الأربعاء، 23 مايو 2018




تلخيص رواية:
 العطر: باتريك زوسكيند. 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.







في القرن الثامن عشر سكن في فرنسا رجل ينتمي إلى أكثر كائنات تلك الحقبة شناعة و نبوغا . كان إسمه جان باتيست غرنوي . في العصر الذي نتكلم عنه هيمنت على المدن رائحة نتنة . فباحات المنازل الخلفية كانت تنضح برائحة البول و الشوارع كانت تنضح برائحة الغائط ،. وفي باريس كانت الروائح الكريهة تفوح على أشدها . وهنا ولد غرنوي . فوالدة غرنوي عندما جاءتها تقلصات الولادة قبعت تحت إحدى الطاولات التى يستعملها بائعي السمك لتنظيف السمك ووضعت مولودها هناك ، كما فعلت سابقاً في المرات الأربعة الفائتة ، ولكنها هذه المرة فقدت وعيها و بقيت مستلقية هناك و السكين في يدها . 

وعندما صحيت على صوت الجنين سحبه الناس من هناك ، وتم اخذه وعهدوه إلى مرضعة ، في حين أن الأم اعتقلت لمحاكمتها . وهناك اعترفت بأنها كانت ستهجر المولود لمصيره كما فعلت في الحالات الأربع الفائتة ، فقد تم تحويلها للمحاكمة . وتم الحكم عليها بالإعدام ، ونفذ الحكم بعد أسابيع قليلة . في ذلك الوقت كان الطفل قد بدّل المرضعة لثلاث مرات ، اذ لم ترغب أية منهن بالإحتفاظ به أكثر من ايام قليلة . قلن إنه شديد الجشع ، لا يشبع ، وانه يرضع عن اثنين ، فيمنع عن باقي الرضع حصصهم في الحليب .

 حينها تم تسليم الطفل إلى "دير سان ميري" حيث تم تعميده بإسم جان باتيست . وبقي في كنف الدير . ثم تم نقله إلى مدام غايار المعروفة بانها تقبل رعاية الأطفال من أي سن ومن أي نوع كانوا طالما أن هناك من يدفع النقود عنهم . كانت مدام غايار قد قطعت كل علاقتها بالحياة رغم أنها لم تكن تتجاوز الثلاثين من عمرها بعد . و هنا ، عند هذه المرأة الفظيعة التي لا تمتلك اي قلب ، نما وشب غرنوي ، إذ أن جسده كان مقاوم بشكل كبير . فخلال سنوات طفولته تمكن غرنوي أن ينجو من الزحار و الحصبة ، ومن جدري الماء والكوليرا ، كما أنه نجا بإعجوبة من سقوطه في بئر عميق , ومن سكب الماء الساخن على صدره . صحيح أن آثار ذلك قد تجلت في اخاديد و ندوب ، وفي قدم عرجاء جعلته يجرجرها في مشيته ، لكنه ما زال على قيد الحياة . كان جسده قادراً على الإكتفاء بالحد الأدنى من الملبس و الغذاء ، أما روحه فلم تكن بحاجة لأي شيء . لقد كان منذ البداية شنيعاً . فاختياره الحياة كان نابعاً من إحساسه بالتحدي والكراهية فحسب . أحس الأطفال الأخرين  بطبيعة غرنوي، فتجنبوه وابتعدوا عنه ، محاولين ما أمكن عدم التقرب منه . وبما أنهم لم يستطيعوا شم رائحته فقد ارتعبوا منه . لم يستطع غرنوي المشي إلا في الثالثة من عمره ، وفي الرابعة من عمره نطق أول كلمة . كان يقدر ان يميز بين الأشياء بواسطة حاسة الشم .

 عندما بلغ السادسة من عمره كان قد امتلك المنطقة المجاوره له بحاسته الشميّة بشكل تام . فلم يكن ثمة شيء في بيت مدام غايار لا يعرف غرنوي رائحته ، فقد كان قادراً على ان يتعرف على رائحة أي مكان أو حجر أو إنسان أو شجرة . إذ كان بمقدوره تخزين تلك الروائح في عقله . لقد جمع لنفسه مئات آلاف الروائح ذات الخصوصية . والأدهى من ذلك هو انه قدر ان يمتلك القدرة على مزجها في خياله حسب ارادته ، مما أدى إلى ابتكاره أنواعاً من الروائح ، غير موجودة في العالم الحقيقي . لفت انتباه مدام غايار إلى أنه يمتلك صفات و قدرات خاصة ، إن لم نقل غير عادية . فذات مرة خبأت نقودها في مكان سري للغاية ، لدرجة أنها هي لم تعد تجدها فأشار لها إلى مكانها وراء دعامة المدفأة من خلال قدرته على التميز والتركيز بالشم ، فاذا بها فعلاً هناك! حتى أنه كان يقرأ المستقبل فيتوقع ان يزورهم ضيف قبل وصوله أو عن اقتراب عاصفة قبل ان تقع بالفعل . ولكن لم يكن ليخطر ببال مدام غايار أنه بحاسة الشم هذه أنه يستطيع ويقدر أن يتوصل إلى كل ذلك , فصارت تخاف منه .

 وعندما اكتشفت وعلمت بموهبة غرنوي المخيفة تلك ، سعت للتخلص منه . فاخذته إلى المدينة ، وهو في الثامنة من عمره ، إلى الدباغ غريمال ، الذي كان مشهوراً بحاجته إلى تشغيل الأطفال كيدٍ عاملة ، لا كتلاميذ حرفة ، بأجرٍ قليل جدا . مع اول نظرة القاها غرنوي على السيد غريمال علم أن هذا الرجل قادر على ضربه حتى الموت لأبسط خطا قد يصدر منه . فحياته لم تعد تساوي الآن أكثر من العمل الذي يقدر ان ينجزه . وهكذا انكمش وإنعزل غرنوي على نفسه . وبمرور الأيام زاد انغلاقه على ذاته ، وأصبح مثالاً للطاعة والتواضع وحب العمل . كان يعمل حوالي خمس عشرة ساعة في اليوم الواحد في نزع اللحم عن الجلود ذات الروائح الشنيعة وغسلها ، في نتف الشعر عنها ، وكذلك في التحطيب ، وكان عليه أن ياتي ب الماء من النهر . 

 وبعد مرور سنة تقريبا على هذا الوجود الحياتي الأقرب إلى الحيوانية منه إلى الإنسانية أصيب غرنوي بداء الجمرة الخبيثة . فاعتبره غريمال في عداد الموتى وبدأ بالبحث عن شخص اخر يحل مكانه . ولكن قاوم غرنوي المرض وغلبه ، واكتسب مناعة ضد هذا الداء . فصار متفوقاً أكثر على التلاميذ ، وأصبح من الصعب استبداله باي شخص ثاني . وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره اعطاه غريمال نصف يوم الأحد كإجازة . وفي الثالثة عشرة سمح له بساعة حرة بعد العمل يومياً، يقدر ان يمضيها كما يرغب ، مما مكّن غرنوي من شم روائح البيئة المحيطة وعرفها بمنتهى الدقة ، فأضحى قادراً على التحرك فيها بكل انطلاق حتى في أشد الليالي ظلمة . وفي حواري سان جرمان كانت اول مرة يشم فيها غرنوي عطراً حقيقياً ، بكل ما تعنيه كلمة عطر من معنى . أقامت مدينة باريس في الأول من أيلول 1753، احتفالا كبيرا بمناسبة تتويج الملك ، حفلة ألعاب نارية على الجسر الملكي . وقف غرنوي ساكتا لاعتقاده أنه قد يشم شيئاً جديداً . كان على وشك أن يغادر من الحفل عندما حملت إليه الريح شذرة رائحة فواحة جميلة . كانت الرائحة الطيبة لطيفة ورقيقة لدرجة أنه لم يقدر ان يمسك بها . كان غرنوي يعاني آلاماً مريعة ، و لاول مرة لم يكن الألم ناتجاً لتعرضه للمهانة والظلم ، بل كان قلبه فعلاً هو الذي يتعذب . خامره شعور جديد بأن هذه الرائحة الرائعة الطيبة هي المفتاح لعالم الروائح الطيبة الأخرى كلها . 
وأدرك أن حياته ستضيع منه هكذا ، إن لم ينجح في امتلاك هذه الرائحة على وجه الخصوص . حينها تبعها بأنفه , كانت الرائحة دافئة راسخة مركزة كقطعة حرير متلألئة هفهافة . جذبته الرائحة بقوة ، ولما وصل إلى تلك الرائحة رأى بنت تنظف البرقوق , لم تكن الفتاة لتتجاوز الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها . توقف غرنوي في مكانه ، مدركاً لتوه ، أن نبع الرائحة التي شمها قبل مسافة كبيرة ، لم يكن ثمار البرقوق. النبع كان من هذه البنت . كان غرنوي مصراً ومتأكداً من أنه لن يكون لحياته اي معنى إن لم يمتلك هذه الرائحة الطيبة . كان لا بد له أن يتعرف عليها في أدق تفرعاتها وتفاصيلها .

 توجه نحو الفتاة ببطء ، مقترباً شيئا فشيئا . وتوقف وراءها على مسافة خطوة واحدة . لم تسمعه . كان شعرها أحمر طويل أملس ، وثوبها سكني اللون دون أكمام . وقف غرنوي منحنياً فوقها اخذا بأنفه شذاها الذي أصبح في هذا الوقت نقياً لا شائبة فيه . أحست الفتاة بتيار بارد يسري في كل جسمها . ضمت ذراعيها إلى صدرها والتفتت . تجمدت من الخوف لما شاهدته وهو يمد يديه بهدوء ليحيط بهما رقبتها . لم تحاول أن تصرخ أو تقاوم . أما هو فلم ينظر إليها . لم ير وجهها الناعم المليء بالنمش ، ولا شفتيها الحمراوين ، ولا عينيها الواسعتين الخضراوين ، فقد أغلق عينيه بإصرار وهو يخنقها، اذ لم يكن ثمة ما يقلقه سوى فقدان ولو ذرة واحدة من شذاها . عندما ماتت وضع جسمها على الارضية وسط بذور البرقوق ثم مزق فستانها ، فاندفع تيار الرائحة أكثر وأوضح ليجتاحه بشذاه . تشممها من رأسها حتى أخمص قدميها . عندما انتهى من تشممها حتى مرحلة السكر بها ، نهض وعاد إلى شارع السين حيث الناس تهتف و تغني . في تلك الليلة انتابه احساس بأنه يُولد من جديد . لكن هذا اليوم بالتحديد جعله أخيراً يدرك هويته الحقيقية ، أي أنه عبقري وأن لحياته معنى ومصيراً وهدفاً راقي ، هو ببساطة : تصوير عالم الروائح ، وأنه الشخص الوحيد في العالم الذي يمتلك الوسائل لتحقيق ذلك : أنفه ذو الحساسية الشديدة ، وذاكرته الخارقة ، وعبق الفتاة . 

لقد وجد بوصلة حياته الجديدة الاتية . يجب أن يكون مبدعاً للروائح الطيبة. بل أعظم عطار على مرّ الزمان. في باريس كان ما يزيد على العشرة عطارين في ذلك الزمن . واحد منهم في وسط الضفتين على "جسر بونت أوشانج" . إنه متجر ومنزل ومعمل العطار وصانع القفازات جوزييه بالديني . كان لديه الآلاف من العطور و الروائح بدءاً بأنواع روح الأزهار والأعشاب والمراهم والأصبغة وخلاصات الغدد ... إلى جانب كافة البهارات . فكان من الطبيعي أن سادت في بيت بالديني فوضى روائح لا يحيط بها وصف . فاختلاط الروائح كان غير محتمل البتة . دخل بالديني إلى الحجرة التي يعمل بها لابتكار عطر جديد بينما أخذ معاونه شينييه مكانه وراء المكتب . خلع بالديني بزته المعطرة , كان مقتنعاً كل الاقتناع أنه لم يكن عطاراً عظيماً لذا قام بشراء العطر الجديد لمنافسه في هذا المجال بيليسييه . 

ها هو العطر الجديد في قارورة زجاجية صغيرة مغلقة . وقف بالديني العجوز عند الشباك ماداً بصره باتجاه الشمس المائلة فوق النهر بنظره ملؤها الخبث والمكر . كانت قارورة العطر منتصبة مقابله ، والسائل البني الذهبي داخلها يتلألأ في نور الشمس صافياً دون اي شائبة . بدا بريئاً كالشاي الفاتح اللون . هذا المزيج يحتوي على ثلاثين مادة مختلفة مركبة سوية مع بعضها البعض وفق معادلات ونسب محددة , وباحتمالات لا تعد و لا تحصى . إنه روح العطر التي لا بد من التوصل إلى معرفة تركيبها الآن . نظف بالديني أنفه بدقة مرا ت ومرات ، وأرخى ستائر الشبابيك في الحجرة , فالنور المباشرللشمس يذهب رائحة أي مادة ويفسد أي سائل مركز ذي رائحة عبقة . أخرج من درج الطاولة منديلاً أبيض ، ثم نثر بضع قطرات من السائل على المنديل وقربه من أنفه . ثم شمه ثلاث مرات ، ثم زفر بطريقة بطيئة . رمى المنديل على الطاولة ثم أسند رأسه على مسند المقعد . كان العطر جيداً بصورة رهيبة . كان كلاسيكياً منسجماً متكاملاً في تكونيه, منعشاً فواحاً ، يمتلك دفئاً رائعاً مستديماً ممتعاً دون أية تبرج أو تخمة . همس بالديني وهو يتشمم : رائع , رائع , الآن إلى العمل يا بالديني ! اشحذ أنفك وشم دون اي احساس ! حلل العطر وفق اسس الفن ! عليك حتى مساء اليوم أن تمتلك صيغة التركيب ! عمل لساعتين متصلتين دون انقطاع . ولم يعد قادراً على ان يميز . إنه لن يتوصل إلى معرفة صيغة هذا العطر . لم يعد قادراً على شم أي شيء الآن ولا حتى أن يتنفس . لقد فشل وغابت الشمس . 
نهض بالديني ثم فتح الشباك ورمى قارورة العطر في الماء . رأى اصطدامها بسطحه ، فاندفع الهواء الجديد الى الحجرة . ثم أغلق الشباك . رن الجرس أكثر من مرة . لا شك أن شينييه قد ترك المتجر، ويبدو أن الخادمة أيضاً لن تتحرك لتفتح الباب . فذهب لفتح الباب . سحب المزلاج وأشرع الباب الكبير ولكنه لم ير أحداً . ابتلع الظلام ضوء الشمعة عن آخره . ثم ، وبعد دقائق ، تبين لبالديني وجود هيكل ما , شاب أو غلام مراهق يحمل شيئاً ما على كتفيه . قال بالديني: ماذا تريد ؟ فقال الشاب : أنا من طرف المعلم غريمال ، جلبت لك جلود الماعز .. لقد كان الشاب غرنوي !! استعاد بالديني في ذاكرته أنه قبل بضعة أيام قد طلب من غريمال احسن ما عنده من الجلود . لكنه الآن لم يعد بحاجة إليها . فقال له : تعال ، ادخل! فدخل الشاب ، و مشيا سوية باتجاه المتجر . وكانت هذه اول مرة يدخل فيها غرنوي محل عطار .

 ها هو في متجر بالديني الآن . خامره إحساس أنه ينتمي إلى هذا المكان ، وليس إلى أي مكان ثاني في العالم ، وأن عليه أن يبقى هنا ، من حيث سيتمكن من قلب العالم رأساً على عقب . قال بالديني: ضع الجلود هنا ! وضع غرنوي الجلود على اقرب طاولة ، وقفز إلى الخلف ليقف في الباب معترضاً طريق بالديني الذي وقف صامتا . ثم قال غرنوي : أيها المعلم بالديني أريد أن أشتغل عندك ،. قالها بصيغة الأمر . ثم أكمل غرنوي : أنت ترغب في أن تحول الجلود هذه إلى جلود عطرة . أليست هذه نيتك؟ لاستخراج عطر الحب والروح ؟ حينها انكمش بالديني على ذاته فقد ذكر هذا الشاب القبيح إسم العطر الذي فشل هو التوصل إلى سره ! رغب بالديني في أن يضع هذا الشخص الصغير على محك التجربة فقال بالديني : يبدو أنك تمتلك أنفاً حساسا , هل يمكنك أن تخمن تركيب عطر الحب والروح ، ولو بصورة قريبة من الاصلي . فقال غرنوي : الوصفة موجودة هنا في أنفي . هل لي أن احضرها لك يا معلمي ؟ فقال بالديني : حسناً ، سأمنحك فرصة , تقدم من الطاولة وأرني ما تستطيع ان تفعله ! انسحب غرنوي إلى الجانب المظلم من الحجرة ، حيث توجد الرفوف المتروسة باغلى الخلاصات والصبغات والزيوت ، ومتبعاً حاسة شمه وحدها ، حضّر عطر الحب والروح . كان بالديني ينظر اليه من بعيد بسخرية ثم بحيرة وارتباك وأخيراً بصدمة العاجز . بدا له كالمعجزة المتجلية لدرجة أنه انحفر المشهد في راسه فلم ينسه حتى آخر أيام عمره .

 وبعد فترة من الوقت تضوع هواء الحجرة من حول بالديني بعطر الحب والروح . حينها همس بالديني : لا يصدق غير معقول .. إنه الحب والروح ، إنه نسخة طبق الأصل . غير معقول !!! فقال غرنوي : إنه ليس عطراً جيداً، تركيبه سيء جداً ، هذا العطر . وإن سمحت لي يا استاذي ، سأعمل وأحسنه. أعطني دقيقة واحدة فقط وسأجعل لك منه عطراً جميلا جدا ! هز بالديني رأسه ، ولم يبد منه أي بادرة للتدخل عندما شرع غرنوي بالمزج للمرة الثانية . وبعد دقائق قال غرنو ي: إنه جاهز يا استاذي . الآن أصبح عطراً جيداً . هل ترغب في ان تجربه ؟ فقال بالديني: فيما بعد , إذهب الآن ! فقال غرنوي : هل ستسمح لي بان اعمل عندك يا معلمي؟ فقال بالديني : سأفكر في الأمر. إذهب الآن ! خرج غرنوي و اقفل بالديني الباب من وراءه . عاد بالديني إلى الورشة وجرب العطر الجديد وفحصه وكان بالغ الروعة إلى الحد الذى اغرورقت عينا بالديني بالدموع . 

كان العطر إلهياً . وإذا كان عطر الحب والروح كعزف كمان وحيدا ، فإن هذا هو سيمفونية باكملها . بل أكثر من ذلك . ارتخت يد بالديني وغمرت السكينة روحه . غمر الجلود بالعطر الجديد الذي اعطاه اسم (ليلة نابولي ) . في صبيحة اليوم الذي يليه ذهب بالديني على الفور إلى غريمال . وكان أول ما قام بفعله عنده هو أن دفع ثمن جلود الماعز . ثم دعا غريمال إلى زجاجة نبيذ أبيض وأخذ يساومه في موضوع غرنوي . عرض عليه مبلغ عشرين ليرة كتعويض عن المتاعب والعجز الذي سيسببه غياب غرنوي . فوافق غريمال على الفور . دفع بالديني العشرين ليرة و اصطحب معه غرنوي ، وهو يفكر بأن ما فعله هو أفضل صفقة في عمره . حصل غرنوي في الزاوية الخلفية من ورشة بالديني على منام له . 
 تكور غرنوي على ذاته بسعادة ، ومع لحظات النوم الأولى غاص في نفسه شيئا فشيئا ، داخلاً بأبهة المنتصر حصنه الداخلي الذي حلم بأن يُحيي فيه حفل فوز أريجي صاخب هائل يتصاعد فيه دخان البخور وبخار المر ّ، على شرفه هو على وجه الخصوص . انتشرت سمعة عطر ليلة نابولي بسرعة كشذاها و بيع منها في اول يوم من عرضها أكثر من ثمانين قارورة صغيرة . 

و شيئا فشيئا تمكن بالديني أن يستخلص من غرنوي وصفات كافة العطور التي ابتكرها حتى هذه اللحظة . وأسلوب العمل التنظيمي الذي فرضه بالديني لم يخل من فائدة بالنسبة لغرنوي ، فبالإستخدام الإلزامي للمكاييل و الميزان اكتسب لغة العطارة ، وأحس بغريزته أن معرفة هذه اللغة ستفيده يوما ما . لكن المواد الموجودة في محل بالديني بأكملها لا تكفي لتحقيق احلامه عن عطر حقيقي ضخم . والروائح التي أنتجها هنا كانت بسيطة كلعب الأطفال بالمقارنة مع تلك التي يحتفظ بها في داخله والتي ينوي ان يحققها ذات يوم . فغرنوي كان يمتلك فعلاً أفضل أنف في العالم سواء من الناحية التخيلية أو التحليلية . لم ينقض وقت حتى اصبح غرنوي اختصاصياً على صعيد التقطير . واكتشف أن لحرارة النار تأثيراً كبيرا جدا على جودة السائل المقطر . 

اكتشف أن كل زهرة أو نبتة تتطلب معاملة خاصة لوقت محدد من الغليان . حاول غرنوي بالتقطير ان يتوصل إلى رائحة الزجاج ولكنه لم يتوصل إلى شيء ، فعلم أن هناك مواد لا تفيد عملية التقطير فيها شيئاً . وكانت هذه الحقيقة بالنسبة لغرنوي تتويجاً لسلسلة خيبات من المحاولات المتعدده، فلقد قضى ليالي طويلة محاولاً بواسطة التقطير ، التوصل إلى روائح طيبة جديدة ، لا يعرفها العالم حتى هذه اللحظة ، إلا أنه لم يتوصل إلا إلى بعض زيوت النباتات التافهة . وعندما أدرك مدى فشله في ذلك سقط مريضاً حتى كاد أن يموت . قرر بالديني أن يبذل كل ما في طاقته في سبيل إنقاذ حياة تلميذه الثمينة . فأرسل بطلب أشهر طبيب في المنطقة ، المدعو بروكوب . وعندما حضر الطبيب قال إن غرنوي مصاب بنوع من الزهري الجدري الأسود المختلط بحصبة قيحية في اخر مراحلها . ولهذا ، لا فائدة مرجوة من العلاج . وتوقع أن الوفاة ستقع خلال اليومين الاتيين . ثم غادر . 

وفي اليوم الذي يليه ، فجأة قال غرنوي : أخبرني يا معلمي ، هل توجد هناك طريقة ثانية غير العصر والتقطير لاستخلاص رائحة لجسم ما ؟ فقال بالديني : نعم . هناك ثلاث منه ا: أولاها مرث الأزهار بدرجة حرارة خاصة ، وثانيتها مرث الأزهار بدرجة برودة خاصة ، وثالثتها مرث الأزهار بالدهن او بالزيت . ويستخدمونها بكثرة في الجنوب خاصة في مدينة غراس . حينها قال غرنوي : حسناً . وأغمض عينيه . وخلال أسبوع كان غرنوي قد شفي تمام الشفاء !! كان الأحب إلى قلبه أن يهاجر على وجه السرعة إلى الجنوب ، إلى حيث يمكن للمرء أن يتعلم الطرق الجديدة التي تكلم عنها العجوز بالديني . ولكن ما كان مقدوره التفكير بذلك حتى . فهو لا أكثر من تلميذ متدرب . وفي مطلع 1756 ، فاتح بالديني غرنوي بأنه على اتم الاستعداد في ان يطلق سراحه ، ولكن بثلاثة شروط : أولها أن لا ينتج بنفسه أي عطر من العطور التي ابتكرت تحت اسم بالديني ، وثانيهما أن يترك باريس وألا يعود إليها مرة ثانية خلال حياة بالديني ، وثالثهما أن يتكتم على الشرطين الأولين . حينها أقسم غرنوي أن يلتزم بالشروط . 

وذات صباح يوم من أيام مايو انطلق غرنوي . وبعدها أعلنت إنجلترا الحرب على فرنسا . وخلال الليل حدثت مصيبة : إذ دون سبب معروف انهار الجانب الغربي من جسر أوشانج ، فتداعى بيتان باكملهما فجأة بحيث لم يكن من الممكن إنقاذ أي من سكانهما بالداخل . والضحايا كانا شخصين فقط : جوزييه بالديني وزوجته تيريزا . عندما انهار منزل جوزييه بالديني كان غرنوي على الطريق باتجاه أورليان . ترك خلفه روائح المدينة الكبيرة ، متقدماً مع كل خطوة نحو هواءٍ أكثر نقاء ونظافة وصفاء ، وبالتدريج أقل كثافة . كان أقصى ما يعطيه الاحساس بالإنعتاق هو بعده عن الناس . الآن فقط ، بعد ثمانية عشر سنة ، مع انسحابه المتسارع من باريس فهم غرنوي أن جوها المترع بهواء السديم الخانق هو ما كان يطبق على صدره . في اليوم الثالث من رحلته وصل غرنوي إلى حقل جاذبية روائح أورليان . قبل رؤيته شعر غرنوي بالزخم البشري في المنطقة ، وحزم أمره أن يجتنب أورليان . لم يرغب في أن يفسد حرية التنفس التي حصل عليها مؤخراً بجو البشر الزنخ . 

تابع طريقه ملتفاً حول المدينة إلى نهر اللوار، وعبره عند سوللي . لم يعد غرنوي راغباً بان يصل الى مكان بعينه ، وإنما فقط بالإبتعاد عن البشر ، أياً كانوا . خلال اخر مرحلة من رحلته لم يعد يتحرك إلا في الليل . أما خلال النهار فقد كان يتوارى مختبئاً تحت أكوام العشب أو بين الأجمات ، منطويا على نفسه كالحيوان . وعلى هذا الحال تقدم غرنوي باتجاه الجنوب . كان يهتدي ببوصلة أنفه التي دفعته إلى تجنب أية مدينة أو مزرعة أو قرية على الطريق . وهكذا قاده أنفه إلى ابعد المناطق ، إلى قطب العزلة والتوحد ، إلى سلسلة جبال سنترال ، على ارتفاع ألفي متر .

 وصل غرنوي إلى الجبل في ليلة من شهر ثمانية سنة 1756. ولم يكن يعرف بعد أن رحلته قد انتهت هنا, بل اعتقد انها مجرد محطة مؤقتة على الطريق نحو أجواء أنقى . عندما أشرقت الشمس كان غرنوي لا يزال في البقعة ذاتها رافعاً أنفه إلى الهواء ، محاولاً التقاط المكان الذي يوجد به الناس ، لكنه لم يجد شيئاً . لم يكن هناك سوى الصمت . تصاعدت من أعماقه فرحة كبيرة جدا . صرخ من فرط السعادة . قضى غرنوي الأيام التي تليها في تدبير شؤونه وأمور معيشته في كهف على الجبل ، لقد اقتنع بأنه لن يترك هذه المنطقة قبل مضي فترة من الزمن . 

خلال الفترة التي تليها لم يبرح غرنوي إلى خارج كهفه إلا ليلعق الماء ، أو ليتبول ويتغوط بشكل سريع , ولكي يصطاد الأفاعي و السحالي . لقد اعتزل العالم ليكون بقرب ذاته , كان مستغرقاً استغراقاً كلياً في وجوده النفسي دون أن يعكر صفوه نفسه شيء واجداً في ذلك أقصى سعادته . استمر غرنوي في وحدته ما يقارب سبع سنوات كاملة . وخلال هذه الفترة كان العالم الخارجي مشغولاً بالحرب ولنقل بحرب عالمية . وكان مستعداً لان يبقى لاخر حياته لولا كارثة حلت به ، وأدت إلى طرده من الجبل ، وولوجه إلى العالم مرة اخرى . والكارثة حدثت خلال النوم ، لنقل خلال الحلم . حلم بأنه كان نائماً مستلقياً ، وكان قد شرب كمية كبيرة من زجاجات عطر الروائح , وفي الختام زجاجتين من رائحة البنت ذات الشعر الأحمر . بدا له في الحلم خيالات متداخلة شبحية غير واضحة المعالم ، من بينها شذرات رائحة عبرت مقابل أنفه ثم تحولت إلى ما يشبه السحب . ثم أحاطت به وأغرقته تماما . وإذ لم يكن غرنوي يرغب في ان يختنق فقد كان عليه أن يستنشق هذا الضباب . والضباب كما قال ، كان رائحة . وعرف غرنوي ماهية هذه الرائحة . 

كان الضباب رائحته هو ، رائحة غرنوي , رائحته الشخصية كان الضباب . والأشد رعبا في هذا الموضوع هو أن غرنوي الذي عرف تمام المعرفة أن هذه هي رائحته ، لم يتمكن من شمها . عندما أدرك ذلك أطلق صرخة كبيرة . كان مرعوباً وخائفاً حتى الموت . جلس و هو يرتعش يحاول جمع فوضى أفكاره المشتته ، كان قد تأكد من شيء واحد : لا بد من تغيير حياته ، حتى ولو كان السبب الوحيد لذلك هو ألا يعاوده هذا الحلم المريع مرة اخرى ، لأن نهايته ستكون فيه . كان الوقت قبل الظهيرة حين زحف غرنوي إلى الخارج , وضع كفه على أنفه وشمها ، فأحس بحرارتها ، ولكنه لم يشم شيئاً . جرب تحت إبطيه وتحت كتفيه وأقدامه ومع ذلك فإنه لم يشم اي شيء على الاطلاق . 

كانت المفارقة غريبة : فهو ، غرنوي ، القادر على التقاط رائحة أي إنسان على مسافة كبيرة لا يقدر ان يشم رائحته . عندها بدأ يحس ببعض الخوف . وغادر في الليلة ذاتها باتجاه الجنوب . كان منظره فظيعاً ومخيفا ، فقد وصل طول شعره حتى ركبتيه ، ولحيته الخفيفة حتى بطنه . أظافره صارت كمخالب الطيور الجارحة . أول من قابلهم من البشر ، مزارعون قرب مدينة بييرفور ، فروا من وجهه و هم يصرخون . أما في المدينة ذاتها فتراكض الناس بالمئات لينظروا اليه . اقتادوه إلى العمدة ، فقال لهم إن طيلة سبعة اعوام لم ير النور فقد هاجمه لصوص و سجنوه في كهف . وأنه قد تمكن من الخروج بمعجزه وبواسطة سلم مد إليه ولكن دون أن يعلم السبب ودون أن يتعرف على منقذيه أو سجانيه . لقد اخترع غرنوي هذه القصة لأنه اعتقد انها أكثر قابلية للتصديق من الحقيقة . حينها كتب العمدة تقريراً بحالته وأرسله إلى المركيز دو لاتيلاد ، أهم شخصية في المدينة .

 كان المركيز في الأربعين من عمره . وعندما سمع أن في المدينة شخصاً عاش في مغارة ، أي محاصراً بعنصر التعفن الذي كان مهتماً به ، اضطرب سعادة وطلب أن يُحضر غرنوي إلى مختبره على الفور . و وضعه في مستودع قصره حتى يجري الدراسات عليه . وبعد أيام تم تنظيفه ، وقُصت أظافر قدميه و يديه ، وسُرح شعره وتم تزيينه بالبودرة و العطر ، وألبس ثياب جديدة . ثم قال المركيز له : لقد كنت حيواناً وأنا جعلتك إنساناً ، وأكاد أقول إنه عمل الهي . وفي اليوم الذي يليه ، تظاهر غرنوي بأنه داخ وتهاوى فاقدا وعيه . ثم وكأنه يتلفظ بآخر طاقة يمتلكها صاح : إبعد عني هذا العطر ! إبعد عني هذا العطر! إنه يخنقني ! ثم أخذ يقول بأن أنفه شديد الحساسية ، بحكم مهنته كعطار ، تجاه عطور معينة مثل البنفسج . ثم يجزم أنه سيستعيد حالته الاعتيادية إن سمح له المركيز بتحضير عطر خاص حتى ينهي تأثير عطر البنفسج . حينها أمر المركيز خدمه بالتخلص من عطر البنفسج من المنزل ، وأن ينقل غرنوي على الفور إلى محل أفضل عطار في المدينة . وهذا ما رغب فيه غرنوي من تظاهره بالدوخة . لم تكن ورشة رونل لتشابه ، ولا في الحد الأدنى ، ورشة بالديني. لم تكن رغبة غرنوي ابتكار عطر جديد ، بل أن يحصل هو امتلاك رائحة البشر . قام بتحضير زجاجتين من عطر من مختلف المكونات قريبة من الرائحة البشرية . خلع ثيابه ورش عليها من العطر وكذلك على جسده ، ثم ارتدى ثيابه وغادر الورشة . وعندما خرج من الورشة أصابه فجأة الخوف ، وانتابه إحساس أن رائحته مقرفة كريهة . وقف بين جمع من الناس وباعد بين ذراعيه وساقيه ، ولكن الآخرين لم ينتبهوا إلى شيء ، فغمره احساس بالرضا . 

أدرك غرنوي الآن ما هو قادر عليه . لقد استطاع بعبقريته أن يجسد عبق البشر . وعرف أن باستطاعته ان يطور ذلك العبق ، بل إن بإمكانه أن يبتكر عبقاً ملائكيا ً. ومن يشمه سيؤخذ ويسحر ، وسيحب مبدعه غرنوي من كل قلبه . بل أن يضحوا بانفسهم من أجله . بعد مضي ما يقارب الاسبوع جاء الناس من كل مونبلييه لمشاهدة رجل الكهف الأسطوري . قدم المركيز مجموعة من الرسوم تمثل رجل الكهف ، موضحة انهياره الكامل و بشاعته . ثم دخل غرنوي بقميصه الحريري ، ممكيجاً ، ومسرحاً بطريقة فاتنة . كان التغير المرئي الذي حدث له واضحاً جلياً جداً , يقارب المعجزة . فالذي كان قبل أسبوع من الوقت حيواناً متهالكاً متآكلاً ، أصبح إنساناً متحضراً الآن بكل معنى الكلمة . بقي غرنوي بضع أسابيع ثانية في مونبلييه ، فقد حظي بشهرة كبيرة جعلته الضيف الأكثر أهمية في كل الجلسات ، حيث كان يُسأل عن حياته في الكهف وعن معالجة المركيز له . 
وكان عليه في كل مرة ان يعيد و يكرر سرد قصته عن مختطفيه . فاكتسب أسلوباً في التعامل الإجتماعي مع الناس ، فبدا وكأنه قد نما بالفعل . إلا أن هذه الفترة الزمنية لم تكن كافية لتجعل منه رجلاً منفتحاً على العالم . 

صباح أحد أيام مطلع آذار، حالما فتحت بوابات المدينة ، لمَّ غرنوي حاجياته و ترك المكان ، مرتدياً سترة بنية اللون لا تلفت الانتباه له . وعند الظهيرة أعطى المركيز أوامره بالتفتيش عنه بعدما اختفى . قطع غرنوي رحلته الثانية في أقل من سبعة أيام . ما عاد يبتعد عن الشوارع المأهولة والمدن ، فهو يمتلك الرائحة والثقة بالنفس والمال الآن ، كما كان متلهفاً للوصول إلى مبتغاه . كانت عيناه موجهة نحو مدينة غراس , مركز انتاج وتجارة العطور و مواد العطارة . عند الظهيرة وصل غرنوي إلى غراس . لقد أتى إلى هذا المكان لأنه كان يعرف أن ثمة طرائق في استخدام الروائح ، يُفضل تعلمها هنا عن أي مكان ثاني . وهذه الطرائق على وجه الخصوص هي ما أراد أن يعرفه ويمتلكه . أمام واحد من البيوت وقف غرنوي لفترة طويلة. منظر البيت لم يوح بما يلفت النظر ، كانت بوابته افخم و اعرض من بوابات المنازل القريبة . 

أغمض عينيه مركزاً على الروائح التي تخرج نحوه من البناء المقابل . انتبه غرنوي أن في الحديقة شيئاً له عبق فاخر و أخاذ لم يعرف أنفه مثله في حياته ، وكان لا بد أن يقترب من هذا العبق الطيب . أغمض عينيه مرة اخرى ، فانهمرت عليه روائح الحديقة جلية كأشرطة قوس القزح الملونة ، ومن بينها تلك الغالية التي تهمه أكثر من غيرها . فالعبق الذي ياتي من الحديقة مع النسيم كان عبق الفتاة ذات الشعر الأحمر، التي قتلها قبل فترة طويلة . وأن يجد هذا العبق في هذا العالم مرة اخرى جعل دموع الفرح تترقرق من عينيه، وكون الأمر مستحيلاً جعله يفزع حتى الموت . داخ غرنوي وتمايل بعض الشيء . وبدأ يتنشق العبق بأنفاس أقصر . وتأكد أن العبق الذي ينتشر من خلف هذا السور يماثل إلى حد كبير عبق الفتاة ذات الشعر الأحمر ، ولكنه لا يماثله تماماً . قفز غرنوي من على السور وتأكد أن العبق يخرج من فتاة ذات شعر أحمر هي الاخرى 

. كانت الفتاة تتقافز هنا وهناك . الفتاة ما زالت طفلة . ولكن ، يا لها من طفلة ! آه ! كم كان بوده أن يمسك ب هذا العبق ! حينها خرج غرنوي من الحديقة وتابع فراره من المنطقة . وبعد ربع ساعة تمالك ذاته . وأول ما فكر به ضرورة ألا يقترب من تلك الحديقة . عليه أن يوسع خبراته و معلوماته ، وأن يستكمل قدراته وإمكانياته الحرفية ، كي يكون جاهزاً في موعد الحصاد . ما زال أمامه عامان . على مسافة قريبة اكتشف غرنوي ورشة صغيرة يتم فيها صناعة العطور وطلب العمل هناك . وافقت عليه الأرملة آرنولفي التي مات زوجها الشتاء الفائت .

 وافق غرنوي على شروط المدام الشحيحة . وتم منحه كوخاً كان عبارة عن خشة خشبية بدون شبابيك . كانت الورود تورد إلى ورشة المدام عند الفجر . وكان معاون المدام دروو يذيب في قدر كبير شحم البقر والخنازير إلى سائل كريمي . وبينما كان على غرنوي أن يحركه بشكل مستمر كان دروو يرمي فيه الزهور الجديدة . وتابع غرنوي عملية تحول الزهور إلى روائح . و صار مع الوقت متمكناً من العملية باكملها 

 كان غرنوي معلماً في فن الإملال وفي إظهار ذاته كمسكين غبي ، ولكن دون أن يبالغ إلى الحد الذي قد يصبح معه موضع سخرية و إستهزاء من قبل الحرفيين . ولقد نجح تماماً في جعل ذاته غير ملفت للإنتباه ، فتركوه لحاله ، وهذا هو ما كان يريده بحق . بينما كرس غرنوي وقته الفعلي وطموحه بهدف الوصول إلى روائح ما لا حياة فيه ، كالحجارة والزجاج والمعادن والملح والهواء والماء . كما قرر أن يستخلص رائحة الأحياء . فقتل كلباً ، ثم بواسطة الدهون والتقطير قدر أن يستخلص عطر الكلب . كان ذلك يوم نصر لغرنوي ، فللمرة الاولى نجح في سرقة روح العبق من كائن حي . أما ما كان يشتهيه فهو عبق بشر على وجه الخصوص : أولئك القلة النادرين في الحياة الذين يلهمون الحب . هؤلاء كانوا ضحاياه .

 بعد انقضاء سنة تقريباً على قدوم غرنوي إلى غراس ، بدأ غرنوي بتتبع أخبار ما يجري في الحديقة ، خلف ذلك السور . كان هذه المرة مستعداً لاستقبال العبق ، عارفاً ما في انتظاره ... ومع ذلك ،فإنه عندما شمه ، خفق قلبه بقوة وشعر بالدم في شرايينه يغلي من فرط السعادة . إنها ما زالت هناك ، و رائحتها ، كما توقع ، أصبحت أشد ، دون أن يفقد شيئاً من بهائه . كان غرنوي ممتلئاً بسعادة المحب . فغرنوي الوحش الذي لم يعرف الحب في حياته ، وقف في ذلك اليوم من آذار عند سور مدينة غراس و عشق ، وكان مسروراً سعيداً بحبه بلا حدود. 
لم يحب الفتاة ، بل أحب العبق ولا شيء اخر سواه . فبعد عام واحد فقط سيأخذ هذا العبق إلي ، حيث سيكون نضج بصورة كافية . في أيار من العام ذاته ، وجدت جثة عارية لبنت في الخامسة عشرة من عمرها . كانت مقتولة بضربة هراوة على مؤخرة رأسها . البنت كانت ذات جمال كبير ، تنتمي إلى ذلك النوع الناعس من الفتيات الذي يشابه العسل الأسود ، طرياً ودبقاً وحلواً للغاية . أما شعر الفتاة فلم يكن موجوداً . لقد قصه القاتل وأخذه معه ، كما أخذ ملابسها .

 وبعد أسابيع من التحريات أوقف التحقيقات بالجريمة ، لأن ما من نتيجة قد ظهرت . وبعد البدء بحصاد الياسمين بفترة ليست بالطويلة حدثت أيضاً جريمتان أخريان . وفي هذه المرة أيضاً كانت الضحيتان فاتنتان الجمال ، ومن ذلك النوع الناعس من النساء ذي الشعر الأسود . وثانية كانت البنتان عاريتين ، ومقصوصتي الشعر . ولم يترك القاتل خلفه أي أثر يمكن من ملاحقته . حلَّ الذعر في المنطقة باكملها . وبعد أيام قليلة من الجريمة المزدوجة وجدت جثة بنت أخرى مقتولة ومعاملة بنفس الطريقة السابقة . ولم يمض أسبوع خلال هذا الصيف دون اكتشاف جثة فتاة ثانية . ودائماً كانت الضحايا من الفتيات اللواتى يكن في ذلك السن الذي تبدأ فيه البنت بالتحول إلى امرأة . 

وفي نهاية أيلول تم التصريح عن قتل أربع وعشرين بنت من أجمل العذارى ومن مختلف فئات الشعب . وبين ليلة وضحاها توقفت الجرائم . وفي مطلع الشهر الاخير من السنة وصلت أخبار من غرنوبل تفيد بالعثور على قاتل فتيات يخنق ضحاياه ويمزق ملابسها عن أجسادها إلى قطع صغيرة وينتزع شعر رؤوسها حزمة حزمة . وقد اقتنع العالم كله أن القاتل في الحالتين هو الشخص ذاته .
 ولكن ثمة رجل واحد في غراس لم يرتاح لتلك الانباء و لحالة الاستقرار التي حدثت . كان اسمه أنطوان ريتشي . كان أرملاً ، ولديه إبنة تسمى لور . كان يريد أن يزوج ابنته لرجل ذي نسب و حسب . وحالما تصبح لور في بيت زوجها سيتفرغ للبحث عن زوجة له . كانت لور جميلة جداً ، تبلغ السادسة عشرة من عمرها . عيناها خضراوان و شعرها داكن الحمرة . في العام الفائت ، وقت الجرائم شدد ريتشي الحراسة على بيته . وذات يوم من مارس، رأى ريتشي لور خارجة إلى الحديقة . اختفت وراء الشجيرات و مضى زمن قبل أن تظهر مرة اخرى ، فارتعب ريتشي حتى الموت ، فقد فكر بأنه قد خسرها الى نهاية العمر . فكر ريتشي أن القاتل هو جامع عينات من الجمال ويعمل على تشكيل صورة الكمال الآن ، حينئذ لا يمكن للانسان أن يصدق بأنه سيستغني عن اغلى حجر بناء في الدنيا كلها لاستكمال صورته ، أي عن جمال لور. جمال لور هو الحجر النهائي في لوحته . فالآن لا بد أن تكون لور هدفاً للقاتل . فقام في اليوم الذي يليه وحزم ملابسه ونوى مع الفجر ان يسافر بصحبة ابنته إلى غرنوبل . وسرعان ما انتشر خبر هجرة ريتشي إلى غرنوبل , وهذا بالفعل ما أراده ريتشي . ففي منتصف الطريق سوف يوقف العربة ويغير مسار رحلته وينعطف مع ابنته وخادمتها باتجاه الجنوب ، إلى جزر لُرين ، حيث سيزوجها هناك من ابن صاحبه ، إبن البارون دي بويون . في الوقت الذي غادرت فيه لور مع والدها كان غرنوي على الطرف الآخر من المدينة . كان هناك في كوخه في صندوق مبطن , كان يوجد أربع وعشرون قارورة صغيرة تحتوي على عطر أربع وعشرين عذراء على شكل قطرات ، هي اغلى وأثمن الخلاصات التي استخرجها غرنوي في العام الفائت . والخلاصة الخامسة والعشرون ، الاهم و الاروع كان ينوي احضارها اليوم .

 خرج غرنوي من الورشة ليريح نفسه قليلا . كانت الريح آتية من الغرب . من النفس الأول لاحظ أن هناك خطأ ما . كان العبق الذي يقدر أن يشمه غير موجود ، لقد اختفى . خاف غرنوي حتى الشلل. حينها قدم دروو من الحانة ، وحكى له بصورة سطحية أن المستشار وابنته قد غادرا صباحاً إلى غرنوبل . حينها ركض عبر المدينة واستطاع أن يشم خيطه الذهبي . إلا أن العبق الحبيب لم يكن اتيا من جهة الشمال الغربي حيث غرنوبل ، وإنما من جهة كابريس . حينها هرع غرنوي راجعا إلى كوخه ، وحزم قطعة القماش القطني وطاسة دهن العطر وهراوة صغيرة إلى الإتجاه الذي اشار عليه أنفه : نحو الجنوب. بعد ساعات عدة أصبح غرنوي والهاربين على ارتفاع واحد ، وتمكن من شمهم شخصا شخصا . 

بعد الظهر في حوالي الخامسة وصل غرنوي إلى لانابول . دخل النزل ، وعرّف عن ذاته بأنه أجير دباغ ، وطلب مكاناً لان ينام فيه . فقيل له إن بإمكانه النوم في الإسطبل . وهناك اختار زاوية افترشها واسترخى فيها . شم أن راكبي الخيول الثلاثة يدنون منه شيئا فشيئا . إذن ليس عليه إلا أن ينتظر. بعد ساعتين جاءوا . وهناك قدّم ريتشي ذاته كنبيل قادم من كاستلان . وسأل صاحب النزل إن كان هناك ضيوف. فأجابه أنه ليس هناك إلا أجير دباغ يرقد في الإسطبل . وبعد أن نام الكل ، بدأ غرنوي عمله بتان و تدبر احترافي . أخذ قطعة القماش وطاسة الدهن والهراوة ثم صعد إلى حجرة البنت حيث قاده أنفه . دخل من الشباك . 

كان عبق شعرها مسيطرا على الاجواء ، فقد كانت مضطجعة على بطنها، بحيث كانت مؤخرة رأسها بوضعية مناسبة لضربة الهراوة . كان صوت الضربة ذا صرير عميق . ثم بدأ غرنوي بالعمل . بحركات سريعة قص قميص نومها ، نزعه عن جسدها ، تناول قطعة القماش المطلية بالدهن ورماها على جسمها العاري . ثم رفعها ولف تحتها ما تدلى من قطعة القماش . ثم قص شعرها من جذوره . ثم انتظر انتظاراً مشوقاً متلهفاً , الإنتظار الذي يملؤه السعادة . قبل انبلاج الفجر أنهى غرنوي شغله . سحب القماش عن جسم الميتة ، رمى شعرها و ثيابها في قطعة القماش وحزم الكل في ربطة متينة ثبتها تحت يديه . تسلل بهدوء عبر الشباك . 
وبعد نصف ساعة أشرقت الشمس ، هائلة، مرتفعة حمراء . استيقظ ريتشي وتقدم بخطوات سريعة من باب حجرة ابنته . نقر الباب بهدوء . لم يأته أي جواب . ابتسم ، و اعتقد أنها ما زالت نائمة . فتح الباب بهدوء وشاهد لور مستلقية على الفراش ، عارية ميتة بيضاء كالثلج مقصوصة الشعر . كان الأمر كالكابوس . 

انتشر خبر مقتل لور ريتشي في منطقة غراس بسرعة كبيرة . كانت العودة المفاجئة للخطر الذي اعتقد كل الناس أنهم قد تجاوزوه . قيل إن القاتل قد شوهد . أنه أجير الدباغ الذي كان في اسطبل نزل لانابول ليلة الجريمة واختفى في صبيحة اليوم الذي يليه دون اي اشارة . وبعد ساعة من تعميم أوصافه على الناس كان غرنوي قد امسكت به الشرطة . ووجدت الشرطة بحوزته قميص نوم لور وقميصها الداخلي وشعرها الأحمر . جرت محاكمة غرنوي في واقع الأمر بسرعة هائلة ، لأن المتهم خلال الإستجواب قد اعترف دون تردد او مواربة بجميع جرائم القتل التي فعلها خلال العام . لكنه عندما سئل عن دوافعه ، لم يقدم أي جواب تقتنع به الشرطة ، بل كان يكرر قوله بأنه كان بحاجة إلى البنات فقتلهن . 

وفي الخامس عشر من نيسان صدر الحكم ، حيث سيوثق إلى صليب خشب ي، وسيتلقى بقضيب حديدي وهوما يزال حياً إثنتي عشرة ضربة تحطم يديه وساقيه ووركيه وكتفيه ، وسيبقى على الصليب حتى يفارق الحياة . جهز المواطنون أنفسهم للحدث الكبير ، كما لعيد كبير . حُدد موعد الإعدام في الساعة الخامسة بعد الظهر . ومنذ الصباح جاء محبو الفرجة والاستطلاع إلى المكان ليضمنوا لذواتهم المحلات الملائمة ، وأحضروا معهم المقاعد . وفي حوالي الرابعة بدأ السرادق يترس بالناس . كان هناك كثير من المتأنقين متعة للنظر . ثم ظهر افراد مجلس المدينة . 

كان ريتشي يرتدي قبعة سوداء و بزة سوداء ،. ومن بعده تقدم أعضاء مجلس البلدية . وكان آخر من حضر هو الأسقف . ثم جيء بغرنوي . ثم صارت ال معجزة . فبين لحظة وأخرى امتلأت نفوس العشرة آلاف إنسان في الساحة وما حولها بيقين لا يتزعزع بأن هذا الرجل النحيل ذا البزة الزرقاء الذي ترجل لتوه من العربة لا يمكن أن يكون مجرما و قاتلا . وأنه ليس هو نفسه الذي كانوا قبل دقيقة واحدة متعطشين لقتله بيد الجلاد . غمرهم شعور طاغ لاحدود له بالحنان و الود ، شعور بخبل طفولي مجنون بحبٍ نحو الرجل الضئيل المجرم . 

كان الشعب وراء الحواجز قد تمادى ، وبوقاحة تتزايد شيئا فشيئا ، في التعبير عن نشوته الرهيبة الشعورية التي فجرها ظهور غرنوي . لقد اعتبر الكل أن هذا الرجل ذا البزة الزرقاء هو الكائن الأجمل والانقى والأكثر جاذبية و مثالية في العالم . فبدا للراهبات كتجسيد للمخلص ، ولعبدة الشيطان كسيد الظلمة المنير ، وللصبايا كأمير الحكايات ، وللرجال كانعكاس مثالي لذواتهم . فكانت النتيجة أن انقلبت تحضيرات الإعدام إلى أعظم حفلة مجون لم ير العالم لها مثيلا من قبل . فإذا بالنساء يعرين صدورهن وهن يطلقن صيحات غير طبيعية ، والرجال يتعثرون بنظراتهم المجنونة غير المفهومه . كان الجو جحيمياً ! وقف غرنوي مبتسماً ابتسامة عاكسة فوزه الكامل واحتقاره الكامل . فهو، جان باتيست غرنوي ، المولود دونما اي رائحة تذكر ، في أكثر أماكن العالم تخمة بالروائح الكريهة ، قد توصل إلى أن يجعل ذاته محبوباً من قبل الجميع . لقد كان غرنوي العظيم ! وها هو الآن يتجلى . لقد عايش في هذه اللحظة أعظم انتصار في عمره ، فكان مدعاة لخوفه . كان مدعاة لذعره لأنه لم يقدر أن يستمتع به ولو لثانية واحدة . ففي لحظة ترجله من العربة مضمخاً بالعطر الذي يجعل الناس يعشقونه , بالعطر الذي استهلك صنعه سنتين من حياته . في هذه اللحظة التي رأى وشمّ فيها سرعة انتشاره ومدى تأثيره الذي لا يقاوم على الناس .
 في هذه اللحظة ذاتها عاوده الشعور بالاشمئزاز من الناس . وفجأة أدرك أن الحب لن يشبعه ، وإنما الكره ، أن يكره وأن يكون مكروهاً . وفجأة أحس برغبة في القيء , فقد شعر بأن الضباب عاد يتصاعد بشكل كبير كما حدث في حلمه . ضباب رائحته الخاصة المخيف . ودّ لو ينفجر ، لو يتمزق ، كيلا يختنق في نفسه . وأخيراً سقط مغشياً عليه . وعندما استعاد وعيه كان مستلقياً في فراش لور ريتشي ، بين أشياؤها و ملابسها . كانت نظرات ريتشي مستقرة عليه . ابتسم ريتشي وقال : كل شيء سيكون على ما يرام الآن . 

المجلس تراجع عن حكمه عليك ، والشهود تراجعوا عن إفاداتهم . أنت حر الآن. بإمكانك أن تفعل ما ترغب به ، ولكني أريد أن أكسبك كإبن لي . أنت تشبهها . أنت جميل ك لور . نم الآن يا ابني الحبيب ! بقي غرنوي مستلقياً حتى هدات الأصوات في الصوت والمدينة . وعندما نهض كان الفجر قد انبلج . ارتدى ملابسه و ترك المكان . توجه إلى الغرب عبر الحقول دون أن يُلقي أية نظرة إلى الخلف . وعندما ارتفعت الشمس في السماء ، كان غرنوي قد ذهب .


 استيقظ سكان غراس ورؤوسهم توجعهم بصورة غير طبيعية . كان الفلاحون الطيبون يفتشون عن ملابسهم التي رموها بعيداً عنهم في حمأة الإحتفال الماجن ، والنساء الطيبات عن أزواجهن وأطفالهن .. أما عما حدث خلال النهار والليلة الفائتة فلم يتلفظ أحد بأية كلمة. وبقدر ما كان سلوك الناس دون رادع أو تحفظ يوم البارحة بقدر ما أضحى اليوم خجولاً . كان كل الناس مذنبين . وفي الوقت ذاته انعقدت المحكمة في دار القضاء ، وتوصل المجلس إلى اتفاق يقضي باعتبار مسالة غرنوى منتهية ، وبرفع الملفات إلى الإرشيف ، وبفتح قضية ثانية ضد مجرم مجهول قتل حتى الآن خمساً وعشرين فتاة في منطفة غراس . وبدأت التحقيقات على الفور . وفي اليوم الذي يليه مباشرة تم العثور على المجرم . تم اعتقال دومينيك دروو ، معلم العطارة ، ففي بيته تم العثور على ثياب وشعر كل الضحايا. وبعد أربع عشرة ساعة من التعذيب اعترف المجرم بكل شيء ، وترجاهم أن يسرعوا في إعدامه . وفي اليوم التالي أعدم عند الفجر دون ازعاج . وبذلك أقفلت القضية .

 كان غرنوي يمشي في الليل ، متجنباً المدن كما في بداية رحلته ، وكذلك الشوارع . كان يأكل ما يجده في الشوارع من حشائش وطيور ميتة وفطور وأزهار . اقترب من جبل كانتال ، لكنه لم يحس برغبة بالتوجه إليه ، إذ لم يعد يحنُّ لحياة الكهوف . لم تعد لديه أية رغبة في الحياة على الاطلاق . أراد أن يذهب إلى باريس و يفارق الحياة فيها . هذا كان ما يريده . بين الحين والآخر كان يمد يده إلى جيبه ويمسك بقارورة عطره ، التي كانت تقريباً مليئة . لم يستهلك منها لمشهده في غراس سوى قطرة واحدة . وما تبقى في القارورة كاف لسحر العالم باكمله . 

 وفي الخامس والعشرين من حزيران عام 1797 دخل باريس ، في السادسة صباحاً . من خلال جسر نوف إلى الضفة اليمنى من النهر حتى مقبرة الأبرياء ، وجلس تحت أقواس مبنى حفظ الجثث الذي يمتد على طوال شارع أوفير . كانت أرض المقبرة مقابله أشبه بحقل دمرته القنابل , مزبلة للموت . لم يكن هناك أي بشر على قيد الحياة . وبعد منتصف الليل دبت الحياة في المكان ، ظهر اللصوص والقتلة والعاهرات والسفلة . اختلط غرنوي بينهم ، في البداية لم ينتبهوا لوجوده على الاطلاق . ثم أخذ غرنوي يرش على جسمه من محتوى زجاجة العطر ، وفجأة انسكب عليه الجمال كنار متأججة . شعروا بذواتهم منقادين ومنجذبين إلى هذا الرجل الملاك. كانت تصدر عنه قوة امتصاص غريبة .

 كان هناك عشرون إلى ثلاثين شحصاً قد شكلوا حلقة من حوله ، وبدأوا يضغطون و يتراكضون ، وكل منهم يحاول أن يكون الأقرب إليه. هجموا على الملاك، وانقضوا عليه ورموه على الارض . كل واحد منهم أراد أن يحصل على جزء منه . مزقوا عنه ملابسه ، ثم شعره وجلده عن جسمه ، نتفوه وغرزوا مخالبهم و أسنانهم في لحمه ، كالضباع انقضوا عليه . وهكذا التمعت الخناجر لتنغرز فيه و تمزقه اربا اربا ، ثم هوت الفؤوس عليه مهشمة العظام . وخلال دقائق تمزق الملاك إلى ثلاثين قطعة ، خطف كل فرد من المجموعة واحدة منها . وبعد نصف ساعة كان جان باتيست غرنوي قد اختفى عن الوجود ووجه الأرض دون اي أثر . 

 عندما اجتمع آكلة لحوم البشر بعد الوجبة حول النار لم ينبس اي واحد منهم بحرف . ورغم الثقل الذي كانوا يشعرون به في معداتهم ، كانت قلوبهم خفيفة جداً، وعلت وجوههم مسحة من الفرح . فابتسموا وكانوا فخورين إلى أقصى حد ، فللمرة الاولى في حياتهم فعلوا شيئاً عن حب . 



                                    النهاية. 




إرسال تعليق