الجمعة، 1 يونيو 2018






تلخيص رواية:
فتاة من ورق: غيوم ميسو.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

ثلاثية الملائكة تسحر أمريكا .. قصة الحب المستحيل بين امرأة شابة وملاكها الحارس هي أشهر عمل أدبي للسنة. هاهي أول رواية للكاتب طوم بويد، عمره ثلاثون سنة , تصير في بضعة شهور على رأس قائمة المبيعات للسنة. تحكي الرواية قصة حب مستحيلة بين دليلة، طالبة شابة تدرس الطب، ورفائيل، الملاك الحارس الذي يسهر على حمايتها منذ طفولتها .


عازفة البيانو الفرنسية أرور فالنكور تفوز بجائزة آفري فيشر المرموقة. في سن الواحد والثلاثين حازت العازفة أرور على الجائزة التي تبلغ قيمتها 75000 دولار. مستفيدة من جمالها المميز، استعرضت صورها العديد من مجلات الموضة، وصارت ملهمة لعلامة كبيرة في صنع الملابس الداخلية. وأصبحت الموسيقية الأغلى أجراً على وجه الأرض .
أرور وطوم بمظهر العشاق في الحفل الموسيقي لكينغس أوف ليون .. قدمت فرقة كينغس أوف ليون حفلاً هائلاً يوم السبت في الفوروم في لوس أنجلوس. وبين الحشود التي تجمعت، كانت العازفة أرور وطوم الكاتب اللذان بدا أن علاقتهما حميمية جداً. وبعد أيام، أمضى الكاتب ثلاث ساعات في متجر تيفاني في نيويورك بحثاً عن الخاتم المثالي للمرأة التي يصاحبها منذ شهور .
أرور وطوم : نهاية قصة .. عازفة البيانو التي كانت تعيش منذ عدة شهور قصة حب جميلة، مع الكاتب طوم، شوهدت الأسبوع الماضي برفقة جيمس بوغلياري، طبال فرقة الروك ذي سفانكس .
تأخر إصدار الجزء الأخير من ثلاثية الملائكة.. أعلن الناشر دابلداي بأن إصدار رواية طوم بويد سوف يتم تمديده إلى غاية الصيف النقبل. ويشاع أن سبب هذا التأخر هو الإنتكاسة حديثة العهد التي يعيشها المؤلف بعد انفصاله العاطفي والذي أغرقه في حالة اكتئاب حاد.

هل طوم بويد في طريقه إلى الهلاك ؟ .. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر ليلاً، أول أمس، عندما قام المؤلف المشهور بمهاجمة زبون في إحدى الحانات. وعندما أوقفت الشرطة الكاتب الشاب عثرت لديه على 10 غرامات من الكريستال ميث. وبعد متابعته بحيازة المخدرات، تم وضعه تحت الحرية المشروطة .
ماليبو، ناحية لوس أنجلوس، كاليفورنيا: منذ أكثر من خمس دقائق وميلو لومباردو يطرق بلا توقف الستائر الخشبية المطلة على شرفة منزل أعز صديق لديه، طوم. فخلال الستة شهور الأخيرة لم يغادر الكاتب طوم منزله. قال ميلو : حسناً، ثم أسقط معطفه والتقط قبضة المطرقة التي أعطته إياها كارول، صديقة طفولتهما والتي تعمل اليوم محققة سرية. حطم الستائر ودخل ميلو إلى البيت. رأى طوم ملقى على سريره. وبعد ما هز ميلو طوم، قال له الأخير: ماذا تفعل في منزلي ؟
فتحتُ عيني ورأيت ميلو في البيت. قال لي: هذه الفتاة حطمتك تحطيماً. ألا تظن أن الوقت قد حان لإنزالها من عليائها ؟ فقلتُ له: إنك لا تعرفها. فقال لي: كفّ عن تقديسها! انظر لما فعَلته بك! منذ متى ونحن نعرف بعضنا، يا طوم؟ خمسة وعشرين عاماً؟ لقد منعتني من ارتكاب الكثير من الحماقات. لولاك، لما صارت كارول شرطية أبداً. لولاك، لما استطعت أنا أن أشتري منزل لأمي. لقد قاومنا كل شيء، يا طوم: المخدرات، عنف العصابات، طفولة فاسدة. نحن ذمتنا بريئة. لقد جنينا مالنا بعرق جبيننا. لدينا كل ما يجعلنا سعداء، يا طوم! شباب، عافية، مهنة نحبها. لا يمكنك تدمير كل شيء من أجل امرأة. قلتُ له : كانت أرور حب حياتي! لا أقوى على نسيانها.
خرجتُ أنا وميلو بعد إصراره. منذ أن هجرتني أرور، وشيء ما يشبه السرطان أفسد قلبي. التهمني الحزن وأفرغني من كل عاطفة وإرادة. كنت أعرف أن همومي تربك صديقي، فخرجت معه وجلسنا في أحد المطاعم. كنت أعرف أنه يفعل ما في استطاعته كي تنفرج أساريري، ولكن  للأسف حتى حس الفكاهة هجرني. قال لي: مبيعات الجزأين الأولين من ثلاثية الرواية لا تزال جيدة. وثلاثية الملائكة في طريقها إلى أن تصير ظاهرة كونية. كما أنه سوف يُشرع في تصوير فيلم الرواية في الشهر المقبل. كما أخبرني ميلو بأن هناك مشكلة في طبع النسخة الفاخرة من روايتي الأخيرة. فلمواجهة الطلب، قاموا بالسحب على عجل. والنتيجة: مئة ألف نسخة معيبة. وسوف يسحبونها من المكتبات ويتلفونها. والأهم الآن يا طوم، هو روايتك المقبلة. فقلت: لن يكون هناك كتاب مقبل، يا ميلو. على الأقل ليس قبل مرور سنوات. لم تعد لدي القدرة على الكتابة، وأنت تعلم هذا جيداً. لقد نضبت، وأنا عاجز عن كتابة ولو سطر واحد. قال: ولكن حاول. فقلت: لقد حاولت. لكن مجرد النظر إلى حاسوبي أمر يغيظني. فقال ميلو: ولكن هناك الملايين من الناس ينتظرون تتمة حكايتك. وهذا دين عليك إزاء قرائك! وأيضاً هناك عقود مع الشركات. فإن لم تنته من كتابك في شهر كانون أول، سوف نؤدي غرامات مالية هائلة. فقلت: ولكن كيف تريد لي أن أكتب خمسمائة صفحة في أقل من ثلاثة شهور ؟ صرخت في وجهه وغادرت المطعم. ناولني راكن السيارة مفاتيح سيارة ميلو البوغاتي. ركبت السيارة وانطلقت. رأيت في المرآة العاكسة ميلو يركض ورائي وهو يوجه نحوي وابلاً من الشتائم .

قال ميلو لكارول: ألا تجدين أن هذا تصرف غير معقول. إنه يدمر نفسه من أجل قصة حب ! فقالت كارول: لعله غير معقول. ولكني أجد ذلك مؤثر جداً وموغل في الإنسانية. ولكن ما الذي نستطيع أن نفعله من أجله ؟ فقال ميلو: يجب منعه من أن يهلك نفسه، ثم أخرج من جيوبه الحبوب المنومة والعقاقير المزيلة للإكتئاب التي اختلسها من طوم. فقالت: هل أنت مدرك بأن كل ما يقع هو إلى حد ما ذنبك ؟ قال ميلو: هل هو ذنبي إن هجرته أرور؟ فقالت: أنت تعلم إلى ماذا ألمح ! فقال لها: ما أخشاه هو أن لا يعرف أحد نهاية ثلاثية الملائكة. فقالت: أنا أعرفها. لقد قصها طوم عليّ منذ فترة طويلة. عبس ميلو، وشعر بشيء من الإحباط. كان يعتقد أنه كان يعرف كل شيء عن حياة كاورل. فلقد كانت أسرته الوحيدة، والمرأة الوحيدة التي يكن لها مشاعر الحب .

كان رأسي يؤلمني، وظهري كله رضوض. على مدى سنوات، أمضيتُ لياليَّ بالكتابة، مستنفذاً كل أحاسيسي وطاقتي. أنشأت جمعية خيرية لتمكين أطفال حارتي القديمة من متابعة الدروس الفنية. لكني اليوم فقدت طعم كل شيء. شيء وحيد كان بإمكانه إنقاذي: استعادة أرور، جسدها الرقيق، بشرتها الرخامية، عيناها الفضيتان, لكني كنت أعلم أن ذلك لن يحدث. تناولتُ قبضة الكبسولات التي وجدتها في البيت بصعوبة، ثم تكومت في فراشي. وبينما كنت أغوص في حالة عميقة من النعاس، شعرت وكأنني أنفصل تدريجياً عن العالم. كان جسمي يختفي، والحياة تنبذني .

صوت زجاج متهشم أخرجني من كابوسي. كانت الغرفة غارقة في الظلمة والمطر ينقر النوافذ. كانت هناك عاصفة في ماليبو كما يحدث في الغالب. نزلت إلى الطابق الأرضي لكي أغلق النوافذ. وحين عدت إلى غرفة الجلوس شعرت بوجود شيء ما متبوع بزفير. رأيت طيف قوام أنثوي رشيق وممشوق. ارتجفت ثم حدقت جيداً. كانت المرأة الشابة عارية، يدها موضوعة على سرتها، ويدها الثانية تخفي صدرها. سألتها: من أنت ؟ أحاطت نفسها بغطاء كان موضوعاً على الأريكة ثم قالت: كنت أعتقد أنك سوف تتعرف إلي. أنا بيلي! لاحظت أنها ترتعش. لا عجب! لقد كانت مبللة والغرفة من جليد. حينها قلت وأنا متجه نحو الخزانة : لا أعرف أي بيلي. ثم سحبت شرشفاً ورميتها عليها. التقطته بخفة وقالت: بيلي دونلي. بقيتُ جامداً في مكاني لثوانٍ عديدة. بيلي دونلي كانت شخصية ثانوية في رواياتي. وهي بالأحرى فتاة محببة لكنها حمقاء بعض الشيء، تعمل ممرضة في مستشفى عمومي في بوسطن. لكن من تكون هذه الفتاة؟ معجبة تبحث عن الشهرة؟ قلت لها: يكفي الآن، سوف ترتدين شيئاً ما وتعودين أدراجك بهدوء. فقالت: أظن أنه سوف يكون من الصعب عليّ العودة إلى دياري. فقلت: لماذا؟ قالت: لأن دياري توجد بكتبك. وأنا سقطت من كتاب. سقطت من حكايتك. سقطت من سطر، وسط جملة غير تامة. كان فيها شيء ما يثيرني. ولكني تماسكت وأخرجت هاتفي لأتصل بمخفر الأمن المكلف بحراسة الإقامة. سمعت الرنة الأولى، ثم الثانية. وسمعت الرنة الثالثة تتردد، من بعيد جداً، ثم فقدت الوعي وتهاويتُ على الأرض .

غمرتْ موجة من الحر جسدي ونكست وجهي. قاومت الرغبة في فتح عيني لإطالة النوم في شرنقتي. ثم بدا لي أني أسمع أغنية بعيدة. كانت هناك حركة حول المائدة. ثم رأيت ذلك الفستان الوردي خاصة أرور. فهمست: أرور! لكن الطيف الشفاف والضبابي تقدم إلى أن حجب الشمس و.. لا، لم تكن أرور، إنها خرقاء تلك الليلة التي تعتبر نفسها شخصية روائية! قلت: ماذا تصنعين عندك بعد هنا؟ قالت: إنها لطريقة غريبة من أجل شكري على إعداد الفطور! فركت عيني كي أستعيد رشدي. كنت آمل أن تكون هذه الفتاة مجرد هلوسة، لكن للأسف، الأمر ليس كذلك. قلت لها: اسمعي، سوف نضع حداً لهذه المزحة. ستعودين إلى بيتك من دون أن تدفعيني إلى طلب الشرطة، اتفقنا ؟ فقالت: أنا بحق بيلي دونلي. أنا بحق شخصية روائية وصدقني أن ذلك يرعبني قدر ما يرعبك. قلت لها: لا شك في أن هناك من سيقلق عليك من أفراد أسرتك أو أصدقائك ؟ فقالت: لا أعتقد ذلك! لا أحد يهتم بشأني. حينها انقضضت عليها وقدتها إلى الشرفة ووضعتها هناك وأغلقت الفتحة الزجاجية ورائي. خرّت على طول مدخل النافذة. جالسة ورأسها محاط بيديها، كانت تبدو منهارة. دنوت ببطء وجلست لصق الحاجز الزجاجي. رأيت جفناها يرتجفان كما بفعل الألم. اكتشفت أن فستانها ملطخ بالدم،  ثم رأيت شفرة سكين الخبز بيدها وفهمت أنها آذت نفسها. ثم نظرت إلى الأعداد الموشومة على يدها 144 .حينها التقطت كتابي وفتحت الصفحة 144 ، وكانت بداية فصل جديد يقول : (ذهبتْ بيلي إلى متجر للوشم في بوسطن. كانت الأبرة تعدو على كتفها، تنفث الحبر تحت جلدها، وتحفر كتابة بالرسم الأرابيسك. علامة لوصف جوهر الشعور بالحب: شيء منك داخلني إلى الأبد وأعداني مثل سم.  نقشٌ جسدي تعمدت حمله مذاك بصفة القربان لمواجهة آلام الحياة). حينها نظرتُ إلى عظم كتفها، ولمحت رسماً قبائلياً. كانت علامة هندية في وصف جوهر الشعور بالحب .

حينها أدخلتها إلى البيت. قالت لي وهي متجهة إلى المطبخ : صرتَ أكثر وداعة ! فقلت لها: على كل حال إن الوشم ليس دليلاً بحق. وبعدما تحدثتُ معها قليلاً صدمني تشابهها مع بيلي. فهذه المرأة إما أنها مخبولة وقلدت بيلي الشخصية الموجودة فى روايتى تقليداً مذهلاً، وإما أنها كانت بحق بيلي، وبالتالي فأنا من كان مخبولاً. حينها رن جرس الباب فقامت بيلي إلى الشرفة وأختبأت هناك. كان ميلو ومعه كارول. حينها قلت لهما: لن تتخيلا ما يحدث لي! من مساء أمس. انظرا إلى الشرفة. فعبرا الصالون ثم قال ميلو: لا أحد في الخارج. مستغرباً، لحقت بهما. لم يكن هناك أثر لبيلي. حينها ولأكثر من ربع ساعة قصصت عليهما بالتفاصيل، حكايتي العجيبة، بدءاً من لقائي الغريب مع بيلي، وصولاً إلى حديثي معها والذي انتهي بإقناعي بحقيقة هويتها. فقال ميلو: يجب عليك العودة لرؤية طبيبتك النفسية. فقالت كارول: لا شك في أنك تعاني من الإرهاق التام .
ربما كان ميلو على حق. ربما كنت على حافة الجنون وكنت ضحية تهيئات. وصلت أنا وميلو وكارول إلى عيادة الدكتورة صوفيا شنابل. قالت لي كارول : نحن أصدقاؤك ولسنا أعداؤك. دخلنا ثلاثتنا البناية. وفي مكتبها دخلت الدكتورة صوفيا وألقت التحية. ومثل كل مرة، تطلّب مني الأمر بضع لحظات للإعتياد على حجم شعرها المثير. ومن خلال الطريقة التي تحدثت بها إلى ميلو وكارول، تأكد لي بأنه قد سبق والتقتْ بهما. وعند سماع خطاب صوفيا شنابل الملتبس، أدركت أن ما كان يختفي وراء مجموعة الفحوصات التي كانت تنوي إجراءها لي، هو الحجز الصحي! كان ميلو يسعى إلى وضعي تحت الوصاية للتهرب من مسؤولياته المالية!
منذ سنة، كنت قد تورطت مع قوات الأمن في أكثر من قضية ومشاكلي القانونية لم تنته. كنت قيد الحرية المشروطة، بفعل اتهامي بحيازة المخدرات. لقائي مع بيلي ـ الذي كان ميلو يحكيه بأدق التفاصيل للطبيبة ـ سوف يكون خاتمة للدفع باعتباري مريضاً يعاني من الذهان والهلوسة. قالت صوفيا: إذا سمحت، سوف نجري بعض الفحوصات. لا، لم أكن أريد أية فحوصات، لم أكن أريد أي نوم اصطناعي، لم أكن أريد الأدوية بتاتاً! غادرت مقعدي للهروب من ذلك الحديث. مشيت بضع خطوات، وقذفتُ بمنحوتة ـ كانت موضوعة على الطاولة ـ على الشرفة الزجاجية التي تناثرت إلى عدة شظايا من الزجاج. أتذكر الصرخة التي أطلقتها كارول. أتذكر الشرخ المنفرج التي هجمت منه هبة ريح عاصفة. أتذكر نداء السماء. أتذكر أني تهاويت ساقطاً في الفراغ من دون استعداد للقفز .

بعد سقطة من علو طابقين، وجدتني ملفوفاً بستار فوق سيارة قديمة. كان لي ضلع مغروز، وألم في الركبة وفقرات العنق والكاحل، لكني لم أكن ميتاً. سمعت بيلي تقول: إن لم نرحل من هنا بسرعة، أخشى من أن يلبسوك سترة المجانين. كان عندي التواء في الكاحل ولم أعد أقوى على الخطو. جلستْ بيلي خلف مقود سيارة ميلو البوغاتي وجلستُ على مقعد الراكب. وهربنا من الخلف. حينها سمعت كارول تقول: ارجع، يا طوم! أرجوك. سألت بيلي: إلى أين نحن ذاهبان ؟ فقالت: إلى المكسيك. سنعثر على أرور. نظرتُ إليها وأنا مذهول. قلت: ما دخل أرور في هذا. فقالت مرة أخرى: سأعرض عليك صفقة: سوف نذهب إلى المكسيك، وسأساعدك في استرجاع أرور، ومقابل ذلك تكتب الجزء الأخير من ثلاثيتك، لأن ذلك هو السبيل الوحيد إلى إعادتي إلى المكان الذي منه أتيت.

بعد نصف ساعة كنا في مطعم للوجبات السريعة على الطريق بعد هانتينغتون بيش. ابتسمتْ بيلي في وجهي قبل أن تنشر أمامها خارطة طريق كبيرة لتوضح تفاصيل رحلتنا. ثم قالت: حسب الخبر فى إحدى  المجلات فإن أرور وصديقها لا يزالان في عطلة إلى غاية نهاية الأسبوع في فندق فخم بكابو سان لوكاس في الجزيرة المكسيكية. ثم صمتتْ وأكملت: ستقوم بكتابة روايتك، وسوف تكف عن جعلي في الرواية كبش فداء! وتكف عن جعل سريري معبراً لكل أراذل الدنيا، وسوف تنقلني بالرواية من قسم العلاج من السرطان إلى قسم طب الأطفال. أريد أن أرى الحياة أكثر من الموت. فمنذ سنتين وأنا أطالب الإدراة بذلك ولكن كل مرة يتم رفض طلبي بحجة أن القسم يعاني من نقص في اليد العاملة. أما من أجل تحسين أحوالي المادية، أرى من المفيد أن أحصل على ميراث. حينها قلت لها: حسناً، هل أنهيتِ قائمة بابا نويل ؟ فقالت: هناك شيء آخر، أريد أن يهجر جاك زوجته نهائياً للعيش معي. كان جاك هو عشيقها. رجل متزوج. وأب لطفلين. قلت لها: ابذلي مجهوداً لنسيانه فليس هناك مجال  للعودة له. فقالت: إنه يستأثر بي. منذ النظرة الأولى، حدث شيء ما بيننا: بداهة، انجذاب مثير. قلت لها : جاك لا ينوي الإنفصال عن زوجته. فقالت: أعرف، ولكني أعتمد عليك لتغيير ذلك .
كانت بيلي تسوق بسرعة مفرطة، فأوفقنا الشرطي. توقفتْ سيارة الدورية بضعة أمتار خلفنا. دار الشرطي حول السيارة، ثم طلب من بيلي رخصة القيادة ووثائق السيارة. فقالت بيلي: أتمنى لك الكثير من المتعة، ثم شغلت محرك السيارة وانطلقت. قلت لها: يجب أن نتخلى عن السيارة! للوهلة الأولى، تخلى الشرطي عن مطاردتنا، لكن من المؤكد أنه أعان حالة الإستنفار. وفي أحد المنعطفات تركنا السيارة. أخذنا أمتعتنا منها، ووقفنا على جانب الطريق نبحث عن سيارة لتقلنا. توقفت لنا سيارة شحن صغيرة قديمة صدئة اللون. وبداخل هذه السيارة البالية اقترح علينا مكسيكيان بستانيان نقلنا إلى سان دييغو. وبعدما وصلنا ساعدت بيلي في النزول على الرصيف قبل توجيه الشكر للبستانيين عن مساعدتهما لنا. أتصلت بصديق قديم لي وعرضت عليه شراء لوحة فنية كانت معي. أعطاني مقابلها ثلاثون ألف دولار، مع أنها تساوي أضعاف ذلك عشرين مرة!
قمت بشراء سيارة مكسيكية قديمة من أحد الكراجات بمبلغ إثنا عشر ألف دولار. واستطعنا بسهولة تجاوز الحدود إلى المكسيك. واصلنا السير بموازاة الساحل. هطلت علينا أمطار طوفانية. وصلنا إلى أقرب موتيل. ومن دون أي مفاجئة, كانت الغرفة تتميز بالبساطة، ضعيفة الإضاءة، تفوح منها روائح مريبة. غادرت بيلي إلى الحانة. ولأني بقيت وحيداً، أخذت دشاً فاتراً، وفتحت حقيبتي بحثاً عن أغراض النوم. كان حاسوبي ينتظرني. شغلت برنامج معالج النصوص. عندها تسارع نبضي، وانتابني دوار، وهز قلبي غثيان قوي بحيث... كنت مكرهاً على إطفاء الحاسوب. لقد أصابتني متلازمة الصفحة البيضاء. لقد تخليت عن الكتابة ولم تعد الكتابة ترغب فيّ.

أويت إلى الفراش، أطفأت النور وتقلبت ذات اليمين وذات الشمال في سريري. لم أستطع النوم. نهضت وخرجت إلى إحدى الحانات الشعبية التي لا يكاد يرتادها سوى الرجال. كانت بيلي تجلس في الجزء الخلفي من القاعة, إلى مائدة رجلين ضخمين. اقتربت من الشلة. تعرفتْ إليّ ولكنها فضلت تجاهلي. كنت أعرف عيوبها وأعلم أن الكحول لا يلائمها. تعاركت مع الرجلين. ثم أخذتها إلى الفندق .

قال ميلو لكارول وهو منهار : حياتي تسير نحو الهاوية، لقد تسببت في إفلاس أعز صديق لدي ولم أكترث لمساعدته حينما واجه المصاعب، وشربت حتى الثمالة، ودخنت ثلاث أو أربع لفافات. قالت كارول: لقد تم العثور على سيارتك البوغاتي التي أخذتها الفتاة برفقة طوم في غابة قرب سان دييغو. قال ميلو: وطوم؟ فقالت كارول: لا خبر. قال ميلو: سأنتقل إلى عين المكان بالسيارة التي اكتريتها. فقالت كارول: سوف أذهب هناك.  نتلاقى في منزلي بعد ساعة يا ميلو، اتفقنا ؟!
في المكسيك، للمرة الأولى، شعرتُ أنني بخير. أحببت المناظر الطبيعية، أحببت عطر الأسفلت ورائحته المسكرة التي تعبق بالحرية، أحببت المتاجر والسيارات .

كابو سان لوكاس .. فندق لا بويرتا ديل باريزو جناح رقم 12 .. نور صباحي ينساب من خلال الستائر, فتحت بيلي عيناً وتمددت بكسل. كان المنبه يشير إلى أن الساعة تجازوت التاسعة. التفتت فوق سريرها. على بعد أمتار منها، وعلى سرير منفصل، كان طوم مضطجعاً على جنبه. خرجت بيلي إلى الشرفة بعد أن تدثرت بمعطف طوم. وعلى الشرفة شعرت بشيء في الجيب الداخلي للمعطف. كانت محفظة نقوده. كانت منتفخة بعض الشيء. فتحتها وإذ بجسم معدني براق يسقط في بطن كفها. لقد كان غلافاً لطلقة سلاح ناري. فجأة، تسارع خفقان قلبها بين ضلوعها. ولإدراكها بأنها انتهكت سراً للتو، أسرعت إلى إعادة غلاف الطلقة إلى قعر بطانة المحفظة. ثم وجدت صورة، كان يُرى عليها فتاة وشاب متعانقان. تعرفت إلى طوم بدون صعوبة، وارتأت أنه لم يتجاوز سن العشرين في تلك الفترة. أما الفتاة فكانت أصغر من ذلك، سبعة عشر سنة أو ثمانية عشر. كانت فتاة جميلة من الجنس الأمريكي الجنوبي. طويلة القامة ورشيقة، ولها عينان صافيتان. تركت بيلي الصورة وهي ترتجف.

فندق لا بويرتا ديل باريزو الجناح 24 .. كان ميلو يتفحص قوام حوريتين شبه عاريتين عندما اقتحمت عليه كارول الشرفة بغتة. فقال ميلو : لقد تحققت من خدمة الإستقبال. إن طوم فعلاً قد نزل بهذا الفندق برفقة صديقته، أما أرور فهي الآن على الشاطيء .
الجناح 12 .. دخلت بيلي إلى الغرفة، وكنتُ قد استفقت، فقالت لي مشيرة إلى الصورة التي رأتها في محفظتي: من تكون تلك الفتاة ؟ فقلت: إنها كارول، صديقة الطفولة. فقالت بيلي : متى كان ذلك ؟ فقلت: في عيد ميلادي العشرين. حينها طرق الباب. كان ذلك ميلو وكارول. قالت لي كارول: نهارك سعيد. وقال ميلو: جميل أن نراك مجدداً. وبعد الحديث نزلنا أنا وميلو إلى إحدى الحانات. قال ميلو: في ما يخص بيلي، إنك لا تصدق حقاً بأنها بيلي الأصلية، أليس كذلك ؟ فقلت: مهما بدا ذلك غير قابل للتصديق، أخشى أنها هي. أظن يا ميلو أني سأعود إلى التعليم. في فرنسا، هناك ثانوية أبدت اهتمامها بسيرتي. فقال ميلو : إذن ستهجرنا ! والكتابة ؟ فقلت: انتهى أمرها. حينها هبت عاصفة من خلفي وصرخت بيلي: كيف انتهى أمرها ؟ وأنا إذاً ؟ حينها أخذتها على طرف وقلت لها: سوف نكف عن الكذب على بعضنا. لم أعد أستطيع الكتابة. لم أعد أرغب بها. قالت بيلي: وأنا أريد العودة إلى دياري! كما أن بيننا عقداً. فقلت: أنا لست مسؤولاً عما يحدث لك. كما أن أرور تعيش حياتها، ولن تستطيعي إعادتها لي أبداً. فقالت لي : هل تود المراهنة ؟ ثم دنت مني بلطف وقبلتني. شعرتُ بقلبي يخفق بسرعة، باعثاً فيّ مشاعر انطفأت منذ زمن بعيد.

كنتُ بحاجة لأن أكون وحدي حتى أسترد رشدي. كنت حانقاً على نفسي. غاضباً من أني تلبلكت جراء قبلة بيلي. رأيت أرور ترتدي سترة طويلة من الكشمير جالسة تعزف في بهو الفندق. كان من المؤلم رؤيتها من جديد. لمّا هجرتني، أخذت معها كل ما كان فيّ من طاقة: آمالي، ثقتي وإيماني بالمستقبل. إنها خنقت قلبي، وانتزعت منه كل إمكانية جديدة للحب. لقد وقعت في حبها مثلما يصاب المرء بفيروس قاتل. كنت قد التقيتها في مطار لوس أنجلوس. أحببتها منذ الدقيقة الأولى. اقتربتُ منها بعد أن انتهت من عزفها وقلت: كيف هي أحوالك؟ قالت: حسنة. إنها ظريفة، تلك الفتاة يبدو أن ما يقع بينكما له قوة البركان. قلت: وأنتِ، كل شيء يسير على ما يرام مع الرياضي الذي يخصك؟ إنه يمتلك وجهاً جذاباً بحق. على العموم، تليقان ببعضكما. ما كنت أريده أنا هو بناء شيء ما معك، كنتُ مستعداً لاجتياز المحن رفقتك. قالت: أعلم أن لا شيء يدوم إلى الأبد، وأعلم أنه كي نستحق الحب، ينبغي أن نهب أنفسنا روحاً وجسداً، والمخاطرة بخسارة كل شيء. ولكني لم أكن مستعدة لفعل ذلك، كما أنه لا استعداد لديَّ اليوم. ثم أضافت: أنا آسفة .

بفستان مزركش بالفضة كانت بيلي تسبقني إلى بهو الإستقبال. انتقلنا إلى المائدة حيث كان ميلو في انتظارنا. وعلى بعد بضع موائد منا، جلس كل من أرور ورفائيل وسط الشرفة، يشهران حبهما الحديث. وفجأة سُمع صوت دويّ بعيد. وبرز ظل طائرة مائية في السماء. وأخذت الطائرة تُمطر علينا مئات من الورود المختلفة الألوان والتي غطت بلاط المطعم. تصفيقاتٌ حارة استقبلت هذا الوابل من الأزهار. ثم ركع رفائيل أمام أرور طالباً منها الزواج. كنت بعيداً جداً لسماع جواب أرور، ولكني قرأت حركة شفتيها .. أنا آسفة !! حينها عم صمت ثقيل كما لو أن كل المطعم أحرج. حينها قام رفائيل وعبر القاعة بنوع من الكبرياء المجروح، ومن دون أن أتوقع، سدد لي لكمة على طريقة مايك تايسن .

بعد خروجي من عيادة الفندق، صعدتُ إلى الحجرة حيث كانت بيلي تنتظرني. اقتربتْ مني وقبلتني فأحسست بمذاق مر، لاسع، هائج في الفم، فتراجعتُ بغتة. بدتْ بيلي مذهولة، حينها أبصرتُ شفتيها المسودتان، ولسانها الأرجواني. كانت ترتعش، وأسنانها تصطك. شعرتُ بها تنهار. وفجأة أخذتها رغبة في التقيؤ. وبألم شديد لفظت طبقة سميكة ولزجة قبل أن تنهار فوق البلاط. لكن ما كنت أراه ليس قيئاً .. كان حبراً !!
خرج الطبيب من غرفة مستشفى الفندق بينما استغرقت بيلي في نوم عميق. قال الطبيب: لديها الأعراض المعروفة لفقر الدم أنيميا ولكن ما يؤرقني هو تلك المادة المسودة التي تقيأتها بكمية كبيرة. سمح لي الطبيب بالبقاء إلى جانبها. حينها اقتربت منها وهمستُ لها: لن أتخلى عنك، بيلي. إنها كلمة شرف مني لك على ذلك. في الصباح، كانت بيلي قد استعادت بعض نشاطها. جاء الطبيب وميلو. قال الطبيب: المادة السوداء التي لفظت منكِ آنستي البارحة هي حبر زيتي. كما أن الكشف الدموي أكد فقر الدم. وهذا ما يفسر شحوبك، وآلام الرأس، والدوار. كما أن التخطيط أظهر وجود مادة السليلوز في دمك. والسليلوز هو المكون الأساسي للخشب. ما أقصده أن تكوينك البيولوجي ليس تكوين كائن بشري. يتم الأمر كما لو أن جزءاً منك هو في طريقه إلى أن يصير نباتياً !!
بقينا نحن الثلاثة في الغرفة وبعد أن أفرغت بيلي كل ما فيها من دموع، نامت بيلي في آخر المطاف. حينها قال ميلو: طوم، في ما يخص تلك الحكاية عن بطلة رواية سقطت من كتاب، لم أرد تصديقك، ولكني الآن مرغماً على الإقرار أن رفيقتك في طريقها إلى أن تصير شخصية من ورق. ينبغي التفكير الآن في الفجوة التي من خلالها استطاعت شخصية خياليه ولوج واقعنا. حينها قلت: بيلي سقطت من سطر في منتصف جملة غير مكتملة. قال ميلو: أجل، مجموعة المائة الف كتاب التي لم يتم طبع نصف أعداد صفحاتها! ذاك هو باب دخولها. ثم سأل ميلو: في أي ساعة شعرت بيلي بأولى علامات المرض؟ قلت: أظن في منتصف الليل أحست بالوعكة. فقال ميلو: أنا أعرف سبب أزمتها، ثم أخرج هاتفه الآيفون وقرأ الرسالة التي على هاتفه : من روبرت براون .. سيدي نؤكد لك التدمير الكلي لمجموع المخزون المعيب من الطبعة الخاصة للجزء الثاني من ثلاثية الملائكة، لكاتبها طوم بويد. وتم إتلاف 99999 كتاباً معيباً في محطة الإتلاف في مصنع شيبارد في بروكلين. فقلت: إذن بيلي ترتبط مادياً بالنسخ المعيبة. ولكنهم على الأغلب لم يدمروا المخزون بأكمله، فلو كان الأمر كذلك، لكانت ميتة سلفاً. هناك كتاب واحد على الأقل لم يستطيعوا إتلافه. فقال ميلو: النسخة التي بعث لي بها الناشر ومنحتك إياها! ماذا فعلت بها ؟!!! فقلت: لقد رميتها في سلة القمامة في المطبخ! يجب أن أهاتف الخادمة كي لا ترمي الكتاب. تكلمت مع الخادمة. ولكنها أخبرتني بأنها أخرجت القمامات يومين من ذي قبل. وهنا كان ينبغي عليَّ التحرك بسرعة. لأن حياة بيلي أصبحت متعلقة بكتاب واحد .

كانت بيلي لا تزال نائمة. وكان ميلو قد ذهب لإخبار كارول وقد خططنا لنلتقي بعد ساعتين للقيام ببعض التحريات وإعداد الخطة لمعركتنا. وفي بهو الإستقبال رأيت أرور والتي اعتذرت عن تصرف رفائيل باروس ولكمته لي. حكيت لها باختصار ما حدث لبيلي. أنصتت إلي باهتمام. كنت أعلم أن والدتها توفيت في سن التاسعة والثلاثين جراء سرطان ثدي. ومنذ تلك الوفاة الصادمة، أصبحت مصابة بالوسواس المرضي، وعلى أي حال، مهووسة بكل ما يمس صحتها البدنية. فقالت لي: خذها سريعاً عند طبيب كفؤ. إن أحببت إلى البروفيسور جان باتيست كلوزو: خبير في التشخيص لا مثيل له.

قلت لميلو: يجب أن نقتسم الأدوار. أنت يا ميلو، ستعود إلى لوس أنجلوس لمحاولة العثور على آخر نسخة معيبة. أعلم بأنها مهمة مستحيلة، ولكن إن تم إتلافها، فإن بيلي ستموت. أما أنا، سوف آخذها إلى باريس لاستشارة الطبيب الذي نصحتني به أرور من أجل السيطرة على تفشي المرض. ولكن أيضاً يجب أن أكتب الجزء الثالث من كتابي لإعادة بيلي إلى العالم الخيالي، فالجزء الثالث للرواية هي بابها للخروج من العالم الواقعي .

عثرت كارول على صفحة في موقع eBay يعرض للبيع نسخة من رواية طوم. فأخبرت ميلو بذلك ولكنها أخبرته أيضاً أن النسخة تم بيعها بأربعة عشرة دولار. حينها بعثت كارول برسالة إلكترونية تشرح فيها رغبتها في التواصل مع الشخص الذي اشترى ذلك المنتج. ولما لم تتلقَ رداً، بعث ميلو رداً أكثر توضيحاً مع تضمينها وعداً بمكافأة قيمتها ألف دولار إلى الإسم المستعار آنا، الذي اشترى النسخة.
وصل طوم وبيلي إلى باريس. والظاهر أن هواء باريس أعاد لبيلي عافيتها قليلاً. بالتأكيد لا تزال خصلات شعرها بيضاء وسحنتها شاحبة، ولكن بدا أنها استرجعت بعضاً من لياقتها.

قلبت بوني صفحات الرواية لتجد أنها تتوقف بغتة عند الصفحة 266 في منتصف جملة غير مكتملة. وبعد هذه الصفحة هناك صفحات بيضاء. دخلت بوني إلى أحد المطاعم وبدأت تكتب على الصفحات البيضاء سوفليه بالشوكولاتة ...
استطاعت كارول بصفتها شرطية الوصول إلى عنوان بيت آنا. وحين وصلت إلى بيتها، أعلمتها آنا بأنها قامت ببيع الرواية إلى طالبة تدعى بوني. استطاعت كارول أن تحصل على عنوان الفتاة بوني، التي اشترت الكتاب من آنا. وبعد ساعات وصلت إلى العنوان. سألت عن بوني فقالت لها الفتاة التي فتحت الباب: إنها غادرت للتو نحو المطار، لتشارك في بطولة الشطرنج في روما !
وصلت الطائرة إلى روما. كانت بوني نائمة طوال الرحلة نوماً مضطرباً. غادرت الطائرة وهي لا تزال مسترخية, من دون أن تنتبه إلى أنها نسيت داخل شبكة المقعد الكتاب .
وصلتُ وبيلي إلى المستشفى. وبدأتْ بيلي بسرد ما حدث لها بالتفصيل للطبيب كلوزو: فقدان الوعي، إرهاق كبير، شحوب، ضيق في التنفس، غثيان، حمى، وحرقة في المعدة. تناول الطبيب ملف بيلي ثم قال: ستخضعين للتحاليل من جديد. هذه التحاليل وحكاية "الفتاة من ورق" تلك، والحبر والسليلوز: لا شيء من هذا يقبله المنطق. ولكن رأيي، إن هناك تشوه في القلب أو الشرايين مما أدى إلى انخفاض مباغت في الصبيب الدموي الدماغي .

وضع مايك بورتوي، الطيار المدني، اللمسة الأخيرة على تقرير ما بعد الطيران وأغلق حاسوبه المحمول. هذا المساء عليه ملاقاة فرانسيسكا. في كل مرة يمر فيها إلى روما كان يدبر أمره لتجريب حظه مع المضيفة الجميلة التي تعمل بمكتب الأغراض الضائعة. هى في سن العشرين، جميلة ونضرة. ولكنها ترفض تلميحاته لحد الآن. غادر مايك قمرته ثم تناول كتاباً ملقى في الطائرة. كان رواية طوم بويدـ ثلاثية الملائكةـ الجزء الثاني. حينها قال لنفسه: ها هو المبرر لأمر بمكتب الأغراض الضائعة. احتفظ بالكتاب في يده، وغادر الطائرة. هذا المساء سوف تنام فرانسيسكا في حضنه! وحين وصل إلى المكتب، أعلمته البديلة بأنها مع صديقها في المقهى. ذهب مايك إلى المقهى ووجد فرانسيسكا مع شاب صغير لديه ابتسامة فاتنة. دعاها إلى العشاء معه، فرفضت قبل أن تنخرط في ضحك جنوني مع شريكها. حينها غادر المقهى جاراً ذيول الخيبة، ونسي على المشرب الكتاب ذي الغلاف الجلدي القوطي .
قال الطبيب لبيلي : أظهر تحليل الدم انخفاض معدل الصفائح، وهذا ما يبرر حالة الأنيميا التي لديك. أما تخطيط القلب بالصدى، فقد أشار وجود مخاطات قلبية، أي عدة أورام تقع في القلب، لذا هناك مخاطرة كبيرة في إصابتك بانسداد الشرايين أو الموت الفجائي إذا لم نزل الأورام في أسرع وقت. وهذا يحتاج إلى علاج جراحي بالقلب المفتوح.
وصلت لبوني عدة رسائل من ميلو بشأن الكتاب، فردت عليه برسالة قائلة له: إن الكتاب ليس للبيع، وأخبرك للأسف أنني أضعت الكتاب أثناء رحلة سان فرانسيسكو ـ روما، وأنه لحد الساعة لم تتم إعادته إلى مكتب الأغراض الضائعة في المطار. أرجو أن تتقبل أصدق تحياتي ... بوني ديل أميكو.

كان أول ركاب الرحلة على متن فلاي إيطاليا قد شرعوا في مغادرة الطائرة. ومن ضمنهم الرسام الشهير لوكا باتوليتي. لم يهدر لوكا وقته في انتظار حقيبته أمام حزام نقل الأغراض الدائري. فتوقف كي يأكل شيئاً ما بالمقهى. وحين جلس لمح الكتاب ذي الغلاف الجلدي. وحين أنهى لوكا وجبته غادر المقهى متأبطاً ما عثر عليه. وحين وصل إلى بيته، خلف ساحة سانتا ماريا، خلع معطفه وأخذ يتصفح الكتاب. هذا المساء انتابته رغبة جامحة في تذوق سوفليه بالشوكولاتة .

 رغم التهديد الذي يمثله مرض بيلي، إلا أن روايتي كانت تتقدم على نحو حسن. كنت قد استرجعت لذة الكتابة وكانت الليالي التي أقضيها في العمل مدفوعة بحماس. كنت أخلق من أجل بيلي الحياة التي حلمت بها دوماً إلى جانب جاك. قبل أن تقتحم بيلي حياتي، كنت بالفعل قد ابتدعت شخصية جاك بوصفها معاكسة لي. كان يُجسد كل ما أمقته أو ما يزعجني في الذكورة. كان في الأربعين، له وجه وسيم، أب لطفلين، ويعمل في بوسطن. كان يخون زوجته. ولسوء الحظ، رميت في إحدى صفحات روايتي القديمة بيلي بين مخالبه، وكانت إحدى ضحاياه. وهي الآن تلتمس مني أن أبني حياتها إلى جانبه. كان عليّ الآن أن أغير شخصية جاك إلى النقيض، وأجعله شخصاً مألوفاً أكثر.
جلس لوكا على إحدى طاولات مقهى بابينتوس. كانت الجدران مكسوة برفوف من الخشب التي صفت عليها العشرات من الكتب. فتح لوكا كتاب طوم، وعند إحدى الصفحات الفارغة أخذ يلصق صوره الشخصية. ثم أغلق الكتاب ودسه في أحد الرفوف بين الكتب .

جلس كل من كارول وميلو يتحدثان بأمر الكتاب. لقد أعلنت كارول على الشبكة العنكبوتية عن بحثها عن نسخة غير مكتملة للجزء الثاني من ثلاثية الملائكة. جاءتها رسالة زعم مستخدم للإنترنت أنه وجد أثراً للنسخة على موقع الكتاب المسافر. وبنقرة جديدة على الإنترنت عرفت كارول أن الكتاب تم وضعه في مقهى بابينتوس في روما. حينها قررت هي وميلو الذهاب إلى المقهى، وحجزا بالطائرة إلى روما .
جلست إيزول بارك إلى مائدة صغيرة في أقصى قاعة الشاي في مقهى بابينتوس. شربت فنجاناً من الشاي. نهضت بعدها لتنظر إلى رفوف الكتب. رأت كتاباً لكاتب يدعى طوم بويد. أخرجت الكتاب واكتشفت أن هناك بطاقة عليه مكتوب عليها : نهارك سعيد! لست كتاباً مثل باقي الكتب. أنا منذور للتجول. خذني، اقرأني، واتركني بدورك في مكان عام. كانت تلك الجملة قد كتبها لوكا. حينها فتحت إيزول الرواية وتصفحت صفحاتها البيضاء التي وضعت عليها صورة لشخص سارداً حكايته. شيء ما أثّر فيها. بدا لها أن الكتاب به قوة مغناطيسية. كان الملصق يصرح بأنه مجاني، لكنها كانت مترددة في وضعه داخل حقيبة يدها .

وصل ميلو وكارول إلى مقهى بابينتوس ولكن لم يجدا أثراً للكتاب. فقررا أن يستريحا من عناء السفر قليلاً وأن يتناولا الطعام في أحد المطاعم. كان الهواء عذباً وكان ميلو ينظر إلى صديقته بحنو. ولعدة مرات كاد يبوح لها بحبه الذي كتمه منذ أمد بعيد، ولكن خشيته من فقدان صداقتها كبحت كل ميل إلى ذلك. كان إلى جانبهما يجلس زوجان استراليان مع طفلتهما. فقال ميلو: إنك تصلحين كأم رائعة  يا كارول. فقالت بعدوانية : وما أدراك ؟ فقال: فقط شعرت بذلك. فقالت : إنك لا تعرفني، يا ميلو! ولا تعلم شيئاً عن حياتي الخاصة. فقال: إذاً، احكي، اللعنة! ما السر الذي ينخرك ؟ فقالت: سبق لي وأن كنت حبلى. أتريد يا ميلو أن تعرف ؟ سوف أثق بك، وأفشي لك سري، ولا أريدك أن تعلق بعد ذلك. وحين أنتهي سوف أقوم من مكاني وأستقل سيارة أجرة إلى المطار. وستنتظر انقضاء أسبوع على الأقل للإتصال بي. إما تقبل هذا أو لا شيء. فقال : اتفقنا، سنفعل كما تريدين. فقالت: المرة الأولى التي أقدم فيها على ذلك كانت مساء عيد ميلادي. كنت أبلغ الحادية عشر من العمر. وبصوت رخو، قصت كارول على ميلو جحيم طفولتها المحطمة. حكت له كيف كان يلحق بها زوج أمها إلى سريرها. حدثته عن الليالي التي كان فيها يغادر بعد إشباع رغبته منها. كان يردد عليها دائماً : لن تخبري أمك بذلك ! ثم حكت له عن الإجهاض الذي خضعت له في السر. ثم حدثته عن طوم الذي ساعدها على التعلق بالحياة، واختلق من أجلها رواية ثلاثية الملائكة . سألها ميلو: متى كانت نهاية كل ذلك؟ قالت كارول: لست متأكدة من أنها في مِلكي. قال ميلو: ومن يملكها إذن؟ قالت: إنه طوم.

كنتُ وبيلي جالسان في المساء حين اقتربت مني لتخرج من يدها غلاف الرصاصة النحاسي وتقول : من قتلت ؟
لوس انجلوس 1992 ... أبلغُ من العمر سبعة عشر سنة. أنا الآن بمكتبة المدرسة، تدخل فتاة وهي تصرخ : لقد تمت تبرئتهم! ويدرك كل من في القاعة أنها تقصد الحكم الصادر في قضية رودني كينغ. قبل سنة، تم اعتقال هذا الشاب الأسود بتهمة الإفراط في السرعة. ولأنه في حالة سكر، لم يمتثل لأوامر الشرطة. وأمام مقاومته لهم، أوسعوه ضرباً من دون أن يخطر ببالهم أن المشهد قد قام بتصويره أحد هواة الفيديو. وعُرض الفيلم على قنوات العالم بأسره، مما أحدث موجة من الغضب. حين عدت إلى البيت، كانت أعمال الشغب منتشرة في أنحاء مختلفة. فانتشرت عمليات النهب، والحرائق، والمواجهات مع الشرطة. حينها اشتريتُ مسدساً ومشطاً من خمس عشرة خرطوشة. وليلتها لم أنم طويلاً. وكنت أفكر في كارول، وفي الإعتداءات التي تتعرض إليها. وفي اليوم التالي، تصاعدت وتيرة العنف، وما من رادع. فذهبت إلى متجر زوج والدة كارول، وأطلقت النار عليه. انفجر دماغه. هربت إلى بيتي، واحتفظت بغلاف الطلق الناري للإعتراف بجريمتي إن تم اتهام شخص غيري مكاني. لم أخبر أحداً بما اقترفت. لقد تعايشت مع ذلك، وحسب .

كوريا الجنوبية.. غادرت إيزول محطة المترو، ثم جلست في قاعة المكتبة. أخرجت كتاب طوم، وبدأت تكتب قصتها على صفحات الكتاب بعد صورة لوكا. وفي اليوم التالي اشترت ظرف بريدي ودست فيه الكتاب ذا الغلاف الجلدي وبعثت به إلى الولايات المتحدة حيث حبيبها جيمبو. وحين وصل الكتاب لجيمبو أخذ يتفحصه بهدوء، ثم وضع إسم الكتاب على قائمة البحث على الإنترنت فرأى أن شخصاً ما يأمل بالعثور على النسخة التي بين يديه والتي نصف عدد صفحاتها فارغة. فذهب إلى مكتبة العجوز أندروز، المختصة في شراء وبيع الكتب القديمة وتلك التي نفذ مخزونها من المطابع، وباع الكتاب بمئة وخمسون دولاراً .
منذ اعتراف كارول لميلو بحياتها، لم يعد ميلو هو الشخص نفسه. لقد خضته حكايتها التي كشفت له الوجه الخفي لأحب الناس إلى قلبه في الدنيا. كان ينتابه إشفاق لا محدود له تجاه كارول التي يحس نحوها بحب يزداد قوة، واحترام واعتزاز إزاء تصرف طوم نحوها. حينها وصلت إليه رسالة قصيرة من كارول تقول فيها: إن هناك مكتبة في غرينويتش فيلدج عرضتْ للتو للبيع الكتاب اللذان يبحثان عنه! فبعث لها برسالة : نلتقي بمانهاتن !
استرجعتْ بيلي عافيتها بسرعة بعد إجراء عملية القلب المفتوح لها واستئصال الأورام التي كانت به. أما أنا، فقد جعلت من المستشفى ملحقة لمكتبي. كنت أعمل في المستشفى من الصباح إلى المساء بمقهى الطابق الأرضي. وبصفة المرافق، حصلت على سرير في غرفة بيلي. لم يسبق لي أن كتبت بذلك القدر من السهولة، ولم يسبق لي أن كنت مغرماً بذلك القدر .

وصل كل من ميلو وكارول إلى المكتبة التي عرضت الكتاب للبيع. وحين سألت كاول عن سعره قال العجوز أندروز: ستة آلاف دولار ! فقال ميلو: ماذا، إنك تهزل؟ هذا نصب ! فقال العجوز: في هذه الحال، لن أستبقيكما. ودلهما على الباب. حينها قالت كارول : سوف أدفع لك المبلغ المطلوب، ولكني لا أملكه الآن !! فقال العجوز: سوف أحتفظ بالكتاب لكما حتى مساء الإثنين. عهدٌ عليَّ ذلك، سيدتي !
توقف الملياردير أوليغ بمقهى صغير ببروم ستريت لطلب كابوتشينو. ثم خرج إلى الرصيف وسلك غرين ستريت. كان أوليغ يحب التسكع في أزقة نيويورك. لم يكن يظهر عليه أنه واحد من أكبر أثرياء روسيا. توقف أمام واجهة مكتبة كيرواك اند كو. وقع نظره على كتاب ثلاثية الملائكة لطوم بويد فقال لنفسه : إنه مؤلف مارييك المفضل. كانت مارييك حبيبة أوليغ. حينها قال أوليغ : ما ثمن هذا الكتاب ؟ فقال العجوز: أنا آسف، إنه ليس للبيع. قال أوليغ: كم؟ فقال العجوز: لقد بيع هذا الكتاب، يا سيدي. لقد عاهدت مشتريه بكلمة مني. فقال أوليغ : وكم هو ثمن هذه الكلمة ؟!
استشاط ميلو وكارول غضباً حين وصلا المكتبة. كانت هناك لوحة مكتوب عليها: مغلق من أجل العطلة السنوية قبل تغيير المالك. كانت كاورل تشعر بالدموع تغزو عينيها. فقد أصرت على أن تبلغ طوم الخبر السعيد لملاقاة الكتاب، وها هو الكتاب يفلت من يديها .
في مطار نيويورك، أقلعت الطائرة الخاصة التي يمتلكها الملياردير أوليغ نحو أوروبا. رحلة ذهاب وإياب سريعة إلى باريس بغية إعداد مفاجأة لمارييك. تفحص أوليغ الكتاب الذي اشتراه ثم قال لنفسه : هدية فريدة أتمنى أن تنال إعجابها. وحين دخل إلى شقة مارييك. كان الصمت يغلف المكان. تعرف على الأريكة إلى معطف مارييك ذو اللون الرمادي والى جانبه سترة جلدية رجالية ليست له. أدرك على الفور ما يجري. خرج إلى الشارع، ولغضبه الجارف رمى الكتاب بكل ما أوتي من قوة في النهر .
لم تكن هذه الرواية، التي سافرت خلال الأسابيع الأخيرة إلى عدة بلدان، رواية مثل باقي الروايات. فالقصة التي تحكيها كانت قد اختمرت في ذهن فتى مراهق صدمته مأساة عاشتها صديقة طفولته. ولسنوات عديدة من بعد ذلك، وبينما كان مؤلفها يتخبط في المشاكل، أنزل الكتاب في العالم الواقعي واحدة من شخصياته التي هبت لنجدته. ولكن في ذلك الصباح، وحينما كان النهر يزيل بياض صفحات الكتاب، فالظاهر أن الواقع عقد العزم على استرداد حقوقه، مصمماً على إزالة بيلي من على وجه الأرض .
وقفت القبطان كارين أنييلي توبخ رجال حرس النهر على الإستهانة بعملهم. وأثناء وقوفها أمام النهر، أبصرت كارين شيئاً ما يطفو على سطح النهر فالتقطته، ووضعته على الرصيف.

 تعاقبت الأيام، وتبعني ميلو إلى باريس وساعدني على اجتياز الأوقات العصيبة التي كانت بها بيلي معلقة بين الحياة والموت. فبعد نجاح عمليتها تعرضت لانتكاسات عدة. كنت أود مواساتها وكفكفة دموعها، لكن كل ما كنت أستطيع فعله هو مواصلة الكتابة .
في منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر، وهو جالس في شرفة مقهى، ختم ميلو رسالة مطولة إلى كارول. عبر الشارع لوضع الرسالة في صندوق الرسائل، ثم تسكع قليلاً أمام أكواخ باعة الكتب. كان آخر كوخ يمر به يضم المنشورات: (الكل بأورو واحد). نقب فيها ميلو بفضول فوجد رواية مهترئة ذات غلاف جلدي أزرق، فصاح : مستحيل! أين وجدت هذه ؟ فقال الرجل البائع إنه وجدها على الرصيف. كانت الرواية في حالة سيئة. قال البائع: إذا كنت تريد إصلاح الرواية، أستطيع أن أدلك على شخص معين.
ركض ميلو إلى طوم في المستشفى، بعد أن أصلح الكتاب قليلاً وبدّل له غلافه، وقال لطوم: عندي لك هدية. تطلب مني بعض الوقت، لإدراك أن الامر يتعلق بالكتاب الذي تعقبته كارول وميلو في أطراف الدنيا القاصية. ثم قال ميلو: لم تعد بيلي تخشى أي شيء. في الوقت الراهن، ما عليك فعله هو إتمام حكايتك من أجل إعادتها إلى عالمها.
مدفوعاً بحماسي، كنت أكتب بسرعة أكثر فأكثر. كانت بيلي قد تحملت الصدمة واجتازت بنجاح "محنة القلب". وفي يوم 23 من كانون الأول وضعت نقطة الختام لروايتي .

عشية ليلة رأس السنة، متشبثة بذراعي , ذهبتُ وبيلي إلى مسرح الشانزلزيه، وصعدنا إلى المطعم الموجود في الأعلى. طلبتُ كأسين من الشامبانيا وأخرجتُ من جيبي علبة فضية. قلت لها : لقد وفيت بوعدي, إنه مفتاح ناقل تسلسلي عام USB  . فقالت بيلي : لقد أنهيت روايتك !! وافقتُ بإيماءة من رأسي. حينها أخرجت بيلي هاتفي المحمول من جيبها وقالت : لقد اختلسته منك هذا الصباح. إنك تعلم بأني أحب التنقيب. لقد سمحت لنفسي بقراءة بعض من رسائلك القصيرة. أرى أن الأمور تعود إلى مجاريها مع أرور. كانت بيلي محقة فكانت أرور ترسل إليّ كثيراً. كانت تقول بأنها تفتقد أنسي، وتلمح بين السطور إلى فرصة ثانية. حينها قالت بيلي: لقد أنجزنا المهمة معاً: أنت، أنهيت روايتك، وأنا، أعدت إليك المرأة التي تحبها. فقلت لها : بل أنت المرأة التي أحبها. فقالت بيلي: لا تصعب الأمور من فضلك ! قلت: بالملموس، ما الذي سيقع الآن ؟ قالت: سوف تبعث مخطوطك للناشر وما إن يقرأ نصك فإن العالم الخيالي الذي تصفه في حكايتك سيأخذ شكلاً في ذهنه، وفي هذا العالم الخيالي يوجد مكاني. قلت: مكانك هنا، برفقتي! قالت: لا، مستحيل، لا يمكنني الوجود في الواقع وفي الخيال معاً. قلت لها غاضباً: أقلها اظهري قليلاً من الحزن على فقداني. فقالت صارخة : تود أن أصارحك، أنا لم أشعر في يوم من الأيام بتاتاً بأني في مثل هذه الحال الجيدة بصحبة رجل طوال حياتي. أنت الوحيد الذي جعلني أقرأ الكتب، وينصت إليّ حين أتكلم، والوحيد الذي يرى فيَّ شيئاً جديداً. حينها حضنتها بين ذراعي. كنت غاضباً من ذلك الحاجز العنيد الذي، بفصله الواقع عن الخيال، يمنعنا من عيش قصة الحب التي نحن جديران بها .

 عدنا إلى حجرتنا الصغيرة. وللمرة الأخيرة، شربنا جرعة من شراب ماء الحياة الشنيع واللذيذ، ولم أنتبه أنها وضعت لي في الماء الذي شربته عقاقير للنوم. قالت لي بيلي: وضعت لك عقاقير الخدار كي تدعني أغادر. كنت أقاوم سباتي محاولاً عدم الإنهيار. آخر صورة شاهدتها وكانت بالفعل واضحة هي صورة بيلي وهي ترمي بالرواية الأخيرة المعيبة وسط النيران. عبر هذا الكتاب جاءت، وعبره عليها المغادرة. وآخر صوت سمعته كان همس في أذني عبارة (أحبك)، ذابت في غياهب النوم الذي غرقتُ فيه. في الصباح التالي، كانت الشقة فارغة وباردة. خرجتْ بيلي من حياتي بغتة مثلما دخلتها, شأن رصاصة اخترقت قلبي، وتركتني من جديد وحيداً وبائساً .
بعد ثمانية أشهر.. في مدينة راكبي الأمواج وشواطيء الرمال الذهبية. في هذا المحيط المحروس، اختار ميلو وكارول الإحتفال بزواجهما. كان صديقيّ يعيشان قصة حب رائعة، وكنت أول من ابتهج لسعادتهما. عادت الحياة إلى مجراها الطبيعي. قمت بتسوية ديوني بعد نشر الجزء الأخير من ثلاثية الملائكة. فتح ميلو مكاتبنا من جديد، ورجع يدير أعمالي بحذر شديد. واسترجع سيارته البوغاتي، ولكنه حينما علم بحمل زوجته، استبدلها بسيارة عائلية. أما أنا فكنت أعيش حداداً بعد اختفاء بيلي. وبعدها ودّعت حياتي الغرامية وقطعت كل صلة لي بأرور. فعلاقتنا لم تكن تستحق فرصة ثانية .

وفي أحد الأيام جلس إلى جانبي ميلو وقال وهو حائر: لم أعد أرغب العيش في الكذب بعد الآن، يا طوم. أعرف أنه كان ينبغي عليّ مفاتحتك في الموضوع قبل هذا الحين، إنها بيلي، يا طوم، إنها حية ترزق. قلتُ له: لقد أسرفت في الشرب! قال: يجب وضع الأمور في سياقها. أتذكر الحالة التي كنت عليها قبل سنة، يا طوم. كنت تنجرف كلياً، وتراكم الحماقات من الإفراط في السرعة، المخدرات، المشاكل القانونية. توقفتَ عن الكتابة، كنت تغرق في الإكتئاب المؤدي للإنتحار. وذات صباح توصلتُ بمكالمة هاتفية من الناشر كان يخبرنا أن هناك خطأ في طباعة الجزء الثاني من الرواية. اكتشفت أن الكتاب يتوقف تماماً عند الكلمات: صرخت وهي تسقط. ويومها أيضاً كنت في الأستوديوهات حيث تجارب الأداء لأبطال روايتك. كان يتم الإختبار من أجل العثور على الممثلة التي ستقوم بدور بيلي على الشاشة. هناك التقيت تلك الفتاة التي إسمها ليلي. كان يبدو عليها بدائياً أنها هي بيلي التي لك. وعليه دعوتها إلى احتساء كأس ثم حكت لي قصة حياتها. قلت: واصل، عليك اللعنة! قال ميلو: قالت لي ليلي إنها نادلة وعارضة أزياء، ولكنها تسعى لأن تصير ممثلة. شعرت بأنها ضعيفة وتائهة شيئاً ما، فعرضت عليها 15000 دولار كي تؤدي دور بيلي، ولكن ليس في فيلم، بل في حياتك !!
كان لاعتراف ميلو أثر ضربة قاضية عليَّ. ثم أكمل ميلو يقول : كان يجب إخضاعك لصدمة قوية، ما يكفي لجعلك تأتي برد فعل. كانت آخر ورقة استطيع لعبها لانتشالك من الهاوية. لقد جعلت ليلي تقرأ كل رواياتك وقامت هي بتحليلها. ولم يكن هناك سوى تفصيل واحد كان يمكنه فضحنا، ولكن لحسن الحظ، لم تنتبه له. بيلي كانت عسراء، أما ليلي فهي مُيمِّنة بكل بساطة. قلتُ له : ومرضها ؟ فقال ميلو: لقد اختلقنا كل ذلك، يا طوم. كان الطبيب الذي أشرف على بيلي صديقي واشترك معنا في الخطة... لقد  تلاحقت الأحداث منذ وصولكم للمكسيك. لقد بدا أن كلاً منكما كان مغرماً بالآخر. في ذلك الحين فكرت في الكشف لك عن الحقيقة، ولكن ليلي أصرت على الإستمرار للنهاية. قلت: ولكن ما الغاية من ذلك؟ قال ميلو: لأنها كانت تحبك وتريد سعادتك: تريدك أن تنجح في الكتابة، وأن تعود لأرور. وهذا ما نجحت في تحقيقه فعلاً! أما بالنسبة لعملية القلب، فقد كانت بيلي مريضة بالفعل. وبفضل الطبيب كلوزو تم تشخيص ورم القلب المخاطي. قلت: وذلك الكتاب الذي بحثت عنه طوال أسابيع عبر العالم ؟ فقال ميلو: هاهنا تجاوزتني الأحداث. فكارول لم تكن على علم بأي شيء وكانت تصدق هذه الحكاية. وكانت هي من يأخذ زمام المبادرة للبحث عن الكتاب، أما أنا فقد اكتفيت بالمشاركة. لكمته على وجهه وقلت: وما مصير تلك الفتاة اليوم ؟ فقال ميلو: ليلي ؟ لا أعلم عن أمرها شيئاً. لقد أعطيتها مالها واختفت من حياتي. في السابق، كانت تعمل في سنسيت تريب في الليل، ولكنها لم تعد تعمل الآن فيه.
حينها خرجت من أمام ميلو منهكاً من اعترافاته. أخذت سيارتي وأسرعت إلى كارول فقالت لي : منذ أسبوع باح لي ميلو بكل شيء. وأقسم لك قبل ذلك الحين أني لم أكن أعلم شيئاً من الأمر. لقد رأيت كيف كانت تنظر إليك، يا طوم. أؤكد لك أن مشاعرها تجاهك لم تكن مصطنعة. يجب أن تعثر عليها من جديد، وإلا فإنك سوف تندم على ذلك ما حييت. فقلت: مستحيل، لقد فقدنا أي أثر لها. فقالت كارول: ولكني أعرف عن تلك الفتاة لكوني شرطية. لقد توصلت إلى معلوماتها. إسمها ليلي أوستين. إنها الآن تستأنف دراستها في شعبة الأدب والمسرح بجامعة براون .
في اليوم التالي انتقلتُ إلى جامعة براون في بوسطن. وقبل الذهاب إلى هناك، توصلت إلى جدول حصص ليلي الزمني، وانتظرتها وقلبي يخفق أمام أبواب المدرج حيث شارف درسها على الإنتهاء. متوارياً بما فيه الكفاية حتى لا تراني، شاهدتها وهي تخرج وسط مجموعة من الطلاب. وحينها عدت سريعاً إلى سيارتي دون أن أظهر لها. من المؤكد أني كنت سعيداً لعلمي أنها على خير ما يرام، لكن المرأة الشابة التي رأيتها اليوم لم تعد بيلي التي لي. الظاهر أنها طوت الصفحة. في نهاية المطاف، إن فارق السن بعشر سنوات الذي يفصلنا لم يكن حاجزاً يسهل غض الطرف عنه.
عدت إلى لوس أنجلوس. كنت أعلم أنني لن ألتقي مجدداً بفتاة مثل بيلي. كانت مغامرتي مع بيلي قد انتهت، ولكني لم أرد نسيان أدنى حدث منها. فكان من اللازم أن أحكي قصتنا. قصة من أجل هؤلاء الذين، ولو لمرة في حياتهم، حالفهم الحظ لمعرفة الحب، وهم يواصلون عيشه اليوم أو يأملون ملاقاته غداً. وعليه، فتحت صفحة في معالج النصوص الذي عندي ومنحتها عنوان روايتي المقبلة : فتاة من ورق .
تسعة شهور بعد ذلك.. ريح ربيعية تهب على بوسطن العتيقة. كانت ليلي تجوب الأزقة. عند تقاطع رايفر وبايرون ستريت، دخلتْ إلى إحدى المكتبات. شد انتباهها كومة من الكتب: لقد كتب طوم رواية جديدة. قرأت عنوان الكتاب الجديد : فتاة من ورق.  تصفحت الأوراق الأولى. كانت تلك حكايتهما. وقلبها يخفق، اشترت الكتاب. وبعصبية كانت ليلي تقلب صفحات حكاية كانت تجهل خاتمتها. اكتشفت بين فصول الرواية تطور مشاعر طوم. كادت الدموع تظفر من عينيها عندما علمت أنه قدم إلى جامعتها ولم يحدثها. لقد عاشت الإحباط ذاته قبل سنة حين ذهبت إليه لتكشف إليه الحقيقة. لم تجده في المنزل الشاطيء، فذهبت إلى فيلا ميلو. كان هناك حفل زواج ميلو وكارول. وهناك شاهدت طوم مع امرأة أخرى، فشعرت بأنها حزينة. ولكنها اليوم، خفق قلبها بين الحنايا لمّا أغلقت الكتاب. فهذه المرة لم يكن أملاً، بل كان يقيناً. قصة حبهما أبعد من أن تكون قد انتهت.
لوس أنجلوس.. في حفل توقيع رواية فتاة من ورق. رافقني ميلو طوال الظهيرة. كانت طفلته قد ولدت منذ ثلاثة شهور، فتركني لأنه مولع بطفلته. بقيت عشر دقائق إضافية لإنهاء توقيعاتي وتبادل بضع كلمات مع المسؤولة عن المحل. كانت قد شرعت في إنزال الستائر الحديدية حينما نقر شخص ما على زجاج الواجهة. لوّحت قارئة متأخرة بنسختها وضمت يدها متوسلة للدخول. وافقتْ صاحبة المكتبة على أن تفتح لها الباب. وبينما كنت أوقع كتاب الفتاة، استغلت زبونة أخرى الباب الذي ظل مفتوحاً ودخلت إلى المكتبة. وبعدما غادرت الفتاة الأولى، ومن دون أن أرفع بصري سألت الفتاة التي دخلت بعدها: لأجل من ؟ فقالت: لأجل ليلي. فرفعت بصري وأدركت أن الحياة منحتني للتو فرصة ثانية.
وبعد ربع ساعة، كنا نقف معاً على الرصيف وهذه المرة كنت عازماً بالفعل على أن لا أدعها ترحل. فركبت معها في سيارتها وأخذت تقول: سوف آخذك لأكل الجمبري وفواكه البحر, إنك تحب الجمبري بالتأكيد ؟ أنا أعشقه، وسرطان البحر؟ توجد منه أنواع بجزر المالديف والسيشل. هل تعرف السيشل ؟ أنا أحلم بالذهاب إلى هناك. البحيرات، الماء الأزرق، الشواطيء ذات الرمال البيضاء. إنها تستهويني. والهند؟ هل سبق لك أن زرتها ؟ إحدى صديقاتي حدثتني عن دار رائعة للضيافة في مدينة بونديشيري التي ......

                                      النهاية.









إرسال تعليق