الأربعاء، 16 مايو 2018




تلخيص رواية:

<;الستارة: أجاثا كريستي.

إعداد وإشراف: رجاء حمدان


يسعدنا ويبهجنا وجودكم معنا في قناة راجو شو السماعية للاشتراك فى القناة الرجاء إضغط الرابط التالي : https://www.youtube.com/channel/UChQ8cuMtdK57I-YRZ_qtHPg/featured?view_as=subscriber


من منا لا يشعر بألم مفاجيء عندما يشعر  بشعورقديم او يعيش تجربة قديمة ؟ في عام 1916 بدا لآرثر هيستنغز الشاب أنه قد كبر و اصبح بالغا . 
لم أدرك الأمر بصورة جيدة ، فبالنسبة لي لم تكن الحياة إلا في بدايتها . كنت أقوم بهذه الرحلة لارى الانسان الذي كان تأثيره عليّ سيغير حياتي ويُعيد تشكيلها . في الواقع كنت سأذهب لاسكن مع صاحبي جون كافيندش الذي تملك والدته منزلا ريفياً يدعى "ستايلز" .

 كان الأمر لمُّ شمل مسلياً لأصدقاء قدامى.. هذا كل ما كنت اتصوره ، ولم أتنبأ بأنني ساكون شاهدا على جريمة غامضة . كان "ستايلز" هو المكان الذي التقيت به بذلك الرجل الغريب الضئيل هيركيول بوارو ، والذي قابلته للمرة الاولى في بلجيكا . ومنذ تلك الأيام أصبح صديقي المقرب جدا . 

كنت ذاهباً إلى "ستايلز" لارى هيركيول بوارو . لقد دهشت جداً عندما استلمت مكتوبه ، كان يقول بالرسالة : أنا هنا في "ستايلز"، وقل ما تشاء . لقد أصبح الآن نُزلاً بادارة كولونيل بريطاني . وجدت هنا رجلاً وهو صديق للرجل الذي تشتغل معه ابنتك . وأنا سأقنعك بالقدوم الى هنا . سنكون كلنا معاً كعائلة واحدة ، ولذلك تعال إليّ يا عزيزي هيستنغز . عائلة فرانكلين وابنتك جوديث يسكنون هنا منذ أيام ، لا تحاول تلفيق الحجج . صديقك هيركيول بوارو . كان الأمر مغرياً جداً ، و نزلت عند رغبة صاحبي . لم يكن شيء يقيدني او يمنعني من الذهاب اليه ، بالنسبة لابنائى فأحدهم بالبحرية ، والآخر متزوج و يقوم بادارة مزرعة في الأرجنتين ، وابنتي غريس تزوجت جندياً وتقيم في هذا الوقت في الهند . أما ابنتي جوديث فقد كانت غريبة . كانت زوجتي تقول قبل أن تتوفى إن مشاعر جوديث مركزة و عميقة . كانت أذكى أفراد اسرتنا ، وقد نالت شهادة جامعية في العلوم . 

 قطع تأملاتي صوت القطار وهو يدنو شيئاً فشيئاً من محطة ستايلز سينت ميري . لقد تغيرت ستايلز سينت ميري بشكل كبير عما كنت اعلمها قبلاً . لاح لي المنزل . كان لا يزال كما كان . ولم يتغير عليه شئ إنه كما أتيت إليه لاول مرة الى هنا ، رأيت امرأة منحنية على أحد أحواض الحديقة . استقبلتني المرأة وقالت : أنا السيدة لاتريل ، وقد اشتريت أنا وزوجي هذا البيت ، ونحاول الإعتناء به . فسألتها : أين جوديث ؟ فقالت : إنها في ذلك المشغل الذي استأجره الدكتور فرانكلين مني ، وهي تقوم بالتجارب على الارانب و الفئران .
 جاء الكولونيل لاتريل . كان رجلاً نحيلا طويلا ذا وجه شاحب . فعرّفته زوجته عليّ وطلبت منه ان ياخذني إلى بوارو . وتبعته إلى الدرجات الأمامية ، وعلى عتبة الباب صادَفَنا رجلٌ رمادي الشعر ذو وجه طفولي ممتليء الجسم . فقال لاتريل : هذا نورتون ، إنه فتى لطيف مغرم بالطيور . وهناك تعرّفت أيضاً على السير ويليام بويد كارنغتون . كان يشغل منصب محافظاً في إحدى محافظات الهند . قال السير ويليام عندما عرفته على نفسي : أنا سعيد لأنني استطعت ان اقابلك . ذلك الرجل البلجيكي يتحدث عنك كثيراً كما تعلم ، وبالطبع ابنتك هنا هي الاخرى ، وهي فتاة طيبة . ثم قادني لاتريل إلى الطابق الأعلى ، و علمت وقتها أن بوارو اختار لي الحجرة نفسها التي كنت قد شغلتها في الماضي .

 أوضح لي الكولونيل لاتريل أن حجرة بوارو هي الغرفة المقابلة لحجرتي ، وكان على وشك اصطحابي إلى هناك عندما دوت صرخة عالية تنادي : جورج ! فجفل لاتريل وقال : أنا قادم يا حبيبتي . وأسرع عبر الممر ، ووقفت للحظات أتبعه بنظري ، ثم عبرت الممر وقد بدأت دقات قلبي بالتسارع شيئا فشيئا ، وطرقت باب حجرة بوارو . من وجهة نظري لا يوجد ما يثير الحزن أكثر من ان نرى انسان تغير شكله كلياً بمرور الزمن . يا لصديقي الحزين ! لقد أقعده التهاب المفاصل . جسده أصبح ممتلئاً ضعفاً فبات رجلاً نحيفا ضئيلا ، وصار وجهه ممتلئاً بالتجاعيد و الخطوط . هتف بي عندما رآني : صاحبي هيستنغز! وعانقني بحب ثم قال : ما زلت كما كنت ؛ أمامنا عمل يجب ان ننجزه سوية . فقلت: عمل؟ 
 فقال : أنا هنا يا صديقي للبحث عن مجرم . لذا حثثتك على اللحاق بي؟ سوف نذهب أنا وأنت للصيد يا هيستنغز . احتجت بضع لحظات لافهم ان بوارو جاد في هذا الموضوع 
 فقلت : ولكن لا يبدو يا صديقي أن جريمة قد وقعت هنا . قال: هل تعتقد ذلك ؟ 
قلت : لم أر جميع الأشخاص بعد ، فقد رأيت الى هذه اللحظة السيد والسيدة لاتريل ، ورجلاً يدعى نورتون ، والتقيت بويد كارنغتون ، وقد أثار اهتمامي . 
فقال بوارو: توجد هنا أيضاً اسرة فرانكلين المكونة من دكتور و شريكته ، وممرضة تعتني بالسيدة فرانكلين ، ثم ابنتك جوديث ، ويوجد رجل اسمه أليرتون فاتن النساء، ثم الآنسة كول ، وهي فتاة في عمر الثلاثينيات تقريبا . يمكنني أن إقول لك إنهم قوم ودودين . ولكن أحدهم مجرم . ثم فتح بوارو حقيبته وأخرج منها مجموعة من قصاصات الجرائد و اوراق مطبوعة ، ووضعها على الطاولة .
 قال بوارو : أقترح عليك ان تقرا هذا الملخص الذي أعددته . أخذت الملخص ورحت أقرؤه بكل عناية وتمعن : القضية أ: قضية إثرنغتون . ليونارد إثرنغتون : المسكرات و المخدرات ، شخصية غريبة وساد ية، زوجته الشابة ليست هنيئة معه . مات نتيجة تسممه بسم الزرنيخ . وُجهت التهمة للسيدة إثرنغتون . تعاطف الجميع معها أثناء المحاكمة نتيجة لمعاملة زوجها السيئة معها و شخصيته غير الحسنة ، وكان تلخيص القاضي في صالحها ، وتمت تبرئتها . ولكن الرأي العام أكد أنها هي القاتلة ، وقد أصبحت حياتها – بعد ذلك- صعبة نتيجة لتصرفات اصدقائها ومعاملتهم لها ببرود ، وتوفت نتيجة تناولها جرعة كبيرة من الحبات المنومة .. القضية ب : السيدة شاربليس . عجوز لم تتزوج في حياتها ، تعتنى بها إبنة أختها فريدا كلاي ، ماتت أيضاً نتيجة جرعة كبيرة من المورفين ، واعترفت فريدا بمسؤوليتها وبالذنب وقالت إن خالتها لم تعد تقدر ان تحتمل المرض فأعطتها المورفين للتقليل من اوجاعها والأدلة لم تكن كافية لاتهامها .. القضية ج: إدوارد ريغز . عامل زراعي ، شك بأن زوجته تخونه مع نزيلهم بن كريغ . عُثر على السيدة ريغز و بن كريغ مقتولين بالرصاص وتبين أن الطلقات خرجت من بندقية السيد ريغز . سلم ريغز نفسه للبوليس وقال إنه يعتقد بأنه هو الذي ارتكب الجريمة ، ولكنه لا يقدر ان يتذكر التفاصيل . حكم عليه بالأشغال المؤبدة الشاقة .. القضية د: ديريك برادلي . كان على علاقة بإحدى الشابات ، واكتشفت زوجته هذا الموضوع فهددته بالقتل . مات نتيجة لوضع سيانيد البوتاسيوم في طعامه ، وتم القبض على السيدة برادلي وتم الحكم عليها و اعدمت .. القضية هـ: ماثيو ليتسفيلد . طاغية كبير في السن ، عنده اربع فتيات لا يسمح لهن بالتسلية ولا يعطيهن المال . وفي إحدى الأمسيات هاجمه شخص ما وقتله على بابه . وبعد التحريات تقدمت ابنته مارغريت لرجال البوليس و اعترفت بذبح ابوها . اعتبرت مارغريت غير مستقرة عقليا وأدخلت إلى مصح برودمور ، ولكنها ماتت بعد فترة وجيزة من ذلك . 

 قرأت باهتمام و دهشة ، ثم قلت: ما هذا خمس جرائم مختلفة ولا يوجد تشابه بينها. فقال بوارو : النقطة المشتركة هو أنه لم يكن هناك اي مجال للشك في أي من القضايا . في كل قضية يوجد متهم واحد بعينه والتهمة مؤكدة عليه ولامجال للشك . 
لنفترض أن هناك شخصاً لم يكن لديه دافع صريحا لاقتراف جريمته ، لنقل أنه الشخص "س"، وأقول أنا إنه كان على علاقة عاطفية بإثرنغتون ، وإنه عاش في نفس القرية التي اقام فيها ريغز ، وإنه كان يعلم السيدة برادلي ، ولدي صورة له وهو يمشي مع فريدا كلاي في الشارع ، وإنه كان قريباً من البيت عندما تم القضاء على العجوز ماثيو ليتسفيلد . و "س" هذا يعيش في هذا البيت في "ستايلز". فما هو الإستنتاج العجيب الذي نستنتجه من هذا؟ 
 قلت: تابع، قلها ؟ فقال بوارو : هناك جريمة ستحدث في وقت قريب ستُرتكب هنا ! فقلت بقوة : ومن هو السيد "س" هذا ؟ فقال : لا يمكنني أن اقول لك هذا يا صاحبي . قلت : ولماذا لا يمكنك هذا ؟ فقال : لأنك لا تزال هيستنغز القديم ذاته يا صاحبي ، حيث تُظهر ملامحك ما تفكر به ، وأنا لا ارغب أن تجلس محدقاً إلى هذا الرجل وفمك مفتوح ووجهك يشير بكل صراحة إلى أن هذا الذي تنظر إليه هو المجرم . فجأة دخلت ابنتي جوديث .

 كانت ابنتي فكاها وخداها جميلان طويلة القامة ، ، وهي وقورة و متزنة ، ولكنها من النوع الساخر . ابتسمت لي وقالت : مرحباً يا والدي . كانت ابتسامتها خجلى ولكنها جعلتني احس انها سعيدة جدا لمقابلتي هنا . ثم طرق الباب مرة ثانية ودخل الدكتور فرانكلين . كان شاباً نحيلا طويلا يبلغ من العمر خمسة وثلاثين سنة ، ذا شعر أحمر وعينين زرقاوين لامعتين . فسلم عليّ ، ثم تطلع إلى ساعته وقال : يا إلهي ! لقد وعدت باربرا بأنني سوف أقرأ لها قبل العشاء . وابتسم لنا و خرج بسرعة . 
فقلت : وكيف حال السيدة فرانكلين ؟ فقالت جوديث : لا تزال متعبة جدا . إنها امرأة غبية جداً تتكلم فقط عن حالتها الصحية لأي شخص يستمع إليها . إنها امرأة ظاهرة الأنوثة ؛ تموء و تتمسح مثل القطط . 

في تلك الليلة نزلتُ لتناول العشاء وأنا احس بان كل ما في الحياة قد أصبح فجاة غير حقيقي ، وتساءلت أكثر من مرة في داخلي وأنا أستعد للعشاء عما إذا كان بوارو قد تصور وتوهم كل هذا الموضوع ، فهو الآن رجل كبير في السن وصحته متدهورة . ولكن بوارو يعرف هوية المجرم التي لا أعرفها أنا. في حجرة الجلوس تم تقديمي إلى الآنسة كول والميجور أليرتون . بينما كنا نجلس نتحدث حول مائدة العشاء أخذت أطوف بعيني حول المائدة وألخص الإحتمالات الممكنة الوجود . فإنّ واحداً من هؤلاء الناس قاتل خطير . وبعد العشاء قالت لي جوديث : ما الأمر يا أبي ؟ لماذا كنت تنظر الى كل الموجودين حول المائدة اثناء العشاء ؟ فقلت : هل كنت بالفعل كذلك ؟ لا بد أنني كنت أتذكر الماضي . قالت جوديث : لقد أقمتَ هنا عندما كنت في سن الشباب ، أليس كذلك ؟ وقُتلت هنا عجوز فيما اعتقد . هل كان الناس في حينها سعداء هنا ؟ فقلت : لا, كانوا يشعرون بأنهم مقيدين ؛ فالسيدة إنغليثورب كانت تملك المال كله وتصدقت به ، ولم يتمكن ابناء زوجها بعد ذلك أن يعيشوا حياتهم غير معتمدين على احد . حينها قالت جوديث : إنه أمر سيء للغاية ؛ يجب أن لا تمنح السلطة لكبار السن . لقد عرفت حالة كان فيها الأب متوحشا عجوزا ، وعندما توفرت لدى إحداهن العواطف الكافية لفك العقدة وتحرير الأشخاص الذين أحبتهم لقّبوها بقليلة العقل . فقلت لها : عن أي قضية تتكلمين ؟ فقالت : إنهم اصحاب لاسرة فرانكلين ، رجل عجوز يدعى ليتسفيلد . كان ثريا جدا ولكنه كان يُجوّع بناته الحزينات . لم ألتقِ بالسيدة فرانكلين إلا مرة واحدة من قبل. كانت في سن الثلاثينيات تقريبا ، وكانت سيدة بكل معنى الكلمة . وكانت السيدة التي تعتني بصحتها كارفن وهي فتاة شابة طويلة بصحة جيدة و حسنة المظهر . 

التقيت ببويد كارنغتون هناك وقال لي : أنا وباربرا اصحاباً منذ كنا صغاراً . حينها تمنينا ليلة سعيدة للسيدة فرانكلين وخرجنا من الحجرة ، وفي الطريق قال لي بويد : أنت لا تدري كم كانت جميلة عندما كانت في السابعة عشرة . لقد اعجبت بها ، ولكنها تزوجت الدكتور فرانكلين . و اعتقد أن سبب صحتها المعتلة أنه لا يقدرها و لا يفهمها ، وهي حساسة جداً . انتقلت إلى بوارو كان جالساً في سريره فقلت له : سيكون من اليسير جدا عليّ معرفة السيد "س"؛ فكل ما عليّ فعله هو البحث و العثور على الشخص الذي كان يعرف كل الناس ، أقصد الأشخاص الموجودين في القضايا الخمسة . 
فقال بوارو بعد أن رماني بنظرة استخفاف : الناس المجتمعون هنا ليسوا مجموعة من الغرباء . فاسرة لاتريل اشتروا هذا المكان ، والناس الذين يأتون إلى هنا هم اصحابهم او اصحاب اصحابهم ، فالسير ويليام هو من أقنع عائلة فرانكلين بان ياتي الى هنا ، وهم بدورهم طرحوا الأمر على نورتون وعلى الآنسة كول ، وهكذا... خذ قضية العامل ريغز على سبيل المثال ، فالقرية التي حدثت فيها الجريمة ليست بعيدة عن بيت بويد كارنغتون ، وأيضاً أهل السيدة فرانكلين كانوا يعيشون قريباً ، أما النزل الذي في القرية فقد أقام به فرانكلين وربما نورتون والآنسة كول .

 من المفروض أن ينام بوارو في وقت مبكر ، لذلك فقد تركته كي ينام ونزلتُ إلى الطابق السفلي . وجلست مع نورتون والسيدة لاتريل والكولونيل . وبعد أن لعبنا الورق ابتعدنا أنا ونورتون . وتوقفت عند القاعة و شاهدت أن الباب الجانبي المؤدي إلى الحديقة كان مفتوحاً فقلت له : هل من اللازم علينا أن نغلقه ؟ فقال: حسناً ، لا اعتقد ان الكل قد دخلوا بعد. فابنتك ما زالت مع أليرتون في الخارج على ما اتصور . لم أستطع النوم في تلك الليلة، تمنيتُ لو مازالت زوجتي على قيد الحياة ! فقد كانت حكيمة في تعاملها مع جميع الناس ، وقد لازمني احساس ب النقص في غيابها .
 أشعلت الضوء و انتقلت الى حجرة بوارو ووقفت متردداً خارج الباب ؛ سمعت صوت خطوات فنظرت الى ما حولي ، كان أليرتون فقلت له إني لا اقدر ان انام . فأخذني إلى حجرته وأخرج علبة دواء وقال : إليك هذا ، إنه منوم اصلي . هذه مادة سلمبريل ، ستنام نوماً عميقاً وتحلم أحلاماً هادئة . فقلت له ، و اعتقد أنه كان ذلك غباء مني : اظن انك تعلم إثرنغتون، أليس كذلك ؟ فبانت عيناه أكثر قلقا و قساوة ، وقال وقد تغير صوته : كنت أعرفه . لقد تعاطى اثرنغتون المسكرات ، ولكنه بالغ في الموضوع . ثم أنهى الموضوع و هو يضحك . فشكرته على الحبوب و رجعت الى حجرتي . 

وأدركت بقوة أن أليرتون هو السيد "س"، وأنا جعلته يدرك أنني قد شككت في الموضوع . بعد تفكير وتردد قصير قررت أنه من الواجب علي أن أطلع جوديث على موضوع أليرتون . لقد كانت فتاة عاقلة كما أعتقد ، ولم اظن أنها يوماً ستقع ضحية انجذاب رخيص نحو انسان مثل أليرتون . فقلت لها : لقد خرجتِ معه احتى ساعة متأخرة الليلة الماضية . فقالت : حقاً يا والدي أنت تتصرف بحماقة ؟ ألا تدرك أنني أنه بإمكاني ان ادير شؤوني وأموري بنفسي ؟ أنا أحبك كثيراً ولكنني الان أصبحت امرأة ناضجة وحياتي ملكي أنا لوحدي . فتألمتُ كثيراً من هذه الملاحظة العنيفة و التي لم استطيع بعدها ان ارد ، وانصرفتْ جوديث مسرعة . 

أوقظني من تأملاتي صوت الممرضة كارفن وهي تتسائل إن كان صحيحاً أنني جئت في الماضي إلى هذا المنزل في وقت الحرب الأولى، فأجبت: نعم، هذا صحيح. قالت: لقد أخبرتني إحدى الخادمات أن جريمة قد وقعت هنا. فقلت: اجل . قالت : لقد كنت اسكن في بيت حدثت فيه جريمة قتل ، ولم أنسها على الاطلاق . كانت تجربة قاسية . فقلت : لا بد أنها كانت كذلك . وسكتّ حين اقترب بويد من المكان . 
فقال لي : هل تريد أن تأتي معي إلى ناتون لتشاهد المكان ؟ 
فقلت له : نعم ، ارغب في ذلك . سوف أرى أولاً بوارو إن كان في حاجة إليّ . استمتعت جداً برحلتنا القصيرة ، ليس فقط لأن الجو كان رائعا ، ولكني استمتعت أيضاً بصحبة هذا الرجل . فكان بويد يمتلك شخصية محببة و جاذبية قوية . وقد أخبرني بحكايات وروايات من أيام خدمته الحكومية في الهند و حدثني عن بعض الحقائق الممتعة والغريبة عن بعض المعتقدات القبلية في شرق أفريقيا ، وقد كان ذلك ممتعا حقا . وروى لي أيضاً ملخص مأساته ، حكاية زوجتة الجميلة الشابة والتى مات معظم أفراد عائلتها بسبب الإفراط في شرب الكحول . وقد وقعت هي نفسها فريسة للكحول ايضا ، وبعد مرور سنة على زواجهما توفيت بسبب الكحول . ولم يلمها أو يؤنبها ، فقد علم أن الوراثة كانت قوية جداً بالنسبة لها . وبعد موتها استقر وبدأ حياة وحيدة وقرر أن لا يتزوج مرة ثانية البتة .

 مرت الأيام، وكان وقتاً قاسيا يملئه احساس بالاضطراب و انتظار ان يجري شيء ما . ولم يحدث حقيقة أي شيء ، ولكن جرت بعض الحوادث: بعض الملاحظات القريبة ، ملاحظات وشروح تراكمت كلها ، وهي إن جُمعت بصورة مناسبة فسوف تفيد كثيراً في إنارة طريقي . قال لي بوارو : إنك تشغل نفسك لمعرفة هوية رجلنا السري ، وأنا لم أطلب منك القدوم إلى هنا لهذا السبب فأنا اعلم من هو ، ولكن الذي لا أعلمه والذي يتحتم علي ويجب أن اعلمه هو الضحية الجديدة . فالمسألة محاولة منع موت إنسان . 

في اليوم الذي يليه وبعد ان قضيت وقتي كله بالتفكير المستمر ، تجرأت على التطرق إلى فكرة اتت على راسي مرات عديدة ، فقلت لبوارو : يوجد رجل في مقدوره ان يعاوننا، إنه بويد كارنغتون . لماذا لا نثق به ونضع الموضوع في يده ؟ إنه ذكي وأذكى مني بكثير . ففتح بوارو عينيه وقال : بالطبع لا، إنه رجل عجوز ممل ومغرور ثرثار إلى أبعد الحدود . 
نزلتُ إلى الحديقة . وأخذت أفكر : مَنْ مِن هؤلاء الذين يسكنون في "ستايلز" يملك دافعاً منطقيا ومحدداً للقتل ؟ أو من هو الشخص المتوقع الذي يمكن ان نثبت أنه يملك دافعاً ؟ رأيت فرانكلين يمشي ذاهبا نحو البيت الصيفي . سمعت صوت الآنسة كول ، وبدت لي فرصة حسنة حتى اتعرف على واحدة من الضيوف بصورة اقرب . كان عمرها ما بين الثلاثين والأربعين . قلت لها : يبدو الدكتور فرانكلين غير سعيد في حياته . فقالت بهدوء : بالطبع ليس هنيئا . لقد عُرض عليه الخريف الفائت أن يذهب إلى أفريقيا لمتابعة دراساته البحثية هناك ولم يفعل ؛ فقد احتّجت زوجته . لم تكن صحتها لتسمح لها باحتمال تقلبات الطقس هناك ، مع أنها تبدو قادرة على القيام بأي شيء ترغب فيه . فقلت لها : حدثيني عن السيد نورتون ؟ فقالت : إنه خجول جدا و لطيف إلى حد ما ، ولعله ثري بعض الشيء . وقد عاش مع أمه التي كانت امرأة غبية و نكدية وأظن أنها سيطرت عليه بشكل كبير ، ثم توفت قبل سنوات قليلة. يهتم بالطيور و النباتات .
 فقلت لها: وأنت حدثيني عنك ؟ فقالت : كول ليس هو إسمي... أعني أنه إسم والدتي . أما إسمي الحقيقي هو ليتسفيلد . كان أبي طاغية و مريض ومنعنا من ممارسة الحياة الاعتيادية . ثم أختي .. أنا أعرف أنها توجهت للشرطة وأنها سلمت ذاتها واعترفت ، ولكنني لا ازال غير قادرة على تصديق الأمر . ماغي ، لم يكن ذلك من شيمتها ، لم تكن... لم تكن ماغي ! فاهتزت الكلمات من بين شفتيّ ، ولكنني لم احكي اي شيء . 
لم يحن الوقت بعد الذي أخبرها فيه ذلك وأن أقول لها : أنتِ على حق ؛ لم تكن ماغي . كانت الساعة نحو السادسة عندما اتى الكولونيل لاتريل يسير عبر الممر .

 مشينا نحو البيت ، وكان نورتون وبويد يجلسان على الشرفة يتحدثان فانضممت أنا والكولونيل إليهما في نفس الوقت الذي جاءت الآنسة كول إلى البيت . وتناولنا المرطبات على حساب مالك البيت . حينها سمعنا صوت السيدة لاتريل تقول : كيف يمكننا أن نجعل هذا المكان يزدهر وينتعش وأنت تدعو الجميع إلى الشراب بدون اي مردود مالي ! فالمشروبات كلها يجب أن يُدفع ثمنها. أنت لا تملك عقلاً البتة . فجاء صوت الكولونيل لاتريل يقول : لقد تجاوزت كل حدودك يا ديزي ، وأنا لن أقبل بهذا . ثم ظهر الكولونيل وقال لنا: أنا اعتذر منكم جدا ايها الاصحاب ؛ يبدو أن العصير لا يتوفر لدينا في هذه اللحظات . حينها قال بويد إنه يرغب بالذهاب فهو بحاجة إلى الإستحمام . وبقينا أنا ولاتريل ونورتون نتكلم إلى أن رفرفت حمامة كبيرة فوق رؤوسنا ، فالتقط الكولونيل البندفية التي يملكها وصوبها على إحدى الأشجار بعد أن رأى أرنباً يقضم لحاء أشجار الفاكهة ، وأطلق الرصاص على الأرنب ، فانطلقت صرخة بصوت حاد فصرخ الكولونيل : يا إلهي ، ديزي ! انطلقنا نحو المرج. كانت ديزي بين الشجيرات وقد أصيب كتفها وكان الدم يتدفق منه . 

وصل الدكتور فرانكلين والممرضة كارفن ، و قاما سوية بنقلها إلى فراشها ، وقام فرانكلين بتضميد الجرح وأرسل في طلبِ دكتورها الخاص . دخلت الحجرة أنا والكولونيل لاتريل . بدت السيدة لاتريل (ديزي) شاحبة جدا و مريضة . قال لها السيد لاتريل : الحمد لله أنك بخير . قام الطباخ بتجهيز العشاء في الوقت المحدد . ولم يظهر السيد لاتريل ولكن السيدة فرانكلين بدت جميلة جدا في ثوبها الزهري ، ولأول مرة بدت بصحة حسنة ، ولاحظتُ أن فرانكلين كان مستغرقاً في التفكير . أما الأمر الذي ضايقني هو اختفاء أليرتون وجوديث في الحديقة معاً بعد العشاء . أمسكت بجوديث في اليوم الذي يليه وقلت لها : أين كنتِ مساء البارحة مع أليرتون ؟ فصاحت قائلة : لماذا يجب عليك باستمرار ان تسال هذه الاسئلة ؟ ماذا كنتُ أفعل ، أين ذهبتُ ، مع من كنتُ ... هذا لا يحتمل ! والدي ، لقد ذهبت إلى القرية حتى احصل على بعض الطوابع ، وأليرتون لم يكن بصحبتي . بالرغم من أنني كنت قلقاً على ابنتي بعض الشيء فإن اهتمامي كان موجهاً نحو السيد "س" واحتمال حدوث جريمة في أي دقيقة . 

 مرت الأيام التي تلت حادثة إطلاق الرصاص دون أي أحداث . ولكن يجب أن اقول اني شاهدت بعض امارات التضايق من ناحية السيدة فرانكلين لعدم كونها المريض الوحيد ، وبدا واضحاً أن القلق و الاهتمام اللذين تركزا على السيدة لاتريل لم يحققا الهناء للسيدة الصغيرة التي اعتادت أن تكون صحتها محور حديثنا اليومي . 
فقالت : كم أشعر بالخجل من صحتي البائسة ! أحيانا اتصور أن المرض جريمة ... فإن لم يكن المرء بصحة جيدة فهو لا يلائم هذا العالم ويجب أن يُدفن بهدوء . 
فقال بوارو : أنا مقعد وعاجز عن الحركة ، ولكنني لا أفكر بان اترك هذه الحياة بل أستمتع بما أقدر عليه . فقالت: اشعر بنفسي أني عبء على جون ، أعلم أنه سيكون حراً طليقاً من دوني . أحياناً أشعر بالإحباط والإكتئاب الشديد بحيث أفكر كم سيكون مريحاً أن ينتهي كل هذا ، وعندها سيكون جون طليقا . إني معجبة بزوجي يا سيد بوارو، و اعتقد انه امر رائع ان يكرس كل حيانه لعمله ، ولكنني أحس أحياناً بالغضب من ناحيته ، فهذه المادة المريعة التي يجري تجاربه عليها ... أخشى أن يبدأ التجربة بها على ذاته ذات يوم . 

اعتقد أن المحادثة التي جرت في صباح اليوم الذي يليه هي التي تركتني قلقاً ومضطرباً بشكل كبير . كنا أربعة : أنا وجوديث وبويد ونورتون . لا أعرف بالضبط كيف بدأ الموضوع ، ولكننا كنا نتحدث في امر القتل الرحيم رأفة بالمريض . اعترفتُ أني أشعر بنوع من النفور من هذا العمل ، وأيدني نورتون . بينما روى لنا بويد قصة حدثت عن رجل يعاني من ألم فظيع لايحتمل جراء مرض السرطان ، وتوسل إلى دكتوره الخاص أن يعطيه شيئاً ينهي هذا العذاب كله ، ولكن الطبيب لم يرضى بذلك . ولكنه ترك بالقرب من المريض بعض حبوب المورفين و قال له كم هي مقدار الجرعة التي ستكون خطيرة . إلا أن المريض فضل ان يعاني على أخذ الكمية القاتلة . 
فقالت جوديث : بالطبع سيفعل هذا لأنه شخص غير شجاع ، لا يمكن له اتخاذ قرار ، بل يجب أن يتخذ شخص ما غيره القرار نيابة عنه . 
فقال نورتون : لن تفعلي هذا إن كنت في موقف قريب من هذا الموقف . 
فقالت بإصرار : بل أستطيع ، أنا لا أعتبر الحياة بالأهمية التي تتصورنها انتم ، فالحياة السقيمة وغير المفيدة يجب إزالتها من الطريق .
 قال نورتون : كثير من الناس يوافقون معك كشيء نظري لكن التطبيق أمر مختلف . لا يملك اي انسان الجرأة على فعل هذا .
 قالت: أنت مخطيء يا نورتون ، أنا اتحلى بهذه الجرأة والشجاعة أكثر مما تعتقد . 
ثم نهضت من مكانها و لحقها بويد . 
حينها قال لي نورتون : لا أريد أن أتدخل ، ولكن ماذا تعلم عن أليرتون . قلت : أليرتون ؟ قال: نعم ، لو كنت مكانك لما سمحت لابنتي أن تخرج معه كثيرا . أليرتون يمتلك أسلوباً مميزا . أشعر أنه يجب عليّ أن اقول لك هذا . لا تسمح للأمر بالتطور ، إني أعرف شيئاً غير جيدا عن أليرتون .. وأخبرني نورتون عن قصة فتاة مستقلة عصرية استطاع أليرتون الإيقاع بها ، وانتهت الحكاية بان البنت قضت على حياتها بتناول جرعة كبيرة من حبوب الفيرونال المنومة . وكان الجزء المرعب أن الفتاة التي قضت على حياتها كانت من نفس نوعية جوديث ، من النوع المثقف المستقل . 

 ذهبت حينها إلى الغداء يراودني شعور غريب بأن مصيبة ستحدث . بعد الغداء أخذني بويد الى زاوية ، وقال بتردد : هل حذرت ابنتك ؟ أنت تعرف هذا الشاب أليرتون ، إن سمعته سيئة للغاية . فالتزمتُ الصمت ولم أتفوه باي كلمة . أخذت أذرع الحديقة جيئة وذهاباً وفي كل مرة قلقي يزداد شيئا فشيئا ، وقادتني قدماي إلى حديقة الأزهار ، فقد كانت جوديث جالسة وحدها على الكرسي ، ولم أرَ من قبل في حياتي كلها مثل هذا البؤس الظاهر على وجهها . فذهبت إليها وقلت لها : أنا اعرف ، أنت تهتمين بذلك الرجل ، ولكن هذا لن يفيد يا حبيبتي . فلتنسه يا جوديث . فقالت : لا. إنه بالنسبة لي يعني كل شيء في هذا العالم . هذا الأمر لا يخصك يا أبي فهذه حياتي الشخصية . ثم نهضت ودفعتني جانباً ، وبقيت مصدوما أحدق إليها بقلق . 

قدم إليَّ نورتون واليزابيث كول . وأخذاني معهما لنمشي معا . فعدت شيئاً فشيئاً إلى حالتي الاعتيادية . وبينما كان ينظر نورتون بمنظاره فجأة شحب وجهه . فأخذت منه المنظار ، و صوبته إلى البقعة التي كان ينظر إليها ولكنني لم أرَ اي شيء على الاطلاق ، مجرد ومضة من البياض تختفي بين الأشجار . بدا نورتون مرتبكا و قلقا ، وبقي صامتاً طول الطريق .

 بعد العشاء ذهبنا كلنا ل نتأمل السماء ، وتحدثنا عن الطقس و توقعنا ان عاصفة ممطرة رعدية في طريقها الينا ، ولاحظت بطرف عيني أن جوديث اختفت عن أنظاري ثم خرج اليرتون في الاتجاه ذاته بسرعة . مشيت وراءهما في نفس الإتجاه ، وحاول نورتون ان يوقفني ولكني لم أعره انتباهاً ، وكان لا يزال معي عندما توجهت نحو زاوية البيت . ولقد كانا هناك ، رأيت جوديث ورأيت أليرتون ينحني نحوها و يحتضنها بين ذراعيه .. ثم تباعدا بسرعة . فقال لي نورتون : أنا اعرف معنى شعور الانسان بالغضب ، ولكن كل ما يمكنك ان تفعله هو الإعتراف بالهزيمة . تقبلها يا صديقي . فقلت له : لا يهم ، أنا أرى الآن بأنه لا فائدة . لا يقدر الانسان التحكم في حياة اولاده ، لقد انتهيت من ذلك . وعدت الى المنزل . 

ذهبت إلى حجرتي والتقطت علبة الأسبرين ، ثم ذهبت إلى حجرة أليرتون ثم إلى حمامه . كانت الحبوب المنومة في الخزانة ... ثمان حبات منها يمكن أن تفي بالغرض . أخذت من العلبة ثمان حبات و تركت بدلاً منها ثمان حبات من الأسبرين التي كانت في ذات الحجم . رجعت الى الحجرة وأذبت بعض الحبوب في قليل من العصير . أعددت خطتي ؛ سأكون كمن يهم بالشرب عندما يخرج أليرتون ، وسوف امنحه الكاس وأصب لنفسي كأساً غيره . فلا يمكن أن يخرج الليلة إلى لندن مع جوديث فلقد سمعتهما يتفقان على ذلك . جلست أنتظر أليرتون لياتي حتى اعطيه كأس العصير بعفوية ، ولكني غفوت على الكرسي ! وعندما استيقظت كانت العصافير تزقزق في الخارج وقد أشرقت شمس اليوم التالي . كنت أحس بطعم شنيع في فمي ورأسي يكاد ينفجر من الالم ! وفي تلك الدقيقة وقعت عيناي على كأس الشراب مقابلي ، ففتحت الستائر وقذفت بمحتويات الكاس الى خارج الشباك . لا بد أنني كنت مخبولاً ومجنوناً في الليلة الفائتة ! 

ذهبت لبوارو و قلت له ما كان برأسي . فقال لي : يا إلهي ، أي فكرة سخيفة حماء تلك التي فكرت فيها ! أنا سعيد لأنك جئت واعترفت لي بخطئك . فقلت بارتياح : على أية حال لم ينجح هذا الموضوع . 
 نزلت إلى الإفطار وكانت جوديث هناك ، فبدا لي أنها قد غيرت كل خططها بشأن الذهاب إلى لندن ، وبدلا من ذلك ذهبت مع فرانكلين إلى المختبر . فغمرني احساس بالراحة الكبيرة . وعلمت أن أليرتون ذهب إلى إبسويش . لقد حافظ على خطته إذن ، ولا بد أنه يعتقد ان جوديث ستلحق به . فقلت بتجهم : سوف يخيب أمله ! وفي نحو الساعة الواحدة إلا ربع رجع فرانكلين وجوديث من الحديقة ، وبدت جوديث قلقة و شاحبة . وجلس فرانكلين معنا وكان الآخر متعبا و منهكا ، وبدا من مظهره أنه على حافة الإنهيار . ثم نزلت السيدة لاتريل (ديزي) و جلست معنا هي الاخرى وكانت في حالة نفسية ممتازة ، وقد مازحت زوجها ، وكان من الممتع ان اراهما وهما في علاقة حسنة .

 في المساء وأنا اصعد الدرج في طريقي لان ازور السيدة فرانكلين فكرت كم هي إنسانة متقلبة المزاج . كانت تلبس فستانا أزرق فاتح اللون . كنا جميعاً هناك ما عدا بوارو الذي ذهب الى حجرته وأليرتون الذي لم يعد بعد من إبسويش والكولونيل والسيدة لاتريل . ذهبنا إلى الشرفة ووقفنا نحدق إلى السماء لمشاهدة الشهب ثم عدنا الى الحجرة . قال جون فرانكلين : هذه ليلة جميلة ، و اعتقد أنني سأخرج لأتمشى قليلاً . ثم خرج ثم غادرت جوديث فجاة من الحجرة ، وخرجتُ خلفهما . قلت لجوديث : هل تأتين للتنزه . فقالت لي جوديث : ليس الان ، سأذهب إلى سريري . تصبح على خير . لم يعد أليرتون حتى ذلك الحين ، وبدا لي أن البيت اكثر طمئنياً وهناءا . عدت وصعدت إلى حجرة بوارو ووجدت جوديث تجلس عنده . طلبتْ مني أن أسامحها وقالت : لننس هذا الموضوع . ثم خرجتْ من الحجرة بهدوء .
 وفي هذه الليلة عانت السيدة فرانكلين بشدة من الوجع ، وأرسل في طلب طبيبين ولكن بلا اي جدوى ، فقد ماتت في صباح اليوم الذي يليه . ولم نعلم إلا بعد مرور أربع وعشرين ساعة أن الوفاة كان سببها التسمم بمادة الفايزوستغمين !! بعد مرور يومين على موت السيدة فرانكلين تبين من بعد التحقيقات أنها تناولت السم في الليلة الفائتة بين السابعة ومنتصف الليل . كان الدكتور فرانكلين قد أوضح أن إحدى الزجاجات التي فيها محلول مركز من شبه القلويات قد ملئت بالماء الطبيعي . وقال إن زوجته لم تكن من النوع الذي يمكن أن يقتل نفسه . وحينما سئلت الممرضة عن المرة الاخيرة التي رأت فيها السيدة فرانكلين قالت إنه في نحو الساعة العاشرة والنصف عندما اصطحبتها الى السرير ، وكانت قد تناولت الحليب الساخن وطلبت حبة أسبرين . بينما أكد السيد بوارو ، الشاهد الذي يحمل إسمه وزناً كبيراً، أنه قد رأى السيدة فرانكلين تخرج من المختبر وبيدها زجاجة صغيرة ، وقد فوجئت برؤيته . وكان الحكم أن السيدة فرانكلين قد انتحرت في لحظة جنون . 

 بعد نصف ساعة كنتُ في حجرة بوارو ، وقد بدا متعبا جدا . 
فسألته قائلاً : هل حقاً وبالفعل رأيت زجاجة في يد السيدة فرانكلين عندما خرجتْ من المعمل ؟ 
فقال بوارو: وهل تظن أنني سأكذب يا صاحبي ؟ ما قلته قلته وقُضي الأمر يا صديقي . السيدة فرانكلين قُتلت يا هيستنغز ، وإن جريمة أخرى سترتكب هنا ولم يكن من الممكن إيقافها لأن القاتل عديم الرحمة ومصمم على القتل . أنا وأنت سنستمر في العمل بكل سرية ، وسنقبض على هذا المجرم . 

جرت مراسيم الجنازة والدفن وحضرها جمع غفير من أهالي ستايلز . كانت صحة بوارو تضايفني وتزعجني ، فقال لي بوارو : لاتقلق يا صديقي لديَّ ادويتي و علاجي قريبين مني ، ولا شيء أكثر من هذا . إنّ هذا الآلة تهرم يا صاحبي , لا فائدة من الذهاب للدكتور , ستكون هذه آخر قضية لي يا هيستنغز ، وسوف تكون الأكثر إثارة أيضاً ، وسيكون المجرم الاكثر غموضا و اثارة لأن السيد "س" يمتلك أسلوباً رائعا و مميزا . لقد استطاع أن يهزمني أنا هيركيول بوارو ! لقد طور هجومه بشكل لا اقدر موازاته . 

وفي اليوم الذي يليه قال لي بوارو : لقد اقترحتَ عليّ أن أذهب لأرى الدكتور . موافق ، سأرى فرانكلين . وافق فرانكلين على فحص بوارو ، وعندما انتهى من الفحص قال فرانكلين : إن بوارو رجل مميز ، ولكن صحته ليست جيدة . بوارو على وشك ان يموت ، وقريباً جداً كما اعتقد . وهو يعرف هذا بشكل كبير . حينها نظرت إلى فرانكلين بكل تمعن . لقد لاحظت عليه تغيراً منذ وفاة زوجته ، فلم يبدِ أي مظهر من مظاهر الحزن المتوقعه ، بل كان مليئاً بالحيوية و الحياة .
 فقلت له : هل ستذهب إلى أفريقيا ؟ 
فقال: نعم ، يا لها من فرصة مميزة ! فقلت: بهذه السرعة ؟ فقال : أتعني بعد وفاة باربرا ؟ لم لا؟ لقد أحببتها وكانت فتاة فاتنة الجمال ، ولكني بعد سنة من الزواج لم أعد اعشقها كالسابق ، ولكني تعهدت إليها بأن أوفر لها حياة هنيئة ، ولو ذهبت إلى أفريقيا بوجودها لما تمكنت من توفير ذلك لها . لا اعلم بالضبط متى لاحظت أن شيئاً ما يشغل تفكير نورتون . فقال لي عندما سألته عن صحته : أتعلم أن المرء قد يشاهد – مصادفة- شيئاً معيناً ليس من المفترض أن يشاهده ، وهو الشيء نفسه الذي لا تقدر ان تستخدمه لصالحك ، ومع ذلك فقد يكون كبير الاهمية . حينها تذكرت يوم كان نورتون يراقب شيئاً بمنظاره ، وتذكرت مدى ارتباكه و انزعاجه وقتها . فقلت له : هل كان شيئاً رأيته بمنظارك ؟ فقال : كيف تكهنت ب ذلك ؟ فقلت: ماذا رأيت ؟ فقال : هذه هي مسالتي . رأيت شيئاً لم يكن من المفترض أن اشاهده . فقلت له : لماذا لا تستشير بوارو فيما شاهدته ؟ فقال: هذا صحيح . أتعلم بالتاكيد سأفعل ذلك ! 

قابلت بويد كارنغتون مصادفة فقال لي : هذه اخر ليلة لي هنا ، سأغادر غداً إلى ناتون . لا اقدر ان اتواجد هنا أتعلم يا هيستنغز . إن فرانكلين هو المسؤول عن موت باربرا ، فقد كان يزعجها ، هذا ما أخبرتني به الممرضة كارفن ، فهي فتاة قوية الملاحظة و ذكية ، ولكنها ستغادر غداً إلى مريضها الجديد . اظن أنني لم أفكر للحظة بأن بوارو يمكن أن لا ينجح ، وفي الصراع بين بوارو والسيد "س" لم يخطر في راسي على الاطلاق أن "س" سيكون المنتصر .
 قال لي بوارو : إن سقط المدير فإن نائبه يأخذ مكانه . ولقد حسبت حساب ذلك . إذا جرى لي أي شيء فستجد هنا جميع البراهين التي تحتاج إليها . قالها وهو يربت على حقيبته ، ثم قال : الأدلة التي هنا لا تعني للمجرم شيئا ، ولكنها ستقودك إلى الكشف عن الحقيقة . وقد تتمنى لو لم تقدك إلى هذا الحد ، وربما تمنيت أن تقول : أسدِل الستارة . 

في نحو التاسعة والنصف مساءاً صرح نورتون عن نيته زيارة بوارو. وصعدت مع نورتون حيث كان بوارو في انتظارنا ، وبعد أن تبادلنا بضع كلمات رجعت الى حجرة الجلوس حيث بدأنا لعب الورق . ذهبت إلى السرير في نحو الحادية عشرة إلا الربع . ولم أذهب لمقابلة بوارو . وكنت على وشك ان انام حين رأيت نورتون يخرج من الحمام ذاهبا الى حجرته ويغلق الباب . حينها رجعت الى السرير وفكرت لماذ يقفل نورتون الباب في أثناء الليل ؟ وتذكرت - ببعض الارتباك - كيف اختفى مفتاح حجرة بوارو بطريقة غامضة . فاستلقيتُ على سريري وقلقي يزداد .

 وفي الصباح ذهبت إلى بوارو فقال لي : لقد انتهت هذه المسالة . فقط يجب إنهاء بعض المواضيع السطحية . إذهب لتناول فطورك يا صاحبي وابعث لي خادمي كيرتس . ففعلت ما طلبه مني . لم يكن نورتون متواجدا على مائدة الإفطار . ذهبت أنا وبويد إلى حجرة نورتون لنوقظه . 
طرقت الباب مرات كثيرة ، ولكن لا يبدو أنه قد سمع طرقي ، وقد كان بابه مغلقا . أشارت علينا السيدة لاتريل بفتح الباب بأي طريقة كانت . فكسرنا الباب ، وكان خلف الباب المغلق : موت عنيف ! كان نورتون مُلقىً على فراشه بردائه المسائي ، وقد كان مفتاح الباب في جيبه ، وكان في يده سلاح صغير، ورأينا ثقباً في منتصف راسه . انطلقتُ إلى حجرة بوارو و قلت له ما حدث وقلت : يقولون إنه انتحر . ولكني رأيته يدخل الليلة الفائتة الى حجرته ويقفل الباب عليه .
 فقال بوارو : أمتاكد أنه كان نورتون ؟ 
فقلت : استطعت ان اتعرف عليه من ملابسه ولكني لم أر وجهه . أنت لا تصدق أنه قد قتل ذاته ؟ فقال بوارو : نعم ، لم يطلق نورتون النار على ذاته . لقد قُتل عمداً ! ثم قال بوارو بينما كنت اترك الحجرة : صديقي العزيز !!! كانت هذه آخر كلمات سمعته يقولها ، فعندما جاء خادمه كيرتس ليهتم بسيده وجد ذلك السيد متوفيا !! 

لقد توفي هيركيول بوارو ، و بوفاته ذهب جزء كبير من آرثر هيستنغز . سأعطيكم جميع الحقائق المجردة دون رتوش .
 لقد توفي بوارو – كما زعموا- نتيجة لأسباب عادية لنوبة قلبية كما توقع الدكتور فرانكلين . وأنا لا اقدر ان اصدق أن موت بوارو كان عاديا وأعتقد أنه قُتل . جرى تحقيق لموت نورتون وكان الحكم أنه قد انتحر وانتهى الموضوع . وهكذا جريمة أخرى نفذت بمهارة كبيرة و حذق ، وكالعادة دون احتمالات أخرى للشكوك .

 كسب السيد "س" الجولة ، وقد بقي الموضوع لي لحل اللغز . وبصفتي منفذاً لوصية بوارو فقد ذهبت إلى حجرته وأخذت حقيبة الوثائق وفتحتها . وكانت المفاجأة والدهشة ، فقد اختفت منها ملفات السيد "س" . لقد كنت قد شاهدتها قبل يوم أو يومين فقط . كان في الحقيبة رواية شكسبير "عطيل" ونسخة من مسرحية "جون فيرغوسون" للكاتب سينت جون إرفن ، وكانت فيها اشارة عند الفصل الثالث . وقرأت الفصل الثالث من المسرحية . وحينما كنت أقلب الصفحات وقعت مني قصاصة ورق كتب بوارو فيها : كلّم خادمي جورج . انتهت طقوس الجنازة . وجلست مع جوديث و حاولت ان اضع خطط للمستقبل حين قالت لي : لن أكون هنا يا والدي العزيز . سأذهب إلى أفريقيا مع الدكتور فرانكلين . وتملكني غضب كبير ، فقد كان ذلك لا يحتمل ! ثم قالت لي : لن أذهب كمعاونة له ، بل سأذهب معه زوجة . فانصدمت وقلت لها : وماذا عن أليرتون ؟ فقالت : لم يكن بيننا شيء على الاطلاق ، وبصراحة كنت ارغب في أن تفكر بأن بيننا شيئاً ولم أحب أن تعلم أنه جون . فقلت لها : ولكني رأيته يحتضنك في إحدى الليالي . فقالت : كنت بائسة ذلك المساء ، وكما تعلم فهذه الأشياء يمكن أن تجري بالطبع . فجأة خطرت ببالي فكرة جديدة : هل كانت حكاية "س" كلها ملفقة ؟ هل جاء بوارو إلى ستايلز لأنه خاف من ماساة في بيت عائلة فرانكلين ؟ وهل كانت ابنتي جوديث هي سبب هذه المأساة ؟ أكتب هذه الكلمات وأنا في ايستبورن حيث جئت لاقابل جورج خادم بوارو القديم . قلت له : هل ترك لي بوارو رسالة لى معك ؟ 
فقال على الفور : لا يا سيدي . فقلت له : لماذا استغنى السيد بوارو عنك ؟ 
فقال : أنا لم اكن اريد ان اتركه يا سيدي ، ولكنه أصر على ان اذهب .
 فقلت : استغنى عن خدماتك ؟ 
قال : لا أعني أنه صرفني من من خدمته ، بل كان الإتفاق على أن أعود إلى خدمته في وقت لاحق . فقلت: ولكن لماذا ؟ 
فقال : اقدر فقط أن أقترح أنه تخلص مني لأنه رغب في أن يوظف الخادم الجديد كيرتس . 
فقلت: لماذا رغب في أن يعمل كيرتس لديه ؟ 
فقال : لا اقدر ان اقول ذلك حقا . لقد كان كيرتس معاونا في بيت للمعاقين عقلياً في وقت من الأوقات على ما اعتقد . فحدقت إلى جورج وقلت : كيرتس !! ... لقد كان بوارو راضياً أن أتفحص جميع ضيوف ستايلز باحثاً عن "س" الغامض، ولكن "س" لم يكن ضيفاً... كان كيرتس ! 
 ملاحظة من آرثر هيستنغز .. وصلتني هذه المخطوطة بعد أربعة أشهر من موت بوارو ، فقد استلمت رسالة من واحدة من المؤسسات القانونية تطلب مني زيارة مكتبها ، وفي المكتب وبناء على اوامر عميلها السيد بوارو سُلمتُ طرداً مقفلا ، وسأعيد نسخ محتوياته هنا .. مخطوطة بقلم هيركيول بوارو .. صاحبي العزيز ، سيكون قد مضى على وفاتي أربعة أشهر عندما تقرأ هذه الكلمات ، لقد قررت أنه من المهم جدا أن يعلم أحدهم حقيقة الجريمة الثانية في "ستايلز". في البداية بعثت مكتوبا لاطلبك وأخبرتك أنني بحاجة إليك ، ورفضت أن اقول لك هوية و شخصية "س" المجهول . قلت لك عندما أخبرتك عن القضايا الخمسة أن "س" إما كان موجوداً أو ذا علاقة قوية بالقضية ، وقد توصلتَ أنت حينها إلى استنتاج هو خاطئ و صحيح بشكل متناقض ، حيث قلت أن "س" هو من ارتكب الجرائم كلها . لقد تركت لك مسرحية عطيل . 
في هذه المسرحية وبتصوير جميل نرى "س" الأصلي، إياغو، في هيئة مجرم مثالي. ففي المسرحية، كل الجرائم كانت من يد اياغو ، ولكنه بقي بعيدا كل البعد عن الشبهات . نعم ، هذا هو الكمال في فن الجريمة ، فهو لم يقترف الجريمة بشكل مباشر بل يحول بين الاخرين مثيراً الشكوك حول أمور لم يكن ليفكر بها أحد لو لم يقولها هو بذاته . وتلاحظ الأسلوب ذاته في الفصل الثالث الرائع من مسرحية جون فيرغوسن ، حيث أقنع كلوتي جون الآخرين بقتل الرجل الذي كان هو لا يحبه و يمقته ... إنه مثال رائع على الإيحاء النفسي .

 يجب عليك أن تعلم يا هيستنغز أن كل شخص مجرم محتمل ، فأحياناً تستيقظ في المرء الرغبة للقتل ، ولكن ليس إرادة القتل . فنحن كلنا مجرمون محتملون . وكان هذا هو فن السيد "س"؛ فهو لا يقترح هذه الرغبة ولكنه يهدم جانب الإستقامة الذي يعارض القتل . قلت لك يا هيستنغز أنني كنت في "ستايلز" لأن هناك جريمة سيتم اقترافها . ودُهشت أنتَ بسبب تأكدي من هذه النقطة ، ولكنني كنتُ واثقاً لأنني أنا الذي سيقترف هذه الجريمة ! نعم يا صاحبي ، أنا الذي أرفض القتل ، أنا الذي أقدس الحياة البشرية ، أنهيت سيرتي المهنية باقتراف جريمة ! لقد كنت واثقاً من استقامتي بحيث تعرضتُ إلى هذه القضية ، لأن للقضية جانبين كما ترى : أحدهما أن عملي في هذه الحياة هو منع الجريمة و انقاذ الأبرياء ، وهذه هي الطريقة الوحيدة لعمل ذلك . الأمر صريح ، فلم يكن باستطاعة القانون ان يقبض على "س"، لقد كان آمناً ، ومهما بلغت قدرتي و ذكائي فلم أكن لأستطيع أن أغلبه إلا بهذه الطريقة . كان شكك الأول يا صديقي في نورتون، وقد كنت على حق ؛ كان نورتون هو الرجل . فقد كان الإبن الوحيد لامرأة مسيطرة قوية ، وكان يكره العنف و الدم ، وقد كان يعاني نتيجة ذلك . فقرر أن يصلح هذا الحال بأن يصبح قاسيا جريئا . أظن أنه اكتشف مبكراً استطاعته على التأثير في الناس ؛ فلقد كان مستمعاً ممتازا . كان الناس يحبونه ولكن لم يكن يعطونه الكثير من الإهتمام ، وقد ساءه هذا بشكل كبير . 

ها هو يستطيع دفع الناس إلى فعل اشياء لا يريدون عملها أو يعتقدون أنهم لا يريدون عملها . نورتون، ذلك الرجل المحب الرفيق ، كان سادياً في الحقيقة ! كان مدمناً على الألم والتعذيب العقلي. لقد علم إثرنغتون وأمضى صيفاً في البلدة حيث كان يحيا ريغز . وفي إحدى رحلاته تقابل مع فريدا كلاي واستغل أفكارها الباطنية بأن موت خالتها سيكون أمراً رائعا و سيعطي الراحة لخالتها ، كما أنه سيوفر نوعاً من المتعة و الراحة المادية لها . وكان صاحبا لاسرة ليتسفيلد ، وبعد أن تحدث إلى مارغريت صورها بأنها ستكون البطلة التي ستنقذ اخواتها من سجنهن الأبدي ، ولا اتصور أن أياً من هؤلاء الناس كان سيقترف جريمة لولا تاثير نورتون . أما في "ستايلز"، فلقد تتبعت نورتون ، و عرفت كما عرف هو أن فرانكلين يحب جوديث وجوديث تحب فرانكلين . نورتون لعب بكل حدة و ذكاء فأخذ يقول لها إنها لن تملك الجرأة لاقتراف أي عمل حازم لأن الشباب يقولون دائماً لكنهم لا يعملون . ونجح في تحديها . وكان له يد في إصابة السيدة لاتريل . وحاول الإيقاع بك ، فصدقت بكل سهولة أن أليرتون كان يتكلم مع جوديث  حول السفر إلى لندن ، ولكنك لم ترها فقط سمعتها تتحدث ، ولم تكن تلك ابنتك التى تتكلم بل كانت الممرضة كارفن . وقد فرحت جداً لأنها غيرت رأيها ! فليس أليرتون الذي يكتفي بان يلاحق فتاة واحدة ، وعلاقته بالممرضة كارفن كانت تتقدم بشكل أكثر من مجرد الغزل الذي كان يفعله مع جوديث .
 والآن لا بد أنك تتساءل لماذا أرسلت جورج الى مكان بعيد ؟ لقد صنعت هذا لأني أردت ان استبدله برجل أقل خبرة و ذكاء . لم أكن لأنجح في إقناع جورج بأنني فقدت القوة فجاة في جميع أعضائي . جورج في منتهى الذكاء فيما يتعلق بما يشاهده ، وهو كان سيدرك أنني كنت أتظاهر . لقد كنت امثل اني عاجز ولم أكن عاجزاً على الإطلاق . 

أما من قتل باربرا فرانكلين فقد كنت أنت يا هيستنغز! اجل ، لقد فعلت ذلك ! فعندما صعدتم إلى حجرتها وأخذت تعد القهوة . كانتْ تريد أن تقتل زوجها جون بسبب كرهها له . وقد كان فنجانها بجانبها وفنجان زوجها في الجهة الثانية وعندما خرجتم إلى الشرفة لرؤية الشهب فقد دوّرتَ دون اي قصد الطاولة واستبدل فنجانها بفنجان زوجها ، فشربت السيدة فرانكلين فنجان زوجها الذي فيه السم فتسممتْ وماتت . ولكن شخصاً واحداً لم يعجبه الحكم بأنها ماتت كانها قتلت نفسها ، وهو نورتون . فأخذ ينشر التلميحات عن الصلة بين بين جوديث وفرانكلين . وكان سعيداً وهو يحكي لي حكايته الملفقة أنه رأى جوديث وفرانكلين سوية ، ولكنني قلت له بكل وضوح بكل ما أعرفه عنه . ولم ينكر ذلك ؛ وابتسم ابتسامة رضا ! وضعت له المنوم في الشراب ، ولما نام أخذته بواسطة الكرسي المتحرك إلى حجرته ، وأطلقت عليه النار، وأغلقت الباب من الخارج بمفتاح شبيه . 

الآن أنا متعب بشكل كبير والجهد الذي عانيته أثّر فيَّ بشكل كبير . كان السيد "س" هو نورتون وأنا من قتلت نورتون . الآن لقد أنقذت حياة كثير من الناس حينما قتلت نورتون . ولا أعلم إن كان الذي فعلته جيد ام سيء ، وقد يكون خيراً لي أن لا أعرف . وداعاً يا عزيزي . لقد أبعدتُ زجاجة علاجي عن جانب فراشي ؛ فأنا أفضل أن أترك ذاتي تحت رحمة الخالق ، وأرجو أن يأتي عقابه أو أن تأتي رحمته بشكل سريع . لقد كانت أياماً طيبة يا صديقي .. انتهت مخطوطة هيركيول بوارو. 


ملاحظة نهائية بقلم الكابتن آرثر هيستنغز ... لقد انتهيتُ من القراءة ، وأكاد لا اقدر ان اصدق الموضوع حتى الآن ! ولكنه على حق ؛ كان عليّ أن أعرف , كان عليَّ أن أعرف عندما شاهدت ثقب الرصاصة في منتصف جيبن نورتون بالضبط ! .. 


                              النهاية



إرسال تعليق