الجمعة، 27 أكتوبر 2017





تلخيص رواية
ماجدولين ( تحت ظلال الزيزفون )
للكاتب : الفونس كار
المترجم : مصطفى لطفي المنفلوطي
إعداد وإشراف: رجاء حمدان





من ماجدولين إلى سوزان ... سواء عندى أقرأت رسالتي هذه أم قمت بتمزقيها فهو خلو من اي شيء قد يهمك العلم به أو النظر إليه. أستطيع أن اقول لك أن الغرفة التي كانت فارغة في الطابق الأعلى من منزلنا قد شغلها اليوم فتى إسمه استيفن, رجل غريب الأطوار في وحشته و صده وانعزاله عن الناس, حتى يكاد يعتقد من ينظر اليه أنه انسان  بائس أو منكوب. لم يحصل  بيني وبينه معرفة حتى اليوم وربما لا يقع شيء من ذلك فيما بعد. إن استيفن ليس بالجميل ولا الجذاب, بل على العكس تماما  إن في وجهه شيء من الخشونة والجمود ينفر نظر الناظر إليه, وبعد: اعتقد أني جعلتك تملين  يا سوزان من حديثٍ يتعلق أكثره بإنسان لا علاقة لي ولا لك معه فلا  تعبئى بكلامى هذا ولاتعتبي عليّ, فهذا كل ما تستطيع فتاة أن تملأ به صفحات رسالة لها تعيش في قريتها الصغيرة عيشاً متشابه الصور والألوان, لا فرق بين وصبحه ومسائه وليله ونهاره, وفيه الشمس لا تطلع على منظر غريب ولا تغرب عن منظر جديد . الجوهادئ ورائق, والسماء صافية وأنا أظل اذهب من مكان إلى آخر, كأنني ابحث عن شيءما , وما أبحث  إلا عن نفسي التي فقدتها ولا أزال اناديها, فإذا نال مني التعب و الجهد آويت إلى أشجار الزيزفون في الحديقة القريبة كى أستريح في ظلالها .

من إدوار إلى إستيفن .. الآن علمت أنك لا تثق بي  حق الثقة ولا تعتمد عليّ, وأنك لا زالت تنظر إلي بالعين التي تنظر بها إلى اولئك الذين فضلت  مقاطعتهم ومغاضبتهم والتبرم بهم من أفراد عائلتك, فقد كتمت عني ما كنت أرجو أن تقوله إلي من تبرم ذاتك فيما اعتزمت عليه  الامر من رحلتك كى لاأعلم ماذا تريد وما  تريد. إنك لا تكرهني يا إستيفن ولكنك لا تحب أن تراني مواجهة امامك, لأنك تعرف أن لي في الحياة رأياً يخالف رأيك, وطريقاً غير طريقك, فأنت لا تحب أن تسمع مني رأى ما قد يصدمك في تصوراتك وأحلامك, ويكدّر عليك متعتك التي تجدها في العيش في ذلك العالم الخيالي  البعيد المظلم. إن عائاتك يستغربون لأمرك كثيراً, فسافرت سرا من حيث لا يعرفون بأمرك ولا بنيّتك التي ضمرتها, ويقولون  لانفسهم إنك ما سافرت إلا لأنك قد غيرت رأيك في الزواج من تلك الفتاة التي رشحوها وأعدوها لك, وأنت تعرف ان ابيك فقير, ولقد كان لك في هذا الزواج حظ وفير من سعادة العيش و رغده .

صبيحة يوم من الأيام  نزل ستيفن فرأى مولر اب ماجدولين واقفاً على رأس بعض جداول الماء ، حيّاه بتحية فرد عليه بتحية أحسن منها, فقال له مولر : ما أجمل الشمس فى هذا اليوم وما أصفى سماءه, فأراد استيفن أن يكمل ويطول  الحديث بينه وبين مولر فلم يجد شيئاً أقرب إلى راسه من أن يسأله عن ابنته, فقال استيفن : إن ماجدولين لم  أرها تنزل اليوم كعادتها فلعلها  بخير حسنة , فقال مولر :  إنها بخير, ولكن ضيفاً من أقربائنا جاء الينا في الأمس فلم أر بداً من أن أوكِل إليها أمر الضيف , ثم جاءت ماجدولين وأرشميد يمشيان على مهل وكان منظرهما منظر عاشقين يتغازلان لا قريبين يتحدثان, فسلما على استيفن وحيوه فرد عليهما رداً عاديا بارداً, وأحس بنغصة وانقباض ووحشة وقال لنفسه : مالي ولهذا الفتى؟ وبأي حق أحمل له بين جنبي ما أحمل من الكره و البغضاء ؟ فما أنا بعاشق الفتاة فأغار منه عليها! ولا هو ند لى ومزاحمنى على حب فاكرهه لذلك ! ولم يزل يسأل روحه هذه الأسئلة  الكثيره دون أن يستطيع الإجابه عليها, فعلم أن الذي يحس به  ليس بالهذيان, ولا الجنون ولا الوسواس القهري, ولا حرارة الحمى  اللافحة كما كان يعتقد, وإنما هو الحب !!.
 سأل مولر ابنته ماجدولين أن تحضر طعاماً للعشاء حيث أنه دعا استيفن للعشاء عنده, لم يستطع  ستيفن المجيء في الوقت المحدد للعشاء حيث أنه اضطر للذهاب لوداع أخيه الذاهب للحرب فتاخر قليلا, ولكنه حضر في المساء و احتسى الشاي  الساخن مع مولر الذي أخذ يقول له عن الشاي وأنواعه, كان  ستيفن ينظر بخلسة طول الوقت إلى ماجدولين, وكانت هى بدورها تبادله النظرات. رجع استيفن إلى حجرته وقال لنفسه : أحمدك اللهم فقد حصلت على الحياة التي كنت اتمناها لنفسي, ووجدت المرأة التي كنت  أحلم بها وأصورها في مخيلتي, وما المرأة إلا  السماء التي تشرق منها شمس السعادة على هذا الكون فتضيء وتبدد ظلمته, والرسول الإلهي الذي يطالع المؤمن في وجهه جمال الله وجلاله, ففي وجه ومحيا هذه الفتاة التي وجدتها اليوم أكون قد عثرت بحياتي وسعادتي ويقيني وإيماني. ولم يزل منغمس  غائب بهذه التصورات حتى انحدر برقع الليل عن وجه ولاح الصباح فنام في سريره قليلاً. ثم قام فنزل إلى الحديقة ينتظر نزول ماجدولين الا انها لم تنزل, فلم ير بداً  الا من زيارة لمولر, فسار  إلى المنزل بقدم مترددة وقلب يخفق بشدة , وعندما وصل قال مولر : قد انشغلت عن الامر  بأني كنت ابحث في قواميس اللغة عن أصول أعلام نباتية ما زلت مهتما بأمرها الى اليوم, فهل لك أن تكون مساعدا لي عليها على شرط أن لا تغادر منزلي قبل الغداء ؟ فابتسم استيفن إبتسامة النصر والقبول, لأنه عرف أنه سيمضي وقتاً طويلاً في بيت ماجدولين وهذا ما تمناه , فقال مولر : لقد أراد الله بي خيراً إذ بعثك إليّ في هذا اليوم فقد كدت لا ارى لي في هذه الوحدة من أنيس, فإن ماجدولين سافرت منذ الصباح  الباكر لزيارة إحدى صواحبها ولا اظنها راجعة قبل المساء ! فبقي استيفن حائراً  مندهشا في مكانه حزينا وليس وراء ما به من الهم غاية .

من سوزان إلى ماجدولين .. كنا قد عقدنا العزم على أن نزورك هذا الوقت في قريتك يا ماجدولين أنا و ابي فحدث حادث منعنا من ذلك : دعانا أحد الأصدقاء لزيارته في بلدته, وهناك شاهدنا جمعاً عظيماً من الناس يتدافع بسرعه فوق الشاطيء والناس تهتف : الغريق الغريق, واذ برجل عار يترك الجمع ويبعدهم وينزلق بين الناس وألقى بجسمه في النهر يسبح كالسمكه وأنقذ الغريق. ولكنا ما كدنا نستفيق من الدهشة حتى ارعبنا منظر الغريق وكأنما جن جنونه, فاعتقد أن منقذه  يريد به شراً فأخذ يضربه, فاعتقد المخلص أنه ميت لا محالة فرفع يديه إلى السماء و نادى بإسم أظنه إيا. ماجدولين, فلم أفهم ماذا يريد ولا من هي تلك التي يريد ... ثم بعد أن أنقذه تركه  المخلص و راح يمشي وهو يتحامل على نفسه إلى مجموعة زهرات بنفسج كن على الشاطيء, فأخذ يقتطفها ويضمها الى بعض كأنما يريد أن يتخذ منها باقة ليجعل من تلك الحادثة تذكاراً .
مرت بعد ذلك أيام عدة كان فيها استيفن بين يأس الحياة ورجائها, واستقر في ذاته العزم على أن لا يهرب من وجه ماجدولين إذا شاهدها وأن يتقدم نحوها بعزم ويحييها, يحادثها وينفض بها جملة حاله. ولم يكاد أن رآها مقبلة عليه وجهاً لوجه, فلم ير طريقا للهرب من بين يديها, فحياها واستمر يحادثها ما يقارب الساعة حتى جاء وقت رجوعها الى البيت فودعته و ذهبت, فصعد إلى حجرته وقد عزم أن يراسلها و يقول لها بما عجز عن مفاتحتها فيه امامها . كتب لها كتاباً نطق فيه قلمه بما لم يستطع قوله بلسانه , ثم رآها مقبلة نحوه تحمل في يدها كتاباً فلما اقتربت قالت : أتذكر يا سيدي مكان تلك الشجيرات التي اقتطفت منها زهرات البنفسج التي أهديتها لي ؟ فارتبك قليلا لسؤالها, وقالت له: إقرأ هذه الرسالة فإن لك فيها ذكراً وأعطته رسالة سوزان فقرأها,وقالت: إنك لا تخبرني عن نفسك يا استيفن فقد عرفتك وعرفت يدك البيضاء في حادثة الغرق التى ذكرتها سوزان , ثم مدت يدها إليه و سلمت عليه , فلم يكن بين تلامس كفيهما, وخفوق قلبيهما بشدة, إلا كما يكون بين تلامس أسلاك الكهرباء وصعقهما , فقرأ استيفن في وجه ماجدولين مرارة الحب وألم الحزن, وقرأت في وجهه الدهشة و السرور و السعادة و الحب , ثم أخذ بيدها وألصقهابصدره , وكأنما هو يخبرها : إن لغة اللسان لا تكشف عما  ضمرت به بين أضالعي من العشق بك والحنين إليك, فالمَسِي بيدك قلبي لتعلمي مكنونه, ثم خر راكعاً بين يديها سائلا : هل تحبينني يا ماجدولين ؟ لم تجبه ومدت يدها مودعة قائلة : غداً في مثل هذه الساعة في هذا المكان, فمد يده إليها مندهشا لا يعلم ما يراد به. وعندما راته في اليوم الذي يليه, قال : لايوجد قوة في هذا العالم كلها تستطيع أن تكون بيني وبينك يا ماجدولين, لا تخافي من الحب يا ماجدولين, ولا تخافي من غضب الله فيه, و اعرفي أن الذي خلق الشمس و اعطاها النور, وخلق الزهور و اعطاها العطر, قد خلق القلب و أعطاه الحب, وما يبارك الله شيئاً كما يبارك القلبين المتحابين الصادقين لأنهما ما تحابا إلا تبعا لإرادته,  فاعطني يدك واقسمي بما أقسم به: أن نعيش ونحيا معاً, فإن قدر لنا أن نفترق عن بعضنا كان ذلك الفراق آخر ما لنا في الحياة فمدت إليه يدها فتقاسما وتعاهدا على ذلك .

في حجرتها  جلست ماجدولين تخيط ثوباً لها, ربما كانت تجهزه لليلة عرسها, فإذا أبوها يقف أمامها, وقال : اتعرفين يا ماجدولين لقد أرسلت جنفياف الساعة بكتاب إلى استيفن أخبره فيه بانى أمنعه من دخول منزلي بل أمنعه من البقاء في بيتي , ولا سبب لي  في ذلك إلا أنه يعشقك ! فقالت ماجدولين : إنه لا يحبني يا ابى ولكنه يحب أن يتزوج بي, فقال أبوها : وانا لا اريد ذلك , لأنه لا يصلح أن يكون زوجاً لك, إنه  فقير بائس ومنعدم. فركعت بين يديه ومدت يدها إليه متوسلة, وأخذت تسترحمه بالبكاء, فتركها و راح قائلاً : إنك اليوم تجهلين وغداً تعرفين ..
عندما وصلت الرسالة إلى استيفن مر بخاطره كل شأن وأمر إلا الشأن الذي كتب فيه, فلو أن رامياً سدد إلى فؤاده سهماً مسموما  فنفذ إليه ما بلغ منه ما بلغ هذا الكتاب. أخذ يقول ل نفسه : كذبت أيها الرجل  العجوز إنك أضعف وأوهن من أن تمد يدك إلى هذا الرباط المقدس الذى بيننا  فتقطعه, إنك اضعف من أن تنتزع شعرة من شعر رأسك البيضاء, فاجدر بك أن تعجز عن أن تنتزع روحاً عن جسدها. إن ما بيني وبين ماجدولين شيء أعظم من ان  تصل إليه يدك. ثم أخذ يبكي بكاء الطفل الصغير و ينتحب بحزن, وإذ بماجدولين واقفة أمامه وهي تقول : إني أتيتك كى أودعك يا استيفن, إنني أحببتك حباً تجمع وملئ فراغ قلبي فما يسع  لحب غيره، نزل مني بمكانة الروح من الجسد فلا ينتقل عنه, وقد عاهدتك على الزواج بين يدي الله ويدي ضميري, و لن اخون ضميري, و لن اكذب على ربي, فسافرْ يا استيفن و ابحث عن سعادتنا, وعد إليّ بعد ذلك وسأكون لك بقية حياتي ...

وفي الصباح ألقى استيفن نظرة عامة حزينة موجعة على الحديقة وعلى شجرة الزيزفون التي كان يجلس تحتها مع ماجدولين, وجدول  الماء الذي كانا يمشيان بجانبه, والمقعد الذي كان يجلس عليه في الحديقة لينتظر مجيئها. ثم ذهب استيفن إلى المزارع واتفق معه على أن ياخذه على فرسه إلى مدينة كوبلانس, ثم فارق المدينة بين شوق يقتله وأمل يحييه ...
من استيفن إلى ماجدولين .. لقد لقيت في كوبلانس والدي و عائلتي وأناس كثير من أبناء وطني, فلم يغنِ لقاؤهم عن لقائك, ولم القى  او اجد في وجوههم ذلك الأنس الذي كنت أجده فيها قبل أن اتعرف اليك. لقد أحزنني كثيراً ما تعانيه من الآلام والأحزان بسببي, ولو كُشف لك من أمر ذاتك ما كشف لي منها, لعرفتِ أنك أسعد مني بحظك, لأنك تعيشين في الاماكن التي شهدت سعادتنا و متعتنا, أما أنا فكل ما حولي مجهول غريب عني . أكتبي لي كثيراً أرجوك .
أقام والد استيفن في منزله حفلة مسائيه راقصة, وأمر ابنه أن يحضرها . لم يستطع ان يرتاح استيفن فى الحفلة فتركهم و بقي وحيدا في الحديقة. ولما ذهب الناس طلب والده إلى جماعة من أهل منزله وخاصة أصدقائه أن يظلوا فى المنزل , ففعلوا وقال لاستيفن : قد كنت دعوتك إلى مصاهرة هذه العائلة منذ سنة , وأعلمتك على مكان الخير لك في هذه الصفقة فرفضت و عصيتني, فلما عدت هذه المرة اعتقدت أنك اطعتني وفهمت معنى الحياة, ولكنك رفضت ايضا  تمرداً وعناداً  منك كأنما تعتقدا أنني باق لك العمر كله, أو خُيل لك أن هذا العالم الذي تعيش به وتعتز بمكانك منه منجم من مناجم الذهب يخرج لك ما يكفيك اليوم و يكفي من وراءك من ابنائك و عائلتك غداً, فإن أردت لنفسك الخير والسعادة فدونك الرأي الذي رأيته لك, وأنت اعرف بنفسك أو لا , فدونك الأرض الفضاء  الواسعه الذى تبغيه فاسع في الارض ما شئت, واطلب لنفسك الرزق من الوجه الذي تعرفه, فقد أصبح وجودك عندى في منزلي على حالتك هذه من قلة العمل  والفراغ عاراً عليّ وعلى عائلتك كلها. ثم التفت إلى الجمع وقال : هأنذا قد أشهدتكم عليه وبرئت إليه وإليكم وإلى الله من ذنبه, فلا عتب عليّ بعد اليوم.

فغضب استفين غضبا شديدا وقال له : نعم إنك قد أحسنت إليّ كما قلت ولكنك لم تمنحني في  أى يوم من أيامك الماضية صنوف البر عطفك ولا حنوك ولو فعلت ذلك لكان خيراً لي من كل ما اعطيتني اياه من أصناف البر والمعروف, فقد أبعدتني عنك أنا وأخي منذ وفاة أمي,  فلتعلم بانى لن أسير في طريق غير الطريق التي ترسمها يدي, ولا أبني مستقبل عيشي على أساس غير الأساس الذي اصنعه  وأضعه بنفسي. ثم تناول استيفن حقيبته الخاصة وخرج  مسرعا هائماً على وجهه يخترق أحشاء الظلمات, وسارفي طريقه يواسي نفسه بالآمال الحسان, ويرسم لمستقبل حياته ما يشاء من الخطط و الانظمة حتى وصل إلى جوتنج, البلدة التي تعلم في مدرستها, و امضى فيها أكثر أيام شبابه.

من ماجدولين إلى استيفن .. لم أستطع مراسلتك باي شيء  منذ شهرين لأني كنت مريضة, ولقد عانيت من مرضي شدة لم أر مثلها فيما مر بي من أيام حياتي, فحاولت أن ارسل اليك رسالة وداع أبثك فيها بعض شأني فلم أستطع, ثم كتبت لك رسالة أوصيت لك فيها بكل ما املك وما تملك يدي إلا كتبي ومحفظة كتاباتك, والخاتم الذي قمت بنسجه من شعرك, وذخيرة من الذهب ورثتها عن أمي وهي اعظم الأشياء عندي, وكيساً صغيراً يحتوي على بعض القطع الفضية والذهبية مما كنت أحتفظ به  من نفقاتي, ثم طويتُ الرسالة وأعطيتها لجنيفاف كى  يقوم بتوصيلها إليك بعد وفاتي !!! .
مر الشتاء واستيفن المتئمل  إلى أستاذه هومل,أستاذ الموسيقى, وأستاذه يسعى له سعي المجد المُلح فلا ينجح. كان اكثر ما يجعل استيفن يشعر بالحزن  أنه وعد ماجدولين بالسعي إلى الثروة والنجاح و القوة وملأ قلبها ثقة وأملاً في المستقبل وان فشل في ذلك فستموت ماجدولين.

من استيفن إلى ماجدولين .. قد ابتسمت لي الايام قليلاً يا ماجدولين؟ فقد اخبرني أستاذي بأنه وجد لي عملاً في بعض المدارس الصغيرة بوظيفة شهرية, الخطوة الاولى هي اصعب ما في الحياة يا ماجدولين , فلنهنأ منذ اليوم باللقاء .
جلس استيفن في غرفته نهاية يوم من أيام الآحاد, فسمع خطوات ثقيلة على السلم, وإذ بالقادم ينادي بإسمه بصوت عالياً, فابتدر الباب وفتحه وإذ بصديقه إدوار, ففرح استيفن كثيرا بمرآه وعانقه عناقاً طويلاً وقال إدوار : سأنزل يا صديقى عندك في غرفتك الصغيرة ضيفاً شهرين أو ثلاثة من الزمن, فلقد اشتدت المشاكل بيني وبين عمي حتى أصبحت لا ارى لي مكانا عنده ففارقت بيته وأقسمت ألا أرى وجهه حتى تقفل قضية الوصاية التي بيني وبينه ..

 لم يأت اليوم العشرين من الشهر حتى انتهت كل النقود التي معهما. وهكذا استمر إدوار ينغص على استيفن عيشه واستيفن لا ينبس ببنت شفة , بل لا يشعر بضيق الحال لانه كان صديقه وكفى  .. وحين انتهت الثلاثة أشهر جلس إدوار إلى صديقه في الليلة التي نوى على السفر في اليوم الذي يليها وقال له : إنني لا أنسى لك أنك وأنت في أشد حالات حزنك و ضيق حالك قد آويتني وواسيتني  عندك أياماً عديدة فقال له استيفن : إنني لم أسد إليك يداً تستحق مكافأة, ولكنك صديقي وللصداقة حقوق تتبعها وتنبعث وراءها, إنني شقي منذ ولادتي يا أدوار و احنو على الاشقياء لاني واحد منهم  ولاتوجد  صداقة في الدنيا أمتن وأقوى من صداقة الفقر و الحاجة, ولا رابطة تجمع بين القلبين المختلفين مثل رابطة البؤس و الحزن. فأخذ إدوار بيد استيفن وأقسم له بكل جوارحه  وبايمان  ثابت انه لن يرتاح في حياته حتى يراه منتصرا على دهره بالسعادة التي يتمناها ويرجوها. وفي الصباح مشى استيفن مع إدوار ليودعه ثم افترقا.
سافرت ماجدولين مع أبيها إلى كوبلانس, ونزلت كضيفة في بيت صديقتها سوزان, فأدهشها منظر القصر ووساعته وكثرة  غرفه. وكانت سوزان قد أعدت لها أنواع الأقمشة من حرير ومخمل وفرو, فخاطت لها أثوابا عدة ثوباً للرقص وآخر للملعب, وآخر للطعام وقميصاً للبيت. فرقصت وغنت و اخذت تتحدث كفتيات كوبلانس, وطابت  لها الحياة الجديدة فتضاءل في نظرها كل شيء كان في ماضيها إلا عشقها وحبها لإستيفن. وحكت ماجدولين على سوزان حكايتها مع استيفن وذكرت لها الوعد الذي أخذه كل منهما على صاحبه أن يعيش له, فقالت لها سوزان : إنك إذاً تريدين اذا ان تتركي العالم و تتغربي و تتوحدي في أحد المنازل المهجورة  الغريبه المنفردة وتقتلين فيها نفسك هماً و غما بعهدك هذا, فصمتت ماجدولين  و لم تقل شيئا .

جلست سوزان وماجدولين وإبن عمتها ألبرت وأشميد إبن عم سوزان فى مقصورة الأوبرا , كان الفتيان وسيمان متأنقان في ملبسهما و زينتهما. جلسا يقلبان النظر في وجوه الناس المتواجدين في المقاصير المماثلة لهما, فإن وجدا وجهاً جميلاً تغامزا وتهامسا, أو وجها قبيحاً ضحكا و استهزءا, ثم علا صوتهما بالضحك و الاستهزاء على رجل جالس في نهاية الصفوف الاماميه , وقال ألبرت : انه قرد بوجه انسان !! فقال اشميد : إنه الوحش المستأنس, فقالت سوزان : إنه الشيطان الذي كنا نخافه و نحن اطفالا , ثم التفتوا جميعاً فشاهدوا  ماجدولين قد تراجعت إلى الوراء وهي ترتجف بشدة وقد استحالت حمرة وجهها إلى صفرة كصفرة الموت, فسألوها ماذا اصابها؟ فزعمت أنها تحس برعدة في جسمها و دوخة في رأسها, لقد كذبت فيما تقول لأن الرجل الذي يستهزءون به إنما كان هو خطيبها المغرمة به. فجلست تخالس النظر إلى استيفن فابتسم ابتسامة خفيفة كتحية لم يحس بها أحد غيرها, ثم ألقت ماجدولين عليه نظرة شكرته فيها على اهتمامه بها وحضوره لرؤيتها ثم ذهبوا جميعاً. تذكرت ماجدولين آمال استيفن وأحلامه و فقره و حزنه, فبكت رحمة به وإشفاقاً عليه. وهكذا أخذ هيامها يتحول إلى رحمة وشفقة عليه , والحب إذا تحول إلى هذين فقد آذن نجمه بالأفول ...
بعد  ان مر أسبوع خرج استيفن مرة ثانية لرؤية ماجدولين فلم يلمحها في مقصورة الأوبرا, فذهب من الملعب ومشى في طريق قصر سوزان, فشاهد عجلات كثيرة مصطفة, فقال ل أحد الخدم : ما الخطب, فقال : إنه حفل زواج السيدة سوزان. حاول ان يختلس النظر إلى الداخل فراى ماجدولين ترقص مع شاب, فازداد بالتحديق والتركيز فتبين بعد فترة من التحديق أنه هو صاحبه إدوار. لم يأبه لذلك  الامر كثيراً  فى البدايه إلا أن ما ضايقه أنه رآها ترقص في ثوب رقيق يكشف اكثر مما يحجب , وخيل له أن صدرها ملاصق بصدره, وأنه يخاصرها ويحتضنها,  فأنّ أنيناً موجعا وقال : ماذا فعلتْ بك الأيام يا ماجدولين ؟ ثم لمح خاتماً في أصبعها فحدق به فإذا به الخاتم الذي نسجته من شعره, ففرح بذلك فرحا عظيماً.

وعندما عاد استيفن إلى جوتنج وجد برقية من قريب له قد ساعده فى يوم ما يقول له فيه إنه مريض وإنه يريد أن يراه  ويودعه في ساعته الأخيرة. أخذ استيفن عطلة من المدرسة لمدة ثلاثة أيام ليزور قريبه المريض, وبعد أن قضى معه ثلاثة أيام  بعث برقية  استيفن إلى المدرسة التي يشتغل بها  يخبرهم بها  بأنه يريد التخلف عن العمل وأدلى إليها بعذره في ذلك, فارسلت  له المدرسة بكتاب تقول فيه إنها ستستغني عن خدماته و ستبحث عن بديل عنه  , وأنها قد بعثت إليه ما بقي له من حساب مرتبه. احس وقتها استيفن  بالعجز عن احتمال  أموره الصعبة هذه.

 بعد أن تيقن استيفن إلى أن قريبه المريض قد توفي أخذ يجول بنظره في أنحاء الحجرة, ووقعت عيني استيفن على جارور النقود فقفز  استيفن على قدميه وقال : لا بد لي من الاستمتاع في حياتي الان , فمن هم  هؤلاء الذين يملكون الدور والقصور و الرباع الحافلة والضياع الواسعة, , والذين تموج  وتمتلئ خزائنهم بالذهب موج التنور باللهب, أليسوا هم السارقين والمجرمين الذين يسمون أنفسهم ويسميهم الناس كبارا و وجوهاء القوم ؟ كان استيفن يهذي بأمثال هذه التخيلات وهو يضرب في أرجاء الحجرة جيئة و ذهابا, ثم مشى إلى الخزانة ففتحها, ومد يده إلى الوثائق الموجودة هناك يقلبها وخيل إليه أن الخزانة تهتز فخاف و ارتجف وتساقطت الاوراق من يده واحدة تلو الاخرى من شدة خوفه, وفجأة أحس بيد باردة على ظهره ليرى قريبه المتوفي واقفاً خلفه, فصرخ صرخة عالية ودفعه بيديه دفعة عنيفة ثم سقط استيفن فاقدا وعيه إستيقظ استيفن فجراً وأعاد الوثائق إلى مكانها, ونقل الجثة إلى مضجعها. تم دفن الميت و شاهد دفنه وارثه, ثم انتقل مسافرا  إلى جوتنج .

تعلق إدوار بماجدولين منذ الليلة التي شاهدهما فيها استيفن يرقصان سوية, ولم يزل ملاصقا  بها حتى اوقعها في حبه, وأصبحت ماجدولين  تنتظر مجلس إدوار ساعة بساعة , ولا تزال تفتقده وتسائل ذاتها عنه كلما تغيب عنها, وهي تعتقد أنها إنما تحبه بسبب صحبته ل استيفن, ولو كشف لها عن قرارة نفسها لعلمت انها قد بدأت تنسى استيفن من أجله. ولقد سعدت  سوزان بتلك العلاقة التي نشأت بين صديقتها وقريبها  إدوار ورضيت عنها كل الرضا. وتناست ماجدولين استيفن لأنه ذكرى من الماضي الذي بدات تعوفه, وأحبت إدوار لأنه كان يوحى لها بمظهر من مظاهر الحياة الجديدة المرفهة التي أحبتها وسحرت بها ! إلا أنها كانت إذا بقيت لوحدها تراءى لها شبح استيفن ومنظر عينيه الممتلئتين الما و شوقا فتحن إليه حنين الغريب إلى داره فتبكي اشفاقا و حسرة.

وقف استيفن على عتبة باب منزله الجديد, وكان العاملون لا يزالون يعملون على اصلاح بعض أنحائه, وقال استيفن : ها قد صار البيت على الصورة التي خططناعليها منذ سنتين أنا وماجدولين, إنها لا تعرف الآن شيئاً من هذه السعادة التي تحضر لها وربما كانت اليوم تعاني أشد حالات البؤس و الشقاء بعد انقطاع مكاتيبي عنها أياماً طويلة, وإننى  سافاجئها بهذا الأمر مباغتة لا يزول أثرها من نفسها طوال عمرها ...
ما كان استيفن قبل اليوم يعطي اوامرا او نواهي , فقد عاد إلى جوتنج بعد تلك الليلة الصعبة التي عاناها في غرفة قريبه صفر اليدين, و امضى في فراشه طريحا مريضاً بضعة أيام عاني فيها آلام جسده و ذاته, ولم يزل يراوح الفكر حتى دخل عليه عامل البريد يحمل إليه ببرقية يقول فيها : إن الميت قد أوصى إليه بوصيته الاخيرة بعشرين ألف فرنك يأخذها في الحال وعشرة آلاف يحصل عليها في كل عام, فطار استيفن فرحاً وسروراً وقال : أحمدك اللهم امسكت بيدي عن أن آخذ هذا المال حراماً, حتى ارسلت به إليّ حلالاً. وبعد بناءه للبيت ركب عجلته وسافر وقلبه يدق فرحا وسروراً حتى وصل إلى ساحة بلدة ماجدولين, فذهب إلى الكرسي الذي كانا يجلسا عليه مع بعضهما هو وماجدولين, وما إن وقعت عينه على المقعد حتى تجمد و شحب لونه , ووقفت دورة الدم في شرايينه, فقد شاهد ماجدولين جالسة بجانب فتى غريب يبتسمان لبعضهما, وألقى برأسه على صدرها, فقال : إنه صاحبي إدوار ! اقترب منها, فارتجفا حن رأياه, ووثبا واقفين على أقدامهما وثبة واحدة, و اخذ يقول لها : لقد مضت أيام شقائنا يا ماجدولين, ولقد صرت والحمد لله صاحب عز ومال كبيرووفير  كافي لسعادتنا وهنائنا, وقد أتيت كى أخطبك من والدك فارتعدت ماجدولين و شحب لونها و اصفرت وقالت : إني أهنئك بصلاح حالك يا سيدي ! فاندهش استيفن لذلك, ووقعت عينه على أصبعها فرأى خاتماً جديداً, فتجمعت الدموع في عينيه وبدأت  بالتبادر إلى السقوط فقال إدوار : كان من الواجب عليك أن تستأذن قبل الدخول, ولم يكن يجدر بك في هذا العمر أن تنسى أول درس ياخذه الطالب في مدرسته في أدب الزيارة والإستئذان. ثم تبعت ماجدولين إدوار حتى  ولجا المنزل وسمع طرق الباب.

فظل استيفن ساكنا لا يتحرك ولا يرمش له جفن وبقي ساعة مدهوشا على هيئته حتى سمع صهيل جواد إدوار فتبعه وسأله عما يدور , فقال إدوار : إني اتردد إلى بيت الشيخ مولر لأني خطيب ابنته و زواجي من ابنته بعد شهر واحد, وإذا  شئت يمكنك حضور حفلة عرسنا بل أنا أدعوك إلى ذلك, فارتجفت شفتا استيفن و احس بالموت يتسرب وينسل إلى قلبه رويدا رويدا, فقال استيفن : ولكنك تعرف يا إدوار أني مغرم بها وأنها كل حظي في هذه الحياة, فقال : أنا اعرف أنك تحب هذه الفتاة وأنك قد استملتها في بعض أيام حياتك الفائتة القديمة , إلا أن أباها قام بحمايتهامن ذلك المستقبل الذي لا نور فيه وطردك من منزله , إني أسديت لك معروفا إن انكرته اليوم فستعرفه غداً, وإن كنت تظن أنها اجبرت على الزواج  بى فأنت مخطيء, لقد نسيتْ كل ما فات من حياتها ب خيره وشره, ولم يبق بين يديها سوى حبها لي انا وإخلاصها لي ..حينها استشاط استيفن غضباً و هجم عليه يريد  ضربه والفتك  به ولكنه تراجع عن ذلك, فهمز إدوار جواده وطار به بسرعة الريح  .

من استيفن إلى ماجدولين ...هل صحيح يا ماجدولين أن ما كان بيننا انتهى ؟ أصحيح أننا إذا رأينا بعضنا البعض بعد اليوم في طريق واحد مضى كل منا في طريقه دون أن ينظرعلى صاحبه ؟ ما اقسى تقلبات الأيام وما أغرب تحولاتها و احوالها ؟! لقد أحببتك حباً  جارفا لم يحبه أحد من قبلي, وأخلصت لك إخلاصاً لا يخلص مثله أخ لأخيه, ولا اب لابنه , وعظمتك وأجللتك إجلال العابد لمعبوده, فما خدعتك في سر ولا علانية. إن كنت ترين أني لا أستحق عشقك فاعلمي أنك لا تستطيعين أن تقابلي بين الرجال من يحبك محبتي أو يخلص لك إخلاصي. لقد فتنوكي  وأوهموكى يا ماجدولين وزينوا لك حب النقود والشهوات, وخيلوا إليك أن الحياة طعام و لهو و لعب, وثوب فاخر وقصر فخم, وأن الزواج هو شركة مالية, وما عرفوا أن الزواج المادي هو نوع من أنواع  العهر والبغاء. لا تصدقي يا ماجدولين أن في الدنيا فرح وسعادة غير سعادة الحب, فإن صدّقت فويل لك منك, فإنك قد حكمت بالموت على قلبك .كنت لي كل شيء في هذا العالم يا ماجدولين و لا شيء يغنيني عنك ابدا , , فلما فقدتك لم أجد عنك بدلا و لا عوضا وكنت كمن قامر في ساعة واحدة بجميع ما ملكت يده, فلما خسر فقد كل شيء. ألا تخافين يا ماجدولين أن يأخذك الله بسبب ذنبي يوم يأخذ الناس بذنوبهم, ويسألك عن هذه الروح الطاهرة التي قتلتها في جميع حسناتها و فضائلها, وأن يتبعك صوتي في كل مكان تقنطين فيه.

إنني أتألم و أتحسر جدا يا ماجدولين, ولا اعتقد أن في العالم  يوجد نفس تحمل ما تحمله نفسي من الاوجاع و الالام, فارحميني واعطفي عليّ, فإنْ لم أكن كفؤاً لمحبتك فاعطيني صداقتك, فإن رفضتها فاسبلي عليّ ستر حمايتك, فإن قبلت بها فاسمحي لي  أن أسير وراءك في كل مكان تمشين فيه كما يتبعك كلبك الذليل, لتلمحك عيني وأسمع صوتك واشتم عبيرك . أكتبي إلي كلمة واحدة قولي فيها ما تريدين من خير أو شر, فقد كيفت نفسي على احتمال كل شيء. لم يبقى عندى بقية تحتمل أكثر مما احتملت, وربما لا اقدر أن أكتب إليك غير هذا الكتاب فقد بلغ بي الوهن والضعف منتهاه, وأظلم بصري فما استطيع  أن أبصر شيئاً. فالوداع يا ماجدولين  الى نهاية الحياة إن كان لا يزال في العمر بقية أو وداع الموت إن كانت الابقى .

من ماجدولين إلى استيفن .. لا اكذب عليك يا سيدي أني بكيت جدا عند قراءة مكتوبك وكلامك  أنت تعلم يا استيفن أنني فتاة بائسة الحال وأنك فتى بلا مال, حاول ان تنسى كل شيء يا صديقي و اذهب إلى كوبلانس, واطلب السماح من والدك و عائلتك وتزوج من الفتاة التي اختاروها لك, و لك مني أن أكون صديقتك الوفية لك ما عشت , ولا تحمل في نفسك حقد او كره لصديقك إدوار, فقد عرف الله أنه ليس له يد في شيء مما كان, وإنما هو قرار اتخذته لنفسي .

من استيفن إلى ماجدولين .. كل شيء قد نسيته يا ماجدولين , فاختاري لنفسك في حياتك ما اردت وخططت , وإني أتقبل صداقتك بكل سعة صدر , ولا أنقم عليك ولا على زوجك شيئاً, بل اتمنى لكما  الخير في حاضركما ومستقبلكما .
إزدحمت الكنيسة بسكان بلدة ولفباخ رجالاً ونساءاً  وأطفالا وظلوا جميعاً ينظرون إلى الباب بلهفة و حماس ينتظرون حضور العروسين. ثم ولج ادوار ماسكا بيد ماجدولين تلبس ثوبا أبيض ناصع. كان استيفن قد جاء إلى المعبد قبل حضور الناس و تخفى خلف عمود من اعمدته فلم يشعر به أحد. ثم بدأ القسيس يقرا صلاته, فشعر استيفن أن قلبه يدق بسرعة كبيرة  فاستلهم الله الصبر على مصيبته. وبعد الانتهاء من مراسم الزواج خرج حزينا لا يرى من أمامه  ثم وجد نفسه أمام بيت ماجدولين, ورأى الناس يخرجون من الحفلة, ودخل إلى بيت ماجدولين و دنا من حجرة نومها, وسمعها تقول ل إدوار (أنت حياتي التي لا حياة لي بدونها) فاستشاط غيظا وحدثته نفسه أن يضرب الباب بقدمه ضربة قوية عنيفة تطير به ثم يقتحم عليهما فيقتلهما و يزين سرير العروس بدمائها , فوقف يغلي دمه ومزّق صدره بأظافره حتى امتلأت سترته دماً عندها زلت به قدمه فوقع إلى أسفل السلم وهو بين الحياة والموت, ولم يزل في وقعته تلك حتى استيقظت الخادمة جنفياف ورأته كالميت في مكانه, فصدمت من وجوده في البيت ثم استفاق وناشدها أن تستر عليه ما كان ولا تخبر أحد , وخرج من المنزل و ذهب في طريق قريته.

امضى استيفن في سرير مريضا شهرين كاملين عانى فيهما من آلام النفس والجسد ما قدر له أن يعانيه, ثم بدأ بالتحسن  قليلاً فترك سريره وأخذ يهيم على وجهه ليله ونهاره, ينام حيث يجد اي مكان ويأكل حيث يجد اي طعام ولا يستقر باي مكان. وأخذ يفكر بالموت ويقول : لم يصدقوا  القول الذين قالوا إن الإنتحار ضعف وجبن, وما الوهن و الذل إلا الرضا بحياة كلها آلالام و امراض. مهما عانى المرء من الغصص و الالام فهي ذاهبة ولا عودة لها ابدا. ثم رنّت في أذنه صوت ضحكة ماجدولين مع زوجها, وقال في نفسه: إن من كان مثلها في خداعها و خيانتها, و قسوة قلبها و صلابته, لا يبالي بما أقدم عليه من حياته, فربما إذا سمعت بخبر موتي تنفست تنفس الصعداء وارتاحت واغتبطت بينها و بين نفسها, وأعجبها أنها قد أصبحت مستقرة مدى الدهر من أن يُذكّرها اي انسان بغدرها و بخيانتها, أو يتراءى لها في مسلك من طريقها شبح تلك الخيانة التي اقترفتها

الحب قطرة ماء من مطر تنزل بالتربة الطيبة فتعطي الرحمة والشفقة والبر والمعروف. وكان استيفن طاهر السريرة طيب القلب , فاستحالت تلك الآلام التي كانت تتنافس في نفسه إلى وجدان طاهر صادق يشعر ببؤس البائسين فيرثى لهم. ولقد وفى بوعده الذي وعده  لصديقه فرتز فأمسك عن ذكر ماجدولين والتفكير بها,  و قرر نسيانها ونسيان ماضيها معه, فاستقام له بعض الذي رغب به وتراجعت آلام نفسه و اوجاعها
من ماجدولين إلى سوزان .. أنا مغتبطة و مرتاحه والحمد لله, ولا أشكو شيئاً غير بعدك, وإدوار لا يزال يحبني و يحقق لي كل رغباتي, لا أكتمك يا سوزان أني كنت احس في قلبي ببعض الحزن على ذلك الفتى الحزين الذي لقى في سبيلي الحزن و الالم الذي تعرفينه , ولقد سررت اليوم سروراً عظيماً حينما عرفت أنه نسي الماضي وأنه قد رجع الى عقله وصوابه, وأصبح يعيش في منزله الذي بناه عيشاً هادئاً مستقرا لا يمازجه حزن ولا هم , بل أنى سمعت أنه يعمل بفن الموسيقى, وقد برع فيه براعة رهيبة عجيبة لا يبلغ مبلغه فيها إلا القليل من الناس, فشكرت الله كثيراً.
من ماجدولين إلى سوزان ..  أنعي إليك مع الأسف ابي, فقد مات رحمة الله عليه بعد خمسة اشهر من المرض, وهذا ما منعني من الرد على رسائلك فاعذريني وابكي معي ذلك الأب الحنون ولكني عجبت كل العجب وامتلأت نفسي صدمة و دهشة أني وجدت بين رسائل التعزية بوالدي كتاباً من استيفن يعزيني فيه ارق تعزية و احسنها ألا تعجبين معي يا سوزان لهذا االشخص  الغريب ؟
من ماجدولين إلى سوزان ...احس يا سوزان منذ وفاة والدي أنني ضيقة الصدر بائسة النفس, وما أدري ما الذي جرى على إدوار, فقد تغير بعض التغير عما كان عليه, وصارت ابتسامته مزيفة بين المجاملة و الحب وأصبح يتضايق من محادثاتنا أكثر مما يحب ويستحسن أكثر ما أستهجن, كأنما يتعمد مضايقتي ومحادتي, وأصبح لا يكترث بوجودي
لقد صدقتْ ماجدولين فيما حكت وأخبرت به سوزان , فقد ملها إدوار بعد سنتين اثنتين من زواجه منها, و تضايق منها و اصبح يملها بما ينتهي كل زواج تعقده يد الشهوة. وعرفت ماجدولين أن العلاقة التي بينها وبينه إنما هي علاقة الزوجة بالزوج لا علاقة القلب بالقلب, فعرفت أنها لم تجيد الإختيار الحسن  لنفسها, وأن شقاءاً طويلاً ينتظر باقي ايام حياتها.

إنتشر لاستيفن سمعة عريقه في جوتنج وما يقاربها من البلدان, وامتد إلى كوبلانكس, فامطر عليه المال و الرزق بعد تلحينه للقطع التمثيلية العديدة وسال واديه بالكنوز سيلاً. وكان والده قد توفي وورثّه تلك الصيابة من المال التي كانت في يده, و تبدلت به الاحوال الى افضلها....إلا أنه ومع هدوء الليل تمر أمامه جميع احزانه القديمة, فيخيل إليه أنه يحيا منقطعا عن العالم لأن ماجدولين ليست بجانبه, وأن ما يمتلكه من مجد ومال لا قيمة له عنده لأن ماجدولين لا تقاسمه اياه  فتمتليء نفسه هموما وحسرة, فهو يجمع لها في ثنايا قلبه في آن واحد بين عاطفتين متضادتين, عاطفة الرضا, وعاطفة السخط, فهو مغرم بها لا يستطيع مقاطعتها, ويجد عليها فلا يريد أن تحس بحبه إياها .
من ماجدولين إلى سوزان ... قد عرفت منذ أيام قلائل على سر كبير ليتني مت قبل أن اعلم منه حرفاً واحداً, لقد  باع ادوار جميع ممتلكاته لقد افلس ولا تزال عليه بقية من الدين لا سبيل له الى ردها, فاعترف لي بعدما اجبرته على ذلك وقال : لقد أفلس من المضاربة و المقامرة وقال لي أيضاً : إنه لم يخطيء في حياته إلا في شيء واحد, وهو أنه تزوج من زوجة بائسة معدمة الحال لا تستطيع أن تمد له  يد المساعدة. إنني لا أبكي على نفسي يا سوزان بل على ذلك الطفل البائس المسكين الذي يكبر في داخل أحشائي, لقد أصبحت لا أسأل الله إلا ان اموت عاجلا و ارتاح و يرتاح جنيني من شقاء الدنيا وعنائها .

مرض إدوار على أثر تلك المصيبة التي نزلت به مرضة قوية, فوقف بجانب مصيبته تلك وقدم له المساعدة صديقه ذو القلب الرقيق استيفن. واقترح عليه استيفن ,والذى  قد وقف الى جانبه  طوال مدة مرضه, أن ياخذه معه إلى جوتنج كى يفرج عما به قليلاً, ووافق على ذلك و سافرت معهما ماجدولين حتى بلغوا إلى البيت الذي عمره استيفن. وبينما استغرق إدوار في نومه ولجأ مزارع الحديقة إلى مخدعه بقي استيفن وحيدا مع ماجدولين, وتحادثا طويلاً, وبعد حديث عميق علمت أنه لا يزال يعشقها ويستهيم بها وأنه تحبه حباً يتملكها, فقضت في مضجعها ليلة سوداء ما يكاد يغرب لها نجم .
من ماجدولين إلى سوزان ... إستيقظتُ في فجر يوم من الأيام فذهبت إلى مخدع إدوار فلم الاقيه ثم سألت عنه الخدم فقال لي أحدهم أنه لمحه خارجاً من باب القصر و حقيبة السفر في يده , ولا يعلم  أحد أين ذهب. ثم علمت بعد ذلك أنه باع بيتنا إلى أكبر منافسيه وأخذ بقية ثمنه و فر هاربا . وقد أرسل إليّ مالك القصر الجديد ليخبرني بالخروج بعد شهر واحد, لم يبق لي في العالم مَنْ ارجو معاونته او اعتمد عليه سواك . أنتظر كتابك خاصة أني بآخر ايام حملي ؟.

من فردريك إلى ماجدولين .. ارسل اليك رسالتي هذه وسوزان في أشد حالات مرضها, اخبرني الطبيب أنه يجب  ابعدها عن كل ما يؤثر في نفسها من سرور أو حزن, فرجائي إليك أن تتأخرى بمجيئك بضعة أسابيع حتى أحتال للأمر أو يخف مرض سوزان  .

قرأت ماجدولين ذلك الكتاب و احست لولهة أن سوزان ليست بمريضة إنما ترغب في التخلص منها, فقد صادفت فتاة من صديقاتها فسألتها ماجدولين متى كان اخر مرة ارسلت لها سوزان المكاتيب فقالت : قد جاءني البارحة منها كتاب تُهنِّئني بعيد ميلادي, وتقترح أن اذهب إليها, فصمتت ماجدولين وقالت : انها الارادة الالهية ترفض إلا أن تجازيني غدراً بغدر فلا عتب على سوزان
بعدها بأيام رجعت ماجدولين إلى بلدتها واستأجرت الغرفة الموجودة في الدور العلوي في بيتها, الذي باعته لسداد جزءا من ديون زوجها إدوار, والتي كان يسكن بها استيفن قديما ,  وما هي إلا أيام قليلة حتى جاءتها الام الولادة فولدت طفلة جميلة, وما كادت تفيق من نفاسها حتى جاءها الخبر بأن إدوار قد قتل نفسه شنقا في فندق في شيكاغو بسبب ليلة قضاها في المقامرة وخسر فيها كل ما كان بحيلته  وحوزته من المال .
وصل كتاب من أحد اصحاب استيفن فيه خبر انتحار إدوار, ويقص عليه حكاية سفره وانتحاره, فحزن عليه حزناً كببرا ورأى أن يرجع ليرى ما حل بماجدولين, فتتبع أخبارها حتى علم عنها كل شيء وأنها تعيش مع طفلتها عيش الفقر و البؤس و قلة الحيلة في الغرفة العليا, و تبدل غضبه ونقمه إلى رحمة وشفقة عليها , فأخذ مسلكه إلى بيت الشيخ مولر حتى وصله وعندما لمح ماجدولين قالت له : كنت اصبر و اجلد على هذه المصائب لو أنك تسامحني يا استيفن, فقال : أما العفو فإني لا أستطيعه لأني لا أستطيع أن أنسى . ثم تركها في حجرتها  وأعطى المزارع كتاباً مختوماً ليعطيه لماجدولين وذهب في طريقه .

ذهب استيفن إلى بيت صاحبه فرتز. وفي الصباح مرت على مقربة من زوجة فرتز إمرأة تخفي وجهها تسرع في مشيتها وتتعثر في ظلها, فعجبت لأمرها ولكنها لم  تهتم أو تحفل بها, ودخلت الحديقة فخافت عندما رات في دهليز البابا سفطاً صغيراً كأن فيه شيء ما يتحرك , اقتربت منه زوجة فرتز فرأت رضيعا صغيرا, فأسرعت زوجة فرتز إلى استيفن لتقول له ما رات , فداخله  شك وريب عظيم, فشاهد استيفن بجانب الصغير كتاباً مختوماً أخذه وقرأ في راسه *من ماجدولين إلى استيفن* ففتحه و قرا بين سطوره كلمة الموت فأسرع في الطريق التي ذهبت به ماجدولين كما أخبرته زوجة فرتز حتى وصل الى النهر فرأى خلقاً كثيراً متجمهرين على ضفته وكلهم يشير إلى النهر, فرأى استيفن الغريقة تتحرك في الماء ثم اختفت, فنزل إليها وكان فرتز يتجه بالمركب نحوها, وأخرجاها إلى جانب النهر. واكب الناس عليها يحاولون الاستماع الى ضربات قلبها, ويتلمسون أنفاسها, ثم أخذوا يهمهمون بدعائهم فعلم استيفن أن الموضوع قد انتهى. مشى بالجثة إلى البيت, فصعد إلى الطبقة العليا ودخل إلى الحجرة الزرقاء ووضعها على ذلك السرير الذي كان في الماضي سرير عرسها, فصار اليوم لحدها الأخير. وظل بضع ساعات ساكنا حتى حلت ساعة الدفن, فاقترب من الجثة وكشف عن وجهها, و أخذ من فمها تلك القبلة التي كانت تمنعها عليه الحياة حتى أحلها له الموت, ثم سقط فاقدا وعيه  
أصبح منذ ذلك اليوم ضعيف النفس, كئيبا مستوحشا  منقبض الصدر  ينظر إلى الحياة نظر الغريب النازل بدار لم ينزلها ابدا, فهو يعد عدته للخروج عنها. وبعد أن اختفت أخبار استيفن عن كوبلانس و بلداتها ومجامعها تساءل عنه أصدقاؤه حتى علموا بقصته فحزنوا عليه وأجمعوا رأيهم على زيارته في بلدته, فاستقبلهم استيفن مبتسما كأنه لا يخفي بين جنبيه لوعة ولا الم, فجلسوا على الطاولة التي أعدها لهم و جلسوا يتحادثون عن حياة بيتهوفن, وبعد أن انتهوا من الحديث قال استيفن : هل تأذنون لي أيها الأصدقاء أن اعزف لكم لحن بيتهوفن الأخير الذي جهزه في آخر ساعات حياته ؟ وتوجه إلى البيانو وما أتى على اخر نغمة وكانت أعلى النغمات حتى قام القوم جميعاً على أقدامهم و صفقوا تصفيقا حارا و اخذوا ويتدافعون لتهنئته, وإذا بهم يحدقون به فيرونه مائلاً برأسه على ظهر مقعده, وقد اقشعر وجهه وتغيرت سحنته, فانقبضت قلوبهم و تشاءموا. فتح عينيه بعد ساعة ونطق بإسم فرتز فلباه مسرعا  ثم نادى ماجدولين الصغيرة وقربها إلى صدره وقبلها قبلة تجمع بين عاطفة الرحمة بعاطفة الذكرى, ثم تطلع إلى السماء وإلى فرتز مرة ثانية وكأنما يوصيه بالطفلة, ثم قال : أشهدكم أن جميع ما املكه بين يدي  قسمة بين هذين وأشار إلى فرتز و ماجدولين الصغيرة ثم قال : أوصيك يا فرتز أن تجعل مثواي الاخير مع ماجدولين في قبرها, وأوصيك بالصغيرة أن تعطف عليها تحميها مما تحمي منه اولادك و عائلتك حتى إذا نضجت زوّجتها من الزوج الذي تختاره لنفسها. وأوصيكم جميعاً ألا تشفقوا على موتي, فإنني وإن امضيت شقياً فها أنتم ترون الآن أنني أموت بينكم هنيئا, وكان هذا آخر ما نطق به. ثم مات  .....
هكذا انتهت حياة هذا الرجل الجبار الذي قتل الحب جسده, ولكنه أحيا ذاتخ و دونها في مدونة النفوس الخالدات. أما عائلة فرتز فقد سعد حالها, وأصبحت في سعة من العيش, وأما ماجدولين الصغيرة فقد اهتم فرتز بشأنها ورباها مع ابنه برنار تربية قروية بسيطة بعيدة كل البعد عن مفاسد المدنية و مشاكلها حتى كبرا وشبّا فتحابا حباً طاهر شريفا, وانتهى بهما الأمر إلى الزواج فعاشا أسعد عيشة و اجملها وأما البيت فقد اشترته جمعية الموسيقى الملوكية في برلين, و حتى اليوم لا يزال مزاراً يزوره الناس و يرون فيه آثار التاريخ, ويرون حديقته, وأزهار البنفسج المتواجدة في أنحائها, والحوض المقام في وسطها, و الكرسي الذي جلس عليه استيفن وماجدولين, و الحجرة الزرقاء التي كانت حجرة عرس ماجدولين أولاً, ولحدها أخيراً .... فاذا انتهوا من زيارة البيت ذهبوا إلى المقبرة فزاروا ذلك القبر الذي دفن فيه البائسان الحزينان, فيبلل تربته بالدمع منهم من  عاش فيها شقياً كعيشهما او نكب في حياته بمثل نكبتهما,   

                                                    النهاية.






إرسال تعليق