الثلاثاء، 5 يونيو 2018




تلخيص رواية: 
 كن خائناً تكن أجمل: عبدالرحمن مروان حمدان. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان


 كنا في الشهر الثالث من السنة عندما هاتفني صديقي عبدالله سعيداً مهلهلاً : عبود حبيبي , باركْ لي ، لقد حصلت على الوظيفة اخيرا . تملكني شعور بالفرح والسرور لأجله وكأنني أنا من حصل على تلك الوظيفة . فباركت له على الفور ، و سألته أين ؟ فقال : في مدرسة النشمية الإبتدائية ، إنها مدرستي التي درست بها عندما كنت ولدا ، أتصدق هذا ؟! 

 كان عبدالله غريباً في التفاؤل الذي كان يجتاحه ، حالماً في أفكاره ومعتقداته ، غارقاً في عالم الفضيلة ، وأسطورة من أساطير التحفيز و التفاؤل . في اليوم الذي يليه ، ذهب عبد الله إلى عمله مسروراً ، وبدأ يومه الأول ، بعادته التي ترافقه منذ أن كان ولدا صغيرا ، يقرأ على نفسه المعوذات حتى يطمئن فؤاده . التقى بزملاء عمله وتعرف على المكان الذي كان يعرفه جيداً . 
كان عبد الله الرجل الثاني ضمن فريق الهيئة التدريسية . أما باقي الفريق فقد كان من الفتيات ، مما زاد من خجل عبد الله ، وهو الرجل الذي لم يعتد على مرافقة الجنس اللطيف في مراحل حياته الفائتة . ومع الأيام ، بدأت شعبية عبد الله بالنمو وبدأ سهمه ينتشر شيئا فشيئا في المدرسة . ولاحظت الإدارة ابداعه و تفوقه . وكانت الحياة من أجمل ما يكون . صديقه في العمل قد أصبح أخاً له ، وزميلاته يحترمونه أيما احترام . إلا معلمة واحدة كانت تتحاشاه و تتجنبه و تحاول جاهدة عدم السلام عليه . وما إن مضى شهران على عمل عبدالله في تلك المدرسة ، حتى أصبحت كل زميلاته في العمل يتبادلون معه اطراف الحديث و يمازحونه بعدما اكتشفوا خفة دمه . إلا روان ! 

لفتت روان انتباهه بتمردها وأنفتها وتكبرها . وتميزت عن غيرها بالصد والإبتعاد . وأشعلت فتيل قلبه بنار اللامبالاة . كانت روان سمراء جميلة الوجه طاغية الأنوثة كحيلة العينين .. حسناء في صدها وفي ردها وفي كل حين . 

 وفي يوم من الأيام كان عبدالله جالساً في حجرة المعلمين يتناول إفطاره . ثم خرج بعدها كي ينهي بعض الاعمال المكتبية . وعندما رجع إلى غرفة المعلمين وجد هاتفه مضاءاً وكأنما أحدهم كان يلعب به . فنظر إلى يسار الهاتف فوجد روان وقد احمر وجهها من الخجل وكأنها مذنبة أو فعلت شيئاً خاطئاً . أخذ هاتفه ثم خرج من الغرفة . 

وبعد عدة أيام في الثامنة مساءاً وأثناء ذهابه إلى النادي الرياضي ، رن هاتف عبدالله وكان الرقم مجهولاً . كانت فتاة تتحدث بصوت لطيف و ناعم وتقول : كيفك عبدالله ؟ فرد قائلاً : مساء الخير ، من الذي يتكلم ؟ فقالت: أنا روان زميلتك في المدرسة . وانتهت المكالمة الاولى مع روان بعد أن طلبت منه أن يحضر لها نموذجاً حتى تعمل هي على إنشاء ما يشابهه في عملها . فهرع عبد الله إلى مكتبه يحاول العثور على أفضل ما يمتلك من نماذج ليعطيها لها في الغد. وفي اليوم الذي يليه لبس وتأنق واستعد للقاءها أيما استعداد . فاليوم سيلعب دور الشهم الفارس الذي لبى نداء أميرة جميلة استغاثت به . ذهب مبكراً إلى دوامه ، ولم ينس أن يتدرب على طريقة الكلام التي سيلقي بها السلام . دخل غرفة المعلمين فوجد روان في انتظاره . فألقى السلام . ولكن عند رؤيتها ضاع الكلام . قال لها : هذه الأوراق التي طلبتي مني احضارها تفضلي . فأجابته روان بكلمة واحدة : تمام . فسكت عبد الله ، ثم أعاد تحية السلام معلناً تركه للمكان ، و رحل منهياً موعده الغرامي الأول . 

توالت بعد ذلك المكالمات بين الاصدقاء ، بأسباب وهمية في البداية ثم بدون أسباب . وبدأ عبدالله و شيئا فشيئا يتعلق بروان كل يوم . وكيف لا وقد انهالت عليه بالهدايا والإهتمام الذي لم يعلمه يوماً رجل مثله. وقع عبدالله المسكين في حبها . كان وحيداً في أرض المعركة في مواجهة روان . تعلق عبدالله بروان وأبدعت هي في ان توقعه في شباكها . 

مرت الأيام وجاء اليوم الذي سأل فيه عبدالله روان : لماذا لم تتزوجي حتى الآن ؟ فأجابته : لم القى نصيبي بعد . فسألها : هل أحببت أحداً من قبل أم أنني من فاز بلقب اول حبيب لك ؟ فقالت : لم أعشق قبلك أحداً ولكني كنت معشوقة أحدهم . كان المحامي الذي كنت أعمل عنده قبل ان ادخل الجامعة . وأنت ؟ فقال: أحببت قبلك ولكن ليس بقدر ما أحببتك . لقد أحببت ابنة خالي عندما كنت في الثالثة عشر من عمري . وكنت لا اعرف كيف اتكلم معها ، ولم أكن أقل لها غير "إيمان كيف حالك". فسألته روان : وكم كان عمر إيمان وقتها . فأجابها كانت في العشرينات. حينها ضحكت روان بصوت عالي . فأدركت روان مدى براءة عبدالله . حينها تجرأ عبدالله وسألها عن مواصفات الرجل الذي تحلم بان ترتبط به . فقالت : أن يكون يخاف الله . وبحبني وأحبه. ويا سلام لو كان اسمه عبود . هنا سقط عبدالله مغشياً عليه . هنا فقد ذلك المجنون عقله . كان يخاف من أن ترفضه فخطبته هي قبل أن يخطبها . 

بدأ عبدالله يفكر بشكل متمهل و متاني كيف سيخبر والدته بالأمر ومن أين سيبدأ . ففي بيتهم الحب حرام ، وعار أن تعترف أنك معجب باي انسان . وجاء الحل من روان ، فاقترحت الدخول للموضوع بطريقة غير مباشرة ، وذلك عن طريق دعوتهم لعرس شقيقها الذي يدعى توفيق ، وفي الحفل ستتعرف هي بوالدته . وافق عبدالله على الفكرة التي كانت الحل الوحيد الأقل إحراجاً له ، والتي ستوصل رسالته بالتمهيد لامه عن علاقة قوية تربطه بتلك المعلمة . 

مرت الأيام وأحضرت روان لعبدالله بطاقة الدعوة لحفل زفاف شقيقها . سلم عبد الله أمه الدعوة ، فضحكت أم عبدالله وفهمت ما لم ينطق به ولدها . مرت الأيام وجاء يوم حفل زفاف توفيق . وتجهزت الأم وشقيقتا عبدالله لارا ويارا وكأنهن قد دعيتا إلى أفراح السلطان . وصلوا إلى القاعة في نهاية المطاف وإذا بروان تقف عند الباب الداخلي لقاعة النساء في انتظارهم ، وقد عرفتهم من النظرة الأولى ، فقد أعطاها عبدالله من تفاصيل اشكالهم و وصفهم الدقيق ما قد يجعل من المستحيل على فتاة بذكاءها أن تخطئهم . 

في تلك الليلة كانت روان تشع جمالاً من وهج سعادتها بنجاح ما خططت له . وأثناء الرقص ، أبهرت كل من في القاعة بميلان جسدها ، وأمالت قلوب الحضور . وفي نهاية الحفل همّت أم عبدالله بمغادرة المكان ، فسلمت على روان مودعة إياها وغادرت القاعة مع البنات . وفي السيارة صعدت أم عبدالله إلى جانب ولدها وقالت : عرفت ان تختار يا عبدالله . ولم ينتظر عبدالله ، فما إن وصل بيته حتى أخبر روان بالنتيجة الرائعة . 

 طلب عبدالله من امه أن تفاتح والده بالموضوع . وبعد عدة أيام ، حادثت أم عبدالله ابنها في الصباح وقال ت: رفض ابوك هذه البنت ورفض حتى فكرة الإرتباط لإبن الخامسة والعشرين . حزن عبدالله حزناً كبيرا ورفض قلبه تصديق هذا النبا الصعب ، فتكلم مع أبيه المغترب في بلد آخر. قال أبو عبدالله : أنت شاب متعلم ، ويجب عليك أن تختار زوجة ترفعك وليس زوجة تثقلك . ما حاجتك لفتاة والدها كان يعمل نجاراً ؟ أنت والدك حاصل على درجة الدكتوراة ، ويجب أن تبحث عن عائلة من ذات المستوى الاجتماعي و الاقتصادي . كما أننا نحن أهلك لم نستفد منك شيئاً بعد ، لم نر خيرك بعد حتى تأتي فتاة غريبة وتأخذك بخيرك ! هنا اكتسح العالم السواد . ضاع الحلم في غمضة عين . 

 مرت الأيام والليالي وهو يفكر كي يصل إلى قرار في هذا الامر الصعب ولكن دون اي فائدة مرجوة . لذلك قرر عبدالله أن يحسم الموضوع وأن يطلب من روان ، بعد أن يصارحها بكل شيء ، أن عليهم أن يتركوا بعضهم . لذا هاتفها وشرح لها الامر باكمله و موقف ابيه من موضوع الخطوبة ، ولكنها لم تقتنع . كانت مصدومة نفسياً بذلك القرار وهي التي غاصت في أحلامها إلى ما بعد ثوب الفرح ، وسافرت بخيالها إلى ما بعد الطفل الأول . قال لها أرجوك لا تنسيني ولا تكرهيني في حياتك ، فأجابته ولكني أحبك . غضب عبدالله من ضعفها مقابله وأثار غضبه أنه بدأ يضعف أمام الالحاح الشديد و الاصرار . فقال لها لينهي المكالمة قبل أن ينهار : أنا لا ارغب في ان تكوني زوجة لي . أنا لا ارغب في الزواج !! وأغلق الهاتف . 

حاول عبدالله ان ينام تلك الليلة ولكن ضميره لم يسمح له بذلك ، فعليه أن يدفع فاتورة الظلم ما دام قدر قلبه ان يظلم تلك الفتاة البريئة . ولم تفارق روان خياله ولم يفارق الحزن والهم عقله . خاف على روان أيما خوف. وفي الصباح استيقظ في وقت مبكر ، وذهب للعمل مبكراً للإطمئنان على روان . كانت روان مبكرة في دوامها ، رآها تبكي بمفردها وتندب حظها . تبكي حبيباً أحبها وأحبته ثم تخلى عنها . اقترب عبدالله منها . فقالت له : اذا سمحت اتركتي لوحدي و اذهب من هنا . وفي تلك اللحظة قرر عبد الله أن يريح ضميره، وأن يطيع ضميره و يعود لرشده ، فهو رجل ، والرجل لا يُبكي أنثى تُحبه . الرجل لا يتخلى عن أحلامه ولا يقتل أحلام الفقراء بسبب فقرهم فقط . فقال مبتسماً : لا تبكي , لقد غيرت رايي في الموضوع انا اريدك ان تكوني زوجتي . حينها ضحك الإثنان من القلب . 

انقضت الأيام والحب بين روان وعبدالله ينمو سريعاً ويزداد مع كل إشراقة صباح . وتضاعف الحب بين روان و عبدالله . قال لها يوماً : ماذا سنفعل في موضوعنا وكيف سأتقدم حتى اخطبك من اهلة من دون جاهة أو رجال يطلبونك لي ؟ فقالت: انا اريدك انت و لا اريد جاهة او رجال . ساتكلم مع اشقائي غدا في هذا الموضوع و ساشرح الموضوع بتفاصيله لهم و ساقول ان والدك و اعمامك مسافرين و انك تعيش وحيدا في البلد لذلك ستاتي دون اي جاهة او رجال بل وحيدا . 

 انتظر عبدالله إلى أن ردت عليه روان بأن أهلها لا مانع لديهم . أخبر والدته بذلك . ولكن والدته قالت له بأنها لا تستطيع الذهاب إن لم يأذن لها زوجها . أمسك عبدالله هاتفه وكلم والده أمام امه وقال : ألو ابي بكل صراحة انا احب روان و اريد ان تكون زوجة لي و اريد منك ان تسمح لامي ان تخطب لي اياها , هنا استشاط أبو عبدالله غضباً وأغلق الخط . فتدارك عبدالله الموقف سريعاً وتظاهر وكأنه يكلم ابوه و قال مكملا للحديث : اتقصد انك تسمح لها ان تخطب لي روان ! احبك اي ابي ،ربي يسعدك . سنذهب نحن في الغد لنخطبها . وقد أجاد عبدالله التمثيل . وبالفعل انطلت الخديعة على أم عبد الله . اتصلت مع أم روان واتفقت أن تزورهم بالغد حتى تخطبها من اهلها . وبالفعل تمت الخطبة ، واتفق الطرفان على أن يتوجه العروسان في اليوم المقبل ليقوموا بكتابة الكتاب في المحكمة . وب الفعل حصل هذا في اليوم التالي . 

 وبعد عدة أيام ، عرفت أم عبد الله بالخديعة فاستشاطت غضبا . فأمسك عبدالله بيد أمه وقبلها مكرراً اعتذاره ، إلا أنها التزمت الصمت ، فقد وقعت في مأزق لن يكون الخروج منه بالأمر السهل . ولكنها خضعت للموضوع بعد أن احست أن الأوان فات على التراجع . وتمت الخطبة وبدأ الجميع مهللين فرحين في تلك الليلة . وتمايل العروسان بحبٍ كطيورٍ وجدت موطنها بعد طول رحلة من التعب و العناء ، ولم يستطع عبد الله إخفاء فرحته برأس تلك السمراء الذي كان نائماً على كتفه ، وطار الإثنان أمام الجميع وهاما سعادة و فرحا حتى انتهت الحفلة . 

 مرت الأيام والحب يسكن قلوب العشاق . دخل فصل الشتاء وهو أجمل فصول السنة للحب . فالمطر يثير الاحاسيس ويبعث فيها ما يبعث من حنين و سكينة ، والبرد يذكر كل عازب بأن الزواج كان وما زال وسيظل نصف الدين . تمشّى كل من عبد الله و روان تحت المطر ، وتحدثا في أمور شتى ومنها عن غشاء البكارة المطاطي الذي يصعب ان يفض من المرة الأولى . نامت روان بسعادة وهناء ، ولكن عبدالله لم يستطع ان ينام ليلتها ! فأثناء مراجعته لشريط ذكريات ذلك اليوم ، توقف عند حديث روان عن غشاء البكارة للفتاة , وتعجب كيف لعروس أن تحدث خطيبها بجرأة عن تلك الأشياء و بذلك القدر من التفاصيل المحرجة ؟! أمضى ليله وهو يفكر ، وبدأ الشيطان يزين له فكرة أن روان ربما تكون ليست عذراء ، فبدأ الشك يغزو حياته ولا حل امام عينيه سوى أن يناقشها بهذا الامر . وعندما ناقشها في اليوم الذي يليه قالت إن الموضوع كان عابراً فقط ولا شيء غير ذلك . فقال لها : يعني أنتِ عذراء ؟ فقالت بغضب : اطمئن ، أنا عذراء . فقال لها : حسنا سنذهب في اليوم المقبل على طبيبة نسائية لنتاكد من هذا الامر ! فقالت : أنت الان تطعن في شرفي و سمعتي . من المستحيل ان اذهب معك الى اي مكان . و حزنت روان لما حصل من محبوبها و ما طلبه منها . أما عبدالله فقد ازداد شكه فيها أضعافاً مضاعفة . 

مر يوم ويومان وثلاثة والأوضاع بينهما ليست على احسن ما يرام ، والحديث لم يعد لذيذاً كما كان . عاد عبدالله وطلب نفس الطلب من روان . فقالت له روان : أنا موافقة ساذهب معك الى الطبيبة . حينها فكر عبدالله ، ثم قرر أنه لا يليق أن يأخذ الفتاة التي أصبحت زوجته الى الطبيبة ، وبما أنها وافقت فهذا يعني أنها شريفة ولا تخاف من اي شيء و لا تخبئ شيء . وفي اليوم التالي اعتذر لها ليكسب قلبها من جديد . وبعد أيام عادت المياه لمجاريها ، وعاد العشاق يغردون أجمل ألحان الحياة و الحب من جديد. 

مرت الأيام سريعاً وجاء اليوم الموعود ، عرس روان وعبدالله . بدأت الألحان الموسيقية تعلو وبدأ الجميع يتراقصون من فرط السعادة و الفرح . واستمتع العروسان بالليلة كما استمتع الحضور . وذهب العروسان بعدها إلى البيت للمرة الاولى . و صلّوا ركعتين شكراً لله تعالى على نعمه . 
وفي الصباح جلس عبدالله يفكر فيما يفعل . ما الواجب عمله في مثل هذه الحالات ! هل يرجع روان الى عائلتها بعد أن رسبت في أهم اختبار في حياتها ؟! أم يستر عليها ويعطيها فرصة لأنه لم ير منها إلا كل خير وعفة ودين ؟! أبحر في عالم الإنترنت باحثاً عن إجابة . وبالفعل وجد ما يبحث عنه حيث أجمعت الفتاوي على الأسئلة المشابهة لسؤاله بأن عليه حتى أن لا يسألها عن دم شرفها وسبب عدم نزوله . بل إن بعض المواقع تفتي بتحريم فضحها تحريماً كبيرا ، وأن ما يجب عليه فعله هو الستر ثم الستر ثم الستر . فقرر عبدالله رغم الألم والقهر والخيبة الذي ألم به أن يعطيها فرصة ويرى إن كانت تستحق ذلك . 
 تمر الأيام ويكبر الناس ويمل الأزواج من بعضهم ، إلا حب عبدالله وروان كان يزيد و يكبر يوما بعد يوم . لم يتأثر بعوامل الزمان ولم يصبه طلقات الملل . أنجبت روان إبنها الأول وأسماه عبدالله خالد . وأنجبت بعدها طفلها الثاني وأسموه راشد . عاش العاشقان و بينهم كبر راشد و خالد . 
كان الجميع يحسدهم من فرط الفرح و السعادة التي يحيوون فيها و التي لاقوها في بيتهم . بل حتى والد عبدالله ، الذي غضب عليه لأنه تزوج روان، قد عفا عنه بعد أن تعرف عن قرب على روان ، وصار يحن عليها وعلى صغارها وينتظر قدومهم بفارغ الصبر . 

كان عبدالله يفرح كثيراً عندما يرى مدى التزام زوجته ومدى تعلقها بالله في كل أمور حياتها ، ويفرح كثيراً عندما تستقبله وتودعه بالدعوات . وبعد فترة سافر عبد الله إلى السعودية بعقد عمل ، وابتدأ قلبه يحترق شوقاً إلى محبوبته و ابناءه الصغار . كان يحادثها كل يوم ولم يعلم مقدار هيامه بها إلا بعد أن ابتعد عنها . وبعد ستة أشهر اجتمع شمل العائلة هناك من جديد . 
وفي إحدى الليالي طلبتْ روان من عبدالله طلباً لم يعجبه قائلة له : ما رايك في ان ننجب ولدا اخر ؟ فقال عبدالله : حسنا و لكن ليس في هذا الوقت , نحن مغتربين و لم نكمل السنة بعد في المنطقة , اقصد دعينا نحسن من وضعنا بعض الشيء هنا و بعدها من الممكن ان ننجب , فوافقته بابتسامة حب . ولم يمض أكثر من شهرين حتى فاجأت روان عبدالله بخبر حملها !! هنا غضب عبدالله و علم أن هنالك شيء خطأ يجري دون علمه !! وبدأ يدرك بأن روان تفعل ما تريد ثم تعتذر له وتتحجج بالقدر و بالصدف . وبدأ الشك يتسرب إلى قلبه ، فقرر بأن هناك من يتلاعب بعقل روان ويخبرها كيف تتصرف وكيف تتحايل عليه حتى تفعل ما في راسها . وبألتاكيد إنها شقيقتها "نهاية" .

 ذات ليلة ،أمسك عبدالله هاتف روان ، بعد أن ذهبت حتى تستحم وبدأ يتفحص تطبيق الواتساب ، ويقرأ المحادثات واحدة تلو الأخرى . وبينما هو يتنقل من محادثة إلى ثانية وجد رقماً غريباً لم يخزن أسم مالكه على هاتفها مكتوب عنده : لماذا لم تردي علي ! ففتح عبدالله المحادثة. كانت آخر رسالة منذ أسبوعين , لم يصدق عبدالله عينيه كانت المحادثة : حبيبتي اين انتي ؟ اشتقت لك . لماذا لم تعودي تردي على الهاتف ؟ 

 خرج عبد الله من المنزل يقود سيارته كالمجنون . مر يوم و يومين و عبدالله يتجنب ان يجلس في البيت بعدما ضاقت عليه الدنيا . وبعد أيام قرر أن يحجز لها ولطفليها تذاكر سفر للأردن و يرجع معها ويطلقها دون أن يبدي الأسباب ، وأن يستر ما رآه منها ، وأن لا يفضحها أكثر من ذلك . أيقنت روان أن هناك شيئ ما خاطئ ، وألحت على عبدالله حتى تعرف السبب . فقال لها : دعيني اعلمك السبب , امسكي هاتفك و افتحي تطبيق الواتساب ؟ حينها قالت روان عندما قرأت الرسائل بخوف شديد : لا اعرف ، انه رقم غريب لا اعرف من هو ؟! ومرت أيام الأسبوع يوماً بعد يوم وروان تحاول كل يوم ان تلطف الاجواء بينها و بين زوجها . وقبل السفر بثلاثة أيام فوجيء عبدالله بزيارة من شقيقها علاء إليهم في السعودية قادماً من عمان . فاستضافه عبدالله و رحب به . وفوجيء عبدالله بروان تحمل حقيبتها وتناولها الى شقيقها علاء ليحملها نيابة عنها لتعود معه إلى الأردن ! وهي تقول : ألست تريد طلاقي ولم تعد ترغب بي ؟! إذاً هؤلاء اولادك تصرّف معهم كما تشاء ، أما أنا فقد قررت ان ارجع مع أخي اليوم . سقط القناع أخيراً وتحدث الشيطان في داخلها ، فها هي تتخلى حتى عن اولادها . فقال لها عبدالله : إن اخترت الذهاب الآن فلا بأس ، ولكن عليك ان تتركي هاتفك المحمول و جهاز الكمبيوتر المحمول ايضا هنا في البيت ، وعودي لبيت أهلك كما أتيت منه بملابسك فقط . رفضت روان إعطاءه الهاتف فأخذه منها عنوة، وخرج من البيت ووضع الهاتف في سيارته. وعندما عاد الى المنزل ، وجد روان تتحدث إلى الشرطة من هاتف أخيها وتصف لهم موقع البيت ، وتدّعي بأن زوجها ضربها وحبسها ويمنع عنها الأكل والشرب . مؤلمة جداً هي تلك اللحظات التي تكتشف فيها كم كنت غبياً في التعامل مع بعض البشر . ظننتهم ملاك وإذا هم هلاك . 

عندما قدم رجل الأمن , بدأت روان بسيل من الإتهامات السخيفة الموجهة الى عبدالله ، وعبدالله واقف في دهشة . تدخل رجل الأمن الذي استشعر طيبة عبدالله وتجني روان عليه ، فقال لعبدالله بأن عليه أن يعيد إليها هاتفها ، ولكن عليها أن تبقى في البيت مع أطفالها كما يأمرها زوجها . فقبلت روان بأمر رجل الأمن . أعاد عبدالله لروان الهاتف المحمول وطلب من أخيها مغادرة البيت مع رجل الأمن وأن لا يرجع الى المنزل ابدا ، وسيستلم أخته في عمان . خرج عبدالله من المنزل ليلتها ليتجنب أي صدام محتمل مع تلك المرأة التي اكتشف مؤخراً أنه لا يعرفها ، وقضى آخر أيامه في الفندق . 

 هبطت الطائرة السعودية في مطار الملكة علياء الدولي في الساعة الخامسة عصراً . وخرجت تلك العائلة الحزينة المكسورة من المركبة . وكان أخ عبدالله في انتظارهما ، كما كانت "نهاية"، أخت روان . ركضت روان نحو أختها وهي تبكي ، وفجأة ركبت مع "نهاية" في مركبتها وغادرتا المطار ، تاركة خلفها اولادها . وفي اليوم التالي لم يتحمل عبدالله وابل الأسئلة من الجميع ، فحجز تذكرة مرة ثانية الى السعودية . وعاد لبيته في الرياض هذه المرة وحيداً . 
هناك عاش عبدالله أسود أيام حياته ، فالغربة وحدها كفيلة بتحطيم أقوى البشر . بعث عبدالله برسالة لروان قائلاً فيها : هل من الممكن ان اتحدث معك قليلا ؟ هنا أصيبت روان بالصدمة الكبيرة وهي التي ظنت بأن كل شيء قد ضاع وانتهى . فاتصلت به . فقال لها : لماذا فعلت كل هذا ؟! أنا ماذا فعلت معك و ماذا انقصت عليك لتفعلي هذا ! فقالت: أنا لم اخنك في حياتي و من المستحيل ان اخونك فالرسائل التي كانت على هاتفي هي من شقيقتي نهاية و يمكنك ان تتصل بها لتتاكد من ذلك , لم يصدقها عبدالله وأدرك أن الكلام معها لم يعد يخفف آلامه ، بل زاده ألماً . أنهى المكالمة وعاد لأفكاره . وبدأ القلب يستخدم كل أساليبه حتى يقنع عقل عبدالله بأن روان مظلومة. إذاً ما القرار الصائب لتلك الحالة ؟ وبعد تفكير دام ليلة ، انتصر قلبه على عقله وقرر أن يعطيها فرصة نهائية . ولكن عقله اشترط لإعطائها تلك الفرصة بأن يعرف من صاحب الرسالة ، وما مدى معرفته بروان . ففتح تطبيق الترو كولر ( المتصل الحقيقي) ، ووضع الرقم الذي كان قد سجله على التطبيق ، وهنا ظهر إسم المحامي إياد طريطار !! لقد قالت له روان فيما سبق و منذ زمن بأنها قد عملت لشهر واحد عند محامي وقد أحبها وتعلق بها . ولكن ذلك حصل قبل اثنتي عشرة عاما من الان ! أخذ عبدالله يحاور ذاته : أيعقل أنني كنت أعمى لهذه الدرجة حتى لا أشعر بخيانتها ! أيعقل أنني مغفل لتلك الدرجة ! ولكنها أيضاً استغفلت أهلها وأخواتها ، ولم يشعر بها أحد من عائلتها ايضا . أيعقل أنهم عميان أيضاً ! هل هي جميلة جداً لأنها كانت سعيدة معي وبي كما يقول المثل "كن سعيداً تكن أجمل"، أم هي جميلة لأنها كانت سعيدة لأني لا اعرف اي شيء عن خيانتها فيصبح المثل الأصح هو " كن خائناً تكن أجمل". هذه روان إذاً , جميلة و خائنة . ألم تعترف ميادة بسيليس ، وهي في أضعف حالاتها ، بأن الكذب جميل . وغنت وهي تبكي من قهرها (كذبك حلو). صدقتي يا ميادة ، كذبنا جميل ، ولكن بالخيانة نصبح أجمل وأجمل !! 

حاول عبدالله أن يكمل حياته ، ولكن ما عاد منزله مكاناً يمكنه العيش فيه . البيت الذي كان ينتظره فيه ثلاثة ملائكة , هو المنزل ذاته الان الذي يحتضن شبح الذكريات . ذكريات جميلة ولكنها موجعة . وفقد عبد الله ثقته بذاته . كنتُ أكلمه يومياً لأطمئن عليه ، وأحاول إخراجه من حالة الإكتئاب التي لازمته تلك الفترة ، إلا أن كل محاولاتي معه باءت بالفشل . 
 عبد الله هو أعز اصحابي في الغربة و قبلها . عرفته منذ عشر اعوام ولم يخذلني خلالها قط . اتصل بي يوماً وطلب مني ان اخرج معه إلى القهوة . التقيت به في أحد المقاهي في السعودية قلت له: ما القصة يا صديقي ؟ هل ستمضي بقية حياتك عابساً لأنك طلقت زوجتك ؟! لست أول من ينفصل عن امرأة يحبها ولن تكون اخر انسان في الوجود . وبالنسبة لأطفالك فهم في حفظ الرحمن ، وستربيهم التي ربتك ليخرجوا رجالاً . لماذا تصر على لبس ثوب الحزن ؟ فأجابني بصوت يختنق : أبي وأمي يا عبدالرحمن !! لقد غضب والدي عليّ يا عبد الرحمن ، ورفض حتى محادثتي إلى أن أعيد زوجتي إلى بيتي ! فهم يعتقدون أنني ظلمتها . 

كان ألم عبدالله أكبر من أن يسمح له أن يبرر ، وأن يتكلم . انفجر يومها بالبكاء . لم أر رجلاً يوماً يحاول أن لا يبكي ولكن من شدة الالام و الهموم ضعف . لم أر عبدالله في تلك الحالة من قبل . ومرت الأيام . ومرة ذهبت إليه فرأيته يتناول دواء على هيئة حبوب ، كان يبتلعه وحاول أن يخفي العلبة على وجه السرعة عندما رآني متجهاً اليه ، ولكني أصريت على معرفة ما هو مرضه . فقال لي : لقد ذهبت إلى الطبيب بعد أن اشتد بي الألم ، وبت أشعر بمضاعفات شديدة في قلبي . والنتيجة فشل في عمل عضلة القلب بنسبة خمسين بالمئة !! وسأنتظر عملية زرع قلب بعد ما يقارب الشهرين . هنا شعرت بأنني أريد أن أبكي . 
مرت الأيام وعبدالله على حاله لم يتغير . لم يكن قادرا على الاطلاق على التغلب على ما ألمّ به من مصائب . وصار يفكر بالموت بشكل كثير ، ويفعل كل ما يستطيع فعله لينال حسن الخاتمة . ولكن الشيء الوحيد الذي لم يستطع إصلاحه هو نيل رضا والديه مرة ثانية . فكر عبدالله كثيراً قبل أن يقدم على أن يعلن للجميع سبب طلاقه ، ويكسب رضا والديه من جديد ، و لكنه غير رايه مجددا . 
أرسل لي عبدالله ، في مساء أحد الأيام، رسالة على هاتفي المحمول يشكو بها وجعه . اتصلت به ولكنه لم يرد علي ابدا ، قررت الذهاب إليه في الصباح الباكر . ذهبت إليه في الصباح ، وطرقت باب بيته فلم يرد علي ايضا ، وكررت الطرق مرات ومرات فلم يجب . فبحثت عن سيارته بالأسفل فلم أجدها فاطمئن قلبي بعض الشيء . وفي اليوم التالي ذهبت إلى العمل ولا أخبار عن صاحبي عبدالله . ومر أسبوع ولم يتغير شيء . أصبحت قلقاً علي ه. كان يجب أن أعرف مكان عبدالله فلم يعد الأمر قابلاً للتأجيل . ذهبت إلى منزله ، وطرقت الباب عدة مرات ولكن دون جدوى . صرخت من خلف الباب منادياً دون أن يجيبني أحد . فقررت ان اقتحم البيت بطريقة او باخرى . وبعد عدة ضربات متتالية تحطم قفل باب منزله . وعندما دخلت شممت رائحة غريبة فور دخولي الى الغرفة . جبت أرجاء المنزل باحثاً عنه ووجدته أخيراً على فراشه نائما . جلست بجانبه ووضعت يدي على جبينه لإيقاظه ، وبدأت أناديه ولكنه لم يجب . جبينه كان بارداً بشكل ملحوظ ، ووجهه كان فاقدا للونه ، والرائحة في الغرفة كانت شديدة . تقدم إليّ أحد الجيران ، الذين تجمهروا أمام المنزل عندما كسرت الباب، وأمسك يده ليتحسس نبضه ، ثم قال: ادعو له بالرحمة !!! لم أدر ما حصل بعدها فقد بدأت الدنيا تدور بي ، وتوقف عقلي حتى عن التفكير فيما جرى او يجري ، وفقدت الإتصال بالعالم من حولي ، ولم أستيقظ إلا وأنا على السرير الأبيض في إحدى المستشفيات . 

استيقظت في المستشفى ليقول لي كل من حولي بأنني قد أصبت بانهيار عصبي من الصدمة ، وفقدت على إثرها ادراكي لما يجري . خرجت من المستشفى ذلك اليوم و رجعت الى منزل عبدالله باحثاً عن رقم عائلته . وأثناء بحثي ، وجدت دفتراً صغيراً كان يكتب فيه عبدالله مذكراته اليومية . فأخذته معي ، وأحرقته بعد أن قرأته كلمة كلمة أكثر من عشر مرات . 
الجميع شعر نحوي بشيء غريب ، وبأن أخلاقي تغيرت . فبت عصبياً أغلب الوقت ، لا مزاج لي للمزاح ولا لتحمل سخافات الناس من حولي . أقل غلطة كانت تميتني من الغضب . كنت أشتمُ زوجتي وألعنها . وتغيرتُ معها حتى صرت امقتها ، وكرهت كل جنس النساء دون استثناء . بت أؤمن أن كل النساء عاهرات . مات كل الشرف والشرفاء في عيني بموت صديقي عبدالله مظلوماً . فما عدت أؤمن بالوفاء و الشرف . أمسكت هاتف زوجتي مراراً وتكراراً و تفقدته بحثاً عن دليل خيانتها فلم الاقيه . وقررت أن أطلق زوجتي بعد أن خنتها عدد لا يعد ولا يحصى من المرات ، وأن لا أنتظر حتى أجد دليلاً على خيانتها . و ارجعتها إلى الأردن مطلقة بدون سبب . 

كان عبدالله يزورني في احلامي بشكل متكرر و بشكل دائم ويقول لي جملة واحدة : أنا لم أمت ما دمت أنت على قيد الحياة . ثم يبتسم في وجهي ويذهب . سافرتُ إلى الأردن ، بعد ثلاثة سنين من موت صاحبي عبدالله ، باحثاً عن بيت عائلته في الأردن . ولكني تفاجأت أن خالد وراشد ، أبناءه ، لم يعودا يعيشان في منزل أهل عبدالله ، بل عادا يعيشان مع روان . ذهبت إلى بيت أهل روان لكي أرى الاطفال ، وعندها علمت أن روان بعد أن طلقها عبدالله كانت حامل بطفلها الثالث . وأثناء ولادتها، حصلت مضاعفات واقتضى الأمر استئصال الرحم . وبعد ذلك تدهورت حالتها النفسية وأصيبت بالإكتئاب . وبعد سنة أصيبت بحادث سيارة سببت لها إعاقة دائمة وأصابتها بالشلل . لم تستطع بعدها ان تغادر الكرسي المتحرك أو ان تنطق ب أي كلمة . هنا أصبت بالذهول من هول ما سمعت . فطلبت من أمها أن تسمح لي بان اراها . حينها دمعت الأم وقالت إن روان توفيت بعد ذلك . فقد كانت روان في المطبخ عندما احترق المطبخ واحترقت معه روان . 

أي انتقام إلهي هو ذلك !! عبدالله مات مرة ولكن روان ماتت ثلاث مرات . أتلك هي عقوبة الخيانة ! حينها تركت بيت روان و رجعت الى بيتي نادماً خائفاً حزيناً جداً . فأنا خائن مثلها تماماً . لقد أسأت إلى زوجتي ، وإلى أطفالي ، وتركت ديني ، وشككت بعدالة خالقي بعد موت صاحبي ، ولكن اليوم تأكدت بأن الله يمهل ولا يهمل ! =رجعت إلى زوجتي مكسوراً معتذراً . أردت بشدة أن أبكي في أحضانها وأعتذر لها ، وأخبرها كم هي امرأة عظيمة في عيني . لكنها رفضتني رفضاً قاطعاً ، و قالت لي أن ما فعلته بها أكبر من أن تمحوه اعتذارات بسيطة ودمعات كاذبة منسابة على الخد . فعلمت لحظتها أن لا شيء يمر دون حساب . وبعد أن تكشّفت لي تلك الحقائق تبت إلى الله وعدت إليه طالباً رضاه و عفوه . 


                                                                    النهاية .



إرسال تعليق