الثلاثاء، 5 يونيو 2018







تلخيص رواية:
كن خائناً تكن أجمل: عبدالرحمن مروان حمدان.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

كنا في شهر مارس عندما هاتفني صديقي عبدالله سعيداً مهلهلاً : عبود حبيبي, باركْ لي، لقد توظفت. تملكني شعور بالفرح والسرور لأجله وكأنني أنا من فاز بتلك الوظيفة. فباركت له على الفور، وسألته أين؟ فقال: في مدرسة النشمية الإبتدائية، إنها مدرستي التي درست بها عندما كنت طفلاً، أتصدق هذا ؟!
كان عبدالله غريباً في تفاؤله، حالماً في أفكاره ومعتقداته، غارقاً في عالم الفضيلة، وأسطورة من أساطير التفاؤل والتحفيز. في اليوم التالي، ذهب عبد الله إلى عمله مسروراً، وبدأ يومه الأول، بعادته التي ترافقه منذ أن كان طفلاً، يقرأ على نفسه المعوذات حتى يطمئن قلبه. التقى بزملاء عمله وتعرف على المكان الذي كان يعرفه جيداً .


كان عبد الله الرجل الثاني ضمن فريق التدريس. أما باقي الفريق فقد كان من الإناث، مما زاد من خجل عبدالله، وهو الرجل الذي لم يعتد على مرافقة الجنس اللطيف في مراحل حياته السابقة. ومع الأيام، بدأت شعبية عبد الله بالنمو وبدأ سهمه بالإنتشار. ولاحظت الإدارة تفوقه وإبداعه.  وكانت الحياة من أجمل ما يكون. صديقه في العمل قد أصبح أخاً له، وزميلاته يحترمونه أيما احترام. إلا معلمة واحدة  كانت تتجنبه وتتحاشى السلام عليه. وما إن مضى شهران على عمل عبدالله في تلك المدرسة،  حتى أصبحت كل زميلاته في العمل يتحادثون معه ويمازحونه بعدما اكتشفوا خفة دمه. إلا روان !
لفتت روان انتباهه بتمردها وتكبرها وأنفتها. وتميزت عن غيرها بالصد والإبتعاد. وأشعلت فتيل قلبه بنار الإهمال. كانت روان سمراء جميلة الوجه كحيلة العينين. طاغية الأنوثة. حسناء في صدها وفي ردها وفي كل حين .

 وفي يوم من الأيام كان عبدالله جالساً في غرفة المعلمين يتناول إفطاره. ثم  خرج  بعدها كي ينهي بعض أعماله المكتبية. وعندما رجع إلى غرفة المعلمين وجد هاتفه مضاءاً وكأنما أحدهم كان يعبث به. فنظر إلى يسار الهاتف فوجد روان وقد احمر وجهها خجلاً وكأنها مذنبة أو فعلت شيئاً خاطئاً. أخذ هاتفه ثم خرج.
وبعد عدة أيام وأثناء ذهابه إلى النادي الرياضي في الثامنة مساءاً، رن هاتف عبدالله وكان الرقم مجهولاً. كانت فتاة تتحدث بصوت ناعم وتقول: كيفك عبدالله ؟ فرد قائلاً : مساء الخير، بس مين معي ؟ فقالت: أنا روان زميلتك في المدرسة. وانتهت مكالمته الأولى مع روان بعد أن طلبت منه أن يحضر لها نموذجاً لتعمل هي على إنشاء ما يشابهه في عملها. فهرع عبد الله إلى مكتبه يبحث عن أفضل ما يمتلك من نماذج ليعطيها لها في الغد. وفي اليوم التالي لبس وتأنق واستعد للقاءها أيما استعداد. فاليوم سيلعب دور الفارس الشهم الذي لبى نداء أميرة جميلة استغاثت به. ذهب مبكراً إلى دوامه، ولم ينس أن يتدرب على الطريقة التي سيلقي بها السلام. دخل غرفة المعلمين فوجد روان في انتظاره. فألقى السلام. ولكن عند رؤيتها ضاع الكلام. قال لها : هذه الأوراق التي طلبتها فتفضلي. فأجابته روان بكلمة واحدة : تمام. فسكت عبدالله، ثم أعاد تحية السلام معلناً مغادرته، ورحل منهياً موعده الغرامي الأول .

توالت بعد ذلك المكالمات بين الأصحاب، بأسباب وهمية في البداية ثم بدون أسباب. وبدأ عبدالله يتعلق بروان كل يوم أكثر وأكثر. وكيف لا وقد انهالت عليه بالهدايا والإهتمام الذي لم يعرفه يوماً رجل مثله. وقع عبدالله المسكين في حبها. كان وحيداً في أرض المعركة في مواجهة روان. تعلق عبدالله بروان وأبدعت هي في إيقاعه بشباكها.
مرت الأيام وجاء اليوم الذي سأل فيه عبدالله روان : لماذا لم تتزوجي حتى الآن ؟ فأجابته : لم يأت النصيب بعد. فسألها : هل أحببت أحداً من قبل أم أنني من فاز بلقب حبيبك الأول؟ فقالت : لم أعشق قبلك أحداً ولكني كنت معشوقة أحدهم. كان المحامي الذي كنت أعمل عنده قبل دخولي للجامعة. وأنت ؟ فقال: أحببت قبلك ولكن ليس بقدر ما أحببتك. لقد أحببت ابنة خالي عندما كنت في الثالثة عشر من عمري. وكنت لا أعلم كيف أحادثها، ولم أكن أقل لها غير "إيمان كيف حالك". فسألته روان: وكم كان عمر إيمان حينها. فأجابها كانت في العشرينات. حينها ضحكت روان بصوت مرتفع. فأدركت روان مدى براءة عبدالله. حينها تجرأ عبدالله وسألها عن مواصفات فارس أحلامها. فقالت: أن يكون يخاف الله. وبحبني وأحبه. ويا سلام لو كان اسمه عبود. هنا سقط عبدالله مغشياً عليه. هنا فقد ذلك المجنون عقله. كان يخشى من أن ترفضه فخطبته هي قبل أن يخطبها.

بدأ عبدالله يفكر ملياً كيف سيخبر والدته بالأمر ومن أين سيبدأ. ففي بيتهم الحب حرام، وعار أن تعترف أنك معجب بأحد. وجاء الحل من روان، فاقترحت الدخول للموضوع بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق دعوتهم لعرس أخ لها اسمه توفيق، وفي الحفل ستتعرف هي  بأمه. وافق عبدالله على الفكرة التي كانت الحل الوحيد الأقل إحراجاً له، والتي ستوصل رسالته بالتمهيد لوالدته عن علاقة قوية تربطه بتلك المعلمة.
مرت الأيام وأحضرت روان لعبدالله بطاقة الدعوة لحفل زفاف أخيها. سلم عبد الله أمه الدعوة، فضحكت أم عبدالله وفهمت ما لم ينطق به إبنها. مرت الأيام وجاء يوم عرس توفيق. وتجهزت الأم وشقيقتا عبدالله لارا ويارا وكأنهن قد دعيتا إلى أفراح السلطان. وصلوا إلى القاعة أخيراً وإذا بروان تقف عند الباب الداخلي لقاعة النساء تنتظرهم، وقد عرفتهم من النظرة الأولى، فقد أعطاها عبدالله من وصفهم وتفاصيلهم ما قد يجعل من المستحيل على فتاة بذكاءها أن تخطئهم .
كانت روان تشع جمالاً في تلك الليلة من وهج سعادتها بنجاح ما خططت له. وأثناء الرقص، أبهرت كل من في القاعة بميلانها، وأمالت قلوب الحضور. وفي نهاية الحفل همّت أم عبدالله بالرحيل، فسلمت على روان مودعة إياها وغادرت القاعة مع ابنتيها. وفي السيارة صعدت أم عبدالله إلى جانب ابنها وقالت: والله عرفت تنقّي يا عبود. ولم ينتظر عبدالله، فما إن وصل بيته حتى أخبر روان بالنتيجة الممتازة.
طلب عبدالله من والدته أن تفاتح والده بالموضوع. وبعد عدة أيام، حادثت أم عبدالله ابنها في الصباح وقالت: رفض والدك الفتاة ورفض حتى فكرة الإرتباط لإبن الخامسة والعشرين. حزن عبدالله حزناً شديداً ورفض قلبه تصديق الخبر، فتكلم مع أبيه المغترب في بلد آخر. قال أبو عبدالله : أنت شاب متعلم، ويجب عليك أن تختار زوجة ترفعك وليس زوجة تثقلك. ما حاجتك لفتاة أبوها كان يعمل نجاراً ؟ أنت والدك حاصل على درجة الدكتوراة، ويجب أن تبحث عن عائلة من نفس المستوى. كما أننا نحن أهلك لم نستفد منك شيئاً بعد، لم نر خيرك بعد حتى تأتي فتاة غريبة وتأخذك بخيرك! هنا اكتسح العالم السواد. ضاع الحلم في غمضة عين.

مرت الأيام والليالي وهو يفكر كي يصل إلى قرار في هذا الموضوع ولكن دون جدوى. لذلك قرر عبدالله أن يحسم الموضوع وأن يطلب من روان، بعد أن يصارحها بكل شيء، أن عليهم أن يتركوا بعضهم. لذا هاتفها وشرح لها الموضوع كاملاً، ولكنها لم تقتنع. كانت مصدومة نفسياً بذلك القرار وهي التي غاصت في أحلامها إلى ما بعد فستان الزفاف، وسافرت بخيالها إلى ما بعد الطفل الأول. قال لها أرجوك لا تنسيني ولا تكرهيني يوماً، فأجابته ولكني أحبك. غضب عبدالله من ضعفها أمامه وأثار غضبه أنه بدأ يضعف أمام إلحاحها. فقال لها لينهي المكالمة قبل أن ينهار : أنا ما بدي إياكي. أنا ما بدي أتزوج !! وأغلق الهاتف.
حاول عبدالله النوم تلك الليلة ولكن ضميره لم يسمح له بذلك، فعليه أن يدفع فاتورة الظلم ما دام استطاع أن يظلم. ولم تفارق روان خياله ولم يفارق الحزن والهم باله. خاف على روان أيما خوف. وفي الصباح استيقظ باكراً، وذهب للعمل مبكراً للإطمئنان على روان. كانت روان مبكرة في دوامها، رآها تبكي وحيدة وتندب حظها. تبكي حبيباً أحبها وأحبته ثم تخلى عنها. اقترب عبدالله منها. فقالت له: لو سمحت روح من هون. وفي تلك اللحظة قرر عبد الله أن يريح ضميره، وأن يعود لرشده ويطيع ضميره، فهو رجل، والرجل لا يُبكي أنثى تُحبه. الرجل لا يتخلى عن أحلامه ولا يقتل أحلام الفقراء بسبب فقرهم فقط. فقال مبتسماً: لا تبكي, أنا غيرت رأيي وبدي اياكي تضلي ملزقة فيي طول العمر. حينها ضحك الإثنان من القلب .

انقضت الأيام والحب بين روان وعبدالله ينمو سريعاً ويزداد مع كل إشراقة صباح. وتضاعف حب عبدالله لروان. قال لها يوماً: ماذا سنفعل في موضوعنا وكيف سأتقدم لخطبتك من دون جاهة أو رجال يطلبونك لي ؟ فقالت: عادي، أنا بدي اياك أنت. وأنا رح أحكي مع إخواني بكرة وأشرحلهم الوضع ورح أحكيلهم إنو أبوك وأعمامك مسافرين، وإنك لحالك هون عشان هيك رح تيجي لحالك بدون جاهة .
انتظر عبدالله إلى أن ردت عليه روان بأن أهلها لا مانع لديهم. أخبر والدته بذلك. ولكن والدته أخبرته بأنها لا تستطيع الذهاب إن لم يأذن لها زوجها. أمسك عبدالله هاتفه وكلم والده أمام والدته وقال: ألو يابا، بصراحة أنا البنت هاي مرتحلها وبدي اياها وبدي منك تسمح لماما تروح تخطبلي اياها. هنا استشاط أبو عبدالله غضباً وأغلق الخط. فتدارك عبدالله الموقف سريعاً وتظاهر وكأنه يكلم والده وقال : يعني يا بابا بتسمحلها ! حبيبي يا بابا، الله يسعدك ويخليلنا اياك. خلص إحنا بكرة رح نروح نخطبها. وقد أجاد عبدالله التمثيل. وبالفعل انطلت الخديعة على أم عبد الله. اتصلت مع أم روان واتفقت أن تزورهم بالغد لخطبتها. وبالفعل تمت الخطبة، واتفق الطرفان على أن يتوجه العروسان في اليوم التالي لكتابة الكتاب في المحكمة. وبالفعل حصل هذا في اليوم التالي.
 وبعد عدة أيام، علمت أم عبد الله بالخديعة فغضبت. فأمسك عبدالله بيد أمه وقبلها مكرراً اعتذاره، إلا أنها التزمت الصمت، فقد وقعت في مأزق لن يكون الخروج منه بالأمر الهين. ولكنها خضعت للموضوع بعد أن شعرت أن الأوان فات على التراجع . وتمت الخطبة وبدأ الجميع مهللين فرحين في تلك الليلة. وتمايل العروسان بحبٍ كطيورٍ وجدت موطنها بعد طول عناء، ولم يستطع عبد الله إخفاء فرحته برأس تلك السمراء الذي كان نائماً على كتفه، وطار الإثنان أمام الجميع وهاما فرحاً وسعادة حتى انتهت الحفلة.
 مرت الأيام والحب يسكن قلوب العشاق. دخل فصل الشتاء وهو أجمل فصول السنة للحب. فالمطر يثير المشاعر ويبعث فيها ما يبعث من سكينة وحنين، والبرد يذكر كل عازب بأن الزواج كان وما زال وسيظل نصف الدين. تمشّى كل من روان وعبدالله تحت المطر، وتحدثا في أمور شتى ومنها عن غشاء البكارة المطاطي اللي صعب ينفض من المرة الأولى.  نامت روان بسعادة وهناء، ولكن عبدالله لم يستطع النوم! فأثناء مراجعته لشريط ذكريات ذلك اليوم، توقف عند حديث روان عن غشاء البكارة للفتاة, وتعجب كيف لعروس أن تحدث خطيبها بجرأة عن تلك الأشياء وبذلك التفصيل ؟! أمضى ليله وهو يفكر، وبدأ الشيطان يزين له فكرة أن روان ربما تكون ليست عذراء، فبدأ الشك يغزو حياته ولا حل أمامه سوى أن يناقشها بالموضوع. وعندما ناقشها في اليوم التالي قالت إن الموضوع كان عابراً  فقط ولا شيء غير ذلك. فقال لها : يعني أنتِ بكر؟ فقالت بغضب: اطمئن، أنا بكر. فقال لها : طيب بدي انروح على دكتورة ونتأكد من هاد الإشي ! فقالت: أنت قاعد بتطعن بشرفي هيك. مستحيل أروح معك لأي مكان. وحزنت روان لما حصل من محبوبها وما طلبه منها. أما عبدالله فقد ازداد شكه فيها أضعافاً مضاعفة .
مر يوم ويومان وثلاثة والأوضاع بينهما ليست مستقرة، والحديث لم يعد لذيذاً كما كان. عاد عبدالله وطلب نفس الطلب من روان. فقالت له روان: أنا موافقة أروح معاك عالدكتورة. حينها فكر عبدالله، ثم قرر أنه لا يليق أن يأخذ الفتاة التي أصبحت زوجته للطبيب، وبما أنها وافقت فهذا يعني أنها شريفة ولا تخشى شيئاً. وفي اليوم التالي اعتذر لها ليكسب قلبها من جديد. وبعد أيام عادت المياه لمجاريها، وعاد العشاق يغردون أجمل ألحان الحب والحياة من جديد.

مرت الأيام سريعاً وجاء اليوم الموعود، عرس روان وعبدالله. بدأت الألحان الموسيقية تعلو وبدأ الجميع يتراقصون فرحاً. واستمتع العروسان بالليلة كما استمتع الحضور. وذهب العروسان بعدها إلى منزلهم للمرة الأولى. وصلّوا ركعتين شكراً لله تعالى على نعمه .

وفي الصباح جلس عبدالله يفكر فيما يفعل. ما الواجب عمله في مثل هذه الحالات ! هل يعيدها إلى أهلها بعد أن رسبت في أهم اختبار في حياتها ؟! أم يستر عليها ويعطيها فرصة لأنه لم ير منها إلا كل خير ودين وعفة ؟! أبحر في عالم الإنترنت باحثاً عن إجابة. وبالفعل وجد ما يبحث عنه حيث أجمعت الفتاوي على الأسئلة المشابهة لسؤاله بأن عليه حتى أن لا يسألها عن دم شرفها وسبب عدم نزوله. بل إن بعض المواقع تفتي بتحريم فضحها تحريماً مغلظاً، وأن ما يجب عليه فعله هو الستر ثم الستر ثم الستر. فقرر عبدالله رغم الألم والخيبة والقهر الذي ألم به أن يعطيها فرصة ويرى إن كانت تستحق ذلك.
تمر الأيام ويكبر الناس ويمل الأزواج من بعضهم، إلا حب عبدالله وروان كان يكبر ويزيد. لم يتأثر بعوامل الزمان ولم يصبه طلقات الملل. أنجبت روان إبنها الأول وأسماه عبدالله خالد. وأنجبت بعدها طفلها الثاني وأسموه راشد. عاش العاشقان وبينهم كبر خالد وراشد .

كان الجميع يحسدهم من فرط السعادة التي لاقوها في بيتهم. بل حتى والد عبدالله، الذي غضب عليه لأنه تزوج روان، قد عفا عنه بعد أن تعرف على روان، وصار يحن عليها وعلى صغارها وينتظر قدومهم بفارغ الصبر .
كان عبدالله يفرح كثيراً عندما يرى مدى التزام زوجته ومدى تعلقها بالله في كل أمور حياتها، ويفرح كثيراً عندما تستقبله وتودعه بالدعوات. وبعد فترة سافر عبد الله إلى الرياض بعقد عمل، وابتدأ قلبه يحترق شوقاً إلى محبوبته وطفليه. كان يحادثها كل يوم ولم يعلم مقدار هيامه بها إلا بعد أن ابتعد عنها. وبعد ستة أشهر اجتمع شمل العائلة هناك من جديد .

وفي إحدى الليالي طلبتْ روان من عبدالله طلباً لم يعجبه قائلة له: شو رأيك انجيبلنا كمان بيبي؟ فقال عبدالله : ماشي بس مش هلأ، هلأ إحنا بغربة ولسا ما كملنا السنة. يعني بس نزبط أمورنا شوي. فوافقته بابتسامة حب. ولم يمض أكثر من شهرين حتى فاجأت روان عبدالله بخبر حملها!! هنا غضب عبدالله وأيقن أن هنالك شيء خطأ يجري دون علمه!! وبدأ يدرك بأن روان تفعل ما تريد ثم تعتذر له وتتحجج بالصدف والقدر. وبدأ الشك يتسرب إلى قلبه، فقرر بأن هناك من يتلاعب بعقل روان ويخبرها كيف تتصرف وكيف تتحايل عليه لتفعل ما تريد. وبألتاكيد إنها أختها "نهاية".
أمسك عبدالله هاتف روان، ذات ليلة، بعد أن ذهبت لتستحم وبدأ يتفحص تطبيق الواتساب، ويقرأ المحادثات واحدة تلو الأخرى. وبينما هو يتنقل من محادثة إلى أخرى وجد رقماً غريباً لم يخزن أسم مالكه على هاتفها مكتوب عنده: ليش بطلتي تردي ! ففتح عبدالله المحادثة. كانت آخر رسالة منذ أسبوعين, لم يصدق عبدالله عينيه كانت المحادثة: حبيبتي وينك؟ اشتقتلك. ليش بطلتي تردي؟
خرج عبد الله من البيت يقود سيارته كالمجنون. مر يوم ويومين وعبدالله يتجنب الجلوس في المنزل. وبعد أيام قرر أن يحجز لها ولطفليها تذاكر سفر للأردن ليعود معها ويطلقها دون أن يبدي الأسباب، وأن يستر ما رآه منها، وأن لا يفضحها أكثر من ذلك. أيقنت روان أن هناك خطباً ما، وألحت على عبدالله لمعرفة السبب. فقال لها : أعطيني تلفونك أفرجيكي ليش ؟ حينها قالت روان عندما قرأت الرسائل بهلع : ما بعرف، هاد رقم غريب ما بعرفه؟! ومرت أيام الأسبوع يوماً بعد يوم وروان تحاول كل يوم تلطيف الأجواء. وقبل السفر بثلاثة أيام فوجيء عبدالله بزيارة من أخيها علاء إليهم في السعودية قادماً من عمان. فاستضافه عبدالله ورحب به. وفوجيء عبدالله بروان تحمل حقيبتها وتناولها لأخيها علاء ليحملها نيابة عنها لتعود معه إلى الأردن! وهي تقول: ألست تريد طلاقي ولم تعد تريدني؟! إذاً هؤلاء أبنائك تصرّف معهم كما تشاء، أما أنا فقد قررت العودة مع أخي اليوم. سقط القناع أخيراً وتحدث الشيطان في داخلها، فها هي تتخلى حتى عن أطفالها. فقال لها عبدالله : إن اخترت الذهاب الآن فلا بأس، ولكن عليك ترك هاتفك وجهاز الكمبيوتر المحمول هنا في البيت، وعودي لبيت أهلك كما أتيت منه بثيابك فقط. رفضت روان إعطاءه الهاتف فأخذه منها عنوة، وخرج من البيت ووضع الهاتف في سيارته. وعندما عاد للبيت، وجد روان تتحدث إلى الشرطة من هاتف أخيها وتصف لهم المنزل، وتدّعي بأن زوجها ضربها وحبسها ويمنع عنها الأكل والشرب. مؤلمة جداً هي تلك اللحظات التي تكتشف فيها كم كنت غبياً في التعامل مع بعض البشر. ظننتهم ملاك وإذا هم هلاك .
عندما قدم رجل الأمن, بدأت روان بسيل من الإتهامات الموجهة لعبدالله، وعبدالله واقف في ذهول. تدخل رجل الأمن الذي استشعر طيبة عبدالله وتجني روان عليه،  فقال لعبدالله بأن عليه أن يعيد إليها هاتفها، ولكن عليها أن تبقى في المنزل مع أطفالها كما يأمرها زوجها. فقبلت روان بأمر رجل الأمن. أعاد عبدالله لروان هاتفها وطلب من أخيها مغادرة البيت مع رجل الأمن وأن لا يعود للبيت، وسيستلم أخته في عمان. خرج عبدالله من البيت ليلتها ليتجنب أي صدام محتمل مع تلك المرأة التي اكتشف مؤخراً أنه لا يعرفها، وقضى آخر أيامه في الفندق.
هبطت الطائرة السعودية في مطار الملكة علياء الدولي في الساعة الخامسة عصراً. وخرجت تلك العائلة المكسورة من المطار. وكان أخو عبدالله في انتظارهما، كما كانت "نهاية"، أخت روان. ركضت روان نحو أختها وهي تبكي، وفجأة ركبت مع "نهاية" في سيارتها وغادرتا المطار، تاركة خلفها طفليها. وفي اليوم التالي لم يتحمل عبدالله وابل الأسئلة من الجميع، فحجز تذكرة مرة أخرى للرياض. وعاد لبيته في الرياض هذه المرة وحيداً .
هناك عاش عبدالله أسود أيام حياته، فالغربة وحدها كفيلة بتحطيم أقوى البشر. بعث عبدالله برسالة لروان قائلاً فيها: ممكن أحكي معك. هنا أصيبت روان بالدهشة وهي التي ظنت بأن كل شيء قد ضاع وانتهى. فاتصلت به. فقال لها : ليش هيك سويتي ؟! أنا في شو قصرت معكِ! فقالت: أنا عمري ما خنتك ولا يمكن أخونك، الرسائل اللي كانت عالتلفون من أختي "نهاية" وفيك تتصل عليها تتأكد. لم يصدقها عبدالله وأدرك أن الكلام معها لم يعد يخفف آلامه، بل زاده ألماً. أنهى المكالمة وعاد لأفكاره. وبدأ القلب يستخدم كل أساليبه لإقناع عقل عبدالله بأن روان مظلومة. إذاً ما القرار الصائب لتلك الحالة ؟ وبعد تفكير دام ليلة، انتصر قلبه على عقله وقرر أن يعطيها فرصة أخيرة. ولكن عقله اشترط لإعطائها تلك الفرصة بأن يعرف من صاحب الرسالة، وما مدى معرفته بروان. ففتح تطبيق الترو كولر ( المتصل الحقيقي)، ووضع الرقم الذي كان قد سجله على التطبيق، وهنا ظهر إسم المحامي إياد طريطار !! لقد أخبرته روان منذ زمن بأنها قد عملت لشهر واحد عند محامي وقد أحبها وتعلق بها. ولكن ذلك حصل قبل اثنتي عشرة سنة! أخذ عبدالله يحاور نفسه: أيعقل أنني كنت أعمى لهذه الدرجة حتى لا أشعر بخيانتها ! أيعقل أنني مغفل لتلك الدرجة! ولكنها أيضاً استغفلت أهلها وأخواتها، ولم يشعر بها أحد من أهلها. أيعقل أنهم عميان أيضاً ! هل هي جميلة جداً لأنها كانت سعيدة معي وبي كما يقول المثل "كن سعيداً تكن أجمل"، أم هي جميلة لأنها كانت سعيدة لأني لا أعلم شيئاً عن خيانتها فيصبح المثل الأصح هو " كن خائناً تكن أجمل". هذه روان إذاً, خائنة وجميلة. ألم تعترف ميادة بسيليس، وهي في أضعف حالاتها، بأن الكذب جميل. وغنت وهي تبكي قهراً (كذبك حلو). صدقتي يا ميادة، كذبنا جميل، ولكن بالخيانة نصبح أجمل وأجمل !!
حاول عبدالله أن يكمل حياته، ولكن ما عاد بيته مكاناً يمكنه العيش فيه. البيت الذي كان ينتظره فيه ثلاثة ملائكة, هو البيت الآن الذي يحتضن شبح الذكريات. ذكريات جميلة ولكنها قاتلة. وفقد عبد الله ثقته بنفسه. كنتُ أكلمه يومياً لأطمئن عليه، وأحاول إخراجه من حالة الإكتئاب التي لازمته تلك الفترة، إلا أن كل محاولاتي معه باءت بالفشل.
عبد الله هو أعز أصدقائي في الغربة وقبلها. عرفته منذ عشر سنين ولم يخذلني خلالها قط. اتصل بي يوماً وطلب مني الخروج معه إلى القهوة. التقيت به في أحد المقاهي بالرياض قلت له: ما القصة يا صديقي؟ هل ستمضي بقية حياتك عابساً لأنك طلقت زوجتك ؟! لست أول من ينفصل عن امرأة يحبها ولن تكون آخرهم. وبالنسبة لأطفالك فهم في حفظ الرحمن، وستربيهم التي ربتك ليخرجوا رجالاً. لماذا تصر على لبس ثوب الحزن ؟ فأجابني بصوت يختنق: أبوي وأمي يا عبدالرحمن !! لقد غضب والدي عليّ يا عبد الرحمن، ورفض حتى محادثتي إلى أن أعيد زوجتي إلى عصمتي! فهم يعتقدون أنني ظلمتها .
كان ألم عبدالله أكبر من أن يسمح له أن يبرر، وأن يتكلم. انفجر يومها بالبكاء. لم أر رجلاً يوماً يحاول أن لا يبكي ولكن من شدة الوجع تهالك. لم أر عبدالله في تلك الحالة من قبل. ومرت الأيام. ومرة ذهبت إليه فرأيته يتناول دواء على هيئة حبوب، كان يبتلعه وحاول أن يخفي العلبة بسرعة عندما رآني متجهاً نحوه، ولكني أصريت على معرفة مرضه. فقال لي: لقد ذهبت إلى الطبيب بعد أن اشتد بي الألم، وبت أشعر بمضاعفات شديدة في صدري. والنتيجة فشل في عمل عضلة القلب بنسبة خمسين بالمئة !! وسأنتظر عملية زرع قلب بعد شهرين. هنا شعرت بأنني أريد أن أبكي .
مرت الأيام وعبدالله على حاله لم يتغير. لم يستطع أبداً التغلب على ما ألمّ به من مصائب. وصار يفكر بالموت كثيراً، ويفعل كل ما يستطيع فعله لينال حسن الخاتمة. ولكن الشيء الوحيد الذي لم يستطع إصلاحه هو نيل رضا والديه مجدداً. فكر عبدالله كثيراً قبل أن يقدم على أن يعلن للجميع سبب طلاقه، ويكسب رضا والديه من جديد، ولكنه عدل عن رأيه .
أرسل لي عبدالله، في مساء أحد الأيام، رسالة على التليفون يشكو بها وجعه. اتصلت به ولكنه لم يجب، قررت الذهاب إليه في الصباح الباكر. ذهبت إليه في الصباح، وطرقت باب منزله فلم يجب، وكررت الطرق مرات ومرات فلم يجب. فبحثت عن سيارته بالأسفل فلم أجدها فاطمئن قلبي قليلاً. وفي اليوم التالي ذهبت إلى العمل ولا أخبار عن صديقي عبدالله. ومر أسبوع ولم يتغير شيء. أصبحت قلقاً عليه. كان يجب أن أعرف مكان عبدالله فلم يعد الأمر قابلاً للتأجيل. ذهبت إلى بيته، وطرقت الباب عدة مرات ولكن دون جدوى. صرخت من خلف الباب منادياً دون أن يجيبني أحد. فقررت اقتحام بيته. وبعد عدة ضربات متتالية تحطم قفل باب بيته. وعندما دخلت شممت رائحة غريبة فور دخولي المنزل. جبت أرجاء المنزل باحثاً عنه ووجدته أخيراً نائماً. جلست بجانبه ووضعت يدي على جبينه لإيقاظه، وبدأت أناديه ولكنه لم يجب. جبينه كان بارداً بشكل ملحوظ، ووجهه كان شاحباً، والرائحة في الغرفة كانت شديدة. تقدم إليّ أحد الجيران، الذين تجمهروا أمام البيت عندما كسرت الباب، وأمسك يده ليتحسس نبضه، ثم قال: ادعو له بالرحمة !!!  لم أدر ما حصل بعدها فقد بدأت الدنيا تدور بي، وتوقف عقلي عن التفكير، وفقدت الإتصال بالعالم من حولي، ولم أستيقظ إلا وأنا على السرير الأبيض في إحدى المستشفيات.
استيقظت في المستشفى ليخبرني كل من حولي بأنني قد أصبت بانهيار عصبي من الصدمة، وفقدت على إثرها وعيي. خرجت من المستشفى ذلك اليوم وعدت إلى بيته باحثاً عن رقم أهله. وأثناء بحثي، وجدت دفتراً صغيراً كان يكتب فيه عبدالله يومياته. فأخذته معي، وأحرقته بعد أن قرأته كلمة كلمة أكثر من عشر مرات.
الجميع شعر بشيء غريب نحوي، وبأن أخلاقي تغيرت. فبت عصبياً أغلب الوقت، لا مزاج لي للمزاح ولا لتحمل حماقات الآخرين. أقل غلطة كانت تغضبني. كنت أشتمُ زوجتي وألعنها. وتغيرتُ معها حتى كرهتها، وكرهت كل جنس النساء دون استثناء. بت أؤمن أن كل النساء عاهرات. مات كل الشرف والشرفاء في عيني بموت صديقي عبدالله مظلوماً. فما عدت أؤمن بالشرف والوفاء. أمسكت هاتف زوجتي مراراً وتكراراًوتفقدته بحثاً عن دليل خيانتها فلم أجده. وقررت أن أطلق زوجتي بعد أن خنتها عدد لا يعد ولا يحصى من المرات، وأن لا أنتظر حتى أجد دليلاً على خيانتها. وأعدتها إلى الأردن مطلقة بدون سبب .
كان عبدالله يزورني في منامي بشكل دائم ويقول لي جملة واحدة : أنا لم أمت ما دمت أنت على قيد الحياة. ثم يبتسم في وجهي ويذهب. سافرتُ إلى الأردن، بعد ثلاثة أعوام من وفاة صديقي، باحثاً عن منزل أهله في الأردن. ولكني تفاجأت أن خالد وراشد، أبناءه، لم يعودا يعيشان في بيت أهل عبدالله، بل عادا يعيشان مع روان. ذهبت إلى بيت أهل روان لكي أرى الأولاد، وعندها علمت أن روان بعد أن طلقها عبدالله كانت حامل بطفلها الثالث. وأثناء ولادتها، حصلت مضاعفات واقتضى الأمر استئصال الرحم. وبعد ذلك تدهورت نفسيتها وأصيبت بالإكتئاب. وبعد سنة أصيبت بحادث سيارة سببت لها إعاقة دائمة وأصابتها بالشلل. لم تستطع بعدها مغادرة كرسيها المتحرك أو نطق أي كلمة. هنا أصبت بالذهول من هول ما سمعت. فطلبت من أمها أن تسمح لي برؤيتها. حينها دمعت الأم وقالت إن روان توفيت بعد ذلك. فقد كانت روان في المطبخ عندما احترق المطبخ واحترقت معه روان.
أي انتقام إلهي هو ذلك !! عبدالله مات مرة ولكن روان ماتت ثلاث مرات. أتلك هي عقوبة الخيانة! حينها غادرت منزل روان وعدت إلى منزلي نادماً حزيناً خائفاً جداً. فأنا خائن مثلها تماماً. لقد أسأت إلى زوجتي، وإلى أطفالي، وتركت ديني، وشككت بعدالة خالقي بعد موت صديقي، ولكن اليوم تأكدت بأن الله يمهل ولا يهمل !
عدت إلى زوجتي معتذراً مكسوراً. أردت بشدة أن أبكي في أحضانها وأعتذر لها، وأخبرها كم هي امرأة عظيمة في عيني. لكنها رفضتني رفضاً قاطعاً، وأخبرتني أن ما فعلته بها أكبر من أن تمحوه اعتذارات بسيطة ودمعات كاذبة منسابة على الخد. فأيقنت لحظتها أن لا شيء يمر دون حساب. وبعد أن تكشّفت لي تلك الحقائق تبت إلى الله وعدت إليه طالباً عفوه ورضاه.
    
                                  النهاية.





إرسال تعليق