الخميس، 7 ديسمبر 2017








تلخيص رواية
لوليتا: فلاديمير نابوكوف
إعداد وإشراف: رجاء حمدان


لوليتا يا ضوء حياتي, أيتها النار المتوقدة في عروقي , هل كُتبت اللعنة منذ الأزل على لوليتا ذات الإثني عشر ربيعاً ؟ الواقع أنها ولدت ملعونة, إني أوجه إليكم هذه الإعترافات لأعرض فيها لعبة الأقدار معي .. لقد ولدتُ في باريس عام 1910, كان والدي رجلاً ميسوراً يمتلك فندقاً ضخماً، سويسري الجنسية, أما أمي فهي إنكليزية وقد توفيت عندما كنت في الثالثة من عمري. وقد حلت محل أمي في البيت شقيقتها الكبرى سيبيل. والواقع أنني أغرمت بهذه الأم الجديدة على الرغم من تعسف بعض القواعد التي وضعَتها لحياتنا في البيت, ولكنها لم تبق طويلاً, فقد توفيت بعد عيد ميلادي السادس عشر.

 في الدراسة كنت ناجحاً كما نجحت كذلك في اكتساب مودة زملائي وأساتذتي على حد سواء, ولست أذكر أي تجربة جنسية واضحة المعالم قبل أن أبلغ الثالثة عشر والتقي بالصغيرة آنابيل, والتي كانت تصغرني بأشهر معدودات. كانت آنابيل مثلي من دم خليط من أب إنكليزي وأم هولندية, إلا أنني لم أعد أذكر ملامحها بذلك الوضوح الذي كنت أتذكرها به قبل أن أعرف لوليتا. ولقد وقعنا أنا وآنابيل في حب بعضنا حباً جارفاً يائساً دونما استحياء أو خجل. توفيت آنابيل بالتيفوس عندما ذهبت إلى جزيرة كورفو اليونانية.


إنني أعرف أن الصدمة التي سببتها لي وفاة آنابيل قد عززت التشتت النفسي الذي أصابني, وجعل من ذلك التشتت عقبة دائمة في طريق أي غرام صادفته في سنوات شبابي الباردة. ذلك لأنني ظللت أشعر حتى بعد مرور زمن طويل على وفاتها, بأن ذكراها تلاحقني وتحاصرني وتنفذ إليّ من خلال ذكرياتي عن ذلك التماثل العجيب بيننا حتى في الصدف. لا أزال أذكر عبق رائحة آنابيل, رائحة هي مزيج من رائحة البودرة الإسبانية ومن رائحة البسكويت المطعم بالشوكولاته, مزيج من رائحة امرأة وطفلة, لقد أسكرني هذا العبير. لقد ظلتْ ذكرى أنابيل تلاحقني كاللعنة, ولم أستطع أن أفك هذا السحر عني إلا بعد أربعة وعشرين عاماً, يوم أعدت إلى الحياة آنابيل في جسد لوليتا وشخصها .

كلما رجعت بذاكرتي إلى أيام شبابي بدت لي هذه الأيام وكأنها تتناثر حطاماً أمامي. إنتقلت إلى دراسة الأدب الإنكليزي, وكنت أقضي وقتي في باريس, ونشرتُ دراسات ركيكة في الصحف, ووضعت كتاباً بإسم (التاريخ المختصر للشعر الإنكليزي), ثم مضيت أضع مرجعاً عن الأدب الفرنسي للطلاب البريطانيين, وقد أشغلَ ذلك سنواتي حتى بلغت الأربعين, وهكذا مضت حياتي.

كنت دائماً أقارب المرأة الناضجة, ولكن القاصرة هي التي كنت أشتهيها وأحن إليها. وهكذا كنت أداري هذا الحنين بأن أذهب إلى الحدائق العامة حيث تلعب الفتيات, أتاملهن وأسترق النظر إليهن, فلا بد أن تكون بينهن حورية مسعورة. هنا أريد أن أبسّط الفكرة التي خلصت إليها من تَعرّفي على عالم الصغيرات والمراهقات: هناك فتيات بين سن التاسعة والرابعة عشر يظهرن لعين بعض الرجال المسعورين أكبر مما هن بضعفين. فيتكشفن لهذا النوع من الرجال عن طبيعتهن الحقيقية الشهوانية المسعورة, ولهذا أطلقت على هذا النوع من الصغيرات إسم الحوريات المسعورات ..

وبالتالي قررت أن الزواج أفضل لسلامتي. وخطر لي أن جو الحياة الزوجية قد يساعدني على إبقاء ذاتي تحت رقابة سلمية إن لم يساعدني على تطهير نفسي من شهواتي الدنيئة المخزية. فأخذت أفتش عن الزوجة الملائمة, وبعد تفكير طويل وقع اختياري على ابنة طبيب بولوني. وهنا يجب أن أقول أنني كنت ولا أزال رجلاً جميل المحيا, طويل القامة, ذا شعر حالك ناعم وجذاب بشكل استثنائي. واخترت أنا همبرت زوجتي فاليريا. وما جذبني إليها حقاً كان قدرتها على أن تبدو بمظهر الفتاة الصغيرة المراهقة. ولم يمض وقت طويل حتى أخذت زوجتي تعود إلى حقيقتها كامرأة وتبتعد عن ملامح الفتيات. وسرعان ما وجدت بدلاً من الفتاة النحيلة الشاحبة التي خيل لي أني تزوجتها إمرأة بلهاء. ودامت حياتي الزوجية معها من 1935 الى 1939. ولا ريب أن ظنها فيّ قد خاب مثلما خاب ظني فيها, فمضت حياتي معها هادئة نوعاً ما إلى أن توفي عمي في صيف 1939 تاركاً لي مدخولاً سنوياً على شرط أن أذهب للإقامة في الولايات المتحدة. ولقد رحبتُ بهذا التحول في حياتي.

وعندما أتممنا أنا وفاليريا أوراق السفر قالت لي إن في حياتها رجل آخر. كان ما سمعته كزوج شيئاً بشعاً بالطبع, حينها شعرت بغضب حارق يجتاحني, فدفعتها إلى سيارة تاكسي لاحظت أنها كانت منذ أمد تسير بمحاذاة الرصيف كمن يدعونا بإلحاح إليها. ضربتها بقبضتي على ركبتها سائلاً إياها عمن يكون عشيقها؟ ودون أن تلفظ كلمة أشارت بأصبعها إلى سائق السيارة. أوقف السائق السيارة ونزلنا إلى مقهى صغير, وتحدثنا ثلاثتنا, فاقترحتُ عليهم أخيراً أن تنتقل فاليريا وترحل من بيتي. وكنت حائراً أسأل نفسي إذا كان يجب أن أقتلها, أو أقتل عشيقها, أو أقتلهما معاً, أو إذا كان يجب عليَّ تركهما كحشرتين تنطلقان في فيافي الحياة .

أخّرت إجراءات الطلاق سفري إلى الولايات المتحدة, ولم أصل إليها إلا بعد أن قضيت شتاءاً مملاً في البرتغال. وفي نيويورك قبلت الوظيفة السهلة التي عُرضت عليّ وهي إصدار نشرات دعائية عن عطور شركة عمي. وفي الوقت ذاته حثتني إحدى جامعات نيويورك على أن أنهي المؤلف الذي باشرته عن تاريخ الأدب الفرنسي, والذي اقتضاني الجزء الأول منه ساعات طويلة من العمل لمدة سنتين. ولعلك تصورت اغبراري واحتراقي وأنا أحاول أن ألتقط بنظراتي لمحات من أجساد المراهقات المسعورات. وهذه الحالة سببت لي انهياراً عصبياً أرسلني إلى مصح الأمراض النفسية, وقضيت فيه أكثر من سنة. إستطعت أن أصل إلى قراءة التقارير السرية التي وضعها الأطباء النفسيون على ضوء معالجتهم لي. فاكتشفتُ أن بعضهم صنّفني من أصحاب الشذوذ الجنسي, بينما صنفني البعض في فئة الأشخاص أصحاب العفة الكاملة.

بعد خروجي من المصح, أخذت أفتش في الأرياف عن قرية هادئة أو مدينة صغيرة أستطيع أن أمضي فيها الصيف مكرساً وقتي لإنهاء مؤلفي الأدبي وللسباحة في بحيرة قريبة. فاقترح عليّ أحد الموظفين أن أقضي الصيف في مسكن ابن عمي الفقير ماك كو, الذي يريد أن يؤجر الطابق العلوي من بيته. وذكر لي أن لإبن عمي ابنتين, إحداهما رضيعة والأخرى في الثانية عشرة من عمرها. وهكذا فقد وجدت اقتراحه بديعاً ومرضياً. فتوجهت بالقطار وأنا أحاول أن أتخيل مفاتن المراهقة التي سأعايشها والتي سأغازلها وأقاربها بالطريقة الهمبرية *طريقتي, فإسمي هو همبرت *. لم يستقبلني أحد في المحطة, فتوجهت إلى الفندق, وعندما وصلت توجه لي رجل وقال لي إن بيته قد احترق (بيت ماك كو), وأن عائلته لجأت إلى مزرعة يملكها, وأن صديقة لزوجته تدعى المسز هيز قد عرضت أن تأويني عندها.

وعندما وصلنا إلى بيت المسز هيز. كانت في منتصف العقد الثالث, بسيطة المظهر ولكن ملامحها لم تكن جذابة. تحدثنا برهة عن الحريق الذي أتى على بيت ابن عمي ماك كو. كانت  مسز هيز من الصنف النسائي المحروم قطعياً من روح النكتة, لكنها كانت حريصة على قواعد الحديث وأصوله, وقررت في نفسي أن أغادر المكان, إلا أن تهذيبي أجبرني على المسايرة.

وعندما نزلنا لنرى الحديقة رأيت حورية تشبه آنابيل, الحبيبة التي سببت صدع حياتي وجدتها من جديد. كان الشبه غريباً وعجيباً, إنني أجد صعوبة قصوى في التعبير عن ذلك الزخم الذي اندفع في نفسي, شعرت بفراغ نفسي يمتص كل لمحة من ملامح جمالها البارق, ويقارنها بملامح حبيبتي الراحلة. ولكن لم يمض وقت قليل حتى محت هذه الجديدة التي تدعى لوليتا صورة نموذجها الأصلي آنابيل. فكل شيء جرى لي بين فقداني لآنابيل, واكتشافي للوليتا, لم يكن إلا خبطات عشواء في بحر الحياة, ولم يكن ما عرفته من مسرات سوى شعور مزيف بالغبطة. وعندما صاحت المسز هيز قائلة : هذه ابنتي لوليتا وهذه هي أزاهيري, أجبتها حالاً : إنها جميلة, جميلة جداً, جميلة ! تذكرت أحلامي في القطار التي حامت حول ابنة ماك كو, ثم عرفت تلك الفتاة, فرأيتها نحيلة وممروضة وعرجاء, ما أبعد الفرق بينها وبين هذه الحورية التي تتفجر بالحياة والحيوية .
إنني أعرف أن من الجنون أن أسجل هذه المذكرات اليومية, ولكن ذلك يبعث في نفسي رجفة غريبة تبهر نفسي. كنت أجلس قبالتها أتظاهر بالقراءة قبل أن تأتي للإستحمام في المسبح, وقفتْ حبيبتي لوليتا بقربي لحظة وكانت تنبعث منها رائحة تماماً مثل رائحة حبيبة الريفييرا آنابيل, ولكنها كانت أشد وأقوى, إنها رائحة تلفحها الحرارة أيقظت رجولتي في الحال, كانت أجمل حورية مراهقة, وكنت ألتهمها بنظراتي. سمعت يوماً أنني أشبه مغنياً أو ممثلاً تهيم لوليتا حباً به في خيالها المراهق. إنني أستطيع أن أكون شاعراً في مزاجي الرائق, وقد كتبت شعراً أتغزل فيه برموشها القاتلة, وعينيها العميقتين, وبرشاقة تقاطيعها, ولكنني ما لبثت أن مزقت القصيدة. ما يثير جنوني هو طبيعة هذه الحورية, تلك الطبيعة ذات الشقين, فهي ليست طفلة وهي ليست امرأة, إنما مزيج من براءة الطفولة في الملامح وعهر العاهرات في الحركات, ومزيج من الوحل والأثير. والأهم من ذلك أنه لم يعد هناك شيء أهم منها, فهي قبل كل شيء وفوق كل شيء.

وفي مرة تقدمت لوليتا نحوي وهمست لي : *إقنع أمي بأن تأخذني وإياك إلى البحيرة غداً*. أما أمها فقالت لي : * إن لوليتا مناكدة مشاكسة منذ كانت في العام الأول من عمرها. أما وقد بلغت الثانية عشرة من عمرها فقد أصبحت آفة مزمنة, فهي لا تريد من الحياة شيئاً سوى أن تقضي يوماً راقصة متخلعة متشخلعة. وهي لا تحصل في المدرسة إلا على أدنى الدرجات, ولكنها مع ذلك أصبحت أحسن حالاً مما كانت عليه في مدينة بيسكي قبل سنتين. أريد منك يا سيدي - إذا كنت ستبقى معنا إلى الخريف-  أن تعطيها الدروس لتساعدها في دراستها *, حينها أردت أن أصيح بأني أود أن أبقى بالقرب من لوليتا هنا إلى الأبد. وبدأت أنصب شباكي في جميع أنحاء البيت, فكنت أتسمع من مقعدي الحركات محاولاً تبيّن موضع لوليتا في البيت من وقع قدميها, وأنا أرجو بين الحين والأخر أن تظهر أمامي, آه يا لوليتا كم تصعب الحياة بدونك. إضطررنا إلى تأجيل النزهة عند البحيرة أكثر من يوم بسبب الغيوم .. هل يتآمر القدر عليّ ؟ كنت عارفاً أن المسز هيز تبغضها لأنها تلاطفني وتتدلع عليّ, وهكذا فقد قررت أن أجعل النزهة مناسبة لاكتساب رضاء الأم .

مرت عليّ ثلاثة أسابيع وأنا أرسم الخطط فتحبطها الأم هيز. إن التوقد الذي نما في قلبي حيال هذه الحورية كان خليقاً بأن يدفعني من جديد إلى مستشفى الأمراض العقلية, لولا أن إبليس قد أدرك بأنه يجب أن يتوفر لي ما يفرج عن نفسي, إذا كان يريد أن يلعب بي زمناً أطول. فقد كانت لوليتا آخر حورية يمكن أن تصل إليها مخالبي المألومة الخجولة. إن القدر يعاكسني, فقبيل اليوم المحدد للنزهة تلْفَنت أم ماري هاملتون, صديقة لوليتا التي كانت ستأتي معنا في النزهة أيضاً, بأن ابنتها مريضة بالحمى ولن تذهب للنزهة. ونتيجة لذلك أبلغت هيز إبنتها لوليتا أن النزهة ستؤجل.

تناولت غدائي بنهم لم أعرفه منذ سنوات, ولما عدت إلى المنزل كانت لوليتا غائبة. شعرت بساعات الأصيل تطول في ذلك السكون المريب, فأخذت أضرع إلى الله أن تأتي, أرجوك يا إلهي أن تأتي فأنا أعبدها بشكل رهيب. وعندما عادت لوليتا قالت إنها ستذهب مع بنت الجيران في مخيم صيفي للبنات لمدة ثلاثة أسابيع حتى موعد افتتاح المدارس. فاجأني هذا النبأ مفاجأة شديدة, أليس معناه أني سأفقد حبيبتي في الوقت الذي امتلكتها فيه سرياً ؟! وعندما جلست في ظلام الليل على الشرفة مع السيدة هيز, قالت لي بضحكة بأنها قالت لابنتها لوليتا بأن محبوبها همبرت يوافق تماماً على فكرة إرسالها إلى المخيم, فأجابتها لوليتا بأن إرسالها إلى المخيم كان حجة مني ومنك للتخلص منها.
سأقول بأنني عرفت بأنني قد وقعت في حب لوليتا إلى الأبد, ولكنني كنت أعرف كذلك بأنها لن تكون لي لوليتا الأبدية, ففي كانون الثاني ستبلغ الثالثة عشرة, وبعد سنتين لن تظل حورية مراهقة مسعورة, إنما ستتحول إلى مجرد صبية, ثم إلى تلميذة جامعية, وهكذا فإن كلمة إلى الأبد تشير فقط إلى هيامي وإلى لوليتا الخالدة الأزلية كما تنعكس في دمائي. لهذا تساءلت كيف أستطيع ألا أراها لمدة شهرين كاملين ؟ تساءلت هل أتنكر في ثوب امرأة عانس وأنصب خيمة قرب مخيم البنات ؟.

وبعد أن خرجتْ لوليتا من البيت إلى المخيم, نادت عليّ الخادمة لويز وقالت لي إن هناك رسالة لي, وناولتني مظروفاً فتحته بيدين مرتجفتين وقرأت الرسالة : *ليست هذه رسالة إنما اعتراف فأنا أحبك (هكذا بدأت الرسالة التي حسبتُ من خطها المشوش أن لوليتا هي التي كتبتها). لقد أحببتك من اللحظة التي رأيتك فيها, ولقد وجدتك حبيب حياتي أنا المرأة العاطفية التي تقاسي الوحدة. أرجوك أن تحزم أمتعتك وترحل في الحال. إني أأمرك بصفتي صاحبة البيت التي تطرد مستاجراً. أجل إني أطردك يا أحب حبيب فاذهب. ولكن إذا قررت البقاء في البيت, فإن بقاءك يعني أنك تريدني بقدر ما أريدك, أي كشريكة حياة, وأنك مستعد لأن تربط حياتك بحياتي للأبد, وأن تكون أباً لطفلتي الصغيرة. وداعاً ... شارلوت هيز*.

شعرت بالدهشة والشرود والإنكفاء, خرجت من شرودي لأجد نفسي في غرفة لوليتا, وكان هناك إعلان على صفحة منتزعة من مجلة يمثل عريساً شاباً ذا شعر أسود, وعينين زرقاوين. وكانت لوليتا قد رسمت سهماً متجهاً إلى وجه البطل وأضافت إليه بحروف كبيرة *هـ . هـ* .والواقع أن الشبه واضح جداً لولا فرق بعض السنوات. حينها مزقت رسالة شارلوت وذهبت إلى غرفتي وأنا أفكر بالمداعبات التي يمكنني أن أفعلها مع لوليتا بصفتي زوج أمها, وتصورت نفسي أعانقها ثلاث مرات في اليوم وكل يوم. حينها تحدثت إلى لوليتا عبر الهاتف وأخبرتها وأنا أرتجف بأنني سأتزوج أمها. حينها فرحتْ بالخبر, ثم أخبرت شارلوت بقراري.

كانت شارلوت إمرأة ثرثارة تحب أن تحيطني بالدعاية لدى صويحباتها, وقد كانت بهجتها عظيمة, ولكن الشعور الأوضح الذي راوحني هو شعور الهزء والسخرية من السيدة هيز, ومن إيمانها الأعمى بالأخلاق الإجتماعية. ومع ذلك مضت شارلوت تحاول أن تبهج حياتي الزوجية بتجديد بعض معالم البيت والأثاث. لم أفكر في أنها ستكون غيورة بشكل جنوني, وأظهرت فضولاً ضارباً لمعرفة ماضيّ, فكانت كلما أمعنتُ في تصوير عشيقاتي السابقات في شكل مزرٍ, كانت سعادتها تتعاظم. كانت قلما تتحدث عن لوليتا بأكثر مما تتحدث عن طفل أشقر فقدته وهو صبي, وكانت في بعض الأحلام تتنبأ بأن روح ذلك الغلام الأشقر ستعود إلى الأرض في شكل غلام ستحمله مني. ومع أنني لم أشعر بحافز إلى أن أعطي لوليتا شقيقاً من أمها, فقد خطر لي أن ذهاب الأم إلى مستشفى الولادة, ربما أتاح لي فرصة الإنفراد مع لوليتا, وتصورت كيف سأتمتع بمحاسن المراهقة المسعورة, بعد أن أدس لها الأقراص المنومة. لقد كانت شارلوت تبغض ابنتها وترى فيها طفلة شقية متمردة سلبية قلقة وعنيدة, وكانت تبدي كرهها بتحطيم سمعة ابنتها حيثما تيسر لها .

في أحد الأيام قالت لي شارلوت : *إنني أتمنى الحصول على خادمة حقيقية مدربة كالخادمة التي حصل عليها جيراننا, ويمكنها أن تنام في غرفة لوليتا فهي ثقب وليست غرفة* حينها شعرت بالدم يتصاعد إلى وجنتي وقلت لها : *أين ستضعين ابنتك إذا أتت الخادمة* فقالت : *آه تعني لوليتا, لا مكان لها في وجودنا الجديد, فسأرسلها من المخيم رأساً إلى مدرسة داخلية ممتازة, لقد رتّبتُ كل شيء*. حينها استأذنت منها وابتعدت قليلاً, ورفعت يديّ إلى السماء قائلاً : *أنظر يا ربي, هذه القيود الجديدة التي تريد تلك المرأة أن تكبلني بها *. كانت الورقة الهامة في اللعبة هي جهل شارلوت بحبي المخيف الهائل لابنتها لوليتا, وكنت ألحظ ضيقها لأن لوليتا تميل إليّ. حينها عرفت أن الحل الطبيعي يكمن في القضاء على السيدة هيز, ولكنه تبين لي بأنني لن أستطع غداً أو بعد غد أو في أي يوم آخر أن أحمل نفسي على إنهاء حياتها.

 بعد أسبوع تلقتْ شارلوت رداً من المدرسة الداخلية, جاء فيه أنها تأخرت في تسجيل ابنتها, ولكن إذا جاءت بها إلى المدرسة في يناير فإن الإدارة قد ترتب أمر قبولها. وكنت في حالة من الغبطة الطاغية, فقد كان قرب عودة لوليتا. وبدأت أعد نفسي إعداداً كاملاً لهذا الحدث, فكان عليّ أن أكون متأكداً من الوسائل التي سأهيء فيها نوماً عميقاً للوليتا وأمها, بحيث لا تستطيع ضجة أو لمسة أن توقظهما من نومهما  فى كل ليلة منذ أن تعود لوليتا إلى أن تأخذها المدرسة مني. واشتريت أقوى أنواع الحبوب المنومة, ورجعت إلى البيت لأرى شارلوت وقد شوهت الإنفعالات معالم وجهها, وصاحت في وجهي : *إن شارلوتك البلهاء لم تعد العوبة في يدك, إنك وحش رهيب, سأترك لك البيت كله, ولكنك لن ترى بعد الآن تلك الطفلة البائسة, هيا اخرج من أمامي*.
صعدت إلى الغرفة ووقفت هناك وأنا أتأمل الصندوق الذي يحتوي أوراقي السرية مُنتهكاً مفتوحاً. حينها نزلت إلى شارلوت وأنا أقول : *شارلوت إنك تهدمين حياتي وحياتك, إن المذكرات التي في الصندوق ليست إلا مقتطفات من رواية أؤلفها * , فلم ترد عليّ, وكان بجانبها مظروفين, وفي يديها  تكتب الرسالة الثالثة, عدت إلى المطبخ لأجلب قدحين من الويسكي, ثم سمعت الهاتف يرن, رديتُ لأسمع صوتاً يقول : *لقد دهست سيارة جامحة زوجتك السيدة همبرت والأفضل أن تأتي حالاً!* فتطلعتُ إلى الصالون ولم أجد شارلوت. لقد كانت شارلوت مندفعة لتلقي في علبة البريد الرسائل الثلاث التي كتبتها, فصدمتها السيارة ودحرجتها أمامها عدة أقدام, أما أنا فتظاهرت بالذهول ومزقت الرسائل الثلاث إرباً إرباً ...

كانت الجنازة هادئة كحفلة الزواج بالضبط. ولقد أمضيت ليلتي الأولى كأرمل وأنا مخمور إلى حد أنني نمت كطفل. وفي الصباح تفقدت قصاصات الرسائل الثلاث التي كتبتها شارلوت ودسستها في جيبي: الأولى كانت موجهة إلى لوليتا, والثانية تشير إلى رغبة شارلوت في الهرب مع لوليتا إلى مسقط رأسها خوفاً عليها من أحد الشواهين أو الذئاب, أما الثالثة كانت عبارة عن طلب لتسجيل لوليتا في مدرسة داخلية للبنات اشتهرت بصرامة نظامها. وحين جاء قسيس المنطقة إليّ أكدت له أنني سأكرس كل حياتي لهناء الطفلة لوليتا. أجل كم كنت داهية معه ! وعندما زالت شارلوت من الوجود وعدت إلى البيت والداً حراً متحرراً, كانت في فكري خاطرة محمومة وهي أن لوليتا بجسدها الدافيء, وشعرها العسلي ستكون بعد ساعات بين ذراعي. بعدها قررت أن أغادر المنزل الداكن.

قد يفترض القاريء أن زوال شارلوت قد أزال جميع العقبات في طريقي الى ما ينتهي من المسرات التي تنتظرني, ولكن الأمر لم يكن كذلك, فلقد ركبتني أنواع الشكوك والمخاوف فتساءلت : ألن يثير دهشة الناس أن تكون لوليتا قد أبقيت بعيدة عن عرس والدتها ثم عن جنازتها ؟ ربما بعض الأصدقاء أبلغ لوليتا النبأ, وربما يصطحبونها الآن من المخيم عائدين في اللحظة التي أنا ذاهب فيها لأخذها من المخيم. كانت خطتي في أخذ لوليتا تقضي بأن أتصل بمخيم البنات لأخبر لوليتا بأن عملية جراحية ستجري لأمها في مستشفى وهمي بعيد, وبأن أخرجها من المخيم, وأصطحبها من فندق ريفي إلى آخر, وأنا أخبرها بين اليوم والآخر بأن حالة أمها تتحسن, إلى أن اخبرها أن أمها قد ماتت.  فاتصلت بمديرة المخيم, فقالت لي إن لوليتا قد ذهبت في رحلة إلى التلال, واقترحت أن أؤجل مجيئي إلى الغد, وعندما سألتني عن الخطب قلت لها إن أم لوليتا قد دخلت المستشفى وحالتها خطيرة.

 وفي الغد سمعت أنفاس لوليتا, نظرتُ إليها رأيتها أنحف وأطول, وسرعان ما طوقت عنقها بيدي وأخذت باليد الثانية حقيبتها, كانت لوليتا كلها مشتهيات, كانت تمثالاً من ماء الورد والعسل. وفي الطريق قالت لي لوليتا : *لم تعد تهتم بي, فلم تقبّلني حتى الآن* حينها أوقفت السيارة فضمتني لوليتا وقبلتني. كنت أعرف أن هذه القبلة بالنسبة لها لم تكن سوى لعبة بريئة, وتقليد لما علق بذهنها من مراسم الغراميات العامة, ولقد خشيت من أن أذهب في اللعبة إلى أبعد مما يجب, وخشيت أن أتسبب في إخافتها وقرفها, قالت لوليتا : *قل لي ألن يُجن جنون أمي, إذا علمت أننا عاشقان ؟* حاولت أن أغير الموضوع وقلت : *حدثيني عن مغامراتك في المخيم* فقالت : *إنك تتكلم كالأستاذ الرزين, حسناً علموني كيف أنمي شخصية قوية, وعلموني أن أكون نافعة, ولكني لا أزال قبيحة التصورات, وسخة الافكار, ولا أزال رديئة قولاً وفعلاً*, كنت أقود بسرعة عالية فأمامنا ثمانون ميلاً يجب أن نقطعها لنصل إلى الفندق المبارك.

وأخيراً وصلنا إلى فندق الصيادين والسحرة. وقلت للرجل الذي استقبلنا إذا كان يستطيع إعطاءنا أية غرفة, فإن ابنتي البالغة من العمر عشر سنوات مُجهدة للغاية. تم إعطائنا غرفة بسرير مزدوج. وبالفعل صعدنا إلى غرفتنا مجتازين الدهليز الذي يخيم عليه صمت الموت, وحين دخلنا الغرفة قالت لوليتا : *هل سننام في غرفة واحدة؟ أمي يا عزيزي ستطلقك وستخنقني عندما تكتشف الأمر* ولكنها لم تكن جادة في كلامها. وبعد أن تناولنا الطعام وانتهينا من الحلوى أخرجت الأقراص المنومة, وقلت لها إنها أقراص فيتامين وأخذت قرصاً وتظاهرت أني ابتلعته, وتناولت لوليتا قرصها وابتلعته, ثم قتلها النعاس. وعندما وضعتها على حافة الفراش قالت لي بصوتها الناعس : *هل تعدني بأنك لن تغضب مني وتحتج إن أخبرتك ؟؟ لقد كنت فتاة مقرفة دعني أخبرك*, فقلت لها : *غداً يا لوليتا, إذهبي إلى الفراش* ,ووضعت مفتاح الغرفة في جيبي وخرجت. وبعد عشرين أو ثلاثين دقيقة سأعود إلى الغرفة لأجد حوريتي, لأجد عروستي أسيرة لنومها العميق الصافي

أخذت أتجول في ردهات الفندق مبتهج الجسم مظلم الروح. وفي إحدى الصالونات لمحت مراهقة في سن لوليتا إلا أن بشرتها أكثر بياضاً, كانت شهية مثل لوليتا فأخذت أرمقها بنظرات حادة, فلاحظت نظراتي فأخذت تسدل طرف تنورتها على ركبتها, ثم أدارت كتفها إليّ. وعدت إلى لوليتا ووجدتها تتطلع إليّ عبر الظلمة, وكان هذا شيئاً غير متوقعاً, فقد كان من المفروض أن القرص سيجعلها تنام نوماً عميقاً. وعلمت فيما بعد أن القرص لا ينتمي إلى فصيلة الأقراص النبيلة, وأنه خفيف المفعول. وأمضيت ليلتي مسهداً تتلقف أذناي كل صوت, فاضطررت إلى أن ألجأ ألى الحمام, فليس مثل الماء البارد من دواء في مثل هذه الظروف.

وفي الصباح وجدت لوليتا تنظر إليّ, وبعد ما قبلتني طلبت مني أن تلعب اللعبة التي لعبتها مع شارلي إبن مديرة المخيم, الذكر الوحيد في مخيم البنات, وعلمتني إياها, ولكنها لم تكن متهيأة إلى بعض الفوارق بين حياتها كمراهقة وحياتي كرجل بالغ متقدم في العمر. إنني أحاول أن أصف هذه الأشياء ليس من أجل أن أعيشها من جديد في هذا الشقاء الذي أحياه في زنزانتي, إنما من أجل أن أفرز الجانب السماوي عن الجانب الجهنمي, إنه حب تتماوج فيه الحيوانية مع الجمال الروحي. ولقد وجدت في مكتبة السجن مجلة جاء فيها أن الطقس في مدن كسانت لويس وشيكاغو يجعل البنات ناضجات بالغات في عامهن الثاني عشر. فهل أنا الذي قطفت زهرة لوليتا ؟ كلا لم أكن أنا, بل لم أكن العاشق الأول في حياتها.

وبعد أن خرجنا من الفندق كانت وجهتنا هي مدينة ليبينغفيل القريبة من المستشفى الوهمي الذي قلت للوليتا إن أمها قد دخلت إليه. ولكن إذا كان حلم حياتي قد تحقق بأروع مما كنت أرجو, فإن ذلك لم يمنعه الآن من أن يتحول إلى كابوس مرعب, وأدركت في هذه اللحظة بأنني كنت طائشاً غبياً وخسيساً فاجراً. وفي الطريق طلبت مني أن تحادث أمها فقلت لها : *لا تستطيعين ذلك لأن أمك قد ماتت !!*. وفي مدينة ليبينغفيل أخذنا بالفندق غرفتين منفصلتين. وفي الليل جاءت منتحبة إلى غرفتي, فلم يكن لديها قطعاً أي مكان آخر تلجأ إليه.

وعند ذلك التطور في علاقاتنا بدأت سفراتنا الحثيثة في جميع أرجاء الولايات المتحدة. كنت أجد لوليتا من الناحية العقلية مراهقة صغيرة عادية, فكانت موسيقى الجازباند والرقصات السريعة وأقداح البوظة والمجلات السينمائية أحب الأشياء إلى قلبها. كانت تؤمن بثقة مستسلمة بما يُكتب في الإعلانات, بل كانت تستجيب لكل إعلان فمثلاً إذا مررنا بإعلان يقول زوروا مخزن الهدايا فإننا يجب أن نزوره وهكذا. وفي كل مرة كانت تثير أعصابي بنقيقها وتصرفاتها الصبيانية النزقة, كنت أتوعدها أني سآخذها إلى مكان منعزل لمدة شهر لتدرس تحت إشرافي اللاتينية والفرنسية. ولكونها ساذجة كانت تصيح مستنكرة وتتوسلني ألا أفعل ذلك.

وحتى أبقي علاقتنا الفاجرة سراً مخفياً, بحيث يصبح كتمان الأمر طبيعة ثابتة فيها, وفي جميع الظروف مهما كان حقدها عليّ, فقد قررت أن أكون حاميها وحارسها. ولندع التعابير القانونية حول شرعية المساكنة والمعاشرة بين رجل في الخمسين وقاصرة لم تبلغ الثالثة عشرة. إنني لست مجرماً فاسقاً منحرف الميول, كنت أقول لها لنتصور يا لوليتا ماذا سيحدث إذا اتهمت أنت القاصرة بإفساد أخلاق رجل بالغ في فندق محترم ؟ ماذا يحدث إذا شكوت للبوليس من أنني اختطفتك وانتهكتك ؟ إن العقوبة القصوى هي السجن عشر سنوات, وهكذا سأذهب إلى السجن, حسناً ما الذي سيحدث لك أيتها اليتيمة إذا زجني البوليس في السجن ؟ ستذهبين إلى الإصلاحية, ألا تظنين أن هذه  التي نحن بها هي الأفضل لنا ؟ وهكذا نجحت في أن أثبِّت في ذهنها وجاهة المحافظة على السرية, والمشاركة في التكتم, بالإضافة إلى الشعور بالذنب والإثم .

كانت لوليتا مدركة لتألقها, وكنت غالباً أفاجأها وهي ترسل نظرة مسروقة باتجاه شاب رفيع أنيق, وما أكاد أدير ظهري لأشتري قطعة حلوى للوليتا حتى أسمعها هي والشاب يغنيان إحدى الأغاني الغرامية الشائعة. وأذكر مرة سمحت لها بالذهاب إلى حلبة التزلج, وقالت لي بقسوة ليس هناك من متعة في مرافقتي لها, إذ أن وقت الصباح مخصص للمراهقين فقط. وبينما كنت أتجنب ما أمكن من الناس, كانت لوليتا تبذل كل ما بوسعها كيما تجتذب أكثر عدد من الشهود إلى مدارها كالهرة الجميلة .

لقد دخلت لوليتا عالمي المجنح الأسود, دخلته بفضول طائش متهور, ولكن بدا لي الآن أنها تتهيأ للخروج من هذا العالم بشيء قريب من التقزز والقرف. ليس هناك أقسى من أن يحب الإنسان طفلة مراهقة, فعلى الرغم  من فوارق السن, وعلى الرغم من خشونتها, ومن جميع الأخطار فإنني ذهبت معها عميقاً في جنتي المختارة, إنها جنة ذات سماوات بلون ألسنة نيران الجحيم, ولكنها جنة على كل حال. ولا ريب أن المحلل النفسي القدير خليق بأن يريدني أن أذهب ولوليتا إلى الساحل كي أحقق حلم العمر, كي أحرر عقلي الباطني من عقدة خلقها فشلي في أن أتوج غرام طفولتي بامتلاك حبيبتي الأولى آنابيل على ساحل الريفيرا. لقد كان مزاج لوليتا المتقلب مجرد شامة سوداء في جبين سعادتي الوضاح. لقد قررت أن أدخل لوليتا مدرسة للبنات, حيث سأعكف على مراجعة بعض المراجع القانونية حول الوصاية على القصّر.

والواقع أني ارتكبت خطيئة إذ قررت أن أدخلها المدرسة بدلاً من أن نمضي متجولين في منطقة الحدود لنعبرها إلى المكسيك حيث كان باستطاعتنا أن نعتزل الحياة في جو من النعيم, إلى أن أستطيع الزواج من معذبتي الصغيرة, لأنه يجب عليّ أن أعترف أن لوليتا سيتبخر منها طابعها كحورية مسعورة. وهناك جنون يتأتى إليّ أن أملأ أحشاءها بجنين سيتحول إلى حورية مسعورة, فتكون لوليتا الثانية في الثامنة أو التاسعة, حيث سأظل قادراً أن أمثل دور الجد الذي يحتضنها بوصايته, الجد الذي هو إنسان لا يزال أزرق الناب أخضر القلب .

إنتقلنا إلى بيت جديد قريب من المدرسة الجديدة للوليتا, وكانت إحدى جاراتي أشد الجيران خطراً، إمرأة ذات أنف معكوف وطبيعة فضولية. وإني لأذكر كيف رأيتها تكنس لوليتا بأنظارها وأنا وراء نافذة الإستقبال أنتظر محموماً عودة حبيبتي من مدرستها. وأيضاً كان عليّ أن أكون شديد الحذر من المسز هوليفان الغسالة والطباخة في البيت, ولكن لحسن الحظ أنها كانت ذات غشاوة في النظر فلم تلحظ التفاصيل.
إنني الآن أواجه مهمة مقرفة, هي مهمة تسجيل هبوط في مستوى أخلاق لوليتا. فقد كانت الخرجية الأسبوعة التي تأخذها مني بشرط أن تؤدي واجباتها الأساسية معي تبلغ 21 سنتاً, ثم ازدادت شيئاً فشيئاً .. كنت قد وضعت قائمة بالممنوعات على لوليتا, وعلى رأسها المواعيد مع الشبان, ولا أسمح لها إطلاقاً أن تذهب مع أي شاب إلى حفلة, أو إلى السينما, أو إلى حفلات راقصة تقام في بيوت زميلاتها. لقد أغضبت هذه القواعد لوليتا وأثارت ثائرتها علي, ودعتني بالمحتال القذر, وأسوأ من ذلك من النعوت, ولكني مع ذلك لم أشعر أنها تخفي خيانة جدية.

وفي مطلع ديسمبر دعتني مديرة المدرسة لمحادثتي بشأن لوليتا التي كنت أعلم أن علاماتها المدرسية منخفضة. قالت المديرة : *إن لوليتا فتاة جذابة وذكية ولكنها مهملة, فالحوافز البيولوجية والبسيكولوجية غير متمازجة وغير متصلة في لوليتا إتصالاً تام الدائرة. إنها تشاكس المعلمات بشكل كبير, وتبدو شاردة الذهن ولا تستطيع أن تترجم مشاعرها وانفعالاتها بالأفعال, فلوليتا عديمة الإهتمام بالقضايا الجنسية, بل إنها تكبت فضولها من أجل أن تخفي جهلها بتلك المسائل, وفي رأينا نشعر بأن عليك أن تسمح للوليتا بالتمتع بصحبة أشقاء زميلاتها في نادي الشباب, وفي بيوت آباء بناتنا, فهي تهزأ برفيقاتها لأنهن يواعدن الشبان مواعيد بريئة *. حاولت الإتفاق مع المديرة العانس وأنا أشعر بأن ما تقدم من حديث كان مجرد مناورات قبل كشف الستار عن الفاجعة, وخيل لي أنهم يعرفون السر .

عندما أطل الربيع كانت لوليتا قد أصبحت هائمة مجنونة بالتمثيل والمسرح. إنني أكره المسرح وأعتبره شيئاً بدائياً متعفناً فاسداً. وسمحت لها أن تأخذ دروساً في البيانو. وذات مساء اتصلت بي معلمة البيانو وسألت إذا كانت لوليتا ستأتي إلى دروسها هذا الأسبوع, لأنها تغيبت عن دروسها الأسبوع الفائت, كما تغيبت عن درسها هذا المساء. وهنا طار عقلي وتوزعت أفكاري, وعندما استجوبت لوليتا قالت إنها كانت تتمرن على دورها في إحدى المسرحيات مع رفيقتها مونا داهل, وعندما سألت صديقتها أكدت لي ذلك. وعندما رجعت إلى لوليتا كانت متهالكة على كرسيها الهزاز, وهي تقضم ظفراً من أظافرها. في تلك اللحظة تبينت فجأة كم تغيرت لوليتا منذ أن قابلتها قبل عامين. إن هيئتها هي هيئة تلميذة ثانوية مهملة الهندام, وسوقية الذوق. ثبتتْ نظراتها عليّ بشكل أوحى لي أن لوليتا, هذه اليتيمة المراهقة, تستطيع أن تكشفني للسلطات دون أن تتعرض للعقاب. 
فأخذنا نتصايح, وقالت لي إنها تكرهني, وقالت إنني حاولت عدة مرات أن أغتصبها عندما كنت نزيل أمها, وقالت إنها واثقة من أنني قد قتلت أمها, وأنها ستضاجع أول من يراودها. وأمسكتها من ذراعها النحيلة, فحاولت أن تتملص حتى خشيت أن تتكسر عظامها, وقلبي يذوب لوعة عليها. رن جرس التليفون فخرجتُ من الغرفة لأرد عليه, وبينما كنت منشغلاً على الهاتف سمعت الباب ينصفق, أين لوليتا؟ هل هربت؟ ومن النافذة رأيت شبحاً ينسل, ورأيت الشبح يمتطي الدراجة وينفلت إلى الظلام.

لست أستطيع حتى الآن ورغم مرور ثلاث سنوات على تلك الحادثة, أن أتخيل منظر ذلك الشارع في تلك الليلة دون أن ينتابني الذعر, وعندما لحقت بها في ذلك الوقت وجدتُ دراجتها أمام محل لبيع المُرطبات, وقالت لي : *لقد قررت أمراً, إنني أريد أن أترك المدرسة, ويجب أن نغادر البلد في الحال ونذهب في رحلة طويلة, ولكننا سنذهب حيث أريد أنا*. وبالفعل تركت المدرسة, وعدنا من جديد إلى الإنتقال من نزل ريفي سياحي إلى آخر. ولا أستطيع أن أقسم جازماً بأنها استطاعت في مناسبة أو مناسبتين أثناء الرحلة أن تتصل بأشخاص مجهولين, أو أن تبوح لهم ببعض المعلومات عن علاقتنا. وفي إحدى المرات نزلتُ إلى السوق وعندما رجعتُ رأيت قرب غرفتنا شاباً عتياً كان يحمل براداً إلى سيارة شحن, فغاظتني منه الإبتسامة التي حياني بها إذ مررت به. وعندما دخلت وجدت لوليتا مرتدية ثيابها وقد جلستْ على حافة السرير, وكانت ترسل نظرات حالمة متألقة ببريق شيطاني, لم يكن يتعلق بي بحال من الأحوال !! وحادثة أخرى, لاحظتُ أن هناك سيارة حمراء مكشوفة تتبعنا, حسبت في باديء الأمر أن سائقها عشيق لوليتا, وعندما نزلت إلى محطة البنزين توقفت السيارة الحمراء, ورأيت الشاب يستمع إلى لوليتا وهي تطل بصدرها من نافذة السيارة, وتكلمه بسرعة ويداها تشتركان في الحديث مع لسانها, وكانت تبدو جدية للغاية, أحسست أن الرجل مألوف لديها, وهو في مثل عمري تقريباً. وفي اليوم التالي عاد مطاردنا مرة أخرى, وطيلة الوقت كنت أشعر بوهج يأتيني من صوب لوليتا, وعيناها تلتمع ببريق مرح. بعدها مررنا ببريد المدينة, وبعد أن قرأت الرسائل إلتفتُ لأبحث عن لوليتا فلم أجدها, وفي تلك الليلة لم أدرك شيئاً سوى أنها تركتني للأبد, ولكنها عادت وتشاجرنا, وتابعنا الطريق وهي تجهش وتبكي, وأنا أحس بوخزات التعذيب .

 في يوم أدخلت لوليتا إلى المستشفى بالتهاب في حنجرتها, وفي اليوم التالي هربت لوليتا. قال لي الطبيب إنها شفيت تماماً, وجاء عمها المستر غوستاف في سيارة كاديلاك ودفع فاتورة الحساب نقداً, وطلب إليهم إبلاغي بأنهما ذاهبان إلى مزرعة جدة لوليتا كما اتفقنا على ذلك. أمضيتُ أياماً طويلة وأنا أجوب الطرقات الجبلية بحثاً عنها وعن العفريت الذي أخذ لوليتا, وبعد تحرياتي قالت لي صاحبة إحدى النزل أنه أمضى خمسة أيام, وكانت ترافقه ابنته آن لور. وما احتجت إلى أن تصف لي الصبية فقد أدركت فوراً أنها لوليتا, ولم تكن الآثار التي يتركها ذلك الرجل كافية لإظهاره .

لقد كتبت هذا الكتاب ليكون عن لوليتا أو عن لوليتا الضائعة المختفية. فترة غريبة من حياتي هي فترة اختفاء لوليتا لمدة ثلاثة اعوام. وأكون كاذباً لو قلت بأن صدمة فقدي للوليتا قد شفتني من نوازع شذوذي, فلم يكن بوسع طبيعتي اللعينة أن تتغير مهما تغير حبي لها. فقد ظلت عيناي ,على الرغم من إرادتي, تكنسان الملاعب والحدائق العامة حيث تلهو الصغيرات, بحثاً عما يتكشف من أجسادهن الناعمة المراهقة, بحثاً عن مثيلات لوليتا, إلى أن دخلت ريتا حياتي التي يبلغ عمرها ضعف عمر لوليتا, بينما بلغ ثلاثة أرباع عمري. كانت لطيفة وبالغة اللطف, ورياضية الروح. ظلت ريتا ترافقني سنتين. وكانت معي أجمل وأرق وأبسط فتاة يمكن تصورها, وعشرتها جعلتني أكف عن مطاردة الهاربة.

وفي أحد الأيام استقبلت رسالة محتواها : *والدي العزيز, كيف الحال؟ لقد تزوجت وسأصبح أماً عما قريب, وأعتقد أني سأرزق صبياً. لقد كان صعباً عليّ أن أكتب إليك, ولكنني أكاد أجن لأنه ليس لدينا ما يكفي لسداد ديوننا. إن زوجي ديك موعود بوظيفة كبيرة. أعرف أنك حاقد عليّ ولكن أرجوك أن ترسل لنا حوالة مالية .. لوليتا (مسز ريتشارد شيلر)*. عندما قرأت الرسالة أخذت أصارع أمواج العذاب التي أثارتها لوليتا في نفسي, حينها ألقيت نظرة على ريتا بينما كانت تغط في نوم عميق وغادرتها إلى الأبد.

ذهبت إلى لوليتا التي عرفتُ عنوانها من الخطاب الذي  أرسلته. وجدت بيتها, وكان بيتاً حقيراً كئيباً, وحين فتَحتْ لي الباب كانت أطول ببوصتين, إنتفخ بطنها, بدت كأنها امرأة, وكانت قد تجاوزت كثيراً سن السابعة عشرة. ما كان بوسعي أن أقتلها حينها فقد كنت أحبها، كان حباً من النظرة الأولى, والنظرة الأخيرة, والنظرة الدائمة, والنظرة الأبدية. وعندما دخلتُ اقترحت أن تدعو زوجها وتعرّفني عليه ولكني أجبتها بالنفي, فقالت لي إن ديك لا يعلم شيئاً عن ماضيها, وإنه يظن أنني أبوها. وحين سألتها عن الرجل الذي هربت معه, قالت إنه كان صديقاً قديماً من أصدقاء العائلة, وألقى محاضرة في نادي أمها منذ سنوات طويلة, وعانقها وقبّلها في ذلك الوقت حين كانت في العاشرة قبل أن تعرفني بسنتين. وقالت لي إنه رآني معها في أحد الفنادق, وكان يكتب المسرحية التي لعبت فيها دوراً فيما بعد في مدرستها, إنه المؤلف المسرحي كلير كيلتي. ومع أن إحدى صديقاتها قد حذرتها منه, فهو يحب الفتيات الصغيرات, بل سجن لأنه تحرش بمراهقة, ولكنه كان عبقرياً. وقالت إنه انفجر ضحكاً عندما اعترفت له بحقيقة ما  كان بيني وبينك. كان رجلاً رائعاً ولكن المخدرات والمسكرات قضت عليه وطرد لوليتا بالنهاية من حياته. ثم عملت في أحد المطاعم ثم التقيت بديك. حينها نظرتُ إلى لوليتا وتأملتها ملياً, وعلمت أنني أحبها أكثر من أي شيء رأيته في هذا العالم, فقلت لها : *تعالي معي وسنعيش إلى الأبد سعداء, أتركي ديك واتركي هذا المكان الكريه وتعالي عيشي معي, وموتي معي, وشاركيني كل شيء * رفضت الذهاب معي فناولتها المال وخرجت .

بحثتُ عن بيت كلير كيلتي الذي خطف لوليتا ووجدته, وحين صوبت مسدسي نحوه وقلت له : *ركز أفكارك على لوليتا هيز* فقال : *إنني لم أختطفها, بل أنقذتها من فاسق متوحش, أترك المسدس, يمكنني أن أعطيك هذا البيت الذي تقوم بخدمته سيدة لديها بنات وحفيدات, هيا كف عن تصويب المسدس* حينها أطلقت رصاصة أصابت يده, والرصاصة الثانية أصابت جانبه, ثم أطلقت ثلاث أو أربع رصاصات, وكانت تصيبه في كل مرة, وحين هممت بالخروج من المنزل وجدت عدداً من الأشخاص يحملون أقداحاً من الشراب فقلت لهم : *لقد قتلت للتو كلير كيلتي* فأجابني أحدهم : *كان يجب أن يقتله أحد ما وقبل زمن طويل* وغادرت المنزل بقلب مثقل ومشيت إلى سيارتي .
ما بقي من القصة ليس سوى ظل باهت يذوي في الذاكرة.. هذه هي قصتي كلها, لقد أعدت قراءتها فوجدت فيها طعماً من المرارة, وفي سردي لهذه القصة حاولت أن أخفي ما يؤذي الناس, وجربت عدة أسماء مستعارة لنفسي قبل أن يقع اختياري على همبرت همبرت. وعندما بدأت قبل ستة وخمسين يوماً في كتابة لوليتا فكرت في استخدام القصة أثناء محاكمتي, ولكن ليس لإنقاذ رأسي, إنما بالطبع لإنقاذ روحي وخلاصها, ولو أنني قاصصت نفسي لحكمت على همبرت همبرت بالسجن 35 عاماً بجريمة الإغتصاب, وأعلنت عدم مسؤوليته عن التهم الباقية. ولما كانت لوليتا خليقة بأن تعمر أكثر مني, حتى لو حُكمت بتلك المدة و لم أحكم بالإعدام, فإنني اتخذت الإجراءات القضائية الآيلة إلى عدم نشر المذكرات ما دامت لوليتا على قيد الحياة, وهكذا فعندما يقرأ القاريء هذه القصة فإن كلينا أنا ولوليتا سنكون في عالم الأموات ...

                                    النهاية 




  1. نحن نقدم قرض عاجل هنا جميع المشاكل المتعلقة القرض هو حل بين فترة قصيرة من الزمن مع انخفاض معدل الفائدة من 3٪ والمدة أكثر من 20 عاما ما تنتظرون تطبيق الآن وحل مشكلتك أو بدء الأعمال التجارية مع دفع القرض من مختلف الفواتير فقط مراسلتنا الآن في
    jameshenryloancompany40@gmail.com
    واتساب نومبر: 2348110133466+

    ردحذف