنا, وتابعنا الطريق وهي تبكي و تجهش, وأنا أحس بوخزات التعذيب . 

 في يوم أدخلت لوليتا إلى المستشفى بسبب مشكلة في حنجرتها, وفي اليوم التالي فرت لوليتا. قال لي الدكتور إنها تحسنت تماماً, وجاء عمها المستر غوستاف في سيارة كاديلاك ودفع فاتورة الحساب كلها , وطلب إليهم إبلاغي بأنهما سيخرجان إلى مزرعة جدة لوليتا كما اتفقنا على ذلك. أمضيتُ أياماً عديدة وأنا أجوب الطرقات الصحراوية بحثاً عنها وعن الشيطان الذي أخذ لوليتا, وبعد تحرياتي قالت لي مالكة احدى الفنادق أنه أمضى خمسة أيام, وكانت تصاحبه ابنته آن لور. وما احتجت إلى أن تصف لي الصبية فقد علمت فوراً أنها لوليتا, ولم تكن الآثار التي يتركها ذلك الرجل كافية لكشفه . 

لقد كتبت هذا الكتاب ليكون عن لوليتا أو عن لوليتا المختفية الضائعة. فترة غريبة من عمري هي فترة اختفاء لوليتا لمدة ثلاثة سنين . وأكون كاذباً لو قلت بأن دهشة فقدي للوليتا قد عالجتني تماما من نوازع شذوذي, فلم يكن بوسع طبيعتي الخبيثة أن تتغير مهما تغير حبي لها . فقد بقيت عيناي ,على الرغم من رغبتي , تكنسان الحدائق العامة و الملاعب حيث تلهو الصغيرات, بحثاً عما يتكشف من أجسامهن المراهقة الناعمة, بحثاً عن مثيلات لوليتا, إلى أن دخلت ريتا حياتي التي يبلغ سنها ضعف سن لوليتا, بينما بلغ ثلاثة أرباع سني . كانت لطيفة و بالغة الرقة , ورياضية الروح. بقيت ريتا ترافقني عامين . وكانت معي أجمل وأبسط وأرق فتاة يمكن تصورها, وعشرتها جعلتني انقطع عن مطاردة الهاربة. 

 وفي أحد الأيام جاءتني رسالة مضمونها : *ابي العزيز, كيف الحال؟ أنا الآن متزوجة وعما قريب ساصبح أماً, و اظن أني سأرزق ولدا . لقد كان صعباً عليّ أن أكتب هذا اليك , ولكنني أكاد أجن لأنه ليس لدينا ما نحن بحاجته لسداد ديوننا. إن زوجي ديك موعود بوظيفة رائعة . أعرف أنك ناقم عليّ ولكن أرجوك أن تبعث لنا حوالة مالية .. لوليتا (مسز ريتشارد شيلر)*. عندما قرأت الرسالة أخذت اكافح أمواج العذاب التي اشعلتها لوليتا في قلبي , حينها ألقيت نظرة على ريتا بينما كانت ترقد في نوم عميق و هجرتها الى نهاية عمري . 

 ذهبت إلى لوليتا التي علمت مكانها من الرسالة التي بعثتها . وجدت بيتها, وكان بيتاً كئيباً حقيراً , وحين فتَحتْ لي الباب كانت أطول بعض الشيء , إنتفخ بطنها , ظهرت كأنها امرأة ناضجة, وكانت قد تجاوزت الكثير بعد سن السابعة عشرة . ما كان في مقدوري أن أقتلها حينها فقد كنت اعشقها ، كان حباً من النظرة الأولى, والنظرة الدائمة والنظرة الأخيرة, , والنظرة الأبدية. وعندما دخلتُ اقترحت أن تنادي على زوجها وتعرّفني عليه ولكني أجبتها بالرفض , فقالت لي إن ديك لا يعرف شيئاً عن ماضيها, وإنه يعتقد أنني أبوها. وحين سألتها عن الرجل الذي هربت معه, قالت إنه كان صديقاً قديماً من أصدقاء الاسرة , وألقى محاضرة في نادي والدتها منذ سنوات قديمة جدا , وعانقها وقبّلها في ذلك الوقت حين كانت في العاشرة قبل أن تلاقيني بعامين . وقالت لي إنه لمحني معها في أحد الفنادق, وكان يكتب المسرحية التي عملت فيها دوراً فيما بعد في مدرستها, إنه المؤلف المسرحي كلير كيلتي. ومع أن إحدى صويحباتها قد حذرتها منه, فهو يحب القاصرات الصغيرات, بل حبس لأنه تحرش بمراهقة, ولكنه كان ذكيا. وقالت إنه انفجر ضحكاً عندما صارحته بحقيقة ما كان بيني وبينك . كان رجلاً ذكيا ولكن المسكرات و المخدرات قضت عليه وطرد لوليتا من حياته بالنهاية . ثم عملت في أحد المطاعم ثم التقيت بديك. حينها تطلعت إلى لوليتا وتأملتها بشكل دقيق , وعلمت أنني أحبها أكثر من أي شيء اخر في هذا العالم, فقلت لها : *تعالي معي و سنحيا إلى الأبد فرحين , أتركي ديك واتركي هذا البيت الكريه وتعالي عيشي معي, وموتي معي, و تشاركي معي في كل شيء * رفضت الذهاب معي فاعطيتها المال وخرجت . 



بحثتُ عن بيت كلير كيلتي الذي خطف لوليتا إلى ان لاقيته , وحين صوبت سلاحي نحوه وقلت له : *ركز ذهنك على لوليتا هيز* فقال : *إنني لم أختطفها, بل ساعدتها من شر متوحش فاسق , أترك المسدس, يمكنني أن أعطيك هذا المنزل الذي تقوم بخدمته سيدة لديها حفيدات و بنات , هيا كف عن تصويب هذا السلاح * حينها أطلقت رصاصة أصابت كفه , والرصاصة الاخرى أصابت جانبه , ثم أطلقت ثلاث أو أربع رصاصات, وكانت تصيبه في كل مرة, وحين اردت الخروج من البيت وجدت عدداً من الأشخاص يحملون كؤوسا من الشراب فقلت لهم : *لقد ذبحت للتو كلير كيلتي* فأجابني واحد منهم : *كان يجب أن يقتله أحد ما وقبل مدة طويلة* وغادرت البيت بقلب مثقل ومشيت إلى مركبتي . 

ما بقي من الحكاية ليس سوى ظل شاحب يذوي في الراس .. هذه هي حكايتي كلها, لقد أعدت تلاوتها فلاقيت فيها شيئا من المرارة, وفي سردي لهذه الحكاية حاولت أن أخفي ما يضايق الناس, وجربت عدة أسماء مستعارة لذاتي قبل أن يقع اختياري على همبرت همبرت. وعندما بدأت قبل ستة وخمسين يوماً في كتابة لوليتا فكرت في استعمال الحكاية أثناء محاكمتي, ولكن ليس لإنقاذ ذاتي , إنما بالطبع لإنقاذ روحي و مساعدتها , ولو أنني قاصصت ذاتي لحكمت على همبرت همبرت بالحبس 35 عاماً بجريمة الإغتصاب, وأعلنت عدم مسؤوليته عن التهم المتبقية . ولما كانت لوليتا خليقة بأن تعيش أكثر مني, حتى لو حُكمت بتلك الفترة و لم أحكم بالإعدام, فإنني اتخذت الإجراءات القانونية الآيلة إلى عدم نشر هذه الحكاية ما دامت لوليتا على قيد الحياة , وهكذا فعندما يقرأ القاريء هذه الحكاية فإن كلينا لوليتا و انا سنكون في عالم الأموات ... 

                                                النهاية