السبت، 22 سبتمبر 2018



تلتخيص رواية: 
 غداً: غيوم ميسو. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.








 جامعة هارفارد. كامبردج. 19 ديسمبر 2011. كانت قاعة المحاضرات مليئة بالتلاميذ، ولكن دون ازعاج. كانت العقارب البرونزية للساعة الجدارية القديمة تعلن الساعة الثانية وخمس وخمسين دقيقة من بعد الظهر. 
كانت محاضرة الفلسفة التي يعطيها ماتيو شابيروتكاد تشرف على الإنتهاء. كانت الفتاة إيريكا ستيوارت، البالغة إثنين وعشرين سنة، والجالسة في الصف الأول ، تنظر الى أستاذها بكل تركيز وتمعن. كانت تسعى إلى اثارة وجلب انتباهه إليها، ولكن لم تفلح وبائت جميع محاولاتها دون أن تنجح في ذلك.
 كان الدكتور ماتيو شابيرو أحد الأساتذة الأكثر شهرة في الحرم الجامعي. كانت دروسه تستقطب كل سنة طلابا جدداً. 
كان يريد لدروسه في الفلسفة أن يجعلها سهلة الوصول إلى راس المتلقي، فكان يدمج في محاضراته، بذكاء وبشيء من الدعابة والمرح، جانباً واسعاً من الثقافة الاهلية. كان قربياً جدا من تلاميذه وحريصاً على نجاحهم.

 في الشتاء الماضي، خسرماتيو زوجته في حادث سيارة. فكان رحيلها مؤلماً قاسياً , رن الجرس المُعلنِ عن نهاية المحاضرة. حينها لمح ماتيو إيريكا فقال لها: ماذا تعملين هنا يا إيريكا؟ لقد سبق لكِ ونجحت في هذه المادة في السنة الفائتة. فقالت إيريكا: يوم السبت الاتي يصادف عيد ميلادي، و ارغب في أن أدعوك إلى تناول العشاء. فقال لها ماتيو: أنتِ بنت ذكية، وأنت تعرفين أن هناك على الأقل مئتان وخمسون حجة وسبب أرفض من أجلها دعوتكِ. خرج ماتيو من الحرم الجامعي، و سار في وسط مدينة بوسطن. كان في طريقه المعتاد إلى محطة المترو في الوقت الذي وصلت سيارة من نوع شفروليه، وتوقفت بجانبه مثيرة زوبعة زعاج بعجلاتها. نزل الزجاج الأمامي للمركبة ليُظهر له شعر آبريل فيرغسون الأصهب،إنها صديقته في الغرفة التى يقنطها منذ موت زوجته. فصعد معها في المركبة. تذكر ماتيو زوجته كيت.

 لقد توفيت يوم 24 ديسمبر 2010. خلال الثلاثة أشهر الأولى من وفاة زوجته، لم يتركه الألم للحظة واحدة. تذكر حياته كيف كانت قبل عام واحد كان يريد الانتحار ويشنق نفسه، أو أن يطلق على ذاته رصاصة. ولكن في كل مرة كان احتمال الوجع الذي سيلحقه بابنته إيميلي يمنعه من الإقدام على فعلٍ كهذا. 
أوصلته آبريل إلى البيت. أخذ يتمشى. اقترب من منزل كبير يبيع بضائع مستعملة. من بين المعروضات وقع نظره على حاسوب من النوع المحمول. دنا ماتيو من الجهاز و دقق به. كان هناك صورة لامراة مثيرة أنيقة تبدو وكأنها تمسك بين يديها اشارة على شكل تفاحة. وأسفل هذا الرمز إسم (إيما. ل.). 

اقترب ماتيو من الحاسوب وسأل البائع: هل هذا الحاسوب يشتغل؟ فقال البائع : نعم. إنه الحاسوب القديم لاختي ولكني قمت بإعادة تفعيل نظام التشغيل فيه، فعاد وكأنه حديث. فقال ماتيو: حسناً، لقد اشتريته. نيويورك: كانت حانة إمبراتور تطل على البلدة وتقدم منظر بانورامي على مانهاتن. كانت إيما لوفنشتاين، بمشيتها الخفيفة و قامتها الرشيقة ، تنتقل من مائدة إلى أخرى وهي تقدم أنواعاً من الكحول وتدعو الزبائن إلى تذوقها. كانت ساقية الكحول الشابة موهوبة في الكشف عن نشاطها: خفة يديها وضوح ابتسامتها ورشاقتها،. استغلت إيما مدة استراحتها لتلقي نظرة خفية على تليفونها. ولكن استبد بها الخوف حينما قرأت الرسالة و علمت صاحبها: أنا أمضي عطلتي في نيويورك هذا الأسبوع، ما رأيكِ أن ناكل العشاء معاً هذه الليلة ؟ أنا فى غاية الشوق إليكِ .. فرانسوا... 

كانت إيما قد وُلِدَت في عائلة بسيطة في فيرجينا الغربية. ثم انتقلت إلى نيويورك بعد أن حصلت على شهادتها لتشتغل في محلات بيع النبيذ. حدقت بتمعن إيما، بعدما خرجت من عملها، مرة ثانية إلى الرسالة التي وصلتها. كان فرانسوا وارث مزرعة كروم ضخمة، وكانت قد التقت به قبل سنتين. لم يُخفِ عنها أنه متزوج وأب لولدين، ولكنها مع ذلك وافقت على مبادراته نحوها. وأمضيا سنتين من علاقة عرضية. كلما كانا يران بعضهما، كان فرانسوا يعدها بأنه على وشك أن يترك زوجته. لم تكن تصدقه ولكنها كانت منجذبة به أشد الانجذاب. وذات مرة، بعث لها فرانسوا أنه يريد ان يتركها ، وأنه يحب زوجته. 

فبدت لها الحياة كما لو أنها اوجاع فقط. ولإخماد هذا الوجع، طعنت نفسها بطعنتين قويتين بآلة حادة في كل يد من يديها كانت ستنجح في وضع حد لعمرها لولا أن اخوها وصل في الوقت الصحيح. كانت إيما متقلبة عاطفياً. كانت تخاف من الهجران. ولكن العلاج النفسي الذي تاخذه قد ساعدها في التحكم حياتها وبذاتها بشكل جيد. كانت إيما في الثالثة والثلاثين من عمرها ذات عينين خضراوين ، وشعر بني متموج بعض الشيء. وصلت إيما إلى المنزل، وقد أخذت تقرا رسائلها. كان هناك بريد من شخص اسمه ماتيو شابيرو. رجل لم يسبق لها أن سمعت أحداً يتكلم عنه. والذي سيقلِب حياتها رأسا على عقب . .. 

داعب ماتيو وجه إيميلي، إبنته ذات الأربع اعوام والنصف، وهو يلقي عليها نظرة كان يريد أن تثير فيها الهدوء و الطمأنينة. الحقيقة هي أنه كان أباً لا يقدر السيطرة على الموقف. ففي الأسابيع الأولى بعد موت زوجته، تخلخل من جراء عدم الاهتمام التي أظهرتها إيميلي. فبدت إيميلي غير متأثرة بالوجع كما لو أنها لم تعلم أن أمها قد توفت. هزت إيميلي رأسها بين أحضان ابوها وقالت: أنت أيضاً ستتوفى، أليس كذلك ؟ فقال: كما سيموت الكل. ولكن أعدك أنني لن اتوفى قبل مائة سنة. كرر ماتيو الوعد وكان يعرف أن هذا الوعد ليس إلا كلاماً في الهواء. ذهب ماتيو من عند إيميلي وجلس لوحده. استلقى على الكنبة. ما كان عليه أن يستسلم فيجب عليه أن يكون قويا ويقاوم من أجل إيميلي. نهض من على الكنبة وبحث عن أمرٍ يُشغل به نفسه التائهه . وقع نظره على الحاسوب الذي ابتاعه قبل بضع ساعات. فتح الحاسوب ثم كبس على زرٍ من لوحة المفاتيح لكي يرى عشرات الصور في عرض الشرائح. كان هناك صورة لرجل و امراة يحتضنان بعضهما ويخلّدان صورتهما وسط النور الجميل للشمس المائلة إلى الغروب. 

كانت الصور تتضمن توقيعٍ من قبل إيما لوفنشتاين. على ما يبدو أنها المالكة القديمة للحاسوب. فقام ماتيو بارسال رسالة إلى إيما على الإيميل الموجود على الجهاز يقول لها أنه المالك الجديد للحاسوب، و يقول لها بأنه وجد صوراً لها في الحاسوب، فماذا يعمل بالصور، هل يحذفها أم يبعثها لها. ارسلت إيما برسالة إلى ماتيو تقول فيها: اظن أنك أخطأت في الايميل. لو كنت صاحبة ل حاسوباً من طراز ماك بوك، لما بعته! مما يعني أن الصور التي معك فى الحاسوب ليست صوري ! حينها مسح ماتيو كل الصور. أما إيما فقد بحثتْ على الانترنت عن ماتيو شابيرو، وقد عرفت أنه أستاذ جامعي و قرات نبذة قصيرة عن حياته، ثم تصفحت بعض الصور له. كان شابيرو شاباً أسمر البشرة و جميلا، ويُظهر عمراً في اول الأربعينيات. 
ترددتْ لبضعة دقائق، ثم أرسلتْ: هل اكلت عشائك يا ماتيو ؟ عبس ماتيو. لم يُحب هذا التدخل على هذا النحو في خصوصياته. فأجاب عليها: إذا رغبت في معرفة كل شيء عن حياتى ، فإن قرصاً من البيتزا على وشك أن يذوب في فرن المايكروويف. فردت إيما: دع البيتزا تبرد. هل تعلم مكان متجر زيليغ فود، البقالة الكبيرة، رفوفهم مليئة بالأجبان اللذيذة. إذهب لزيارتهم. لقد بحثت عنك عبر محرك البحث وعلمتُ أنك تسكن في حي بيكون هيل، ويمكنك أن تروح إلى زيليغ فود مشياً على الأقدام. حينها بحث ماتيو على الانترنت عن إيما لوفنشتاين، وأطلق عملية البحث، فراى صورتها ضمن بحث (عشر مواهب شابة تستحق المتابعة). كانت هذه الشابة ساقية الكحول هي المرأة ذاتها التي رأى صورها في الحاسوب.

 أمر غريب. لماذا قالت أن الحاسوب لم يكن لها ؟ عادت آبريل من الحانة في منتصف الليل. لم تكن آبريل تعلم عن ماتيو سوى منذ سنة واحدة ، ولكنها فعلاً كانت تحبه و متعلقة به وبالصغيرة إيميلي. وإذا كانت قد تأثرت بحالته اليائسة ، بسبب وفاة زوجته، ولكنها لسوء الحظ لم تكن تعرف كيف تساعده، فكان ماتيو يحمل لزوجته إخلاصاً كبيرا. وعندما عادت إلى المنزل، الذي تتقاسمه مع ماتيو، رات ماتيو يجلس بهدوء وراء شاشة حاسوبه الحديث. اقتربتْ منه، فحاول أن لا يجعلها ترى الصور التي استعادها من سلة محذوفات الحاسوب وطبعها لتوه. ولكن آبريل كانت أسرع منه و راتها، ورأت صور إيما فقالت له : أنا فرحة وأنا ارى ان حالتك قد تحسنت . فأوضح لها ماتيو حقيقة الأمر. فقالت له آبريل: أنا اظن وفي رأي أن لا تنتظر كثيراً لكي تراها. ادعُها بأسرع وقت ممكن إلى المطعم. وإذا اردت مساعدتي، سأسهر على إيميلي. وبعد ساعة ارسل ماتيو رسالة لإيما: أعرف مطعماً في بلدة إيست فيلج في نيويورك يملكه زوجين أعرفهم جيداً. هل توافقين على الخروج لكي نتناول طعام العشاء معاً هناك ؟ فردت إيما: سأكون فرحة بذلك يا ماتيو. فرد عليها: نرى بعضنا الساعة الثامنة مساءاً غداً ان كان مناسب لك ! فردت: حسنا يا ماتيو. سوف أعمل جهدي لأتفرغ لللقاء.

 في اليوم الذي يليه أغلق ماتيو الباب خلفه ونزل الدرج المتعرج الذي يفصل المنزل عن الشارع. حجز بطاقة سفر بالطائرة إلى نيويورك. كانت إيما في الحانة تهتم ب القوارير عندما دخل عليها بيتر، شيف تقديم الكحول، حاملاً فاتورة وصاح: لوفنشتاين، لقد فقدت عقلك ! لماذا اتخذت مبادرة شراء هذه الأنواع من الكحول؟ ألقت إيما نظرة على الفاتورة. كانت فاتورة بعنوان موقع بيعٍ عبر الإنترنت يهتم ب مجال مصانع النبيذ الإستثنائية. وقيمة الفاتورة اعلى من العشرة آلاف دولار. ولكنها لم تكن هي من طلبت هذه الطلبات. فقالت: أؤكد لك بأنه ليس لي أي يد في هذه القصة يا بيتر. فقال بيتر: لا تمزحي معي. ان أمر الطلب يحمل توقيعك. تدبري أمرك فى الحال وأنقذي نفسك من هذه الورطة، وأريد أن تلغى هذه الفاتورة قبل نهاية هذا اليوم! وإلا، فباب الطرد من العمل ينتظرك. ظلت إيما دون حركه واقفة في مكانها لبضعة دقائق، مصعوقة. اتصلت إيما بالمصنع التي بعث لهم النبيذ الغالي، و قالت لهم أن موقع الحانة قد تعرّض للقرصنة، واقترحت على المُمون أن ترجع على نفقتها كامل الطلبية مقابل الغاء قيمة الفاتورة. وقد احست بالإرتياح حينما قالوا لها انهم موافقين على ذلك. وقد تبين أن الصبي الفرنسي رومالد لوبان، الذي يعمل في قسم الصيانة بالأجهزة الألكترونية في قسم المعلوماتية، قد دخل على نظام الحانة، وطلب النبيذ الغالي لأنه أراد أن يتذوقه. 

سامحته إيما، ووعدته إيما بان لا تقول ل إدارة الموارد البشرية، مقابل أن يدخل على موقع أهم صالونات التجميل في نيويورك ليحجز لها مكاناً لتستعد لللقاء اليوم. ففعل ذلك. خرجت إيما إلى المطعم الإيطالي، وقدمت نفسهاإلى موظف الإستقبال، وقالت: لدي لقاء مع ماتيو شابيرو. لقد حجز مائدة لشخصين. فقالت المرأة باندهش : حقاً، ماتيو في نيويورك؟ تفحصت قائمة الحجوزات. 

كان إسم ماتيو غير موجود في قائمة الزبائن. قالت المرأة: لا بد أنه حجز عند زوجي و لم يخبرني بذلك. سأجد لك مكاناً ملائما. صرخ فيتوريو وهو يرى صديقه ماتيو وهو يدخل الى باب المطعم: ماتيو! ما هذه المفاجأة العظيمة. لماذا لم تخبرني بأنك سوف تاتي الى هنا ؟ فقال ماتيو: اتصلتُ في الصباح بكوني, أليست هنا ؟ فقالت فيتوريو: لقد ظلت كوني اليوم في المنزل، فإبني بول لديه مشاكل بالأذن، لقد أصبح عمره لآن عاما واحدا. ثم دخل ماتيو إلى المائدة التي حجزها وانتظر دخول إيما. وفي الساعة الثامنة وتسع وعشرون دقيقة ليلا قال فيتوريو لماتيو: يبدو أن أميرتك لن تاتي . فقال ماتيو: هذا صحيح سابعث لها رسالة. في الساعة الثامنة وست وأربعون دقيقة شعرت إيما بالخجل. كان هذا الرجل وغداً! ثلاثة أرباع الساعة من التأخير وانا في الإنتظار دون أن يبعث برسالة إلكترونية أو يتصل بالمطعم لكي يعتذر عن المجيء إلى الموعد! بعثت له رسالة ولكن الرسالة لم تصل. في الساعة التاسعة وثلاث عشرة دقيقة ليلا قال ماتيو: اظن أنها لن تأتى .

 خرج ماتيو من المطعم وعاد الى الطائرة للعودة إالى بوسطن. وفي الساعة التاسعة وتسع وعشرين دقيقة ليلا اقفلت إيما باب المطعم وصعدت إلى التاكسي. احتقرت ذاتها لأنها جعلت نفسها تسقط مرة أخرى في فخ رجل. حينما دخلت إيما إلى المنزل، شغّلت حاسوبها و ارسلت له برسالة : يبدو انه ليس لديك أي تربية ولا أي لباقة. لا تكتب إليّ مرة ثانية. وعندما وصل ماتيو إلى منزله كانت آبريل قد غفت وابنته أيضاً كذلك. فتح حاسوبه وكان هناك رسالة من إيما لوفنشتاين.. فرد عليها ماتيو: عن ماذا تتكلمين، يا إيما ؟ لقد انتظرتك طيلة الليلة في المطعم! وأرسلت إليك بريدين ولم تردي عليهما! لا أفهم على ماذا تعاتبينني. أنتِ من تخلفت عن الموعد . فردت إيما: أنا كنتُ اجلس في المطعم، يا ماتيو. ولم أتلق منك أي بريد. واستقبلتني امرأة تعرفك سمراء جميلة، ، حامل في شهرها الثامن على الأقل. فرد ماتيو: أنت تتفوهين بسخافات غريبة , لقد وضعتْ كوني طفلها منذ عام على الأقل !! وقبل أن يبعث الرسالة، فجأة، صدمه أمر، وراودته فكرة مجنونة فى راسه. سأل: إيما في أي سنة نحن ؟ فردت إيما: أنت مجنون. مالذى تهذيه ،ولكنها فكرت وهي تكبس على أزرار لوحة المفاتيح. راجعت الرسائل المبعوثة من قبل ماتيو. كانت الرسائل مدونة بتاريخ ديسمبر 2011. استبد بها الخوف، فأطفأت حاسوبها. 

كانت تحيا في عام 2010 وكان ماتيو يحيا في عام 2011. ولسبب كانت لا تعرفه، بدا أن حاسوبهما الشخصيين كانا الوسيلة الوحيدة للتواصل بينهما. حينما صحيا في اليوم التالي، كان لدى إيما وماتيو رد الفعل والصدمه ذاتها : راجعا بعصبية واضطراب صندوق بريدهما الإلكتروني و سعدا لعدم وجود أي رسالة فيه. صحيت آبريل، وسألت ماتيو عن لقاء البارحة. فقال لها ما حدث. فقالت: إنتبه جيدا المزاح على الإنترنت أمر خطير جدا. فقال لها: أنتِ من حمستني على دعوتها إلى المطعم! وربما كان من الواجب علي أن أكون أكثر حذراً. لام ماتيو نفسه مرة ثانية. كان يتمنى لو أن هذه الفتاة مجرد محتالة أو شئ من هذا القبيل ، ولكنه كان يميل إلى الظن بأنها مريضة نفسيا. إن امرأة تظن بأنها تعيش في عام 2010 لا بد أن تكون مشوشة جدا !! وبالتالي فهى إمرأة في غاية الخطورة. اتصل ماتيو على صاحبه فيتوريو وقال له: كيف حال صحة ابنك بول ؟ فقال فيتوريو: إنه في أفضل صحة وحال ، شكراً لك. وأنت، هل تحسنت من أثر سهرتك الغريبة تلك ؟ فقال ماتيو: لم اعد اتذكرها. قال فيتوريو: في الحقيقة، أنا أتصل بك بشأن تلك الليلة. هذا الصباح، قلت لكوني مغامرتك المزعجة وقد تضايقت كثيراً. وقد تذكرتْ فجأة أمراً. قبل ما يقارب السنة، وذات مساء لم اتواجد فيه في المطعم، استقبلتْ كوني امرأة في مطعمنا. و قالت تلك الفتاة أنها كانت على موعد معك. وقد انتظرتكَ لما يقارب ساعة، ولكنك لم تجيء !!! شعر ماتيو بتدفق الدم إلى راسه. فقال ماتيو: في أي تاريخ جاءت ؟ فقال فيتوريو: الامس، مضى عام كامل على تاريخ حضورها إلى المطعم: 20 ديسمبر 2010. ولكن هذا ليس كل شيء المهم . إن لديّ فيلم هي متواجدة فيه! فهي موجودة في أشرطة تسجيل كاميرات المطعم، ولقد بعثته لك قبل قليل يا ماتيو. اقفل ماتيو السماعة وفتح كمبيوتره. شاهد تلك المرأة، إنها هي ذاتها إيما التي شاهد صورها على الكمبيوتر. خرج ماتيو مسرعا إلى الرجل الذي اشترى منه الحاسوب وقال له : أرغب فى أن اسالك شيئا. فقال الرجل: أي نوع من الأسئلة؟ فقال ماتيو: لقد قلت لي أن هذا الحاسوب كان لاختك ؟ فقال الرجل باقتضاب: نعم. فأخرج ماتيو الصور التي طبعها لإيما من جيبه وقال: هل اختك هذه المرأة الشابة ؟ فقال: نعم إنها إيما ! فقال ماتيو: هل يمكنك أن تقول لي أين تقيم إيما الآن، أود التكلم معها. فقال الرجل: أشك أن تجاوبك إيما لأنها ماتت !!!!! ثم أخذ دانييل يتكلم عن شقيقته: كانت إيما منذ شبابها غريبة الأطوار. كانت تعاني من تقلب في الشخصية. كانت إيما تحب بسهولة كبيرة بعض الرجال. قبل ثلاثة أشهر فقط ، كانت على علاقة مع رجل فرنسي يدعى فرانسوا جيرو، وتسبب لها بالوجع والالم الكبير. وفي النهاية، رمت إيما نفسها أمام قطار في بلدة وايت بلينس، وأنهت حياتها فى اليوم الخامس عشر من أغسطس الفائت. 

 عاد ماتيو إلى منزل وأرسل رسالتين إلى إيما يترجاها ان ترد على بريدها، ثم بعث رسالة ثالثة يقول فيها: إيما، إذا كنتِ بحاجة إلى برهان على أنني احيا في عام 2011، ها هو. أوصلي جهاز الراديو الخاص بك أو أديري جهاز تلفازك على القناة التاسعة، وسوف اعطيك الدليل. شعرت إيما أن نبضات قلبها تتسارع. مع كل بريد يصلها من ماتيو، كانت تحس بأن فكي كماشة يطبقان عليها، مهددة بقتلها. فتحت جهاز التلفاز وكان هناك مبارة لكرة السلة. ثم أخذ ماتيو يرسل لها برسائل عما يحدث بالمباراة بالضبط قبل حدوثه. دق قلبها بعنف. أصبح هذا الرجل يرعبها فعلاً. وتخاف منه . تباً! كيف يمكننا التواصل مع شخص يعيش في المستقبل. هذا ليس ممكناً! مع ذلك، جاء إلى راسها إسم غير محتمل: إسم رومالد لوبلان. هذا الصبي يمكنه أن يساعدها في حكاية الكمبيوتر هذه. حتماً هذا العبقري الصبي الفرنسي الذي قام بالقرصنة منذ يوم. 

عرضت إيما جهازها الحاسوب على الصبي الفرنسي. وقالت له: بت أتلقى رسائل بريديه غريبة من نوعها منذ عدة أيام. هل يمكنك أن تحدد عنوانها ؟ فقال الفتى: هذه ليست مسألة كبيرة. وبعد أن شاهد الفتى الرسائل قال: الـ.. التواريخ. وكأن هذا الرجل يبعث إليك رسائل من المستقبل. موقع الرسالة وكذلك نقطة وصولها محددين. كما لو أن الرسالة تنبعث في عام 2011 لكي تصل في عام 2010. على الكمبيوتر نفسه !! حينها اصفر وجه إيما وتراجعت إلى الوراء.
 وصلت لها رسالة اخرى من ماتيو يقدم فيها دليلا جديداً. كان يرفق في البريد ملف بي دي إف لمقالة من جريدة نيويورك تايمز يعود وقتها إلى يوم الإثنين 23 ديسمبر 2010: سائحة سويدية تربح 5 مليون دولار في عيد ميلادها المئة: فازت سائحة محظوظة بما يزيد عن 5 مليون دولار من الة قمار في كازينو فندق نيو بلينهايم. وكانت السيدة لينا تشكل جزءاً من نزهة نُظمت إلى شرق الولايات المتحدة. و قالت الفائزة أنها وضعت دولارين في باب ماكينة القمار نحو الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة ، و فازت بعدها. وعلى الصورة التوضيحية للنبا، يمكن رؤية صورة المراة ترتدي بلوزة مكتوب عليها أنا اعشق ستوكهولم.
 حينها حدقت إيما إلى ساعة معصمها حيث كانت الساعة تشير إلى الخامسة وثلاثين دقيقة ليلا، واليوم كان هو 23 ديسمبر 2010. إذاً عليها أن تفعل شيئا ما . 

انتقلت إلى كازينو الفندق المبين في الخبر المرسل من ماتيو. كانت الساعة الثامنة وثلاث وأربعين دقيقة. شاهدت السائحة السويدية التي تلبس بلوزة مدون عليها "أنا أحب ستوكهولم". وبصورة مخالفة للاخلاق، اخترقت إيما الدور على السائحة وأخذت موقعها أمام ماكينة القمار، ووضعت إيما نقودها في الماكينة الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة تماما أمسك ماتيو بكمبيوتره وتفقد البريد. وجد بريدا من إيما كانت تقول فيه: ألق نظرة ثانية على مقالة نيويورك تايمز. بحث في أرشيف جريدة نيويورك تايمز، قرا طبعة 23 ديسمبر 2010. وقع نظره على مقالة تقول: فتاة من مدينة نيويورك تربح خمسة ملايين دولار في كازينو! فازت امرأة شابة، أرادت أن تُبقي هويتها غير ظاهرة للناس، مساء أمس أكثر من خمسة ملايين دولار من الة قمار في كازينو فندق نيو بلينهايم. وهذا مبلغ ضخم، وهي لم تقامر إلا بدولارين فقط . وقد قالت بأنها سوف تستعمل جزءاً من المال في شراء سيارة حديثة، ولكن ليس بالتأكيد شراء كمبيوتر جديد!! في حالة من الصدمة، قرأ ماتيو المقالة مرة اخرى. بعثت إيما رسالة أخرى تقول فيها : ماذا نعمل الآن يا ماتيو ؟ فجأة، حرك فؤاد ماتيو وعيٌ عنيف. ففي اللحظة التي كانت إيما تبعث إليه هذه الرسالة، كانت كيت زوجته لا تزال حية 22 ديسمبر 2010 .. في صباح يوم الأحد ذاك، كان ماتيو وابنته الصغيرة وزوجته يتنزهون في ممرات الحديقة العامة. وعلى بعد أمتار من هناك، كانت إيما، تجلس على كرسي، تراقب ما يجري دون أن تخفي وجودها. لم تكن تعرّض نفسها لأي خطر فيما لو اكتشف ماتيو وجودها، فلم يكن ماتيو يعرف صورتها أو شكلها في 2010 ولا حتى يعرف بوجودها. 

رأت إيما كيت زوجة ماتيو . إنها امرأة ذات جمال كلاسيكي رائعة. ، تبدو مثل نبيلة رومانية، تحيط بها العذوبة الأمومية والسحر. ولج ماتيو وزوجته وابنته إلى مطعم إيطالي، فولجت إيما ورائهما. 

 22 ديسمبر 2011 .. أضاء ماتيو درج الإنارة. كان يتالم من صداع شديد، فلم ينم طوال الليلة الفائتة. كانت هناك فكرة تسيطر على عقله منذ البارحة: كان عليه أن يُقنع إيما أن تقف حائلا دون وقوع حادث كيت !! فرفع شاشة كمبيوتره وجلس على أحد الكراسي وكتب رسالة إلى إيما وضع فيها كل عواطفه القلبية وكل يقينه: ليس لدينا سيطرة يا إيما على المرض، ولا على الوقت الذي ينقضي، أو موت الانسان الذي نحب. نحن عاجزون أمام هذه العذابات و الآلام. هذا ما أحاول أن اعمله منذ عام: القبول بوفاة زوجتي كيت، حب عمري. سوى أن كل شيء قد تغير منذ أن اشتريت كمبيوترك. لا اقدر أن أفهم هذا التشوه في الوقت، ولكن من الممكن اليوم، وبفضل معاونتك، أن أحظى بنعمة لم ياخذها أي إنسان من السماء: وهي ارجاع من نحب الى الحياة. أرجوكِ أن تعينيني، يا إيما. زوجتي ماتت في 24 ديسمبر، مساء الساعة التاسعة ، بينما كانتْ قد أنهتْ دوامها وعملها، صدمت سيارتها شاحنة ضخمة على الطريق السريع . لديكِ القدرة يا إيما على إلغاء هذا الموت. إفعلي ما بوسعك إفعلي أي شيء من أجل منعها من أخذ مركبتها: أثقبي عجلات مركبتها، أو أوجدي طريقة لكي لا تخرج كيت إلى شغلها في ذاك اليوم. اعملي أي شيء لمنع تلك اللحظة البائسة الحزينة! سأكون مديناً لك بالشكر والعرفان إلى نهاية الحياة . يمكنك أن تطلبي مني أي شيء، يا إيما. يمكنني أن أن ابعث إليكِ أرقام أجهزة اللوتو أو نتائج المباريات أو البورصة. أطلبي مني ما تريدين. 
ردت عليه إيما بعد دقائق: ليس المال هو الذي ارغب به، أيها الرجل المسكين! أريد أسرة! أريد الحب! أريد أشياء لا تُشترى! شاهدتْ إيما أن ماتيو و عائلته يغادرون المطعم. اقفلت حاسوبها ودفعت فاتورة المطعم و تركته. خرجت إيما على الفور إلى ساحة نورث سكوير ووجدت أفراد عائلة شابيرو يتسكعون. واصلت إيما تجسسها للعائلة. وبعد فترة قصيرة، إفترق كيت وماتيو، ففضّلت إيما أن تتعقب وتتبع كيت. انطلقت كيت إلى شغلها في المستشفى فتبعتها إيما. وهناك جائتها رسالة جديدة من ماتيو: إن لم تقومى بفعل شئ يا إيما في منع حادث كيت، ستكونين شريكة في موتها! فردت إيما: كُف عن تهديدي أو جعلي احس بالذنب! ماذا ستفعل الآن؟ هل ستتصل بالبوليس ؟ أم ستأتي لمنزلي في عام 2011. فرد ماتيو: سيكون صعباً أن اجيء لبيتك، لأنك في سنة 2011 ستموتين !! فردت إيما: لماذا تقول هذا الكلام؟ قال ماتيو: لأنه هذا الصدق . قالت إيما: أنت تكذب !! فبعث لها ماتيو بنبا انتحارها تحت عجلات القطار كملف بي دي إف. 
شعرت إيما أن حلقها قد انسد و جف. سرت رعشة باردة في جسمها وشلتها لبعض الوقت. نظرتْ إلى تاريخ النبا في الجريدة ، المُرسل من قبل ماتيو، فرات أنها قد انتحرت في يوم 15 أغسطس من العام الاتي. ففكرت، يمكن تحليل أن إعلان موتها هذا فرصة اخرى تمنحها لها الحياة. 
لم ترغب إيما في الإنتحار، كانت تريد حياة مع شخص قوي لتشعر بالإستقرار والأمان. وعلى نحو أدق، كانت تريد عيشة وحياة كيت شابيرو. كانت ترغب في أن تحل مكانها. كانت الفكرة تكبر في عقلها شئ فشئ وبهدوء. سوف لن تساعد كيت. سوف تدع الحادث يقع كما هو القدر . سوف تتجاهل رسائله الإلكترونية. سوف يأتي شهر أغسطس ولن تنتحر، لأنها الآن لديها سبب في ان تبقى على قيد الحياة. أفاقت إيما من نومها بصعوبة . كانت هناك مكالمة اتية على الحاسوب وكانت من ماتيو. وحين فتحت مكالمة الفيديو رات كلبها كلوفيس !! بعدها ظهر وجه ماتيو وهو يقول: أنت تحبين كلبك أليس كذلك, لقد جئت به من عند اخيك، وأنا أيضاً احب زوجتي. ثم أخرج ماتيو سكين لتقطيع اللحم وقال: إن لم تعطيني وعداً بأنك سوف تمنعين وقوع حادث كيت، فسأقتل كلوفيس. فصاحت إيما: حسناً، حسناً, لا تلمس كلبي. قضت إيما الليل كله وهي تفكر في طريقة ناجحة لمنع تصادم الشاحنة بمركبة كيت. 

في اليوم الذي يليه 23 ديسمبر 2010, انصهر الثلج قليلاً. منذ عشر دقائق وإيما تضرع المكان جيئة وذهاب وهى تمشي أمام مكان شغل كيت تنتظر خروجها. وعندما خرجتْ كيت، لحقتها إيما. انتقلت كيت بعدها إلى حانة في نهاية رصيف الشاطئ. دخلت إيما خلفها. فكرت إيما فيما تعمله كيت في هذه الحانة وحيدة. ولكن كانت هناك علامات الحيرة بادية على وجه كيت ، لا بد أنها تنتظر شخصاً ما. ثم خرجت إلى المغاسل وأخذت هاتفها و حقيبة يدها ، ولكنها تركت سترتها الصغيرة على الطاولة. فقامت إيما بسرعة ونبشت جيوب السترة، وحصلت على مفاتيح مركبة كيت. 

دخل الحانة رجل طويل ونحيل ذا شعر قصير كاشف. التقى الرجل مع كيت. احتضنها الرجل، وقبّلها!! إنصدمت وصعقت إيما في مكانها. من المستحيل أن يكون لكيت حبيب. فكرت كثيرا في ماتيو البائس الذي كان ينظر إلى زوجته على أنها رائعة. حاولت أن تقنع ذاتها أن كيت وهذا الرجل لم يكونا حبيبين، ولكن تصرفاتهما كانت لا لبس فيها وواضحة: عناق، نظرات متعلقة بعضهما ببعض أصابع متشابكة،. صوّرت إيما المشهد كله ثم خرجت. حينها اتصل بها رومالد لوبلان وقال لها: لقد بعثت رسائلك إلى أحد أصدقائي المهتمين بالمعلوماتية وقد قال لي أنه هو أيضاً لا يقدر على فك لغز السفر بالزمن. فقالت إيما: لا تهتم، أريد منك الآن فك نظام الإنذار في بيت. إنه بيت ماتيو وكيت شابيرو. ثم أعطته العنوان بالضبط وأكملت: سوف أدخل بعد ربع ساعة إلى هذا البيت، وسوف تعلق أنت نظام الإنذار حتى لا يتم ايقافي من قبل رجال الشرطة. ثم ارسلت برسالة إلى ماتيو. وصل صوت رنين من حاسوب ماتيو ينذر بوصول رسالة جديدة. كانت الرسالة من إيما: عزيزي ماتيو، أنا سعيدة أن ابنتك متعلقة ب كلبي كلوفيس، ولا أرى أنك ستقتل هذا الحيوان البريء. 
لقد ترددتُ كثيراً قبل أن ابعث لك هذا المقطع القصير المصاحب للرسالة. أتمنى أن لا يصعقك. تفضل بقبول اعتذاري على هذا التدخل في شؤونكم الخاصة. ولكن هل تعلم من هو الرجل الموجود برفقة زوجتك ؟ ضغط ماتيو زر تشغيل الفيديو. بعد ثوان، ظهرت صورة غير واضحة بعض الشيء على الشاشة. حينها اقتربتْ إيميلي تمسك بكوب الشوكولا الساخنة، وبلا ادراك سكبته على الكمبيوتر، فتوقفت الصورة تماما وأصبحت الشاشة سوداء. نظر ماتيو، منزعجاً، في ابنته. لقد فقد لتوه الطريقة الوحيدة للتواصل مع إيما. الطريقة الوحيدة لإنقاذ زوجته.

 دخلت إيما إلى بيت ماتيو وكيت. لم تكن إيما تعلم عن ماذا تبحث بالضبط. هل كانت تبحث عن دليل خيانة كيت وعدم اخلاصها ؟ في أحد الأدراج، رات جواز سفر الزوجين. عرفت حينها أن كيت روسية. دخلت إلى حمام كيت الخاص. بحثت في ادراجها فاكتشفت عن أسماء ادوية مضادات الإحباط. لا بد أن كيت كانت دائماً مضطربة قلقة , في حجرة الملابس عثرت إيما على سترة قديمة من نفس طراز السترة التي كان يلبسها عشيق كيت. دققت إيما في السترة، فعثرت في إحدى الجيوب على صورة لكيت عارية الصدر، والتي لا بد أنها ترجع إلى ما قبل خمسة عشر سنة. فتحت إيما الحاسوب الخاص بكيت و صورت جميع الصور التي عليه، لأنه لا يوجد وقت لتراها كلها الآن. سمعت صوت دراجة هوائية. يقترب من الشباك فرأت أن ماتيو وكيت يصفان الدراجة أمام المدخل. حينها خرجت من النافذة وأطلقت ساقيها للريح. 

في قاعة المكتبة العامة جلست إيما لترى ما حصلت عليه من بيت ماتيو. وصلتْ جهاز أل USB التي تم نسخ الصور عليه إلى كمبيوترها وبدأت برؤية ماضي كيت. أول شيء جذبها هو الأصول الروسية لكيت. تصورت إيما طفولة كيت وبداية شبابها. كانت أمها قد ماتت في 1990 في أمريكا، حيث كانت في مرحلة العلاج من مرض التصلب اللويحي. كان عمر كيت خمسة عشر سنة. من تولى تربية كيت بعد موت امها ؟ لا شيء يشير إلى ذلك. كانت الصور التي تليها أكثر ابتهاجاً ومرحاً. تذكرت إيما أنها وجدت في السقف المستعار لحجرة الملابس، حقيبة ثياب تحتوي على رزم نقدية كثيرة. كانت الحقيبة تحوي على ما يقارب نصف مليون دولار !! أي نوع من الناس الذي يملك نصف مليون دولار مخباة في سقف غرفة ثيابه؟ تساءلت إيما وهي تحدق في صورة كيت. من تكونين في الحقيقة يا كيت شابيرو ؟ تصفحت إيما الصور التي نسختها من حاسوب ماتيو. صدمها أن هناك صوراً لماتيو مع امرأة سمراء قصيرة القامة ! كان ماتيو قد تزوج قبل أن يتزوج بكيت! كان هناك صور لزواجهما، وقد كتب على إحداها: ماتيو و سارة , 

20 مارس 1996 . ذهب ماتيو إلى أقرب مُصلح للحواسيب. وبعد ساعات من الصيانة، تبين لماتيو أن الجهاز لا يمكن إصلاحه فقد تعطل. قام مصلح الحواسيب بفك القرص الصلب للكمبيوتر وإعطاءه لماتيو. عاد ماتيو إلى البيت، وأوصل القرص الصلب الخارجي بكمبيوتر المنزل. فتح الحاسوب ليرى الفيلم القصير المبعوث من قبل إيما. لم يصدق ما رآه! كانت كيت تشد جسمها إلى رجل لم يكن يعلمه. كانا يتعانقان ويتبادلان نظرات غرامية ويتداعبان شد على قبضته، وقد اجتاح الغضب كل حياته. لقد كانت كيت، حب عمره، كانت تخونه ولم يعرف بذلك إلا الآن، بعد سنة من موتها! حل الاحساس بالتقزز والكره محل الشعور بالخيانة. فكّر ماتيو، ماذا لو لم تكن إيميلي ابنته ؟! كان شكاً عنيفا يستقر في داخله. عندما عادت إيما إلى الفندق، رات رومالد لوبلان ينتظرها. قال لها: لقد اخترقتُ كميبوترك ورأيت صورة الرجل و المراة، المأخوذة في البار، على حاسوبك. فقالت له: هل تعلم هذه المرأة ؟ فقال: لا، ولكن اعلم الرجل، إنه نيك فيتش. إنه أسطورة وأحد رجال الأعمال الأكثر ثراءا وغموضاً في العالم كانت إجراء ات تحليل "الدي أن إيه" في متناول أي انسان. كان يكفي تحضير عينتين من الخلايا المحضرة من داخل الخد. تؤخذ العينة الأولى من الوالد والأخرى من الابن للتأكد من الأبوة. قال ماتيو لإبريل كل ما حدث واقترح عليها أن تاخذه إلى المختبر فلم ترضى. 

استقل تاكسي وذهب إلى مختبر الفحص. لحقته آبريل بمركبتها وأجبرت التاكسي على التوقف. خرج ماتيو من التاكسي فقالت له آبريل: ماذا سيفيدك اختبار الأبوة هذا ؟ هل سوف تحب إيميلي على نحو أقل فيما لو تاكدت بأنها ليست ابنتك الحقيقية؟ فقال: بالتأكيد لا، ولكني لا ارغب في أن أعيش في كذبة ! أريد أن اعرف ما حدث مع كيت. أريد أن اعلم لماذا خانتني ومع من ؟ لقد هجرت زوجتي من أجلها. قالت آبريل: كيت توفيت، يا ماتيو. قال ماتيو: أنتِ لا تفهمين الموضوع. لقد خانتني كيت. لقد هجرت زوجتي من أجلها. فقالت إبريل: أنت لم تكون تحب سارة منذ زمن كبير. وقد آن الأوان لأن ترضى بذلك. لقد قضيت مع كيت سنوات جميلة كلها سعادة ومهما حدث كان في الماضي. أترك الشك يا ماتيو. بإجرائك لاختبار الأبوة هذا، و بتفتيشك في حياة كيت، سوف لن توقع سوى ضحيتين في هذا الامر : ابنتك الصغيرة وأنت. إقلب هذه الصفحة، يا ماتيو، اترجاك!! وقف ماتيو مصدوما وملأت الدموع عينيه، ثم سلم مغلف الفحص إلى آبريل. أخرجت آبريل الشريحتين وأخرجت الكمبيوتر المحمول، و رمتهما من على الجسر إلى البحر. ومن ثم عاونت ماتيو، المنهار، في الجلوس علي كرسي سيارتها قبل أن تعيده إلى بيته. وهكذا غرق الكمبيوتر المحمول في قاع البحر البارد حيث لن يتمكن أحد من استرجاعه أبداً، مانعاً بذلك أي اتصال اخر بين إيما وماتيو.
 ولكن المواضيع لم تكن على هذه الدرجة من البساطة. أكمل رومالد حديثه لإيما: نيك فيتش هو رجل يقع بين ستيف جوبز ومارك زوكيربيرغ. حتى وإن لم يكن مشهورا جداً بين الناس، إلا أنه أسطورة كبيرة في عالم المعلوماتية. لقد اخترع الكثير من ألعاب الفيديو. كما اخترع نظاماً للتشغيل، و افتتح شركة فيتش إينك. ولكن انظري إلى الفتاة التي معه (كيت). لقد بحثت عنها و شاهدت صورها قبل عمليات التجميل. لقد كانت جميلة جدا قبل العمليات، ولكن ما الذي جعلها تجري هذه العمليات ؟ اعتقد أنها كانت تسعى للكمال. قالت إيما: عليك أن تدخل الآن أحد المواقع لكي نعلم مكان صديقة كيت الصدوقة حينما كانت في الجامعة. الفتاة ويلكينسون لتقول لنا أكثر عن كيت. انتحلت إيما شخصية شرطية، بمعاونة رومالد،و خرجت معه إلى معهد الدماغ والذاكرة لتتكلم إلى جويس ويلكينسون. قالت وهي تخرج بطاقتها الشخصية المقلدة لموظف الإستقبال: الشرطية إيما لوفنشتاين من شرطة بوسطن. ثم طلبت إيما أن تتحدث إلى جويس ويلكينسون. اخذها موظف الإستقبال إلى مكتب جويس.

 كانت جويس من جذور هندية، وكانت بشرتها الكامدة وشعرها القصير الأسود يتضادان مع نظرتها المرحة الصافية قالت إيما: أنا هنا لأن شرطة بوسطن تجري تحريا ظهر إسم كيت شابيرو فيه. فقالت جويس : رايتها في عام 1993. كنا نحن الإثنتين تلميذتان في السنة الأولى. كنتُ صاحبتها المقربة. عشنا سوية لعدة اعوام. ولكن بمرور الاعوام بدأ طريقانا يسلكان اتجاهين متضدان، وانقطعتْ صلتنا ببعضنا البعض . فقالت إيما: ماذا عن علاقاتها الشخصية وعن نيك فيتش ؟ فقالت جويس: هذا صحيح، كان نيك الحب الكبير لكيت. كانا على علاقة منذ سن التاسعة عشرة، واستمرت لاعوام علاقتهما وكانت غير مستمرة. كانت تعاني منه وتريد لفت انتباهه بشتى الطرق لدرجة أنها عملت عمليات تجميل في وجهها لإثارة اهتمامه أكثر وأكثر . وبعدها هجرته وتزوجت وأنجبت بنت. حينها شكرتْ إيما جويس و غادرت. 

بوسطن 24 ديسمبر عام 2010 .. الساعة السابعة وست وأربعين دقيقة صباحاً. المكان: حجرة رومالد في النزل. أحكم رومالد سيطرته على الكاميرات في مكان شغل كيت. وأخذ هو وإيما يران ما يجري في المستشفى الذي تشتغل فيه كيت. جاء ماتيو إلى المستشفى بدراجته الهوائية، تتبعه كيت بمركبتها. منذ سنوات عديدة، كان ماتيو وكيت يتبرعان بدمهما لمؤسسة الصليب الأحمر. كانت كيت تقبض بيدها على حقيبة رياضية. سألها ماتيو عن الحقيبة فقالت: إنها ثيابي وحذائي الرياضيين. سوف اخرج للتمارين بعد الشغل. حينها قضمت إيما أظافرها من خلف شاشة الكمبيوتر إلى جانب رومالد وقالت: اللعنة, لماذا لم تحذر بالتجوال ومعها حقيبة فيها نصف مليون دولار؟ إنها ذات الحقيبة التي رأيتها في منزلهما. وبعد ساعة خرج ماتيو من المستشفى، بينما ظلت كيت بعد ان تركت حقيبتها في الأمانات. ثم ذهب رومالد وإيما لتناول الفطور. 

بوسطن 24 ديسمبر من عام 2010 .. الساعة التاسعة وثلاث وأربعين دقيقة صباحاً. التقت إيما مرة ثانية برومالد في حجرته في الفندق. قال لها: لقد عرفت من أين جاءت كيت ب النصف مليون دولار !! فقالت له كيف ؟ فقال: إن لكيت موقع على الشبكة العنكبوتية تمارس من خلاله التجسس الصناعي. من الواضح أنها استفادت من انها قريبة من نيك فيتش لكي تاخذ منه أسراراً صناعية، وباعتها بأسعار كبيرة إلى شركات اخرى، أو إلى دول تريد معرفة بعض الأسرار السياسية للولايات المتحدة. خرجت إيما لكي تتعقب كيت، بعدما عرفوا من الكاميرات أنها خرجت من المستشفى. مشت إيما على أثر كيت فشاهدتها تجلس في أحد المطاعم ويقترب منها رجل يقترب عمره من الخمسين. وضعت إيما هاتفها على الأرض، و رمته باتجاه طاولة كيت، كما قال لها رومالد، لكي يقدر على سماع ما يقولانه. وبعد دقائق، تركت كيت والرجل المكان، فقامت إيما و اخذت هاتفها، وخرجت تتعقبهما . 
 عندما فتح رومالد التسجيل الصوتي بعد انتهاء الموعد, سمع شيئاً أشاع الصعقة الكهربائية في عموده الفقري. كان التسجيل يظهر الحوار القائم بين كيت وبين رجل يدعى أوليغ. قالت كيت: المال موجود في الحقيبة. نصف مليون دولار. فقال أوليغ: وماذا عن بقية المال ؟ فقالت: سوف تحصل عليه عندما أتأكد من أن العمل قد انتهى تماماً وفق تعليماتي. سيكون العمل هذا المساء. سوف تنتظر تليفوني لكي تدخل العملية في التنفيذ، وسوف يكون ذلك بعد الساعة التاسعة. وإذا لم ارن عليك ، إصرِف النظر عن العملية. فقال أوليغ: حسناً، ولكن هناك نقطة نهائية: ما هي هوية الرجل الذي عليّ القضاء عليه ؟ فقالت: الأمر يتعلق بهذا الرجل المتواجد في الصورة. إنه زوجي.إنه يدعى ماتيو شابيرو. قفز قلب إيما من صدرها عندما سمعت الحديث . ظلت ساكنة لا تنبس ببنت شفة، وهي تتلقى الخبر بصدمة، غير قادرة على أن تقول جملة واحدة. كانت كيت قد استأجرت قاتلاً مأجوراً لكي تقتل ماتيو !! ولكن لأي سبب ؟ تذكرت إيما أن كيت قد ماتت في حادث سيارة، ولعله قبل أن تقول ل القاتل المأجور ان يبدا التنفيذ . لم ينج ماتيو ولم يبق حيا إلا لأن زوجته قد توفيت قبل أن تتمكن من تمرير اوامرها للقاتل, حياة مقابل موت... كان الصبي الفرنسي المراهق، رومالد، قد ترك الغرفة وقال لها إنه يتابع الآن القاتل المأجور. 

فكرت إيما أنه لماذا يقوم ماتيو وكيت بالتبرع بدمهما بشكل روتيني. اتصلت بالمختبر لتعرف تفاصيل أكثر عن التبرع بالدم، ولكنها خلال المكالمة مع المختبر اكتشفت أن زمرة دم ماتيو هي زمرة هلسنكي، وهي زمرة فريدة من نوعها جداً جداً. استطاعت إيما، عن طريق الكمبيوتر، أن تصل إلى سجلات المرضى في المستشفى. قدرت إيما أن تعرف بأن نيك فيتش ينام في مستشفى بوسطن الذي تشتغل فيه كيت. كان نيك قد ولد بقلب معطوب يمنع تزويد الدم بالكمية الكافية من الأكسجين. ولكي يعيش، كان يحتاج إلى أن تتم له عملية زراعة قلب جديد. وهي عملية زرع قلب تكاد تكون غير ممكنة نظراً إلى زمرة دمه النادرة جدا، وهي زمرة هلسنكي. وبالتالي ان يصل نيك فيتش إلى سن الثانية والأربعين هي معجزة بحد ذاتها. فظل تحت رقابة طبية حثيثة. ولكن اليوم. قلبه على وشك أن يتدمر. فهذه المرة، إما عملية زرع للقلب أو سيتوفى نيك. إذاً, كانت كيت تخطط لقتل زوجها لكي تعطي قلبه إلى حبيبها. إلى أي مدى يمكن أن نذهب بدافع من العشق ؟ بعيداً. بعيداً جداً !! ولكن هناك حدود لذلك. كانت كيت قد تخطت الحدود. 

كانت كيت قد تعرفت للمرة الاولى على ماتيو في المستشفى حين جرح ذاته بمقص مزارع وهو يعتني ببستانه. كان أستاذاً جامعياً، ورجلاً طيبا. تكفلت كيت بمعالجته و علمت زمرة دمه النادرة التي تماثل زمرة دم عشيقها. فكان هو المتبرع المثالي له. إنها فرصة رائعة. ما الذي جرى في راس كيت في تلك اللحظة بالذات؟ بماذا احست حينما علمت بأن الطريقة الوحيدة لمساعدة الرجل الذي تحبه هو أن تصير قاتلة ؟! كيف يتخطى المرء الحدود بين الحب والجنون ؟ كان رومالد ما يزال يتعقب أوليغ: القاتل المأجور. انتقل أوليغ الى طريق ضيق ترابي فتبعه رومالد. اتصلت إيما برومالد وقالت له له أن يعود. استجاب لها وقال إنه سيرجع. أوقف السيارة وحاول ان يستدير ولكن عجلات السيارة غرزت في الثلج. نظر فجأة وفي لمح البصر راى شبحاً أسود يهجم عليه. فتح فمه لكي يصيح، ولكن سلاح عنيف ضرب جمجمته وفقد وعيه. 

سمعت إيما ما حدث فشعرت بالذعر. اخذت تبكي ولم تستطع أن تستمر في توسلها إلى الفتى المراهق. وحده طنين الهاتف كان يُسمع. لقد انقطع الإتصال به. أخذ أوليغ رومالد إلى منطقة بعيدة تحتوي على عدة مصانع فارغة ومهجورة. جرّ القاتل المأجور جسم رومالد على ارض المستودع وصفعه بعدة ضربات لكي يستعيد وعيه. ولكن دون فائدة, إذ بقي رومالد غائباً عن الوعي. فكر أوليغ لماذا لحق به هذا الفتى؟ هل كان على معرفة بالعقد والامر الذي كان عليه أن يجريه هذه الليلة ؟ بدأ رومالد باسترجاع وعيه قليلاً. كان مرميا على أرضية باردة صلبة حاول أن يقوم و يقعد ولكنه اكتشف أنه مقيد. أدرك أنه في مهجع ذي حيطان إسمنتيه خشنه ومنارٍ بضوء باهت. جاء إليه أوليغ وقال: لماذا كنت تتابعني ؟ فلم يجب الصبي. ارتعب الصبي الشاب وخر باكياً. جره أوليغ إلى حجرة بلا نوافذ. ذهب أوليغ من الغرفة و اقفلها وراءه. كان هواء جليدي يلفح راسه. عندها أدرك رومالد أنه موجود في صالة تبريد. هجر أوليغ رومالد هناك، اعتلى دراجته النارية وانطلق لتنفيذ الاوامر.

 24 ديسمبر 2010 الساعة الثامنة وتسع وخمسون دقيقة مساءاً. كانت حجرة المستشفى تغرق في ضوء منير، بانتظار إجراء عملية زراعة القلب كان نيك فيتش يغط في حالة من فقدان الوعي. خرجت كيت من المستشفى، و تكلمت مع زوجها. قالت له، غير صادقة، بأن سيارتها معطلة، وأنها ستستقل المترو. قال لها ماتيو: سوف اخذ دراجتي النارية وسآتي لمرافقتك. أغلقت سماعة الهاتف وخرجت إلى الكراج. كانت قد خططت لكل شيء منذ أيام، بل منذ شهور، بل ومنذ سنوات. ركبت كيت سيارتها ووصلت إلى مخرج الكراج. قبل أن تنطلق في طريقها، أجرت مكالمة هاتف مع أوليغ لتعطيه أخيراً الاوامر حينما انخرطت وسط حركة , رات في مرآتها العاكسة شاحنة صهريج كبيرة كانت تلف في زاوية الجادة في الإتجاه المخالف لاتجاهها. الساعة التاسعة وثماني دقائق مساءاً. كان البرد شديدا. أصبح إيقاع قلب رومالد الآن اخفت بكثير مما كان عليه.

 كان متعبا وخائر القوى. لم يكن قد فكّر، في أي من احلامه، بأن البرد يمكنه أن يكون شديدا هكذا كان مصيباً في افكاره: إن الأكثر هولاً و خوفا هو أن تعلم بأن لا أحد سوف يأتي لانقاذك. هو أن تعلم بأنك سوف تموت لوحدك، وسط الظلام, يعتريك ألمٌ فظيع. الساعة التاسعة وتسع دقائق مساءاً. بعد أقل من دقيقة من اقفال سماعة الهاتف، راى أوليغ ماتيو وهو ينزل من بيته. شاهده وهو يركب دراجته. ترك أوليغ ماتيو يسبقه لمسافة قليلة، ثم تبعه كان ماتيو مستعجلاً ليرى زوجته التي قالت له أنها سترجع إلى المنزل. فجأة، دنا أوليغ من ماتيو و ضرب دراجته. فقد ماتيو السيطرة على مركبته، سقطت الدراجة ووقع هو على الأرض. اصطدمت رجله اليمنى بأحد الأعمدة و جرحت. وفجأة هجم سائق الدراجة الأخرى (أوليغ) على ماتيو بعصا كرة البيسبول. كان الرجل قد أطلق العنان لهجمته المندفعة، مستعداً لتكسير فقرات رقبة ماتيو. حينها جاءت إيما حاملة السلاح الصاعق الكهربائي و ضربت به رقبة أوليغ. انهار أوليغ بقوة على الأرض. ركضت نحو ماتيو وقالت له: هل أنت بخير ؟ إن زوجتك تريد قتلك !! فقال لها: ماذا ؟ ولكنك تهذين ! من تكونين ؟ حينها وصلت كيت إلى الموقع. خرجت كيت من المركبة وعاينت الوضع بنظرة هادئة. لم يجر أي شيء كما كان مقررا له. 
صرخ ماتيو: عزيزتي!! لم تكلف كيت ذاتها حتى عناء النظر إليه. دنت من أوليغ، الممدد على الأرض، وأخذت السلاح من جيبه. تقدمت كيت الى زوجها وأصابعها تقبض على السلاح. كانت تفكر أنه لا زال في استطاعتها أن تنقذ نيك، فطلقة واحدة في دماغ ماتيو سوف تقتله ولكنها سوف تحافظ على قلبه. قال ماتيو: كيت، ماذا تعملين، يا حبيبتي؟ فصاحت كيت في ماتيو: أسكت !! أنت لا تعلمني !! سوف أنهي أيام حياتي في الحبس، ولكن نيك سوف يحيا لاحظت إيما وجود سلاح آخر مع أوليغ موجودا عند كعبه. انتزعت السلاح وأطلقت الرصاص نحو كيت. 

 أصيبت كيت في قلبها، فسقطت إلى الخلف. انقلب جسمها على عارضة الأمان على حافة الطريق و وقعت على المنحدر القوي نحو الوادي. وقعت إيما على الأرض قليلاً مندهشة مما حدث. وفجأة صحي أوليغ وفر هارباً من المكان. وبعد تقريبا خمسين متراً، عند تقاطع الشوارع، ضربته شاحنة الصهريج الكبيرة الخاصة بنقل الطحين. استرجعت إيما أنفاسها وشاهدت ماتيو واقعا على الأرض، وفي حالة دهشة، ولكنه حيا ركضتْ حتى وصلت إلى حطام الدراجة الهوائية، التي يركبها أوليغ، وانتزعت نظام تحديد المواقع منه. رجعت مكانها وصعدت إلى سيارة كيت لتساعد رومالد. مشت بأسرع سرعة ممكنة تقريبا نصف ساعة. ووصلت إلى الموقع الموجود على نظام المواقع. 

كان المكان مظلما باكمله. بعد بحثٍ عن آثار عجلات سيارة جديدة، استطاعت إيما التوصل إلى الموقع المحتجز به رومالد. فتحت الثلاجة ورات رومالد مرميا على الأرض، فاقداً للوعي. استجمعت إيما كل قواها، جرّته لتطلعه من الثلاجة المميتة. اتصلت بالرقم 911 وطلبت سيارة إسعاف. في انتظار مركبة الإسعاف، قامت إيما بعملية ضغط على القفص الصدري لرومالد ليستعيد انفاسه مع حركة تدليك للقلب. كان الوقت قد توقف. وكانت إيما في مكان ثاني. كانت تخوض حرباً. والحرب التي تقام بين الحياة ضد الموت. لا تمت، يا رومالد! لا تمت! بعد سنة ... 

19 ديسمبر 2011 . كان مدرج المحاضرات مليئا بالتلاميذ، ولكن كان يسوده صمت كبير. كانت العقارب البرونزية للساعة القديمة الجدارية تعلن الساعة الثانية وخمس وخمسين دقيقة من بعد الظهر. كان درس الفلسفة الذي يعطيه ماتيو شابيرو سينتهي. حرر رنين الجرس التلاميذ. لملم ماتيو حاجياته، وخرج من ساحة الحرم الجامعي. تلاقى مع صديقته في السكن آبريل فيرغسون. أوصلته إلى منزله. أخذ ماتيو يسير. منذ مقتل زوجته، لم تعد عيشته سوى كابوس. كيف يمكن لك أن تعيش حينما تعلم أن المرأة التي تتقاسم معك عمرك منذ أربعة سنين، وهي والدة طفلتك الصغيرة، لم تتزوج منك إلا لكي تذبحك؟ أن تقتلك لسبب وحيد وهو أن تاخذ قلبك وتنقله لكي تنقذ حبيبها. كيف يمكن لك أن تحيا بعد الآن ؟ تنهد ماتيو بقوة. وحدها ابنته كانت الحائل بينه و بين الإستغراق في الجنون أو الإنتحار. حينما أصبحت الحادثة مشهورة لعامة الناس، بعد موت نيك فيتش مباشرة، كان عليه أن يقاوم لكي يدافع عن إيميلي من فضول الصحفيين. منذ عدة أسابيع، بدأت القضية تخفت إعلامياً. ومن خلال أمور صغيرة استرجع نكهة الحياة: , نكتة متقنة بشكل خاص من قبل آبريل نزهة تحت الشمس برفقة إيميلي, لعب مباراة كرة قدم مع طلابه. مشى ماتيو إلى نهاية الشارع، و دنا من منزل كبير يبيع خردة التصفية. وسط الأغراض الكثيرة، لمح ماتيو كمبيوترا محمولاً من نوع ماك بوك برو. كانت الورقة التي على الجهاز تظهر شخصية تماثل الفنانات. كانت تظهر حواء مثيرة و انيقة وتمسك بين يديها الرمز الذي على شكل تفاحة، الماركة المعروفة للحواسيب. في أسفل الرمز يمكنك قراءة إسم (إيما . ل). اقترب ماتيو من الفتاة الشابة المسؤولة عن عملية البيع وأشار لها على الكمبيوتر، وقال: هذا الحاسوب يشتغل ؟ فقالت: بالطبع يشتغل. إنه حاسوبي الشخصي القديم. تم تنشيط قرصه الصلب. إنه عاد كما لو أنه جديد! مدت إليه بطاقة الزيارة الخاصة بها وقالت: أعرض عليك أنه خلال الأشهر الستة الاتية، إذا ما كانت هناك أي مشكلة بالكمبيوتر، أتعهد لك بأن أقوم بتصليحه. صديقي يفهم جيداً بالمعلوماتية. أنا اسكن في نيويورك، وسوف ارجع إليها بعد ساعات. جئت لاعاون أخي، ولكن يجب ألا أتأخر على موعد طائرتي. فقال ماتيو: سوف ابتاعه، وسوف لن أتردد في الإتصال بك إذا ما تعطل الكمبيوتر. فقالت بجرأة: إذا اردت صدفة في الإتصال بي، لا تظن بأنك مضطر للإنتظار إلى حين أن يتعطل الكمبيوتر. ابتسم ماتيو و مشى في طريقه، ولم يكف لدقيقة واحدة عن التفكير بتلك الفتاة التي تدعى إيما لوفنشتاين. في منزله جلس ماتيو وحيداً بعد أن ذهبت آبريل إلى إحدى البارات. ما إن أغمض عينيه قليلاً، حتى صعدت له صورة الفتاة الشابة إيما بوضوح مثير للغرابة. كانت لديه رغبة كبيرة في أن يلتقي بتلك الفتاة. 

نيويورك، 21 ديسمبر 2011 ... جالسة على كرسي في حديقة واشنطن سكوير بارك، أشارت إيما بيدها الى جهة رومالد. انضم إليها الصبي وعانقها. خلال عام واحد ، كان رومالد قد تحول و تغير. صار شابا أنيقاً وسيماً، ، و تلميذا في السنة الأولى في جامعة نيويورك. بعد أن تقاسما الرحلة التي لا يمكن تصديقها، صار الآن هناك رابط قوي يصل بين إيما ورومالد، وأصبحا يران بعضهما لعدة مرات خلال الأسبوع. قال لها: ارغب أن أصبح رجل شرطة ، أو طبيباً نفسانياً. أعتقد أن الكائنات البشرية أكثر أهمية من الكمبيوترات. حكاياتهم الغرامية, انجذابهم واندفاعهم نحو العنف و الانتقام. ولكن قولي لي كيف صارت رحلتكِ إلى بوسطن ؟ هل قابلتِ ماتيو مرة ثانية ؟ فقالت: نعم، لقد اتى إلى سوق خردة التصفية و ابتاع حاسوبي. كان أمراً عجيبا أن ألتقي به بعد انقضاء كل هذا الزمن. لم يتعرف عليّ، وكان هذا احسن! فقبل سنة من الآن، لم يلمحني سوى لبضع لحظات وكنت أرتدي قبعة تغطي رقبتي و اذني وجزءاً كبيراً من وجهي. تركتُ لديه التفاصيل المتعلقة بشخصيتي ولكنه لم يتصل. فقال رومالد: أؤكد لك أنه سوف يتصل بك،. ولكن لماذا لم تخبريه الحقيقة ؟ فقالت: مستحيل. هل تظن بأنك قد تقع في حب المرأة التي قتلت أم بنتك ؟ فقال: ولكن أنتِ من أنقذتِه، يا إيما ! هزت المرأة الشابة ذراعيها وأدارت عنه وجهها حتى لا يرى رومالد دموعها أنهى ماتيو رياضته في الركض وهو يلهث .منذ أن استيقاظه باكرا في الصباح, كان احساس جديداً يغمره، إحساس غير متوقع و مبهج باغته على نحو مفاجيء. أينما حل ، ومهما فعل ، لم تكن إيما تغادر راسه. كان من المستحيل أن يفر منها. هذا الحضور الدائم لها في راسه جعل منه شخصاً مميزا. وأصبح قادراً على أن يتوجه أخيراً نحو المستقبل و الغد. كانت الحياة ترجع من جديد. عادت إيما إلى عملها بعد رؤيتها ل رومالد. في الساعة الثالثة بعد العصر ، رن هاتفها المحمول في جيبها. نظرت إليه لمحة خاطفة. كانت هناك رسالة من ماتيو: عزيزتي إيما، أنا ابعث إليك هذه الرسالة من خلال برنامج البريد في كمبيوترك القديم. إنه يعمل بشكل رائع. وفي سعيي إلى إيجاد حجة لكي أتصل بكِ، فكرت جديا في أن أعطّله، ولكنني تراجعت عن هذه الكذبة. أفضّل أن ألعب لعباً صادقا. وبالتالي، لدي اقتراح عليّ أن أقدمه لك. أعرف مطعماً إيطالياً جميلا في إيست فيلج يدار من قبل زوجين مقربين لي. هل ستقبلين الخروج لتناول العشاء فيه معي هذه الليلة؟ في الساعة الثامنة ؟ شعرت إيما أن قلبها يدق بسرعة. فردت على الرسالة فوراً وقالت: سوف أكون سعيدة لذلك، يا ماتيو. رجعت إيما سنة كاملة إلى الماضي واسترجعت في راسها الطريق الذي مشت به. إلى أي حد يمكن للمرء أن يسقط خطط القدر بلا نتيجة ؟ نزلت إيما من المركبة ودفعت باب المطعم الإيطالي. كان قلبها يدق بعنف. كان المطعم حميميا و دافئا ، تماماً كما كان في راسها. تقدمت نحو الطاولة الموجودة على حافة النافذة والتي كانت تطل على الصالة الرئيسية. كان ماتيو هناك. كان في انتظارها. 



                                                       النهاية.



إرسال تعليق