الأربعاء، 13 ديسمبر 2017










تلخيص رواية
قطة في عرين الاسد: منى سلامة
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

أشرقت شمس الصباح وأخذت أشعتها الذهبية تتسلل إلى السماء على استحياء. إنه صباح يوم آخر, يهرع فيه الناس إلى أعمالهم وأشغالهم, وفي وسط تلك الوجوه المصرية ترى فتاة خمرية البشرة متوسطة الوزن, فتاة لا يميزها سوى حجاب تخفي فيه شعرها, تركب المترو للذهاب إلى عملها. تصل مريم إلى باب مفتوح مزين بلافتة أنيقة كتب عليها "شركة رؤية للدعاية والإعلان". دخلتْ مريم إلى مكتبها بينما جلست مي وسهى على المكاتب المجاورة في نفس الغرفة, وبدأت مريم عملها, بدأت تضرب بأصابعها النحيلة فوق لوحة مفاتيح الحاسوب, حانت منها التفاتة إلى تلك الدبلة الذهبية التي تزين أصبع يدها اليمنى, أخذت تتحسسها للحظات ثم عادت لعملها .

في أهم محافظات صعيد مصر, محافظة قنا, كانت عائلة سباعي الهواري قد استيقظت وجلست على مائدة الطعام, على يمين سباعي إبنه الكبير جمال, أخذ سباعي يقول لإبنه جمال :*إيه أخبار المشكلة اللي كانت مع العمال يا جمال؟ العمال هُمَّا من قبيلتك يا ولدي ولازم تطويهم تحت جناحك, عشان قوّتنا وعزتنا في عددنا, وعشان اكده إحنا من أكبر عائلات الصعيد كلياتها, ولّا عايزهم يجولوا عيلة الهواري مش عارفة تمشّي شغلها زي باجي الخلج, يعني هِيّا عيلة السمري أحسن منينا ولّا إيه*. فقال جمال : *مَتِجْلجش يابوي رضينا العمال, والمناجصة هترسي علينا*. وبعد أيام رست المناقصة على عائلة السمري. تعالت ضحكات الرجال في بيت السمري وهتف "عبد الرحمن" كبير العائلة بسعاده :* الحمد لله والشكر ليك يارب*. وشاركه الفرحة ابنته صباح, وابنيه ياسين وعثمان, وهما أحد أبناء عبد الرحمن الأربع. ياسين في العقد الرابع من العمر, وعثمان في أوائل العقد الثالث, والإبن الأكبر خيري توفاه الله منذ زمن بعيد, والإبنة الصغرى صباح ذات الثانية والعشرين من العمر. بعد انتهاء الإحتفال بالنصر, توجه ياسين بسيارته إلى المخازن التي تحتوي على شحنة الألومنيوم, والتي من المفترض أن يتم ترحيلها في الصباح إلى الشركة التى قبلت عرضهم في المناقصة. أوقف سيارته, وأوشك أن يفتح باب المخزن, لكنه دُهش عندما وجد القفل مكسوراً, فتح الباب ليدخل  ليُصدم برجل ملثم يقوم بإسكاب البنزين, الذي اخترقت رائحته أنف ياسين, على الألمنيوم, وقبل أن يلتفت ياسين ويهرول في اتجاه باب المخزن, إنطلقت رصاصة من مسدس كاتم للصوت لتستقر فى رأس ياسين, ويسقط قتيلاً والدماء تنفجر من رأسه على أرض المخزن.


جلست مريم تشاهد التلفاز بعينين بدتا وكأنهما في عالم آخر. وعند الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل جلستْ على السرير وفتحت الحقيبة الممتلئة بخطابات مغلقة, وأخذت تبحث بسرعة ونهم عن الخطاب الذى يحمل رقم 53, ظلت تبحث عنه حتى وجدته قابعاً بين الخطابات فأمسكته, وأخذت تقرأ ما به : *حبيبتي مريم, كيف حالك اليوم, أأنتِ بخير, أتمنى أن تكوني بخير حال. حبيبتي, أريدك أن تختاري إحدى صديقاتك المقربات وتذهبي معها غداً في نزهة نيلية على ظهر مركب وسط النيل, أريدك أن تغمضي عينيك الجميلتين وتتمتعي بالهواء المنعش وهو يلفح وجهكِ الجميل, أتذكرين كيف كانت نزهاتنا النيلية. أعلم أنكِ لا ترفضين لي طلباً, وستمتثلين لما أطلبه منكِ, حبيبتي الجميلة.. القريبة البعيدة .. حبيبك ماجد خيري *. ضمت الخطاب إلى صدرها وقالت: حاضر يا حبيبي.

إجتمعت العائلة على مائدة الطعام, ترأس مراد, رجل الأعمال, رأس الطاولة, ووالدته على المقعد المقابل, وعلى يمينه أخته نرمين, وعلى يساره أخته سارة. فبالأمس كان هناك تكريم لمراد في حفل ضم خيرة رجال الأعمال في مصر, حيث كرم في الحفل مع زملائه وأصدقائه طارق وحامد وسامر, حيث تجمعُ الأربعة شركة واحدة تُعد من أكبر الشركات في مصر, وبعد انتهاء الحفل وعودته للبيت, غط مراد في سبات عميق بعد أن نزع الساق الصناعية التي تملأ الفراغ بعد ركبته اليمنى .

في سكون الليل, وفي أحد الأماكن الهادئة التي تخلو من المارة, وقف رجل ملثم ينظر يميناً ويساراً, وهو متململ قلق, حتى رأى فتاة مقبلة في اتجاهه وهي تنظر خلفها, جذبها من ذراعها ووقفا خلف أحد الأبنية, أنزل جمال اللثام عن وجهه قائلاً :*حبيبتي, وحشتيني جوي يا صباح!!*. فقالت بحزن:* شوفت اللي صاير فينا يا جمال, ياسين أخوي اتجتل*. قال جمال وهو يقترب منها أكثر : *معلش يا حبيبتي, بكرة يمسكوا باللي جتله, أنتي وحشاني جوي جوي*.

ذهب طارق إلى مكتب الدعاية وشكر مريم على التعديلات الجديدة التي قامت بها لشركته, وذهب لمقابلة المدير. وبعد ربع ساعة خرجت مريم من المكتب لتجد خالد, أحد العملاء الذي رفضت مريم أن تكمل معه حملته الدعائية لأنه يضايقها, يقوم بركن سيارته, شعرت بالضيق من تلك الصدفة التى جمعتها به ثانياً, أقبل عليها يوقفها, فقال لها : *بأه حتة بتاعة زيك ترفض تمسكلي الحملة بتاعتي, ليه فاكره نفسك مين*. سمع طارق جزءاً من الحوار عندما خرج من بوابة العمارة, وهمّ بالتوجه إلى سيارته لكن صوت الصراخ جذب انتباهه, واقترب منهما قائلاً : *في حاجة يا آنسه مريم *. نظر إليه خالد قائلاً : *أنت مين أنت كمان*. وبعد أن احتد الحوار بينهما, قال طارق: *أنا خطيبها عندك اعتراض, يلا اتفضل إمشي*. شعرت مريم بالدهشة لادعائه بأنها خطيبته, لكن كان هذا كفيلاً بأن يرحل خالد وهو يرمقها بنظرات غيظ. إنصرفت مريم في طريقها وعينا طارق تتابعانها لفترة, ثم ركب سيارته وانطلق في طريقه .
في تمام الساعة الثانية عشر ليلاً, توجهت مريم إلى حقيبة الرسائل وأخذت تبحث عن الخطاب الذي يحمل الرقم 54, فتحت الخطاب وقرأت: *حبيبتي مريم, كيف أنت الآن..أتهتمين بنفسك حبيبتي..طلبي هذا الأسبوع هو زيارة صغيرة منك لوالدتي..أعلم أنها زيارة لا تفيد, لكني أريدك أن تقومي بها.. من أجلي يا مريم. حبيبك ماجد*. ضمت مريم الخطاب إلى صدرها, وعزمت في الصباح على زيارة والدة ماجد التي تعيش في أحد دور المسنين.  
 
حاول مراد النوم لكنه شعر بالأرق, ففتح الشرفة ووقف فيها. همت والدته بغلق شباك غرفتها عندما رأته, وقالت له : *مش ناوي تفرّحني يا مراد وتتجوز وأشوف ولادك*. قال مراد بمرارة :*  ما أنا اتجوزت يا أمي, اتجوزت*. رقت ملامح أمه وقالت بحزن : *مش كل البنات يا إبني زي ....*, قاطعها قائلاً بعنف : *لأ, كلهم زي بعض *. نظرتْ إليه أمه بأسى واستسلام. جلس مراد على فراشه وهو يغطي وجهه بكفيه, ثم قام ودخل الشرفة مرة أخرى, وجلس على أحد المقاعد شــارداً في ظلمــة الليــل البهيـــم

*أنت مش هتيجي تتجدملي بجه يا جمال *, قالت صباح هذه العبارة وهي تلتقي بجمال سراً في مكانهما المعتاد, قال بضيق : *إنتي شايفة الظروف عاملة إزاي يا صباح. إنتي عارفة كويس العداوة اللي بين عيلتي وعيلتك يا صباح, أنا خايف من اكده *. تنهدت صباح بحسرة قائلة :  *خلاص, ما عدش في بينا وبينكوا عداوة, خيري مات الله يرحمه ومات السر معاه*. قال جمال مفكراً :* تفتكري مين فعلاً اللي كان ظالم ومين اللي كان مظلوم *. قالت صباح بإباء :* أخوي ما جتلش حدا يا جمال, أخوي ميعملش اكده واصل*. صاح جمال بحدة :* وآني عمي ميعملش اكده واصل, آني متأكد أن أخوكي هو اللى عيميلها يا صباح, وعمي هو اللي دفع التمن*.

دخلت مريم مكتب السيد عماد بعد ما أرسل في طلبها. قال لها السيد عماد: *أنا بعتبرك أخت صغيرة ليّا, وبكلمك كأخ وبقولك إن أشرف, زميلك في العمل, طلب أنه يتقدملك*. قاطعته مريم قائلة: *أستاذ عماد, أنا ما عنديش استعداد للإرتباط حالياً*. ولما عادت لمكتبها, قالت لها مي بحدة عندما رأتها حزينة: *مريم فوقي بأه, إنسي ماجد, هو راح ومش هيرجع تاني*. قالت مريم بشفتين مرتجفتين : * مش قادرة أنساه يا مي, ماجد كان روحي, كان مستقبلي, كان الهوا اللي بتنفسه يا مي, فاهمة يعني إيه الهوا اللي بتنفسه, يعني أنا دلوقتي ميتة*. قالت مي بحزم :*لأ, إنتي عايشه مش ميتة, هو اللي مات يا مريم, ماجد اللي مات مش إنتي *. إنفجرتْ مريم في البكاء قائلة :* أنا مت يوم ما مات يا مي, حتى لو مرّ عشر سنين مش ممكن أنساه أبداً, ومش ممكن أتجوز واحد غيره, أنا مراته هو وبس, وإن شاء الله ربنا هيجمعني بيه في الجنة*.

رجع عثمان إلى البيت ليخبر أبوه بالخبر السعيد الذي حصل عليه. دخل عثمان مكتب والده فجأة وهو يصيح قائلاً:* بوي بوي, لجينا ولد خيري أخوي, عرفت أن خيري ومرته وبنته الصغيرة عيملوا حادثة, كانوا راكبين تاكسي وخبطوا في شاحنة كبيرة, الشاحنة انجلبت وانفجرت ومات اللي في العربيتين, وبقيت بنت واحدة وعايشة لحالها, مينفعش تعيش وحديها في القاهرة يا بوي .. لازمن تيجي تعيش بيناتنا*.

في اليوم التالي سافر كل من عبد الرحمن وعثمان إلى القاهرة للبحث عن ابنتهم مريم! ذهبا إلى العنوان الذي حصلا عليه, لم يجدا أحداً في المنزل, إنتظراها قرابة الخمس ساعات أمام الباب لا يتحركان من مكانهما, أكد لهما الجيران أنها تبيت في بيتها كل يوم وأنها تعود قبل المغرب من عملها, إنتظراها حتى رأيا فتاة تصعد درجات السلم, وتقف أمامهما في دهشة وهي تراهما يجلسان على السلم أمام باب شقتها. وقف عبد الرحمن بمجرد أن رآها, أخذ يمعن النظر فيها وقد اغرورقت عيناه بالدموع, قالت مريم بدهشة : *أفندم, في حاجة حضرتك *. قال عبد الرحمن بتأثر شديد :* إنتي بنت خيري, خيري ولدي, آني جدك عبد الرحمن يا بنتي .. آني جدك *. إزدادت دهشة مريم واضطرابها وهي تنقل نظرها بين الرجلين, فأشار عبدالرحمن إلى عثمان قائلاً: *هاد عثمان عمك يا بنتي, وريها بطاجتك والصور يابوي يمكن تطمن شوي*. أخذت مريم تتطلع إلى صور والدها وعائلتها, ورغم العبرات التي كانت تتساقط من عينيها, وشهقات بكائها الصغيرة التي خرجت منها رغماً عنها, إلا أنها وجدت ابتسامة صغيرة قد رسمت على شفتيها, وأخذت تتمسك بيديها بملابس هذا الرجل الذى يعانقها, لكم افتقدتْ هذا الحضن الحاني. قال عبد الرحمن :*بصي يا بنتي, هنسيبك إهنه أسبوع, تفكري منيح وتعرّفي صاحب الشغل أنك هتمشي, عشان برضك مصالح الناس*. طلبت مريم من جدها وعمها أن يباتوا عندها الليلة فوافقوا, وقال لها جدها: *وقبل أي حاجه لازمن تعرفي الأول حكاية التار اللي كان على أبوكي الله يرحمه لعيلة المنفلوطي, بس لازمن تعرفي شيء, محدش يعرف أن أبوكي مات, لأن لو عيلة المنفلوطي خبرت أنه مات وأن معندوش إلا بنت, يبجى هيأخدوا بتارهم من عمك عثمان يا بنتي, وعشان اكده خبر موت أبوكي ما هيخرجش من عيلتنا, كلياتهم عارفين أنه هربان بره الصعيد, لكن محدش يعرف أنه مات الله يرحمه, فهمتي يا بنتي ؟ *. بالفعل فقد كانت مريم على علم بهذا الموضوع.
*مش هتصدج يا جمال لجينا بنت خيري الله يرحمه*, هتفت صباح بهذه العبارة وهي تلتقي بجمال سراً في مكانهما المعتاد. قال جمال بلهفة :* بنت بس, معندوش ولاد ؟*, قالت صباح :*لا معندوش ولاد, بنت بس, والبنت التانية ماتت معاه في الحادثة هو ومرته*. أومأ جمال برأسه وقال وهو يمعن في التفكير :* يبجى اكده لو عيلة المنفلوطي فكروا يأخدوا بتارهم منيكم يبجى أخوكي عثمان هو اللي عليه الدور*, قالت صباح بهلع : *وإيه اللي هيعرّف عيلة المنفلوطي أن أخويا خيري مات, وأن عنديه بنت واحده*. قال جمال وقد لمع عيناه بخبث :* معاكي حج وإيه اللي هيعرّفهم, لمّا بنت خيري توصل عرّفيني يا صباح*.

في الصباح صلّت مريم صلاة الإستخارة للمرة التي لا تتذكر عددها, وارتدتْ ملابسها واستعدت لإستقبال عمها عثمان الذي حضر بسيارته الفارهة وحمل حقائبها إلى السيارة. جلست بجواره في المعقد الأمامي وهي تبتسم بسعادة, فها هي مقبلة على موطن والدها وبيته وعائلته. شعرت بأن السعادة قد آن أوانها, تُرى هل كان شعورها صحيحاً أم خاطئاً؟! وصلت مريم إلى النجع بعد عناء السفر, كان في استقبالها جدها وجدتها, خرجت من السيارة معانقة إياهم بشدة .

دلف كل من سامر وطارق إلى مكتب الدعاية والإعلان, نظر طارق إلى المكتب الفارغ ثم توجه إلى مي قائلاً :* صباح الخير, هيّ آنسة مريم مش موجودة النهاردة ؟*, فقالت مي : * مريم سافرتْ عند أهلها في الصعيد تعيش معاهم هناك, ومش هترجع هنا تاني*. شعر طارق بالضيق الشديد, قال سامر موجهاً الكلام إلى سهى: *يعني معدتش هتشتغل هنا تاني*, فقالت سهى : *لأ, بس لو حبين أنها تستمر في حملة شركتكوا مفيش مشكلة, أستاذ "عماد" مدير الشركة قالها تستمر في الشغل وهيبعتلها الأوردرز عن طريق النت, يعني هتفضل تشتغل لحساب شركتنا*. قالت مي: *راسلها على إيميل الشركة زي ما العملاء الأجانب بيعملوا معانا*. إبتسم طارق وقد شعر بالراحة لوجود خيط يوصله إليها. عاد طارق إلى مكتبه, وتوجه إلى حاسوبه وفتح إيميله وهمَّ بإرسال رسالة لمريم. إستجمع شجاعته وكتب لها : *السلام عليكم, أنا مش عايز أقولك كلام يضايقك مني, أو تعتبريه جرأة زايدة, بس أنا معجب بيكي جداً, وشايف فيكي الزوجة المناسبة ليّا. كنت حابب تكوني هنا عشان أقدر أتكلم معاكي وأعرف ظروفك, لأني معرفش معلومات عنك غير أنك كنتي مكتوب كتابك وخطيبك اتوفى, وعارف أنك هترفضي الكلام معايا سواء نت أو تليفون, لأني التمست فيكي أنك بنت محترمة. أنا كل اللي طالبه منك رقم ولي أمرك وهتكلم معاه, وإن شاء الله آجي أزوركوا في الصعيد. "طارق عبد العزيز" *. قرأ الرسالة مرات ومرات, ثم أخيراً ضغط Send  وقلبه يخفق بشدة, وهو يفرك كفيه بقوة من فرط التوتر, ليس أمامه سوى الإنتظار, حتى ترى الرسالة وترد عليها.
 *إنت اتجننت يا جمال, إزاي تطلب مني حاجة زي اكده*, تفوهت صباح بهذه العبارة بغضب وهي تلتقي بجمال سراً في مكانهما المعتاد, قال لها جمال :* إنتي مش بتجولي إنك مش طايجاها وعايزة تخلصي منيها*. صاحت بحنق: *مش لدرجة أني أأذيها اكده*. قال جمال: *هي مش هتتأذى, بالعكس دي هتتجوز يا بت وتسيبلك البيت تمرحي فيه لحالك, وتروح هي على بيت جوزها, ومش كل شوية يجولولك مريم عملت مريم سوّت *. فكّرت صباح قليلاً ثم قالت :* بس مين الراجل اللي هيرضى يعمل اكده*, قال جمال شارحاً: *الفلوس يا بت, الفلوس تعمل أكتر من اكده, أنا بعمل اكده عشان صالحك يا صباح, دي لو فضلت حداكم أكتر من اكده مش بعيد تلحس عجل أبوكي وتخليه يكتب كل حاجة بإسمها, وتطلعي أنتي وأخوكي من المولد بلا حمص*.

في اليوم التالي خرجت مريم مع صباح التي أخذتها إلى أماكن عدة. كانت صباح تتطلع إلى هاتفها كأنها تنتظر شيئاً. ثم رنّ هاتفها معلناً عن وصول رسالة فأجابت عليها ثم قالت لمريم: *يلا يا مريم, هفرجك على مكان تاني*. قامت مريم معها وهي تنظر إلى الطبيعة والمباني حولها والإبتسامة على شفتيها. كانت صباح تشعر بالتوتر وتنظر خلفها, جذبت مريم من ذراعها وأدخلتها في المكان الذي تلتقي فيه بجمال (في بيت لم يكتمل بناءه) وقالت لها :* مريم خليكي اهنه آني رجعالك كمان شوي *. وفي تلك الأثناء وعلى بعد خطوات, كان رجل ما يتابع ما يحدث, وبمجرد أن رأى صباح تغادر وتترك مريم بمفردها, جرى مسرعاً وذهب إلى رجلين جالسان معاً على أحد المقاهى, وقال لهما بهمس :* الحجوا يا رجالة, لجيت جمال إبن سباعي مع واحدة في حتة جريبة من اهنه, وهاتك يا غرام *. صاح أحد الرجلين بغضب : *أعوذ بالله, هي وصلت لاكده *. هبّ الرجلان واقفان وذهبوا بصحبة الثالث إلى مكان البيت, وبمجرد أن رآهم جمال الذي كان يتخفى بجوار البيت, دخل على مريم التي فزعت لرؤيته وهجم عليها معانقاً إياها, حاولت مريم إبعاده عنها ففشلت, دخل الرجال وصاح أحدهم: *بتعمل إيه يا جمال*. نظر إليهم جمال ليتأكد من أنهم قد رأوه بالفعل ثم قفز من الشباك وجرى في اتجاه بيته. وقفت مريم مصدومة مندهشة لا تدري ماذا حدث. أقبل عليها أحد الرجلين وهو يصيح بغضب هادر: *إنتي مين وبنت مين*, قالت:* أنا مريم بنت "خيري عبدالرحمن السمري"*. صاح فيها أحدهما: *يعني من عيلتنا, أنا ليّا صرفة مع جدك عبدالرحمن*.

وفي بيت الهواري كان سباعي يصيح: *آخر الأسبوع هتكتب عليها والدخلة بعديها بيوم, أنت فاهم*, قال جمال وعيناه تلمعان خبثاً :* فاهم يا بوي, فاهم, وموافج كمان *. تجمدت مريم في مكانها واتسعت عيناها من الدهشة عندما سمعت عمها عثمان يقول بأن عرسها سيكون الأسبوع القادم, قالت: *مش هتجوزه*, صفعها عثمان وخرج من الغرفة غاضباً. نظرتْ إليها صباح التي جاءت على أثر صراخهم. لم تكن لتجرؤ على أن تقص الحقيقة على أحد, كانت تشعر بألم قاتل في قلبها, فقد اتفق معها جمال على أن رجلاً آخر هو الذي سيقوم بذلك ويتزوج مريم, لم تكن تعلم بأن جمال أراد مريم لنفسه ... قال جمال بقسوة : *العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم, زمان خدوا منينا حرمة بفضيحة, ودلوجيت خدنا منيهم حرمة بفضيحة, اكده معدش حد أحسن من حد*. ظلت صباح تحاول الإتصال بجمال الذي لم يجب على أيٍّ من اتصالاتها. كانت تشعر بغيرة فاقت قدرتها على الإحتمال, فحولتها إلى كلب مسعور يريد الفتك بمن تسبب في إشعال نار غيرتها.

إتصل سباعي ببهيرة قائلاً :* لازم تيجي النجع يا بهيرة, جمال كتب كتابه آخر الإسبوع*. قالت بهيرة بسعادة : *بجد, ما شاء الله, أخيراً الواد ده هيعجل ويتجوز, إن شاء الله يا سباعي متخافش, مراد لما ييجي هجوله, وإن شاء الله هجيلك إما بكرة أو بعده بالكتير*. حيث كانت بهيرة هي عمة مراد التي تقطن معهم في نفس البيت. إتفقت بهيرة مع مراد على الذهاب لحضور الزفاف.

 بعد يومين قال عثمان لـ مريم:* إعملي حسابك إنه بكره هنروح سوا عشان الكشف الطبي اللى بيطلبوه عشان كتب الكتاب*. وفي صباح اليوم التالي وفي المركز الطبي, جلس مراد بجوار جمال الذي قدم لإجراء الفحوصات, وحين خرج مراد ليكلم والدته على الهاتف, كانت بمريم تدخل المركز, رفعت رأسها فارتطمت نظراتها بوجه الرجل, لم تشعر بحقيبة يدها التي سقطت منها, إنحنى مراد والتقط حقيبتها التي سقطت ونظر إليها قائلاً :* إتفضلي*. بدت مريم وكأنها لا تسمعه , كانت تحدق في وجهه بشدة بأعين متسعة, أخذت نظراتها تتفرس في ملامحه, شعر مراد بغرابة نظراتها, ظل متفرساً فيها هو الآخر يحاول فهم تلك النظرات الغريبة التي ترمقه بها . ثم أخذت الحقيبة ودخلت إلى المركز.

جاء اليوم الموعود وتعالت الزغاريد في بيت عبد الرحمن. كانت مريم تنظر إلى ما حولها وكأن الأمر لا يعنيها, كانت عازمة ومصرة على رفض هذا الزواج, وأن تقف أمام هذا الظلم الذي وقع عليها رغم قلة حيلتها. بينما كانت صباح تشعر بالنار تأكلها من كل جانب, فهاهي تلك الفتاة ستصبح بعد لحظات زوجة لحبيبها, كانت تغلي من الغضب, لم تشعر بنفسها إلا وهي متوجهة إلى غرفة والدها, فتحت أحد الأدراج الذي كانت تعلم جيداً بإحتوائه على قطعة سلاح, أخذتها وأخفتها في ملابسها وخرجت من الغرفة والشرر يتطاير من عينيها. سُمع صوت الطلقات في الهواء تعبيراً عن فرحهم بهذا الزواج, كانت الطلقات تخترق السماء بعشوائية, لكن إحدى الطلقات لم تنطلق بعشوائية, بل انطلقت متعمدة, متعمدة لأن تخترق أحد الأجساد, إنطلقت الرصاصة تعرف وجهتها جيداً, إلى صدر جمال ! تعالى الهرج والمرج, وبدأت النساء في الصراخ. نظرت مريم من الشرفة مع النساء المتجمهرات في الشرفة, ورأت جمال نائماً والرجال حوله, نظرت إليه بأسى, وقالت بصوت خافت: *يمهل ولا يهمل, اللهم لا شماتة*. في المستشفى جلس سباعي وزوجته ومراد وعبدالرحمن في انتظار الطبيب, وبعد ساعتين خرج الطبيب قائلاً : للأسف الرصاصة استقرت في عموده الفقري ومحتاج أكثر من عملية.

دخلت زوجة عبدالرحمن على مريم التي كانت تنام على فراشها, جلست مريم ونظرت إلى جدتها قائلة بحدة :* تيته لو سمحتي إحكيلي إيه اللي بيحصل, أنا مش فاهمة حاجة, مين عيلة الهواري دي, ومين سباعي ومين جمال, وليه في مشاكل وضرب نار, أنا مش فاهمة حاجة*. تنهدت جدتها بحسرة قائلة : *بصي يا بنيتي, هحكيلك اللي حوصل زمان. من زمان جوى كان في بين عيلتنا وعيلة الهواري مشاكل جديمة جوي جوي وتار وجتل, وكانت العيلتين بيكرهوا بعض كره العمى, لحد ما في يوم انجتل واحد من عيلة المنفلوطي, إبن حسن المنفلوطي, والعيلة دي كان في بينا وبينهم مشاكل وكمان كان في بينهم وبين عيلة الهواري مشاكل, وإبن حسن المنفلوطي جبل ما يموت كتب بدمه على الأرض إسم اللي جتله, كتب خيري, وكان في اتنين خيري, خيري أبوكي اللي من عيلة السمري, وخيري من عيلة الهواري اللي هو أخو سباعي, فمعرفوش يحددوا هو كان يجصد خيري مين فيهم. الشرطة حججت مع الإتنين وطلعوهم الإتنين براءة, لأن مكنش في أي دليل ضدهم غير الإسم اللي كتبه إبن حسن جبل ما يموت, لكن حسن أقسم أنه يجتل التنين, خيري أبوكي وخيري أخو سباعي, ومكنش في إلّا حل واحد, أن العيلتين يهرّبوا ولادهم التنين على القاهرة, ومن يوميها والعيلتين وجفوا الجتل بيناتهم وداروا على بعض *. قالت مريم بأسى بصوت منخفض : *هوّ ده السر اللي كنت مخبيه عليّا يا ماجد*. ثم قالت في نفسها: معقول اللي شفته بالمستشفى أخوك يا ماجد, معقول أخوك نفس الشكل,  مش معقول كل ده صدفة, هل هذا يعني أنه خيري أخو سباعي هو أبو ماجد جوزي المتوفي وأبو مراد ؟

في اليوم التالي, وبعد أن اطمأنت بهيرة إلى سلامة جمال, أصرت على أن ترى مريم بمفردها لتسمع منها حقيقة علاقتها بجمال. أخذها مراد إلى بيت عبدالرحمن ودخلت على مريم في غرفة نومها, وحين قالت بهيرة : *آني بهيرة الهواري, أخت سباعي وخيري*, قالت مريم بدهشة :* أنا كنت عايزه أسأل عن حاجة مهمة، خيري أخوكي, اللي هرب من التار على القاهرة, كان مخلف ولدين مش كده ؟ : لقد لفت نظري إسم الراجل اللي من عيلتكوا اللي هرب هو كمان على القاهرة, الراجل ده يبقى أبو جوزي, أبو ماجد*. قالت بهيرة بلهفة: *وينه, وينه إبن خوي*. قالت مريم: *هو توفي من سنة, بس أنا اليوم شفت حد شبهه*, فقالت بهيرة : *كان نفسي أشوفه جبل ما يموت, واللي شفتيه ده أخو ماجد إسمه مراد*. ثم أخبرت مريم بهيرة بكل ما حصل لها منذ أن قدمت للصعيد, وأنه لا علاقة لها بجمال. فقالت بهيرة: *كان جلبي حاسس إنه جاصدها, متجلجيش مش هخلي جمال إبن خوي يلمس شعرة منيكي*.

قالت مي :*  ألو .. أستاذ طارق, أنا الآنسه مي من شركة رؤية للدعاية والإعلان, الإيميل اللي حضرتك بعت عليه الرساله لمريم ده إيميل الشركة, يعني مش مريم بس اللي بتدخله, كل الديزاينرز اللي في الشركة معاهم الباسوورد*. صاح طارق بحرج :* اووووف .. يعني تقصدي تقولي إن الناس كلها شافت رسالتي*. قالت بصوت خافت :* لأ .. أنا وسهى بس, وأنا رح أعطيك رقمها لأنك عايز حاجة رسمي منها, وكمان أنا مسحت الرسالة*.

إتصلت مريم بجدها الذي كان يزور جمال في المستشفى, هتفت قائلة بهلع: *الحقني يا جدو, عمو عثمان ضربوه بالمطواة, اطلبلنا الإسعاف بسرعة يا جدو*. وصل عثمان إلى المستشفى بصحبة أمه ومريم, واستقبلهم عبدالرحمن. وعندما وصل الخبر إلى سباعي, قال سباعي لعبدالرحمن : *يمين بالله آني ماليا دخل باللي حوصل ولو عرفت بأن واحد من عيلتي هو اللي عيميلها لأكون مسلمه للشرطة بيدي*. فقال عبد الرحمن : *بعرف يا سباعي, بس في رجّالة الغضب عاميهم وما بيخليهم يشوفو جدامهم*, فقال سباعي بحسرة : *لولا اللي حصل لجمال كان زمانا خلصنا من المشكلة دي*. إجتمع خارج المستشفى عدد كبير من كلا العائلتين وبدا وكأن معركة ستحدث بينهما لولا تدخل عبدالرحمن وسباعي والذي أدى إلى تهدئة النفوس.

تم إدخال جمال إلى غرفة العمليات. وبينما كان الجميع في انتظار نتيجة العملية, قالت بهيرة:* الحكاية مش هتنتهي إلا بالجواز, ودلوجيت*. صاح سباعي: *كيف يعني دلوجيت يا بهيرة, مش لما جمال يفوق من اللي فيه*. قالت بهيرة: *مريم هتتجوز مراد إبن خيري*. قال مراد بدهشة: *بتقولي إيه يا عمتو, مستحيل أتجوز واحدة ظبطوها مع إبن عمي*. قالت بهيرة بحزم: *متظلمهاش, مش كل اللي بنشاف بيكون هو الحجيجة, لأنه لو ابتدا التار بين العيلتين هيبجي الدور عليك يا مراد بعد جمال, ومفيش حل غير الزواج, وعشان اكده مش هنستنى لمّا جمال يفوق, إحنا هننهي المشكلة دلوجت*.  وبعد تفكير قال مراد: *أنا ممكن أنقذ الموقف وأكتب كتابي عليها مش أكتر من كده عشان المشكلة دي تتحل, وبعدين نسافر القاهرة ونحل الموضوع*. دخلت بهيرة على مريم وأقنعتها بقبول كتب كتابها على مراد. وبعد ساعة حضر المأذون بصحبة مراد, وفي مشهد غريب عجيب في أحد زوايا المستشفى بدأت مراسم الزواج, وأخذ المأذون يلقن كلماته لعبد الرحمن و مراد والتي انتهت بـ مراد وهو يقول بحنق وضيق شديد :* قبلتُ زواجهــا*. خرجت بهيرة من الغرفة واقتربت من مراد الذي كان واقفاً وعلامات الغضب والضيق على وجهه, وقالت :*إسمعني امنيح تاخد مريم طوالي على القاهرة, وآني هبجى أحصلكوا بس لما اطمِّن على الحال إهنه *. فيما أومأ مراد برأسه بصمت .
ركب مراد سيارته متوجهاً إلى بيت عبد الرحمن, وهناك وقفت مريم تودع جدها وجدتها وصباح بأعين دامعة, وما هي إلا دقائق حتى أوقف مراد سيارته أمام الباب, دخلت مريم السيارة بجوار مراد وهي تشعر بتوتر لم تشعر به من قبل, شعرت وكأنها عاجزة عن التنفس من فرط توترها وهي جالسة إلى جواره, كانت تأخذ نفسها بصعوبة شديدة, وانطلق مراد بسيارته بصحبة مريم في طريقه إلى القاهرة, بعد أن أخبر أمه بالتليفون أنه تزوج. التفت وتحدث فجأة قائلاً بحزم : *ماما وإخواتي ميعرفوش بتفاصيل الجواز, هنفهمهم أن جوازنا طبيعي*. وعندما وصلوا إلى البيت أخذت نظرات ناهد, أم مراد, تتفحص مريم من رأسها إلى أخمص قدميها. صعدت مريم مع مراد إلى غرفته وهي واثقة كل الثقة أنه لم يبق إلا لحظات وتقفد وعيها من فرط التوتر .

 في صباح اليوم التالي, توجه مراد إلى شركته وانغمس في عمله كالمعتاد ليصرف تفكيره عن تلك الفتاة القابعة في عقر داره, والتي تحمل إسمه رغماً عنه, وهناك أخبر طارق بكل ما حصل له. وبعدها قدم سامر إليهم قائلاً: *الزفت اللي إسمه حامد, سرق كل الشغل اللي كنا عاملينه, اللوجو والبروشورز وكل حاجة وغيّر بس إسم الشركة وسمّاها بإسم شركته ودخل شريك مع اتنين من رجال الأعمال وبينفّذ نفس مشروعنا *. قال مراد شارحاً : *الشغل اللي سرقه حامد مننا كان ممتاز وأنا عايز شغل في نفس المستوى وأعلى كمان, ومفيش ديزاينر غير اللي عملتلنا بالأول بتطلع شغل مضبوط كده زي ما أنا عايز*. قال طارق مؤكداً كلام مراد : *معاك حق يا مراد أنا هوصلّها متقلقش*. وكان قد حصل خلاف ما بين مراد وحامد أدى إلى فض الشراكة ما بينهما.
كانت العلاقة ما بين مريم ومراد متوترة ومليئة بالمشاحنات, وكان مراد يُشعر مريم بأنها فتاة غير محترمة, وأنه سيطلقها عندما تهدأ النفوس في البلد. كانت مريم تنام على الأريكة في غرفة مراد, إلا أنها في هذه الليلة نامت على مقعد في الحديقة. في صباح اليوم التالي, إستيقظ مراد على صوت هاتفه, رد على طارق الذي قال : * أنا هعدّي عليك دلوقتي عشان في ورق مهم لازم يتمضي قبل ما أطلع على الجمارك*. قال مراد وهو يجلس في فراشه :* طيب مستنيك *. في الأسفل استيقظت مريم على صوت العصافير التي تغرد على الشجر, دارت حول الفيلا لتدخل من الباب الأمامي, وجدت مراد واقف مع رجل آخر فأخفضت بصرها, لكنها عندما اقتربت منهما رفعت رأسها فارتطمت نظراتها بنظرات طارق, وقفت تحدق فيه بدهشة, وبادلها هو الآخر نظراتها المندهشة التي كانت أضعاف دهشتها, كان يبحث عنها في كل مكان ولم يتخيل أن يجدها في بيت صديقه, وما زاد الأمر دهشة حين قال مراد أن مريم زوجته, نظر طارق إلى مريم وهو لا يصدق ما يسمع, نظر إليها وكأنه يرجوها أن تكذب ما قاله مراد. كان الرجلان ينظران إلى مريم بدهشة, طارق مصدوم من كونها أصبحت زوجة لأعز أصدقائه, ومراد مصدوم من كونها ديزاينر حملته الإعلانية, بعد أن أخبره طارق أنها  كانت الديزاينر الأفضل في شركته، شعرت  مريم بالخجل من نظرات الرجلين إليها فأخفضت بصرها ودخلت إلى المنزل. انطلق طارق بسيارته بعصبية وهو يشعر بغضب كبير بداخله لتلك العادات المتخلفة التى أجبرت مريم على الزواج من مراد.
 مع الأيام أخذت مريم تتقرب أكثر وأكثر إلى ناهد وسارة ونيرمين. وفي أحد الأيام قالت ناهد أم مراد فجأة وهي تضحك :* إيه ده مراد ملبسك الدبلة في اليمين*. 

إضطربت مريم وهي تنظر إلى دبلتها, قامت ناهد بنزع الدبلة من يدها اليمنى ووضعتها في اليسرى قائلة بمرح :* أيوة كدة بدل ما الناس تضحك علينا*. شعرت مريم بالتوتر وهي ترمق دبلتها التي أصبحت في يدها اليسرى, ثم صعدت إلى الغرفة فدخل مراد فجأة وقال:  *مين ماجد ؟*, خفق قلب مريم بشدة وهي تنظر إليه بدهشة .. فنظر إليها قائلاً ببرود :*  كنتي امبارح عماله تقولي إسمه طول الليل*. توترت مريم فأعاد سؤاله بتهكم :* مين ماجد ؟ ويا ترى ده قبل جمال ولّا بعده ؟ مظنش إنه بعده, ملحقتيش يا دوبك عرفتي جمال من هنا واتدبستي فيّا من هنا *. نظرت إليه مريم وقالت بتحدٍ :* وهتفرق معاك إيه, عرفته قبل جمال ولا بعد جمال, ولا حتى عرفته وأنا عارفة جمال, ما هو اللي معندهاش أخلاق لدرجة أنها تسمح لنفسها أنها تعمل علاقة مع راجل غريب, مش هيفرق معاها لو عملت علاقة مع راجلين في نفس الوقت*, حينها خرج  مراد مرتعداً من البيت.

عاد مراد متاخراً ولم يسمع صوتاً في البيت, فصعد إلى غرفته, طرق الباب طرقات خفيفة ثم دخل, لم يجد مريم في الغرفة ولكنه سمع صوتاً قادماً من الشرفة, إتجه إلى الشرفة وأزاح الستارة قليلاً ليرى مريم واقفة تستند إلى السور وتتحدث في الهاتف, فتح باب الشرفة قليلاً فسمعها تقول بعصبية : *بقولك كل حاجة حصلت بسرعة, طبعاً ملحقتش أصرخ, لما حضني أصلاً اتخضيت لأني كنت فاكرة أني واقفة في المكان ده لوحدي, ولما حاولت أزقه لقيت فجأة رجاله حوليّا وهو طلع يجري, وأعَدُوا يسألوني إنتي بنت مين, يعني لو أنا واحدة وحشة أكيد مكنتش هقولهم أنا مين, وكنت سيبتهم وجريت, لكن أنا كنت مصدومة, ولما عرفوا إسمي لقيتهم فجأة بيزعقوا, جريت وروحت البيت, وجم ورايا وحصل اللي حصل. أما مراد بيقولي كلام وحش أوي يا مي, عمر ما حد أهانيّ كده *. كان مراد يراقبها من خلف الزجاج ويستمع إلى بكائها وقد عقد ما بين حاجبيه, وقف إلى أن سكنت وهدأ بكائها, ثم التفت وغادر الغرفة وتوجه إلى مكتبه بالأسفل. جلس شارداً يسترجع كلماتها التي بثتها منذ قليل وهو يشعر بمزيج من الحيرة والأسى.

 عاد مراد من عمله ليجد أمه في استقباله قائلة بحزم : *عايزاك يا مراد *. شعر مراد بالقلق فقالت : *ملقتش إلا بنت الراجل اللي قهر أبوك وتتجوزها يا مراد, مراة سباعي قالتلي إنها بنت خيري*. شعر مراد بالراحة لأن أمه لم تعلم طريقة زواجه من مريم وقال لها بهدوء : *هيّ ملهاش ذنب في اللي أبوها عمله زمان*. كانت مريم تنزل الدرج عندما سمعت جزءاً من حديث مراد وناهد, شعرت مريم بالألم وهي تستمع إلى تلك الكلمات وتوجهت مسرعة إلى غرفة مراد. وفي المساء تحدثت ناهد لمريم وقالت: *أنا امبارح كنت منفعلة, واللي زود انفعالي انكوا خبيتوا عليا, أهم حاجة عندي سعادة مراد, وأنا شايفاكي بنت مؤدبة ومحترمة وطيبة, ومش هلاقي لمراد أحسن منك*. إتسعت ابتسامة مريم ومسحت العبرات التي تساقطت من عينيها رغماً عنها .

في الليل بدا على مراد عدم الرغبة في النوم, أزاح الغطاء وجلس على فراشه يرمق مريم النائمة على الأريكة وقد بدا عليه التفكير العميق. شعرت مريم بحركته فالتفتت لتراه جالساً على فراشه يتطلع إليها, شعرت بالخجل فجلست في مكانها. إلتفت إليها مراد قائلاً بحزم :* إحكيلي اللي حصل في الصعيد*. تحاشت مريم النظر إليه وقصت عليه ما حدث من أول خروجها مع صباح حتى قدوم الرجال إلى بيت جدها. مرت لحظات صمت من كليهما, نهض مراد فجأة وجلس على الطاولة وبدا قريباً منها, إزداد خجلها واعتدلت في جلستها أكثر فقال :* نامي دلوقتي وأنا بكرة إن شاء الله هكلم عمتو*. توسد كل منهما وسادته وكل منهما يفكر في هذا الوضع الذي وصلا إليه .. تُرى ماذا ستكون نهاية المطاف ؟!

في المساء جاء لمراد إتصال هاتفي ينبأه بخبر ذرفت له عيناه الدموع, وبكى قلبه ألماً وحسرة, موت عمته بهيرة. شعر مراد بالألم في قلبه وروحه, لقد افتقد حضناً حانياً لا تقل محبته لها عن محبة ناهد. بينما انهارت مريم, كانت تبكي بهيرة وتبكي الوضع الذي أصبحت فيه بمفردها, فها هي منقذتها من هذا الزواج قد رحلت عن الدنيا. جلست تسترجع وتدعو لها بالرحمة والمغفرة, ولم تشعر بمضي الوقت وهي جالسة على الأريكة تحتضن قدميها إلى صدرها .

*السلاح اللي تم استخدامه في الجريمة مرخص بإسمك يا حاج عبد الرحمن* قال وكيل النيابة هذه العبارة في مكتبه, ثم أكمل : *ده اللي أثبته المعمل الجنائي. الرصاصة اللي انطخ بيها جمال كانت من مسدسك اللي لجيناه مرمي في صفيحة زبالة جمب البيت *. وعلى أثر النتيجة أمر وكيل النيابة بحبس عبد الرحمن على ذمة التحقيق. وقع هذا الخبر كالصاعقة على رؤوس العائلتين, وتأكدت شكوك الكثير من رجال عائلة الهواري بأن الفاعل من بيت السمري. عندما علمت صباح بخبر القبض على والدها, أخذت تبكي وتقول: *أعمل إييه يا ربي أعمل إييه*.

نهض مراد من مكانه وتوجه إلى الشرفة ليجد مريم نائمة وهي تحتضن كتاباً مفتوحاً, إقترب منها بحذر وأخذ الكتاب من بين يديها برفق شديد. كانت ناهد تهم بغلق نافذة غرفتها عندما رأت مراد داخلاً الشرفة وهو يحمل غطائه وغطاء مريم وأخذ يدثرها بهما جيداً وبرفق خشية إيقاظها. أحكم وضع الغطاء عليها وهو يرمقها بنظرات حانية, أزاح بأصابعه خصلة من شعرها سقطت على وجهها بنعومة, ثم أرجع ظهره للخلف يستند به على سور الشرفة وظل ينظر إليها ويتأملها نائمة. إغرورقت عينا ناهد بالعبرات, وهي ترى إبنها يعامل مريم بتلك الرقة التي تنافي طباعه الجامدة الصارمة, كانت تشعر بالصراع الكبير الذي يشعر به إبنها بداخله, كانت تعلم أن بداخله خوف .. خوف من إظهار إعاقته, خوف من أن تتخلى عنه حبيبته مرة أخرى.
وفي مساء اليوم التالي, حملت مريم أحد الكتب بجوارها وشرعت في قراءته إلى أن غلبها النعاس, فوضعته على الكمودينو وأغلقت المصباح ونامت, بينما ظل مراد ساهراً يستمتع بقراءة الكتاب الذي أخذه من على الكوميدينو, وفي أثناء قراءته وعندما أوشك على تقليب إحدى الصفحات وجد ورقة تسقط من الكتاب, أمسك الورقة ونظر إلى مريم النائمة, ثم نظر إلى الورقة المطوية في تردد, وفتح الورقة ليجد فيها :

-حبيبتى مريم .. بل مهجتي مريم .. بل نور عيني ونبض قلبي .. أنتِ قمر في سماي .. ونور في دنياي .. وبحر شوق في عيناي .. ورحيق حبك هو مرساي .. أحبك يا من توغل حبك إلى كل كياني .. وملك روحي وأبعد عني أحزاني .. وجعلني في بحار عينيك أغرق .. وبلمسة يديكِ أُهرب .. من نار الدنيا إلى جنتك .. فلا تحرميني أبداً من بسمتك .. يا أرق مريم في حياتي .. يا كل حياتي .. حبيبك ماجد. قرأ مراد تلك الكلمات وهو يشعر بحرقة في قلبه امتدت لجسده لتحوله إلى جمرة مشتعلة. ألقى نظرة نارية على مريم النائمة وهو يشعر بغصة في حلقه, وضع الورقة في الكتاب وأغلقه بعصبية وألقاه على الكمودينو بجواره, ثم نام على ظهره واضعاً يديه أسفل رأسه وهو يفكر وعلامات الضيق على وجهه .

صفع عثمانُ صباحَ بحدة في مكتب المأمور وهو يقول : *كيف ده حوصل .. كيف يا بنت بوي كيف*, أجهشت صباح في البكاء وقد أيقنت هلاكها .. قال المأمور: *فحصنا البصمات بتاعتك يا آنسه صباح وقارناها بالبصمات الموجودة على الطبنجة اللي انطخ بيها جمال, وكان التطابق تاماً *. وما هي إلا لحظات حتى خرج عبد الرحمن الذي تم الإفراج عنه. واستطاع كبار العائلتين التحدث مع المأمور الذي كان يرغب أكثر منهما في حل تلك القضية ودياً, لأنه يعلم المشاكل التي كانت واقعة بين العائلتين منذ الأزل, والتي تنتظر شرارة صغيرة لتبدأ نار الثأر في الإشتعال مرة أخرى. وبعد ساعات انتهت جلسة الصلح بـ : قبلتُ زواجها, والتي قالها جمال بحنق وضيق ويده موضوعة في يد عبد الرحمن, وهو يعلم جيداً في قرارة نفسه أنه وقع في شر أعماله, وبأن الله أعطاه ما يستحق .

في المساء, كان مراد جالساً وراء مكتبه في البيت, حانت منه التفاتة إلى الدرج الذي يحوي قسيمة الزواج, فتحه وأخرج القسيمة, فتحها وهو شارد, وأخذ يتطلع إليها لأول مرة منذ أن استلمها من المأذون. كانت عيناه تمر على الكلمات في تكاسل, وفجأة اتسعت عيناه وتجمدت ملامحه, وأخذت دقات قلبه تتعالى بسرعة, مرر عينيه على أحد السطور مرات ومرات إلى أن تأكد بأن تلك الكلمات مكتوبة بالفعل وليس محض تهيآت, هب من مقعده فجأة, توجه إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بعنف, وقال لمريم: *ماجد خيري الهواري إنتي كنتي مراة أخويا ؟ مراة ماجد أخويا ؟* فأومأت برأسها إيجاباً, فصرخ قائلاً: *وليه ما قلتليش من الأول إنك كنتي مراته*. قالت مريم باضطراب شديد وهي على وشك البكاء من شدة الخوف: *عمتو بهيرة قالتلي متكلمش إلا لما هي ترجع من السفر, قالتلي مجبلكش سيرة أبداً عن الموضوع ده *. أومأ مراد برأسه وأشاح بوجهه عنها, بدا وكأنه لا يستطيع النظر إليها, وغادر المنزل كله وهو يشعر بشيء ثقيل يجثم على صدره, فالفتاة التي تزوجها هي زوجة أخيه الراحل, أخيه الذي ظن أنه مات وهو صغير, لماذا أخفوا عنه أنه ما زال على قيد الحياة ؟ يجب أن يرغم مريم على إخباره بكل ما تعرفه .

*تفتكري ليه بابا وعمتو خبوا عليّا أن أخويا ماجد عايش* ؟ وجّه مراد هذا السؤال لناهد التي تتطلع إليه وهي مصدومة مما تسمع, وقالت : *مش عارفة, أنا بجد إتصدمت, يعني ماجد كان عايش ومكنش ميت من زمان زي ما باباك قالنا؟ *, ثم سألته باهتمام : *وكان عايش مع مين طول السنين اللي فاتت*, قال مراد بحيرة : *سألت مريم وقالت متعرفش مع إني حاسس أنها عارفة حاجة ومخبياها عليّا, بس مسيري هعرفها* .
طرقتْ مريم باب غرفة المكتب فأذن لها مراد بالدخول, إبتسمت مريم قائلة : *كنت عايزة أوريك الشغل اللي خلصته*. جلس مراد يتفحص التصميمات ثم قال : *ممتاز*, حينها استأذنت مريم لتخرج قليلاً بينما أخذ مراد يلعب بأصابعه في الحاسوب, وهو شارد وغير منتبه بالفعل لما يفعل. أفاق من شروده عندما وجد أمامه أحد الملفات المكتوب عليها "حبيبي", ضاقت عيناه بشدة وفتح الملف ليجد به العديد من الصور المصغرة, كبّرها وأخذ يتطلع إليها, شعر بصدمة شديدة تجتاح كيانه, يالله كأنه ينظر في المرآة, رجل يشبهه إلى حد بعيد يقف بجوار مريم محيطاً كتفيها بأحد ذراعيه ويبتسمان معاً للكاميرا, أخذ يقلّب في الصور وينتقل من صورة لأخرى وشرارة الغضب بداخله تزداد حتى صارت كالبركان, فخرج ليبحث عن مريم حتى وجدها في غرفته جالسة على الأريكة شاردة, هبت واقفة بمجرد أن رأته وبلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بالخوف من نظراته التي كانت كالرصاص المصوب تجاهها, فتح مراد الشاشة فظهرت أمامها آخر صورة كان يشاهدها, نظرت إلى الصورة وقلبها يخفق بعنف, تلك الصورة التي لم تراها منذ أن وطأت قدماها هذا البيت, ألقى مراد الحاسوب على السرير بعنف وهو يقول : *نسخة مني .. أخويا كان نسخة مني .. عشان كدة كنتي بتبصيلي واحنا في المركز الصحي في الصعيد مش كدة ؟؟ .. لأني نسخة منه .. فكّرك بيّه مش كده .. الشبه اللي بينا هو اللي خلاكي تعرفي أني أخوه .. عشان كده وافقتي تتجوزيني أنا مش جمال, مش كدة ؟؟ .. عشان أنا شكل أخويا اللي حبيتيه واتجوزتيه وفقدتيه.. صح يا مريم, كنتي بتعوضي شوقك ليه بيّا .. لما بتبصيلي بتشوفي مين يا مريم .. ماجد ولّا مراد .. بتشوفيه هوّ, كنتي بتبصيله هوّ, لملامحه هوّ .. مش كده ؟*. إنهمرت الدموع من عينيها بصمت وتمتمت بصوت خافت جداً لم يستطع سماعه: *ده في الأول بس*. نظر إليها مراد باحتقار وعدم تصديق, لم تتحمل تلك النظرة في عيناه فتوجهت إلى الدولاب وأخرجت منه الحقيبة التي تحوي رسائل ماجد .. أخرجت الرسائل وأمسكتها ولوحت بها أمامه قائلة بحدة بصوت مرتجف: *دي رسايل ماجد .. كان كاتبهالي قبل ما يموت .. كان مريض بالكانسر وكان المرض في مراحله الأخيرة .. كتبلي الجوابات دي وقالي أقرأ جواب كل أسبوع في نفس اليوم ونفس المعاد .. كان عارف أنى مليش حد غيره .. أهلي كلهم ماتوا في حادثة .. ماما وبابا وأختي .. كنت هموت لولا ماجد وقف جمبي وساعدني أني أخرج من محنتي .. وكتبنا كتابنا, كان كل حاجة ليّا, عوّضني عن كل أهلي اللي راحوا مني*. فجأة قال مراد بصوت مرتجف متقطع : *بكرة جهزي نفسك عشان هنروح للمأذون .. عشان أخلصك من الحبل الملفوف على رقبتك, عشان ترجعي لحبيبك وصوره وجواباته اللي حارمة نفسك منها بسببي* .

وفي اليوم التالي توجها إلى مكتب المأذون وكل منهما يشعر بأنه مسلوب الإرادة, وكأن قوة خفية تحركهما. جلسا متواجهان وهما يستمعان إلى كلمات المأذون التي يحاول بها إثنائهما عن هذا القرار. كان كل منهما يطرق برأسه وينظر إلى الأرض, وتعبيرات جامدة تظهر على وجه كل منهما. حانت اللحظة, وأخبر المأذون مراد أن يلقي بكلمة الطلاق على مسامع مريم, قال وهو ينظر أرضاً بصوت مرتجف بنبرة متقطعة, وكأن روحه تفارق جسده : *إنتي طالق! *.

جلس مراد في مكتبه يمسك أحد الكتب بيده, لكن عيناه زائغة في فراغ الغرفة, أذهله هذا الشعور بالحنين الذي شعر به منذ أن رحلت مريم عن البيت .. طوال الإسبوع وهو يشعر وكأنه فقد جزءاً من روحه .. جزءاً من نفسه .. حاول كثيراً أن يعود مراد القاسي متحجر القلب كما كان, لكن هيهات .

عادت مريم إلى بيتها. إنتبهت إلى أنها كونها تفكر في مراد أكثر من تفكيرها في نفسها, شعرت بحنين جارف إليه, شعرت بالضيق الشديد من هذا الشعور الذي راودها. سمعت طرقات على الباب ففزعت وهبّت واقفة, سألت: *مين*؟. سمعت صوت مراد خلف الباب يقول: *أنا مراد, إفتحي يا مريم*. شعرت بشعور غريب وهي تستمع إلى صوته, إختفى كل شعور داخلها بالخوف ليحل محله أمان لا حدود له. فتحت الباب فاقترب مراد فاضطرت للرجوع للخلف, دخل وأغلق الباب خلفه, وجدته ينظر إليها بشوق ولهفة وخوف وجزع. قال مراد بلهفة وهو ما زال يحتضن وجهها بعيناه : *إنتي كويسة؟*, قالت بضعف وهي تحاول التظاهر بالتماسك وتناسي خفقات قلبها العنيفة : *أيوة كويسة, لو سمحت أخرج, أنا عايشة لوحدي, مش هينفع كده*. أطبق مراد على شفتيه بقوة وهو ينظر إليها, ثم قال بهدوء : *طيب أنا هخليه ينفع*, صمت لبرهة وعيناه تنظر داخل أعماق عينيها, ثم قال بحزم وبصوت رخيم : *رديتك يا مريم*. توقف قلبها عن العمل لثانية ثم عاد ليخفق بجنون, إتسعت عيناها دهشة وهي تنظر إليه وصدرها يعلو ويهبط من سرعة تنفسها.

وصلا إلى البيت ورحب بها الجميع بحرارة. سأل مراد مريم : *لسه بتحبيه؟*. خفق قلبها وهي تعرف معنى سؤاله, شعرت بالحيرة, بماذا تجيبه. أكمل مراد: *كان محظوظ أوي على فكرة, اوصفهولي؟*. قالت مريم: *كان إنساناً محترماً, ويحترم ربنا. كان طيب, وهادي , وكان كل الناس بتحبه*. ظل ينظران إلى بعضهما البعض وعيناهما تغشاهما العبرات. شعرت وكأنها تتقاسم معه آلامها. إمتدت يده من فوق الطاولة تتلمس طريقها إلى كفها ليحتضنه في حنان, لم تبتعد عيناهما عن بعضهما البعض لحظة, شعرت مريم بالدهشة بداخلها, نعم هي تنظر إلى ملامح تشبه ملامح ماجد إلى حد كبير, لكنها لا ترى ماجد في تلك الملامح, شعرت بأنها تنظر إلى رجل آخر تماماً, ولدهشتها فهي تشعر بشعور عميق تجاه هذا الرجل. تركته يحتضن كفها في استسلام, لكنها لمحت في عينيه نظرة خوف وتردد. أبعد يده عن كفها وأبعد عينيه عن عينيها, شعرت مريم بالحرج, وبالضيق من تغيره المفاجيء, ودون كلمة, نهضت لتغادر الغرفة .
في الصباح اجتمعت العائلة على الفطور, فقالت نرمين فجأة بحماس :

*
صحيح ما قولتلكوش, النهاردة وأنا في الجامعة, قالوا إن إدارة الجامعة عاملة دورة في الإسعافات الأولية واشتركت فيها*, إبتسمت مريم قائلة: *أنا كمان كنت اشتركت في دورة زيّ دي لما كنت في الكلية*, قالت نيرمين : *إنتي يا مريم فصيلة دمك إيه ؟* قالت مريم: * AB*, قالت نرمين بمرح : *ما شاء الله, إحنا مُجمّعين في بيتنا كل أنواع فصائل الدم, أنا A زي ماما وبابا, وسارةO , ومراد B, وإنتي يا مريم AB *. سقطت الملعقة من يد مريم في طبقها لتصدر صوتاً عالياً, نظر إليها الجميع فأدارت بعينيها في وجوههم, بدا وكأنها رأت شبحاً أمامها. نهضت مريم وغادرت مسرعة, وأخذ مراد يتابعها حتى اختفت وقد ضاقت عيناه فلحقها.

صعدت مريم إلى غرفة مراد وأغلقت الباب خلفها, ووقفت خلفه يعلو صوت تنفسها, من غير الممكن أن تكون فصيلة دم مراد B, هذا غير معقول .. من غير المعقول أن يكون أبواه A وهو B, هذا مستحيل .. بل من رابع المستحيلات, إذن فـناهد ليست أمه. توجهت مسرعة إلى الدولاب وأخرجت منه حقيبتها, فتحتها بأيدي مرتجفة وأخرجت منها قسيمة زواجها, أخذت تنظر إليها بلهفة حتى توقفت عند نقطة ما, فاتسعت عيناها دهشة, ووضعت كفها على فمها تكتم صيحة الدهشة التي خرجت رغماً عنها. إنفتح الباب فجأة فالتفتت لتجد مراد خلفها, إقترب منها فأخذت تنظر إليه وعيناها متسعتان على آخرهما وهي تمسك بيدها قسيمة الزواج, قالت مريم بصوت مرتجف وهي تمعن النظر إليه : *أنت توأم ماجد ؟*, نظر إليها يرقب تعبيرات وجهها, كانت تعبيرات مراد هادئة قال : *أيوه توأمه*, نظرت إليه مريم بألم ودموعها تتساقط على وجنتيها وهي تقول: *أنا مش فاهمة حاجة, أنا مبقتش فاهمة حاجة, أنت ازاي تسيب مامتك كده؟*, قال مراد بحدة وعيناه تملأهما الحيرة والخوف : *يعني إيه سايبها كده, ماما متوفية من زمان*. إتسعت عيناها دهشة وهي تصيح قائلة: *مين اللي فهّمك كده, قالولك أخوك مات, وكمان أن مامتك ماتت, ليه كدبوا عليك كده, مامتك عايشة يا مراد في دار مسنين*. جذبها من ذراعها وقال بلهفة: *إلبسي بسرعة, عايز أروحلها حالاً*.

 خرجا معاً وذهبا إلى دار المسنين, شعر مراد بقلبه يخفق بجنون, إقترب من الغرفة شيئاً فشيئاً وتوقف أمام الباب, أخذ ينظر إلى تلك المرأة النحيلة التي تتوسط الفراش, وعيناها تتطلعان إليه بلهفة وشوق وحب وألم وعذاب وحنين, والدموع تبلل عينيها, إقتربَ مراد منها وجلس أمامها, لفّت يديها حول عنقه وجذبته إليها بلهفة, لف مراد ذراعيه حولها يضمها إليه, وقد أغمض عينيه لتتساقط العبرات منهما. أخذ جسدها النحيل يرتجف بين ذراعيه من شدة البكاء, قبّل كتفها وشعرها وقال بصوت متهدج : *ماما !* أبعدت رأسها لتنظر إليه بلهفة وهي تسمعه لأول مرة ينطق بكلمة "ماما" ثم تعالت شهقاتها مرة أخرى, وقال بصوت مرتجف : *مش مصدق إني شوفتك وإني في حضنك, أنا اتكلمت مع مديرة الدار وهاخدك من هنا النهاردة *.

إستقبل الجميع خبر وجود زهرة على قيد الحياة بصدمة شديدة, واضطر مراد إلى إخبار أختاه بأن مريم كانت خطيبة أخوه التوأم الذي لم يكن يعلم أنه ما زال على قيد الحياة. إنفرد مراد بـناهد وسألها قائلاً وهو يمعن النظر إليها : *ماما, أنا عارف أن ممكن الموضوع يكون صعب عليكي, بس أنا مستحيل أسيب أمي مرمية في دار مسنين, إما أني أجيبها تعيش معانا هنا, وإما أني أسكّنها في مكان تاني*. أخذت ناهد نفساً عميقاً ثم قالت: *كفاية اللي شافته في حياتها, وأنها اتحرمت منك طول السنين دي, من حقها تعيش مع ابنها اللي اتحرمت منه*, فعانقها مراد وابتسم بسعادة .

قالت مريم وكأنها تريد إزاحة حمل ثقيل عن كتفيها: *في حاجة كنت مخبياها عنك, بس صدقني لو كنت أعرف أن ماما زهرة مامتك كنت قولتهالك من الأول, ماما زهرة تبقى مراة بابا الله يرحمه*. إتسعت عينا مراد دهشة محاولاً استيعاب ما قالت. وكذلك قرر مراد أن يخبر مريم بأمر زواجه وإعاقته. أخبرها بقصة زواجه وطلاقه, وكان على وشك إخبارها بإعاقته عندما دخلت نرمين وقالت: *طنط زهرة اتكلمت, وطلبت أن تتكلم مع مراد*, فذهبوا إليها فقالت زهرة : *زمان جوي, وجت ما كنت بنت صغيرة, شفني خيري السمري الله يرحمه وكان رايد يتجوزني, رفضوا أهلي الجوازة لأني من عيلة الهواري, وخيري من عيلة السمري, والعيلتين دول كان بيناتهم عداوة كبيرة جوي, الكل رفض جوازي من خيري, ولأني كنت بنت صغيرة مكنش ليّا رأي. بعدها اتجدملي خيري الهواري, أبوك يا ولدي, كان يجربلنا, ووافجوا أهلي عليه واتجوزته, قسماً بالله يا ولدي كنت مخلصة لأبوك طول فترة جوازنا, بس الله يرحم حماتي ويسامحها, بعد ما خلفتك أنت وماجد تعبت ودخلت المستشفى, والدكاتره جالوا إني لازم أعمل عملية وأشيل الرحم, حماتي معجبهاش اللي حوصل, مع أنه مرض مش بيدي ولا بيد حدا, كانت بتحاول تخرب عليّا بكل شكل, بس أبوك مرضيش يتجوز ولا رضي يسيبني, لحدّ ما اتفجتْ حماتي مع حريم في البلد أنهم يجولوا أنهم شافوني مع خيري السمري, أبوكي يا بنتي, بعدها أبوك طلجني يا مراد, جالي آني مش مصدج عليكي اكده, بس مجدرش أعيش معاكي وسط الخلج وهما بينهشوا بعرضك, وحرمني منكوا انتوا التنين, أنت وأخوك يا مراد. في الفترة دي حصلت جريمة جتل في عيلة المنفلوطي, والعيلة دي كانت بتعادي العيلتين الهواري والسمري, وكان في بينهم مشاكل وبين الإتنين من العيلتين, ولما اتجتل إبن حسن المنفلوطي جالوا إن اللي جتله إسمه خيري, لأن المقتول  كتب خيري بدمه على الجدار, وأقسم حسن المنفلوطي أنه يجتل الإتنين خيري. 
فالعيلتين اتحدوا مع بعض وهربوهم على القاهرة, وجبل ما أبوك يهرب يا ولدي روحت حداهم في بيت العيلة, كان بدي أشوفك أنت وأخوك, لجيت ماجد بيلعب جدام البوابة, محستش بنفسي إلا وآني بخطفه وبهرب بيه, بعد اكده عرفت بموضوع جريمة الجتل, وعرفت أنهم أكيد هيدوروا على ولاد خيري ويجتلوهم, فاضطريت أهرب آنى كمان على مصر, مكنتش أعرف حدا فيها واصل, وسبحان الله يشاء ربك أني أهرب في نفس اليوم اللي هرب فيه خيري السمري وخيري الهواري, واتصدمت لما لجيتهم راكبين نفس الجتر, وجلبي وجع في رجلي, وفضلت جاعدة بعيد عنهم عشان ميشوفونيش, بس عيني كانت على خيري السمري, هو الوحيد اللي بعرفه واللي ممكن يساعدني لأني معرفش حدا في مصر, بعد ما نزلنا من الجتر التنين اتفرجوا وكل واحد راح في طريج, مشيت ورا خيري السمري لحد ما التفتَ فجأة وشافني, جرّبت منه وبكيت بين يده وجولت له يساعدني أني ألاجي شغل وسكن عشان أعيش أنا وإبني, بس ربك كان كريم جوي, وجالي أنه هيتجوزني على سنة الله ورسوله, ومحدش عرف بجوازنا إلا أربعة, أبوي الله يرحمه وهو اللي جه حدانا في مصر وجوزني له, وعبد الرحمن ومرته, وبهيرة عمتك. يا ولدي طول السنين اللي فاتت كان نفسي أشوفك مرة واحدة, بس كان نفسي أجولك أني عايشة ومظلومة يا ولدي, ظلموني وحرموني منك غصب عن يا مراد*.

فتساقطت عبرات مراد وضمها إلى صدره, وقرر أن يدع الماضي وشأنه وأن يردم عليه التراب, ويعيش اليوم ويخطط للمستقبل مع والدته وناهد وأخواته ومريم. وبعد أن صعد إلى غرفته بعد حواره مع أمه, سأل مراد مريم: *إنتي أول مرة بتعرفي الكلام ده؟* أومأت برأسها إيجاباً وقالت: *كل اللي كنت عارفاه أن بابا كان متجوز ماما زهرة بعد ما جوزها طلقها, وأنها جالها مرض وشالت الرحم ومعدتش بتخلف, وبابا اتجوز ماما وخلفني أنا وأختي. ماما مكنتش بتحب ماما زهرة مع أن بابا كان معيّش كل وحدة فيهم في شقة بعيدة عن التانية, ومبديتش أشوف ماجد وأعرفه إلا لمّا ماما وبابا ماتوا في الحادثة, وبعدها كتبت كتابي على ماجد لحد ما عرفنا بمرضه وكان بمرحلة متأخرة, ووقتها ماما زهرة تعبت أوي ومعدتش بتتحرك ولا بتتكلم, واضطرينا نوديها دار المسنين عشان يأخدوا بالهم منها, لأني كنت بشتغل*. فابتسم مراد لها. 

رأى مراد مريم تغط في نوم عميق, شعر بألم في ساقه, فخلع الساق الصناعية وتركها في مكانها تسد فراغ قدمه تحت الغطاء وغط في سبات عميق .في الصباح رأت مريم الساق الصناعية واقعة على الأرض بجوار الأريكة, أخذ قلبها يخفق بقوة وهي لا تزال تضع كفيها على فمها بقوة, شعرت وكأنها اكتشفت بأن ساقها هي المبتورة, نظرت إليه وهي تقول في نفسها أهذا ما كنت تخفيه عني ؟ أهذا ما كان يؤرق مضجعك ؟ أهذا ما كان يقلقك ويخيفك ؟ أهذا ما كنت أرى بسببه الألم والحيرة والقلق في عينيك ؟. هرعت مريم إلى سارة لتعرف منها الأمر فقالت سارة : *في يوم كان هو وطليقته عندنا سمعناهم بيتخانقوا جامد في الجنينة, كانوا بيتخانقوا على موضوع الحمل, هو كان عايز يخلف وهي عايزة تأجل, نرفزته بكلامها خرج وساق العربية وطلع بيها, وفجأة جلنا خبر أنه عمل حادثة ونقلوه المستشفى, بس للأسف رجله كانت متدمرة والدكاترة ملقوش حل إلا في البتر*. كانت مريم تستمع إليها وعلامات الحزن على وجهها, تخيلت شعور مراد وهو يتلقى خبر بتر قدمه, تخيلت شعوره وإحساسه وقتها, تخيلت كيف كانت صدمته الأولى. أكملت سارة بأسى شديد : *كان مراد تعبان في الأول لكنه كان راضي وصابر, بس للأسف طليقته مكنش عندها ذرة إحساس, إتخلت عنه وطلبت الطلاق. سمعناه وهو بيترجاها متسيبوش وتفضل جمبه, وعدها أنه هيركب رجل صناعية ويمشي بيها زي الأول, بس هي كانت مصرة على الطلاق !! *.

توجهت مريم إلى غرفة مراد, كانت معتادة على طرق الباب لكنها لم تطرقه هذه المرة لظنها بأنه خارج الغرفة. فتحت الباب ودخلت ليتسمر كلاهما في مكانه, شعر كل منهما برجفة تسري في جسده وكأن ماساً كهربائياً أصابهما معاً. لم يكن مراد قد ارتدى ساقه الصناعية بعد, تطلّع كل منهما إلى عين الآخر وكل منهما يحبس أنفاسه, كانت صدمة مراد كبيرة, فجأة, وجدها وقد جثت على ركبتيها أمامه, حبس أنفاسه, نظرت مريم إليه وهي تسمع صوت خفقان قلبها, وتساءلت تُرى أهذا صوت خفقان قلبي أم قلبه ؟ نظرت إلى الساق المبتورة والساق الصناعية التى ما زال يمسكها بيده, نظرت إلى وجهه تتمنى أن يفهم أنها لا تأبه لتلك الإعاقة, وأنها لا تعني لها شيئاً. مدت يديها وأمسكت منه الساق الصناعية, شعرت برجفة جسده وانتفاضته, وأخذت تثبت الساق, قال بصوت مبحوح: *عرفتي إمتى ؟ مين اللي قالك ؟*, قالت بهدوء: *محدش قالي, بس وأنت نايم خدت بالي*, نظر إليها مراد بغضب, وقال بحدة : *وليه ما قولتليش إنك عارفة*, قالت مريم مبتسمة: *لأن الموضوع مش فارق معايا أصلاً*. أومأت برأسها وهي تتعلق بعينيه وتبتسم بسعادة, تأمّل مراد نظرة الحب في عينيها والإبتسامة التي تفصح عن سعادتها بقربه. إطمئن قلبه وشعر بأنه أخيراً وجد لقلبه ساكن, ساكن أمين, إنحنى يقبلها بحب وشوق, ويدخلها إلى عالمه الخاص. وعندما استيقظت مريم نظرتْ إلى ضوء الصباح المتسلل من النافذة وهي تشعر بأن هذا الصباح مختلف جداً .

في اليوم التالي  كان مراد جالساً في مكتبه بالبيت يطالع أحد الملفات عندما طرقت مريم الباب ودخلت بهدوء مبتسمة. حانت منها التفاتة إلى الملف الموضوع على المكتب أمامه, لمحت صور دماء ورجل ملقى على الأرض, قالت بدهشة : *إيه ده يا مراد*, نظر مراد إلى الملف والصور قائلاً : *ده ملف جريمة القتل اللي كانت حصلت في الصعيد, لقيته في أوراق بابا اللي كانت في الخزنة*, أمسكت مريم الصور لتتطلع إليها, قالت مريم: *طيب عايزة أشوف الصورة اللي كان مكتوب فيها بالدم*. بحث مراد في الصور إلى أن أخرج الصورة وأراها إياها, قالت مريم وهي تمعن النظر إلى الصورة وتقربها من مراد : *مراد, أنت مش شايف حاجة غريبة هنا ؟* أخذ مراد الصورة منها ونظر إليها قائلاً : *لأ, مش واخد بالي*, قالت مريم بحماس: *إسم خيري مكتوب بطريقة غريبة*. فجأة قفزت في رأس مراد فكرة, أخذ يقلب بين الأوراق التي أمامه بلهفة شديدة قالت مريم باهتمام : * في إيه يا مراد, إكتشفت حاجة ؟*, أخرج مراد إحدى الورقات ونظر إليها لتتسع ابتسامته لتملأ وجهه كله, نظر مراد إلى مريم قائلاً بسعادة وثقة : * لا بابايا ولا باباكي اللي قتل, مراته اللي قتلته*. قالت مريم وهي تعاود النظر إلى الصورة : *كان عايز يكتب "خيريه" مش "خيري", بس مات قبل ما يكملها, ملحقش يكتب الحرف الأخير!

حينها اتصل مراد بعمه سباعي, وعلم منه أن خيرية ماتت منذ فترة.
تم زفاف طارق ومي في قاعتين منفصلتين, حضر الجميع داعيين لهما بالبركة, وأن يجمع الله بينهما بالخير. عندما عادوا من الحفلة, جلس مراد ومريم على مقعد في الحديقة يتحادثان, رن هاتف مراد فأخرجه قائلاً لمريم: ثواني أرد على المكالمة دي لأنها مهمة , تحدث قليلاً بجوارها ثم قام أثناء الكلام ووقف مبتعداً عنها ببضعة أمتار, وأخذ يتحدث في الهاتف ومريم تنظر إليه بحنان. كانت تشعر بسعادة غامرة لأنهما استطاعا التغلب على كل العقبات التي واجهتهم, وأخيراً أصبحاً معاً كزوج وزوجة, كحبيب وحبيبة. نظرت إلى مراد لتلمح شيئاً غريباً على قميصه الأبيض, نقطة حمراء صغيرة تتحرك بسرعة على قميصه وعلى بنطاله إلى أن توقفت فوق قلبه, شعرت وكأن قلبها انخلع من صدرها بقوة, نظرت بلهفة فوق البناية المجاورة للفيلا, فرأت في ضوء القمر رجلاً على السطح يوجه بندقية في اتجاههم, نظرت مرة أخرى في لهفة إلى مراد الذي يتحدث وإلى النقطة الحمراء المثبته فوق قلبه, فكرة واحدة هي التي سيطرت عليها في تلك اللحظة, لا يمكن أن تخسره, لا يمكن أن تخسر مراد, لم تفكر, لم تشعر, لم تحسب, ولم تنتظر, فقط انطلقت كالسهم لتلف ذراعيها حول عنقه وتلقي نفسها في حضنه, وأغمضت عينيها قبل أن تشعر بألم حارق في ظهرها وبرجّة عنيفة في جسدها .
صرخ مراد على رجلي أمن الفيلا, فجاءا وأطلق أحدهم الرصاص على الرجل الذي أطلق الرصاصة على مريم, وذهب الآخر لملاحقته. حمل مراد مريم إلى المستشفى, وفوراً تم إدخالها إلى غرفة العمليات. بعد ساعات قال الطبيب لمراد : *متقلقش, المدام بخير, شلنا الرصاصة وهتبقى كويسة إن شاء الله, هي كانت حامل بس فقدت الجنين*. أغمض مراد عينيه لحظة ثم فتحها وقال : *إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا ًمنها*, ثم نظر إلى الطبيب وقال بصدق شديد : *مش مهم أي حاجة, المهم هي تبقى كويسة*. خرج مراد وعاد إلى البيت مسرعاً. أخبره أحد أفراد الأمن أنهم تمكنوا من القبض على مُطلق النار, واقتادوه إلى قسم الشرطة بعدما طلب أهل البيت الشرطة وأبلغوهم بما حدث.

حضر عبد الرحمن وزوجته وعثمان للإطمئنان على مريم بعدما علموا بما حدث لها, وأمضوا اليوم معها إلى أن اطمئنوا على صحتها, ثم تركوها في رعاية مراد, وتابعوها بالمكالمات من حين لآخر. قال عبدالرحمن للضابط: *إحنا جينا نعرف منك يا حضرة الضابط اللي حوصل عشان نبجى على علم*, ثم قال سباعي: *وعشان كمان نجفل بجه على الصفحة دي*, قال الضابط لهما : حسن المنفلوطي, إتقبض عليه بأكتر من تهمة وأولهم تهمة قتل ياسين عبد الرحمن السمري, أو بمعنى أصح المشاركة في قتله بالتحريض, حسن بعت واحد من رجالته عشان يحرق الشحنة اللي كانت طالعة تبع المناقصة اللي رسيت عليكوا يا حاج عبد الرحمن, عشان يوقع العيلتين في بعض وتفتكروا أن جمال أو أي حد من عيلة الهواري هو اللي حرق الشحنة, والعيلتين تقع في بعض, ولما اتضرب النار على مراد خيري ومريم خيري, كان المقصود طبعا مراد لأنه إبن خيري الهواري, لأن حسن عرف أن خيري الهواري مات وملوش إلا إبن واحد عايش, فحب ينتقم منه ويقتله لأنه كان فاكر أن خيري من الإتنين هو اللي قتل إبنه*. قال سباعي بحماس: *الأتنين خيري محدش فيهم جتل, اللي جتل هيّ مرته الله يحرق جبرها, هي اللي جتلته وهو كان بيكتب إسمها مش إسم خيري*. أكمل الضابط: *وكمان أن حسن المنفلوطي بعت رجّاله يطعنوا عثمان إبنك, بردة لنفس السبب, عشان العيلتين يقعوا في بعض *.

قال لها مراد في أحد الأيام: *أكيد كنتي بتتمني تتجوزي راجل عادي, عمرك ما تخيلتي إنك تتجوزي واحد معاق*. قالت له مريم بحنان: *أنت اللي حاسس بالنقص مش أنا يا مراد. في مكان لازم نروحه سوا*. أخذته مريم لزيارة بيت رعاية الأيتام المعاقين. دخل مراد البيت وشاهد أحد الأطفال لديه كف واحد فقط والآخر مبتور, وهذا طفل لديه ذراع مبتور, وآخر لديه جزء من قدمه مبتور. توقفا عند طفل بدون ذراعان, تحدثا معه لوهلة وعرفا أن اسمه محمد.  خرج مراد مع مريم من الدار وفتحت باب السيارة لتركب, لكنه أوقفها وأغلق الباب وقبّل يدها ورأسها ونظر إليها يحتويها بعينيه, إبتسمت مريم له دون أن تتحدث فتحدث هو قائلاً : *الحمد لله*, قالت مريم: *من قلبك ؟* إبتسم قائلاً : *من قلبي*, قالت وهي تنظر إليه بحب : *ماشي يا أبو محمد*.

غاص في بحر عينيها قائلاً بتأثر: *مش عارف من غيرك كانت هتبقى حياتي عاملة إزاي, إنتي غيرتيني يا مريم, خلتيني مراد تاني, بس أوعي تهمليني في يوم من الأيام لأني دايماً هفضل محتاجلك جمبي, إيدك في إيدي*. إبتسم لها وتطلع إليها في حنان, بحثت مريم في عينيه عن القلق والخوف والحزن والألم لكنها لم تجد لهم أثراً .. لم تجد إلا الحــب .. الحــب فقط.

                                 النهاية ..      







إرسال تعليق