الأربعاء، 7 فبراير 2018







تلخيص رواية
 السجينة.مليكة أوفقير.مشيل فيتوسي
 إعداد وإشراف - رجاء حمدان 

 والدتي العزيزة: تتناهى إلى مسامعي اصوات الموسيقى التي تعلن مجيء المدعوين ، أتقلب في سريري ذات اليسار و ذات اليمين، عبثا أحاول أستدرج النوم إلى عيني. 

يدوي صدى الضحكات و الكلام في أنحاء البيت و أرجائه، ويصل إلى حجرتي فينبه حواسي، ويحرضني على ترك سريري. أتسلل آليا الى ناحية الباب، اقعد القرفصاء على الأرض المغطاة بسجادة سميكة، لأسترق البصر من شق الباب إلى الحضور الذين يقعدون في قاعة الاستقبال.فجأة تقع عيني على احلاهم ، إنها ترتدي ثوب أبيض طويل ذا فتحة كبيرة تظهر محاسن جيدها وصدرها أتابعها ببصري، وقلبي يخفف بين اضلاعي من شدة الفرح. انها تتجول بين المدعوين ترحب بهم ،وتتبادل معهم ألاحاديث مع بعض الضحكات.بعد ذلك تسأذنهم وتتوجه نحو حلبة الرقص...تغني و ترقص ... وتصفق بكل حيوية و نشاط وحماس حتما ستستمر السهرة كالعادة حتى مطلع الفجر.تتعبني كثرة التطلع و النظر فأعود للاستلقاء على فراشي منهكة القوى.حزينة لأن والدتي منشغلة عني بهذه الحفلة، فيما انى أريدها أن تظل بقربي وأن أشعر دفئها وأتحسس بشرتها الناعمه المخملية إنها أروع أم، وأجمل امرأة، ما أجملها ! بثوبها الأبيض .ما من مرأة تضاهيها اناقة و جمالا. 

إنها أمي الحبيبة التي سأحرم من حنانها وعطفها. سأنشأ بعيد عن حضنها أي مصير أقسى من مصيري هذا الذي ساراه !ليس التشابه الجلي في الشكل هو مايجمعني بأمي، بل أيضا التماثل الكبير في القدر و النصيب.عندما كانت أمي الحزينة في الرابعة من عمرها لفظت والدتها انفاسها وهي تضع ابنها الذي لم يرى النور. أما أنا فقد انتزعت من بين يديها وأنا في الخامسة عندما قرر محمد الخامس أن يتبناني.كانت طفولتنا الاولى نحن الاثنتين خالية من عطف الأمومة. 

 عندما ماتت أمها في بداية الحرب ، تلقى والدها عبد القادر الشنا أمرا بالالتحاق بكتيبة المرابطة في سوريا لانه كان ضابطا في المعسكرات الفرنسي. وحيث إنه من غير الممكن اصطحابها هي وأخيها.اضطر إلى هجرهما في مدينة مكناس في مدرسة داخلية تراسها راهبات فرنسيات ،ولكن الاحزان و الهموم أبت أن تترك تلك الطفلة الطرية العود ترتاح ولو قليلا. فبدون سابق إنذار توفي أخوها أختناقا ،وهو كان كل ما ظل لها من عائلتها تشد به أزرها وأضحت أمي لوحدها 

 كانت حياتها مثخنة بالالام. فلا عجب بعد ذلك أن تغرق أمي في الصلاة و العبادة، والتضرع والابتهال للسيدة العذراء وولدها المسيح.لقد رجتهما بكل الم أن يعيد إليها والدها كى يصطحبها مجددا إلى البيت..تحققت أمنية أمي ، وعاد الأب بعد غيبة كبيرة ليعيدها إلى البيت الذي سبقتها إليه عروسه الثانية . فهي لا تحتمل أن تشاركها في حب والدها امرأة غريبة أخرى تكبرها بعدة أعوام فقط. وزاد الأمر صعوبة بعد ولادة أختها فوزية ومن ثم أخيها عز الدين. 

 فقد كانت الغيرة تقتل صدرها إلى حد صارت معه الإقامة في البيت جحيما لايطاق.لقد كانت تفتقد لأي يد عطوفة تحنو عليها، وتبدد وحشتها كانت أمي ومعها الشاب هما كل ماتبقى من اسرة امها لذا آلت إليهما كل ثروة الاسرة : حقول قمح ، وذهب مكدس منذ اعوام.وكما تقتضي العادات المغربية اخذ عمها حصة الأسد، ومع هذا بقى لها هي الأخرى حصة كبيرة جدا .فقد حازت بعدة مبان، وحي كبير في مدينة سلا. تولى جدي إدارة ثروة أمي ريثما تكبر وتبلغ سن البلوغ، ولكنه كان للأسف مديرا سيئا، فقد أهدر أكثر مما زاد على رأس المال، ومع هذا فإن ما اخذته عندما بلغت السن القانونية كان مبلغا معتبرا كبيرا. 

 في سن الثانية عشرة، تفتحت أمي كوردة بيضاء. كانت فاتنة الجمال مما خلاها تأسر القلوب وتشد الأنظار إليها، بل لقد نالت اهتمام الضباط الذين يجيئون لزيارتهم. لكن كل ما كانت تصبو إليه هو الزواج وبناء اسرة تعوضها الشقاء الذي تحياه ببيت أبيها. في أحد الأيام التقى أبوها في قاعة طعام بصديق منذ زمن يعرفه منذ زمن بعيد، كان ضابط يحارب في الهند الصينه، وعاد لتوه من هناك محملا بميداليات و اوسمة رفيعة، وقد ذاع صيته بالذكاء و القوة على جبهات القتال. لذا كان جدي يكن له التقدير و الاحترام. 

دعاه لتناول الغذاء في بيته فوافق بلا تردد. أثناء تناول الاكل كانت أمي تختبئ وراء الستائر وتتابع بعيونها التي تنضج شقاوة ما يدور في الحجرة من مباحثات و كلام.لم يطل الوقت حتى تنبه الضيف بذكاءه إلى فعلتها وإلى مكان اختبائها. لكنه لم ينبس بكلمة أمام جدي. كان لايزال مصدوما وتحت التأثير الذي الم به جراء التقاء عينه بعينها. لقد وقع هذا الضابط المحنك المخضرم والمتمرس أسير ، الحب 

كان يكفيه نظرة واحدة منها حتى يقع سريعا في حبها. أما هي فقد أعماها سحره و وقاره وهو في بذلته العسكرية البيضاء. 

 ولأنه لا يحتمل الانتظار وقتا طويلا،عاد إلى بيت جدي بعد عدة أيام فقط وطلب منها الزواج، وهو يكبرها بعشرين سنة ! ذهل جدي من شدة الصدمة إنها مازالت صغيرة! كيف يمكن تزويجها وهي بعد في سن الخامسة عشرة ؟ .

أصرت أمي على الموافقة فقد كانت تريد أن تترك البيت بأي ثمن. إنها فرصة العمر لتهرب مما تتخبط فيه، وأمام اصرارها ...لم يكن أمام جدي إلا الموافقة على الزواج.

 ينحدر محمد أوفقير من بربرا أعالي الأطلس المغربي . وقد ترعرع في عين شعير المتواجدة في منطقه تلافيلات.أما كلمة "أوفقير"فتعني بالعامية المغربية الفقير،وقد انعرفت عائلته باسم أوفقير لأنها كانت تعكف على المحتاجين و الفقراء وكانت تجهز المآذب للسائلين، وما كان أكثرهم في تلك المناطق الصحراوية القاحلة. 

 عندما التقى محمد والدتي كان برتبة مساعد للجنرال دوفال رئيس القوات الفرنسية في المغرب.كان والدي يتبع نمط قاسيا! من موقع إلى اخر ومن معسكر إلى ثاني.لم يعرف طعم الرخاء و الاستقرار أبدا منذ كان صغيرا. لم يكتشف مدى توقه الدفين للاستقرار إلا عندما رات عيناه فاطمة التي تمكنت ببراءتها ورقتها أن تنسيه كل اتعابه و همه وتعوضه يتمه وحرمانه. 

 تزوج محمد أوفقير وفاطمة الشنا في ٢٩ حزيران/ يونيو ١٩٥٢ .وأقامت يومها في بيت بسيط ومتواضعا قياسا إلى مركزه الإجتماعي المرموق ورتبته العسكرية. تعلمت والدتي من والدي أشياء لا تعد ولاتحصى. كانت صغيرة السن لا تجارب لها بأداب السلوك ولا بالصلات الاجتماعية. بسرعة كبيرة أتقنت دورها الجديد،واصبح مركز الضابط مفصلا على قياسها وعلى احسن ما يمكن ، كان الزوجان في قمة الهناء .اكتملت فرحتهما عندما أكتشفت والدتي أنها حامل. وهي التي تحلم أن تكون أما لثمانية اولاد.

ولدتني أمي في ٢/ نيسان أبريل ١٩٥٣ في دار توليد ترأسها راهبات. استقبل والدي خروجي للنور بحفاوة كبيرة . كان فخور بي كثيرا، لم يزعجه أن يكون مولوده الأولى بنت.كان يرغب مثل والدتي بتأسيس عائلة، ولكنه لم يكن على اتفاق معها نحو العدد. بالنسبة له ثلاثة اولاد عدد كاف ووافي بخلاف ما ترغب به زوجته. 

بعد مضي العامين على ولادتي كرت السبحة، جاءت مريم، وبعد ثلاث اعوام تلاها أخي رؤوف ، ولي العهد ، ولأنه أول ولد حظي يومها بحفل مهيب أقيم في الساحة. ذكريات طفولتي البكارة تفيض بالفرح والسعادة لقد أحاطني والداي بهالة من الحب والرعاية.وكان بيتنا مفعم بالطمأنينة والسكينة وينعم بالأمن و الاستقرار . كنت متعلقة بأمي ، ولا أحتمل ان تغيب لحظة واحدة عن عيني ، كنت دائما أتمسك بذيل فستانها و أتبعها كظلها. كانت تمسكني وهى فى قمة السعاده و تاخذني معها أينما ذهبت.كانت من محبي السينما وكان يصل بها الموضوع أن تذهب لحضور الأفلام عدة مرات في اليوم وأنا بصحبتها. اذا لا عجب أن اصير فيما بعد من عشاق الفن السابع. 


 وكأي طفلة مدللة كنت ارتدي كأميرة، من أفخر الثياب المنتقاة من أفخم المحلات والماركات العالمية مثل "بون جنيي" في جنيف و"لاشاتلين" في فرنسا كنت محط أنظار والداي و محور أهتمامها ورعايتها كاللعبة بين أيديهما.كانت أمي تحب التبذير و البذخ، بعكس أبي الذي كان يحبذ سياسية الاعتدال في الاسراف فما كانت لتتورع عن بيع مبنى لتشتري بحقه مجموعة من أزياء سان لوران او ديور المصممين المفضلين لديها. 

 انتقلنا إلى مدينة الرباط و وقطنا في فيلا شارع الأمارات. كانت الفيلا محاطة بحديقة جميلة مزروعة بأشجار البرتقال والمندرين والحامض كنت ألعب هناك مع ليلى إحدى قريباتنا التي تبنتها والدتي مؤخرا. 

كانت تربط عائلتي بالعائلة المالكة عرى صداقة قوية وكانا ابواي هما الوحيدين المسموح لهما بان يدخلوا الى القصر الملكي والتجوال فيه بحرية مطلقة وبدون استئذان حيث نجح أبي بان يفوز بثقة محمد الخامس الكاملة،لاسيما أنه كان قائد الحرس الملكي. 

أقام محمد الخامس احتفالا ضخما بمناسبة مرور٢٥ عاما على توليه الحكم دعا إليه مساعديه العامين بالحرس الملكي مع زوجاتهم.فكانت مناسبه للالتقاء بوالدتي من جديد. كان احتفاء الملك بها حارا جدا. من جهة ثانيه كانت والدتي صديقة حميمة لزوجتي الملك اللتين كان تستودعانها خفاياهما، ولاتتركان يوما ينقضي دون أن ترسلا لها طلبا لان تاتي بغية رؤيتها ومجالستها ، كانت الزوجتان الملكتان لا تتركان الحريم الملكي.لذلك كانت والدتي تشتري لهما ماتريدان من حوائج وملابس وأدوات تجميل ، لقد كانت هي العلاقة بينهما وبين العالم الخارجي.كانتا الملكتين مختلفتين إلى حد التناقض. واحدة منهن تدعى لاعبلة الملقبة بملكة الأم . أم سيدي لأنها ولدت ولي العهد مولاي الحسن الثاني والثانية اسمها لابهية وهي إمرأة ذات جمال فتان وطبيعة نزقه. كما إنها أم الطفلة المفضلة لدى الملك. الأميرة الصغيرة أمينة التي انجبت في دمشقر في المنفى مدغشقر. 

 كانت لاعبلة إمرأة ذكية وعلى علم ودراية بكل ما يدور من دسائس و مخططات في القصر.فهي تجيد بمهارة فن الدبلوماسية.أما للابهية فلم تكن تهتم بأخبار المجتمع التي تعتبرها سخيفة ولاتعنيها. 

كان مولاي الحسن الثاني الذي يلقبونه أيضا"سمية السيدي "يقيم في بيت مجاور لنا.لذلك غالبا ما يأتي لزيارتنا. كذلك الأمر بالنسبة لشقيقاته الأميرات وأخيه الأمير مولاي عبدالله. كان يطلب مني في كل مرة أن احييهم بمنتهى التهذيب والاحترام.عندما دخلت الى القصر الملكي للمرة الاولى كان لي من العمر خمس اعوام .اصطحبتني أمي معها بعد ان طلبت منها ذلك الملكتين وحاشيتهما، فقد أردن ملاقاتي والتعرف علي لهذه الغاية فدعينا أنا ووالدتي لتناول طعام الغذاء على الطاولة الملكية.عندما وصلنا أدخلنا على الفور إلى قاعة الطعام الخاصة بالملك.كان الموقع يغص بسكان القصر وضيوفهم والذى يظهر كلوحة فنية تداخل فيها الاشكال و الالوان. القاعة فسيحه رائعة لم أرى بمثل اتساعها من قبل تزينها ، نوافذ في غاية الجمال والفخامه و الحيطان مغطاة بأروع الفيسفساء. أما العرش الملكي الذي يبعث الخوف بالاوصال فكان يتمركز في أقصى القاعه فوقه منصه عالية عن الأرض. المائدة الخاصة بالملك معدة بالطريقة المغربية. الملكة الأم تترأس الطاولة الأقرب إلى الملك و حولها وصيافتها وهن في غاية الزينة و الاناقة .أمام جمع كهذا لم يكن بوسعي الاالتمسك بثوب أمي كى أداري خجلي. وفجأة..واذا بجلبة من الفرح و البهجة واهتمام واضح وتقف الفتيات على مايبدوا لاستقبال شخص ما، لم أتمكن من مشاهدته من المكان الذي أقف فيه.وبعد ما هدأ الكل وعادوا إلى أماكنهم أتضحت أمامي الرؤية ترى من هي هذه الطفلة الصغيرة التي استقبلت ب كل هذه الحفاوة والتكريم؟! 

يفرحني أن ألتقي ببنت من عمري. ولكن من هي؟! اقتربوا عندي وإذا بهم يجرونني إلى حيث تقف البنت قائلين لي:مليكة، هذه الأميرة الصغيرة ، للامنيا.مدللة الملك وزوجته لابهية.ودون أن اتكلم أي كلمة تعانقنا بخجل و ارتباك. ماعلمته لاحقا أن اسمها أمينه ولكنهم يدعوها للتحبيب للامنيا. 

من جديد تعلو الحياة و النشاط،إنه الملك محمد الخامس الذي يصل فجاة ، قدم الجميع التحية للملك، أعطى الملك الإذن ببدء الاكل فأخذ الجميع أماكنهم حول الموائد. وجلس الملك بمفرده على طاولته المولكية . ثم بدا العبيد في تقديم الوجبة الكبيرة بكل مالذا وطاب.ما إن تناولنا قليلا من الاكل حتى انسحبت للعب بصحبة للامنيا.في البداية كنا على توافق تام لا شئ يعكر صفونا.لكن للاسف لم يديم الانسجام طويلا لأنني سرعان ما اخذت عضة في يدي من للامنيا دفعتها على اثرها بعنف عني وركضت كالمجنونة أبحث عن والدتي وأنا أنشج بكاءاً. أحرج الأمر أمي، فأمرتني أن اسكت ، وأن أكف عن الصراخ بسرعة .لم يسبق لأمي أن تعاملت معي بقسوة، ردة فعلتها هذه أثارت حنقي و غضبي، فهجمت على للامنيا للأنتقم لذاتي فرددت لها العضة على وجهها.فصرخت بشكل عنيف، وارتمت أرضا تتلوى مما جعل الجميع يهرعون، ويقفون لمعرفة ما جرى لها، والاطمئنان عليها ، نظرات الشرر كانت متجهة إلي من الكل لاريب أنهم سينهالون علي بالضرب لاجل عيني للامينيا . ارتعدت حواسي مما يحصل حولي، اندفعت أختبئ بين أذرع والدتي. أقترب الملك، أخذني بين يديه ، وطلب مني أن أبرر له ما فعلته قلت له وأنا انتحب: شتمت أبي فشتمت أباها،وعضتني في يدي فعضضت وجهها. 

  استهجنت الحاشية قلة ادبي ووقاحتي، غيرذلك آثار الملك الذي ظهر مستمتعا ومستأنسا بهذه المتعة . فرردت على مسمعه المسبات التي تناولت بها لامنيا عدة مرات وذلك بناء على ما اراده. خلال ما تبقى من وقت قعدت كل واحدة بعيدة عن الثانية. كنا نتبادل نظرات اتهام ملئية بالقوة. قبيل مغادرة القصر، دنا محمد الخامس من والدتي قائلا لها:فاطمة حتما أنك لن ترفضي ما ساقوله لك ، لقد قررت أن أتبنى مليكة إنني لا أجد لابنتي صاحبة احسن منها.أعدك أن أسمح لك بالمجئ لمقابلتها ساعة تشائين .... تلك الكلمات غيرت مسار حياتي التي أدخلت فجأة في كهف لا نهاية له ... مازال ظل ذلك الكابوس مخيما على عقلي ، وما إن استعيده حتى تسري في عروقي الرجفة حقا، كنت ضحية عملية قرصنةواختطاف.كيف أنسى الطريقة الغريبة التي اقتادوني بها من بيتنا ووضعوني داخل سيارة انطلقت بي إلى فيلا ياسمينة، مقر للامنيا و خادمتها جان ريفل. عندما اخذوني من حضن أمي جردوني للأبد من الراحة والسكينة وهجروا طفولتي، و مسحوا في عيني بريق الفرح و البهجة قاومت بكل قوة بكل ما تبقى لدي من اسلحة طفولتي المقهورة و المغتصبة .بكيت.. ركلت صرخت.... رجوت ناديت أمي بعنف ..لكنها كانت أبعد من أن تسمعني. لقد اغلقت علي المربية داخل حجرة الضيوف بالمفتاح وتركتني أنوح وأبكي دون أن يرف لها جفن. 


ومع مرور الزمن، أصبح هذا الانسلاخ أمرا حقيقيا.تقبلته رغما عني و الحرقة تغمرقلبي ماذا عساي أن اعمل؟هل من أحد يقيم وزنا لمشاعري و رغباتي ؟ومن تراه قد يهتم إذا كنت قد أعاني لانفصالي عن أمي؟ ومتى كنا لاننحني أمام ارادة الملوك ونزواتهم؟أليست رغباتهم أوأمر، ونزواتهم مقدسات؟! أحب والدتي التي لم يعد يربطني بها سوى بعض الزيارات القليلةالتي لم تكن تطفئ من حرقتي عن بعدى عنها شيئاً ،بل كانت تؤجج لوعتي،وتزيد حسرتي. كانت تصل عند الواحدة ظهرا و تذهب في الثانية.بالكاد تبقى ساعة واحدة. كانت تتعجل الرحيل كأنها تتهرب من أمر ما كان يحزنها و يزعجها.ربما كانت رؤيتي تذكرها بجرحا لم يطيب بعد. ترى هل كان حال والدتي أقل سوءا من حالي. وأن كل ماتظهره من تماسك و عدم اهتمام إنه هو إلا قناع مزيف ليس إلا؟!. 

مع الأيام اصبحت زياراتها تقل شئا فشيئا، روحت احس أنني أزداد انسلاخا وابتعادا عنها.انتقلت إلى العيش في قصر الرباط. عشت ما تبقى من عمري في عزلة تامة الحدود فقد كانت تحركاتنا وتنقلاتنا مخططة وهي لبعض القصور الملكية التي كانا نخرج إليها لقضاء العطل والإجازات.لم يشأ محمد الخامس أن تعيش ابنته المفضلة في أجواء القصر الخانقة لذا أمر بتجهيز فيلا ياسمينة لتعيش فيها ،كان هناك كل شئ مصمم بشكل جميل وبمنتهى الفخامة والكمال الدعة والهدوء و الأبهة، والجمال، ،كل ما تحلم به تجده ماثلا امام عينيك. الحلم هناك يصبح حقيقة وكأنك تحيا في بلاد العجائب أو إحدى حكايات الخيال.في تلك الأجواء السحرية الكبيرة تعلمت كيف اصير أميرة. 

عندما أحضرت إلى فيلا ياسمينة، وضعت في حجرة الضيوف القريبة من حجرة لامنيا ومربيتها، بقيت على هذا الوضع حتى اتت رشيدة و فوزية اللتين وقع الأختيار عليهما من بين الفتيات المتفوقات في كل أنحاء المملكة،حتى تتم لهم متابعة دراستهم جنبا إلى جنب مع الأميرة. إنهما من عامة الناس ، وتنتميان إلى اسرتين فقيرتين ومتواضعتين. انتقلت إلى العيش معهما في المبنى الذي بني لهما في الحديقة .

 خلف البيت. بالقرب من حديقة الحيوانات . تقاسمت إحدى الحجرات مع رشيدة وكان أجمل مافيها سقفها المعمول من الزجاج كنا نرى من خلاله السماء. كان المخطط اليومي الذي أعد لنا ثابتا لم يتغير او يتطور لافي عهد محمد الخامس ولافيما بعد في زمن ولده الحسن الثاني حيث كان كل صباح يحضرالملك لايقاظنا الساعة السادسة والنصف تماماً .يصل إلى حجرة للامينيا أولاثم ينتقل بعدها إلى حجرتي حيث يقوم بملاعبتي، يسحب الغطاء عني...يدغدغ ارجلي يسحبني بهما باتجاه منذ البداية لم يميز في التعامل بيني وبين ابنته،التي وحدها تتربع على عرش فؤاده.تتناول طعام الغداء لوحدها تحت رحمة واشراف المربية الاجبارية. إنها ليست شريرة ولكنها جاهلة بأبسط مبادئ علم التربية و النفس لا تستخدم إلا العصا في التعامل معنا.وتؤمن بأن القسوة و العقاب وتنغيص العيش أفضل طريقة للتربية السليمة. 

 كان محمد الخامس ملكا حازماً شديدا، لا يسمح بأي تجاوزمن شأنه أن يخل بالاخلاق العامة كان رجلا تقيا و شريفا .والشعب المغربي يعده رمزا للوقار،و كان كل يوم جمعة يذهب ظهرا من بوابة القصر الرئسية اخذا جواده بإتجاه المسجد . 

 فجأة توفي محمد الخامس عن عمر يبلغ الثانية والخمسين، أثناء عملية جراحية سهلة كانت تجري له.مازلت أذكر بوضوح تلك الواقعة مع أنني كنت آنذاك في الثامنة من العمر . وكيف يمكنني أن أنسى مراسم الحداد الملكية و الم الأميرة الصغيرة التي رايتها يوم وفاته تنحي باكية، وهي ترتمي من الحزن وسط أزهار الحديقة.أفجعني منظرها و مصابها، اندفعت إليهالأضمها بين ذراعي بحنان و لهفة دون أن أجرؤ على ان اقول اي كلمة.لقد أحببت محمد الخامس لأنه كان طيبا و عادلا معي، وكلما انتباني احساس بأن أبي سيموت يوما ما سرت الرعشة في أوصالي وانقبض قلبي.

 هذه الفاجعة التي صارت مع فقدان الملك قتلتني في الصميم،ألم أكن بمثابة اخت للأميرة؟ألم أشاركهما دائما في أفراحها و و اتراحها؟ مات محمد الخامس،فعاش ابنه الحسن الثاني.هذا الموضوع بدا لي متناقضا غريبا للوهلة الأولى فلم افهم ما يحصل أمام عيني.إذا كيف يمكن أن يجتمع الحزن والفرح، الحياة و الموت ،مراسم الحداد والتتويج؟! كنت صغيرة في العمر ولست متمرسة بعد في العادات والتقاليد الملكية .أما حالي أنا فلم يتغير. ومن الذي يملك الحق في تحديد مستقبلي الإالملك؟! كان كل هم والدتي أن تستعيدني، لكنها كانت مرتعبة من ردود فعل القصر على هذه الخطوة.ربما يعتبره هذا عدم احترام للشخص الملك الحالي وقلة اهتمام بمشاعر الأميرة التي تمر بظروف حزينة ، أما أبي فقد كان أي خطوة قد تؤثر على مركزه السياسي الذي كان يسير بوضوح من عال إلى أعلى. 

و قبيل موت محمد الخامس وعده ابنه الحسن بأن يحسن معاملة لامنيا فيما لو توفي وبالفعل وهذا ما جرى، لقد التزم بالعهد الذي قطعه على ذاته وأحاط شقيقته بالاهتمام الكامل ، فلم يتغير نمط حياتها عن ما مضى بل استمر كما كان باستثناء بعض التعديلات الصغيرة، فلم يعد يأتي في الصباح الباكر ليوقظنا ولايشاركنا الفطور ولا يحضر معنا بعض الدروس كما كان والده.إلا أنه لم يمتنع قط عن حضور حفلة نهاية السنة الدراسية التي توزع علينا فيها الشهادات و الهدايا، هذه المناسبة كانت عظيمة بالنسبة للمك للسبيبن، الأول تقديره لذكرى أبيه والثاني حبه وتعلقه بشقيقته الصغيرة التي أوصاه بها محمد الخامس قبيل موته. بعد انتهاء الحفلة كان جلالته يصطحبنا في مركبته إلى القصر الملكي. كنا معه في معظم خروجاته ونزهاته .لركوب الخيل ولعب الغولف، وكرة المضرب و المغامرات إلى خارج البلاد لتمضية الإجازات. كنا مثل ظله ومن أشد المتحمسات له والمشجعات خلال المبارايات الرياضية.لم نكن للامنيا وأنا، نحفل بأي رسومات أو برتوكول كنا في الثامنة من العمر مليئين بالشقاوة ونلهث وراء اللهو و المرح، والضحك والعبث . 

انتقلنا من فيلا ياسمينة إلى فيلا ثانية تقع في حرم القصر الملكي. كل يوم كانت تنقلنا السيارة بمواكبة أمنية وحراسة كبيرة .فمنذ محمد الخامس اتبع عرف يامر بتعليم الأميرات حتى مرحلة البكالوريا ، ومن بين اللواتي لمعن و انعرفن بحدة الذكاء الأميرة عائشة اخت الملك، ما دفعه إلى تعينها سفيرة للمغرب في روما و لندن.

 كنت طالبة متمردة وطائشة و مزعجة، أعشق تدبير المقالب لمعلميني، وكان هذا المسلك يؤثر سلبا على درجاتي ، وعلى دفتر الملاحظات الذي كان يحفل بكل التوبيخات و التنبيهات . في أحد المرات وقع إختياري على معلم الدين الذي تتلمذ تحت يده أيضا الحسن الثاني.كان كبيرا في السن ، يحيط نفسه بهالة من القداسة ويفرض علينا في كل مرة يدخل فيها الحصة ، أن نهرع لتقبيل يده تقديرا له.

 لقد اعطاني مهمة سحب عبائته عن كتفيه و ترتيبها .كنت أحب اللغة العربية الفصيحة وكانت هذه المادة من المواد المحببة لدي، كنت استمتع جدا بسماعه وهو يرتل القرآن بصوته الغليظ الآسر. هذاالرجل التقي المؤمن كان يعتقد بالأرواح.كان يؤمن بشكل كبير أن الجن يعيشون بيننا ليلا ونهارا.أما أنا فكنت لا أومن بأي قوة غير عادية .أغاظنى ثقته وادعاؤه اللذين لايقبلان أي حديث آخر.لذا قررت أن اعمل له مقلبا لاينساه أبدا. استغليت فرصة وجوده بالقرب من اللوح لكي أتوارى بلمح البصر خلف أحد الثياب المعلقة على المشجب الذي تمكنت من دفعه وبدأت أتقدم به باتجاه المعلم الذي ما إن رآه حتى صار يرتعش مثل ورقة في مهب الريح من الهلع و الرعب ،وعندما صرت على مقربه شديده منه راح يتلو آيات قرآنيه، هنا فقدت صوابي وانفجرت بالضحك. 

وعندما أكتشف موضوعي، أهتز من الغيظ و الحنق ، ولم يغفر لي ما فعلته ، أثارت هذه الحادثة جلبة في البلاط الذي ضج بالضحك، حتى الملك لم يتماسك ذاته من الضحك بملء قلبه، مع أنه كان حريصا على فعل أي شئ للاعتذار من هذا الرجل الذي اتهمني بالالحاد و الكفر ولكن لا حياة لمن تنادي،تابعت على هذا المنوال غير مهتمة بكل النتائج،وفي كل مرة كانت المديرة تركض مقطوعة الأنفاس. لتشكوني إلى جلالة الملك.حتى إن دفتر درجاتي الاسبوعي كان يصرخ من كثرة الملاحظات اللاذعة: طالبة مهرجة فوضوية وثرثارة ومشاغبة... كان لزاما علي تقديم دفتر الدرجات إلى الملك بذاتي بينما هويتناول وجبة الطعام. 

بعدما أسلمه الدفتر أقف بقربه وأنا أرتجف من الفزع والخوف.ترى أي عقاب سينزله بي عندما يقرأ محتواه. لا أجرؤ على ان اتفوه بأي كلمة أو القيام بأي حركة. كانت تتضح على الملك إمارات الحيرة و الاندهاش، حتى إنه في إحدى المرات التفت إلى جواريه قائلا: غريب يقولن لي انها كثيرة الكلام، وحتى الآن لم أنجح أبدا بدفعها إلى ان تتلفظ بكلمة واحدة.انفجرالجميع بالضحك. أهل القصر كلهم: الملك ، الملكة الأم، الجواري الابهية، ، جميعهم كانوا يكنون لي الحب. كنت أعرف هذا مع أنهم نادر ما اوضحوه لي. كل ما يمكن أن يحلم به طفل ويشتهيه أويرغب به كان موجودا بين يدي ورهن إشاراتي.وطوع ارادتي. لقد واساني هذا بعض الشئ ولكنه لم ينسيني عائلتي الذي مابرح شوقي للرجوع إلى كنفهم يؤلمني . أي عاطفة هذه التي تجمعني بمريم وروؤف؟ لقد تبلغت من القصر انهم ولدوا! ؟ إنني لا أعرف أي شئ عنهم . 

نادرا ما كانت المربية تسمح لي بان الاقي أهلي. واذا ماحصل هذا الحدث المغاير للواقع الفريد,فإنه لايتعدى قليل من الساعات ليس إلا.هذا القليل بالنسبة لي أشد تعباً من الحرمان. كنت ارجع من هناك حائرة القوى، محطمة النشاط أحمل جرحي النازف.لا أجرؤ على الانتحاب كي لا تفضحني دموعي . كان يلزمني عدة أيام قبل أن ابعد موج الكآبة التي كانت تلم بي، و استرجع شهيتي المفقودة للأكل والنوم والشراب. .. بأعجوبة، سمح لي مرة أو مرتين لتمضية إجازتي مع أهلي.ولكن سرعان ماكنوا يبعثون في طلبي بحجة أن لامنيا مشتاقة لي ولا تقدر على غيابي. 

 أحيانا كنت ارى أبي صدفة في القصر الملكي.في كل مرة كان يبدو قلقا و يسرع في الإنسحاب.لا يريد إطالة الكلام معي لسبب لا اعرفه.ربما كانت تلك عقدة الذنب! لولا نظراته المشتاقة ، ولمسة يده الحانية وهو يحييني لخلت أنه لم يعد يحبني! 

 لم أدرك ما هو دوره السياسي إلا عندما نضجت.كنت ،أعيش في عزلة مطلقة عن كل ما يدور حولي من أحداث في الدنيا.ولولا زيادة الإجراءت الأمنية الصارمة من حولي لما تنبهت إلى الأبعاد الخطيرة لمسالة بن بركة و لما عرفت أن هناك أزمة سياسية تشغل كافة الأوساط الإعلامية، وأن حياة والدي ومستقبله السياسي في خطر. أصبت بالخوف، ووقعت فريسة الخوف والقلق. 

وصل بي خوفي على اهلي أن أتسلل ليلا من حجرتي واتدلى من الشباك كي أذهب إلى مكتب المشرف العام على الفيلا السيد برنكيار، الموجود بالقرب من المدخل الرئسي لاتكلم من الهاتف الموجود هناك.وأطلب الرقم بأصابع مرتعشة، وأخيرا بعد طول انتظار، يأتي صوت والدتي الهادي ليوقظني من صمتي، إنها تبدوطبيعة جدا .وفي اسعد حالاتها، وتلك الأصوات والضحكات التي تتناهى إلي من قربها تشير الى أن الكل يفرحون بوقتهم ويعيشون حياتهم ما عداي أنا! أنني استحق هذه الصدمة القوية، ولا ألوم الا ذاتي. إنهم لايبالون بما يلم بي من مشاعر، يجب أن أعترف أنني لم أعد انتمي إلى حياتهم، وأن كل ما أفعله هو التطفل على حياتهم الخاصة. فلتعذرني عائلة أوفقير لقد كنت عاطفية أكثر من اللزوم. 

ما أجمل ليالي السبت التي كنا نمضيها برفقة الملك الحسن الثاني وجواريه خلال شهر رمضان المبارك في القصر الملكي. كنا نرى الأفلام السينمائية طوال المساء ونحن نتسلى بتذوق أشهى الشراب و المأكل . وكان لا يذهب الجميع إلى فراشهم إلا بعد أذان الفجر. وهكذا كنا نستقبل معظم ساعات نهار الأحد وهم نائمين. معظم العطل والاجازات كنا نمضيها برفقة مولاي أحمد ، وكان يحق لنا ان نعيش في القصور الملكية الموجودة في البلدان التي يقع عليها اختيارنا مثل طنجة أومراكش في فصل الربيع، أو فاس التي يقصد بها القصر الملكي فيها من أجمل قصور المغرب على الإطلاق، خصوصا بعدما اقام عليه حسن الثاني بعض اشغال الترميم. كنت أحب الذهاب إلى بلدة إفران التي تتواجد في أعالي جبال الأطلس، وتشبه إلى حد ما بلدة سافوا السوسيرية.إنها تكون نسخة مماثلة لها في فصل الشتاء، ببيوتها القرمدية الحمراء التى تغطيها الثلوج. 

كنا نعيش هناك في الفيلا التي كانت بيتا لمحمد الخامس عندما كان ولي للعهد، والتي تتكون من ست طوابق.كم كان يمتعنا التزلج انا وللامنيا هناك على اعالي الجبال. يقع القصر الملكي في مدينة إفران فوق قمة عالية تحيط به غابة تزهر بأشجار الطويلة ، إنه تحفة فنية لامثيل لها. 

كان الملك يهتم اهتماما كبيرا بقصوره التي أشبعها ترميما و صيانة وتحدثيا وتجهيزا،ولايستطع أحد أن يتهمه بالتقصير و عدم الاعتناء في هذا المجال. كناغالبا ما نخرج في جولة إلى المطابخ لالتهام كل ما كانت تمنعنا عنه ريفل في الفيلا ، أو كنا نجلس في الممرات الطويلة التي كانت تؤدي إلى حيث يعيش الجواري والعبيد. هؤلاء الذين يسمون عبيدا يقيمون في قصر الرباط منذ عدة اعوام وهم ينحدرون من عبيد زنوج تم شراؤهم من محلات نحاسية قديما.ومازال أحفادهم يشتغلون في خدمة الملك، موزعين في كل بيوت الملك. 

 خلال الاعوام التي تلت وفاة محمد الخامس، كان يجب ان يسعوا لتزويج الملك الذي كان له من العمر ثلاثة وثلاثون سنة ، أكبر عائلتين بربريتين في البلد بعثتا إلى القصر فتاتين رائعتين الجمال، وهما ابنتا عم : لطيفة، خمسة عشر سنة، وفاطمة ثلاثة عشر سنة. وقد تم إخضاعهما لذات دورة الإعداد التي خضعت لها بقيت الجواري اللواتي جئن من كل المناطق المغربية.ولكنهن كن يعرفن مسبقا بأن الأختيار الملكي سيكون مابين الشابتين الصبيتين ، ولايمكن التساهل فيه. فالزوجة القانونية ستكون أم أولاد الملك، و على وجه الخصوص أم ولي العهد. ولأسباب سياسية، وللحفاظ على التوازن و انسجام الشعب المغربي، كان يجب أن تكون بربرية مثل كل زوجات الأم وللاعبلة وللابهية. لم تكن الصبيتين أكبر مني إلا قليلا، ولكنني كنت اعتبرهن كنساء. 

لقد عاملهما بتقدير وتواضع كصهرا أكثر منه كملك.ووقعت فاطمة غارقة في حب الملك.أما لطيفة التي كانت أكثر كبرياء و صمتا ففضلت أن تننظر اختيارالملك . وفي أحد الأيام تكلمت لطيفة الى الملك قائلة: سيدي لن أقبل البتة أن أكون مجرد جارية بين فتياتك.ثم طلبت منه إذا لم يعطيها فرصة كي تصير أما لاولاده ، وأن تعود إلى عائلتها .لقد رفضت وضعية الجارية وفكرة المشاركة وأن تكون دون قيمة. أعجب عزمها و اصرارها الملك الذي كان يفضل النساء القويات الشخصية على النساء الفاتنات .ولطيفة بموقفها هذا، فاقت الجميع دهاء و ذكاء فاختارها الملك زوجة له.أما ابنة عمها فاطمة فظلت جارية بين نساء الملك. 

  في العام التالي ، في ٢٦ آب/ أغسطس عام ١٩٦٣ وضعت لطيفة بنت أولى،للامريم، في روما،كان يوما كبيرا. انتصرت لطيفة فولادة ابنتها نصبتها ملكة. وبعدها رزقت لطيفة بأربعة اولاد. 

 كنت مسلمة ولكن لا افعل تعاليم الإسلام، كنت اعجب بتعاليم الإسلام، كنت أحب الاحتفلات الدينية، كما كنت أحب التقاليد و العادات ، كنت أتمتع بالحفلات التي كانت تقام بشكل كبير في القصر، والذي أضفى عليها الملك روح العصرية و الحداثة .أثناء هذه الاحتفلات و الزيارات الرسمية، كنت غالبا ما ارى رؤساء الدول وشخصيات غير عربية . وأذكر أن عبد الناصر قال لوالدي بأن لي ابتسامة جميلة. في أحيان قليلة كنا نهرب من القصر لزيارة مولاي عبد الله الشقيق الأوسط للملك، الذي كان يعيش مع زوجته لامياء في فيلا في حي اكدال.لكنه كان صاحبا ومخبأ سر لنا. كان يحسن الانصات إلينا، وينصحنا ويهدئ بالنا بكثير من الرقة والإنسانية. 

عندما بلغت الخامسة عشر من العمر تلقيت أول عقاب واضح . كان ذلك يوم تسليم الشهادات المدرسية للملك.وضعتهاكالعادة على الطاوله ثم قعدت بجانب الجواري اللواتي رحن يسخرن مني ويشرن بطرف خفي إلى فشلي المدرسي كن يعرفن أن علاماتي المدرسية قليلة وأن عقابا ما قد يكون من نصيبي وبانتظاري.تظاهرت بتماسك و بعدم الاهتمام وتابعت المزاح و التكلم معهن.كان قلبي يخفق بين ضلوعي بعنف ،خوفا من الملك.لكنني أجبرت ذاتي على النظر بقوة باتجاه الملك.

 أشار بيده فوضعوا مقابله الشهادات المدرسية. ثم بصمت كبير تناول شهادتي و حدق فيها اعتقدت أن دهرا مضى عليه وهو ينظر اليها .أخيرا رفع رأسه وأمر بمناداة الجلادين.جمد كلامه من كان في المكان، تحولت أنظارهم جميعا باتجاهي، كانت نظرات مثقلة بالحزن والرثاء، لأنهم كانوا يعلمون طريقة الملك بالتأديب.أشار لي الملك بالأقتراب .أمسك بأذني و صار يشدني بقوة.ثم نادى الجلادين الذين قاموا بتمديدي مقابله فوق السجادة.ثلاثة منهم أمسكوني من يدي وثلاثة آخرون أمسكوني من ارجلي .كان كبير الجلادين يقف بالقرب مني وبيده السوط. ينتظر أومر الملك. 

عادة جلالته هو من يقرر عدد الضربات .من المبكي المضحك أن الملك أمر فقط بثلاثين جلدة.لكنه لم يدع اي شخص غيره يقوم بهذا الأمر.أحضروا له طاولة صغيرة مرتفعة قليلا عن الأرض ليقعد عليها بمحاذاتي. حبس الكل أنفاسهم، ولم اسمع في القاعة أي حركة تذكر.منع الملك أمه والملكة البهية من التدخل لمصلحتي بدأ الملك بالضرب..الأولى ثم الثانية..بعدها الثالثة.الصرخات الصغيرة التي كنت اصرخها أثارت حيرته لأن الجلدة الثالثة كانت قوية ومع هذا لم أظهر أي الم، وصرختي الصغيرة لم تعلو.انتفض الملك بعدما اتضحت له خطتي..لم يتابع الضرب . بدلا من ذالك وضع يديه الاثنتين فوق مؤخرتي وراح يتحسس بأصابعه سماكة ثيابي . فجأة صرخ من شدة الغضب و الحنق.فأنا كنت قد تحسبت مسبقا لما يمكن أن يصيبني فقمت بأخد تدابير ذكية فارتديت عدة طبقات من الثياب ذات القماش الجامد و القوي.عندها ضجت القاعة بالضحك من ما فعلته، ولم تلبث العدوى أن انتقلت إلى جلالته فشاركهم بدوره الضحك.

 عندها استغليت الفرصة لأرتمي على ارجله وأهتف: سيدي أقسم أن لا أعود إلى هذا. سرى هذا النبا في أرجاء القصر سريان اللهب من الهشيم.لم يبقى أحد إلا وعلم بالمقلب الكبير الذي تجرأت على عمله دون أية مراعاة لهيبة الملك و قوته .مرة أخرى، تابعت سيرتي الأولى. كانت شهادتي المدرسية مخزية لدرجة أن رئيس التشريفات أخدته الشفقة لحالي فوعدني أن يتوسط لي بذاته ليستقر عطف الملك ،علني بهذا أنجو من الجلد .بينما كان الملك متوجها إلى ملعب الغولف قطع عليه طريقه وارتمى أمام قدميه طالبا منه أن يعفو عني .نظر الملك إليه نظرة قاسية ثم قال:من أنت؟ ومن تكون حتى تتجرأ على التدخل بموضوعها ؟ يالذلك الحزين ، مما لحق به من الخزي و العار بعد أن مسح به الأرض، أمر به جلالته أن يجلد مكاني ،فتعلمت متى أتكلم ومتى اسكت، وكيف أقرأ ما بين الاحداث ، لقد تعلمت أن أستعين قضاء حوائجي بالصمت الشديد، وأن التحفظ والحذر قاعدة ذهبية لا غنى عنها 

 كنت في سن الحادية عشرة.لماذا لم يكلف أحد ذاته عناء شرح خفايا الطلاق الذي وقع بين أمي وأبي؟ كان من حقي أن اعلم هذا بدلا من أن اظل في شك وحيرة وغريبة للهواجس! كانت نظرات الحزن والاشفاق التي يحدجني بها من في القصر تنهال علي كسكاكين.لو أنهم فقط وفروا حزنهم وتركوني بسلام؟! ومن أين ياتي السلام؟! من الملك الذي أخبرني بذاته بأن أبي سيتزوج من امرأة ثانية، وأنه سيقيم له حفل زفاف كبيرا في قصر مراكش؟ أم من نهفات الناس وتسابقهم على عمل حفل التكريم على شرف زوجة أوفقير الجديدة، والتي كان اسمها فاطمة أيضا مثل والدتي ، والتي كنت ألقبها شخصيا بالغبية لكثرة ماكنت أجدها غبية و حمقاء .هكذا بجرة قلم تصبح فاطمة الشنا في طي النسيان.ألم تعد تليق بالمقام؟ لقد كانوا يداهنون و يتزيفون من أجل ودها ورضها. كان في خاطري ألا يكون الملك من أقام حفل زواج والدي ! لقد جرحنى و اوجعني بهذا ! ثم لماذا منع والدتي من الاقتراب من بلاطه و اغلق ، بوجهها كل الأبواب و الشبابيك ؟ ترى هل ما أصاب والدتي سيصبني أنا أيضا يوم ما؟! 

عندما أرسل والدي بطلبي بعد زواجه، ذهبت لمقابلته في المنزل الذي تغيرت معالمه وتبدلت وكأني ادخله لأول مرة.رفضت بقوة أن أصافح أبي وقلت له إنني أكرهك ..أكرهك لما عملته بالعائلة؟! كنت في منتهى القسوة معه.أ أعرف أنني جرحته في قلبه، وأربكته حين راح يقول لي بصوت حزين ينم عن البؤس !لم أتوقف يوما عن حب أمك. كيف اذن يمكن أن تحب فتاة ونتزوج أخرى؟ ماهاذا اللغز الغريب أشعربحيرة قاتلة ومن الذي سيجيب على اسئلتي العالقة ،ميمي ورؤوف المتواجدان في سويسرا، أم الصغيرتان سكينة وماريا؟ أما للامنيا فانها لا تفقه شئيا مما يجري أو يحصل.أنني وحيدة أكثر من أي وقت في حياتي .

 لم يكن يكذب والدي علي عندما قال لي إن مشاعره حيال والدتي لم تتغير ابدا ،لم يفقد الأمل بإمكانية استرجاعها ، لذا كان يطاردها مثل ظلها.ووضعها تحت المراقبة هددها، قضى اليالي بطولها داخل السيارة مقابل بيتها. أما الضابط الحزين فلقد أرسل في مهمات عسكرية خطيرة إلى ابعد البلاد بهدف إنهاكه و هجره. طلب منه أن يقدم استقالته . نعته قائد القوات العام .ب "المجنون". 

شاء القدر أن يقرر الملك القيام برحلة إلى الجنوب، فأراد والدي ان يقيم حفل تكريم على شرف الملك في بلدته ، لذلك طلب مساعدة والدتي على تنظيم استقبال يليق بمركز الملك. كانت هذه المناسبة هي التي ارجعت المياه إلى مجاريها بينهما.طلق أبي زوجته ليرجع ويتزوج بأمي. حملت أمي مجددا. كان والدي يرد لها طوال أشهر الحمل نفس الموسيقى : أجمل هدية تمنحيني إياها هي صبي يماثلني في الشكل . ولد الطفل ثمرة الوفاق سنة ١٩٦٩. أسماه الملك عبد اللطيف. 

مضى وقت على رجوع أمي وأبي إلى حياتهما المشتركة ، ومع هذا، لم تهدأ ألسنة الاعداء الذين يعشقون التكلم ب سيرة الناس بألسنتهم السامة والسليطة.الجواري كن لا يمللن من تقصي الأخبار كانت ههوايتهن المحببة اللهات في أعقاب الفضائح التي يرحبن لها طربا.أعرف أنهن وضعن إسم والدتي قيد التداول في القصر، وإنها بالنسبة لريفل الخادمة لم تكن أكتر من ضائعة وساقطة ليس إلا ،سمعتها بنفسي وهي تهمس بهذا لواحدة من النمامات عندما كانت تتنظر يوما في العيادة نتيجة العملية الجراحية لانتزاع المرارة التي كان يتم إجرائها لوالدة سيدي.لم أتمالك نفسي وقتها، أعماني الشعور بالغضب و الذل .فرحت أصرخ بقوة وأكيل بهما الشتائم . أقبل الملك باتجاهي عندما سمع صياحي ،نظر إلي نظرة تأنيب. صدم الملك بنوبتي العصبية، ربت محاولا اسكاتي،وطلب مني توضيحا لما يحدث.وأنا أجهش بالبكاء،أجبت بأنني أريد ان ارجع إلى بيتنا وقلت: لدي اسرة وأنا أتمزق ألما لعدم مقابلتها.ثم أضفت ان للامنيا عديمة الوفاء، ومع هذا حاولت أن أتفهمها وأن اسعى لمرافقتها . صدمت عندما أجابني موافقا:لا أخطئك , فقلت الوفاء من صفات العلوين. 

لقد أصاب عزمي و اصراري الملك في صميم كبريائه لذلك لم يصر على ان ابقى .. في الحقيقة كانت هناك قوة و دوافع أخرى تدفني بقوة و اصرار في هذا الاتجاه. فقد كان الملك يريد تزويجي من أحد ابناء الجنرالات وأنا لا اطيقه ولو أطلت المكوث في القصرلتحقق ذلك وأصبح من الممكن .ولماعاد بإمكاني اختيار عيشتي كما يحلو لي : كيف سأكمل علمي ؟ و أسافر ؟ وأصبح مخرجة سينمائية أو ممثلة كما كنت أحلم دائما؟! 

ما إن انتهيت السنة الدراسية حتى ابتعدت تماما عن القصر. تلقيت كتير من الدعوات و المكالمات عبر جهاز التشرفيات.غير أنني امتنعت عن تلبية اي منها ، مما دفع أبي إلى التدخل من أجل إجباري على الانتقال إلى هناك، لأنه كان من المعيب وغير المهذب آلا أفعل هذا. 

 في مدرسة لاعائشة التي وضعتنى فيها عائلتي لإكمال الدراسية الثانوية، كانوا يبينون لي الاحترام والتقدير و يتكلمون علي، وقد نعتتني إحدى الفتيات ب" ابنة القاتل" بسب قضية بن بركة، التي أجهل كل الجهل فحواها. 

لم أكن أطيق الحياة الخانقة و غير المنطلقة التي كانت مفروضة علينا.كلنا تحت المتابعة و الترقب على مدار الساعة.لانخرج بدون رجال حراسة ومواكبة.كان منزلنا يمتلئ بالمرافقين ورجال الأمن و البوليس ، حتى الأشخاص الذين كانت مسؤوليتهم تلقي المكالمات الهاتفية كانوا أيضا من المخبرين.لقد صادقت مع واحد منهم كان يعاونني في تنفيد مخططات" التسلل الليلي" الذي كنت أواظب عليه، وكان ذلك يريجني بعض الشئ من جو المنزل الضاغط.كنت أنجح بذلك بفضل خاليّ عز الدين ووحيد . الأول عمره عشرون سنة والثاني سبعة عشر سنة.كانا يقلانني بمركبتها كل ليلة لموافاة الاصحاب الذين يكونون بانتظارنا في أحد النوادي الليلة الحديثة .في بداية العام الدراسي الجديد سجلونا نحن الثلاثة ، انا وروؤف ومريم في ثانوية بول فاليري في بلدة مكناس للأسف عادتي السئية لم أغيرها.تابعت التسلل الليلي كما اعتدت. مما عرضني للتأنيب وفي النهاية صفعتين مدويتن . 

بدا لي هذاالصيف من عام ١٩٧١ مقبولا بشكل كبير.بالرغم أن سنتي الدراسية كانت مفعمة باللهو، إلا أنني تمكنت من ان احصل على معدل جيد في اختبارات البكالوريا الفرنسية. مما أدى إلى ان يقبلوني في صف الفلسفة وهذا معناه أنه سيتاح لي قضاء عطلة لمدة شهرين كاملين، كنت مازلت غافية في الساعة الواحدة ظهرا.

 يوم ١٠ تموز/ يوليو، صحوني من نومي بقوة.كان حرس المرافقة يهرعون في أرجاء البيت بعصبية و توتر.كان جو من الرعب يخيم ما النبا ؟!إنه الانقلاب العسكري الذي صار في قصر صخيرات ،حيث كان الملك يشارك في الاحتفاءات التي كان قد أعلن استمراره لمدة ثلات أيام بسبب بلوغه الثانيةوالأربعين. 

عندما كنا أنا ووالدتي في طريق رجوعنا إلى الرباط، رايت في الخط المعاكس قافلة من السيارات العسكرية.لم نقدر ان نرجع الى البيت. كان هذا غير ممكنا. وبدلا من ذلك التجأنا إلى بيت صغير كانت تملكه أمي في البلدة، حيث يمكننا على الأقل قيام الليل فيه ، كانت برفقتنا يليق الدكالي التي كانت في حالة من الخوف الشديد لأن زوجها، وهو مساعد الملك لم يعد إلى البيت، ولا تعلم أي شيء عنه . في الصباح الباكر اتصل شخص بأمي يقول لها أن العربي الدكالي كان واحد من بين المجموعة الأولى التي تم اخذها وإعدامها، في قصر الصخيرات الذي قتل فيه حوالي مئتي رجل، كان ثلتهم من ضيوف الملك الذي نجح بقمع حركة التمرد باكملها بعد أن أوقع بين أفرادها خسائر بشرية كبيرة .كان هذا الانقلاب أول ثورة تحصل في حياتي التي كانت تسير على الدوام على أفضل ما يرام ، كانت الايام التي تلتها غريبة .الضباط العشرة الذين كانوا رهن الاعتقال ، تم إعدامهم بدون أي مقاضاة. كانوا جميعهم من الاصحاب الحممين لأبي.بكى أبي كثيرا وحزن لفقدان اصحابه. وأكثر ما أحزنه أنه لم ينجح بإقناع جلالته بمحاكمتهم كما تقول القوانين.كان في قلبه يعلم باستحالة نجاة أي منهم، بسبب التهمة التي كانت موجهة إليهم وهي العبث بامن و استقرار الدولة وتهديد سلامتها. كانت المرة الوحيدة بعمره التي يتصرف بما تمليه عليه مشاعره وضميره لا بما تمليه عليه مصلحته السياسه هذه . ولكن نشرات الأخبار كانت مشوشة، وغير محددة .أشارت فقط إلى امكانية أن يكون أوفقير هوالمدبر.كما أشارت أن محاولة الانقلاب تمت بنجاح وبأن الاستقرار لم يستتب بعد. 

تقريبا في الساعه السابعه ليلا.رن جرس الهاتف.كان والدي صوته بلاحياة، صوت شخص قرر أن يموت و يرغب في أن يقول كلمته الأخيرة، وقد أصبت بالخوف إذ خيل إلي ان شبحا كان يكلمني على الطرف الثاني .كان صوته متقطعا وهو يقول إنه يحبني وإنه يقدرني .حوالي الخامسه صباحا رن تليفون مرة اخرى، كنت ما أزال مستيقظة يفترسني القلق،كانت كل الأفكار الغريبة تسيطر علي: ودون مقدمات قالت لي أمي ماكنت أخشى سماعه: 

 مات والدك ، أحملي متاعك سنرجع إلى الرباط ، صرخت وبكيت هي و ارتمت في حضني ، أظهرت حرقتها بشكل صاخب كنت كقطعة رخام. فهذه الجملة" مات والدي" لا تعني لي شيئا.إنها غريبة كنت أحتاج دليل ملموس. 

 الحشود الكبيرة التي كانت تسد منافد البيت،و السيارات التي كانت مصطفة في كل مكان،كل ذلك قضى على آخر شعلة أمل كانت لدي. كانت والدتي تنتحب ولاتكف أن تردد: لقد قتلوه لماذا؟ ولماذا؟! 

العسكريون المتواجدون رفعوا تقريرا إلى جلالة الملك يتضمن احاديث أمي.خلال الأيام ثلاثة التي تلت الدفن اهتممت بالاطفال. كانت أمي لاتزال بحالة غير طبيعية.كان علي إخراجهم مما يكابدونه.كان رؤوف ما يزال تحت وطأة الدهشة .وفقدانه أغلى رجل على قلبه.لم تتوقف البنات عن البكاء.قالوا لهن بأن والدهن موجود في السماء. ولكنهن لم يتقبلن فكرة أنهن لم يشاهدوه بعداليوم . حتى عبد اللطيف الصغير احس أن هناك .موضوع خطيرقد وقع . في النهار كنت أتصرف بما اقدر عليه من رباطة جأش؛ كان هناك الكثير الذي يجب أن ينجز ويتم.أما في الليل، فكان الكابوس نفسه يتكرر بلا توقف : كنت أرى جثة والدي، الرصاصات الأربع في صدره والخامسة في رقبته، وكنت أسمع كلماته الأخيرة.كان صوته يطلع من القبر يقول بأنه يحبني . فكنت أغرق في البكاء ولا اقدرعلى النوم. 

رفضنا التكلم مع الصحافة التي راحت تلاحقنا .أحد الصحافين بالصدفة سأل خالي عزالدين:هل تظن أن صهرك كان الشخص الذي ينتحر بإطلاق خمس رصاصات على ذاته ؟ 

رد خالي بأنه تم قتل الجنرال أ وفقير.تصريحه أذيع في اليوم ذاته على محطة فرنسا الدولية. 
استودعت والدتي لدى اصحابها في طنجة، السيدة كسوس وزوجها،بذلة أبي المليئة بدم. وأحرقت واحدة ثانية مكانها في موقد الحمام، كما تم الاتفاق مع خالي عز الدين. 

 في اليوم التالي أرسل الملك رئيس البوليس ليطلب بدلته ، أعلمته والدتي بأنها أحرقتها.قال وهو يرتعش:قال لي جلالته:انتظر، وسترى أنها ستجيب عليك بأنها أحرقتها.فتشوا الموقد كله.وقاموا بتحليل ما لاقوه من بقايا القماش.اعتقد الملك أن دليل الجريمة ذهب هباءا ولا يمكن العثور عليه.ترى هل رجعت السيدة كسوس وسلمته بدافع من رعبها ؟ لم نتحدث أبدا في هذا الامر. 

في اليوم الثالث في الصباح الباكر اخذوا الجثمان ، حيث أعطى الحسن الثاني اوامره لدفنه في صحراء تافيلالت. خرج أخي رؤوف بمعية رجال الاسرة ،رافقوا أبي إلى مثواه الأخير. 

 جرت مراسم دفنه بمنتهى التواضع و البساطة في مدفن صغير لم تدخله قدامي أبدا. 

في اليوم الذي يليه ، في ٢٠ /آب أغسطس فرضت علينا الإقامة القسرية في البيت ،كذلك الأمر بالنسبة لجدي و اهل أمي وبعض المخلصين مثل آن براون خادمتنا الانكليزيه، وسالم وحوريه،وفاطمة، ، لقد ضيقوا الخناق علينا. خضعت والدتي لتحقيقات مرهقة من قبل المفوض اليوسفي الذي رايناه فيما بعد في السجن.مرة ثانية كبلنا مصاب جديد، وزاد من حرقتنا و آلامنا. خالي عز الدين هذا الشاب القوي مات في حادث سير بعدما ضربت سيارته إحدى سيارات قوى الشرطة عمدا.لم يمت على الفور، ضل في مكانه بضع ساعات وهوبحالة غيبوبة،بانتظار الاسعاف التي تأخرت كثيرا بالقدوم. أمي التي كانت تعلم ان الأيام العجاف في بدايتها ،كانت تسأل ذاتها كيف سيمكننا أن ننجو من المصائب . كان الملك لا يطيقها.كان قد أعلن على راديو أنها هي المحرض السري للانقلاب العسكري ، وأنها دفعت أبي للثورة عليه.متهما اياها ،والكره الذي وعد الملك نفسه عليه، كان لابد له من الموت. لقد أثر موضع الوحدة الفردية عليها.لكننا نحن الاولاد لم نشأ نتركها مهما كلف الثمن.حيث تذهب سنذهب معا : معا في الضراء والسراء . 

في ٢٣ / كانون الأول/ديسمبر،انتهت مدة الحداد. خلعت أمي فستانها الأبيض.كنا نستعد لاستقبال عيد الميلاد،فالاولاد يحتاجون إلى بعض الفرح.وصل قائد البوليس بعد الظهر، و أعطانا أمرا بتجهيز أمتعة تكفي لمدة خمسة عشر يوما.اخذونا إلى جنوب المغرب.لاحقا ختم باب منزلنا الخارجي بالشمع الأحمر.لم يعد لاي شخص الحق في الدخول إليه، في حين أن قائد البوليس كان قد أكد لنا قائلا: إن الملك أعطاكم كلمته. 

تم ترحيلنا ليلة عيد الميلاد ،كنا ثلاث نساء وستة اولاد.محاطين برجال بوليس مدججين بأسلحتهم اختبأت ماريا وسكينة في حضني برعب.كان رؤوف يصر يديه، وعبداللطيف يمص اصبعه. 

أدرت رأسي لانظر للمرة الأخيرة على المنزل، وأودعته إلى الأبد.كان بكائي صامتا كي لا أرعب الاطفال.لم أبكي فقط والدي ، بكيت أيضا حياتي هذه التي سلبوها مني . اذا كان المنفى مؤلم للكل،فقد كان لي أكثر وجعا .كنت الوحيدة التي توقعت بأنه لن يكون هناك من شئ مؤقت و عابر. دقت ساعة الصفر، حاملة معها رياح الخوف القوية رجال الشرطة يصرون على ان يفرقونا ، وإجبارنا على الصعود الى سيارتهم المصفحة كل اثنين.في سيارة على حدة بفظاظة ومنهجية راحوا ياخذوننا بأعقاب بنادقهم إلى الامام وكانت والدتي ترفض الاستسلام لمشيئتهم ، أخدت تمزح و تنوح وتتوسل الا يفعلوا بنا ذلك حتى تراجعوا عن غيهم. مما لاشك فيه أن تشخيصهم من إحداث فضيحة و بلبلة هي التي دفعتهم إلى تعديل خططهم .عندها تم توزيعنا على النحو الاتي : صعدت أمي بصحبة عبد اللطيف و رؤوف، مريم بمعية حليمة ، وعاشوراء،وأنا والصغيرتان كادوا يسقطوننا أرض، وهم يدفعون للجلوس فورا ووضعن أمام السلاسل التي تحتوي الحمالات السميكة للأسف لم نستطع الإمساك بها كلها.في المقعد المقابل يجلس شرطيين من المخازنية، مع كل منهما سلاح حتى الأطفال لايحركون اي شيئ. تسمم الجو و تحول . وبورو، الآمر الجديد للمعسكر، لم يكن لطيف القلب.جاء ليحل مكان زميله السابق منذ عدة أشهر ، ومن يومها تمت زيادة عدد عناصر المخازنية الذين يحرسوننا. 

هذه الإجراءات الحديثة وضعت تحسبا لأي عملية قد تصير بواسطة كتيبة مشاوير مجهولة تصل من الجزائر لهذا الغرض ؟ أصحيح هذا؟ أما أننا لم نستوعب الأمر بشكل كبير؟ أليس لهذا السبب تم طردنا من تامتاغت؟ اخذت الرحلة أربعا وعشرين ساعة، كانت تزداد صعوبة و تعبا تدريجيا و بازدياد كلما أمعنا في السير.يراقبوننا بدون انقطاع ، ولايرفعون أعينهم عنا طرفة عين ، حتى عندما ننزل من السيارة لموضوع ما، يصطحبوننا بأنفسهم، ويقفون فوق رؤوسنا ريثما ننتهي من قضاء حاجتنا كي يرجعوننا إنهم لايتركوننا نسترد أنفاسنا. 

إننا في الشهر الثاني من السنة.تحت وطأة الإتهام والبرد القارس والتعب أحاول جاهدة أن أتنفس بعمق ، الهواء مملوء بالرطوبة،أسمع صوت الضفادع . أستنتج أننا تركنا فى الصحراء،وصرنا قريبين من الساحل.صحت تكهناتي و اعتقاداتي. سيول الفيضانات قطعت الطريق، مما جعل مشي العربات المصفحة التي تقلنا غير ممكن . إننا مجبرون على الهبوط منها والصعود من عربات،لاندروفر.جعلونا موزعين إلى ثلاث فرق كما كنا.غطوا أعيننا.لشدة شعوري بالبرد أخد قلبي يرتجف و أسناني ترتعشان . فجأة سمعت صوت شخص سرعان ما اختلط صوته بأصوات بعض المخازنية و صوت يورو. وإذا برجل يخرج من الظل.إنه الكولورنيل بناني، المشرف المسؤول على عملية نقل من حبس إلى آخر.إنه يقترب مني و يغمرني بمعطفه، ويعرض علي السجائر التي جلب لي منها علبتين.تم تابعنا مسيرنا.أدخلونا إلى أحد البيوت، كنا مانزال معصومي الأعين اقفل الباب،ثم نزعوا المناديل التي كانت تشوش الرؤوية.المبنى صغير و معمر وفق التصميم المعماري من مادة الإسمنت.تصميمه هندسي يشبه حرف آل[ L ] كمايكتب بالفرنسية.ندخل إليه عبر بوابة من الخشب ،تفتح على ممر طويل يؤدي إلى ساحة صغيرة اتنصب فيها خمس من شجيرات التين،تقف كأنها من رجال الحرس. 

وللمبنى أربعة أبواب،إنها سجوننا الاربع ،ثلاث منها تتابع بخط مستقيم،أما الرابعة والأخيرة المخصصة لوالدتي تفصلها قائمة زاوية على الثلاث الأوائل.يحيط بالمكان الكثير من المقاتلين والجنود المعدين بكامل اسلحتهم ،لا نقدر أن نأتي بأي حركة دون أن تراها عين المراقب الناظرة باتجاهنا. قالوا لنا بأنهم سيفرقوننا في المبيت ليلا. وبأنه لنا الحق أن نلاقي بعضنا خلال النهار، وأن ناكل وجبات الطعام سوية لكن في الليل من اللازم على كل واحد منا أن يرجع إلى زنزانته توزعنا على الشكل التالي: والدتي وعبد اللطيف، أنا و شقيقاتي الفتيات، عاشوراء وحليمة .أما رؤوف فقد كان لوحده .نزل علينا هذا النبا كصاعقة وأخذنا نصيح بالبكاء.استنجدت أمي ضمائرهم، ورجتهم، و توسلت اليهم قائلة بأن ليس لهم الحق بأن يفرقوا بينها وبين ابناءها .وأضافت بأسى وانكسار:اقدر أن أتحمل كل شيء إلاهذا...إنه فوق مقدرتي . 

سيدتي اعرفي أنني أشعر بالعار مما افعله...قاطعوا الكولونيل نبالي ثم اكمل وهويبدو في أقصى درجات التأثر و الاضطراب : هذه المهمة ستلحق بحياتي الخزي ابد الدهر.لكنني من حظي السيء اني تلقيت أوامر، وأنا مجبر على ان انفذها . 

هذه الزنزانات الغارقة في الياس،لم تغير أي في واقعنا البائس المرير.كنا قد اعتدنا على الإنهاك و الاجهاد ، والاتساخ،لكننا هنا في موقع للنفايات.كيفما استدرنا أولمسنا، كان يصيبنا رذادا النفايات.الجدران مطلية باللون السكني، الرطوبة خانقة، الماء ينزل من السقف نزولا حتى الارضية .الضوء الكهربائي شحيح مزود بمولد كهربائي لا يعمل إلاساعتين فقط في الليل.أما الاغطية الاسفنجية القديمة فكأنها ملتصقة بالأرض، ويغطيها شرشف لا داعي للتكلم عن نظافته. 

 كل زنزانة تحتوي على عدة حجرات صغيرة، تكاد لا تتسع لانسان واحد، ذات سقف تنكشف منه السماء، تغطيه القضبان الحديدية والمشبكة والسميكة إنه مصدر الهواء الصافي الوحيد لدينا.تلك المخصصة نبلغ إليها بعد أن نتخطى ثمان درجات. أما الرئسية فهي معدة بحمام وغرفة للنفايات، علوها متر ونصف عن الأرض،نصل اليها بمعاونة الدرج.واستطاع عبد اللطيف الذي كان ما يزال صغيرا على التحمل، أن يجد فيها منافسا له.فقد نجح في ان يحدث نقل بلاستيك بواسطة سميه الفحم المشوي، و ألصق عينه به في محاولات ل اكتشاف ما يوجد خلفها في الخارج. 

في زاوية الساحة، هناك حجرة فيها أربع أسرة،يتسلل إليها نور خفيف من كوة في الجدار مغطاة بقطعة بلاستيك، وحمام و كابينة أودعنا فيها حقائبنا وهناك ما يدعى ب ( غرفة رياضة)،. وزاوية مرحاض قليلة الحجم مخصصة للاستحمام الذي تقوم به عن طريق السطول الممتلئة بالماء.. حصلت أول مداهمة في اول/ شهر نيسان أبريل.أرادو تخويفنا وترويعنا كان .يدير هذا المعسكر بورو.إنه شخص قاسي، يتلقى أوامره من الرباط وينفدها بتفاصيلها كلمة كلمة.يصادر الأسطوانات والأجهزة والكتب.من حسن حظنا أننا أكتسبنا مهارة في ردود افعالنا الحذرة والسريعة.فيما البعض يشغلون المخازية يسارع واحد منا إلى الجهاز ، وبمنتهى الخفة يسحب الأسطوانات و يخفيها بين قدميه.المذياع الصغير خبئناه عن أعينهم بنفس الطريقة، كذلك الكتب المدرسية والشريط الكهربائي.خلال هذه الإحدى عشرة عاما من الكابوس المستمر، وصلنا هذا المذياع بالعالم الثاني .ربما بدونه ماكنا لنتمكن من ان نظل أحياء.كنا كل عام في ذكرى عيد ميلاد الملك،نرسل له بطاقة نطلب فيها ان يعفو عنا.في شهر تموز يوليوأرفقنا البرقية ببعض الصور التي رسمتها بذاتي له ولولده محمد سيدي ومحمد الخامس.لم يتأخر شكره لنا إذ بعد فترة قصيرة.حبسنا بورو وزمرته كلنا في زنزانة رؤوف منذ الصباح وحتى حلول الليل . 

في ٣٠ من شهر كانون الثاني/يناير، يوم عيد ميلاد رؤوف العشرين اعتقلوه في زنزانة، وفرضوا عليه العزلة المطلقة .لم يعد له الحق بالخروج أو بملاقاتنا . لاحقا بعد عدة أيام أتى دورنا.بحجة أننا تجرأنا وطالبنا بان يزيدوا عدد قواير الغاز الصغيرة لأننا عدنا نتعب من شدة البرد.. ما كنا لنبقى احياء ، لولا العناية الإلهية التي غمرتنا بالحماية والرعاية .ما إن كنا نصل إلى حافة الموت الاكيد حتى كانت تمتد إلينا يد سرية وتنشلنا من السقوط في الجحيم. 

 الملك سيصدر عفوا لنا في ٣/اذار/مارس ١٩٨٦ ،بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتسلمه العرش. 
 شكرا، لأنهم اعطونا هذا الإحسان بعد انقضاء خمسة عشرا سنة بين قضبان الزنزانه .كان يحلو لعبد اللطيف أن يضع عينه فوق ثقب مخدوش فى حمام زنزانتنا. مرة راقب موقع شاحنة عسكرية، حاول تويسع حفرة كي يتمكن أن يراها بدقة اكبر.في صباح أحد الأيام كان بموقعه كالعادة ،بدون توقع دخل الضباط.أخبروا بورو بموضوعه. حضر فورا لرؤية الفتحة بنفسه.قال انا أعلم بشكل دقيق ، أنكم تبحثون عن طريقة للفرار. في صباح اليوم التالي، أخبر والدتي إنهم سيعدوننا إلى الوضعية الماضية .تلقى بورو أوامر تقضي بتعزيز الحراسة علينا و متابعتنا. كل الأجسام الحادة والجارحة تمت مصادرتها،نزعوا الزجاج أيضا من النور ، كان الحرس يفتحون الزنزانات يفتشون الزنزانات ليبحثوا عن أقل نفق أوثقب .تلك الملاحقات لم تكن بالأمر السهل.تصميمنا كان قويا لا يهتز . 

 لقد قررنا كلنا الهرب.انتهى الأمر.لاشد ماكان رؤوف يرهف السمع إلى خطوات الضباط أثناء التبديل والمناوبة. أصبح يعلم نوعية كل شبر من الأرض نسبة الرطوبة فيها و الاهتزاز .طلبنا من عاشوراء وحليمة أن تثقبا من زنزانتهما، وترسلا عينة من التربة كي نراها , كل واحد منا فعل الشيء عينه في سجنه.بعد الالاف من المناقاشات، وعدة تجارب عند عاشوراوحليمة .خططنا أن نحفر نفقا في الزنزانة المظلمة المحادية لنا ،تلك التي نضع فيها حاجياتنا الخاصة ، ومؤونتنا.و البلاط كان في حالة تعاوننا على إخفاء الحفريات التي ننوي ان نعملها . هناك سبب آخر دفعنا إلى اختيار هذا الموقع بالذات،وهو أننا عندما وصلنا إلى بير اخر، بعد أن رفعت العصبة عن نظري .عرفت ان هذه الزنزانة تقضي إلى بستان بور. أمي ورؤوف، هم المهندسان ،هما اللذان وضعا تصميما للمشروع الذي تم تنفيده في هذا السجن المظلم . التي تقرر نزع بلاطها.راى رؤوف لون البلاط الذي أرسلته له، وشرح لي كيف في مقدورنا أن نتعرف على طبقات الأرض.الطين يعني بأنني وصلت إلى الأساسات، وعندها يجب الاستمرار في الحفر بشكل عامودي كنت استمع إلى إرشاداته بحذر شديد، كان يغلي من حقه لأنه لايشاركنا تنفيد الاعمال . 

 في ٢٧/ كانون الثاني /يناير١٩٨٧ ، بعد ظهر اليوم الذي خططنا فيه نهائيا المضي قدما فيمااعتزمنا فعله ، نزعنا الإسمنت. ورفعنا البلاطات وذلك بمعلقة، وغطاء علبة سردين ومقبض سكين، ، وقضيب حديد،انتزعناه من فراشنا . وعندما أقول نحن فإنما اعني أنا، وماريا، وسكينة،أما ميمي فكانت واهنة لدرجة لاتسطيع فيه أن تعاوننا، لكنها تشجعنا وكانت نشطة فيما يتعلق بتنظيف الأرض من آثار الدمار. خلال ساعتين انتزعنا ثماني بلاطات.وعلى مدى أسبوعين تدربنا على أن ننزعها وعند إلصاقها بالاسمنت الخاص وهو الذي اكتشفه عبد اللطيف،وهومزيج من الرمل و الرماد ومطاط. وضعنا خطة كي نحقق إنجاز مهما بمعاونة القضيب الحديدي السميك الذي كنا نخفيه دائما في فراشنا ، قمنا بتوسيع الثغرات التي كانت قد عملها الجرذان و الفئران في الجدران، والتي كان الحرس اغلقوها بالإسمنت الذي أعدنا فتحه مرة ثانية ، كنا نرطبه بالماء، كي لايشتد ويقسو ويتصل انتقلنا إلى الخطوة التي تليها :حفر ثغرة تصل إلى مستوى الاساسات. كنا قد حفرنا حفرة كبيرة تحت سريري بين زنزانة امي وزنزانتنا .أخرجنا "الصخرة" بعد تعب و اجهاد حيث تمكنت أمي وعبداللطيف من تخبئتها بكوة مع أحجار أخرى أصغر حجما. كان عبد اللطيف اسرعنا في التسلق وكانت امي تمده بالأحجار بغية وضعها بعناءوبشتى الطرق بين أكوام الثياب التي استعملناها .كنا نحاول أن تتم طريقة نقل الأحجار في الوقت الذي يشغل فيه المولد الكهربائي، وذلك كي لا يشك حراسنا. اما الأحجار التي كانت تعترضنا ونحن نحفر الطريق فقد كانت تستقر في زنزانة الام التي كانت تحزمها في خرق قديمة ثم تحمل عبد اللطيف على أكتافها كي يتمكن من وضعها في كومة حجرتها الضيقة. كان الحراس يدققون في آثار الرطوبة الظاهرة على جدران وكانوا لا ينتبهون لما عمله عبد اللطيف صاحب الخيال و الخدع ، إذ رأى أن يسد الثقوب بين الصخور بخليط يشبه الكلس، صنعت امي من سراولينا الباليه مساند مستطيلة مختلفة الاشكال وكنا نملئها بالرمل الذي كنا نخرجه . كنا نعمل كفريق في مصنع بشكل تلقائي ، كنت في حفرتي املأ صفيحة زيت بالية ، ثم أشد الحبل فتنتبه اشقائي بالأعلى أن رفع صفيحة قدحان فكن يرمين المتبقي من الرمل داخل الزنزانة ثم يمزجنه بماء تكون مريم قد ملأت به الصحون ،ثم تعجنه وكأنه خبز.عاشوراء وحليمة كانتا متخصصتان فى عمل الخبز وكانتا تسللان إلى سجنهما من كوة كبرت مع الأيام، كانت قد شقت في الحائط الفاصل بين زنزانتهن وزنزانتنا.كان عبداللطيف يتسلل من الحفرة التي كنا قدحفرناها بين زنزانته وزنزانتنا كي يتشارك معنا هو أيضا بعمل المشروع.شرعنا نثقب بشكل أفقي، فحسب نصائح رؤوف لابد من الثقب ل نفق طوله خمسة أمتار كي يكون طريق نفقنا خلف السورين وقد اعطينا النفق "إسم مريم"، وبما أن رفضنا الإسلام الذي لم يقدم لنا شئ جيد اخترنا العقيدة الكاثلوكية. 

 يوم الثامن عشر من شهر نيسان/ أبريل وصلت الأمتار الخمسة المتفق عليها و انقطعت عن الحفر.كنت قد اشتغلت بلا كلل وبلا تعب رغم كرهي الطبيعي للأمكنه المقفلة . كنت أعيش ومشروع الانتقال من السكون إلى الجنون إليكتروني. .كنا قد توافقنا معا على الفرار، في شهر كانون الأول/ ديسمبر وخططنا لترك معتقلنا في ليلة شتويه لا بدر فيها، كنا نريد لهروبنا أن يتم تحت جنح الليل ليقينا، لذا أقفلنا النفق وموهنا البلاط ونحن نعلم أن سنعيد مباشرة عمليات الحفر قبل أسبوعين من الموعد المخطط له .كنا ونحن نخطط للهروب لا نستبعد الأسوأ.لذلك قررنا قتل ذواتنا إن قبض علينا، فنحن لم نكن نرغب بالاستمرار في هذا الوضع السيء . 

يوم الأحد، ١٩ نيسان/أبريل ١٩٨٧،اليوم الذي يلي لإغلاقنا النفق، كنت أفترش أرض السجن، معرضة وجهي لنور الشمس الربيعي.فجأة تناهى إلى أسماعي صوت " الحركة التحذيرة" والتي كان مصدرها زنزانة والدتي التي همست لي قائلة عندما دنوت من الجدار: اسمعي يامليكة، سمعتهم وهم يتكلمون.لقد تلقوا أمرا ببناء محراس وبرج مراقبة، فوق سطح السجن التي تقع فوق النفق، وأن الكوخ سيينى بالضبط فوق النقطة التي يقع فيها الطريق.وسيكون هناك كشافات ضوئية. 
ماذا عسانا نعمل؟ 
أجابتني بتمزق وحيرة: 
مامن خيار ثاني ، يجب عليكم حفر النفق مباشرة الآن و المغادرة هذه الليلة. 
كانت لدي اعتراضات كبيرة، ولكن رفضت والدتي ان تصغي إلي،وأصرت على رايها قائلة: أما هذا أو لا شيء، أخبري رؤوف بالأمر حالا .كان رأي رؤوف متناسب ومتوافق مع أمي، وهكذا بدأت الحفر عند منتصف الظهيرة كي أنتهي من حفر المسافة المرادة في الساعة السادسة مساء. 
  لم يتبق لدينامن الاعمال الإ إزالة الرمل الذي تراكم بسبب الحفر.كنت أعمل بجهد ،لم تعد المعلقة تكفني، غدوت كآلة سريعة.أحفر، وأفرغ الرمل،..كطاحونة هوائية لاتتوقف عن الدوران. وقعت على عشبة لبلاب تضرب بجذورها عميقا في الارضية .شددتها بكل قوتي. فجأة رايت السماء أمام عيني،كانت خيوط النور تشير إلى أننا في آخر النهار،احسست بنسمة رباعيه.تداعب وجهي برقة .عدت إلى الزنزانة و قلت لهم بإفتخار أننا انتصرنا. أخيرا: لقد رجع القندس إلى سيدني بالرمح الصغير.مررت لنا والدتي الثياب التي خاطتها لنا،وبعض المواد التموينية، وقضيب الحديد.تأهبا للمغادرة ، وصل رؤوف كالعادة متسللا من ثغرة مع هبوط الليل حانت لحظة الفراق . تمددت على صدري،فعلت والدتي الأمر عينه من جهتها.كان صوتها يرتعش عندما تكلمت أخيرا لتقول لي: أنني أاتمنك على دمي و لحمي ، أنني أضع بين يديك فلذات كبدي أعرف أنك ستكونين كالأم لهم،عديني أنك ستعيديهم إلي أحياء. 

عندما لم نحس بأي حركة من جهة الحرس، قفزت بدوري لاذهب إلى ماريا.ثم تلاني عبد اللطيف و الرؤوف بعد ان التأم اجتماعنا و شملنا ،كان لاشعوريا أن يلتصق كل واحد منا بالثاني ويمسك بيده المرتعشة .اعتادت أعيننا على الظلمة،بدون خوف ،غصنا في لجة المساء. الله وحده يعلم كيف إستطعنا لاحقا من استعادة السيطرة على ذواتنا .وعندها تابعنا وجهتنا نحو اليمن ،وجدنا أنفسنا في حقل كبير مزروع بالفول،قريب من ثكنة عسكرية . بعد عدة كيلو ميترات من المشي ،شاهدنا مركبة ركاب من نوع الذي يجوب القرى و البلدان .انضمننا إليهم. كانت أنظارهم جميعا متجهة نحونا، مما أربكنا.عرض رؤوف على السائق ان يدفع له سوار ثمنا لياخذنا لكنه رفض.مرت بنا شاحنه رفعت يدي مؤشرة له بالوقوف.كان السائق رجلا ودودا، صعدنا نحن الأربعة معه دون أن يسالنا اي شيء .في آخر القرية، كان يوجد موقف لسيارات الأجرة، يكتظ بحشد كبير من الناس كانوا يحتفلون ويتجمهرون. ذهب رؤوف ليرى بعض المعلومات ثم عاد وأوضح لنا بأن التكاسي تتجه إلى دار البيضاء. لن أنسى أبدا الدهشة والإستغراب عند بلوغنا إلى دار البيضاء، وعبر الأحياء الشعبية.كنت قد نسيت كل شئ عن البلدة وافق السائق على اخذنا بمعية السوار الذهبي ،أملى عليه رؤوف موقع سكن جميله حبيبته، أنطلق التاكسي على وجه السرعة بعد أن أنزلنا ولكن الصدمة كانت بانتظارنا، لقد انتقلت جميلة من هنا ،فاحسسنا بأننا مهجرون .نفدت جميع الطرق ، ولم يعد لدينا أمامنا إلا بالافريج. ما ان بلغنا إلى فندق أهلا، حتى توجهت على الفور إلى قسم الاستعلامات طلبت ان ارى السيد بلافريج بصوت حاسم، وحددت الموقف قائلة: من قبل مدام آليرنتي.انصدم عامل الاستقبال، لم يتوقع أن امرأة بهذا الشكل العجيب تربطها علاقة معرفة بالرئيس. اعتذر بأنه ليس متواجدا، لقد توجه إلى مدينة الرباط.عبست، ورحت أقول بصوت عالي: ماذا ؟ إنها فضيحة أين هوجناحي؟ لقد تم حجزه باسم آلبرتبني. 
أصررت أن يتكلموا هاتفيا بالسيد بلافريج، و يقولوا له بأن مدام آلبرتني بانتظاره. عادعامل الاستقبال بعد عدة دقائق وقال لي: السيد بلافريج طلب منا أن نحجز لك حجرة . 
طلب مني العامل جوزات سفرنا ،تظاهرت بالانزعاج قائلة: أنا صديقة مدير الفندق، وتلحق بي هذه المذلة .وبعصبية مفتعلةاستدرت تاركة المكان، يتبعوني الآخرون، ذهبت إلى مقصف قريب من الاستعلامات،وطلبنا بعض القهوة،علها ترفع بعضا من معنوياتنا.كانت الساعة تقريبا الحادية عشرة، قررنا أن نختفي بالقرب من المسبح،ثم بعدها نمضي ما تبقى من الليل في ملهى الفندق. 

 في الصباح، غسلنا وجوهنا، و رتبنا انفسنا، دخلنا إلى بهو الفندق كما لو أننا جئنا لتونا.كان علينا أن نتحلى بالمستوى المناسب كي نقوم بالاعباء المترتبة على فرارنا. كان السياح يروحون و يذهبون ،لقد كانوا ينزلون من باصات تصطف أمام الفندق،يروحون يتكلمون بكل اللغات. كانت الحياة تتحرك أمام اعيننا بفرح وسرور، وببساطة و سهولة ، وكنا نحن خارج معدلاتها ونعيش مهجرين على هامشها. كل شئ يدفعنا أن نكون من بين عداد الوفيات، ونحن كنا نناضل و نتامل أن نكون من بين الأحياء.تركنا بهو الفندق، وتوجهنا إلى الحديقة المحاطة بالأشجار الجميلة كنا في يوم الأربعاء الواقع في ٢٢ نيسان/ أبريل.كان قد مر ثلاثة أيام على فرارنا، دون أن ينجحوا بإلقاء القبض علينا. كنا مازلنا ملتحقين، و خائفين، ومتنكرين..لكننا أحرار.لقد تمكنا من ذلهم والاستخفاف بهم. اشتقنا لأمي وإلى شقيقتي كثيرا، أننا نفتقدهن بشدة. ترى كيف عاملوهن حينما اكتشفوا هروبنا؟متى سيجتمع شملنا مرة ثانية؟وأنا عائدة إلى الصالة، صادفت " فتى الاستقبال ".كان يبدو متعبا ومتوترا.شرع قائلا: دعينا نلغي الموعد، ليس عندي وقت.جميع الزبائن مصابون بالخوف.ويريدون العودة إلى بلادهم.رجال الشرطة في كل مكان. تساءلت ببراءة غريبة : ولكن لماذا،ما الذي جرى ؟ 

إنهم يبحثون عن أربعة مجرمين، أربعة هاربين خطرين.
 أعلمت الموضوع لاخوتي، كادوا يفقدون صوابهم من الخوف ، شأني أنا . 
 كنا نجلس في مقصف الفندق. وإذا بالسيدة الفرنسية تدخل بصحبة ابنها، ألقت علينا التحية، ثم دنت منا عندما لاحظت حالتنا الخائفة البادية على محيانا . سألتنا بلهفة : لماذا كل هذا البكاء ، انتهزنا الفرصة بالإضافة إلى اهتمامها بنا كي نلعب المسرحية التي كانا أردنا أن نؤديها مقابلها . وهي ان -اختنا،صحفية في إذاعة " فرانس انتر وقد تقرر إدخلها إلى مشفى " فيل جويف" لعلاجها من سرطان الثدي.أهلنا لا يعلمون بعد بالموضوع.ونحن لانعرف كيف نتكلم معها بالمحطة. علقت قائلة: ولكن يا صغيرتي العزيزتين، لماذا باتصالات لراديو ميدي١ (ا)؟ إنهم سيعطونكما هاتف" فرانس أنثر" في باريس. وهكذا ستقدران الإتصال بأختكما.كان من المسلم به ان لا نقول لها عن شكوك عمال الهاتف بنا. رحت ارتعش وأقول: لا نقدر أن نقوم بذلك بأنفسنا...ما إن نهم أن نتحدث حتى ننفجر بالبكاء. اقترحت علينا أن تذهب بذاتها بحثا عن رقم الهاتف من أجلنا. لقد اتصلت"ميدي١" حيث اعطوها رقم هاتف " فرانس أنتر" شكرنا جهودها ثم تركناها.تركت ماريا تدبر شانها مع عامل الهاتف، وأكدت عليهما أن تطلب التحدث الآن جو شالفرون، إنه أحد الأصوات المعروفة في إذاعة فرانس أنثر. انتظرت شقيقتي في صالة الفندق ريثما تتنتهي من مهمتها.أتت على وجهها علامات النصر.لقد نجحت بدبلوماسيتها أن تكسب رضا و موافقة عامل الهاتف.....بضربة حظ اجاب عليها دو شالفرون لأنه كان موجودا وحولوا له الخط، قالت له: إننا أبناء الضابط أوفقير، لقد هربوا بعد خمس عشر عاما من الإعتقال بعد أن حفرنا نفقنا داخل حبسنا، وحاليا نحن الآن في طنجة. نحن نرغب بالمعاونة .نريد أن نتحدث إلى روبير باديثر ونطلب منه إن يكون محاميا لنا.في بداية الموضوع ،لم يصدقنا الصحافي،ضل يردد بسخف: ما هذه الوحشية....؟ هذا كثير. ثم مالبث أن طلب منا برهانا .أعطيناه رقم هاتف الفندق والاسم الحربي "آلبرنتي".وضعنا الهاتف، ونحن نرتجف من الانفعال، بعد عشر دقائق عاود الإتصال بنا، ذكرقائلا: 
 إنه سبق صحفي عجيب، هل تعلمون حقيقة الأمر؟ هل تدركون أن فرانسوا مثران سوف يحط في المغرب خلال عدة ساعات في زيارة عالمية؟ لقد اتصل الآن دوشالفرون بمحطة مطار روسي، حيث تم التحدث مع الرئيس ، وهو في طائرته الكونكودر، ونقل إليه النبا.وأخبرنا أن بادثير لن يتمكن أن يدافع عنا،أقترح علينا الصحافي أن نتكلم مع المحامي كجمين. وعرض علينا أن يتولى الأمر بذاته بعد أن وعدنا بالاتصال. 

 تركت ماريا تلاحق رصد التحركات. كان الآن جو شالفرون قد عاود التكلم معها مجددا عبر الهاتف، أملنا عليه النداء الذي كنا نريد بتوجيه إلى الملك.ذكرنا له في سياقه أننا لسنا سوى أطفال ، وأنه من الإجحاف و الظلم أن تتم معاقبتنا لأننا نحمل اسم والدنا .ثم أعلمنا الصحافي بأن مبعوثا سيحظى من محطة أورسي لكي يلاقينا في نفس الليلة .أعطيته موعد بالموقف نفسه.ما إن وصل حتى كشف لنا عن شخصه .فجاءنا بروده، لقد كنا نعتبره مساعدا لنا، ابتعدنا داخل الموقف كي نتلافى بعض الأنظار التي توجه إلينا. التفت يمينة ويسرة كي يتأكد من أن أحد لا يتطلع اليه ، ثم أخرج قلما وراح يسألنا ببرود إذ كنا فعلا أبناء أوفقير. وأضاف قائلا كل واحد يقدر أن يدعي هذا، أعطوني برهانا على صحة ادعائكم . بدأت أتحدث عن الاعمال السياسية لأبي، لكنه قاطعنى قائلا:حدثيني عن حياته الشخصية جدا...عن علاماته المميزة . أجبته بأنني لا أعرف والدي كثيرا، ولكنني أعطيته تفصيلا لا يعلمه إلا من عايشه عن كثب.أخبرته عن آثار الجرح في أعلى معصمه الأيسر،أصيب به بسبب انفجار قذيفة. فظهرت عليه علامات الرضا من هذه التفصيلة الدقيقه.قبل أن نفترق ، أعلمنا بأنه في اليوم الذي يلي هذا اليوم ، خلال النهار،سيأتي المحامي دارتفيل وهو مساعد كاجمن، سيحضر من فرنسا خصيصا لمقابلتنا.رأينا من الملائم أن يتم اللقاء في صالة الفيديو الصغيرة المتواجدة في الفندق.ما ان اكتشفتها حتى اتخدناها مكانا لنا. 

وصل المحامي برانادر دراتفيل في ساعة متأخرة من يوم في ٢٣/ نيسان/ أبريل يصاحبه ايرافه كرين الذي كان يحمل الآلة تصوير. أشار جغرافيا في كلامه إلى دور فرنسا الرائد في مجال حقوق الإنسان.ثم اعطاني رسالة من الرئيس مثيران مضمونها : 

يجب أن تكونوا فخورين بذواتكم ، ففي العالم ملاين الأطفال المظلومين والمقتولين،والمحتجزين،لكنكم السابقون الوحدين الذين واجهوا وناضلوا وصمدوا حتى النهاية. أعطانا ورقة كي نوقعها، تقول بأننا نوكل مكتب المحامي كجمين مهمة حمايتنا، أعلمنا بأنه يجب أن يأخذ لنا صورة شخصية . 

 حدد دراثفيل لنا موعدا ثانيا ، في المساء. عندما عاد في الليل هذه المرة بدون كرين أعلمنا دراثفيل بأن كل شئ أصبح معدا لرحيلنا المزمع في اليوم الذي يلي هذا اليوم الساعة العاشرة ونصف صباحا.وما ان نصل إلى القنصلية الفرنسية حتى يسرعوا بنقلنا بطائرة فرنسية . 

انتقلنا مباشرة إلى المقصف بانتظار قدوم دارثفيل.سمعنا نداء الاستعلامات:المطلوب ان تاتي الآنسة أوفقيرا على وجه السرعة .. 

تصرفت وكأن الأمر لا يهمني .ألم يكن أسمي ألبرنتي؟ 
مرة ثانية ذيع النداء ، كانت الساعة العاشرة وخمسا وعشرين دقيقة، من يوم الجمعة الواقع في ٢٤/ نيسان /أبريل ١٩٨7 .توجهت إلى بهو صالة الفندق.بدلا من أن الاقي سيارة المحامي دراتفيل، شاهدت عربة الشرطة التي توقفت مقابل الباب الزجاجي. راح الجنود ينزلون الواحد تلو الثاني من الشاحنات التي أخدت تصطف في قافلة طويلة تعد بالعشرات. 
نص دزينه من الشرطة انقضوا علينا ، واحد منهم طلب منا إبراز بطاقات تعريفية خاصة بنا .أنت مليكه أوفقير ؟ سألوني.لا، ابدا.إسمي آلربنتي .أجبته بترفع.بدوره أطلق رؤوف ذات الكذبة. الرجل الذي يبدو عليه المسؤول الآمر، استدار واعطى امر لرجال الشرطة ،بأن يمسك بنا. بما أن اعتقلنا يجب أن يتم بسكون تام بدون لفت أي انتباه، أجبروني على ان ندخل الممر وهم يدفعون برؤوسنا نحو الاسفل. ركبونا في الشاحنه، واقتادونا إلى مفزرة طنجة. أمام المدخل كان رجال البوليس يصطفون كسياج وكأنهم يرغبون في إلقاء التحية علينا. لقد عاملوننا معاملة العظماء .أخدو ملابسنا، وبصمتنا، وأدخلونا إلى حجرة التصوير، وبلغ اعتزازنا أوجهه عندما تكلم المدعي العام أمامنا مع وزير الداخلية إدريس البصري وقال له:ولكنني أقسم لحضرتك بأنني اعتقلتهم، أقسم لك بحياتي ابنائي.يا صاحب السعادة..إنهم جميعا الآن هنا مقابلي....نعم...الأربعة.مليكة ، رؤوف، وماريا، عبد اللطيف.نعم..نعم.. إنني أنا شخصيا من امسكت بهم...بالطبع بتكتم شديد... نعم مؤكد ...كما تأمر حضرتك.ثم أعطوا الأوامر السريعة لاخذ عبداللطيف. 

لم يتراجعوا عن افتراءتهم و مزاعمهم.وكانت أسئلتهم الصادمة على نحو التالي: =لماذا تكلمتم مع محام فرنسي؟ لماذا لم تثقوا بالحكومات المغربية؟ لماذا لم تطلبوا العفو الملكي على قبر محمد الخامس؟ 
أنت ابنة القصر، و تعلمون العادات جيدا...لم يكن جلالته ليرفض أبدا اعطائكم العفو السريع ، وكانت كل المواضيع ستتم على أفضل وجه. والآن لا تكذبوا ، وأخبروني عن المتورطين معكم.قصة النفق هذه لن أصدقها؟ وأنتم لاتملكون أداة ملائمة تحفرون بها....عدا عن أن الرقابة كانت كبيرة ومن غيرالممكن الفرار من بير جديد. 

 بسرعة وافقت الاجابه، الجنرال كسوس المفتش العام ، ، وقد بدت على وجهه علامات القلق والإرهاق...أخيرا علمت...إننا نقترب من نشرة الأخبار .آذاع المذياع بعد المقدمه والموسيقى.تلا العناوين:

 هروب يثير الصدمة ،نقده أربعة من ابناء الجنرال أوفقير.أطفأ كسوس الجهاز بقوة ،والتزم الجميع بالسكون 
أخبروني من الحجرة. ان هذا الإعلان الإخباري كان دليلا كبيرا على فوزنا .بعد نصف ساعه لاحقا،عاد كسوس لملاقاتنا مجددا. من خلال امارات وجهه، علمت بأن شئ ما تغير في وضعنا.بدون شك، لقد سهو إلى إقناع الفرنسين بعدم نشر النبا، وربما أيضا حاولوا اقناعهم بأن قضيه أوفقير هي قضية مغربيه داخليه بحته، بالرغم من أنها مسالة انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.لسوء حظهم لم يعد بمقدورهم إلغاء الموضوع وجعله سريا، ومعاملتنا كالسابق.إنهم يعاملوننا الآن بتقدير . 
اخذونا إلى الدار البيضاء، إلى مركز البوليس بن شريف الذي يثير ذكره خوف المعتقلين السياسين ، والذي يراسه اليوسفي،القائد العامة الشرطة في البلدة.صعدنا أدراجنا، واجتزنا طريقا طويلا كان في نهايته بانتظارنا كل من اليوسفي العبوش، و رئيس جهاز المخابرات،وثلاثة قادة آخرين.هؤلاء الرجال الخمسة هم خدامون النظام الوفيون،كانوا يهنئوننا نحن؟!!! 
قال لنا اليوسفي:برافوا، إنه في الحقيقة الفرار الكبير....وراح يمتدح جرأتنا عندما كنت أنظر بعيني نحو الأرض. مما جعله للتعليق على هذا بالقول: لاتفعلي... بالكاد جئت ، وأنت تتفحصين البلاطات لكي تتمكني مرة اخرى من الهرب.ألاتعتقدين أن مرة واحدة كافية ؟ -سألنا فورا عن انباء بقية أفراد عائلتنا .طمأنونا بأنهم كلهم بخيروأعلموننا أننا سنراهم الآن مباشرة . نادى اليوسفي شخصا أمنيا كان ينتعل حذاء قديما ، كانت مهمته تعصيب أعين المساجين ،كان يمسك عصا معه .وهو يمر أمام الأبواب.كان يصرخ " باندا باندا" لذلك صاروا ينادونه "باندا " .لقد فتح الباب وأدخلنا إلى إحدى الحجرات.كانت سيدة كبيرة بالسن تتناول الحساء...أنها والدتي .الإضراب عن الطعام ، والهم والقلق محاولة الانتحار، ،بعد هروبنا، كل هذه الأهوال جعلتها تشيخ قبل موعدها. تدافعنا نحوها نحن الأربعة و ركعنا أمامها على ركبنا، أخدت يدها بالارتعاش .وضعت المعلقة على المائدة وهمست بصوت منخفض بالكاد سمعناه:أطفالي ...هل أنتم... حقا أطفالي ؟

 لقد تغيرنا بشكل كبير، إن تلك الأيام الأربعة من الحرية ارجعت إلى أعيننا امل الحياة الذي طالما اعتقدنا أنه انطفأ إلى نهاية العمر. كانت ميمي بيضاء مثل المبشور، و الخوف يطل من عيني حليمة وعاشوراء. احتضننا بعضنا البعض مطولا. ضحكنا وتدحرجنا على الارض وهتفنا:لقد فزنا...تخلصنا من الكابوس الذي انتهى ،لم نعد في بير اخر. -وصلت أمي والفتيات إلى مركز بوليس بن شريف يوم الأربعاء الواقع في ٢١ نيسان / أبريل.أي بعد ثلاث أيام من فرارنا. 
في البدء كان ظروف احتجازهن عجيبة رهيبة. اوقفهون على الحائط، صفا، كي يرتدين الثياب العسكرية ، وكانت القلسنوة الغامقة تغطي أعينهن المعصوبة. أجبرونهن على الوقوف بهذه الطريقة عدة ساعات بدون اي حركة ،وهم يستمعون للصرخات الموجعة التي كان يصدرها بورو وهم يقومون باذيته داخل الحجرة المجاورة، وكان يصرخ و يصيح بأن لا ذنب له... ولاعلاقه له بما جرى...لقد أبقوهن عدة أيام بدون اكل. الطعام الوحيد الذي منح لهم كان معجنات معدة للكلاب، وشرابا لا اسم له، تطفو على سطح بعض بذور الأرز. عندما استجوبوا والدتي وحققوا معها، أجابتهم بأننا نزعم الانتقال إلى طنجة. قبل ساعتين فقط من وصولنا إلى مركز البوليس بن شريف، توقفت المعاملة السيئة مع السجناء، أدركت والدتي عندها أنهم أعادوا القبض علينا مجددا.

  متى ستحل عقدة مسالتنا؟ متى سيطلقون سراحهما ويحرورننا؟ 
 في منتصف شهر شباط/ فبراير ١٩٩١ ، جاء لمقابلتنا كل من العبوش، بوعبيد، وولي بلدة مراكش . كانت المكالمة معهم شبيه بلعبة الشطرنج. أول قدومنا إلى مراكش ، كانوا قد ذكروا لنا بصعوبة ،بأننا نستطيع أن نكون فخورين بذواتنا ، وأن هروبنا سيكون له صوت ومضاعفات سياسية أكثر مما يمكننا أن نتخيل أو نتصور .. 

 لقد أبدى بو عبيد هذه الكلمة قائلا: فضل الذوي الذي أحدثه فراركم في أنحاء العالم، فأن الصحافة جميعها ستهتم أكثر وأكثر بمصير المحبوسين والمعتقلين السياسين في المغرب. 
=في هذه الجلسة ،حاول الوالي أن يستفزني كي يغضبني ، فراح يتحدث بتفاهة عن حركات التحرر النسائية.بعد ثلاث ساعات من الكلام الفارغ، نظر إلي وعبيد فجأة وقال: إنكم أحرار.... 

انفجرت هذه القنبلة تحت مسامعنا .لكنها لم ثؤثر بنا ألبته. 
إننا لانفهم، أو بالأحرى لا نرغب في أن نفهم،ما يجري و يحدث. رحنا نتبادل الحديث وكأننا لم نسمع شيئا. 
راح العبوس يصيح قائلا: يا إلهي...منذ تسع عشرة عاما ونصف وأنتم تنتظرون هذه الدقيقة .هل هذاهو فقط كل ما عملتموه .. أنتم طلقاء... هل تسمعونني ؟ إنكم أحرار طلقاء..... أحرار؟ ماذا تعني هذه الكلمة منذ لحظة فقط كنا مازلنا محبوسين، وهاهم لتوهم يعلموننا بأننا اصبحنا أحرارا...في ثانية فقط لاغير يعدون إلينا حريتنا التي اخذت منا طوال مايناهز عشرين عاما ..ينقلب الشيئ إلى ضده...يالله...ماأهون الثمرة التي تفصل بين الأشياء...التي تستسلم لمشيئة الملك ومزاجه! 

 كان يلزمنا فترة من الوقت لنتقبل هذه الحقيقة الصادمة ، بأن الملك أخيرا منحنا بركته، وغفر لنا وعفا عنا. إذن لقد أثمر ضغط راي الشعب ،والتدخل الأمريكي والفرنسي.وقالوا ونحن نستجمع شتات عقولنا : تمهلوا وخدوا وقتكم كي تتكيفوا على فكرة أن جلالة الملك عفا عنكم وأعتقكم.سوف نرسل في طلبكم خلال أسبوع من هذه اللحظة . 

ما إن ذهبوا حتى اندفعت إلى العناق و الصياح..أيعقل هذا ؟ هل حقا قد زال إلى نهاية العمر هذا الكابوس الذي جثم اعواما فوق صدورنا؟ هل نحن في حلم أم في حقيقة ؟ لقد اجتاحتنا موجة من الفرح...وأخرى متناقضة من الضياع و الفراغ. ها قد أفرج عنا....وأطلق سراحنا. 

كنت قد احترت في اختيار ملابسي، أريد أن أكون في منتهى زينتي وأنا استقبل الحرية، و افرح بها. إنها المرة الأولى التي ننتظر فيها رجال البوليس وقوات أمن البلدة بفارغ الصبر بلاشك ، هذه الدلائل تشير بدقة .إلى أننا سرنا أسياد ذواتنا انطلقت القافلة بعد أن أخدنا مواقعنا داخل المركبات.أخير أ،بات بإمكاني أن اتطلع نحو الخارج بدون حزن أو ارتعاب أو خوف. 

 أخدت الرحله من مراكش إلى الرباط تقريبا ثلات ساعات .امضينا في مراقبة المشاهد الخارجية بنهم و بعنف، كنت أنظر إليها بعين الموافقة والتقدير.يذهلني هذا الاحساس بالحب لبلادي، وأتعجب من شدة قوته التي لم تمل منها وطأة الماضي الموجع. وأخيرا توقفت القافلة عن المشي في الرباط ، أمام بيت خالي وحيد. كانت الاسرة كلها مجتمعه بانتظارنا مقابل الباب. كانت تلك الدقيقة التي تنضج بالفرح، فيما الحزن يترس نظرات العيون. كانت صديقتي حوريه من أول من وصل. وأنا أقف في أعلى الدرج . حتى اندفعت الي، تراجعت خطوة إلى الوراء،أريد أن اخرج ، لقد اعترفت لي بأن نظرتي اخافتها. وبأنني ظهرت غريبه ...وماذا أقول أنا؟ ألم يتحولوا هم كلهم أيضا إلى غرباء؟ ....إنها ليست مزحه إنها عشرون عاما . 

خلال حريتنا الأولى، جاءنا اتصالا هاتفيا من المحامي كيجمن.بعد اتصاله على الفور، أعلنوا لنا بأن جلالته أعطى التعليمات لاثنين من المحامين العظماء، الناصري الأندلسي لاستعادة ممتلكاتنا. إن التجربه التي عايشناها داخل السجن .كانت أغنى ألف مرة من تجارب الناس خارجه .لقد اختبرت الوجه الثاني للحياة من ألم برد وخوف وجوع ، ورعب، ،..تعلمت ماذا تعني الحياة، وماذا يعني الموت.وتأملت دقيقا في الخلق والكون، واكتشفت ذاتي و من أكون: وأيضا ماأكون..علمني الحبس أن الإنسان اقوى من الظلم والتعذيب والحرمان والمستحيل والقهر والطغيان. 

 بمناسبة عيد ميلادي الثامن والثلاتين الواقع في ٢ نيسان/أبريل، أي بعد انقضاء شهر ونصف على تركنا مدينة مراكش.تلقيت أربعة مئة بطاقة معايده، جاءتني من كل أنحاء العالم، وكان هؤلاء الناس قد علموا بحريتنا من منظمة العفو الدولية، و ارادوا إبداء تضامنهم وتعاطفهم بهذه الطريقة، وبقدر ما أثر بي هذا الموضوع ، فلقد آثار حفظتي، لأنه جاء متأخرا.بعد عدة أسابيع على مغادرتنا الحبس، اصطحبوني أنا وأخي رؤوف إلى علبة ليل حديثة "أمنيزيا" وهي الأشهر في بلدة الرباط.في هذا المساء، كان ولي العهد سيدي محمد وأخواته يقعدون بالمقصورة الخاصة هناك،بصحبة بعض أفراد كنت قدعايشتهم .لم يزيد يرانا حتى بعث بطلبنا للانضمام إليه. 

عرفت المدير عند ملاقاته. كان له من العمر تسع اعوام عندما احتجزنا.لقد تغير بشكل كبير ، إنه رجل ناضج هذه اللحظة ،كنت متأثرة للغايه وهوكذلك.لقد أجاد انتقاء العبارات التي نجحت فى دفعة مشاعرنا ،أبلغنا بأن منزله سيكون مفتوحا لنا على الدوام ، وسيكون هو أيضا في خدمتنا لأي طلب معاونة قد نحتاجها، وأنه يمكننا طرق بابه ساعة ما نريد .ثم استدعى مدير مكتبه وأعاد مقابله ماسبق ان قاله لنا.التفت مقابلنا مضيفا : ما فات قد انتهى.يجب أن تنظروا إلى الأمام.لأن صفحة الماضي قد ذهبت .لم يأت أبدا على ذكر أبيه ولو من بعيد.كانت الأميرة للامريم تقف وراءه ، بدت شاحبة ومضطربه كشأننا نحن،غير أنها لم تتكلم ابدا

 ضجت مدينة الرباط بخبر لقائنا. لاحقا، نشر مقال في صحيفة اللوموند أشار الكاتب فيه أن الملك أراد عبر هذا الموعد استخدام تكتيك يدخل ضمن استراتجية الحديثة لإعادة الإمساك بمسالة أوفقير.وأضاف أن جلالته أرسل اولاده في جولة استطلاعية يبحثون خلالها عن امل لإمكانية عمل مصالحة. 

لم تتأخر كثيراً ردة فعل سيدي محمد على هذا الكلام .منذ ذلك الوقت بدأ يحاول أن يتلافانا عندما يرانا مصادفة. غالبا ما كانت للامنيا تناديني .كانت تريد أن تجلبني من جديد الى عالمها الذي بات غريبا بالنسبة لي ولم يعد يهمني البتة .رحت أباعد بين زيارة و ثانية حتى انقطعت كليا عن الذهاب لمقابلتها .أبعدت بيننا الحياة، لكني مازلت أحمل لها في قلبي الحنان و الحب .لا يمكنني تحت أي حال أن أكون ذرة العداء لها أو لهؤلاء الذين دائما ما أحببتهم بالقصر. 

على مدار خمسة اعوام تلت...بقينا موضعين تحت المراقبة الحثيثة ، والتصنت والتشدد، والتجسس...لقدضيق علينا على الخناق .كلمة حر تعني : الحق بالشغل.لم يتمكن أحد غيري من إيجاد شغل في طول المغرب وعرضها، وهذا ليس إلا بفضل قوة رب عملي الذي لم تؤثر عليه الممنوعات و الضغوطات .كلمة حر تعني : نعاشر من نريد ، ونحب من نريد ونذهب حيث نريد . 

 إن بلدنا المغرب لم يعد يريدنا .لقد سدت في وجهنا أبواب العمل .لولا قوة رب عملي نور الدين عيوش وشجاعته،لم نتمكن من إيجاد شغل في وكالته السياحية"شمس" إنني مدينة بالشيء الكثير لهذا الرجل. إنه لم يخاف من الضغوطات ولارجال البوليس عملت لديه خلال ثلات اعوام في إدارة الإنتاج، كان أول عمل لي أما معاشي الأول فقد كان من نصيب أمي. 

حققت ميمي امنيتها تزوجت. من مصور تلفزيوني. أبصرت بنتها نوال النور في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام ١٩٩٤.كذلك رؤوف بدوره صار أبا، لقد رزق ببنت في شهر أيلول / سنتمبر ١٩٩٣ ،أسماها تانيا.جاءت في جنيف، وبمشقة و تعب ، .عادت حليمة إلى أحضان اسرتها فى حين راحت تعاني وتشتكي من عدم تفهمهم لها . وراح داء السرطان ياكلها.ثم لم ثلبث أن رجعت لتعيش مع أمي. عكفت سكينة على تأليف الأغاني وتلحينها حتى صارت مواهبها تتألق وتشرق.طلبت جواز السفر لكنها لم تنجح بان تاخذه . =في ربيع سنة١٩٩٥ ، دعيت إلى حفل زفاف صاحبة لي . عادة انى لا احب الحفلات والإستقبالات، والمناسبات الاجتماعية. إنها تزعجني و تضيقني.

 كنت أنا متعبة في عملي، كنت أتحرك كعقارب الساعة، لم أكف اي دقيقة عن العمل والدوران.لفت إنتباهى شخص ، بقامته الطويلة، وابتسامته، ، وعينيه المعبرتين ...ولكن يجب الأ أحلم.هذا الرجل ليس لي ولن يكون لي .عدت الى المنزل وبدأت تجهيز ثوبي للبسه من اجل الحفله رن التلفيون، على الطرف الثاني، صديقة لي، تقرأ الطالع ساعة بساعة، بدت لي عجيبة بعض الشئ، بادرتني بسرعة بالقول: كيكا ...لقد رايته...إنه هو..قابلته.. 
ولكن من؟ عمن تتكلمين؟
 بنفاد الصبر ردت: أنت تعرفين جيدا عمن أتكلم..لقد شاهدته مئات المرات في "بطاقاتي" التي لا تغلط هذا الذي وصل من المحيط الأطلسي..إنه رجل بعمرك إنه موجود هنا،لقد شاهدته ..لكنك لم تنتبهي للأمر..سترجعين وترينه هذا المساء. وصلت إلى الحفلة ، والفضول يعصف بي، يبدو أني تأثرت دونما رغبة مني بما قالته لي.
 هذا الحفل ، هو أول خروج حقيقي لي منذ زمن كبير. هاهم اصحابي يجلسون حول الطاولة، جنبا إلى جنب مع هؤلاء "الفرنسيين" راحوا يصيحون لي ويشيرون لي بان اجلس معهم .شعرت بالارتباك. هاهوالرجل الذي رايته بعد الظهر يقف فجأة ، ما ان لمحني ، وفي أقل من ثانيه،حتى جلس بالقرب مني .أخبرني بأنه مهندس معماري، وبأنه قد نشأ و كبر في لبنان .إنه يتكلم اللغة العربية بشكل جيد ..ولاتخفى عليه اي خافية .. ولاتفوته همسه من همساتنا أو نكته من نكاتنا التي كان من غير الممكن ترجمتها ولا حتى إلى أي لغة. لقد علم من اول لحظة بأنني لست سوى طفلة متخفية بزي امرأة.إنه سريع البديهة، وذو بصيرة نافذه. 

أعترف أني معه كنت مضطربة أكثر من مني خائفة...كنت احس أنني أعرفه منذ اعوام ، أنها المرة الأولى التي يعطيني فيها رجل ما هذا الإحساس بالامان و الراحة .لم يخطئ حدسي أبدا..لم يتخل عني.وقف معي ...شد أزري منحني القوة والثقه ، وأعاد لي فرحة الحياة. 
احس أني أتيت من هذه الأرض، وبأنني انتمي إليها جسدا و روحا .أدركت منبت جدوري، وأني مغربية في صميم وحتى النخاع وفي أعماق الأعماق.لكنني احس أيضا بأني فرنسية الثقافة، والتفكير واللغة،.لقد وضعت الحرب أوزارها اخيرا. وها أنا أخيرا يتعايش في داخلي الشرق و الغرب بسلام.

 على مدار سنة باكملها، ضل اريك بوردروي يقوم بمغامرات الذهاب والإياب ما بين باريس والدار البيضاء للقاء مليكة، الفتاة التي يحبها. في ٢٥/ حزيران/يونيو١٩٩٦ ،فرت ماريا أوفقير، الاخت الوسطى لمليكلة، من المغرب، على متن سفينة آخذة معها ابنة عميها عاشورا الشنا.ومايكل ، ابنها بالتبني، وقد وصلت إلى فرنسا عبر الأراضي الإسبانية.لقد كانت عملية الفرار هذه بمثابة خاتمة لما عاشته اسرة أو فقير من كابوس. =فتح الضغط الدولي.. وأعادت الحكومة المغربية إلى أفراد الاسرة جوزات سفرهم و اعطتهم الإذن بالانتقال من الأراضي المملكة المغربية. 

في ١٦ تموز/يوليو ١٩٩٦ ،وصلت مليكة أوفقير إلى باريس مع شقيقها رؤوف وأختها سكينة. =كان لها من العمر ثلاث وأربعون عاما قضت منهم عشرين عاماً في الزنزانات المغربية،التي دخلتها وهي في سن الثامنة عشر
 في ١٠ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٩٨،تزوجت مليكة أوفقير واريك بوردروي في مبنى بلدية الدائرة الثالثة عشرة في مدينة باريس. 


                                           النهايه



إرسال تعليق