الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017









تلخيص رواية
ايكادولي: د. حنان لاشين
أعداد وإشراف: رجاء حمدان
                                                                   
المطر خفيف كالبكاء يرشق الرمال الناعمة بعذوبة, صيحة غريبة صمّت أذنيه, ثم شعر فجأة بمخالب تقبض على كتفيه, فرفع بصره ورأى طائراً عملاقاً يبسط جناحيه مظللاً فوق رأسه, تسارعت أنفاسه وهو يطير على ارتفاع شاهق فوق واد عميق يقطعه نهر ماؤه رقراق زمردي اللون. تناهى إلى سمعه صوت أنثوي ناعم, كان يناديه ويكرر كلمة غريبة لم يدرك كنهها! وفجأة انفلت من بين مخالب الطائر, أراد أن يرى الطائر الذي كان يحمله لكن ظِلّ جناحيه الكبيرين كان قد حجب عن عينيه كل شيء, وعلى صفحة الماء لاح له رمز غريب الشكل, حدّق فيه وفجأة التقمه الظلام.
أيقظه رنين هاتفه النقال, مسح جبينه من حبات العرق وجلس على طرف الفراش. نفس الكابوس الذي يتكرر, نفس المخالب نفس الطائر. غادر غرفته ومر برواق البيت فقال الأب: هل رأيت نفس الكابوس ؟ فرد: نعم فقال: هل سقطت في الماء ؟ رد : كالعادة لا. إستيقظت قبل أن يلمس جسدي الماء فقال : هل رأيت رأس الطائر ؟ فقال : لا, لا يا أبي. كانت تلك الأسئلة الثلاثة تتكرر في كل مرة يستيقظ فيها أنس وعلى وجهه علامات الإرهاق.
تناول أنس قهوته على عجالة, فلا بد أن يسرع حتى لا يفوته موعد القطار, وجهز حقيبته ليسافر إلى بيت جده في الفيوم, فلا بد أن يرّوح عن نفسه منذ أنهى عامه الأخير حيث كان يدرس بكلية الهندسة . كان أنس شاباً تقليدياً كما يقولون له, لا يدخن ولا يصاحب الفتيات, ولم تمطر سحابات الحب على شرفات قلبه, كل ما كان يشغل بال أنس هو بيت جده المليء بالأسرار, ولديه الكثير من الأسئلة عنه, وربما حانت الفرصة لينفرد بجده ويسأله عن سر كل ركن فيه. في تلك اللحظة كان أبوه محمقلاً في زجاج نافذة السيارة التي كان أنس يجلس بجوارها منذ ربع ساعة. لقد رأى الرمز الذي رسمه إبنه على الزجاج. أخرج هاتفه واتصل بالجد : أبي لقد رأى أنس الرمز ! فقال الجد : لا بد أن نستعد, لا تقلق يا كمال, فقال كمال (أبو أنس) : كيف لا أقلق وقد مررت بما سيمر به من قبل, فقال الجد: كمال لا بد أن تأتي في القطار التالي الآن !! فقال كمال: حسناً يا أبي سأفعل إن شاء الله.
خفف القطار من سرعته, وثب أنس من القطار وكان جده في انتظاره. تعانقا طويلاً قبل أن يسرعا بالخروج من الزحام واتجها معاً إلى بيت الجد. من بعيد كان هناك من يراقبه ويرصد حركاته وهو يبتعد مع جده, كان يتفحصه بإمعان شديد. وعندما دخلا إلى المنزل فجأة سمعا صوت ارتطام قوي, سقط شيء ما على الأرض, أسرع الجد وتبعه أنس إلى غرفة المعيشة, كان هناك كتاب على الأرض وحوله تبعثر حطام جزء من تمثال رائع, إنحنى أنس وأمسك بالكتاب وكان إسمه أبادول ! وكاد أنس يفتح الكتاب ليقرأ إسم المؤلف ولكن جده خطفه من بين يديه, وكان حريصاً على إخفاء الكتاب عن عين حفيده قبل أن يخرج من غرفة المعيشة, وقال: أبادول كلمة نوبية تعني الجد الكبير. ثم انتقلا إلى غرفة الطعام, واستمع أنس إلى أحاديث صفية وزوجها, واللذان يعملان في البيت منذ عمر طويل. إستأذن أنس وطلب الذهاب إلى المكتبة, وهرول إليها بينما وقف الثلاثة جده وصفية وزوجها راغب يراقبونه, لو التفت إليهم لأفزعته عيونهم الشاخصة تجاهه, ولكنه لم يلتفت !.
كانت الغرفة باردة جداً. لمح أنس على أحد الرفوف العلوية مجموعة من الكتب تشبه الكتاب الذي رآه اليوم في غرفة المعيشة. تناهى إلى سمعه صوت غريب فتجاهله وكاد أن يسحب الكتاب ليفاجأ بالكتب العتيقة التي كانت تستقر على الرف تطير في الهواء, وصفحاتها تتقلب بسرعة رهيبة تلاه صوت صراخ رهيب كاد قلب أنس أن ينخلع من الخوف. سقطت كل الكتب فجأة إلا كتاباً واحداً بقي مفتوحاً. إنحنى أنس باتجاه الكتاب فرأى صورة وجهه تظهر تدريجياً على الصفحة الأولى وكأن شبحاً يرسمها, مد يده ليقرأ عنوان الكتاب فكانت هناك كلمة واحدة إيكادولي, وفزع أكثر عندما رأى تلك العلامة الغريبة التي رآها في الكابوس, بيد أن كل صفحات الكتاب كانت خالية من الكلام.

إلتقط أنس الكتاب وركض إلى جده فقال له : الغرفة مسكونة, فقال الجد: هل رأيت الرمز؟ إستغرب أنس وقال: ماذا يعني هذا الرمز؟ فقال الجد: الرقم ثلاثة باللغة النوبية تويكو ولقد اختارك الكتاب, لقد كان كتابي (أبادول) ورمزي الرقم واحد (ويرا), أما والدك كان كتابه (أمباب تود) ورمزه الرقم إثنان (أويووو) وكِلا الكتابين يحكي قصة صراع بين الخير والشر, النهار والليل, والأبيض والأسود. يبدأ الأمر عندما يختارك الكتاب لتدافع عنه, ربما عن تاريخ وربما عن قيمة عظمى سطّرها الأمير (اواوا) وكان شاباً طيباً ولكن الملك لم يحبه. ثم أخرج قلادة وألبسها لأنس ثم زجاجة صغيرة زرقاء تحتوي سائلاً أسوداً ثم خنجراً بمقبض ذهبي ودسهما في حقيبة أنس, ثم قال الجد : كان الملك (كاشتا) الذي لم ينجب يكره أخاه (الارا) فقتله ليفوز بالعرش, وكان يكره ابنه اواوا فحبسه في سرداب تحت الأرض مع زوجته وأولاده, وكتب الأمير قصته هناك وحكاها لزوجته وأبنائه, ثم مرض الأمير اواوا واختفى فجأة من السرداب, واختفى معه الحارس الذي كان يساعده. وعندما كبر طفله أقبل على كتابات أبيه ليحرقها ولكنه تراجع فاستعان بكهل بارع وحرَّف العبارات والقصص وقُلِبت نهايتها, وأصبح البقاء للأكثر سوداوية وخبثاً. ولكن شقيقته قرأت ما في الكتب فحبسها أخوها في نفس المكان الذي كان محبوساً فيه مع والده وأمه لأنها أنكرت فعلة أخيها.
 وبعدها عثر العلماء على الأوراق المزيفة وسرقها أحدهم وعاد بها إلى الفيوم. بات أنس ليلتها يفكر في الرموز. وفي اليوم التالي استيقظ على صوت عجيب وفوجيء بالكلمات والرموز قد اتضحت, بينما رفضت الكتب أن تعكس الأكاذيب التي تسبَّب إبن الأمير اواوا في نشرها. أخبره جده بأنه قد حان وقت استعادة الحقيقة ولك دور في هذا, سترحل إلى مملكة البلاغة فلقد تم استدعاؤك اليوم وسيحملك الصقر إلى هناك ! ثم عاد الجد إلى غرفة المعيشة وأحضر كتاب ايكادولي ووضعه في الحقيبة, ثم سأل الجد: أبوك أخبرني أنك سمعت نداءاً في الكابوس ؟ فما الكلمة التي ترددت في النداء ؟ فغر أنس فاه ثم قال كانت كلمة ايكادولي. وفجأة جاء كمال ونظر إلى ابنه بشفقة ثم مد يده وأظهر سلسلة كان يرتديها في عنقه يتدلى منها مفتاح نحاسي قديم, وأمسك بيد أنس ووضع المفتاح فيها حينها قال أنس: إذن لكل منا كتاب خاص يختاره, كتاب جدي معناه الجد الأكبر وكتابك معناه إبن أبيه وعنوان كتابي ايكادولي ماذا تعني ؟ فقال الأب: تعني أحبك !.
 ثم فجأة هبت رياح قوية فقال كمال: أسرع يا أنس إلى الغرفة ! أستودعك الله يا ولدي .. في حفظ الله. ثم بعد لحظات عم سكون مهيب على المكان واختفت كل الأصوات عدا صوت خفق جناحي الصقر فوق البيت, فلقد بدأ (الرمادي :الصقر) يحلق فوق البيت فأضاءت السماء فجأة . كان الصقر ذا ظهر أزرق رمادي, ثم قال الصقر: لا تخف مني يا أنس ! كاد أنس يفقد الوعي لكنه تماسك. حمله الصقر وحلق به فوق مملكة البلاغة ثم قال الرمادي : إنتهت مهمتي الآن, سيستقبلك المغاتير قوم صالحون يخفون وجوههم, لا يبتغون الأجر, إستغنوا عن الناس فأغناهم الله عن الناس وصار الجميع يحتاجون إليهم, وسيصطحبونك إلى الحوراء ! إختفى الرمادي مخلفاً وراءه أنس وهو يتلفت حوله يتأمل الأشجار. تناهى إلى سمعه حفيف الأشجار وشقشقة العصافير, ما عاد خائفاً كما كان. لمح أنس طيفاً قريباً منه, وقبل أن يلتفت فوجيء بخبطة على  كتفه, كان شاباً يحمل وجهاً به مسحة من الوسامة بشعره البني, وبشرته الباهتة وفكه العريض. كان إسمه شهاب, تعرف على أنس ثم قال شهاب: ليس لديك أي دور هنا, أنت مجرد شاهد على ما ستراه من أحداث, فقال أنس: لكل منا دور في حياته وفي حياة الآخرين, فى كل كلمة ننطق بها وكل فعل نفعله, فالتفاتة قد تعني الحب, مجرد الحضور في موقف ما قد يعني الكثير لآخرين دون أن ندرك هذا لكنهم يدركون, حتى الصمت أحياناً إن كان في موضعه الصحيح فله دور, فقال شهاب: تبدو حكيماً يا فتى بدأت أحبك ! وفي تلك اللحظة ارتفع صهيل خيول اصطف على الشريط الفاصل بين البستان والغابة, وصاح الزاجل الأزرق : لقد تأخرنا ! ثم قال بتوجس : بدأت رحلته دون أن يسمع منا! .
بخطوات منتظمة سار المغاتير في زمرة مهيبة تجاه جناح الملكة. تقدم الزاجل الأزرق حيث استقبله خدام القصر بوجوه باسمة. دلف حيث كانت الملكة تجلس بوقار, كان للملكة وجه به بقايا جمال متعب, بدت عجوزاً تخطت السبعين لكنها كانت جميلة الروح. أشارت للزاجل الأزرق ليجلس مكانه ففعل بهدوء, كانت تقف أمامها فتاة احتشمت برداء أرجواني اللون تقرأ بتأثر من كتاب, ومن حولها رجال يدونون ما تقرأ, ثم أغلقت الفتاة الكتاب ورفعته وكان مكتوباً عليه بخط واضح هيلا، كانت الفتاة مشرقة ذا وجه طفولي, وفور أن رأت الزاجل الازرق حتى انتفضت فهي تريد الرحيل والعودة إلى بيتها وعالمها, فقد أدت مهمتها على أكمل وجه وتخشى أن يتحقق ما أخبرها به الحكيم سامي كول .
قال الزاجل الأزرق للحوراء : لقد وصل المحارب أنس ولكنه للأسف ركض في الغابة ولم نتمكن من الحديث معه. إنطلقت الحوراء يتبعها الزاجل الأزرق بينما قالت مرام : سيدتي ذاك الشاب الذي كنتم تتحدثون عنه رأيت اسمه في كتاب هيلا, وأخبرني العظيم سامي كول أن أبلّغه إن ظهر مرة أخرى, وأنه من الأفضل أن أبقى لو وصل قبل رحيلي. وفجأة وصل سامي كول فدلف الجميع إلى القصر وأخذت الملكة حوراء تعدل من مكان جلوس أبيها, فقال العظيم سامي كول لمرام : أسرعي خلف أنس فأنت تستطيعين دخول الغابة أما نحن فلا .. فقالت مرام : ما سبب ظهور اسمه في كتابي ؟ فقال الحكيم : سيكون طوق نجاة لك وستكونين طوق نجاة له يوماً ما . فقالت مرام للحوراء : لي طلب واحد عند انتهاء الأمر, ربما أطلب منك شيئاً ما وأريد منك أن تعديني أن تحققيه لي, فقالت الملكة: أعدك يا ابنتي طالما الأمر في استطاعتي. ثم انطلقت مرام نحو الغابة حيث ستدخلها وحدها باحثة عن أنس .
ما زالت ناردين تشقى بقلب لين كالصلصال, أصبح فؤادها كالقالب فيه ذكرى منقوشة.  نشأت ناردين في إحدى قرى مملكة الجنوب, تزوجت وأنجبت ولداً, وقتل زوجها في شجار عنيف, ولما كبرت رمتها زوجة ابنها في الغابة. كانت تستطيع التحدث مع الأشجار. وقد يبدو حديث النفس بصوت مسموع نوعاً من الجنون لكن ناردين كانت تتسلى بهذا من آن لآخر, تُحدث نفسها وتحدث الأشجار وتنصت إلى الريح وما تحمله من حكايا, وربما تهمس لها ببعضها. إهتز سطح الماء فمر بجواره شهاب ويلحقه أنس الذي صدم ناردين دون قصد فاعتذر منها, فقالت : سيعود إليك شهاب حتماً فانت محارب ! إستغرب أنس فقالت : مر علي بعضكم من قبل هكذا تكون هيأتكم, على العموم بعض المحاربين قوتهم في ثباتهم على الحق وليس في أجسادهم القوية, إنتبه لكتابك ستظهر أول سطوره عندما تلتقي بأبطال قصتك. أخرج أنس كتابه فقالت : إيكادولي !! اذاً إنتبه لأبطالك وراقبهما فهما في حاجة لمساعدتك أنت. لن تكتب لكن ما تراه بعينك وتعيشه سيظهر على السطور. ثق في كتابك ولا تظهره ولا تخبر أي شخص بإسمه, واحذر المجاهيم, قوم وجوههم كالحة  يسلبون الناس أنفسهم وأنفاسهم. قررت ناردين أن تمده بملابس أخرى غير تلك التي كان يرتديها حتى يتسنى له التجوال في المملكة وكأنه واحد من أهلها ثم قالت: تجول في القرية وافتح كتابك من آن لآخر, إن ظهرت أول الكلمات فاعلم أنك التقيت بأبطال القصة, فالأحداث تتم هنا بمشيئة الله وما زلنا لا نعرف النهاية .
سار أنس راكضاً في الغابة  ليلحق بشهاب. وبينما كانت تنطوي الأرض  من تحت قدميه شعر وكأنها تحولت لبساط وبدأت تدور وتتكور تحت ساقيه, ثم انشقت الأرض وتعثر ليظهر أمامه زمرة من الرجال لا ملامح لهم, رفع أحد الرجال يده إلى السماء فشعر أنس وكأن صدره يصعد في السماء فتدلت القلادة التي يلبسها من عنقه, فقال الرجل : من أين لك بتلك القلادة ؟ فقال: من جدي, فقال الرجل : أبادول ؟ وعندما سمع بقية الرجال أبادول وضعوا أيديهم على صدورهم وأحنوا رؤوسهم فقال الرجل: لجدك فضل كبير على استرداد مكانتنا بين باقي الشعوب, إمض فأنت في أمان حتى تخرج من الغابة وأظْهر القلادة حتى يعرفك المجاهيم. كان جدك هو من أطلق علينا ذاك اللقب بعد أن ألبسناه تلك القلادة . ثم اختفى المجاهيم وعادت الأرض تتكور تحت قدمي أنس وانطلق يكمل ركضه حتى حدود الغابة .
خرج أنس من الغابة يبحث عن شهاب, مر بحانوت لبيع الأغراض القديمة وهناك تعرّف على شاب يدعى كلودة. كان كلودة يحب إبنة عمه أشريا حباً جماً لكنه لم يملك سمات الشخصية التي تتمناها وتحلم بها, طلبها للزواج مراراً وكانت تأبى. مشى كل من كلودة وأنس في الغابة و توغلا فيها ولم يكد كلودة يسأل أنس كيف أتى إلى هنا بالتفصيل إلا  وكانت ضربة قوية قد باغتته فجأة وهو يمشي معه, وعلى أثرها صاح كلودة : سبحانك سبحانك إكفنا شرهم واجعل كيدهم في نحرهم. أخذ الرجال كتاب أنس وخنجره وكتاب كلودة, وقال رجل : سنسلمكما إلى الملك (كِمشاق) بعد أن نقبض الثمن !. رحل بعض الرجال وبقي ثلاثة يحرسونهما, ومرت لحظات لم يسمع أنس حديثهم عن الملك (كِمشاق) ولم يدرك أنه يسير باتجاهه .
أسدل الليل عباءته السوداء على المملكة. وَثَبت الأميرة (نبرة) من فراشها, كانت تتمتع بخفة العصفور, لعينيها الكحيلتان بريق عجيب. كانت تدرك أنها جميلة ولكنها كانت دائماً كالقدر الذي يغلي فيه الماء بجنون. دخلت إلى غرفة أخيها كمشاق وقالت: رأيت الرمز, هناك محارب على أرض المملكة فقال كمشاق : أين أختك اونتي ؟ فقالت: الحمقاء نامت مبكراً كعادتها . فقال حليم (الهائم في حب نبرة ) وهو مساعد كمشاق: إنها تختلف عنكما, حتى أنها لا تعرف عن الأخطار التي تتهددنا, تتبسط مع الجميع وكأنها ليست أميرة. قال كمشاق : هل رأيتِ وجهه ؟ فقالت: لا فبومتي العزيزة لم أرها الليلة . كانت نبرة تفخر بكونها كانت ترى من آن لآخر بعينيها كل ما تراه البومة البيضاء التي يعرف الجميع ارتباطها بها منذ الصغر ..
مر الوقت طويلاً على أنس وكلودة, وقبل طلوع الفجر بساعات اقتربت منهما بومة بيضاء جميلة وأنيقة, إقترب منها أنس بيديه المعقودتين خلف ظهره وقال: كم أنت جميلة, أسمعيني صوتك أنت فاتنة !. وفي مكان آخر وتحت سقف بديع راودت نبرة رؤى بعيني بومتها البيضاء, لقد رأت وجه شاب مليح له عينيان بندقيتان, رأت القيد حول ساقيه فعرفت أنه المحارب ...خيل إليها للحظات أنه يغازلها هي وليس بومتها البيضاء, سقطت جذوة الفتنة فوق قلبها والتي لن تنطفيء أبداً !! والآن  قد تعرفت على وجهه هل سترغب في قتله  ..  وقد أعجبها !.
قاومت مرام شعورها بالحنين لبيتها واحتياجها الشديد لأمها وانطلقت تبحث عن أنس هي و (قطر الدمع: أنثى الصقر), وفجأة أمسك بهما رجلين ,تفلتت قطرة الدمع وراحت لتخبر الملكة الحوراء بما حدث, بينما بقيت مرام في قبضة تاجر الرقيق. قدمت لها إحدى الفتيات شراباً يحتوي على نوع من المخدر جعلها في حالة من عدم الإتزان مما سمح لنساء تاجر الرقيق بتهيئتها بما رغبوا في إظهارها به وذلك لبيعها في السوق..
همست فتاة صبيحة الوجه من خلف الأشجار وقالت لكلودة : كنت أتبعك أمس ورأيتك مع الشاب وأنتما تدخلان الغابة فتبعتكما, ثم قامت أشريا بفك قيد أنس وكلودة.  سحب أنس حقيبته وما فيها من الحراس النيام ما عدا الكتاب الذي سرقوه إذ لم يكن موجوداً. ركضوا بين الأشجار هاربين, ثم ندت صرخة من أشريا, كانت هناك طفلة رضيعة ملفوفة بخرقة, إلتقطتها أشريا بعينين تهيمان بالدموع وأخذتها معها. وبعد أن خرجوا من الغابة تم عرض الطفلة على زوجة الخباز فوافقت على إرضاعها, فتركتها أشريا هناك. عزم أنس على استرداد الكتاب بنفسه, فهو لم يعتد على ترك حقه طالما هو قادر على استرداده. وبينما دلف أنس إلى بيت كلودة كانت البومة العجيبة تحلق من فوقهما ومنحت أميرتها نبرة رؤى ليلية تكشف عن المحاربين .
مر أنس من أمام جمع بيع الرقيق من الفتيات, كانت مرام تضرب كل يد تمتد إليها, رأت أنس وحول عنقه قلادة فأدركت أنه هو, فضربته بحجر ليلتفت إليها وقالت له : إشترني أرجوك, لم يسمعها وأكمل طريقه. ضربته مرة ثانية وثالثة فرد عليها بالضرب وأصاب عينها. وأخيراً اشتراها حليم مع ثلاثة فتيات وسار بهن إلى قصر الملك كِمشاق حتى يرضيه ويكسب وده . عندما وصلوا إلى القصر أخذت مرام تبكي, فتسلل صوت بكاؤها إلى الأميرة اونتي التي كانت تتسلل من جناح الخدم في ثياب جارية لتلتقي بحبيبها في البستان, فرقّت لحالها وقالت لها : لا تخافي ستطلبك الأميرة اونتي وتضمك إلى جواريها. بينما كان الملك كمشاق يستمع إلى أحد الحراس الذي يقول : وصل أحدهم يزعم أنه حصل على كتاب لأحد المحاربين ! إعتدل الملك في جلسته فقد كان كمشاق يهتم لتلك الكتب التي تحكي قصص الأمير اواوا. وأخيراً ستتلقى الحوراء ضربة تهز عرشها. فالآن يستطيع أن يأمر أحد الكهان باستلام الكتاب ليملأ صفحاته بما يرضي نفسه ويرضيه ويخلد إسمه .
أصبحت مرام الخادمة الشخصية للأميرة اونتي فقالت لها اونتي : إخترتك لأني أدركت من اللحظة الأولى أنك لست من النوع الذي يبحث عنه أخي كِمشاق, فبقاؤك هنا مرهون بإخلاصك لي, فأنا أحتاج لمن تكتم سري. طلبت الأميرة من مرام أن تغطي وجهها وتسير خلفها, وسارت مرام خلفها إلى أن التقت بحبيبها في البستان, وبدا لها أن الأميرة تحاول جاهدة أن تراود هذا الفتى وتغريه. فاستدارت مرام بانزعاج فما تلك المصيبة التي أشركتها بها تلك الأميرة .
قرر أنس العودة إلى الغابة فربما يلتقي بالرمادي ويسأله ما مصير الكتاب, أو ربما يعثر على شهاب. وبالفعل ظهر شهاب أمامه فجأة كما لو كان شبحاً, ودعاه إلى بيته وتعرّف هناك على بناته الثلاث, جميلة وجويرية وجمانة. بعد تناول الحساء شعر بالنعاس يداهمه فنام في بيت شهاب, ولما استيقظ وجد نفسه تحت ظل شجرة, وثب مذعوراً أين شهاب وزوجته وبناته !! وأين البيت. كانت تلك اللحظات من أصعب اللحظات التي قضاها وحيداً منذ وصوله. فرجع أنس إلى القرية مرة أخرى. كانت الحوراء تحمل سراً لا يعلمه إلا سامي كول والزاجل الازرق وهو أن الرياح تحمل لها أخبار المحاربين وتهمس بها في أذنيها طوال الوقت, لذا قررت هي والمغاتير أن ينتظروا أنس خارج أسوار المكتبة ليعلموه عندما يأتي إلى المكتبة أن مرام دخلت الغابة من أجله فتعرضت للخطر, ولا بد أن يساعدها بينما يستعيد كتابه .
دلفت اونتي إلى جناح أختها نبرة. فتشت عن عقد أمها التي سرقته نبرة منها, ولكنها لم تجده فكادت تنصرف لولا أن عينيها علقتا بغلاف كتاب يستقر على أحد رفوف خزانتها, مدت يدها وأمسكته وتسارعت دقات قلبها عندما رأت عنوانه إيكادولي: أحبك, وجدت صفحاته خالية, أخذته من الغرفة وقررت أن تهديه لحبيبها فهو بارع بالكتابة. وفي الصباح حمل الحبيب العاشق هديته وانصرف واختفى ومعه الكتاب .... خرج أنس من غرفة كلودة ليتأمل النجوم في السماء بينما عاد كلودة إلى غرفته ومد يده تحت الوسادة وأخرج الهدية التي أهدتها له اونتي, بحرص أضاف سطراً وكتبه بخط واضح وجلي ثم أعاد كتاب إيكادولي الذي أهدته له اونتي حيث كان يخفيه. كيف يتأرجح القلب بين فتاتين, وكيف تشتاق روح واحدة إليهما في آن واحد! وكيف يكثر كلودة من التسبيح أمام الناس ويقع في تلك الذلة بين أشجار البستان حيث يلتقي بالأميرة؟.  
صرخت نبرة فاهتزت نوافذ القصر وارتبك الجميع : أين الكتاب؟ غضبت كالمجنونة, وبدأ الجميع يفتش بارتباك.أدركت اونتي أن الأمر أكبر مما تتخيل فقالت لمرام : أخرجي من القصر واذهبي إلى بيت كلودة وأخبريه أن يتخلص من الكتاب, ستجدي بيته إذا سرت في خط مستقيم تجاه الشرق, واهبطى مع السهول ثم لا ترجعي فأنت حرة, وحذريه ألا يأتي إلا بعد أسبوع من اليوم !! وصلت مرام إلى البيت فعرفها كلودة, وأخبرته عن الكتاب فقام ودفنه تحت شجرة خلف بيته وغطاه بالتراب ثم بأغصان الأشجار. وقرر ان يصطحب مرام الى إلقرية ويتركها سريعاً. أما مرام فقد تعرّفت عليه, إنه ذاك الشاب الذي رأته في السوق مع أنس, ولكن كلودة لم يترك لها الفرصه لتتحدث إليه, أراد أن يتخلص من صحبتها حتى لا ينكشف أمره ..
قرر أنس أن يذهب إلى المكتبة للبحث عن كتابه. بقي يمشي في الغابة إلى أن وصل إلى قصر الحوراء, وكانت الرياح قد حملت  للحوراء خبر أن أنس على وشك الوصول  إليها. وعندما قابلها  أنس قال  لها : أريد أن أعرف ما هو دوري هنا بالتحديد ؟ قالت الحوراء : إختارك الكتاب لأن صفحاته أحست بقلبك, شمت الرائحة في دمائك, هي تعرفك لأنك صدّقت في نفسك شيئاً احتضنته تلك الصفحات بين سطورها، وأنت أدركت  قيمة ذاك الشيء ومعناه, وأنت هنا لتكتشف القيمة التي يتحدث عنها الكتاب وتدلنا عليها لنعلّمها لأنفسنا ولأولادنا. سيساعدك حراس المكتبة العظمى في طريقة استرداد كتابك, ولا تنس أن تبحث عن مرام التي خرجت في أثرك. لقد كان اسمك يظهر في كتابها, وقد حذرها أبي من أن ترحل طالما أنك وصلت لأرض المملكة. كان من المفترض لك أن تسير في الجهة الشرقية حتى تصل القرية وتظهر أول جملة في الكتاب, وهناك كنت ستلتقي بأبطال القصة, ولكنك أضعت الكتاب ونحن الآن لا نعرف من هم أبطال القصة. لهذا عندما تسترد الكتاب عُد وابدأ رحلتك من جديد, أما وإن عثرت على الكتاب وقد ظهرت بالفعل الكلمات فستكون مهمتك أصعب لأنك التقيت بأكثر من شخصية قبل أن نراك هنا !! .
إنتقل أنس إلى دكان كلودة مستعملاً الخنجر, حيث كان كان يعمل فجوة في الهواء ويدخل فيها فتنقله الفجوة إلى المكان الذي يريده. رأى أنس مرام هناك فقالت له : إسمي مرام, أرسلتني الملكة حوراء ولكن خطفني تجار العبيد وألبسوني ثياب الرقيق رغم أنفي, وقد كنت أناديك كى تحررني منهم لكنك بدلاً من هذا قذفتني في عيني وهربت!. تأسف لها أنس . كانت مرام تستغرب تغيراً بدأ يحدث في مشاعرها, فرغم غضبها الشديد منه, ورغبتها في ضربه فقد بدأت تشعر بانجذاب نحوه, وبدا لطيفاً وهو يعتذر لها, ثم قال : كيف بدأ الأمر معك ؟ فقالت : جدتي مغرمة بالكتب تعشق القراءة ولديها مكتبة عظيمة وبعض منها قصص نوبية . صفق صوت الرعد الذي ارتج له بدنها الهزيل فقرر أنس أن يأخذها إلى قصر الحوراء في الغد, وقد راق له أنها ستبقى ليلة أخرى. كان هناك شيء يتلجلج في صدره, إحساس لم يعهده من قبل, وخزة في قلبه موجعة لكنها لطيفة .
في الصباح توجه أنس إلى الغابة, إقترب من شاطيء النهر فظهرت انعكاس صورته في الماء, كانت الصورة لصقر أبيض! ثم اندفع إلى المياه فسحبته تيارات المياه بقوة إلى أسفل, ودخل في فتحة دائرية تحفها الطحالب, وظل يسبح إلى أن وجد نفسه في مغارة مغطاة بالطحالب الخضراء, أزال الطحالب بالخنجر فظهر تحتها كتابات غريبة. على يمينه كان هناك ممر طويل, أمسك بواحدة من قطع الكريستال التي أعطاها له جده فأضاءت له الطريق, كان هناك فتحة علوية تتيح للناظر رؤية الطريق, رأى أنس فتاة جميلة تجلس وتغني, إقترب منها شاب فقالت: كنت أعلم أنك ستأتي, هل تخلصت من الهدية ؟ أومأ الشاب برأسه ثم قال: أنا بخير, وقد لا تريني مرة أخرى, عانقته الفتاة بينما كان يقاومها ثم هرب الشاب عندما سمع نداءاً من فتاة أخرى تقول: مولاتي, مولاتي.  نظر أنس تجاه الشاب وتمعن في وجهه, إنه كلودة !! والذي كان يظن أنه ملاك. ثم وجد غرفة فيها تابوتين, ثم غاب عن الوعي ووجد أمامه رجلاً أخذ يكلمه بكلام غير مفهوم ولكنه حفظ الكلام. إستعمل أنس الخنجر ليخرج إلى سطح الماء. وفجأة ظهر له زعيم المجاهيم, فأخبره أنس بما حفظه من كلام الرجل, فأعلمه الزعيم بأن هذا الرجل هو الأمير أواوا وأنه يحذره مما هو قادم.
ومشي أنس قليلاً فرأى مرام, فقد جاءت تبحث عنه بعد أن أخبرها كومبو مساعد كلودة في الدكان أنه سيقصد الغابة, فاشترت قوساً وسهاماً وهرولت نحو الغابة. كانت تخشى أن يرحل أنس لمكان ما ولا تعثر عليه مرة أخرى, وهي التى تود العودة لديارها سريعاً, قال أنس : هل تعلمين أين موقع تلك المملكة على الخريطة ؟ فقالت : لا أعرف, أشعر أحياناً أننا بين السطور نرفع ونجر ونكسر من أجل المعاني, ثم تفحصت مرام أطراف سرواله المبتلة وقالت : هل سقطت في الماء ؟ أين ؟ فقال : النهر الأخضر, فسارت بخطوات سريعة ونظر كل منهما لانعكاس صورته في الماء وقالت : أرأيت ؟ صقور بيضاء ! هكذا نحن المحاربون تظهر صورنا ,أخبرتني الحوراء أننا نستطيع التحليق والطيران داخل نطاق الغابة وحول الجبل الأحمر, وإن تدرّبْنا سنتقن الأمر, فالحوراء وعشيرتها لا يجرؤ أحدهم على دخول الغابة لأنهم يفقدون أبصارهم وربما يفقدون حياتهم, أما أنا لم أجرؤ على دخول هذه الغابة إلا بعدما شجعتني قطرة الدمع على ذلك, قطرة الدمع زوجة الصقر الرمادي .
سأل أنس كلودة : ما ذنب أشريا ؟ أتخدعها وتزعم أنك تريد الزواج منها وأنت تعشق غيرها ؟ فقال: أخبرتك مرام ؟ كنت أعلم أنها لن تسترنا, فقال: لقد رأيتك بعيني وأنت معها اليوم, ولم تخبرني مرام بأي شيء فقال كلودة: أنس رفقاً بي, رفقاً بمن وقع في المعصية ثم عاد, أنا الآن أعرف قيمة التوبة أكثر منك, فتلك السقطة جعلتني على يقين أن الطريق الحق هو طريق التوبة ثم أجهش بالبكاء .. سألت مرام أشريا : لماذا ترفضين الزواج بكلودة ؟ فقالت: أخاف, إننى لست بارعة الجمال كما أنني لا أحسن ما تفعله الفتيات في أنفسهن, لا أظنني سأعجبه, ربما يكون وقع في حب فتاة بالفعل, سمعتُ الفتيات يتهامسن بهذا, ولكن ما يحيرني هو تكرار طلبه للزواج مني. يظن بعض الشباب أن كل الفتيات مباحات, يستطيع أن ينظر ويتأمل ويتفحص ويمزح مع تلك ويحب تلك, وعندما يريد الزواج يبحث عن فتاة بعيدة المنال, ولكن سلوكه تغير منذ فترة أتعلمين تلك النظرة التي تقرأين فيها انكسار مَن أمامك, ذلك الشحوب الذي يكسو وجه من يتوقفون عن فعل الخطأ وكأنهم يتعافون من مرض, لقد تغير كلودة, صار لا يرفع حتى عينيه في وجوه النساء وهو يسير .
إنطلقت مرام وأنس إلى قصر الحوراء, سارت بجواره وفي صدرها صراع يتلجلج بين رفضها للسير مع شاب غريب وبين اضطرارها لهذا لتعود إلى القصر, فهي لم تختر تلك الظروف. مرا من عند كوخ العجوز ناردين فأصابتها السعادة عندما رأتهما معاً. لم تتمكن من منع نفسها من الضحك, وما إن قامت تودعهما حتى سقطت مرام على الأرض وشعرت وكأن سهماً نارياً يخترق رأسها, حملها أنس وعاد بها تجاه الكوخ ووضعها على فراش ناردين بينما انطلق هو إلى القصر, فقالت الحوراء : كان متوقعاً أن يحدث هذا, أخبَرني أبي أنها لن تستطيع الرحيل إلا بعد استعادة كتابك, كلاكما شريكان في كتاب إيكادولي, أرجوك عد إليها واعتن بها أرجوك. وعندما استفاقت مرام أخبرها أنس بذهابه إلى الحوراء فهزت رأسها برفق ولم تَثر كما فعلت من قبل. كان ينتظر منها الهستيريا والصراخ لكنه رآها ساكنة راضية. مر يومان كانت مرام أفضل حالاً ثم  قررا أن يعودا إلى القرية بعدها .
حلم أنس بأن الأمير أواوا  قد أتاه في المنام ودله على مكان وجود كتابه. وعندما أفاق خرج أنس راكضاً ودار خلف البيت يتفحص الأشجار. حفر تحت إحدى الأشجار كما فعل الأمير أواوا في الحلم الذي رآه, وانحنى وسحب كتابه, وفور أن رأى كلودة الكتاب شهق وقال : كتابي, فقال أنس: بل كتابي إيكادولي, لقد رأيت رؤيا تدلني على المكان تحت الشجرة, دلني عليها الأمير أواوا. إرتبك كلودة وقال: أهدتني إياه اونتي, وجدت صفحاته خالية فكتبت به, فقلّب أنس الصفحات فلم يجد شيئاً فقال: الكتاب لا يقبل ما يُكتب عليه, يبتلع الكلمات ويرفضها, ستظهر الكلمات تباعاً في وقت ما, هذا ما أعرفه .
إنطلقت أم أشريا تزغرد في فرح, فقد طلب كلودة الزواج من أشريا مرة أخرى, ووافقت أخيراً الفتاة على الزواج. وازدحم البيت في الحال, بينما وقف مرام وأنس في حالة سكون لطيف يسترقان النظر خلسة لبعضهما ويراقبان ميلاد حب جديد, وما إن تلاقت عينيه بعينيها حتى شعرت مرام بدقات قلبها تتواثب, هو الحب لا ريب ...وفجأة اهتز كتاب إيكادولي وظهرت أول عبارات الكتاب (.....في بقعة ما بين الشرق والغرب حيث تتأرجح الحياة بنا, يُحكى أن ذات مرة ولد حب ) .. إنقلب البيت رأساً على عقب.
الزواج اليوم. مر اليوم جميلاً وبسطت الفرحة ردائها على الجميع, وفي الصباح أحضرت أم أشريا سلة مليئة بالطعام للعروسين وأعطتها لأنس ليحملها للعروسين, فقال أنس لمرام : هل من الممكن أن تسيري معي ؟ فقالت مرام: لا, أفضل أن أعود لأم أشريا فهي حزينة لفراق ابنتها كما تعلم . إستدار كلاهما وافترقا, كانت مرام قد قررت ألا تسير معه وحدها مرة أخرى, أرادت أن تحتفظ بتلك المنطقة المحظورة التي تربت أن تحيط نفسها وقلبها بها, فلا تسمح لغريب أن يقتحمها حتى لو كانت تحبه. سار أنس نحو بيت كلودة وشعر باهتزاز في حقيبته, فأدرك أن عبارة جديدة ظهرت في الكتاب (عندما أحبها ارتقى بها فوق مستوى اللذة ... كان يحبها ويعشقها لكنه يخشى من نفسه ويخشى عليها من نفسه ). قرأ أنس كتابه وقد استقر في نفسه أن كلودة وأشريا هما بطلا قصة الكتاب بالفعل .
في الصباح التالي وفي غرفتها وحيث كانت اونتي تتلوى من الغيظ, دلفت عليها شقيقتها نبرة وقالت: الكتاب .. أنتِ سرقته أليس كذلك ؟ شعرت اونتي بالقشعريرة وقالت: بل سرقته تلك الجارية مرام وفرت بعد أن سرقت المال من خزانتي, ثم خارت قواها وقالت القصة كاملة لإختها منذ البداية وحتى اللحظة التي ماتت فيها روحها عندما لفظها كلودة, ورفض غرامها فانكشف الأمر كله لنبرة. بعد طلوع الفجر انطلق الحراس إلى بيت كلودة وانتزعوه من بيته, بينما انطلقت أشريا إلى أنس بعدما علمت بأمر الكتاب من الحراس, أخذت تتوسل أنس أن يعطيهم الكتاب ويعيد زوجها, فوعدها أن يعيده وخرج حائراً لا يدري ماذا يفعل. تناهى إلى سمعه صهيل خيول فانتفض وخرج ليرى, فقال له الحارس: معي رسالة من الأميرة نبرة واقترب من أنس وتسلم الرسالة وقرأ الرسالة, وقال : إنها تدعوني للقائها, ثم توجه لمرام وقال : دعينا نتعاهد على شيء, إن لم يكتب لنا اللقاء, وعاد كل منا لإهله, فلنلتق في الإسكندرية في مكان محدد. واتفقا على المكان, وودعها وابتعد مع الحراس يتلفت من آن لآخر مشيراً إلى مرام التي انخلع قلبها لرحيله .
لقد فتنت نبرة ولأول مرة في حياتها, فتنت بالمحارب الذي جاء خصيصاً ليسترد نهاية كتاب ستنازعه عليه. جلست على مقعد وقالت : أين الكتاب ؟ لماذا لم تحضره معك ؟ ربما اونتي وكلودة أبطال قصتك فقال أنس : لا أظن, ربما كلودة وزوجته, فقالت نبرة : الكتب تفاجئنا, ربما أنا وأنت أبطال هذه القصة, إرتبك أنس فقال : أريد أن أرى كلودة, ثم سار بغضب فعلق جزء من قميصه بمسمار, فالتقطتها نبرة سريعاً لتعطيها للساحر قرجة, وقالت : أحضر الكتاب واستبدله بصديقك وأسرع قبل أن يقتله الملك. إنصرفت والغيرة تتأجج في صدرها, ذاك الشاب عاشق لا محالة لم يرف له جفن وهي من هي تتألق في زينتها أمامه, وكأنه قد عمي وهي بقربه ..
كان اللصوص يبحثون عن أنس في كل مكان, توزعوا بين القرى يبحثون عنه, وعلى حين غفلة منه وبينما هو عائد من لقاء الأميرة نبرة نجحوا في أسره. قدمه اللصوص إلى حليم الذي أمر بتعذيبه. قال له حليم : أستطيع الآن أن أثقب قلبك, وسنجمع دماؤك في وعاء وسنكتب به ما يليق بملكنا العظيم كمشاق, سأل أنس : في أي عام نحن ؟ فقال حليم متعجباً : مائة وثلاثة وأربعون, ثم دخلت نبرة عليهم صارخة وقالت لحليم: وكيف ستثقب قلبه والكتاب ليس معنا أيها الأحمق! أرى أن نستبقيه حياً حتى نحصل على الكتاب. وفي المساء تسللت إلى أنس وحررته وهرب في الظلام مهتدياً بضوء القمر ...
حاول أنس أن ينتقل بالخنجر إلى بلاط القصر ليبحث عن كلودة إلا أنه لم ينجح, حيث كان يدلف إلى الفجوة ويعود لنفس المكان. قدِمت نبرة لمقابلة أنس في بستان بالقرب من بيت كلودة ومعها الصقر القرناس, واعترفت بحبها له وقالت له: لا أريد منك سوى القرب. شعر أنس بالخطر عندما بدأ يتعاطف معها! وعندما بدأت كلماتها تؤثر فيه, أسرع مهرولاً خارج البستان.  
خرجت نبرة ومعها تلك القطعة التي تمزقت من قميص أنس, كانت تشمها وتقبلها, وصلت في مكان ما حيث تجمعت زمرة من النساء, جلسن وشكلن حلقة حول نبرة التي ذهبت إليهن, حيث أخبرتها الوصيفة أنهن سيساعدنها على استجلاب الحب لقلب أنس. وما إن بدأت ترانيمهن حتى شعر أنس وكأن أحدهم غرز في قلبه شوكة ثم غاب عن الوعي. وعندما أفاق لم ير سوى نبرة تتمثل أمامه بزينتها, حتى عندما أغمض عينيه رأى عينيها أمامه فأخذ يتمتم أمام كومبو: نبرة أريد نبرة !! حينها اقتربت أم كومبو منه وقالت : إنه مسحور. خر أنس على ركبتيه مسحوقاً مكسوراً, مرت الدقائق ثقيلة عليه, كان يقاوم رغبة تنازعه وتدفعه للركوض إليها. وقفت مرام تبكي وهي تراه في تلك الحالة ، نخر الحزن قلبها بلا هوادة, أرادت أن تخبره أنها تحبه ولكنها ضلت الطريق إلى الكلمات ..
ثلاثة أيام بلياليهما مضت بينما كومبو يقرأ القرآن ليلاً نهاراً على أنس, وأخيراً استرد أنس نفسه, كان ثابتاً بعد أن داس على الشهوة التي كانت تتأرجح في صدره مخافة ربه. أخبر كومبو أنس بما حصل خلال الثلاثة أيام الماضية حيث أنه داهم الحراس البيت القديم وسرقوا كتاب إيكادولي من مرام, وأسروا مرام عندما تعرف عليها أحد الحراس حيث كان بصحبة حليم عندما اشترى الجواري وكانت هي من ضمنهم, ثم قال كومبو : قم أيها المحارب لا بد أن تستعيد كل شيء!.
إنتقل أنس إلى قصر الملكة حوراء ثم انتقل مع المغاتير والزاجل الأزرق إلى قصر الملك كِمشاق, ثم انتقل أنس إلى المجاهيم وطلب منهم الأمان وتعاهد معهم أن ينقلهم إلى حيث يستطيعون السيطرة على ما تحت أرض قصر الملك كمشاق لتتوسع مملكتهم مقابل أن يعينوه على اقتحام القصر وتحرير كلودة ومرام التي كان يتحرق شوقاً للإطمئنان عليها، أما الآن فقد بقي عليه أن يستدعي الصقور, وقبل أن يحرك خنجره في الهواء كانت الصقور فوقهم تحجب ضوء الشمس, وبدأ صدام عنيف, دلف أنس والزاجل الأزرق وزعيم المجاهيم إلى ديوان الملك كمشاق. كان أول ما روع أنس هو رؤيته لكلودة وهو معلق, وكان الساحر قرجة يجلس وبين يديه كتاب إيكادولي يستعد لكتابة أول عبارات فيه بدماء كلودة, وكانت نبرة تمسك بسهم وتستعد, ورشقت السهم في قلبه فصرخ صرخة مدوية, حينها صرخ أنس مطلقاً إشارة الهجوم وأخذ أنس كلودة وانطلق به إلى كوخ العجوز ناردين فقالت له : هل أحضرت الزجاجة ذات السائل الأزرق ؟ فأعطاها إياها وعالجت بها كلودة, بينما انطلق أنس كي ينقذ مرام, فأخبرتهم اونتي أن المسكينة مرام الآن بين يدي أختها نبرة وهي في طريقها لتُلقي بها من فوق الجبل الأحمر.
إنطلق أنس سريعاً إلى هناك حيث كانت نبرة تقف وقد انحنت تكتب نهاية قصتين. أنهت أولهما بموت المحب كلودة الذي كان يعشق أشريا لكنه أخطأ وفطر قلب أختها, وكادت تنهي الأخرى بموت مرام, أما أنس فكان يقترب في وجل وحرص لكن نبرة انتفضت وشعرت به, فركلت مرام من ظهرها فسقطت من فوق قمة الجبل. أنطلق أنس يركض وأغمض عينيه وقفز فحلّق كما أخبرته مرام من قبل أن المحاربين وحدهم يستطيعون التحليق كالصقور حول الجبل وفي نطاق الغابة, إلتقطها وصعد بها شيئاً فشيئاً ثم أنزلها قرب قمة الجبل. إنتقل أنس ومرام بواسطة الخنجر والفجوة إلى الغابة إلى ناردين. ثم نقل كلودة إلى عروسه وداره, وأعاد كومبو إلى أمه, ونقل المغاتير إلى قصر الحوراء مع مرام. كما نقل ناردين إلى ابنها ربيع الذي فرح جداً لمشاهدته أمه, وأعلمها أنه قد طلّق زوجته وتزوج بأخرى. فرحت ناردين برؤية إبنها وأحفادها, ولكنها أصرت على العودة إلى كوخها في الغابة.
إنتقل أنس إلى المكتبة العظمى فقال له الحارس الكهل : لم تتحرك الكتب منذ ثلاثين عاماً كما تحركت اليوم, لقد أصابنا الرعب, كانت أول مرة تحركت فيها هو  يوم وصول جدك, ومن بعدها حين جاء أبوك وها هو الأمر يتكرر اليوم معك، سأتركك لتخلو بإيكادولي وسأنتظرك مع حراس الكتب لنتسلمه منك, فلقد قمنا بإرسال الكتاب وغسله في ماء النهر الأخضر فالكتابة بالدماء لا تزول إلا بغسله هناك. الكتاب في الغرفة هناك وأظنك تحمل مفتاح الغرفة ؟ أخرج أنس ذاك المفتاح الذي أعطاه له والده ورفعه ثم دلف للغرفة فرأى الكتاب وشاهد ظهور العبارات تباعاً على الصفحات تحكي ما مر به بالتفصيل, كل خطوة كل همسة كل شخص التقى به حتى مرام حتى الغابة وما فيها, ثم أغلق الكتاب بقوة ففتح الكهل الباب وحمل الكتاب. ثم انتقل أنس إلى قصر الحوراء حيث كان الجميع ينتظرونه. إقترب من مرام ليبوح لها بمكنون صدره, كاد يقول شيئاً لولا الرمادي الذي ظهر فجأة وانقض عليه وطار به محلقاً فوق مملكة البلاغة و سط صراخ أنس : مرام مرام !!.
أخيراً فتح عينيه أنس كي  يجد نفسه في بيت جده بالفيوم ، حاول أن يرفع رأسه فإذا بباب الغرفة يُفتح ليهرول تجاهه والده وجده, قال جده: ما بك يا أنس؟ عن أي شيء تبحث؟ فقال أنس: الكتاب .. مرام !! فقال الجد : سيبقى هؤلاء هناك, لا بد أن تعلم أنك انفصلت عن عالمهم. قال له والده: كنت مجرد...شخصية في رواية! قام أنس كالمجنون فأمسك جده بذراعه وقال بهدوء: أنظر ها هي الجريدة, هناك إعلان عن رواية جديدة للكاتب شهاب السيوفي ستصدر عن دار مملكة البلاغة للنشر والتوزيع, مكتوب هنا ان الرواية تحكي قصة حب نوبية قديمة .. هكذا تسير الأمور. قال له والده: كل ما مررت به مخطوط في تلك الرواية بعناية شديدة, وانتهى الآن فقد تم تسليمها لدار النشر وستتم طباعتها, فلتنس كل ما مررت به هناك.  قبض أنس على صدره وقال : شيء مني بقي عالقاً هناك ولم يغادر ..
أطلت الشمس من خلف السحب, خرج أنس من البيت وقرر أن يلتقي بالكاتب شهاب السيوفي. ولكي يحصل على عنوان بيته إتجه أولاً لدار مملكة البلاغة للنشر والتوزيع. صعد الدرج متوجهاً لمكتب مديرة الدار وكانت المفاجأة, الحوراء تجلس أمامه بشحمها ولحمها وعلى أنفها عوينات صغيرة, قال لها : وددت أن أسأل عن رقم هاتف السيد شهاب السيوفي. رفضت المديرة إعطاءه الرقم دون أن يظهر أسباباً مقنعة, وقالت : من فضلك ليس لدي وقت, إنتظر حتى تلتقي به في حفل التوقيع.
خرج أنس من المكتب ودلف إلى المصعد, وتعرف على رجل هناك اسمه أحمد, فقال الرجل : هل أنت جديد ؟ كاتب ؟ فقال أنس : تقريباً ! فقال الرجل : أسرع إذن فالسيدة ناردين ستنتهي من مراجعة الرواية الليلة حتى تضم عملك في جدولها, وبعدها ستنهال عليك الأعمال, فطلب منه أنس رقم شهاب السيوفي فقال الشاب : حسناً ها هو رقمه, ولا تنس أن تضيفني على الفيسبوك, إسمي الزاجل الأزرق !. فغر أنس فاه, بدأ الأمل يدب في نفسه فربما يلتقي بمرام أيضاً, فقد كان يرزح تحت موجة من الحنين إليها ويشتاق لوجودها بجواره. تحدث أنس تليفونياً إلى شهاب السيوفي وبعد مماطلة وافق شهاب على مقابلته.
إنطلق أنس إلى بيت السيد شهاب, فتح السيد شهاب الباب كانت ملامحه كما هي عندما رآه هناك, فقال أنس : لا تزعم أنك لم ترني من قبل ؟ أين مرام, فقال شهاب : أنا لا أعرفك ومن هي مرام. لم يتمالك أنس نفسه وثار فجأة ووقف يتحدث بعصبية شديدة. إنزعج شهاب من كلام أنس وظن أنه مجنون وقال له: يبدو أنك واسع الأفكار يا فتى, ربما الأفضل لك أن تتجه للكتابة, إنتهت الزيارة ! قال أنس: عدّل نهاية روايتك إيكادولي أرجوك. تعجب شهاب من معرفة أنس لإسم الرواية التي لم يطلع عليها أحد سوى زوجته. قال أنس: كنت أعيش في روايتك والتقيت بمحاربة إسمها مرام كانت تعيش أحداث رواية أخرى إسمها هيلا, قال شهاب : هيلا رواية بالفعل لي, وبالفعل روايتي إيكادولي تحتوي أحداث متشابكة وبها شخصية محارب ومحاربة, ثم قال: حسناً يا أنس, إجلس وأخبرني بكل ما مررت به بالتفصيل.
 قاطعهما أزيز الباب وهو يدفع بلطف فكانت زوجة شهاب, فقال أنس لشهاب : لديك ثلاث بنات جميلة وجمانة وجويرية !! قال شهاب مذهولاً : يبدو أنك اخترقت رأسي وتقرأ أفكاري, فهذا ما كنت أحلم به قبل زواجي أن ننجب أنا وزوجتي ثلاث فتيات, هكذا تمنيت الله ولكن الله كتب على زوجتي أن تتعثر على درج الأمومة, فهي لا تتخطى الشهر الثاني في حملها وسريعاً ما يسقط الجنين ولكني ما زلت أحلم, فقال أنس: لقد رأيتهن هناك !! وبعد أن فرغ أنس من سرد القصة  له قال شهاب : لا عليك, لكن إن كان ما تحكيه صدق فهذا يعني أن الكتب حية وتنبض وتشعر بنا, كنت تظن يا أنس أن كلودة وأشريا هما أبطال الرواية, والصحيح أن المحارب والمحاربة هما البطلان أنتما أنت ومرام. ولكن ما لم تدركه أنك دخلت الرواية بطريقة معكوسة, لقد بدأت رحلتك من صفحاتها الأخيرة يا أنس.
القصة تبدأ بشاب سيء الخلق إسمه كلودة, تحبه إبنة عمه بصمت وتتمناه زوجاً بينما يعيش قصة حب مع أميرة تدعى اونتي. وكان الناس يعلمون بقصتهما فينفرون منه, ولهذا كانت أشريا ترفض الزواج منه. وعندما أفاق من غفلته وتزوج من ابنة عمه ثارت الأميرة وغضبت وظلت تهدده ليعود إليها, فعانى كثيراً ولكنه ظل على ثباته, فأمرت الأميرة بقتل ابنتهما, فهربا للغابة وتبعهما حراس الأميرة, وقُتلت أشريا وخُطفت ابنتها الرضيعة, فانطلق كلودة يبحث عنها حتى وجدها وأعطاها لزوجة الخباز لترضعها وترعاها, وهناك  ظل على حاله حزيناً منكسراً يسبّح ليلاً ونهاراً ويذكر الله في كل حين.
فكان أول لقاء لك بكلودة في الصفحة الأخيرة, ولكنك حين ألبست القلادة لأشريا وابنتها أنقذتهما من الهلاك والموت وتغيرت بعض المواقف. سأل أنس : لماذا اختارني كتاب إيكادولي ؟ فقال شهاب : لأنك تؤمن بالفضيلة, وكان واضحاً وجلياً وأنت تحكي لي القصة بالتفصيل أن المحاربين أنت ومرام كلاكما يجاهد نفسه, تمسكتما بالفضيلة لآخر لحظة, ودار صراع عظيم. سأل أنس: وماذا حدث في نهاية الرواية؟ قال شهاب: تركت النهاية مفتوحة, فإرضاء القراء غاية لا تدرك يا أنس. لا تظن أن قدرك بين يدي، أنا مخلوق ضعيف مثلك, وما مررت به غريب وعجيب لكن الأقدار بيد الله وحده. خرج أنس من عنده وقد ازداد شعوره بالغربة. كانت زوجة شهاب تراقبه من خلف النافذة فقالت بهدوء : أليس هذا هو الشاب اللطيف الذي كان يداعب الأطفال الصغار في محطة القطار, والذي رأيناه منذ أسبوع أو أكثر ونحن عائدان من الفيوم ؟؟ فقال : يا إلهي .. يبدو أنه هو !.
إختفى أنس .. إختفى المحارب, إرتبك كل من بالوادي, فقالت مرام : لقد حدث ما أخبرتني به أيها الحكيم, كان طوق نجاة لي. همّت قطرة الدمع أن تعيد مرام لعالمها ولكن مرام قالت : أرجوك يا مولاتي حققي لي ما وعدتني به, ألم تعديني بتحقيق ما أطلبه منك بعد انتهاء مهمتي ؟ أريد حق التدوين, أريد أن أكتب نهاية قصتنا. لم أتوقع أن أحب أنس, لقد ابتليت بحبه, لا بد أن يكون هنا كتاب يحكي قصتنا وينتهي بلقاء, ولن تحتاجوا إلى استدعاء محارب, فهي مجرد قصة ستقرأ يوماً ما عني وعن أنس, عن الحب الذي يعيش طاهراً حتى اللحظة الأخيرة وإن لم يلتق الحبيبان.
تنازلت الملكة الحوراء عن الحكم لإبنها الزاجل الأزرق, فهمس الحكيم سامي كول لحفيده الزاجل الأزرق: كان أنس طوق نجاة لمرام عندما أنقذها من الموت, وستكون طوق النجاة لقلبه. مضت الملكة مع مرام إلى الغابة, فهمس كل من في الغابة حتى الفراشات: الملكة في الغابة, الملكة في الغابة, فقالت الحوراء: عند انتقال الحكم لا بد من الدخول إلى الغابة. فقدَ أبي بصره عندما دخل الغابة, وألبسني التاج من أجل محارب قديم ضحى من أجله هو الآخر, ثم قالت : الآن يا مرام سيحملك هذا الصقر إلى المكتبة العظمى حيث ستكتبين ما يريح قلبك  ....وعندما وصلتْ إلى المكتبة العظمى أرادت أن تكتب على الصفحة الأخيرة من كتاب إيكادولي, ولكن رُفعت الصفحة الأخيرة وارتفعت في الهواء بعيداً عنها فانخلع قلبها ومدت يدها محاولة أن تجذبها لكنها لم تتمكن. كانت تظن أنها ستكتب نهاية لتلك القصة التي عاشتها, لكنها لم تقدر, فلن نكتب أبداً أقدارنا!!. شعرت بأنفاس قريبة منها, إنه كتاب إيكادولي الذي كان يخبرها بشيء ما!.  
في اليوم التالي وبعد أن تذكر وسط يأسه وحزنه أنه كان قد اتفق مع مرام على مكان للقاء !! أسرع مهرولاً باتجاه المكان الذي اتفقا عليه. كان ينتظر طوق النجاة لقلبه. إرتج كيانه عندما سمع : أنس أهو أنت ؟؟ إلتفت فإذا بها خلفه بقامتها القصيرة وجسدها الرقيق وملامحها البريئة, صاح: مرام !! فقالت : ظننتك مجرد شخصية في رواية. سألها: كيف عدت إلى هنا؟ قالت: عدت إلى هنا عندما أمر الملك الجديد قطرة الدمع بإعادتي. الملك الجديد إبن الملكة حوراء الزاجل الأزرق. أتدري همس لي كتاب إيكادولي يذكّرني بالمكان والموعد الذي اتفقنا أن نلتقي فيه يوماً إن افترقنا. أومضت حفنة من النجوم في عيني أنس البندقيتان وقال : هل تقبلين الزواج مني ؟. غمرتها حمرة الخجل, ثم همهمت موافقة بصوت خفيض, وشعر أنس بالفرحة تموج في صدره, كست وجهه إبتسامة واسعة فأشرقت عيناه.
بعد سنوات, وحيث حملت الأيام ثلاث بشريات لشهاب وزوجته, ونثرت الكثير من السعادة على مرام وأنس, وفي بيت الجد, وبينما في بقعة أخرى من مكان آخر, كان هناك شاب لطيف واسع الخيال يجلس في غرفته ويقرض أظافر يده اليسرى ويتمتم وهو يكتب آخر جملة في روايته الجديدة. كانت الكتب تدور في مكتبة الجد بالفيوم حول حبيبة شقيقة أنس, والتي كادت تفقد الوعي عندما سقطت الكتب فجأة, وكان هناك كتاب واحد فقط بقي مفتوحاً أمامها , كانت ترتجف وهي تحملق في الصفحات وهي تتقلب وحدها أمام عينيها وكأن هناك شبحاً يعبث فيها. إقتربت بحذر من الكتاب, رأت صورتها ترسم على الصفحة ثم بلون أحمر كروي رأت رمزاً غريباً يكتب بوضوح !!.


النهاية ...






إرسال تعليق