الخميس، 1 فبراير 2018



تلخيص رواية 
 لا تخبري ماما: توني ماغواير
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان






لم تكن البناية التي تقع في ضاحية بلفاست تختلف في شيء عن اي بناية في ذلك الحي. كانت تماثل اي بيت عائلي كبير. ألقيت نظرة نهائية على الورقة التى بين يدي لكي أتأكد من الموقع . ثم دفعت الباب و صرحت لموظفة الإستقبال : أنا إبنة روث ماغواير , توني ماغواير. سِرت بخفة وهدوء وراء موظفة الإستقبال إلى والدتي التي تنام في حجرتها مع ثلاث عجائز. باتت والدتي مهزولة ضعيفة , على ما يبدو أن مرضها بلغ قد مرحلته الأخيرة. تركتُ حقيبتي تقع على الأرض وارتميت على صدرها. قبلتني وقبلتها. لقد سبق قبل ذلك وأن أقامت والدتي في المصحة لتلقي علاج مخفف للألم, لكني كنت أشعر أن هذه الزيارة سوف تكون الأخيرة. قال لي الدكتور : تعاني أمك من اضطراب كبير في فترة المساء, وتتألم أكثر مما يجب. 

تبدو كما لو أنها تقاوم ما تتناوله من علاجات . هل ثمة شيء يمكن أن تخبرينا به, قد يعيننا ويساعدنا على معاونة والدتك ؟ حينها قلت: هي امرأة مؤمنة, وهي تعرف بدنو أجلها, و اعتقد أنها خائفة من الموت. أتمنى أن تجد الشجاعة لكي تبوح بما تضمره في قلبها . بدت الحيرة على وجه الدكتور وقال: هل تقصدين بأن أمك تحس بانها ارتكبت اثما كبيرا ؟ حينها فكرت في كم الذنوب التي ترزح على ضمير والدتي , وتساءلت في نفسي إذا ما كانت ذكرياتها تلاحقها . 
قضيت ذلك النهار مع والدتي . بكاؤها شوّشني. مسحتُ دمعها بلطف وحنان كما كانت تفعل معي عندما كنت طفلة صغيرة. وأبدت لي من العطف أكثر مما فعلت خلال اعوام طويلة . تفرستها, وتمعنتها , فوجدتها امرأة قد كبرت ولا يبدو أنها ستنعم بالطمانينة التي طالما تمنيت لها في آخر ايام حياتها . قالت لي وهي تبتسم : ما قدمت إلا لأنك تعرفين انني ساذهب, أليس كذلك ؟ فقلت: قدمت لأنك طلبت مني القدوم. لقد جئتُ لاعاونك على أن تموتي بسلام. كان جزء من ذاتي فرحا لاني برفقتها في الملجأ رغم ضعفها. أخيراً بإمكاني قضاء وقت معها لوحدنا , وقت كنت أعلم أنه يضيق دقيقة بعد أخرى. ولكن الحزن الكبير ما زال يسيطر علي عندما أفكر في أمي التي تحتضر.

 رغم كل الأذى الذي اصابني منها, وكل ما ارتكبته في حقي, ساورني الحزن لأنها لم تحيا قط لحظة سعيدة واحدة في عمرها . في هذا الهزيع الأخير من الليل عادت إليَّ أنطوانيت بلباس سكني ووجه أبيض كالعاج. همستْ: لقد جاءت اللحظة يا توني لأحكي لك ما وقع حقيقة. كنت اعرف أن أنطوانيت صحيت وعادت , وأنني لن أستطيع ارجاعها إلى النوم ثانية كما فعلت طيلة السنوات الفائتة . أغمضتُ عينيّ وتركت الصبية تنطلق في سرد حكايتنا . تعود ذكرياتي الأولى إلى بيت يقبع بمنطقة كينت, كنت احيا فيه مع أمي. وكانت جدتي تاتي الينا مرات عديدة . كنت لمّا أسمعها تنادي : أين أنتي يا أنطوانيت؟ أترك ما أنا فيه, و اركض لأرتمي في حضنها. كنا نزور في بعض الاوقات السيدة تريفت, وهي صاحبة لأمي. 

كانت أمي شغوفة بإلباسي ثياب جميلة تخيطها لي بيديها . بدوت حينها طفلة مدللة, وقد كنت احس بالفعل أني كذلك. قضى والدي في الجيش بضع اعوام بعد نهاية الحرب, ولم يكن يزورنا إلا لفترات قليلة . كان بالنسبة إليَّ زائراً أكثر منه أباً. وبعد ذلك أعلن ابي قراره في الرجوع إلى الحياة. قال لنا إنه يريد ويرغب في قضاء وقت أطول مع زوجته وابنته. ومن لحظتها هجرنا الهناء الى نهاية العمر . وبدأت المشاحنات والخلافات .

 لقد كان أبي مدمنا على الكحول ويبدد امواله على القمار. فاضطرت أمي للعمل لتهتم ب البيت, وتعتني بطفلتها. في شهر فبرايرأخبرني أبي بأننا سننتقل لنحيا في إيرلندا الشمالية, وهي بلده الأصلي, فكرهت فكرة البعد عن جدتي وحياتي السعيدة , ولم أرَ جدتي بعدها إلا بعد ست اعوام . وتحول حب جدتي رويداً رويداً إلى ذكرى طوتها الأيام. إستقبلنا ابي في بلفاست. وركبنا السيارة معه إلى كولراين. وفي الطريق إلى كولراين احسست بالهجرة والغربة . لم يكن أبي ينظر أو يهتم إلا لوالدتي وكانت هي تبتسم له. كانا مشغولين بانفسهما طوال الوقت . فقررت أن أحب ايرلندا. كنت متحمسة لاكتشاف اسرتي الإيرلندية. وعندما تعرفت عليهم احسست بأنني عاجزة وغير قادرة على حفظ ذلك العدد الكبير من الأسماء, فقد كانت الاسرة كبيرة جداً. في اليوم الذي يليه قامت أمي بتسجّلي بالمدرسة التي تبعد مسافة نصف ساعة سيراً عن منزل جدي. وبعد جملة من الإجراءات الشكلية, حدثت نفسي بأنني بلا شك سوف أكون فرحة وسعيدة في هذه المدرسة. وفي اليوم الذي يليه قدّمتني المعلمة إلى اصحابي في الصف, وأجلستني بجانب طفلة باسمة شقراء , اسمها جيني . وما كاد النهار ينتهي حتى اصبحنا أنا وجيني صديقتين حميمتين . عشنا في منزل جدي وجدتي لمدة أسبوعين, ثم حان وقت المغادرة .
 ساورتني هذه المرة مشاعر متضادة ومتعاكسة . راقني الإنتماء إلى هذه الاسرة الكبيرة , لا سيما أنني كنت أصغر افرادها , ومحط اهتمامهم كلهم . كنت أعلم أنني سوف أشتاق إليهم كلهم . 
ثم انتقلنا إلى منزلنا الجديد . والذى لم يكن البيت الذي تخيلته . بيت صغير مربع يتمركز وسط مساحة متروسة بالحصى , ويجاوره كوخان على وشك السقوط . وفي الداخل كان هناك عدد هائل من الذباب العالق في بيوت العناكب المغبرة المترامية. كنت متحمسة إلى اكتشاف العالم الجديد. فتركت الكبار منشغلين في أعمالهم, وتجولت حول البيت . وبينما وقفت للحظة كي اشاهد أحد الحقول سمعت أبي ينادي : أين أنت يا أنطوانيت ؟ التفت إليه وانطلقت راكضة مسرعة نحوه بخطى واثقة , لكن الرجل الذي كان قادماً نحوي لم يكن يماثل ذلك الرجل الباسم الذي استقبلنا أنا وأمي. كان رجلاً ممتقع الوجه فظ الملامح, , بعينين يقدح الشرر منهما . هممت بدافع الغريزة أن اركض منه , لكن الخوف شلني في موقعي . أحكم قبضته على رقبتي بعنف , وضغط بيده على رأسي وجذبني إليه, ثم رفع ثوبي القطني, ونزع سروالي, وثبت جسمي نصف العاري على فخذيه بيد, وراحت الثانية تهوي على عجيزتي. سمعت فرقعة, و احسست بالم كبير . حاولت أن أفلت من قبضته ولكن لا فائدة . أحكمتْ يده الأولى قبضتها حول رقبتي , بينما مضت الثانية ترتفع في الهواء وتنزل على جسمي بلا هوادة. لم يكن أحد قد وضع يده عليَّ من قبل. صحت وبكيت من الألم والخزي وأنا لا أصدق ما جرى . ثم صرخ عليَّ وقال : هكذا ستتعلمين ألا تخرجي للنزهة أبداً. هيا! اصعدي إلى أمك. رفعت سروالي وأنا ابكي . 
أمسك كتفي وسحبني إلى المنزل , كنت أعلم أن أمي سمعت صياحي , لكنها لم تقل شيئاً ! كبرت عاما اخر الآن , كنت أرسل كل نهار إلى ضيعة قريبة لجلب الحليب في صندوق حديدي . كان الخوف يرعبني من أبي, وأتساءل عن أي الأبوين سيخرج لي: الأب الودود المرح, أم ذلك الرجل المرعب الذي اكتشفته للمرة الاولى في هذا المكان. كنت احس بأن نظراته ترمقني حتى وأنا مرتمية على صفحات كتابي. وكانت والدتي تتشاجر كثيراً مع أبي. ويستمر الشجار والصياح بينهما إلى أن يفلح أبي السكران في إخراسها. وفي ليلة جمعة الفصح, كنت وحيدة مع ابي بعد أن خرجت أمي لإقفال باب الخم.
 قال لي وهو يربت بيده على الكرسي بجانبه: تعالي يا أنطوانيت!. طوّق خصري بيديه وقرّبني إليه. وبما أنني كنت متعطشة لعطفه , إلتصقت به . ومضى يلعب ب شعري. سألني: هل تحبين أباك؟ شعرت لأول مرة أنه يحبني. وأجبت بتحريك رأسي وأنا في غاية السعادة . مضت يده التي كانت تلعب ب ظهري تنزل أسفل فأسفل, و تمادت إلى أن وصلت أعلى ساقي. نزلت إلى أسفل تنورتي, ثم احسست باليد القاسية نفسها التي ضربتني قبل عام من ذلك تلامس ساقي . انشل جسدي. ثم وضع فمه على فمي, و احسست بلسانه يشق طريقه بين شفتي. ملأتْ انفي رائحة الويسكي والسجائر العفنة . منذ تلك الدقيقة , فارقني الإحساس بالأمان إلى نهاية العمر , تاركاً مكانه شعوراً في أعماقي بالخوف و القرف . 
حررني فجأة وقال لي : لا تخبري ماما يا أنطوانيت. إنه سر بيننا, افهمت ؟ فهمست : لن أخبرها بشيء يا بابا . ومع ذلك قلت لها . كنت أثق في حبها و أعرف أنها تبادلني الحب ذاته , وبذلك ستطلب منه ألا يكررفعلته تلك و ما عمله مرة ثانية. ولكنها ...لم تفعل. رمشتُ بعيني لعلي اجبر عقلي على ان يرجع إلى الحاضر في الملجأ. أشعلت سيجارة. نطقت أنطوانيت : هل تتذكرين الآن؟ اتعتقدين حقاً أن أمك كانت بالفعل تحبك ؟ فقلت: بالتاكيد . فجاءني جوابها كالصفعة: لكن حبها له كان أكبر. 

إحتسيت جرعة من الفودكا, وسحبت نفساً عميقاًمن السيجارة لعلي اقدر ان اقطع سيل الذكريات المنهمر بإصرار كبير يوشك أن يجرفني. ومن خلال الضباب الذي يشوش فكري, أشهرتْ أنطوانيت صورة لم أكن اريد رؤيتها بتاتاً . صار ذلك بعد أسبوع من القبلة. إنتظرتْ أنطوانيت أن يكمل والدها شغله لكي تخلو إلى أمها. بذلت قصارى مجهودها من أجل العثور على كلمات تستطيع أن تسعفها في وصف العمل الحقير الذي تعرضت له. لم تبصر أنطوانيت طيلة الست اعوام ونصف من حياتها غير الغضب. لقد سقط آخر متاريسها: أمها غيرمبالية وغير مهتمة بالدفاع عنها . وما زالتْ أنطوانيت تسمع صوت أمهاوهى تأمرها بأن لا تذكرهذا الأمر مرة اخرى . 
وجاء صوت أنطوانيت مجيباً: حسناً يا ماما. وبدأت الدوامة. صار سكوتها مضموناً, وأشرع الباب بذلك لما سياتي من بعده . لعلها أنكرت الأمر لفترة كبيرة من حياتها حتى انتهى بها الموضوع إلى دفن الحقيقة إلى الأبد. حينها قامت بيني وبين والدتي فجوة , وفصلت بيننا مسافة باردة ما عدت اقدر ان اتخطاها . لقد تركتْ الأم المرحة الودود مكانها لأم غريبة سيطرت عليها شيئا فشيئا هذه الأم الغريبة المهملة . لم يعد لها وقت تعطيني اياه . وهكذا إزداد شعوري بالإحباط والتعاسة يزداد يوماً بعد الاخر , لا سيما أنني لم أكن اعلم الخطأ الذي ارتكبت. في هذا الصيف عرفت معنى الوحدة خاصة بعد أن اخذتني والدتي إلى مدرسة جديدة في البلدة , والتي تبعد عن منزلنا تقريبا ستة كيلومترات .

 وحل شهر سبتمبر, ومعه أول يوم من العام الدراسي في المدرسة الجديدة. وبقي على عيد ميلادي السابع أياماً قليلة تعد على الاصابع . أما في مدرستي المختلطة فلم اجد أي فتاة تعوضني عن صديقتي جيني. كنت أذهب إلى المدرسة و ارجع الى المنزل مشياً على الأقدام. ومع حلول شهر نوفمبر, تلاشت مني الفتاة الواثقة النشيطة. وصرت لمّا أنظر إلى ذاتي في المرآة, أرى فتاة مهزولة مهملة , بشعر باهت أملس. وخلال أشهر الشتاء تلك, امضيت مع أمي لحظات حميمة جميلة حفظتها ككنز غالي في ذاكرتي, رغم أنني لمست شيئاً متغيراًفي سلوكها معي غير مفهوم.
 وفي المدرسة كنت اعلم ان زميلاتي فى الصف لم يكونوا يكنّون لي الود, وفهمت أن سبب هذا الرفض لي لا يعود إلى نبرتي الغريبة فحسب, بل إلى شكلي أيضاً. فكنت أنا الوحيدة التي تملك شعراً أشعث ملبداً . استجمعت قوتي وقررت أن أفعل أي شئ من أجل تحسين صورتي لعلي الاقي قبولاً بينهم. وقلت لوالدتي ما أنوي فعله: أن أكوي زيي المدرسي, وأن أعيد خياطة زواياه ,أريد العناية بشكلي حتى أكون جميلة في نظر زملائي بالمدرسة. فقالت لي أمي : لا بأس بشكلك. يا لك من فتاة متغطرسة! وحينها شعرت باني خسرت كل الأمل في أن الاقي لي مكاناً في المدرسة. لذا انصرفتُ إلى الاجتهاد في إنجاز واجباتي المدرسية, وكنت أحصل على أعلى الدرجات , ولكنني كنت اعرف أن ذلك لن يزيدني إلا نبذاً. كنت أقرأ بطريقة ممتازة وأنا لم ابلغ السابعة والنصف من عمري. كان حبي للكتب يزداد شيئا فشيئا . كانت الكتب والحيوانات هي طريقتي الوحيدة للإفلات من واقعي . افر إلى عوالم عجيبة احيا فيها مغامرات رائعة. وبمقدار ما كان حبي للكتب يزداد , كان بغض والدي لها يتضاعف.

 كانت تحضر لابي اوقات , وهو رجل يحقد على كل مخلوق فرح أو مثقف, ثورات غضب لحظية . لكنه كان أحياناً يجلب لنا الحلوى والشكولاتة. ومع ذلك رغم بساطتي وطفولتي كنت متعلقة بأمل أن يتغلب والدي الطيب يوماً على أبي القاسي. مع مجيء الربيع, استأجر أبي مخزناً وضع فيه ما يحتاجه. وفجأة صار أبي يُحسن تعامله معي . ودعاني هذا السلوك إلى ان احذر منه اكثر , ولكن حاجتي إلى العطف وقلة حيلتي جعلتني أتجاهل مخاوفي. على أنه كان عليّ أن أصدق اوهامي . فقال أبي لأمي ذات مرة : ساصطحب أنطوانيت في نزهة. فبدت على وجه أمي ابتسامة كبيرة . قفزتُ إلى السيارة وأنا في منتهى السعادة .
 وأثناء طريقنا ولجت السيارة إلى المخزن الذي اشتراه ابي . وهو عبارة عن بناية قديمة مظلمة. انقبض قلبي وانتابني رعب لم احس بمثله من قبل . لزمت السيارة ولم أرغب في ان اخرج منها . قلت له: أرجوك يا أبي, لنرجع الى المنزل , هذا المكان لا يروقني. قال: لا تتحركي يا أنطوانيت. ثم نزل والدي من السيارة و اقفل باب المخزن, ثم فتح باب السيارة حيث كنت اقعد . وأرغمني على الإستدارة باتجاهه , ولمحت أزرار بنطاله مفتوحة. كان وجهه غريبا , وعيناه مضطرمتين. فمضى جسدي الصغير يرتعد , وندّت عني صيحة صغيرة متأوّهة. فقال لي : كوني بنتاً لطيفة ! فضغطتْ يدٌ باردة على بطني, بينما مضت الثانية تنزع تنورتي وتنزل سروالي بحركة قاسية . 

شعرت بالخزي من ظهور جسدي عارياً مقابله . شعرت بوالدي يباعد بين ساقيّ وينظر إلى تلك المنطقة من جسدي التي كنت اعتقد انها حميمية. و احسست بمخدة توضع تحت ردفي, وبألم كبير بالرغم من أنه لم يصل إلى أن يمزقني . فأصابني الخرس, وشُلت حركتي . انقضت دقيقة بدت لي أطول من العمر كله ثم ندّت عنه شهقة وانسحب. أحسست بماء فاترة لزجة تسيل على بطني. فرمى إليّ بقطعة خيش وقال : إمسحي بهذا! فانصعت لاوامره . ثم قال : لا تخبري أمك بشيء يا ابنتي . هذا سر بيننا. وحتى إذا قلتي لها , فهي لن تصدقك, وستتخلى عن حبك. كنت اعرف مسبقاً أن قوله صحيح. السر الذي حفظته لوالدي و لذاتي لم تكن أمي تجهله. وهكذا بدأت لعبتنا منذ ذلك اليوم, لعبة اسمها: السر الذي بيننا, وهي لعبة سنلعبها أنا و والدي لسبع سنوات !! وهكذا وفي كل مرة كان ياخذ والدي فيها المفاتيح معلناً عن حلول موعد النزهة الأسبوعية , كنت اتوسل الى والدتي في صمت من أجل أن تعترض, لكنها لم تكن تفعل اي شيء . كان يأخذني إلى المخزن أسبوعياً. وهكذا تعلمت أن أفصل بين عواطفي وبين الواقع. لم تسألني والدتي ابدا عن تلك النزهات, ولا عن المكان الذي نخرج إليه, ولا عما فعلناه. 

 وأخذت الحياة تسيرهكذا : قطع المسافة الطويلة بين المدرسة و البيت , إنجاز الواجبات المدرسية ونزهات السيارة الفظيعة في عطلة نهاية الأسبوع. وفي بعض الاوقات كنت أنزاح عن هذا الروتين بزيارة جدي وجدتي. وذات يوم سبت وأثناء خروجي إلى الضيعة المجاورة لإحضار الحليب, بادرت زوجة صاحب الضيعة بدعوتنا إلى احستاء الشاي في اليوم الذي يليه , وحمّلتني رسالة الدعوة كي اعطيها لأمي. وكم كانت سعادتي عارمة لمّا قبل والداي الدعوة. وفور بلوغنا إلى الضيعة قالت صاحبة الضيعة لولديها : رافقا أنطوانيت لزيارة الضيعة فهي تحب الحيوانات. ووضحكنا ولعبنا كثيراً إلى أن نادت علينا زوجة صاحب الضيعة. وعندما سألتني المرأة : هل شاهدت اولاد القطط يا أنطوانيت ؟ فأجبت : أبدا . حينها التقط ابي يدي , وقد لبس قناع الأب الطيب, وقال لي : تعالي سنعثر عليها معاً بينما يجهز الشاي.

 إنقطع أملي بعد هذا اليوم في أنه يمكن أن يكون أباً صالحاً ودودا . اصطحبني إلى المخزن. وهناك لاح لي اشتعال عينيه , ونظرته الخبيثة , فشعرت بغصة تملئ حلقي, و انربط لساني. ورأيت, كما لو كان ذلك المشهد صوّر بالعرض البطيء, يده ترفع تنورتي على حين غرة , وتسحب بحركة قاسية سروالي إلى الكاحلين. وبعد أن انتهى, راح يزرر سرواله, وأخرج من جيبه منديلاً ورماه لي, وقال: إمسحي بهذا ! ذهب حينها ما كنت شعرت به من بهجة في ذلك اليوم, و اختفت الشمس من عالمي ليبدو لي العالم عدائياً و رمادياً. إمتثلت لأمره وهو ينظر الي . 
سألني وهو ينظم شعري : أأنت جاهزة يا أنطوانيت ؟ ثم لبس قناع الأب الودود وأمسك بيدي , و رجعنا الى المنزل لاحتساء الشاي . وهذه هي الزيارة العائلية الوحيدة التي ذهبنا لها خلال هذه المرحلة من حياتي باستثناء زيارة جدي وجدتي . سرحت بأفكاري وأنا أجلس في قاعة انتظار الملجأ في تلك البنت التي كنتها ذات يوم. وتذكرت للمرة الاولى بعد اعوام و اعوام , الخيانة العظمى التي حددت مستقبل هذه الطفلة. لم اقدر ان استمر في الحياة إلا بدفنها في أعماق راسي وخلق شخصية توني. تمنيت لو اقدر ان اقفز على السنين وضمها بين ذراعي, وحملها إلى موقع آمن, لكن أنطوانيت لم يعد لها وجود حتى اساعدها . كنت دائماً أطرح السؤال ذاته : لماذا تغاضت أمي كل هذا التغاضي؟ لما قلت لها عن القبلة كانت تعرف حتماً ما سيعقبها. سحبتني من المدرسة التي كنت هنيئة فيها. مدرسة تديرها ناظرة من الذكاء و الفطنة بحيث كانت ستلاحظ لا محالة ما يحدث عليّ من تغير, وستتسائل عن السبب.

 فهمت أن هذه هي الدقيقة بالذات التي أصبحت فيها أمي متواطئة مع والدي في الجريمة. كنت اعرف هذا تمام المعرفة , ومع ذلك لم أستطع أن أكف أبداً عن حب والدتي , لأن هذه هي سجية الأطفال. إلا أنني أتساءل هذا النهار , وهي على سرير الموت, عما إذا كانت ستقدم لي تفسيراً. هل ستنطق بكلمة اعتذار؟ قالت لي والدتي ذات صباح : سنذهب لمقابلة سيدة يا أنطوانيت. إنْ نلتِ إعجابها, لربما انتقلنا لنحيا معها. أريدك أن تتصرفي بادب كبير . لو قيض لنا ان نحيا معها, سترجعين إلى مدرستك القديمة. ألا يعجبك هذا؟ حينها تحركت عواطفي , لكني حرصت على عدم اظهارها . 

وحين وصلنا إلى بيت السيدة غيفين, كان المكان جميلا جدا , كما لو اقتطع من عوالم الحكايات الرهيبة التي كنت أقرأها. فهمت من خلال كلام والدتي والسيدة غيفين أن أمي تريد ان تعمل كوصيفة ومساعدة في أعمال المنزل . بينما سيستمر والدي في العمل ميكانيكياً في المدينة, وبذلك نحصل على راتب اخر مما سيمكننا من توفير بعض المال لشراء بيت . وبالفعل استقررنا في منزل السيدة غيفين, و رجعت إلى مدرستي القديمة . كنت فرحة جدا بالعودة إليها, ولكني لم أعد تلك الفتاة المرحة التي عرفها اصحابي . أصبحت منعزلة ومنطوية على ذاتي . كان أبي كثيراً ما يتغيب على المنزل في عطل نهاية الأسبوع, وكان هذا شئ يدعو للاطمئنان بالنسبة لي. 

هناك شعرت بالأمان لأن حجرتي كانت محاذية لحجرة السيدة غيفين. لن يجرؤ أبي على الإقتراب مني . خلال كل هذه المدة , لم يكن والدي يتكلم معي إلا نادراً. مثلت لي تلك الفترة استراحة مريحة وهنية في حياتي. مرت الشهور, وبدأ يخيل إليَّ أن هذه الهدنة ستبقى الى نهاية العمر , ولكن هيهات. في ذات صباح من بداية عطلة الصيف خيم سكوت عجيب على البيت .
 نزلت إلى المطبخ فشعرت بأن ثمة شيئاً غير طبيعي . أخبرتني أمي أن السيدة غيفين ماتت بهدوء خلال نومها . صدمني خبر وفاتها . فقد كانت السيدة غيفين حاميتي و صاحبتي . وتمنيت لو أنني تمكنت من توديعها. قلت في ذاتي الآن وقد فرغ البيت , ستشعر أمي بأنها مالكته , وهو ما وقع فعلاً لعام كامل . 

إنه يوم عيد ميلادي العاشر. للمرة الاولى في عمري هيأت حفلاً دعوت له كل تلميذات صفي . لما عرف ابي برضى والدتي على الحفل, أعلن بأنه ذاهب ليلعب الغولف. أهداني أبي بغيابه اغلى هدية. فخلوت إلى أمي من دون أن يعكر علينا طيفه تلك اللحظة الجميلة. عطلة الصيف تلك قربت بيني الصلة وبين والدتي , لا سيما أننا كنا نعاني من الوحدة سوية . وفي الأيام الممطرة كنا نمضي ساعات عديدة في المطبخ, نستمتع بما كانت تحضره من حلويات. كنت امضي اوقاتي في المطالعة وهي تعكف هي على حياكتها, وكان رنين إبر الخياطة يبعث الطمأنينة في ذاتي . جهزت فنجان قهوة وأشعلت سيجارة لعلي اأتمكن من أن اقطع تلك الذكريات , لكن أنطوانيت, شبح طفولتي, كانت لا تزال هنا معي , وسمعت صوتها من جديد يقول : أبذلي كل ما في مقدورك يا توني لتتذكري , لتتذكري الحقيقة . كنت اعتقد اني انهيت حسابي مع ماضيّ, ولكنّ وجه أنطوانيت عاد يطاردني. تذكرت فجأة وأنا جالسة الى جانب فراش والدتي ، محاولة تمرد بلهاء قمت بها, فارتسمت على وجهي ابتسامة ساخرة وحزينة . بقيت جالسة بجوارها, ورحت أتأمل جسمها الضعيف في الضوء الخافت .

 بعد موت السيدة غيفين, بدا والدي يأتي الى حجرتي مرة اخرى . كان يذهب إلى المدينة بمركبته , وفي الليل يقتحم حجرتي , وينزع قميصي وهو يهمس في أذني : ايعجبك هذا يا انطوانيت ؟ ثم كان يعتليني. كنت قد كبرت قليلاً. كان يطلب مني أن أفتح عيني إلا أنني رفضت ذلك . كان يؤلمني لأنني كنت ما أزال طفلة . يصدر زفرة أخيرة عميقة ثم ينسحب. ينهض ويسارع إلى لبس ثيابه , ثم يقصد حجرته لينام في فراش والدتي .

 كان يتعذر عليّ النوم بعد مغادرته . وفي الصباح احس بأنني متعبة. كانت أمي تلاحظ بكائي ولكنها لم تنطق بكلمة . وفي مرة زار والدي حجرتي قبل نومي, وأزاح عني الغطاء بقوة غير مسبوقة , مما أصابني بخوف كبير , فأجهشت بالبكاء. قلت له : لا ارغب في أن تفعل بي هذا, إنك تؤذيني كفى أرجوك,! كانت أمي في الردهة, فسمعت صياحي . فهتفت : ماذا يحدث ؟ فأجابها أبي : لا شيء, إنتابها كابوس, فجئت لأستطلع الموضوع. وهي الآن على ما يرام. لقد هدأت. وقبل أن يذهب , همس في أذني : حذار من أن تخبري أمك . جاءت والدتي وسألتني :ماذا حدث يا أنطوانيت؟ فقلت: لا شيء, إنتابني كابوس. اكتفت بهذا الجواب و ذهبت , ولم تسألني عن الموضوع بعد ذلك قط. وفي بعض الليالي, كنت ألبد في سريري . كنت احس بانه يقترب من حجرتي . كنت أتظاهر بالنوم, آملة ألا يصر على ان يوقطني . لكنه كان يفعل. ولم تكن والدتي أيضاً تتدخل.

 قضينا في منزل السيدة غيفين عدة شهور ثانية , ثم قالت لي والدتي أن المنزل قد بيع, وأن علينا ان نفرغه و نرجع إلى كينت. أخبرتني أيضاً بأنها قدرت , خلال السنتين التي قضيناهما في بيت السيدة غيفين, ادخار بعض المال لشراء بيت خاص بنا . لم أكن في مثل سعادة والدتي , فقد كنت قد تعلقت بهذا المكان تعلقاً كبيرا . ومما زاد في همي هو أن أمي أخبرتني بأنني لن أقيم معهما , بل ساعيش مع كفيلتي بتانتيردون, وأن كل الترتيبات اتخذت من أجل تسجيلي بالمدرسة هناك . احسست بأنهما تخليا عني, رغم تأكيدها لي بأن عيشتي هناك ستكون مؤقتة , ريثما يعثرا على منزل يسعنا كلنا . شعرت بأني مدمرة . ساترك المنزل والمدرسة الوحيدة التي احسست فيها بالهناء.

 شعرت بوحدة وغربة رهيبة وتوقعت ألا تكون علاقتي مع كفيلتي على وفاق , وأنني لن اطيقها . وقد تأكد حدسي حين وصلنا الى منزلها . ورمقتُ في عينيها النفور الذي احسست به نحوها. ولأول مرة شعرت حقاً بالإمتعاض والغيظ من أمي. كيف سمحت لها ذاتها بأن تتخلى عني هناك؟ بعد أيام بعثت ل أمي رسالة , وأخبرتها بأني غير سعيدة في منزلي هنا , وأن االاجدر بها أن تأتي لتأخذني. سعدت بترك ذلك المنزل الكئيب, واستعجلت فراق تلك المرأة الكبيرة في السن التي لم تألفني لحظة ولم تحبني . 
لو كنت اعرف بما كانت تخبيء لي الأيام الاتية لكنت أعدت النظر مراراً وتكراراً في ذلك القرار, غير أنني, وأنا في الحادية عشرة من عمري, لم أكن اعرف بشيء من ذلك . قالت لي والدتي أثناء رحلتنا بالحافلة عن المنزل الذي اشترته هي وأبي. كان بيتنا بارزاً بالنظر إلى صف البيوت المجاورة له. ولما عاد أبي من العمل تحمست وأعلنت الخبر: أنا الآن أدعى توني. ولم ينطق والدي اي كلمة , وظل طوال عمره يرفض أن يناديني توني. 

ومع بدء أمي في عملها الجديد. تغيرت مواعيد شغل والدي . صار يشتغل مساءا . وفي إحدى الأيام سخنت الماء كي استحم . لم يكن يفصل حجرتي عن حجرة ابي غير ردهة صغيرة. لذلك حاولت أن أصعد السلالم من دون أية ضجة. صببت القليل من الماء الساخن على جسمي وشرعت بالإستحمام. نظرت إلى ذاتي في المرآة, فلاحظت للمرة الاولى بأن جسمي بدأ يتغير : فلم يعد صدري مسطحاً كما كان. ثم نظرت مرة ثانية في المرآة , فلمحت والدي يجلس عند المدخل. وراح ينظر الي وهو يبتسم, ثم قال لي : ارجعي الى المنزل بعد المدرسة فوراً, و جهزي لي فنجان شاي وائتيني به . وبعد المدرسة ذهبت إليه.

 كانت الشهوة تظهر في عينيه. شلني الرعب كما كل مرة. أيقنت أن ما ينتظرني اقسي مما قاسيته في إيرلندا, ذلك أن شبقه ازداد مع تحول جسدي من الطفولة إلى المراهقة. وبعدما انتهى قال لي : إذهبي وإغتسلي ! شعرت بصداع كبير يمر من دماغي , وسمعت على نحو غير جليّ صوت أمي تناديني من أسفل السلم . فتحت فمي لكي ارد عليها , لكن كل ما استطعت النطق به حشرجة غريبة من حلقي . شعرت بأن كل شيء بجانبي يدور, حينها طلبت والدتي الدكتور , وبعد أن فحصني قرر نقلي إلى المستشفى. لم احس بمرور الأيام الأولى التي قضيتها في المشفى. كنت أقضي معظم وقتي راقدة , وكنت اتعب ذاتي لأستطيع فتح عيني. و علمت من والدتي أنى أصبت بتعفن كلوي شديد ....ومع مرور الأيام بدأ جسمي وصحتي بالتحسن. كانت حياة المشفى الروتينية قد أنستني القليل من ذكرياتي المؤلمة الموجعة , وبعد نهاية الثلاث أشهر من عيشتي في المشفى.

 جمعت حاجياتي وأنتظرت وصول أمي للإنتقال إلى بيت الخالة كاترين. حيث قررت هى ووالدي أن أقضي بضعة أسابيع عندها للنقاهة . كانت الخالة كاترين تعيش في بيت كبير يطل على شاطيء مقاطعة كينت. لم تكن تربطنا بالسيدة كاترين اي علاقة دم , بل هي في الواقع صديقة قريبة لوالدتي . 
ومع مرور الأيام رايت أن الخالة كاترين تسعد غاية السعادة بافراح عائلتها , وتخيلت أنني فرد من أفراد عائلتها . أمضيت صيفاً جميلا في ذلك المنزل. لم أكن أتمكن من الخروج لأنني كنت في نقاهة. أقضي ايامي في القراءة, وفي معاونة الخالة كاترين في المطبخ. قامت الخالة بحياكة بعض الملابس الجديدة لي , و خرجنا إلى السيرك, واستمتعت كثيراً هناك . وبعد أسبوعين من ذلك, صرحت لي الخالة كاترين خبراً اعتقدت انه سيفرحني , وهو أن ابواي سيأتيان في عطلة نهاية الأسبوع ليصطحباني إلى المشفى لإجراء الفحوصات. فإذا تاكد أن كل شيء على احسن ما يكون , رجعت إلى المدرسة. فنمت ليلتها وأنا متكدرة أتساءل عما يخبأه لي الأسبوع الاتي . 


 أتت نتائج الفحوصات الطبية على احسن ما يرام , وقالوا إن حالتي الصحية حسنه وتسمح باكمال الدراسة. أخذت والدتي إجازة من عملها بمناسبة رجوعي الى المنزل , ولشدة ما كانت فرحتي عارمة والسعادة تملئني لما كنت ارجع من المدرسة فتستقبلني بالشاي والكعك الساخن . لكن ما كان يدخل الفرحة على قلبي أكثر هو خلوّي إليها واستئثاري بها , وحديثي معها بعيداً عن عيون والدي المترقبة . في هذه الفترة قررت قراري على ان اكافح نزوات أبي حين ترجع والدتي إلى العمل . كان من اللازم أن اقف امامه و اقول له بأنني أدرك حقيقة ما يفعل بي, وأنني كنت أطاوعه خوفاً منه. فبعد أن قضيت فترة في كنف عائلة السيدة كاترين, بت اعلم خطورة أفعاله.

 كنت اعلم بالفطرة أن سرنا لا يجب أن يطلع عليه أحد, أمرٌ شنيع , لكني كنت أصغر من أن اعلم ان والدي هو من ينبغي أن يشعر بالعار لا أنا. وبالفعل عند أول فرصة سنحت واجهته وقمت بالرفض, ابتسم لي وغمز لي بعينه غمزته المعتادة , وقال لي: هل تعرفين يا أنطوانيت إنني اعمل ذلك مع أمك. حينها نظرت اليه مرعوبة خائفة غير قادرة على تحويل عيني عن عينيه الخبيثتين. قال: أما زلت لا تعلمين كيف يُصنع الأطفال؟ لم أكن اعلم , ولكنني فهمت بسرعة . غشيني شعور بالقرف لفكرة مشاركة أمي في فعل شنيع كهذا. كيف أقدمت على فعل ذلك؟! لقد تغير تخيلي لعالم البالغين كله , و اختفت ثقتي بهم , و شعرت بأني وحيدة وتائهة, تنهشني الشكوك و الهواجس . حاول إقناعي بأنني لن أحمل منه , لكني أصررت على ان ارفض ذلك . 

إستيقظتُ وأنا موقنة من أن شيئاً جميلاً سوف يحدث : ستصل جدتي الإنجليزية اليوم. أرادت أن تمضي معنا بضعة أسابيع. سالاقيها كل يوم في البيت, وبذلك لن يجرؤ والدي على الإقتراب مني. كنت اعرف ان الوالد الطيب الودود سيعاود الظهور خلال فترة عيشها معنا , وأن أمي سترجع إلى لعبة العائلة السعيدة. مرت فترة إقامتها بيننا كسرعة البرق , ولكنها وعدتني بالعودة. ولكني خفت أن أقع من جديد بين مصائد أبي. سيعود إلى العمل الليلي, ولن يصير في مقدوري الإفلات منه . في الأيام المقبلة ظهرت علامات نضوجي . ورغم الألم المبرح أسفل بطني, إلا أني بقيت في المنزل ولم أذهب إلى المشفى بسبب غياب وسائل النقل. أما والدي , فلم يتوانَ عن إظهار سخطه على حرمانه من متعته. وفي الأسبوع الأخير من العطلة رجعت جدتي لزيارتنا, فتغيرت عيشتي من جديد. جاءت لغاية بعينها . فقالت لأبي: إنها لاحظت بأنني لست هنيئة وسعيدة في مدرستي, ولا أملك اي اصحاب هنا, وأن والدي لا يحس بالاطمئنان في إنجلترا, وأن في إيرلندا توجد, اسرة أبي الكبيرة. كان أبي يرغب في الرجوع , وقبلت أمي العرض. بيع البيت على عجل, و رجعنا إلى إيرلندا, وكان كل منا يعلق آماله الخاصة على هذه الرجعة . وهناك أدركت أن اسرتي الكبيرة لم تعد تنظر إليَّ بنظرتها قبل ثلاث سنوات, ولكني حبي لهم ظل مستقرا كما هو . بقيت أنا في بيت جدي وجدتي ريثما يعثر ابواي على مسكن, وهو ما اسعدني كثيراً. بينما ظل أبي وأمي في بيت عمتي, لأن بيت الجدين لم يكن يتسع لنا كلنا . وأمضيت صيفاً هادئا . وقد اشتقت للمدرسة, وكنت أتساءل ما إذا صويحباتي كن سيتعرفن عليّ.

 إندمجت في المدرسة بيسر وببساطة . ونجحت في نيل تقدير الكل . وقبيل حلول عيد ميلادي الثالث عشر, وبعد أسبوع على عودة الدراسة, جاء والديّ لرؤيتي . فقد استأجرا بيتا وجاءا في أثري لنستقر معاً. انقضت اعوام وأنا أدين أبي وألتمس لأمي الحجج , لكنني أدركت هذا المساء أنها انسان ضعيف. فهي لم تضيّع سعادتنا العائلية في سبيل حبه فحسب, بل فقدت نفسها أيضاً. واستخلصتُ عندئذٍ أنني لست مثلها ضعيفة. حينها قطعت وعداً على ذاتي بألا أترك أحداً يتحكم في عواطفي . ولن أضعف أمام أحد أو شيء أبداً. وهو وعد كان له أثر على حياتي لاعوام عديدة . 

 إنصرمتْ عشرة أيام بالملجأ دون أن احس بانقضاءها . كانت فترة إفطار امي فرصة لي لكي اترك الحجرة و اذهب إلى الصالون , حيث أقرأ جرائد الصباح, وأشرب كوب قهوة , وأدخن . احس بالفرح وأنا أنفث أول نفس من سيجارتي. لعله كان مكان ملائم أقرر فيه الانقطاع عن التدخين, لكن حاجتي إلى النيكوتين كانت اكبر . كان والدي يزور والدتي في الملجأ بعد ظهر كل يوم. لم يكن الأب الطيب ولا الأب القاسي, بل عجوز يحمل باقة من الورد اشتراها بسرعة عن الطريق . عجوز ينظر إلى المرأة الوحيدة التي أحب بشيء من الحنان واليأس, تلك المرأة التي ضحت بالنفيس و الغالي من أجل أن تظل معه. كانت خطواته تتثاقل يوماً بعد يوم, ووجهه يزداد اكتئابا وهو يرى زوجته تتلاشى أمام عينيه شيئاً فشيئاً. كانت شفقتي عليه تمتزج بالذكريات التي تحيط بي كل ليلة, فيتصادم ماضيّ و مستقبلي . قال لي أبي في الملجأ: اعرف أنني قمت بأشياء شنيعة , لكن هل يمكن أن نصير اصحاب ؟ قلت في نفسي: أصحاب ؟ لقد فات الأوان . مضى زمن كنت فيه في حاجة ماسة إلى الحب, بل كنت متلهفة له. أما الآن فأنا احس بأنني عاجزة عن منحك هذا الحب ! حينها تمالكت ذاتي وقلت : أنا ابنتك. حل عيد الفصح, و جاءت على منزلنا نفحة تفاؤل وامل غير معهودة. 

مضت أسابيع بدا فيها والدي كما لو أنه سيطر على غضبه وأظهر وجهاً طيبا يعرفه أفراد اسرته وأصدقاؤه. وقد أدخل مزاجه الهادئ السعادة على قلب أمي, فصارت تعاملني بمزيد من الود والعطف . غيرنا بيتنا , وعثرت أمي على عمل اعجبها . واشترى أبي سيارة أحلامه: جاغوار. وإشتغلت في أحد المخابز المجاورة أثناء العطلة. وبقيت اشتغل أيام السبت من كل أسبوع. وهنا كنت قد بدأت أتعود على احتساء الويسكي, لأنه كان يهدأني ويرفع شئ من معنوياتي. 

 رسّخت مطالب والدي المتكررة شيئاً اعتياديا في حياتي. فكلما فرغ من فعلته يقدم لي نبيذا , فأقبل عليه لأخلص راسي من ما تعرضت إليه. ومع أني صرت في الرابعة عشرة من عمري, لكن لم يكن يسمح لي والدي بالخروج من البيت. ذات صباح, وكان قد انقضى على بداية العطلة الصيفية تقريباً أسبوع, بينما كانت والدتي تستعد للخروج إلى العمل, عرفت أن والدي رجع مبكرا , وأنه آوى إلى سريره . ولكن عندما خرجت والدتي سمعت صوته. قال : تعالي يا أنطوانيت. جهزي لي شاياً وائتيني به. وعندما ذهبت إليه لمحت بطرف عيني صدره الباهت الذي تتخلله بقع نمش, ويعلوه شعر سكني بارز من خلال قميصه القذر الداخلي. ثم قرأت الشبق في نظرته . فصرخ بي : إنزعي ثيابك . إنزعي ثيابك كلها, وبتمهل. حينها انتابتني رغبة جارفة في الهرب والفرار , لكن لا حول لي ولا قوة. وبعد أن انتهى استفرغت سيلاً من الصفراء التي ألهبت فمي . اغتسلت مرات عديدة , وتساءلت ببؤس : متى ستنتهي هذه المحنة ؟! لا شك في أنني كنت متعبة . ينتابني القرف و الدوار كل صباح فور قيامي من السرير , فأهرع إلى الحمام . تملكني خوف كبير , ذلك أن جسمي كان يزداد ثقلاً و ضعفا يوماً بعد يوم. وصار صدري يوجعني وبطني منتفخاً, والطعام لا يكاد يستقر في بطني. كانت والدتي شديدة القسوة علي , وأبي يراقب كل حركاتي. وعندما اقتنعتْ والدتي اني متعبة , طلبت مني مراجعة الدكتور . وبعد ما فحصني الدكتور , قال لي : أنت حامل من ثلاثة شهور!! ونزلتْ عليَّ هذه الجملة كصاعقة لم اتوقعها . فقلت محاولة الإنكار : شيء غير قابل للتصديق , فأنا لم يمسسني اي انسان . فرد الطبيب: لا بد أنك عاشرت شخصا ما . فقلت: لم أضاجع غير والدي . ..

كانت تلك هي المرة الاولى التي اصرح فيها بسري لشخص غريب . وخيم صمت كبير في الحجرة . وسألني: هل اغتصبك ؟ فغمغمت: نعم . فقال لي : هل والدتك على علم بالأمر ؟ فرحت ابكي , وقلت : كلا. قال وهو يمد لي منديلاً : اخبريها أنني أريد مقابلتها . حينها خرجت من عند الدكتور وذهبت إلى معلمتي أيزابيل, وأنا أردد في ذاتي : ستساعدني, ولن تطردني . و قلت لها ما دار بيني وبين الدكتور . إستحال قلق أيزابيل خوفا . إستأذنتْ لتقول ل زوجها. وبعد عدة دقائق , اتى زوجها لوحده وطلب مني أن اقول ل والدتي بما يجري , وألا آتي إلى هنا مرة ثانية .

 وعدت إلى المنزل . سألني أبي: ماذا قال الدكتور ؟ فأجبت متظاهرة بالقوة : أنا حامل. قال: سأبذل ما في طاقتي لحل هذه المشكلة. هل قلت ل الدكتور بأني من فعل بك هذا ؟ فأجبته كاذبة : كلا . قال : ساقول ل امك بأنك تعرفت على شبان انكليز و عاشروك . وأمرني أن ابقى في حجرتي إلى أن يفرغ من الحديث إلى والدتي . وبعد انتظار, نادتني والدتي فنزلت لان اراها . قالت لي: من الأب ؟ فقلت : بابا. فقالت : اعلم هذا !! فسألتني عن بداية ذلك. فقلت لها كل ما جرى معي بالتفصيل , وحدثتها عن نزهات السيارة في عطلة نهاية الاسبوع , ولكن محياها ظل شبه بارد . واكتفتْ بأن علّقت : كل هذه الاعوام ! لم تسألني لماذا لم اقول لها , ولِمَ تواطأتُ مع والدي على الكذب عليها . سألت : هل عرف الطبيب بالموضوع ؟
 فأجبت: نعم , و قلت لها بأنه يريد ان يراها . 
 ثم اقترحت والدتي بأني سأجهض بطريقة مشروعة , ثم ستتخذ الحياة طبيعتها كما لو أن شيئاً لم يقع . وبالفعل أجهضت الجنين .

 لم تاتي والدتي لزيارتي في المشفى. قالت لي الممرضة: ينبغي أن اقول لك بأمر ما, مهما كان خطؤك فأنت لا تستحقين كل هذا, لن تقدري ان تنجبي في المستقبل يا انطوانيت !! تطلعت إليها بدهشة , ثم اتّضحت معاني الكلمات في راسي . لقد انهار حلمي بأن تكون لي ذات يوم عائلة أحبها وتحبني . وأدرت راسي لكي لا تلاحظ ما احسست به من فرغ في تلك الدقيقة . عدت إلى المنزل لوحدي, وهناك كان والدي و الدكتور في انتظاري الذي بادرني بالقول: إتصلت الأستاذة صاحبتك بالمصالح الأجتماعية, فنادوا على الشرطة . سيحضرون إلى هنا حالاً. 

جاءت البوليس وأخذت أبي, وأخذتني معه لياخذوا اقوالي . وقد رفضتْ والدتي مرافقتي لحضور الإستجواب. مضى عليَّ في الملجأ ثلاثة عشر يوماً, وأصبح من الواجب عليّ أن أقوم بمهمة إطعام والدتي بالملعقة. لقد اكتملت الدائرة بانقلاب الأدوار بالضبط بين الطفلة و الام . وبينما كنت اقعد في الصالون ليلة اليوم الثالث عشر, أخذت دموعي تفيض ولم أستطع ايقافها , فمسحتها بغضب. 
لم أعد اقدر ان اسيطر على ذكرياتي. داهمني سيل كبير من الصور التي ترجع إلى سنة 1959. ففي هذه السنة توقف كابوس و جاء آخر. شعرت بخواء في صدري, وصعوبة في التنفس. وانهالت عليّ الذكريات. لم أعد المرأة الناجحة التي اصبحتها بعد كد. تلاشت بالتدريج, خلال الأسبوعين اللذين امضيتهما في الملجأ, تلك المرأة المليئة بالثقة وراء أنطوانيت, الدمية المطيعة لوالديها الوديعة. أشعر بالعار من أنني تركتهما يتحكمان بعمري كل تلك الاعوام . فإذا كانت والدتي قد وضعت قواعد لعبة العائلة السعيدة منذ طفولتي المبكرة , فقد حافظتُ أنا على تلك الأسطورة وأنا بالغة . وددت أن أكون مثل كل الناس الذين يتكلمون عن طفولتهم , ولكن الإحباط هو ما الّم بي . وبعد اعوام أقصتني العائلة من حضنها . 

عائلة والدي نبذوني من قلوبهم دون أن ينبذوا والدي . حتى جنازة جدتي لم اذهب إليها مع أن هذه المرأة احبتني جدا . تنكروا لي كلهم بسبب ما ارتكبه هو . لو سمحوا لأنطوانيت أن تنمو على نحو اعتيادي لكانت مختلفة تماماً عما هي عليه هذه الايام . لكانت التحقت بالجامعة , وكان لها اصحاب كثيرون . لكنها لم تُعطى الفرصة المناسبة . أمي لم تحبني ابدا , وهي اليوم بحاجة إليّ لكي تموت براحة من دون أن ينهار حلمها : الحلم بزوج مغرم بها , وحياة زوجية هانئة أثمرت طفلة. أما أنا فقد كنت مجرد ممثلة في الفصل النهائي من مسرحيتها . إنتقلتُ إلى مركز البوليس حيث استُجوب أبي , بعدما قالت الشرطة ل المستشفى والطبيبُ ما يجري , وقلت للشرطيات حكايتي كاملة . كنت أجيب على أسئلتهما بكل صراحة . 

كان يلزم أن تمر اعوام لاقدر الحديث عن طفولتي بحرية تامة , من دون شعور بالعار و الخزي . سألتاني عما إذا لم أخف من الحمل , فأجبت بأنني كنت اعتقد أن البنت من غير الممكن ان تحمل من أبيها. أخبرني الرقيب بأن والدي قد اعترف بذنبه , وستكون المحاكمة مغلقة . ويوم المحاكمة رفضت والدتي الذهاب معي , وتشبثت بدور الضحية . وبعد انتهاء المحاكمة , قال لي المحامي : حُكم على والدك بأربع اعوام , وإنْ حَسُن تصرفه , قد يطلق سراحه بعد عامين و نصف . ولكنه الآن يرغب في التكلم معك . وعندما التقيت بوالدي قال : إعتني بوالدتك يا أنطوانيت ! فقلت: نعم يا بابا. ومضيت في طريقي.

 وفي ذات اليوم قالت لي جدتي والتي بدت مذبوحة بالحكم الذي صدر على ولدها : أبوك هو إبني الكبير , وما فعله أمر شنيع . أنا واعية بهذا, لكننا لا نقدر أن نستقبلك في منزلنا . فتم طردي من منزل جدتي, وكذلك تم طردي من المدرسة. وقررت والدتي ترك العمل, وبَيْعَ المنزل والإنتقال إلى بلفاست. كان الناس يتجاهلونني, ولكن مالك متجر الحي كان يعاملني بكل رقة . وكنت أتعمد ان امشي و انا مرفوعة الرأس وأنا أتجول في أجنحة المتجر . ثبتت والدتي على موقفها, ولم تبرح المنزل باستثناء زيارات قليلة خاطفة لجيراننا . تم بيعُ المنزل وانتقلنا إلى بلفاست. استأجرتْ والدتي بيتا صغيراً في حي شانكهيل , وهو كل ما تسمح به مخصصاتنا المالية . كنت لا أزال أحب والدتي , وكنت أتمنى أن تظهر لي بعض من الحب والحنان و العطف , لكنها كانت في حالة من الإكتئاب تجعل منها غير قادرة على منحي ما أنا بحاجة له . 

في اليوم الذي يلي لانتقالنا اشتريتُ الصحيفة المحلية , وجلست في أحد المقاهي لكي احدق في إعلانات العمل , وأختار منها تلك التي لا تشترط مؤهلات مميزة وتوفر السكن . حصلت على عمل لرعاية ولدين لاسرة ميسورة الحال . وقد كذبت عليهم وقلت لهم بأن ابي متوفي . عملت عندهم لبضعة أسابيع إلى أن اكتشفوا حقيقتي , فتم طردي من الشغل . كنت اقعد في أحد المقاهي , وكنت أشاهد أزواجاً يجلسون بجانبي و تبدو على وجوههم السعادة , وينعمون بالهناء مع عائلاتهم وأسرهم . أما أنا فكنت أجلس كغريبة وحيدة لا يراها أحد , ولم تنعم بالهناء إلا في السنوات الست الأولى من حياتها القصيرة . 

لقد سجنني الاحساس بالنبذ في قفص داخلي, وهنا لم يعد يلوح لي غير مخرج واحد : باب الخروج . هل سأبقى سجينة هذا القفص إلى نهاية العمر , بلا حب ولا صداقة ولا حتى شعور بالحياة ؟ لن ابقى كذلك . إشتريت شفرات حلاقة وأسبرين من الصيدلية, واشتريت زجاجة نبيذ , وتوجهت إلى أقرب حمّام عمومي. شربت زجاجة الويسكي , وابتلعت عقاقير الأسبرين , وأخرجتُ شفرة حلاقة وجرحت معصمي جرحاً لكل عام من الاعوام التي مقتت فيها عيشتي . حينها تثاقل جفناي وشرعا يقفلان , وأظلم المكان من حولي وأسودت الرؤيا بعيني , ولم أعد احس بشيء . وعندما استيقظت, وجدت ذاتي ممددة على فراش في حجرة بيضاء صغيرة. سمعتهم يسألونني عن عنواني وإسمي .تمكنت ان اخبر الممرضة والقس الذي كان معها بإسمي: أنطوانيت. و قلت لهما ما أنا فيه ولماذا لم أعد اريد ان اعيش لأن حياتي لا معنى لها. حينها أجمع الأطباء على نقلي إلى مركز صحي الأمراض النفسية لأني أعاني من الإكتئاب الشديد .

 وبعد ستة أيام من مكوثي في المشفى جاءت والدتي لزيارتي. وانتابني دفق من الحب . لمّا رأيتها مقبلة نحوي , هرعتُ إليها , فضمتني بين يديها لأول مرة بعد فترة طويلة, و قالت لي عن مدى قلقها عليَّ, وأن هذا المكان هو أنسب مكان بالنسبة إليَّ في الوقت هذا . قالت لي عن خططها لحياتنا سوية . و قالت لي أنه يمكن أن أقيم معها و اعمل كنادلة في المقهى الذي تديره فور تركي للمشفى . وارتسمت على محياها ابتسامة كبيرة لم ألمح مثلها منذ عهد قديم . وانصرمت الأسابيع التي امضيتها بالمشفى بسرعة, وبدأت ارجع الى صحتي من اكتئابي, وأصبحت أجد معنى لحياتي , فهناك حياة لا بد أن أبدأها من جديد. وهكذا مر عامان في دعة و راحة .

 لم نتحدث قط عن والدي أو نوبة الإكتئاب التي المت بي . وتوطدت العلاقة بيني وبين والدتي من جديد. وأصبحت أمي تفرح وتسعد بقربي بعد غياب والدي , وهو ما غمر قلبي سروراً. لم يعد شيء يكدر صفو رابطتنا . لم يكن يؤرقني سوى شيء واحد وهو رعبي من أن أقضي حياتي كلها نادلة. كان طموحي هائلا , والأمر نفسه بالنسبة إلى والدتي . أردتها أن تكون فخورة بي. وقبيل إكمال العام السادس عشر من عمري, قررت متابعة دروس للسكرتارية. ولزيادة مخصصي المالي ذهبت إلى جزيرة مان للشغل في أحد الفنادق. وعند عودتي إلى المنزل , رأيت أبي يجلس في أريكة أمي مزهواً كالطاووس, وأمي تجلس جاثيةً عند قدميه تتملى طلعته بانجذاب . فعلمت على الفور أنني خسرت من جديد مكاني عندها. لقد اختارته هو, لأنه مركز حياتها . إنتابني مزيج من الاشمئزاز والإحساس بالخيانة. اردت أن أهرب منهما معاً. لم أعد ارغب في وجوده أبداً. أما صوت والدتي فتحول إلى ضجيج رهيب لا يحتمل. صعدت إلى حجرتي سريعاً. وفي صباح اليوم التالي بدأت لعبة جديدة دعتني أمي للمشاركة فيها, إسمها : لما يعود أبوك إلى المنزل ! 

صارت والدتي تعتمد عليّ اعتماداً كليا في الملجأ. أضحت لا تعيش إلا على السوائل. كنت أتمنى أن تنتهي الآلامها . كنت أمسك بيدها و اريحها بأن عجزها عن النطق لا يعنيني , فنحن لم نعد بحاجة إلى الألفاظ لكي نتواصل. كانت تلك هي ليلتها الأخيرة في الحجرة المشتركة . كانوا يهمون بنقلها إلى حجرة لوحدها في اليوم التالي. برغم أن السرطان أنحلها وهدّها, فهي ما زالت متمسكة بالحياة. تم نقلها إلى الحجرة لوحدها , وفي اليوم الثالث من نقلها, قالت لي إحدى الممرضات: إنها تحتضر يا توني ! كانت أمي ساكنة هادئة , بالكاد تتنفس. إتصلتُ بوالدي و قلت له بأن أمي تحتضر. أجاب بصوت يشي بالسكر: أنت تعرفين بأني لا اقدر ان اسوق بالليل. ألست أنت بجانبها؟ ماذا في مقدوري أن أفعل من أجلها؟ وددت أن اصيح في وجهه "بوسعك أن تأتي أيها النذل". كانت تحيا آخر لحظاتها. 

وقضت ليلتها الأخيرة من دون والدي , الرجل الذي تفانت في حبه طيلة نصف قرن , ولكنها كانت محفوفة بابنتها التي طالما رفضتها . للمرة الاولى منذ زمن بعيد فكرت لماذا لم أقطع صلتي بوالديّ من اعوام ؟ لعلني كنت بحاجة إلى التمسك بحلم أن لديَّ اسرة مثل كل الناس. إرتديتُ معطفي, واستعددت لمواجهة العواصف , لأن رحيل والدتي صادف نهاية أكتوبر . كان وجهها ساكنا , وتمنيتُ أن تكون روحها كذلك . جلت ببصري في الجمع رايت والدي و اصحابه .

 يدي هي التي أهالت التراب على والدتي وليست يد والدي . كنت المرأة الوحيدة التي ودعتها بين من كانوا يحيطون بلحدها , ثم غادرت وحيدة إلى مركبتي التي كانت بانتظاري. وفي اليوم التالي عدت إلى إنجلترا, إلى عالمي الذي خلّفته ورائي , وأنا أعلم أخيراً أن أنطوانيت, شبح طفولتي, قد استرجَعَت راحتها .


                                                  النهاية



إرسال تعليق