السبت، 16 ديسمبر 2017






تلخيص رواية
الشيطان امرأة: هاندي التايلي
إعداد وإشراف: رجاء حمدان


أكتوبر 2003 .. قد كان يوماً مأساوياً بكل وضوح. لأول مرة في حياتها, تشتاق آشلي للقهوة التركية فور استيقاظها. إلا أن تلك القهوة فارت وأحدثت فوضى بالموقد- أول وقائع سوء الحظ باليوم- ثم تمزق بنطالها المفضل. وأخيراً اصطدمت سيارتها بشاحنة قمامة. شعرت آشلي في طريقها إلى الورشة أن المدينة قد ازدادت كآبة واغبراراً. وعندما وصلت إلى ورشة تصليح السيارات أحست آشلي بارتفاعٍ في ضغط دمها. تسارعت دقات قلبها وأغرقت الآلاف من الذكريات الحمقاء المشتتة عقلها. ونظرت ذاهلة إلى الرجل الذي قام من مجلسه كي يسلم عليها. سألها عمر عن حالها, وقال إنه قدم ليسلم على صديقه "مليح" هنا. وحين همّت آشلي بالخروج قال عمر لصديقه مليح: هذه المرأة صديقة, إعتني بسيارتها جيداً! أصابت طريقة نطق عمر لكلمة "صديقة" قلب آشلي كالسهم, وشعرت برغبة عارمة في صفعه بحقيبتها, ولكن  حين عرض عليها توصيلها لعملها لم تمانع ..


خلال سبع سنوات طوال, لم تذكر إسم عمر أبداً, ولا سمحت لأحد بذكره, ولم تتحدث عنه إطلاقاً. نظرت آشلي إليه قليلاً, لقد تحول شعره إلى اللون الرمادي, ولكن رغم السنين التي انقضت, بدا جسمه متناسقاً. قال عمر لها: في الواقع تبدين أفضل من الماضي. فردت آشلي بحسم : دعك من هذا, أنا امرأة ناضجة أبلغ ثلاثة وثلاثين عاماً. كانت تعلم حقيقة أنها تبدو رائعة, وهذا بحد ذاته  جعلها  تشعر بالنصر. سأل عمر: أما تزالين غاضبة مني؟ قالت: بعد كل تلك السنوات؟ لقد مر زمن طويل.  توقفت أل بي إم. دبليو بجانب الرصيف, لوّحت آشلي لعمر مبتهجة, وخطت نحو مقر عملها, وحينئذ فقط تركت الدموع تسيل على وجهها ..

عندما وصلتْ إلى عملها, أبلغتها السكرتيرة أن المدير "علي كريم" يطلبها إلى مكتبه. لم يكن إعجاب علي كريم بآشلي سراً رغم كونه متزوجاً. فجميع من في الشركة يلاحظون نظراته لها, وبالتأكيد كل محاولاته للتقرب منها باءت بالفشل. وعندما دلفت إلى مكتبه سألها عن حالها وعن الحادث الذي جرى لها، ومن ثم حاول أن يستغل الفرصة ويظهر اهتماماً أكثر فطلب لها سيارة ، شكرته وكانت متلهفة للخروج من مكتبه بأسرع ما يمكن.

وعندما وصلت إلى بيتها, ألقت بنفسها على المقعد الأبيض, ونزفت جراحها القديمة وكأنها مجروحة جسدياً. ظنت أنه لو مرت ألف سنة, ستظل غير جاهزة لمواجهة عمر. رنّ الهاتف, وكانت صديقتها نالان، فقد أخبرتها آشلي بما حدث معها, وأنها رأت عمر, وأخبرتها أيضاً أنها عرفت من عمر أن صديقتها الأخرى زيرين تتحدث إليه, وتخبره الكثير عنها. فقالت نالان : إن  تلك الثرثارة, هذه المرأة لم تعرف أبداً كيف تبقي فمها مغلقاً !  لم تشأ آشلي أن يحوم حول حياتها ولو أقل طيف ممكن لعمر، فهى لا تريد أن تسلب  ذكراه منها راحة بالها. قدمت صديقتها نالان إلى بيت آشلي كي تفهم القصة منها كاملة, فقالت آشلي : مدير ورشة التصليح صديقه, ومر عمر ليتناول كوباً من الشاي معه, وظهرتُ أنا في هذه اللحظة, تبادلنا التحية ثم  أوصلني إلى مكتبي, وأجرينا حديثاً صغيراً في الطريق, هذا كل شيء ! ولكن عمر يعرف الكثير عني, علمت أنه تحدث إلى زيرين فقالت نالان : لا أعتقد أنهم تقابلا, فلو رأتْ زيرين عمر في حلم لتحدثت عن الأمر لأسبوع !

ابريل 1995 .. إستيقظتْ آشلي مع أشعة الشمس المشرقة وتغريد العصافير, وبمجرد أن فتحت عينيها اعتصر قلبها ألم حاد, ففي الحال تذكرتْ جوليد وحضنها الدافيء, أما الآن فجوليد لم تعد هنا. كانت جوليد خالة آشلي. فعندما توفي والدا آشلي أخذتها جوليد تحت جناحها, وكانت الأم والأب لها, والظهر الذي تستند عليه. وفجأة انتشلها صوت شاب من ذكرياتها, إلتفتتْ إليه وابتسمت, إحتضنها وقال : رجاءاً لا تبكين. زادت هذه الجملة من شدة بكاءها. كان هذا الرجل نعمة مرسلة لها من السماء, ليس لوسامته أو ثراءه, ولكن لشعورها في القرب منه بغلاف من الدفء والسلام, وهو شيء لم تعتاده. كانت تسميه القنفذ لشعره الحليق, وفجأة قال لها : هل تتزوجيني ؟ فهربتْ من آشلي الكلمات, وفهمت آشلي ما يعنيه, فبعد وفاة جوليد أصبحت وحيدة تماماً, كما أنه لم يعد لديها المال الكافي لسداد ما عليها للإستمرار في حياتها الطبيعية. ففي الثالثة والعشرين من عمرها أصبحت آشلي بمفردها تماماً, غير مسؤولة عن أحد. وبالرغم من أن زواجها من القنفذ بدا كأكثر الحلول منطقية, إلا أن الحلول المنطقية ليست بالضرورة هي الأفضل, قالت لنفسها : هناك حل وحيد لحل تلك المعضلة المالية, أن تبيع سيارتها, ولكنها تكره مجرد الفكرة, فهي تحب تلك السيارة.

وعندما قدم القنفذ, بعد ساعتين من رحيله, قالت له : سأقابل عرضك بعرض آخر, يمكنني العيش معك في منزلك, ولكن دون زواج, على الأقل حتى أنهي دراستي, أي قرابة العام. فقال : كنت أظن أن النساء تتقاتل من أجل الزواج مني, إذن سوف تنتقلين إلى منزلي؟ فقالت : يمكنني تنظيف المنزل والطهي ... ثم قبّلته آشلي, فقد كانت تحب ذلك الرجل. أغلقت عينيها وتمنتْ أن يدوم ما بينهما - أياً ما كان- للأبد .
مرت عشرة أيام على وفاة جوليد, وكانت آشلي تستعد للإنتقال إلى بيت القنفذ. كانت زيرين قد أخبرتها أنه من الغباء عدم الزواج منه فوراً. في اليوم التالي استيقظت مساءاً على طنين جرس الباب المُلحّ, عندما فتحت الباب قالت آشلي: إن كنت تبحث عن جوليد فأنت تعلم أنها توفيت ! كانت خصلة عائلتها الإستيقاظ بمزاج سيء. إعتادت هي وجوليد تجنب بعضهم في الصباح, فقال الرجل : مرحباً ! كانت رائحة الكحول تنبعث منه, وفجأة شعرت آشلي بالإشفاق عليه, وندمت على تعليقها القاسي, فابتسمت له وفتحت الباب لعشيق خالتها الأخير. بالرغم من مجيئه لهذه الشقة كثيراً من قبل, إلا أن آشلي شعرت بأنه غريب. إعتاد ثلاثتهم آشلي وجوليد وعمر الجلوس والدردشة, ولكن الآن بعد أن رحلت جوليد أصبح وجوده ثقيلاً على آشلي. دخل إلى غرفة المعيشة وبدأ بالعزف على البيانو. توقف بعد فترة عن العزف وأغلق غطاء البيانو, وثبت عينيه على آشلي. أربكتها نظراته رغم الظلام, أدركت وقتها فضولها تجاهه. ماذا يحدث؟ قفزتْ من مكانها لتشعل الأضواء, فسمعت صوته الدافيء : لا تفعلي. وقف الرجل واقترب منها, حتى صارا قريبين جداً. أرادت الإبتعاد لكنها لم تقو, لقد فُتنت به !! تسابقت دقات قلبها. لم تره كرجل جذاب من قبل. سيطر عليها إحساس غير معتاد, فاستسلمت لعاطفة أقوى من الخجل, وتمتمت إسمه بلهفة : عمر ..

 الصباح والذنب, جمعاً سيئاً, ففي الصباح تتواجه مع خطيئة الليلة الماضية وتحاسب نفسك فيأتي الذنب. تمتمتْ بحسرة : سامحيني يا جوليد.  إشتعل إحساسها بالذنب, وتساءلت ترى كيف ستؤثر تلك الواقعة على علاقتها مع القنفذ ؟ سيؤلمه الأمر بلا شك. تمنت ألا ترى عمر مرة أخرى, في هذه اللحظة كان على رأس قائمة الأشخاص المكروهين لديها. شعرت باختناق, ورغبات عارمة تشتعل في صدرها. لا بد أن تكون نصف مختلة لتخون القنفذ مع تاجر سيارات مغرور, لعنتْ نفسها .

وجدت آشلي نفسها تفكر في جوليد وعمر, كان بينهم فارق خمسة عشر عام, وكانت جوليد في الخمسينيات, بالإضافة إلا أنه من غير المعتاد أن تكون المرأة أكبر من الرجل. كانت آشلي في طريقها لمقابلة القنفذ, وكان في مزاج جيد. عندما أحاطها بذراعه وقبّل رقبتها ارتعشت. ستحب أن تعترف له بكل شيء وتتوسل إليه أن يسامحها, وفجأة شعرت أنها مُستفزة. كانت تحاول اختلاق عراك مع القنفذ بلا سبب, وبلا خجل. كانت تلك العلاقة الليلة الماضية قد هزت ثقتها في نفسها, وثقتها في العالم برمته. تمنت أن شيئاً لم يتغير, أن تعود إليها ثقتها بنفسها وفي العالم من حولها مجدداً. حينها طلبت من القنفذ العودة إلى منزلها. وفي البيت كانت تنتظرها صديقتها نالان, وكانت هناك رسالة صوتية من عمر على هاتف منزلها يقول فيها : مرحباً, أعتقد أن علينا التحدث بشأن الليلة الماضية. أرجو أن تقومي بالإتصال بي, هذا هو رقمي ... حينها قال القنفذ : من هذا ؟! وماذا حدث الليلة الماضية ؟ فقالت آشلي: هذا عمر, لقد مرّ علي البارحة. كان سكراناً وتحدث بطريقة سيئة عن جوليد فتعاركنا. نظرتْ آشلي إلى صديقتها, بدت غير مقتنعة, على عكس القنفذ .

يا لغرابة الإنسان! فرغم ما كان لدى آشلي من مشكلات وصعوبات, هاهي على وشك افتعال أزمة جديدة عن عمد. لم تكن أبداً من مدمني المخاطر, ومع ذلك فكل ما تريده الآن هو الإتصال بعمر. لِمَ؟ لا تعلم. ربما هي تبحث عن المشاكل بالفعل. فقال لها عمر: من الجيد أنكِ اتصلت, أعلم أنك تمرين بأوقات عصيبة بالفعل, فأردت الإعتذار على تشتيت ذهنك. هناك شيء آخر, لدي بعض كتب جوليد, أيمكنني المرور الليلة لإعادتهم ؟ فقالت له : بالتأكيد, وأغلقت الخط. ليست تلك هي الكلمات التي انتظرتها آشلي, شعرت بالخجل من انفعالها. إتضح أن ذلك الرجل أكثر عقلانية منها, أدرك أن ما قاما به مجرد سخافة وهاهو يخبرها بلطف أنه يجب دفن الأمر في الماضي. وقبل الساعة الثامنة مساءاً بقليل كان عمر قد وصل إلى بيتها, فقال لها: ماذا حدث للمكان ؟ هناك أثاث أقل, فقالت : سأنتقل إلى منزل القنفذ. وقف عمر واقترب منها, وداعب الخصلات التي سقطت على كتفها. أرادت آشلي قول شيء أي شيء ولكن صوتها تخلى عنها.
وفي الصباح كان عمر يحتضنها ورأسه مدفون بين شعرها المتناثر. قررت آشلي أنها سوف تنفصل عن القنفذ اليوم, أخذت الأمور مجرى لاعقلاني, ولا يمكنها العودة للقنفذ  بعد الآن حتى لو خرج عمر من حياتها. ليس بإمكانها العودة لحياتها القديمة كأن شيئاً لم يكن. وعندما استيقظ عمر دندن نغمة سريعة بينما يرتدي ملابسه, ربت على رأسها سريعاً مثل الأطفال, ثم قال وداعاً ورحل, دون توضيح إن كان سيتصل. بعد دقائق قليلة, دق جرس الباب. تسارعت دقات قلبها, لقد عاد ! قامت وفتحت الباب, وفجأة تلقت ضربة بعنف على وجهها, فسقطت على الأرض. سال الدم من أنفها, حاولت القيام ولكن قام أحد بالإمساك بشعرها والقاءها على الأرض ثم بدأ يركلها بعنف. سمعت صوته يقول: حقيرة.. حقيرة.. عليك اللعنة. كان صوت القنفذ, كان يتألم بلا شك, تعلم أنه خطأها, ولكنها على غير المتوقع, لم تشعر بالذنب على الإطلاق.

أذهل آشلي أن ما يشغل بالها الآن, رغم الوضع العصيب, هو عمر, لم تكن تفكر في خسارة القنفذ إلى الأبد أو إلى أين ستنتقل! لم تفكر سوى به.. بعمر ! أصبحتُ مثيرة للشفقة, حدّثت نفسها. إذاً, فهكذا يدمر الناس حيواتهم, يدخل شخصاً ما إلى حياتك, فيفقد كل ما كنت تعتبره ضروري وأساسي قيمته. ويفقد كل شيء معناه, وتبدأ تعيد بناء حياتك حول ذلك الشخص. قالت لنفسها سيحين الوقت حيث لا ترتجف عند التفكير بعمر, مثل ما حدث مع القنفذ. جعلها ذلك تشعر بالقوة والحساسية في آن واحد.
تم أخذ آشلي إلى المستشفى من قبل حارس العمارة وزوجته, وتمت خياطة جرح عظمة الخد بستة غرز, وأصر الأطباء على أن تقضي الليلة في المستشفى من باب الإحتياط. لم يكن أنفها مكسور وإن كانت إصابته شديدة. وصلت صديقتها إيلا للإطمئنان عليها, سألت إيلا : ماذا حدث ؟ فقالت آشلي وقد كان ألمها منعها من اختلاق قصة : خنت القنفذ مع عمر. قالت إيلا : لا أرى أغرب من عائلتكم, تجيدون تعقيد الأمور, يجب أن أغضب منك ولكنني لست غاضبة, أنت ابنة أخت جوليد, ولكني سأسألك عما تنوينه الآن ؟ بالتأكيد لن تستمري في علاقتك بذلك الرجل المتزوج .. فاتسعت عينا آشلي وقالت : عمر متزوج ؟! آه إنني أتألم بشدة يا إيلا ! .

ملأ الزوار غرفة المستشفى, هكذا هي غرف المستشفى التي لا يطوف حولها شبح الموت, تتمتع بنوع خاص من التجمعات. تأملت آشلي الجمع غير التقليدي من الزوار في غرفتها, أربعة أصدقاء إثنين من الجيران وصديقة خالتها. بدأ الحزن يتسلل إلى نفسها, تمنت من أعماقها أن يأتي عمر, كلما نقر أحدهم الباب يضطرب قلبها. رغم خيبة الأمل المتكررة إلا أن مجرد الإنتظار يسعدها. كل ما يحتاجه الحب هو القليل من الأمل, طالما بقي الأمل, يمكنك الإنتظار للأبد, ولكن عمر لم يظهر .

سألت زيرين آشلي بعدما علمت بقصتها مع عمر, وخيانتها للقنفذ : ماذا ستفعلين بشأن السكن ؟ فقالت : سأبقى هنا في منزلي, وجدتْ إيلا مشتري لللوحات وسأبيع البيانو, فقالت زيرين : لم أكن لأبيعه لو كنت مكانك, إنه تذكار من جوليد, فقالت آشلي : تأكدي بأنني سأبيع ملابسها الداخلية إن كانت تساوي بعض المال, ألا تفهمين ؟ عندما يجوع البشر يأكلون بعضهم البعض, أنا مفلسة ووحيدة ولست شجاعة كفاية لأعيش في زقاق من أجل الحفاظ على ذكرياتي.

وجدت نفسها تحدق بالهاتف. أرادت الإتصال بعمر والإنفجار به,  لكنها لم تتصل به بالطبع. وبعد فترة وبينما كانت عائدة إلى البيت, وجدت ظرفاً معلقاً على باب البيت, قرأت ما به : أفكر فيك كل دقيقة, أرجو منك الإتصال بي .. عمر. لم تعرف ماذا تفعل, إحتارت بين القفز فرحاً أو البقاء هادئة بلامبالاة. غريبة هي الحياة, تتحول من عبء ضخم إلى جرعة صادمة من البهجة في أقل من دقيقة. هو الحب, صنارة الشيطان, يسحبك إلى حيث لاعودة, ويجعلكِ تُقدمين على تصرفات متهورة. فبمجرد اصطيادك بتلك الصنارة لا يستطيع شيء إنقاذك, لا كبرياءك ولا العقل ولا الأخلاقيات. في الصباح رفعت سماعة الهاتف واتصلت بعمر. كان سماع صوته كالمعجزة, ولكن المعجزة الحقيقية هي استشعارها تلك الرعشة في صوته. وحدث كل شيء سريعاً. وصل عمر قبل مرور ساعة, واحتضنا بعضهما طويلاً وأخبرها أنه يحبها بحق. في المساء, بينما كانت تستلقي في حضنه, إستجمعت شجاعتها وسألته : أنت متزوج ؟ هل كانت جوليد تعلم ؟ فقال : نعم متزوج, وكانت جوليد تعلم ذلك, إنني متزوج من داليا ! قفزت آشلي من مكانها, فكانت داليا الطالبة المفضلة لدى جوليد. لأول مرة تشعر آشلي بالخزي من خالتها, فداليا كانت كإبنة لها, تجلس معها أمام البيانو لساعات دون ملل أو إرهاق .

لم تهتم آشلي حقيقة خلال الأشهر الأولى أن عمر متزوج. كان عمر واقعاً في غرامها, يتقابلان يومياً. لم يبد عليه توتر الرجل المتزوج الذي يقابل عشيقته. كانت آشلي متاكدة أنها ستفقد اهتمامها به إذا بدا عليه أقل علامة من التوتر. لم تستغرق طويلاً كي تنال جرحها الأول, حين خرجت للتمتع مع صديقاتها نالان وزيرين عندما صرخت نالان : آشلي لا تنظري, إن عمر قادم نحونا مع زوجته. تفحصت آشلي الجمع المتحرك تجاههم حتى وجدتهما, يمشيان يداً بيد بأريحية زوجين ينتميان لبعضهم البعض. وبعد لحظات التقت أعينها بأعين عمر, ولكنه أكمل طريقه دونما انزعاج. وبدأت الرومانسية تتلاشى بينهما, أحيانا ينفصلان لوقت قصير فتقاوم هي حتى يطرق عمر بابها دائماً .... بنهاية العام الأول أصبحت علاقتهما مثيرة للشفقة, ولكنها كانت تؤمن بأنه سينفصل عن داليا عاجلاً أو آجلاً, هي متأكدة من ذلك. كانت وما زالت تؤمن بنهايات الروايات الخيالية .
أحبا بعضهما بجنون ولكنه صراع مميت. ينتقلا من بؤس عميق إلى سعادة مفرطة ثم يعودان للحزن وهكذا. عامان مليئان بالصراخ, الجدال, الغيرة, الدموع, صفع الأبواب, إنهاء المكالمات بغضب, التوسل, ألإنفصال, العودة, وليال بلا نوم. في هذه الأثناء تخرجت آشلي من الجامعة وحصلت على وظيفة ذات دخل متوسط في قسم التسويق في شركة أجنبية. سألت زيرين عمر مرة : متى ستنفصل عن زوجتك وتتزوج من آشلي؟ جاء رد عمر مباغتاً: أنا لا أفكر في الإنفصال, أحب زوجتي وآشلي تعلم ذلك. في الواقع لم تكن آشلي تعلم, كيف تعلم إن لم يخبرها؟ حينها أدركت آشلي لِمَ لمْ تجرؤ أبداً على توجيه ذلك السؤال لعمر, كانت تخشى سماع هذه الإجابة. يمكنك تجاهل الحقيقة طالما لم تُنطق, لكن ما أن تسمعها حتى تعجز عن الهرب منها. وحينها واجهته وقالت : كل ما تمنيته هو أن تريدني بقدر ما أردتك. ولم تره مجدداً. وانتقلت في اليوم التالي إلى منزلها الجديد, وإلى عمل جديد.

لم يعلم أحد بأمر استقالتها من عملها وانتقالها, حتى نالان وزيرين وإيلا, فقد خشيت أن تخبر إحداهن عمر. الشخص الوحيد الذي اتصلت عليه آشلي هو صديقها ليفينت, طلبت منه البحث عن عمل جديد لها. وبالفعل بدأت آشلي بالعمل كنادلة في ملهى ليلي إلى أن تجد الوظيفة الملائمة. عملت في الملهى الليلي لأربعة أشهر, وعمر لا يزال ثابت في ركن من عقلها. وبعد مرور الأربعة أشهر وجدت وظيفة أخرى في شركة أجنبية. وفي هذه الأثناء بدأت تواعد ليفينت, ولكنها لم تقع في حبه, كان يذكّرها بقنفذها. ظلّا على علاقة لعام كامل ثم انفصلا بودٍ وبقيا أصدقاء . كم من السهل الإنفصال بشكل حضاري عن شخص لم تحبه ؟ وحصلت بعده على عدة أحباء, ولكن لا أحد كعمر !! تجنبت سماع أخباره, لم تذهب إلى أي مكان كانت قد اعتادت الذهاب إليه معه. لكن بعد أربع سنوات, علمت آشلي من زيرين أن عمر انفصل عن داليا, ولديه حبيبة, وينوي الزواج منها! عصفت الفوضى بحياتها لأسابيع بعد سماعها الخبر. ثم تدريجياً, وببطء شديد, قل البكاء والنحيب وبدأت تتقبل الوضع, واستأنفت حياتها .

في فبراير 2001 , إنتقلتْ إلى منزل راق, واستبدلتْ في العام التالي سيارتها القديمة بفورد فوكس. أصبح الآن لديها دخلاً جيداً وحياة جديدة, بالطبع ظل لديها الشعور بأن حياتها تفتقد شيئاً ما, ولكن ألا يساور هذا الشعور الجميع ؟

اكتوبر 2003, أخلّت مصادفة عمر بتوازن حياة آشلي من جديد. وفي أثناء عملها, ظهر الفضول على وجه السكرتيرة النحيفة وهي تخبر آشلي: وصل السيد عمر, ينتظر في مكتبك. كانت أدوات التجميل التي تركتها في المكتب أول ما خطر ببالها, ليت الهروب كان ممكناً. إستسلمت أخيراً لقدرها وذهبت لمكتبها ورأته. بدا وسيماً كعادته, فقالت له : عذراً, وما سبب هذه الزيارة ؟ دققت فيه لعلها تجد غلطة تريحها, ولكنه لسوء الحظ لا تشوبه شائبة, فقال : أردت أن أخبرك بخروج سيارتك من الورشة غداً, ثم قام واقترب منها قائلاً : تساءلت عنك لأعوام, أنا مدين لك باعتذار, إسمحي لي بدعوتك على العشاء, رجاءاً ..ماذا عن مسا غد؟ قالت: حسناً. هل وافقت ؟ لماذا ؟ أليس هناك رابطاً بين العقل والفم ؟!

عندما التقت آشلي بزيرين سألتها آشلي عن عمر. أقسمت لها زيرين أنها عندما صادفت عمر منذ شهور دردشت معه لخمس دقائق فقط, وتبادلا حديثاً صغيراً, وذكرا آشلي لفترة قصيرة فقط. تدرك آشلي أنها كذبة كبيرة, لم تكن زيرين لتقاوم رغبتها في النميمة مراعاة لشعور الآخرين.كانت آشلي متأكدة من نقل زيرين لأخبارها إلى عمر .
أزعجت الكوابيس آشلي طوال الليل, كانت شديدة التوتر لخوفها من لقاء عمر في اليوم التالي. واضطرب قلبها, لِمَ قبلتْ دعوته بتلك الحماقة ؟ تمنّت ألا تنجذب مشاعرها لعمر. وأخذت تقوم باختيار الفستان الملائم لهذه الأمسية .

في الصباح وعندما استيقظت, دعت سينان ,صديقها الجديد, إلى الفطور في بيتها. كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها سينان نهاراً, بدا حقيقياً, جسده متناسق ومظهره أنيق, كلما تفحصته كلما ازداد وسامة. وبعد الفطور أدركت آشلي أنها لم تفكر في عمر لساعات, يا لها من معجزة ! فاجأها سينان قائلاً : هل تتعجلين الزواج ؟ فاتسعت عيناها قائلة : ماذا ؟ لم تقول ذلك ؟ فقال : لأنكِ تعلقين زهرة قرنفل في قلادتك, فحيث نشأتُ, تعتاد الفتيات في سن الزواج ارتداء قلادات ذات زهور قرنفل حقيقية, وأعتقد أن الأمر متعلق بالهرمونات والعطور. وبينما كان سينان يتحدث تملكت منها رغبة عارمة تجاهه, شعرت ببارقة أمل, أمل في حب جديد. حاولت التعلق بهذا الشعور الجديد ليحميها من عمر, فالحب الجديد وحده يستطيع محو آثار سابقة .

دخلت آشلي المطعم في طمأنينة, لم ترتعش قدماها أو يشتد ضخ الدماء إلى رأسها. كل ما تريده هو تجربة شعور اللامبالاة تجاه عمر, ثم ستترك المكان وتبدأ حياة جديدة مع سينان. كان عمر هو أول من وقعت عليه عيناها فور دخولها للمطعم. لوحت له آشلي واقتربت تتبختر مرفوعة الرأس. قال لها : خشيت اختلاقك للأعذار للتهرب مني, فقالت : لِمَ أفعل ذلك؟ ها أنا هنا أتناول العشاء مع صديق قديم, أو دعني أعيد صياغة الجملة أنا هنا لأتحدى صديق قديم. مال عمر نحوها وهمس : في هذه الحالة دعيني أنصحك, إذا أردتِ تحدي رجل فلا تخشي النظر إلى عينيه. رفعت آشلي نظرها عن صحنها الفارغ وقابلت عينيه الجامدتين .

تبادلا الحديث عن زواجه الجديد, فقال عمر : إستمر زواجي ثلاثة أشهر فقط . ثلاثة أشهر ! لقد استمر نحيب آشلي نصف عام عندما علمت بالأمر. كان ينظر إليها كأنه يراها لأول مرة. قال لها : لم أنس وجهك أبداً, ولا حتى لثوان. شعرت آشلي في هذه اللحظة بأول دموعها تناسب على وجهها. ملايين من الأقوال حلت بذهنها لكن فمها بقي محكم الغلق, فقال عمر : أريد العودة إليكِ, لطالما أردتك, ولكنك كنت دائمة الهرب, فقالت : أنت مخبول ! حاولت ألا ترمش حتى لا تتساقط الدموع على خدها, فقالت: لا يغريني عرضك بأن أكون زوجتك الثالثة. إقترب منها وقال: تعبت من الإنتظار, من محاولة ملأ مكانك بسواك, أعترف بحماقتي. أمسك يدها وقبلها, فسحبت يدها سريعاً ,أعلنتْ له : لدي حبيب, فقال : إذاً لماذا تبكين؟ حاولت التوقف عن البكاء لكنها عجزت أن تقول "يمكنك أن تجعلني أبكي بكلمة واحدة, ولكن ليس هناك ما يمكنك قوله لتجعلني أنسى ما فعلته بي !". قال عمر: هل تعلمين كم ليلة قضيتها في سيارتي أمام منزلك ؟ وكم الألم الذي كنت أشعر به وأنا أراكِ تعودين إلى المنزل مع رجال آخرين ؟ لم تستطع تصديق أذنيها, لم يخطر ببالها قط أنه تألم مثلها. هدأت قليلاً عندما شعرت ببعض التعادل, كل ما مرت به كان متبادلاً. ثم أكمل : تشعرين بالغضب لزواجي بأخرى. فعلت كل شيء كي أنساك, حاولت إخماد أوجاعي, لكن الحياة ليست بهذه البساطة. لم أتزوج من تلك المرأة لأني أحببتها, بل تزوجت منها - بحق الجحيم- لأنني أحبك !!

من حسن الحظ أن البوابة الحديدية لم تكن موصدة, دفعت البوابة ودخلت المبنى, أسرعت إلى الطابق الخامس, ظلت تطرق الباب كالمجنونة. كانت الساعة الثانية والنصف صباحاً لكن حالتها العقلية لم تسمح لها بالإنتباه لذلك. أدركت الليلة أن المرء بإمكانه القيام بأي فعل. فالذي تنوي القيام به بعد لحظات لم تفكر يوماً في القيام بنصفه. البشر خارجون عن القانون بطبيعتهم. فُتح باب الشقة, دفعت آشلي باب الشقة وصرخت : أقمتِ علاقة معه, مع عمر, أليس كذلك ؟ هاجمت آشلي صديقتها فأجابت نالان : وماذا في الأمر إن فعلت ؟ أرادت آشلي قتلها في تلك اللحظة, وفجأة طرق الباب, وكان اثنان من رجال الشرطة, فلقد قام الجيران بالإتصال بالشرطة بعد ما سمعوه من عنف وصراخ. جلست آشلي في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة. تم تحرير محضر وتسجيل الواقعة, وبعد نصف ساعة تركت الفتاتان المركز وكانت النفوس لا تزال مضطربة. لو علمت آشلي بأن الأمور ستأخذ هذا المجرى لاعتذرت عن موعد العشاء مع عمر. تأملت آشلي صديقتها التي تمشي في صمت, والتي تحولت إلى شخص غريب كلياً. قالت نالان : أنتِ تضخمين كل شيء, مرَّ دهر على هذا الأمر, لست فخورة بما فعلت, ولكن بعض الأمور تحدث. وبعد أن ألقت آشلي النظرات الفارغة نحوها بدأت في الضحك. لم يعد لديها أي شخص, أصبحت بلا أم ولا أب, بلا أصدقاء, أصبحت وحيدة في هذا الكوكب الأزرق الضخم.

كان قبول دعوة عمر غلطة ضخمة , يجب ألا تسمح للحياة بأخذك إلى أقاصيها. قبل هذه الليلة كانت حياتها بدأت في التحسن, وجدت حبيب جديد ومناسب لها, لِمَ البحث عن المتاعب؟ أيقنت أنها تحب عمر بلا أمل, تأملْ وجهه يُولد لديها رغبة في البكاء, استطاعت العودة إلى حبه من حيث توقفت. لا بد أنها ملعونة. أخبرته وهي تترك العشاء أنها لا تريد رؤيته مرة أخرى, يكفيها معرفة أنه لطالما أحبها وما زال يحبها لتنجو ببقية عمرها. وبعد خروجها من المطعم أرسلت رسالة اعتذار لزيرين, فمن الواضح أنها كانت مظلومة من البداية. فور استلام زيرين لرسالة آشلي إتصلت زيرين بها وقالت: دائماً ما تعطين نالان الأهمية الأكبر, لقد فاض بي, هي من أقامت علاقة مع عمر, ثم أصبح أنا الشخص غير المرغوب فيه !!

كان من المتوقع أن تحصل آشلي على ترقية خلال شهرين ولكنها لم تفعل. ضاعت مجهوداتها هباءاً. ظلت آشلي طوال الأسبوع الأول تعض أظافرها, فعندما لم تُدع إلى المؤتمر السنوي, وإلى العشاء الذي أقيم مساء المؤتمر, والذي حضره جميع زملاؤها, تأكدت شكوكها. فمن الواضح أن مديرها يحاول إظهارها كموظفة عادية عديمة القيمة أمام الشركاء الأجانب, كما يعمل على إبقاءها بعيدة. على الصعيد الآخر فقد تطورت علاقة آشلي وسينان بحذر, حافظا على مسافة الأمان بينهما, فلم يعيشا متلاصقين. لأول مرة تعرف آشلي معنى الحصول على علاقة مستقرة, فالحياة قابلة للمشاركة. لم تتشارك هي وعمر الحياة بل سرقا منها لحظات.

بطريقة مفاجأة زارتها زيرين في المنزل, قالت زيرين بصوتها العميق : نحن النساء الجميلات المذهلات, نعاني من نقص في الرجال, لا يوجد رجل جيد, ولكني أتسائل كيف تتمكنين من إيجاد هذا الكم من الرجال اللطفاء ؟ أنتِ مُرهِقة وصعبة المزاج, لا أعلم ماذا يرى الرجال فيك ؟ ! لمْ تردّ آشلي .

قال سينان: أحبك, من الواضح أنه قرر بالفعل أن آشلي تبادله نفس المشاعر. ولكن هل تحبه ؟ إنها على الأغلب تحبه, يعجبها وتجده جذاباً على الأقل. لو كان عمر لم يُصِب - كالمرض- حياتها ثانية لأحبت سينان بقدر أكبر. فسينان يناسبها من جميع الجوانب. رن هاتفها وجاءها صوت عمر: إما أن تنزلي أو أصعد أنا إليك. فنزلت إليه بينما بقي سينان في البيت بعدما أخبرته بأن حبيب خالتها ينتظرها في الأسفل. كان الجو قارس البرودة والثلج يتساقط. فدخلت سيارته وكبس عمر البنزين فجأة, فصرخت: توقف! لا أنوي التجول معك في السيارة, ولدي صحبة كما أخبرتك, من تظن نفسك, هل تتصور أنه يحق لك الظهور في حياتي بعد كل تلك السنوات ؟ بالإضافة إلى أنني علمت عن علاقتك بنالان أيها الخنزير, وبعدما أوقف السيارة قال لها : الأمر الخاص بنالان حدث مرة واحدة فقط, وأريدك أن تعلمي أنه لم يعنِ شيئاً بالنسبة لي. قالت آشلي : فلتأخذني إلى منزلي الآن. أدار عمر المحرك دون أن ينطق بكلمة أخرى.

كان المنزل صامتاً, وكان سينان نائماً. تعجبتْ من الألم الحاد الذي تشعر به, فكل ما حدث هو أن حبيبها السابق أقام علاقة مع صديقتها المفضلة, ماذا في ذلك ؟ يا لها من غبية ! وعندما استيقظ سينان عرض عليها الذهاب إلى باريس فأحبت الأمر. قال: سنذهب يوم الأربعاء ونبقى هناك ثلاثة أيام, لدي صديقين مقربين هناك إرهان وإسراء.
فكرتْ بأنه يتوجب عليها التمتع بمزاج جيد, سوف تذهب إلى باريس مع حبيبها الجديد. كانت بصحة جيدة , جميلة ونبيهة, وإذا تمكنت من التوقف عن التفكير في عمر لن يتبقى هناك ما تحتاج لتحقيقه في الحياة, ستتمتع بحياة هادئة وسعيدة ولن تنتظر نعيم منمق لتستمتع بالحياة. بعد ساعات كانت في الطائرة مع سينان.عرض عليها الزواج فقال لها : الحب حمل ثقيل وأفضل ما يمكن فعله هو قتله, والزواج هو القاتل المثالي, دعيني أتزوج منك كي أنجو. لم تستطع إبعاد عمر عن أفكارها الآن, ولم تدرك مشاعر سينان الفياضة نحوها. شعرت بالأسف تجاهه, فهو يستحق من هي أفضل من آشلي التي تظل تفكر في عمر من الفجر إلى الليل. كيف يمكن أن تتزوج سينان ؟ ثم بدأت تفكر أن سينان لا يستحق امرأة أفضل منها, فهما يتشاركان نفس الروح. فالطيب يقابل الطيب وكذلك الخبثاء يجدون بعضهم البعض. وفجأة لم تعد فكرة الزواج فكرة سيئة, نقرت على كتف سينان وقالت : فلنتزوج !

كان المطار فوضوياً. وقفت آشلي تنتظر حقائبهما بينما ذهب سينان إلى ركن بعيد ليتصل بوالدته وينقل لها الأخبار السعيدة. ولكن آشلي ارتبكت عندما فكرت في إجراءات التعارف المقبلة .

فكرت آشلي بأن هذه الرحلة كانت مفيدة لها, تنام بعمق مثل جثة, وتأكل جيداً, ويتناقص تفكيرها في عمر كل يوم, فمجرد فكرة العودة إلى اسطنبول تخنقها, تتمنى البقاء في بارس لفترة أطول,. وفجأة رن هاتفها وكان عمر, كان صوته متجمداً فقال : أردت الإطمئنان عليك, فسيارتك لم تتحرك بوصة واحدة منذ أيام. شعرت بشيء يثلج صدرها, لا تشعر بالأسف على عمر الآن, كلما تعذب كلما شعرت هي بالراحة, فقالت : أنا في باريس, ولدي أخبار عظيمة لك, سأتزوج, وبعد صمت قاتم قال عمر: بالتوفيق. وأغلق الهاتف.
وهناك في باريس تعرفت آشلي إلى أصدقاء سينان, إسراء التي أحبتها آشلي منذ الوهلة الأولى, وإرهان الرجل الممتليء الوسيم إلى حد ما. بدا كلاهما ودودان ورقيقان, وفجأة قال إرهان : آشلي, أنتِ لا تتذكريني, أليس كذلك ؟ انا صديق كيم ! وبعد التحديق به للحظات عرفته. كان صديق كيم, أو بعبارة أخرى كان صديق القنفذ. فسأل سينان : أي كيم ؟ فقال إرهان : الذي يعمل في صناعة البلاستيك, تَعرِفه, كان على مركبنا في عيد ميلاد إسراء. فقال سينان : أجل, الرجل الوسيم, الذي أوشك على الزواج من فتاة حقيرة خدعته, أتذكر القصة التي أخبرنا إياها ذلك اليوم, واتضح أن الرجل الآخر هو حبيب والدتها أو حبيب خالتها ! فقالت آشلي محاولة الإبتسام : كنت أنا هذه الحقيرة !! أصيب سينان بالدهشة, وقال : وما زلت تقابلينه, أليس كذلك ؟! فقالت: ليس بالطريقة التي تتوقعها. لست أقيم علاقة معه ولن أناقش الأمر هنا. فصرخ سينان : كلا سنناقش الأمر الآن ! نظرتْ آشلي إليه فشعرت بالحزن, بدا مذهولاً وكانت عيناه تترجاها. وكأنما يقول "رجاءاً قومي بإقناعي". فقالت : لست على علاقة به, ولكنني أحبه ! أخذت حقيبتها وتركت الفندق. وفور صعودها إلى التاكسي نظرت خلفها فرأت سينان يهرع ورائها. طلبت من التاكسي أخذها إلى فندق آخر .

ظنت آشلي لفترة أنها أحبت سينان والآن تشعر وكأنها تخلصت من عبء ثقيل ولا تعرف السبب. إتصلت بها زيرين وقالت : ما قصة الزواج ؟ إتصل عمر ليتأكد من الأمر مني, كان عليك سماع صوته, أوشك على البكاء, بدا مكتئباً. فقالت آشلي بارتياح : أتمنى أن يزداد حاله سوءاً, عرض سينان الزواج مني ووافقت, سأخبرك بالتفاصيل فور عودتي. شعرت بارتياح بعد أن اطمأنت على معاناة عمر .

بعد أيام عادت آشلي إلى بيتها, وهرعت زيرين إليها لتفهم الموضوع, فقالت لها آشلي : لن أتزوج, إنفصلنا, ولخصت لها آشلي القصة, ويبدو أن صديقتها وجدت الأمر شيقاً حيث أنها لم تعلق ولم تسأل حتى انتهاء آشلي. وقالت : يا إلهي, أعتقد أنه لا مفر من العودة إلى عمر الآن ! فقالت آشلي: أنظري إليّ, لقد دمر عمر حياتي وشوهني, لم أعد قادرة على التعلق بأحدهم, لم أعد أستطيع الحب, أقابل رجلاً لطيفاً ثم تحدث كارثة, وبالنسبة لعمر, لم يريدني أبداً, ترك زوجته من أجل امرأة أخرى ثم أقام علاقة مع صديقتي المفضلة, هل أبدو لك مغفلة كي أعطيه فرصة أخرى وأسمح له بتدميري ؟ لن أسامحه, يمكنني مسامحة نالان, ولكنني لن أسامح عمر أبداً.

مضت ساعات على رحيل زيرين وما تزال آشلي تقاوم أفكارها منذ انفردت بنفسها. شعرت وكأن خمسة نساء يتصارعن داخل رأسها. ألم يطرق بابها من سبعة أعوام قائلاً إنه مستعد للقيام بما تريد؟ ولكنه لم يحتمل الإنفصال عن زوجته !! وبعد امتلاء منفضة السجائر, شعرت آشلي برغبة في التقيؤ فخلدت إلى النوم فوراً. تقلبت كثيراً وكان نومها مضطرباً, كما واصلت تلك المرأة في رأسها الحديث بشكل متواصل .

في مكتبها كانت تشعر بتحسن. كان من حسن حظها أن لديها الكثير من العمل فلم تشعر بمرور الوقت. إتصلت بها زيرين وقالت : لقد تحدثت إلى إلى عمر, هو مهووس بك, توقعي أن يطرق بابك اليوم, لم أخبره عن انفصالك عن سينان, ولكنه أخبرني أنه سوف يأتي إليك ويتوسل إليك للتراجع عن الزواج. فقالت آشلي : فليتوسل كما يشاء لا يهمني الأمر, لا أريد أي رجل في حياتي لفترة, سوف آخذ راحة حتى أتخلص من سمومهم. أغلقت الخط وإذ بالسكرتيرة تدخل إلى المكتب, ووضعت طرداً كبيراً على مكتب آشلي. وعندما فتحت آشلي الطرد غطت فمها بيدها من الدهشة, لقد كان أمامها واحدة من اللوحات التي اضطرت لبيعها بعد وفاة جوليد عندما كانت مفلسة, كانت هذه اللوحة الأجمل والأعز على قلبها. أشعلت سيجارة وقرأت الورقة المرفقة : لقد بحثت عنها كثيراً ولكن ليس بقدر بحثي عنك!.. هذا خط عمر !!

في وقت متأخر بعد منتصف الليل, هرعت إلى غرفة النوم, إرتدتْ ملابسها وجمعت شعرها, وتركت المنزل في عجالة. سوف تذهب الآن إلى عمر, حبيبها, رجلها الوحيد, مصدر نعيمها. سوف تطرق بابه وتبقى هناك لبقية عمرها. عندما أدارت السيارة ارتعشت فرحاً, كان الطريق الساحلي مظلماً ولكنه بدا لها مضيئاً. دقائق وستشعر بدفء سرير عمر وتبدأ حياة جديدة. وصلت إلى بيته وترجلت من السيارة. كان الشارع مظلماً لكنها لم تشعر بالخوف, تسارعت دقات قلبها بحماس. وعندما رأت سيارة عمر ارتسمت ابتسامة على وجهها. أرادت احتضان السيارة. ثم فجأة رأت البولو الخضراء مصفوفة بالقرب من سيارة عمر, البولو الخاصة بنالان, تلك التي يتدلى من المرآة الخاصة بها بطة صغيرة.  عادت من الشارع الذي أتت منه, ورأسها ملقى على عنقها الضعيف كغصن مكسور. وفي تلك الليلة التي لم تسقط فيها قطرة مطر واحدة على اسطنبول, أشعلت آشلي مساحات الزجاج طوال الطريق حتى وصلت منزلها ...

                           النهاية.   





إرسال تعليق