الأربعاء، 26 سبتمبر 2018



تلخيص رواية 
 نحن لا نزرع الشوك - يوسف السباعي 
عداد وإشراف رجاء حمدان

 





من بعيد .. يبدو النيل وكأنه شريطاً يلمع ويتلئلأ في أشعة الشمس المنحدرة من الأفق , من بعيد ... تبدو المنازل و الاشجار كالدمى الصغيرة , لا شيء يبدو قريبا , سوى تلك الجدران للمقابر المرصوصة في سفح الجبل , انها تبدو قريبة في وضوح الحقيقة و هي ..لا تشعر منها بالخوف ولا بالجزع ,بل على النقيض تماماً انها تحس فيها بسكينة المستقر و راحة البال , بعد كل هذا العدو الطويل في الطريق , الذى أدمى شوكه قدميها , شوك لم تكن هى لها يد في زرعه ... فنحن لا نزرع الشوك في طريقنا و لكن ينبته القدر كما ينبت الورد .

 كانت سنوات حياتها الأخيرة أجمل أيام عمرها , منحتها فيها الحياة نعمة الاستقرار  وراحة البال من دون شعور بالوحدة أو الضياع و بلا إحساس بحرمان , لقد شعرت أخيراً بأنس الأهل وهم يحيطون بها , أصبح لها ابن بار حبيب لم تنجبه يحنو عليها و أبوه امنية عمرها هو سيدها و عائلتها و رب اسرة اصبحت هي واحده من افرادها و زوجته لم تكن قط سيدة بل كانت اقرب الى ان تكون ابنة رقيقة . كانت تستمع الى الطبيب وهو يهمس اليهم أثناء مغادرته غرفتها التي ترقد فيها : لا فائدة .. لا يوجد أمل ! و سمعت ابنها الحبيب يساله : هل ستتألم ؟ و اجابه الرجل : ارجو من الله ان أن تأتى منيتها قبل ذلك .

 شعرت بأن حياتها تتسرب منها وتنساب كالماء في إناء مثقوب و عندما أقبل عليها السيد قالت : لي طلب ورجاء عندك و هو أن أدفن في مدافنكم عندما أموت فأجاب السيد : بالطبع فأنت واحدة منا و لكن لا يوجد داعي لهذا الكلام الأن , الله كريم وسوف يشفيك و يمنحك العمر الطويل . 

كانت حياتها بكل ما فيها واقع مكفهر مرير , حياة كل إنسان فرضت عليه حياة و لم يملك إلا أن يخوضها , و لكن هل حياتها كانت بالفعل حقيقة ؟ خمسون عاما من حياتها حملتها على كتفيها حتى هلكت بها , منذ كانت فى عمر الخامسة أو السادسة ، تتذكر منزل أبيها العم جابر و زوجته دلال , تذكر أباها ذوواللحيه الكثيفة و زوجة أبيها ذات البهرجه والدلال وأمها التي لا وجود لها فى حياتها إلا في كلمات خاطفة . كانت تسمع صرخة دلال وهى فى مرقدها تصيح باسمها : سيدة إنت .. يا بت ياللي تنقرصي , فتقفز سيده من فراشها الارضي مجزوعة خائفة لتواجه زوجة أبيها دلال وقد جلست على الفراش بجسدها الممتلئ السمين ودلت بساقيها البيضاوان الممتلئتان من على السرير , كان يشاع عن دلال في الحارة أنها إمراة ٌ مُلعب بجسدها الراقص المتأرجح و إختفائها لساعات طويلة من البيت خارج الحارة ، و عودتها المتأخرة ليلاً في احدى عربات الأجرة .

 كانت حياة سيدة أنذاك تحوى على كل ما فيها من مظاهر الحاجة و الحرمان كانت الأوقات الممتعة هي أوقات اللعب و الإنطلاق في الحارة ,وفي الأوقات التى تكون فيها زوجة أبيها بالبيت تأمرها بالنوم باكراً ،أما صباحها لم يكن فيه قط صباح خير رغم ما كانت تسمعه من أفواه كل الناس عن صباح الخير , فيومها يبدأ من صرخة دلال الى الكنس المسح و الإنطلاق لشراء الحاجيات و العودة ثم العودة مرة أخرى لإستبدال بعض ما أحضرته لعدم صلاحيته و رفض الإبدال ثم التعنيف الشديد في النهاية لخيبتها . كانت هذه أيامها في بداية حياتها و تلك هي الصورة التي تمر في ذهنها إلى أن خرج أبوها من تلك الصورة ووجدت نفسها فجأة وحيدة بلا أب و بلا زوجة أب ودون أي شيءٍ أبدا . كان يوم مولد الماوردي هو يوم تشيع فيه البهجة والبهرجة ، و منذ الصباح إستيقظت سيدة وهى في نفسها تمتلئ فرحة تغلبت على كل ما عداها من مشاعر الضجر والضيق , اليوم كانت سيدة في عجلة من أمرها و في سرعة البرق سكبت المياه على الارض و مسحتها من غير كنس ثم ذهبت الى دلال و قالت : أأذهب للست أم عباس قالت لي لبارحة تعالي في وقت باكر كي نوزع الفول و الخبز فقالت دلال : روحي وعلى الفور بترجعي إلى البيت , إنطلقت سيدة تقفز فوق درجات السلم ، وجدت أم عباس تقف على البسطة و أمامها سبت العيش و بجانبها عباس ، وشيئا فشيئ بدأت أحلام سيدة تتبدد فقد إكتشفت أن المساعدة المطلوبة منها لم تكن حشو الأرغفة بالفول و اللحمة ثم الخروج لتوزيعها بل كانت يوماً شاقاً من و الكنس والمسح وشغل البيت ...ولكنها فى تلك اللحظة قررت أن تحزم أمرها ، ذهبت مندفعة الى المراجيح ، بدأت المرجوحة تقذف بها في الهواء و بدا المولد حولها مبهرجاً بالأضواء و الاعلام و صرخات الباعة و دقات الطبول و أصوات المزامير الرنانة . 

عادت سيدة الى البيت , صعدت درجات السلم إلي أن وصلت الى الباب ووقفت برهة أمامه ولكن قبل أن ترفع يدها لتطرق على الباب سمعت صوت حركة إهتزاز فراش منتظمه كالذي تسمعه في الليل عندما يغلق باب الحجرة على أبيها ودلال ، ولكن أباها غير موجود الآن حينها رفعت سيدة يدها مرة أخرى و طرقت الباب عدة طرقات عليه ،سكن الصوت الذى كانت تسمعه ثم سمعت صوت دلال : لماذا عدت الان ؟ إذهبي يا بنت إتفرجي على المولد .. منذ متى كانت دلال حريصه هكذا على متعتها , إستدارت سيدة عائدة أدراجها و هبطت الدرج و في رأسها دوامة من الأسئلة العجيبة والحائرة أفاقت من أفكارها فجأة على صوت ضجيج يقترب منها و صراخ ،عجبا ماذا حدث ! و فجاة فتحت دلال الباب ،كان هناك يقف شخص خلفها انه علي الذي يشتغل مبيض في الحارة بشعره الاشعث وجلبابه الطويل ثم إنطلقت صرخة من ورائها و نسيت على أثرها سيدة كل شيء عن علي المبيض ، فذلك الشيء المحمول على الأكتاف والملتف بالملاءة و صرخات دلال الحادة والضجيج , انه أبوها محمول هكذا على الاكتاف و بدا الناس يتمتمون : الله يرحمه و آخر يقول : إتخطف كان بأتم صحته وعافيته ,. كانت سيدة تشعر بسعادة بحضنه فلماذا لا تستطيع أن تقفز الان بين احضانه . 
 نظرت سيدة الى ابيها , ذهب أبوك يا سيدة و لن يعود و لن تستطيعي الذهاب اليه و عليك يا سيدة أن تواجهي دلال وحدك ,لا ليس دلال فقط بل كل الدنيا وحدك . اخذت ام عطوة سيدة معها الى المندرة التي تقطنها مع ابنها عطوة و ابنتها زينب , كان عطوة يعمل في دكان الاسطى انور السباك و كان هو رجل البيت بعد أن حكم على ابوه بمأبد في قضية مخدرات و شروع في قتل . شعرت سيدة بالارتياح في شقة ام عطوة على الرغم من الظلمة التى كانت تلفها و رائحة العفن التي تفوح منها لم تبقى فيها طويلا حيث إنتقلت سيدة بعدها الى بيت الحاج برعي بعد ان أصر هذا الرجل على تنفيذ وصية صاحبه أبيها جابر الذي أوصاه قبل موته : خذ بالك من سيدة ولا تتركها وحدها . إستقرت سيدة في بيت الحاج برعي او على الأصح في بيت أم عباس و هناك فقدت سيدة حريتها التي لم تكن تعلم من قبل إنها أثمن ما يمكن ان يمتلكه إنسان بعد اللقمة و الهدمة و في أحد الأيام أخذها عباس معه الى السوق كان يسير وهو ينظر الى قطوف الموز السوداءالمتراصة فوق العربة : تعالي يا بنت , أثبتى لي شطارتك الآن , لم تكن تعلم سيدة اي شطارة تلك التي يريدها فأكمل عباس كلامه : حاولي بدل الوقوف هكذا أن تلطشي قطف موز . سارت سيدة ووضعت قطف صغير من الموز في حجرها فأمسكه عباس و قال : هذه هى الشطارة يا سلام يا سيدة إنت لقطة و لا كلاب صيد و هكذا أصبحت سيدة دوامة ايامها , الغسيل و النشر والمسح و اشياء عديدة من الجهد والعمل تبقي تعمل هكذا طوال يومها كخلية نحل حتى يقبل الليل و تحس بجسدها ينهار من التعب والجهد ولا تبقى لها من امنية اكثر من ان ترتمي على حصيرتها الباليه و تغمض عينيها وتذهب بالنوم و عباس لاينفك يسألها بين الأونة و الأخرى عن أخبار سرقاتها .. و في غفلة الليل يأتي اليها يتحسس جسدها و يقرصها هنا و هناك .

 كانت تجلس سيدة بين الفراخ والإوز تطعمهم , فجأة سمعت وقع أقدام تصعد الدرج و ما لبثت ان رأت عباس بدأ يقترب منها ،لم تكن لترتاح الى إقترابه فهو لا يمكن ان يأتي منه شيئا نافعا , توقف عباس مقابلها وأخذ ينظراليها بتفحص ويسدد ببصره نحو ساقيها العاريتين الى ما فوق الركبة , لم تعجبها نظراته تلك والتي زاد ت فى وقاحتها بعد بروز صدرها و امتلاء ردفيها , أحست انه يمعن بصره الى ساقيها و كانه يحاول ان يعريها من لباسها و ينفذ ببصره الى ما وراء ثوبها و لم تعرف حينها ماذا تفعل و لا ماذا تقول فاقترب عباس أكثر و مد يده و قال : خذي هذا القرش يا سيدة واشتري به ما تشائين ..كم هو جميل ان تاخذ القرش وتشتري به ما تريد و لكن ماذا يريد بالضبط هو , العيب طبعا , و لكن لماذا يدفع الرجال نقودا من اجل العيب , اخذت بتردد سيدة القرش من يد عباس فجذبها نحوه وقال : تعالي ! جرها وراءه الى داخل الغرفة ثم أسندها على الجدار و جذبها بعنف و هو يميل بجسده الضخم ضاغطا اياها بينه و بين الجدار حتى أصبح رأسها مدفونا في صدره و لم يطل الأمر حتى أحست بجسده يسترخي و إبتعد عنها . أهذا هو العيب يا سيدة ؟! أجل لا بد ان يكون هو , المهم أن هذا القرش هو في يدها الأن , سوف تخفيه عن أعين ام عباس و سوف تخفي أيضا غيره من القروش , هل ستحصل على غيره , هل سيحاول عباس مرةً أخرى أن يمارس معها العيب ؟ عجيب وغريب ! أن تضعنا الحياة في مقارنة بين الطبيعي و العيب غير معقولة الحياة ! لحظات عيب يا سيدة قد أتاحت لك ما لم تتحه سنوات المشقة في الغسيل و المسح والكنس . 

لم تكن سيدة تعلم سببا لإصرار جسدها على هذا النمو ، فى البداية كانت تنزعج وتضيق بهذا النمو فقد بدا عائقا عن ممارسة متعتها في اللعب , العدو و القفز،ولكنها بعد بذلك بدأت سيدة تستغل موهبتها الجديدة التي منحتها لها الحياة في معاملة الرجال ...و هكذا خطت سيدة اولى خطواتها في طريق الاغراء بمهارة و ثقة فهي جميلة كان انفها دقيقا و بقية تقاطيعها مقبولة و عندما تضحك كان وجهها يصبح أجمل وأجمل . إستمرت سيدة تمارس تاثيرها العابر على الرجال إلى أن وقعت حادثة السمن , عندما حملت سيدة وعاءٌ صغير وإتجهت الى عبد المعطي البقال لشراء رطل سمن ، و بعد أن إشترت السمن وهمت بعبور شارع السد ، رأ ت هناك موكب الشيخ احمد بسيفه الخشبي ويتقدمه الصبية و هو يهتف بصوت جهورى : (الله حي عباس جي ) ،اقترب الموكب منها و تدافع الصبية من حولها بكافة الإتجاهات و قبل ان تصل الى الزقاق دفعها احد الصبية في كوعها التي تحمل به وعاء السمن و طار الوعاء و انسكب السمن بأكمله على الارض , كيف تعودين الى أم عباس يا سيدة ؟ ليس من حل امامك سوى ان تعودي وتشتري رطل سمن اخر، و لكن كيف من أين لك أن تقترضين ثمنه ؟ من عباس ؟ اجل أنه حل مناسب سوف تسال عباس ، سترسل دقدق صبي المكوجي خليل كي ينادي عباس من البيت ذهبت الى خليل وأخبرته بما حصل فقال لها : وماذا تريدين من عباس ؟ ونحن ألا ننفع ؟ أم أن عباس على راسه ريشة ؟ فقالت : هل تقرضني خمسة صاغ ؟ فقال : و كيف سترديها ؟ فقالت : الان أين تريد ؟ فقال لها : في داخل الحانوت وراء صندوق المكوة فقالت : أعطني الخمسة صاغ فقال : مرةً واحده خمسة صاغ ؟ فتركته سيدة وذهبت وهي تسب وتلعن أباه و لم يعد امامها سوى عبدالمعطي البقال فرجعت اليه وكانت الازمة عنده في أوجها ،و طلبت منه رطل اخر و قالت : لقد أعطيتك الفلوس قبل قليل ،لم يكن عبد المعطي لديه وقت للمناقشة بينما تنفست سيدة الصعداء وإرتاحت نفسها ثم سحبت جسدها و هي تمسك بوعاء السمن .

 أصبح عباس إحدى مهامها و باتت هي أحد إحتياجات عباس . تنظر سيدة الى عباس , لم تستطع ان تكرهه ، لأنه لم يكن شريراً مثل امه ،كما أنه لم يكن يكرهها بل كان يحنو عليها و لا سيما في اللحظات التي يحتاج اليها وهي لم تكن تشعر بالضيق عندما يحتاج اليها بل باتت تألفه و كان يمنحها بقايا طعام الذي كانت تحرمه امه عليها. ذهبت سيدة الى البائع عبدالصبور للتبضع و قالت : اريد ثلاث اوقيات سكر و بثلاثة قروش بيض و نصف أوقية حلاوة طحينة و ... و استمرت تعدد طلباتها و عبدالصبور يتفحص ويمعن النظربالجزء الظاهر من جسدها , واثناء الزحام تدافعت سيدة عند عبدالصبور وقالت له : ستعطيني بقية الأغراض ام لا ؟ ليس عندي وقت أعطني بقية البريزه و خلصني ،إن لم تعطينى بقية الأغراض ، فتوقف عبدالصبور برهة وهو يتسائل : بقية البريزة ؟ فقالت : اجل ..التي اعطيتها لك من قبل ، فلم يجد عبدالصبور بداً من ان يتلطف معها وقال : حاضر حاضر ، فكرت سيدة في إرجاع البضاعة الى عبدالصبور و تستعيد منه ثمنها و تحتفظ به لنفسها ، وصلت عند عبدالصبور فقال : خير ،فقالت : السكر لم يعجبهم فقال : إذن هل تريدين إرجاعه ؟ فقالت : نعم هو والبيض فقال : كم يكون حسابهم ؟ فقالت : احسبه انت و قبل ان تتناول سيدة النقود هتف من خلفها صوت أجش محذراً: انتظر يا عبدالصبور هذه البنت نصابة ،كان مرسي صاحب بقالة الحبيبي فقال مرسي : لقد جاءت عندي من قبل و اشترت أغراض كثيرة ثم إدعت انها أعطتني الثمن و لم أكتشف خدعتها تلك إلا في اخر النهار عندما قمت بجرد الحسابات ووجدته ناقصاً قيمة بضاعتها فهاجت سيدة وإندفعت تقول :إنت جننت ماذا تقول ؟ ثم بدأت الصيحات تتعالى من حولها : 
المجرمة , النصابة ,الحرامية ,فصرخ أحدهم : سوف احضر العسكري لها ، ثم جاء صوت لم تعرف من اين وقال : لماذا ؟ فرد عليه عبدالصبور : لانها سارقة فقال الصوت : وماذا سرقت ؟ وقتها لم يسعف ذهن عبدالصبور المتلبد بالرد ،نظرت سيدة لصاحب الصوت ,كان وجه ألطف من صوته الخشن و ملامحه بدت اصغر مما توهم به لهجته و بدا عمره مقارب لعمرها , فلم تملك سيدة حينها إلا أن ترتاح له أجاب عبدالصبور : لقد قامت بسرقة بضاعتي فقال الفتى : كيف حصل هذا والبضاعة في يدك ثم اقترب الفتى من سيدة و قال : أدفعت له الثمن ؟ فقالت : لا ، فدفع بقرشين لعبدالصبور ، فقال عبدالصبور : و انت ماشأنك هل هي تخصك ؟ فقال : أجل إنها تخصني ! و فجأة كل شيء إنتهى .. وخبت ثورة الناس و انصرفوا .

 سار الفتى بجوارسيدة و قال : لماذا قمت بفعل كل هذا ؟ فقالت : لا أعلم , فقال الفتى : المهم أن لا تعاودي الى ما فعلت اليوم . للمرة الأولى في حياتها تشعر سيدة أن هناك انساناً ما يمنحها هذا اللطف والشعور الطيب ويقوم بالوقوف الى جانبها و يصد عنها الأذى ، تمنت لو أنها تستطيع البكاء ،و هي توشك أن تعود مرة ثانية الى حقل الظلم والأنانية والكراهية فوجدت نفسها تقول للفتى : هل أستطيع أن أشتغل عندكم خادمة ؟ فقال : وهل يوافقوا أهلك ؟ فقالت : إنهم ليسوا أهلي , فكر ملياً الفتى إن أمه بالفعل في حاجة الى خادمة بعد ان ذهبت خادمتها زكية الى بلدتها لتتزوج هناك , فقال : ما إسمك ؟ فقالت : سيدة , فقال : إسمعي يا سيدة سوف آخذك الى البيت و أٌريك لأمي وأقول لها أني قد صادفتك في الطريق وأنت تبكين لأن من تعملين عندهم قاموا بضربك وطردوك . إذن فلتقرر مصيرها سيدة ولتقدم على حياة جديدة !! أجل لن تعود الى بيت الحاج برعي ، فأي شقاء يمكن ان تصادفه بعد ذلك هو أهون من حياتها عندهم انها لن تعدم لقمة العيش و الرقدة على الحصير , و ليس لها أية ذكرى طيبة لا في قلبها أى إحساس طيب تحرص على بقائه . وصلت سيدة بصحبة الفتى الى البيت و فتح الباب وظهرت لها سيدة طيبة نظيفة حسنة الوجه كالفتى ,فسالته في دهشة : حمدي ماذا بك ؟ فقال : إن هذه الفتاة تريد أن تشتغل عندنا نظرت اليها السيدة نظرة تفحص وتأمل و قالت : من هم الذين كنت تشتغلين عندهم يا شاطرة ؟ فقالت : كنت أشتغل عند الحاج برعي صاحب مطبعة وورشة تجليد فقالت : حسنا إدخلي يا بنتي ان شا الله ترتاحي بالشغل عندنا ثم ظهرت فتاة هي اخت حمدي وأيضا تمنت لسيدة أن تكون مرتاحة و ان تبقى عندهم إلى أن تتزوج .. هذا التعامل شيء جديد على سيدة , شيء لم تجده في بيت أبيها مع دلال ولم تجده في بيت برعي مع أم عباس ,و لكن هل ستتركها ام عباس في حالها يا ترى ؟ و لم لا ثم من اين ستعرف ام عباس اين هي ؟ .
إستقرت سيدة في بيت الاستاذ محمد السمادوني في البيت الفسيح الذى يظلل مدخله توتة ذات اوراق كثيفة ، مرت الايام الأولى على سيدة واحساسها بالغربة بدا يتبخر شيئ فشئ إلى أن ألفت كل شيء و استراحت له , عرفت أن الاب سي محمد يعمل في الجريدة , كان سي محمد يطلق أسماءاً غريبة على أهل بيته فيسمي إبنته سميحة بالشيخة زبيدة و أمها بالست ناصحة و كان يسمي حمدي إبنه بصبي الخمورجي و سيدة بالصابية العالمة . كانت سميحة شخص مسالم و كانت أقرب أهل البيت الى قلب سيدة و كانت تشارك سيدة في أعمال البيت و عندما ينتهي عمل البيت تبدأ بتعليمها القراءة و الكتابة و اقبلت سيدة على التعلم في البدء على أنه نوع من التسلية و اللهو ، كان حمدي اكثر متتبعا لدرس سيدة وعندما يرى صمت سيدة و ارتباكها في القراءة يلتفت اليها و يتناول الكتاب ويبدأ يلقنها حرفا حرفا , كان وقتها يتملك سيدة احساس لطيف ممتع و هي تجده بجوارها جالساً تشعر بجسده يمس جسدها ،و لكن العجيب في هذا المخلوق البشرى أنه لماذا لا يرى فيها شيئا يعجبه , أبوه بذاته قد لمحت في عينيه في بعض الأحيان تلك النظرات التي تخترق الثياب اما هو فإنها تشعر بستار ثقيل يحول بينها و بينه , إنها لابد في نظره مجرد خادمة مخلوق بائس استحق معاونته وصدقته , أنت من نوع اخر ياسيدة , لا يمنحك حمدي هذا الشيء الذي تتمنينه . في يوم شتائى عاصف دخلت سيدة الى حجرة حمدي بعد ان خرج مع أبوه و بدات بتنظيفها , إستبدلت الشراشف بالشراشف النظيفة ونفضت الغبار عن اثاث الغرفه ،ثم فتحت الزجاج وقبل ان تغلقه هبت الريح فعصفت بكل ما في الغرفة طارت إحدى المجلات و عصفت بأوراق أحد الكتب المرصوصة فوق المكتب الصغير فأسرعت سيدة تمسك بما طار و أمسكت بالكتاب فرأت بقايا تتطاير من الصفحات وكأنها فتات لورقة شجرة جافة ، أحست بوقع اقدام خلفها فرأت حمدي فقال لها : ماذا تفعلين ؟ فقالت : و الله العظيم الهواء اطارالأوراق فقال : و الوردة ؟ فقالت : أي وردة ؟ أكانت تلك الفتافيت الجافة وردة ؟ فقال : اجل فقالت : أانزل إلى الحديقة وأحضر لك وردة حالا فقال : انت تحضرين الي وردة ؟ غبية ،لا اريد شيء , إذهبى لشغلك ،ثم رفع بقايا الفتات الى أنفه و أخذ نفساً طويلا ثم اعاد الفتافيت الى صفحات الكتاب و اغلقه و بدا عليه الحزن .

 في الدور العلوي من الجناح الاخر من البيت ومن خلال نافذته بدا حمدى بصره مشدودا الى النافذة المقابلة للبيت وكانه ينتظر شيئا ورائها و فجأة إنفرجت اساريره و رفع يده لإلقاء التحية ثم قال : إن سميحة مريضة ألن تزوريها ؟ فردت صفاء : ساخبر نينة و آتي اليها في الحال , رأتهما سيدة وسمعت حوارهما و كانت تعرف ان سميحة ليست مريضة ، ذهب حمدي الى سميحة و قال : ستزورك الآن صفاء فقد قلت لها انك مريضة فقالت فعندما تأتي خذيها الى غرفة الجلوس و سوف آتي للجلوس معكما ، و عندما حضرت صفاء قال لها حمدي : الوردة , اليوم أطارت الريح الكتاب و تبعثرت الوردة انت لا تعرفين ماذا كانت تعني لي إنها انت كنت أتحسسها كما أتحسس يدك الان فقالت صفاء : و لكن انا موجودة معك و لن أتركك ابدا , كانت سيدة تنصت من وراء الباب الى الحوار الذائب بينهما والذي ينتقل بين الشفاه , إن هذه الفتاة ذات العينين المتسعة والرقيقة الجسد ، إنها لا تملك امتلاء جسدها و لا تملك صدرو أرداف كالتى تملكها هي ولكنها يبدو أنها تملك شيئا اقوى من هذا ،اخذت سيدة تقول في نفسها لو ان يدك هي التي تضم يدي , لو ان وجهك هو الذي يمتع بنظراته ياسيدة !!

 خرجت سيدة لتشتري الزبادى للأب و عبرت حارة جنينة ناميش حتى وصلت القبوة و ووقفت امام حانوت تسأل عن الزبادي حتى شعرت بيد على كتفها إلتفتت لتجد عباس امامها فقال : أين كنت طوال هذه المدة ؟ فقالت : كنت أشتغل فقال عباس : لقد خاف أبي عليك و أراد أن يبلغ البوليس و لكن امي نهته عن فعل ذلك و قالت انك قد كبرت وعينك فتحت و لم يعد منك أي فائدة ، نظر عباس الى صدرها و قال : إشتقتلك فقالت : كتر خيرك فقال : استغنيتي عني يا بنت الدايخة الان سوف أذهب و لكن لك يوم يا سيدة نادت عليها الام وقالت : لقد مضت عليك مدة وأنت عندنا يا سيدة إنك تستحقين كل خير فانت بنت حلال ، لقد تجمع مبلغ جيد من مرتبك ورأيت ان اشتري لك قطعة من الذهب اليك هذا الحلق باتت سيدة صاحبة حلق ذهب كأم عباس لقد اضحى لديك ثروة ياسيدة .

 في صباح يوم العيد تجمعت الاسرة حول مائدة الإفطار، و جلست سيدة في المطبخ تتناول نصيبها من الطعام ،و عند العصر لبست سيدة ثوبها الجديد ثم طلبت الإذن كي تخرج الى الماوردي حيث بيتها القديم ، وصلت سيدة الى الحارة ورأت أم عطوة التي أخبرتها : أن زينب قد تزوجت ابن عمها الميكانيكي و سافرت معه الى طنطا , و بعد ان علمت سيدة بأحوال الحارة عرفت أن كل من أصبح حاله أحسن وافضل ترك الحارة و رحل و لم يتبقى فيها سوى اؤلئك الذين تجمدت حياتهم فيها وبقوا على حالهم بفقرهم الذى هو جزءا من فقرها و بقذارتهم التى هى جزءاً من قذارتها و بعد ان رجعت الى البيت لمحت حمدي على النافذة و صفاء على نافذتها مقابله ووصل الى مسامعها صوته يقول : كل سنة و انتي طيبة .
 في اليوم التالى رجع سي محمد و سار نحو باب الحمام في بطئ ثقيل و قبل ان يصل الى الحمام وقف مستندا الى الحائط متهالك يكاد أن يقع أرضا ، فاندفع اليه حمدي صائحا : ما بك يا بابا فاجاب الاب في صوت خفيض : لا أستطيع ان أرى شيئا إنني متعب متعب جدا و بعد استدعاء الطبيب وفحصه قال : يبدو ان ضغطه قد إرتفع قليلاً و لكن ان شا الله ربنا يسلم اهم شيء الان هو طاقية الثلج و سوف أمر عليكم بعد الظهر غدا , و هكذا مر الليل بطوله من مرض الاب دون ان تذوق الاسرة طعم النوم ويتناوبون فيما بينهم على الجلوس الى جانبه , وسيدة تكسر الثلج و تضعه في الطاقية بدل الثلج الذائب و حمدي يأخذ الطاقية ليضعها على راس أبيه . 
 عندما حضر الطبيب في اليوم التالي أخبرهم أن الاب قد أصيب بشلل نصفي حينها أحس حمدي بيد قوية قد لطمته و انه يوشك ان ينهار ويقع أراضا إتجه الى غرفته وهو يخفي ألم وجيعته رمى بنفسه على حافة سريره يخفي رأسه بين كفيه ، فدخلت سيدة عليه و قالت : سي حمدي إن الثلج أصبح جاهز كي نضعه في الطاقية فقال : لا فائدة ترجى من ذلك ، لقد أصيب أبي بالشلل ، تصورى بكل ما يملك من عنفوان قوة, بكل ما فيه من تحد وسخرية للحياة, أصبح الآن لايستطيع الحركة والنطق فقالت سيدة : و لكنه سيعيش , سيكون موجودا بيننا , فصار حمدي يبكي بشدة، أحست سيدة بجسده وهو يهتز , إن حمدي يتألم , يتوجع, يبكي يا سيدة , ماذا تستطعين أن تفعلى ،لا تملكين له سوى وقفتك العاجزة وأنت تمسكين بطبق الثلج بلا حول و لا قوة , آه ..لو أنه بإمكانك ضمه الى صدرك أو أنك حتى تستطيعين أن تربتي على ظهره بيدك . 

بعد أيام مرت بطيئة ثقيلة الهواء تعالت فيها الدعوات و تصاعدت الزفرات و الاب ما يزال يرقد في غيبوبته ،الى ان جاء اليوم الذي مات فيه هذا الرجل كما مات ابوك يا سيدة ،الموت فظيعا كإسمه إنه كارثة ووجيعة الموت يا سيدة ليست لصاحبه و لكن الوجيعة لمن يحبونه و ان دوى الصياح والصوات لم ينقطع عن أذنيها حتى اخر الليل إلى أن أوى الجميع الى مضاجعهم و ساد السكون في البيت ،و يوما بعد يوم بدأت الاقدام الزائرة المعزيه تنقطع و وأصبح على الأسرة أن تدبر أمرها ,من مصاريف الأكل والشرب و السكن و مصاريف دراسة حمدي، وأضحى على الأسرة أن تترك البيت لتعيش بكنف الجد حتى يكون اقدر على رعايتها و بدأ الإستعداد للرحيل من البيت بعد ان رحل عنه كبيره وأعز من به . 

على إحدى ظهر عربات الكارو جلست سيدة فوق الاثاث تشق طريقها من جنينة ناميش الى روض الفرج , واخيرا خرجت يا سيدة من الحواري الضيقة , دخلت العربة في شوارع حتى استقرت أخيراً أمام بيت في نهاية الطريق, كان البيت منخفض وصغير وملاصقا لسور حديقة طوسون و كان الحي يقع على أطراف المزارع المحيطة بقصر طوسون. 

سارت الايام بطيئة بالاسرة الصغيرة الحزينة , كان حمدي يرقبها وهو شاردالذهن و إحساسه بالحزن يترسب في كيانه مع مرور الوقت إن فقدانه لأبيه كان له صدمة عنيفة وأثار عميقة في باطنه و في كل ما حوله و على كل من حوله , كما انه منذ ان رحل لم يرى صفاء إلا مرة واحدة في يوم الأربعين عندما جاءت مع أمها وحشد من النساء المتشحات بالسواد ليقدمن العزاء في عصر أحد أيام الخريف فيما كان حمدي قد عاد من المدرسة وجد صفاء و أمها عندهم فقالت أم صفاء معاتبة : نسيت حارة الجنينة لماذا لا تمر علينا , ألسنا اصدقاء ؟ فقال حمدي : نحن أهل فقالت أم صفاء : طبعا اهل و لولا معزتكم لما حضرت اليكم لأخبركم بخطبة صفاء !! مرت الكلمات ببساطة على مسامع حمدي أحس بعدها بشيء يتلوي في أحشائه ، بلع ريقه او على الأصح بلع دموعه فقالت أم صفاء : العريس ابن حلال لا بد انك تعرفه يا حمدي انه .... لم يملك حمدي إلا أن يخمد نار قلبه وثوران عقله و أن يقول : مبروك . مبروك يا صفاء يا حبيبة القلب, أقام لك العقل من شعاعه عرشا و صاغ لك القلب من شغفه تاجا ،ونصبتك الأوهام والخيالات ملكة في مملكة مليئة بالأماني الخضراء و الأمال المزهرة , فإذا بكل الأحلام تطير مع اول هبة ريح ، مبروك حبيبة القلب, مبروك يا صفاء , مبروك بلا دموع و بلا احزان . دخلت سيدة الى غرفة حمدي و قالت : سي حمدي لا أريدك أن تحزن لأن ستي صفاء خطبت فقال حمدي وهو يضغط على ضروسه في غيظ : ومن قال لك إني حزين ومتضايق فقالت سيدة : لانك تحبها !!! فقال لها : كفي عن مثل هذا الكلام و وإذهبي لعملك .. كفي عن هذا الهبل يا سيدة و إذهبى لأعمالك كما قال هو لك و دعيه فى حزنه ما دامت لاتملكين ما يخففها عنه , اختزني مشاعرك في باطنك فطريقها مسدود الى نفسه .

 ذهبت سيدة الى بائع الكازوزة علام و اعطته الزجاجات الفارغة فقال علام : تعالي إجلسي ، نظرت سيدة اليه بجلبابه الطويل و اللبدة التي على رأسه , ووجهه الأسمر بتقاطيع ابن البلد الفهلوي شعرت أن في لهجته نوعا من الجاذبية فكانت نظراته تريدانها فقالت له : لماذا ؟ فقال : انا باحبك يا سيدة و أريد أن أتزوجك , بدأت سيدة تفكر ترى هل هذه هي الطريقة التي يتزوجون بها ؟ وهل هو بالفعل يحبها ؟ و ما هو الحب ؟ اهو ذلك الإحساس المخبول الذي تحسه لحمدي و الذي يحس به هو لصفاء و الذي يبنى لنا قصورا في الهواء ثم قالت سيدة : دعني افكر وأشاور الناس إللي أنا عندهم وأهل نعمتي . 

عادت سيدة الى البيت و كان حمدي يجلس على الشرفة مع اصحابه ، سمعت أطراف من الحديث حيث قال طلعت صديق حمدي : هل تريد أن تأتي معنا يوم الخميس ؟ فقال حمدي : الى أين ؟ فقال طلعت : الى بيت دلال .. فهمت سيدة من هذا الكلام ان هناك بيت يذهبون اليه كل يوم خميس و يدعون حمدي للذهاب معه تسألت سيدة من تكون دلال ؟ أيمكن أن تكون هي ؟ زوجة أبيها الملعب ؟ ترى أي بيت هذا الذي تقتنيه دلال ؟ في اليوم التالي خرجت سيدة الى الشاطئ مع علام و ركبا قارباً و أخذ علام يضرب صفحة الماء بالمجدافين والقارب يشق طريقه على النيل رويدا رويدا ، بدات تشعر سيدة بالارتياح و الطمانينة مع علام ، ثم قالت : ماذا تريد ؟ فقال : دعينا نجلس سويا كأحباء فانا ساتزوج بك فقالت : متى ؟ قفال : لما يأذن ربنا و تتحسن الحال ، نظرت سيدة الى علام وهى ثحدث وتقول في سرها في لن تاخذ شئ مني يا علام الا اذا دفعت الثمن مقدما , لن يكون قبل الزواج يا علام هذا الشيء الذي تتشوق اليه بيني و بينك يا علام لن يحله إلا ورقة المأذون إدفعها و خذ ما تريد ، فقالت سيدة : وماالذي يمنع زواجنا ؟ فقال : الظروف صعبة والزواج ليس سهلا فانا اعيش مع أختى أمي و اختي و أخي منصور المراسل في المالية و زوجته ، كلنا نعيش مكدسين كالسردين في شقة في المبيضة ، فكيف سيتسع البيت لزوجة ادخلها عليهم ، فقالت : كله بإذن الله يهون يا علام إنت من ناحية و أنا من ناحية و الحياة تتدبر. توالت ايام الصيف تجر زحمة الامتحانات و إنهمك حمدي في الدراسة مع أصدقائه ، و تعددت لقاءات سيدة بعلام , مرات تتسلل اليه في الظهيرة و مرات تزوره اخلال مشاورير البقال و الخضري و الجزار و بدأ اللغط بين سكان الحي حتى وصل الكلام الى الست فاطمة أم حمدي فقالت لها : هل يوجد شئ بينك و بين علام بائع الكازوزة ؟ فقالت سيدة : قال لي إنه عايز يتجوزني , فبعثت الست فاطمة صبي لينادي على علام , وقف علام متوترا أمام الست فاطمة و بدا عليه القلق فقالت فاطمة : هل بالفعل تريد أن تتزوج من سيدة ؟ فقال علام : سيدة بنت حلال و لكن الظروف و الوقت لاتسمح ، فقالت : و أين ستسكن اذا تزوجتها ؟ فقال : مع أهلي حيث أسكن الى ان يدبرها الحلال ، فقالت فاطمة و ما رأيك يا سيدة ؟ فأطرقت سيدة براسها و اجابت بالرد التقليدي : إلي إتشوفيه يا ست , حينها نظرت فاطمة الى إبنها حمدي و قالت : ما رأيك يا حمدي ؟ فقال : إسأليها هي هل نحن الذين سنتزوج ؟ فقالت سيدة : أنا موافقة فقالت فاطمة : مبروك با علام غدا نقرا الفاتحة . 

في الغد قُرأت الفاتحة , حضر علام و أمه و أخوه , كانت أمه يبدو عليها بانها مسيطرة وشكلها غير مريح و لا تعطي احساسا بالطمانينة , إرتدت سيدة أحد فساتين سميحة و جلس علام على أحد المقاعد وكان يرتدى جلبابا صوفيا غامقا ، شاع خبر زواج سيدة بعلام في الحي و بدأ الإعداد لزواج سيدة و أصبحت سيدة موضع اهتمام أهل البيت اقبل يوليو وأنهى حمدي إمتحان التوجيهية و عندما ظهرت النتائج و نجح حمدي صاح من الفرحة : ماذا تريدين يا سيدة أطلبي اي شيء ؟ فقالت في نفسها : لو أخبرت بما اريد لاغمى عليك من الدهشة و لضحكت ملء فيك و اتهمتني بالجنون ! ثم قالت سيدة : اريد ان تحضر عرسي غدا فقال حمدي : طبعا سأحضره ! تدلى حبل اللمبات الكهربائية على واجهة بيت علام وأشاعه بالأنوار, جلست سيدة بالكوشة مع علام ، نظرت الى حمدي من بعيد, قطعت الصلة التي بيننا يا حمدي , صلتي بحذاء أمسحه لك وسرير أرتبه و ملابس أقوم بغسلها و مائدة أعدها , انتهت , لقد كنت بعيداً جداً و سوف تزداد بعداً و لكنك ستبقى موجوداً فى قلبى , دائما موجود , حضر المأذون وتم كتب الكتاب وإنصرف الناس واحداً تلو الأخر و في نهاية الليلة أصبحت سيدة زوجة علام . 

 عندما إستيقظت سيدة في الصباح لم تجد علام الى جانبها و سمعت ام منصورتصيح و تناديها و هي تقول : فوتي يا إغسلي الغسيل المكوم في الحمام و اسقى الفراخ و خرطي قشر البطيخ للوز , تذكرت سيدة دلال زوجة أبيها وأم عباس بدأت سيدة تضيق وتضج بحياتها الجديدة وخصوصاً أنها لا تجد بصيص أمل ليحقق أحلامها في الحرية و السيادة وزاد على الامر بلة أن ام منصور بدأت توقع بيها و بين علام , اليوم أحرقت الطبيخ اليوم شتمتنى اليوم ضربت اولاد اخيك استيقظت سيدة ذات صباح فوجدت ان علام قد خرج ، تناولت ملائتها السوداء التي تعودت ان تخرج بها منذ ان تزوجت و لفت جسمها بها فسألتها ام منصور : أين خارجة ؟ فقالت : سأذهب لزيارة الست أم حمدي فقالت أم منصور : و الغسيل ؟ فقالت : اغسلوه انتم ، فجذبت العجوز سيدة من صدر ثوبها فمزقته فدفعتها سيدة بكلتا بيديها فسقطت العجوز على الارض و هي تصيح وتستغيث فأمسكت نعيمة أخت علام بسيدة و بدات المعركة و علا الصراخ و اقبل الجيران و استطاعوا أولاد الحلال ان يطفئوا لهيب المعركة . أوت سيدة الى غرفتها و هي تتوعد وتقسم أنها لن تبقى لحظة مع علام اذا لم يجد لها مسكنا خاص بها ،و عندما جاء علام قال لسيدة : لا املك مليما لاؤجر لك بيتا فاذا كنت ترغبين ببيت خاص هاتي مصاغك أرهنها و أجهز بالنقود السكن لك ثم أردها فقالت : يعني هل سترد المصاغ ؟ فقال : طبعا فقالت : خذها لعل ربنا يتوب علينا من هل العيشه هون .

 بعد عدة أيام ذهبت سيدة الى زنوبة بائعة الكرات و الليمون التي تجلس على باب الزقاق ، و بدأت سيدة تشتكي لها و تقول : الحق عليّ اللي قبلت أن أعيش معهم و أصلاً الحق عليّ اللي رضيت بعلام من الاول ،آمن الليلة لن أبقى في البيت إما أن يطلقني أو ،ن يفتح لي بيتا فقالت زنوبة : يفتحلك بيت ؟ هو رح يصرف على كم بيت ؟ فاستغربت سيدة ، فقالت زنوبة : ألا تعرفين ان له بيتا أخر بيت ضرتك !! فقالت سيدة : علام متزوج ؟ فقالت : نعم الجميع يعلم أنه تزوج من سعاد بنت الشيخ تهامي فقالت سيدة : ابن الكلب أخذ المصاغ و إتجوز فيها ؟ عادت سيدة تنتظر رجوع علام البيت و وأول ما رأته صاحت به : فتحت بيتاً لزوجتك من مصاغي من و كدي وشقاى و عرق السنين التي إشتغلتها ، أنا لن أبقى عندك هنا ثانية هيا طلقني ، فصرخت ام منصور : طلقها وإخلص منها ، فهتف علام في غضب : روحي و أنت طالق.. طالق ..

 خرجت سيدة من بيت علام ووقفت على الرصيف في شارع روض الفرج تلفح وجهها نسمات الليل باردة , لقد تحررت أخيراً من السجن والعذاب يا سيدة ...و لكن عادت سيدة من جديد الى حافة الضياع بعد ان تطلقت من سجنها , لقد كنت وجبة شهية لعلام وعندما و انتهى منك ،ترك بقيتك لأمه تمارس عليك كل انواع الحقد واللئم والكراهية ،و لكن الى اين الخطى يا سيدة الآن , توقفت سيارة في الشارع ، دخلت سيدة في صمت الي السيارة و جلست الى جانب الرجل ,أخذ يتحسس ساقيها ، لم تقاوم سيدة او تمانع بل إنها إستسلمت له في هدوء ، ثم توقفت السيارة أمام فيلا صغيرة تحيط بها أشجار كبيرة ، نزلت سيدة وهي تتبع خطوات توفيق ابو تيفة و إستقبلتهما إمراة إسمها لواحظ ، أخذها توفيق الى الغرفة وجدت سيدة نفسها مرة أخرى تلتهم كوجبة شهية ،و في الصباح إستيقظت على صوت لواحظ وهي تحثها على النهوض و قالت لها : الى اين ستذهبين الآن ؟ فقالت : لا أعلم فقالت : اليس عندك أهل أو بيت للشغل ؟ فقالت : لا فقالت لواحظ : إذن كيف تعملين ؟ فقالت سيدة : لا أعمل انها المرة الأولى التى أفعلها فقالت لواحظ : و ما الذى أوقفك على الرصيف بعد منتصف الليل لتصيد الرجال ؟ فقالت سيدة : لم أخرج لأتصيد الرجال بل أنى خرجت من البيت بعد أن طلقني زوجي فقالت لواحظ : و هل من السهل عليك ان تقفي على الرصيف و تركبي مع أول رجل ؟ فقالت سيدة : بعد الذى فعله بي علام كان من السهل علي أن أفعل أي شيء , فنومي مع علام لم يكن أفضل من نومي مع توفيق , بل كان توفيق أشرف منه , دفع ثمن ما أخذ , فلم يسرقني أو يراوغنى ولم يرمني لأمه تستعبدني . فقالت لواحظ : إن الدنيا لا ترحم أحد أخبريني ما إسمك ؟ فقالت : سيدة فقالت لواحظ : هل ترغبين بالذهاب معي ؟ ثم غادرت سيدة البيت مع لواحظ , خوضي طريقك كيف كان يا سيدة و عيشي حياتك كما شاءت لك الظروف فلعلها لا تكون سجنا جديدا , تلقى بنفسك في ظلمته . 

بإصرار تقدمت سيدة في طريقها الجديد بعد ن تخلصت من سجن الزوجية , ذهبت سيدة مع لواحظ الى بيت الشغل لتجرب هناك حظها , هيا تقدمي يا سيدة , ماذا وراءك حتى يستحق أن تخشي عليه ؟ و من هو الذي وراءك حتى تخشي منه ؟ بدأت سيدة عملها الجديد بإسم جديد هو نرجس مع زميلاتها في بيت الشغل: زوبة و عليات و تحية و أخريات ،و مع الأيام ذهب عنها كل ما كان يمكن أن تستشعره من حياء أواستغراب بل إنها نجحت في مهنتها خير نجاح , فقد مارستها بأحسن ما تملك من مواهب ...
 تعرفت سيدة على الكثير من الزبائن جنود وتلاميذ و و موظفين و تجار و عزاب و متزوجين من جميع الفئات ،والتقت ضمن من التقت بهم بعباس إبن أم عباس فقال لها عندما رآها :أخيرا ياسيدة إستقررت في موضعك الحقيقي كنت أعلم أن المقام لا بد أن يستقر بك الى هنا , أجل أجل هنا مكانك ياسيدة ، و لكن خبريني ماالذي قذف بك الى هنا ؟ فقالت : هم الدنيا ووجعها ،قلي لي أنت ما هي أحوالكم وكيف حال خالتي أم عباس ؟ فقال عباس : تعيشي انتي ماتت منذ سنتين فقالت سيدة : الله يرحمها ، ثم سحب عباس سيدة الى داخل الغرفة .
 كان هذا الشغل يشكل عبئاً ثقيل على كاهل سيدة, و لم تكن تشعر بسعادة ما تحصل عليه من نصيبها في العمل و ما تجمعه من قروش فوق قروش فقد كان لهفتها على ان تجد حريتها و سيادتها على وقتها و إرادتها أشد وطئاً من لهفتها على هذه القروش التي تجمعها فوق بعضها البعض في درجها يوما بعد يوم , لم ينفك زميلاتها يحسدنها على القروش و على الزبائن الذين أخذت منهم القروش فقد كن يشعرن أنها سلبتهم منهن و أنهن أولى منها فهم يملكن خبرة و تجربة ودراية أكثر منها ، و في أحد الأيام جر أحد االزبائن سيدة الى إحدى الغرف دون علم المديرة و أطبق عليها عنوة يحتضنها و يحاول أن ينالها فصرخت فيه سيدة وقالت : إن علمت المعلمة في هذا سوف أقع فى مصيبة ، و بينما كانت سيدة تحاول الخلاص من ذراعي الرجل دخلت عليهم فجأة المعلمة و صاحت في سيدة : لم يعد لك بقاء عندنا ، قالوا لي عنك كثيراً لكنى لم أصدقهم إحزمي ملابسك وأخرجي من هنا ، فقالت سيدة : أجل ساذهب لم يعد لي عيش في هذا البيت وذهبت سيدة كي تحزم ملابسها وهي تفكر في ذهنها عن مكان جديد تستقر به ، وصل الى سمعها صوت أقدام تصعد الى السلم ثم تعبر الباب و تدخل الصالة ثم سمعت صوت يقول : دلال أين أنت طوال هذه المدة ، ظننتك انك نسيتينا وتكبرت علينا ،و سمعت سيدة رنين صوت على طول ما باعدت بينها و بينه السنين ولكن ما زال رنينه جليا في اذنهالن تنساه ،ردت دلال : مشاغلي كثيرة و تلهيني ،ولكني عزمت اليوم على أن أتي اليك .. عجبا !!!! مرةً أخرى دلال ،زوجة أبيك اللعوب التي كانت مشيتها تثير الحارة ، أية ريح جاءت بك إلينا في هذه الساعة ؟ .
 خرجت سيدة من الغرفة تحمل صرة ملابسها و إقتربت من دلال تقول : عوافي يا خالتي دلال ألا تذكرينني انا سيدة ؟ فصاحت دلال : أنت سيدة بنت جابر ؟ غير معقول ؟ حقيقة الدنيا صغيرة فقالت سيدة : عن إذنك يا خالة دلال أن خارجة فقالت دلال : على كل حال إسالي يا سيدة عن دلال , بيتي في شارع كوم الدكة نمرة ( ) الدور الثالث إسالي على شقة دلال وسوف تجدين الف من يدلوكي ( و ذكرت رقم التليفون ) ؛ إحفظي الرقم ياسيده انه سهل فقالت سيدة : كتر خيرك يا خالة و ذهبت في طريقها ، قابلت سيدة زميلتها زكية في الشغل فقالت لها زكية : تعالي معانا إركبي ،عندما وصلت سيدة الى البيت الجديد وجدته لا يختلف عن البيت السابق ،شعرت لحظتها فى ضيق وتذكرت كلام دلال , حسنا لماذا لا تذهب اليها ؟ إستاذنت سيدة على الفور و خرجت متجهة الى بيت دلال ، أقبلت دلال ترحب وتأهل بسيدة ثم قالت دلال :إن شاء الله تقعدي معايا على طول ، الشغل هنا شيء آخر يختلف عن شغلك السابق يا سيدة ،وعندي سوف اوضبك تماما سوف تكونين شيئاً آخر .

و هكذا بدأت سيدة عملها في بيت دلال بشكلٍ جديد وإن لم يتغير في جوهره ، نجحت سيدة في التعامل مع الزبائن الجدد في بيت دلال و توطدت علاقاتها مع زميلاتها الجديدات . و في أحد الأيام قالت دلال لسيدة : يوجد عندنا جماعة جاءوا منذ نصف ساعة و ليس هنا أحد من البنات سوى عديلة , لم تكن سيدة تشعر برغبة في ممارسة أي جهد و لكن دلال قالت لها : عليك أن تتحملي يا سيدة إنهم تلاميذ ولن يطول سهرهم هنا , فتحت سيدة باب الصالة ووقفت مشدوهة ومبهوتة , لايمكن هذا ،إنه غير معقول ، كان يجلس على أحد المقاعد الكبيرة حمدي و بجواره عديلة ، وعلى المقعدين الأخريين جلسا صديقاه صلاح و طلعت , حدقت في حمدي , إخشوشن شكله و إعرض منكباه و بدأ اكبر حجما و لكنه ظل نضراً مشرقا كما تعودت ان تراه , إرتبكت بشدة ولكنها سيطرت على نفسها وهتفت : حمدي ! فنظر اليها وقال : سيدة مش ممكن مش معقول ! و فجأة نهضت عديلة وسحبت حمدي من ذراعه الى إحدى االغرف ، قام طلعت بجذب سيدة من ذراعها و لكن قبل إن تدخل عديلة إلى الغرفة ،هتفت سيدة : إنتظري يا عديلة إنهم في ضيافتي إني أدعوكم للعشاء و السهرة على حسابي بأكملها ، ثم دنت سيدة من حمدي و قالت : هل أزعجك وجودي ؟ فقال : لقد أدهشني ،فقالت : كيف هى العائلة ؟ فقال : أُصيبت أمي بالسكر وتزوجت سميحة و ذهبت الى أسيوط مع زوجها ،ثم سار حمدي إتجاه الباب يريد الإنصراف و قال في هدوء : عن إذنكم ، لحقت به سيدة الى الطريق الخارجي فنظر اليها حمدي متفحصاً ، فشعرت وكأنها لاول مرة تقف أمامه فقال لها : ما الذي دفع بك الى هذا الطريق ؟ لماذا ؟ ....إنها لم تسأله لماذا مات ابوك .و تركتك صفاء .و لماذا لم تحبني. أو تدرك مرة واحدة في حياتك أني ما أحببت قط في الدنيا غيرك ،لماذا كل هذا ؟ومن منا يزرع الأشواك في طريقه ؟ و لكنها لم تستطع ان تقول شيئاً بل تمتمت : إنه قدرنا فأمسك حمدي يده بيدها و قال : هل أستطيع أن أفعل لك شيئا ؟ و تمنت لو أنها تستطيع أن تسأله أن يأخذها معه كما سألته أول مرة لينقذها من الضياع الذي هي فيه و لكنها لاذت بالصمت ثم قالت : هل بوسعي أن أزوركم يوما فقال حمدي : بالطبع تعالي فبيتنا مفتوح لك دائما .

 واصلت حياتها سيدة وهي فى بيت دلال منهمكة في أداء عملها بين البيت و الشقق الخاصة الهادئة المنظرمن الخرج والصاخبة في الباطن و مرت الأيام والليالي بسيدة برصيد يزداد في البنك و لم تر حمدي بعد آخر لقاء ولكن كانت تصلها أخباره من أصدقاءه وعرفت أنه تخرج من كلية الصحافة وبدأ العمل في جريدة البلاغ فوجئت بزيارة عباس لها ، كان مظهره لامعاً جديداً عليها و قدمته دلال بإحترام : السيد عباس بك البرعي فقالت سيدة : من الذي فعل بك هذا يا عبس ؟ فقال : بإختصار ، مات أبي وأورثني أشياء قيّمة لم أكن أعلم بها إلا بعد موته بعضها في البنك و بعضها في درجه غير البيت في الدراسة و وقطعة أرض . 

في أحد الأيام زارها انور بك أحد زبائنها وعرض عليها قائلا : سوف أمنحك هذه الشقة وأفرشها لك من جديد و أعطيك كل ما تريدين وسيكون هذا مقابل أن تقطعي كل علاقاتك بكل من تعرفين وأن تقطعي علاقتك بدلال ،وسوف أضع بإسمك في البنك الف جنيه و سوف أخصصلك في كل شهر مائة جنيه مصروف يدك فإسترخت سيدة في مقعدها و قالت : دعني افكرفي الأمر فإقترب منها أنور بك قائلا : سأعطيك كل ما تريدين فأنا أضحيت لاأستطيع الإستغناء, ولم أعد أشعر بالراحة إلا في جوارك فصمتت سيدة ونظرت اليه وقالت : حسنا سوف أبقى معك، فكتب لها أنور شيكا بخمسمائة جنيه فأخذته و قالت : أريد أن أذهب الى دلال لأصفي أموري معها , و هناك قالت لها دلال : هل سيتزوجك ؟ فقالت : لم نتحدث في هذا الأمر ،فقالت دلال : إطلبي منه هذا إسمعي نصيحتي يا بنت هذا الصنف من الرجال لا يؤتمن وبين يوم و ليلة سوف يمل منك ويلقي بك في قارعة الطريق عليك أن تضمني شيئا في يدك فقالت سيدة : انا لست غشيمة يا خالة دلال . أصبحت سيدة , سيدة محترمة , لقد يسر لها أنور كل ما كانت تريد و منحها ما لم تكن تحلم به ،ويوماً جاءت دلال لزيارتها و قالت لها مرةً أخرى : و حضرته متى ناوي يتجوزك ؟ فقالت : مش ناوي يا خالة دلال و أنا لا أرغب الزواج , حينها خرجت دلال من عندها ذلك اليوم وهتفت بتليفون لزوجة أنور بك تخبرها بأن زوجها قد تزوج عليها ، و من وقتها إنتهى الإستقرار من بيت سيدة و بدأت المتاعب تلاحقها , فكل يوم كانت تأتيها مكالمة تهديد بصوت إمراة تتوعدها بالقتل و تسبها بأقبح الشتائم .

 شكت سيدة الأمر الى أنور و انور بدوره شكا الى سيدة بأن بيته إنقلب الى جحيم لايطاق ، و في أحد الايام قرأت سيدة في وفيات جريدة الاهرام : إنتقلت الى رحمة الله السيدة حرم المقاول المعروف .. فاضطربت مشاعرها وإختطلت الاحاسيس في نفسها , ترى هل إنتهت بوفاة زوجة أنور بك المتاعب أم أنها قد بدأت بها متاعب أخرى جديدة ؟ و مع مرور الايام شعرت سيدة ان الرجل أخذ يبتعد عنها شيئاً فشيئاً وأن لهفته لها قد خبت ،وأحست أن ايامها باتت معه معدودة ، حينها تذكرت نصيحة دلال لها بالزواج و في أحد الأيام قالت سيدة لأنور : هناك عرسان تتقدم لخطبتي ا فقال لها : عرسان ؟ مثل من ؟ فقالت : إنهم كثر مثل عباس بك البرعي فقال لها : و لماذا لا تتزوجينه ؟ فشعرت سيدة وكأن صفعة قد هوت على وجهها فقالت : أنا لا أستطيع أن أضيع بقية عمري معك بلا زواج ثم أجد نفسي من بعدك بلا مأوى فإما أن تتزوجني أو تعطيني ما يعادل ما يمكن ان أستحقه منك ، فكتب لها أنور شيك بخمسمائة جنيه وقال : أنا أصبحت أشعر اني غير أهلا لهذه الحياة , لقد هدني وفاة زوجتي , أشعر بمسؤوليتى عما حدث لها ، ولم يعد في نفسي شئ للإستمتاع ، لذا عشنا أنا وأنت كأصدقاء و أرجو أن نفترق كأصدقاء فقالت سيدة معبرة عن مشاعرها المضطربة : على كل حال كتر خيرك و فارقها أنور. 

ذهبت سيدة الى بيت دلال وأخبرتها بما حصل مع انور فقالت دلال : ولايهمك ..أنت لاتزالين في شبابك و فرصة الشغل ما زالت أمامك مفتوحة وواسعة و الرجال ما زالوا يرغبونك , فقالت سيدة : أنا أعلم أن مصيري الى هنا , ليس لي أحد غيرك يا خالة دلال ،و فجأة خرج عباس من إحدى غرف بيت دلال و قال : يبدو أنك تحملين فوق رأسك هموم الدنيا كلها يا سيدة وأخذ يتفحص بها ثم قال : متى اراك ، فقالت سيدة بلا مبالاة : في أي وقت فقال : هل آت اليك في البيت ؟ فهزت سيدة براسها بالإجابة فقال عباس : و أنور بك ؟ فقالت : لقد تركنى ، لم يعد معي أحد فقال عباس : سآتي الليلة اليك ,أين البيت , وبكل لامبالاة و ببساطة أعطته سيدة العنوان . في المساء أقبل عباس على شقة سيدة, قال فى نفسه أصبحت سيدة شيئاً آخر يا عبس ,باتت شيئاً فاخراً ممتعاً , و ها هي قد قبلت منك عرض زيارتها بكل سهولة ورحبت بك, إذن فهي تريدك و أنت أهل لذلك , فهي الآن خالية و أنت أصبحت على باب الله , اقترب منها وقال : هل تنوين العودة الى دلال ؟ فقالت : اذ لم يكن من الأمر مفر فسوف أعود ، فقال : لماذا تركت صاحبك ؟ فقالت : لم أتركه بل هو الذي تركني لأني طلبت الزواج فإقترب عباس منها و رمى بجسده عليها فقالت : إبعد يا عباس أنت هنا ضيف , فقال لها : انا هنا بفلوسي فقالت : وفرهم على نفسك و سحبته نحو الباب و قالت : تصبح على خيروأقفلت الباب . تكررت زيارات عباس لسيدة ، وفي كل مرة يخرج وهو يبرطم ويخرج كما في المرة التى سبقتها و بغير نتيجة و في المرة الخامسة أقبل على سيدة و جلس بكل وقار ،، ثم نظر الى سيدة و قال : لقد فكرت كثيراً , نحن خلقنا لبعضنا ،أنا بحاجتك و أنت في حاجة الى من يؤنس وحدتك و لقد عزمت أمري على ان أتزوجك ما رأيك ؟ ..
 و لم يطل التفكير بسيدة في عرض عباس للزواج منها ،فقد كان حلمها بتكوين أسرة و أولاد و حياة طبيعية كبقية الناس كان يلح على فكرها .

 واقفت سيدة على الزواج بعباس ،و بين عشية و ضحاها لبست سيدة لباسها الجديد و أصبحت حرم عباس بك البرعي صاحب مطابع البرعي و بدا لها عباس في تصرفاته الزوج العاقل الرزين غير عباس إبن أم عباس الأهوج ،و حملت سيدة و بدأت تنشغل بالحدث الكبير الذيحدث في حياتها , وأخيرا ستصبحين أما يا سيدة . في أحد الأيام وبعد أن تناول عباس الغداء قال لها : لقد تأخر علينا شيك وزارة المعارف و إستحقت كمبيالات الورق و لا أعلم ماذا أفعل ،المفروض ،أن نسدد الكمبيالات غدا و لايوجد رصيد في البنك يغطي المبلغ المطلوب وعندها لا مفر من الحجز على المطبعة ،فقالت سيدة : كم هو المبلغ ؟ فقال : أربعمائة جنيه ،فقالت سيدة : سوف أعطيك المبلغ على ان ترده فور وصول شيك الوزارة فقال عباس في حزم : لا لا اريد ان تصرف عليّ امراة لاايد منك شئ ، فنظرت سيدة اليه في ذهول ودهشة , احقا ما يقول عباس هل يمكن أن يكون قد تغير الى هذا الحد ؟ فقالت : أنا زوجتك و مالي هومالك ان بيننا اولادا قادمين فلا تقل هذا أبدا فقال عباس : إن كانت دينا فسوف أقبلها و سأردها بمجرد أن يصل الشيك .. برافو عباس لقد لطشت أول مبلغ و بإلحاح من سيدة , صرف عباس الشيك و سدد الشيء الضروري الذي يحميه سداده من دخول السجن ، أما الباقي فذهب به الى بيت وجدان يلعب به فأضاف عباس سيئة الى سيئأته و هي سيئة القمار ! و رويدا رويدا وضعت سيدة رصيدها في البنك تحت تصرف عباس ليستكمل مشروعاته بينما كانت سيدة مشغولة بحملها حتى هبط الوليد فزادت مشاغلها به , و جاء جابر , و اصبح لك ولي عهد يا عبس , ولي عهد للديون و النصب و الاحتيال .

 مع الأيام إزداد تعلق سيده بجابر, وبدأت تبصر في الحياة أملاً جديدا ،نطق جابر و سار و أمسك في ذيلك كما كنت تتوقعين يا سيدة و لكن لم يبد عباس إقبالا كبيراًعليه , و في يوم قبيل المغرب و جابر الصغير يقفز على المنضدة ،دق جرس الباب ففتحت أم سيد الباب وهي الخادمة التى كانت معها وهى عند أنور بيك ، كان الطارق الأسطى عبده الذي يعمل في المطبعة فقالت سيدة : ان شا الله أمور الشغل على ما يرام ؟ و الماكينات الجديدة وصلت ؟ فقال الرجل : أي ماكينات جديدة ؟ من قال لك هذا ؟ فقالت سيدة : لقد دفعنا حتى الان على المطبعة ما يزيد على الف و خمسمائة جنيه فضرب الرجل كفيه ببعض و قال : المطبعة محجوز عليها منذ عدة شهور وعباس في كل مرة يحاول تأجيل الكمبيالات ،فأحست سيدة بأن جسدها ينمل وأطرافها تبرد و قالت : يعني عباس لطش النقود , سرقك عباس يا سيدة كما سرقك علام . 
و عندما عاد عباس الى البيت دار نقاش عاصف بينه و بين سيدة , كذب ولف و أكد أن الماكينات على وصول فى الطريق وأن رخصة البناء قد أوشكت معاملاتها على الإنتهاء، و بعد أيام التقت سيدة بدلال و علمت منها أن عباس يقضي لياليه في بيت وجدان يلعب القمار و بعد عدة أيام وقع الحجز على المطبعة و بيعت و في اليوم التالي ، حضر المحضر الى البيت يريد الحجز على أثاث البيت فصرخت سيدة أن الأثاث ملكها و ليس ملك عباس ، وفي عصر ذلك اليوم حملت سيدة مصاغها و ذهبت الى روض الفرج . لاح لها البيت من بعيد ، وقد بدت عليه معالم القدم والبلى و ضاق الشارع أمامه ، صعدت سيدة الدرج ووقفت أمام باب البيت تدق الجرس وتطرق الباب بيدها، سمعت صوت الست فاطمة أم حمدي يصيح من داخل البيت ، لم تستطع سيدة أن تمنع ابتسامة من ان تعلو شفتيها رغم ما تحمله من هموم و بعد أن فتح الباب أقبلت الست فاطمة و قالت في حنان : فينك كل هذه المدة يا سيدة لا سؤال و لا كلمة ، حينها جلست سيدة منهارة وبغير وعي منها على خشبة الارض أمام الست فاطمة فجذبتهامن يدها كوثر إبنة عمة حمدي و قالت : إجلسي هنا على الاركية فقالت الست فاطمة : اجلسي كما يريحك انت في بيتك فنظرت سيدة الى كوثر و قالت : لقد كبرت وأصبحت جميلة جداً ،هل تصدقين أني لم اعرفك ؟ فقالت الست فاطمة : كوثر بنت حلال ربنا يجعل لحمدي نصيب فيها , فوجئت سيدة بهذا الكلام , أيعقل هذا ؟ هذه الطفلة التي طالما حملتها على كتفها تفوز بالورقة الرابحة دون غيرها من سائر المخلوقات ؟ ليست صفاء و ليست هي و ليس أحد أخر في هذه الدنيا و لكنها هذه الطفلة الطيبة فقالت سيدة : ربنا يوفقهما ، ما أخبار سميحة ؟ فقالت الأم : أصبح لديها بنتا وولدا فقالت سيدة : انها أشطر مني لقد أنجبت أنا ولدا بعد أن تزوجت عباس ابن صاحب المطبعة الذي كنت أعيش عندهم قبل أن أحضر اليكم ،وعلى ما يبدو أن ليس لي حظ في الزواج لقد شفت عند عباس المر ، ما هى أخبار حمدي فقالت الست فاطمة : لقد ترك العمل في جريدة الوفا التي كان يعمل فيها و إشترى مع صاحبه منذ بضعة ايام ماكينة طباعة في مطبعة إسمها مطبعة برعي ، ذهلت وصمتت سيدة ،كم هذه الدنيا ضيقة ضيقة وصغيرة , باع عباس المطبعة و اشتراها حمدى ثم ماذا ؟ّ! عادت سيدة الى بيتها بعد أن تركت مصاغها عند أم حمدي , كان عليها تدبير أمر معيشتها هي و إبنها ، و كان كل ما تبقى لها هو مبلغ من المال يمكن أن يكفيها لفترة وجيزة ،و أنه سيأتي اليوم القريب على نفاذه ، فإستغنت عن السفرجي و أخبرت أم سيد أنها لن تستطيع ان تفع لها أجرها فقالت لها أم سيد : ليس لي مكان سوى بيتك و لم يعد لي من صحة وعافية سأبقى معك و ليدبر الله أمرنا سوية .

 مضت الايام و سيدة تحاول أن تبعد عنها شبح العوز والحاجة بمزيد من التوفر في المصروفات في كل شيء، إلا إحتياجات الصغير ،و ذات ليلة أقبلت عليه تضمه الى صدرها فاحست بجبهته ساخنة جداًعلى وجهها فقال لها جابر الصغير : أريد أن أنام و في الصباح لم يقفز الصغير من فراشه كعادته فأقبلت تتحسسه في قلق و قالت لأم سيد : ما زال الولد ساخنا يا ام سيد حينها حملته سيدة بين يديها و ذهبت تجري به الى الطبيب فقال الطبيب : أعتقد أنه محصب , و مرت عليها ايام المرض ثقيلة مزعجة و سيدة ترقد أقدام الصغير الى ان تماثل الى الشفاء . في نهاية الشهر أخلت سيدة شقتها بعد ان تخلصت من معظم ما تملك من الاثاث و لم تبقى الا ما تحتاج اليه مما يمكن ان تحتمله الحجرتان الصغيرتان اللتان اخذتهما فوق سطح العمارة،وهناك إستقرت هي و جابر و أم سيد ، عاد عباس ليطلب منها النقود كعادته فى كل مرة و هذه المرة كان ثملا فقال لسيدة : هاتي النقود فصرخت سيدة عليه : لم يعد لك وجود في هذا البيت أخرج بره و طلقني فخرج عباس من الحجرة قائلا : سأعرف كيف أربيك يا سيدة .

 ذهبت سيدة الى محام شرعي دلتها عليه إحدى الجارات و رفعت قضية طلاق على عباس و بدأت مرحلة القضايا و تعددت الجلسات و القضية تؤجل مرة بعد مرة و في النهاية حكم القضاء برفض الطلاق و خسرت سيدة القضية و بعد النطق بالحكم قال عباس : سوف آتي الليلة يا سيدة جهزى لي العشاء وأعدى الحمام ولن أتاخر عليك و عندما عادت سيدة الى البيت قالت لأم سيد : سوف أترك الشقة فوراً و أخذ جابر معي سأذهب الى الست فاطمة ثم ودعت سيدة ام سيد وأخذت عنوانها عند إبنتها و أعطتها عنوان روض الفجر ثم غادرت ، وعندما وصلت قالت للست فاطمة : ليس لي أحد سواكم ضاقت بي الدنيا كلها و لم أجد غيركم ألجئ إليه فتحملوني يا ست فاطمة فأحست فاطمة بالدمع يطفر من عينيها و قالت : ماذا تقولين ياسيدة هذا إبنك إبننا إهدئي و قومي إغسلي وجهك و إستريحي . 

مرت عدة أيام وسيدة في بيت حمدي ، كانت دائما تتجنب نظرات حمدي و تحس دائما انها لو تستطيع الفرار من وجهه فهي لن تنسى أخر لقاء لها به متى و أين كان و كيف كان ،عجيب هذا المخلوق لا يدري الانسان ما في باطنه العميق ؟ّ! و هكذا مرت الايام و الليالي بسيدة و القلق والتوتر يزداد بها يوما بعد يوم و في ذات صباح عزمت سيدة أمرها على أن تفعل شيئا ما , أن تخرج كي تطمئن على شقتها و تسأل ماذا فعل عباس ثم تحاول ان تبحث عن عمل ما فارتدت ثيابها و قبل أن تهم بالخروج رأت البوليس يقف أمام الباب فسألها الشرطي : أانت اسيدة المشهورة بنرجس ؟ فقالت : نعم أنا ، فقال الشرطي : تفضلي معنا , معنا أمر من المحكمة بأخذك الى بيت الطاعة فقالت : حسنا سأذهب معك , ثم ذهبت و لملمت ملابسها و ملابس جابر و أخذت جابر و إستأذنت من أهل البيت و ذهبت . وصلت الى بيت عباس القديم و أطل وجه عباس من أسفل السلم و قد إرتدى الفانلة و البنطلون القصير و قال : عدت يا سيدة ! فقالت : نعم يا عباس عدت فقال عباس : ليس مسموحا لك بالخروج من دون أوامري وعليك طاعتى هنا فقالت : لن أغادره يا عباس أنا و أنت والزمان طويل . امضت سيدة ايامها عند عباس في سجن الطاعة ،و عزمت سيدة على أن تروض نفسها على الصبر عليه , كانت تعلم أن معركتها معه معركة صبر، و ذات ليلة أقبل عليها و قال : و أخرتها يا سيدة ؟ فقالت : أخرة ماذا ؟ فقال : بالعربي المفهوم أريد نقودا فقالت : أعطيك مقابل ماذا ؟ فقال : لا أفهم ما تقصدين ؟ فقالت : أنا على إستعداد لأن أعطيك النقود بشرط ان تطلق سراحي و تطلقني فقال : أريد خمسمائة جنيه فصاحت : أتظنني أملك كنزاً ؟ فقال : لن أقبل بأقل من خمسمائة جنيه فقالت : لن تحصل على مليم واحد فقال : و هاد شنبي ان إستطعتى أن تتركي هذا البيت . وبقيت المعارك مستمرة بين عباس و سيدة يوما بعد يوم ،و ذات صباح إستيقظت سيدة لتجد الصبي ساخنا فقال لها عباس : لا تتركي البيت و الا أرجعتك بالبوليس فقالت : ساذهب بالولد الى الدكتور فقال : قلت لك لن تخرجي و قفز عباس ليطبق عليها ثم قال : ساطلقك ياسيدة فقالت : لا أريد الطلاق ولن أدفع مليما واحدا و بعد نقاش طويل وافق عباس على مائة جنيه مقابل الطلاق و تمت الصفقة وقبض عباس المائة جنيه و تم خلاص سيدة من سجن عباس.
 و في المساء كانت سيدة تستقر في شقتها فوق السطح , ونامت سيدة ليلتها و جابر في أحضانها و هي تحس بنعمة الأمان و الأستقرار . في الصباح ذهبت سيدة لتبحث عن عمل فقال لها الناس أن الدكتور عبد الرحيم يحتاج الى أحد يعاونه فى عيادته و لم تنام سيدة ليلتها التالية إلا وقد تأكدت لها سبل الإستقرار في حياتها الجديدة و قبل الدكتور عبدالرحيم التحاقها بالعمل في عيادته و وباعت جزء من مصاغها لتسجل جابر في المدرسة الكائنة بالقرب من معروف و بدات أولى خطواتها في طريقها الجديد و وقد إمتلئت نفسها بشعور السكينة و الأمان .

 و مرت الايام بسيدة و هي راضية ومستقرة فى حياتها , راضية بكل ما فيها من جهد و مشقة ، و في أحد الأيام جلس جودة الذي يعمل معها فى عيادة الطبيب يقلب بصحفات جريدة الاهرام فأخذ يتمتم وهو يقرأ ويقول : اوقف القتال بعد ان وصل اليهود الى العريش , حسنا لنرى الوفيات الا ثم صاح : ما هذا ؟ اليست هذه هي جماعة روض الفرج أصحابك وأحبابك الذين تزورينهم ؟ إن حرم المرحوم محمد و والدة الأستاذ حمدي قد توفت بالأمس و شيعت جنازتها . في اليوم التالي ذهبت سيدة الى بيت الست فاطمة و سمعت سيدة العمة و هي تقول : الحمد لله لقد تحققت أمنيتها قبل ان ترحل , كانت أمنيتها ان تزوج كوثر لحمدي .. ذا لقد تزوج حمدي بكوثر و لمحت سيدة هناك حمدي وهو يودع بعض المعزين على باب غرفة الإستقبال , إن هذا الصبي النظيف الذي رد عنك في يوم ما غائلة الجماهير قد شاب رأسه و تسللت التجاعيد الى وجهه , الصبي قد اضحى رجلا .

 ذات يوم فوجئت سيدة برجل شرطي يطرق بابها ويسلمها ورقة مطلوب فيها إستدعائها الى قسم قصر النيل ، عبرتسيدة باب القسم ووقفت أمام الضابط الذي قال لها : مطلوب منك ان تحضرى إبنك جابر الى القسم لكي يراه أبوه مرة كل أسبوع , لقد أخذ أبوه حكم برؤيته ، عليك أن تحضريه كل يوم اثنين الساعة 12 هنا أصبحت سيدة تذهب بجابركل ظهر اثنين الى قسم قصر النيل ليراه أبوه و في يوم قال عباس لسيدة : لن يطول الامر حتى أريكي نجوم الظهر , بكرة استحق الولد وسأخذه منك , إن شا الله عينك مش حتشوفه إلا بالبوليس , عشان تعرفي ما تعطيني الفلوس يا سيدة يا بنت جابر , تذكرت سيدة أنه بعد سنوات سبع يصبح الولد من حق أبيه و لكن هل يمكن ان تحكم المحكمة له بالصبي ؟ إنه غير أهل لتربيته ؟ مصيبة يا سيدة !!!! ولم يطل الأمر بها إلا وعباس قام بطلب ضم جابر اليه بالقانون و بعدها جاء اليها عباس و قال : أريد خمسمائة جنيه فذهلت سيدة فكل ما تبقى لديها من مصاغ لا يساوي نصف هذا المبلغ فقالت : أقسم أني لا أملك المبلغ ! و فشلت محاولة التفاهم معه ،وما هي إلا أيام وحكمت المحكمة بضم جابر الى عباس !, توسلت سيدة و بكت و صرخت و تشنجت و شتمت عباس و المحكمة و البوليس و كفرت بكل شيء .

 مضى يومها الأول من دون جابر و وأثناء شغلها في عيادة الدكتور كانت دموع عينيها تنهمر فلا تكاد ترى من خلالهما سوى صورة الصغير الباكي و أخذت تروح و تغدو بين الامهات و أطفالهن المرضى غائبة الذهن لتتخيل جابر في كل صبي يلتصق بحضن أمه ثم طلبت من البواب أن يشتري لها كل الاطعمة و الفاكهة التي يحبها جابر كي تحملها اليه في الظهيرة , كيف تتركين ابنك يا سيدة لهذا الاناني الاحمق الأهوج ؟ إذهبي اليوم وبيعي مصاغك و أعطيه ثمنه ثم حاولى أن تدبري له البقية إقترضي من الدكتور و من جودة و من أم سيد و إذهبي الى حمدي و إساليه أن يقرضك ما يستطيع ،شعرت سيدة ببعض الراحة و هي تصل الى هذه النتيجة ثم حدقت ببصرها من خلال الشرفة الى الطريق و هتفت : جابر , لقد أبصرت جابر على الرصيف المقابل إنه هو بعينه يقف ينظر الى البيت , لا بد أنه قد هرب من بيت عباس و مشى يسال عن البيت حتى اهتدى اليه , فهو يعرف العنوان جيدا , ويعرف اسم الشارع و نمرة البيت وكذلك عيادة الدكتور لطالما لقنته وحفظته العنوانين اياها حتى لا يضل طريقه , عاد جابر اليك يا سيدة , صرخت سيدة بجابر حتى يبقى في مكانه الى أن تنزل وتأخذه و قبل ان تحذره من عبور الطريق صاح ينادي امه في فرح ثم إندفع راكضاً يعبر الشارع الى الرصيف عنده أبلت إحدى سيارات الأجرة تعدو مسرعة و فوجئ سائقها بالصبي يمر أمامه فجأة و سمع الناس صوت فرامل تعوي و امتزجت صرخة الصبي بصرخة أمه الواقفة في الشرفة و عندما حضرت سيارة الإسعاف قال رجل الإسعاف : لا فائدة , ليس بمقدورنا أن نفعل شئ , الصبي مات ! حينها صاحت سيدة : جابر , جابر . 

هل حقيقة أنها لن ترى جابر بعد الآن ،لن تطعمه و لن تذهب به الى المدرسة و لن تحمي جسده الصغير و تحمله عاريا على كتفيها ؟ ماذا تصنع بحياتها بعد الآن ؟ ولماذا تشقى و تكد وتتعب من أجل توفير النقود التي تعد له بها الملبس والمأوى وتهيئ له بها الذهاب الى المدرسة ؟ اين المفر من العذاب والوجع يا سيدة ؟ آه يا رب عقابك أقسى من كل ما فعلت من ذنوب , أعلم يارب أن ذنبي كبير, ان كنت قد سرقت أو سلكت طريق الخطيئة وأعلم أن توبتي لم ترق الى أمل عفوك و غفرانك , و لكن يارب ..عقابك أكبر من طاقتي و عذابك أقسى من قدرتي ...... 

و بعدما مرت الأيام التقى عباس بسيدة في المقابر , أقبل عليها حزينا محطما وموجوعاً و قد نما شعر ذقنه أشيب مشعثاً و قال فى إنكسار : سامحيني يا سيدة أرجوك , أنا على إستعداد لأن أبقى تحت قدميك وأرجع خادم مخلص لك ، فقالت : لا فائدة ترجى من هذا الكلام يا عباس , دعني في حالي و إذهب في لشأنك وليسامحك الله , و توالت لقاءاتهما بعد ذلك بضع مرات في المقبرة يجلسان في سكون وفي صمت إلى أن جاء يوم آزال فيها التنظيم المقبرة لعمل مشروع لتوسيع الشارع و ذهب جابر و ذهب معه مثواه الذي كان يؤنس سيدة في حياتها .

 سال جودة سيدة ذات : ما هي أخبار جماعة روض الفرج ألم تزوريهم مؤخراً ؟ فقالت : ذهبت عندهم منذ مدة و قد وضعت كوثر ولدها ولم أذهب اليهم بعدها فقال : ألم تخبريهم بما حدث لك؟ فقالت : و ما الفائدة من ذلك ؟ الناس لديها همومها و لا أريد ان اثقل عليهم ،و في ذات صباح أقبل عليها الدكتور عبدالرحيم ليسالها : الليلة الماضية سهرت عند أحد الزبائن طفلهم الصغير مريض بالتيفويد وهم بحاجة الى أحد كي يسهر الليل معهم أتستطيعين السهر يا سيدة ؟ فقالت سيدة : أين يسكنون ؟ فقال : في روض الفرج في بيت الأستاذ حمدي السمادوني ، أطلقت سيدة تنهيدة وقالت : أجل سوف أذهب يا دكتور إنهم أولياء نعمتي وأهلى . 

في مساء اليوم أقبلت سيدة على بيت روض الفرج حيث كان الصغير المريض , فتحت لها كوثر الباب و رحبت بها كثيراً، و عندما حضر حمدي من عمله أخبرته كوثر ان الممرضة التى حضرت هي سيدة و بدت الدهشة على وجه حمدي ثم أعقب الدهشة شعوره بالرضا والارتياح . بدأت عملها سيدة في بيت حمدي , كان محمد الصغير كما سموه بإسم جده في غيبوبة دائمة نائماً في فراشه مغمض العينين لايقوى على الحركة ،و بعد سهر ليالي طويلة و بعد طول عناء و عناية من الله ، هبطت حرارة الطفل و فتح عينيه و عندما زالت الغمة أقبلت كوثر على سيدة و قالت : لست أعلم كيف أستطيع أن أشكرك يا سيدة و أقبل حمدي يقول : كنت أعلم دوما أنك مخلوقة خيّرة و أن معدنك معدن طيب كريم و لست أعرف كيف أرد جميلك هذا ، ثم ربتت كوثر على ظهر سيدة و قالت : أعتقد أن الوقت قد حان كي تذهبي الى جابر فقالت سيدة : جابر رحمة الله عليه فقالت كوثر فى ذهول : ما الذي تقولينه يا سيدة ؟ فقالت سيدة : جابر مات ، فدنى حمدي منها و جذبها نحوه و ضمها اليه فإبتعدت سيدة و قالت : سوف أعود الى عملي لقد طالت غيبتي عن عيادة الدكتور فقال حمدي : هل تبقين معنا ؟ لقد أضحيت واحدة منا فقالت سيدة : أتمنى لو أني أقضي عمرى معكم و لكن لا أريد ان أثقل عليكم فنظر اليها الصغير و قال : إبقي معنا ألا تحبينني ياسيدة ؟ فقالت وهي تحاول منع دموعها من النزول : أحبك كعيني .

 إستقرت سيدة في بيت حمدي بعد أن تخلصت من شقتها بما فيها و وإعتذرت للدكتور عبدالرحيم عن مواصلة العمل عنده ،و إستقرت سيدة أخيرا ليست كشغالة ولكت كواحدة من أهل البيت وفرد من أفراده .
 في ذات صباح شعرت سيدة بالآم في بطنها و إشتكت لكوثر و إمتنعت عن الطعام بضعة ايام و فقدت شهيتها للأكل والشراب حتى ضمر جسمها و بات جلد على عظم و في أخر مرة قال الطبيب لحمدي : أظنها اوراما خبيثة التي فى بطنها و لست أرى فائدة من أي علاج , و عرف الحقيقة كل من في البيت و أدركت سيدة أن معركتها هي مع الموت قد حان أجلها و أن كل أملها في أن تخرج من المعركة بلا آلآم . 

تمرالآيام و سيدة تزداد نحولاً وضمورا ووضعفاً, الموت ! ليته يعلم كم هو مريح , مللت من معاركك معه فليأتي , لم يبق لديك حاجة في الحياة لم تقضها , نلت كل ما إشتهيت من دنياك , وبت قريرة , هنية البال يا سيدة , ضمك سقف واحد مع أمنية عمرك و رعيت له إبنه و وأضحيت له أكثر من أم و و رعاك واهتموا بك هو و زوجته . و في اليوم التالي اشعرت سيدة بأنها افضل حالاً ،وتمكنت من أن تنتقل الى الصالة فجلست على أحد المقاعد وجلست سميرة الصغيرة إبنة حمدي بجانبها تتحدث معها و فجاة ركضت سميرة الى الخارج و رجعت تقول : واحدة تقول إنها حرم الأستاذ عبدالحميد تريد أبي , إنها سيدة سمينة و معها رجل , حينها خرج حمدي من حجرته و نهضت سيدة متحاملة على نفسها بإتجاه الباب كي تدخل الضيوف و أقبلت الطارقة و قالت : حمدي بك , الم تعرفني ؟ و هتف حمدي بإندهاش بعد ان ميزها : أهلا صفاء هانم تفضلي و أقبلت كوثر ترحب بصفاء و من ورائها شاب طويل قدمته الى حمدي قائلة : هذا إبني ممدوح خريج كلية الصحافة فقال حمدي لكوثر : صفاء هانم جارتنا في جنينة ناميش , إنسحبت سيدة من الغرفة , هذه هي صفاء , ترى هل يمكن أنه ما زال في نفس حمدي بقايا لهذا الشعاع الذي كان يكنه لها والذى طالما شع من قلبه نحوها عندما كانت تقف في النافذة وقت الغروب و قد بدت فتاة رقيقة حالمة يتهدل شعرها على كتفيها , ترى ألا تزل صفاء هي وحدها القادرة على أن تمنحه هذه الوردة ؟ ما اشد سخرية الزمن بمشاعرنا و بمواجعنا , قالت صفاء : ممدوح تخرج هذا العام و أبواب الحكومة مغلقة أمامه و انا قلت لابيه ان العشرة قديمة بيننا و أننا كنا جيرانا و أنك لن تتاخر عن مساعدتنا و تلبية أي طلب لنا فقال حمدي : طبعا طبعا أكيد , تمر غدا الى المجلة و سافعل لك كل ما يلزم . 

في اليوم التالي إقترب حمدي من سيدة فقالت له : لي رجاء عندك ولكن لا أريد أن أثقل عليك به فقال : خير ؟ فقالت : ،ن أدفن في مقابر العائلة في مدافنكم مع المرحومة الغالية و سيدي الكبير فقال حمدي : لا داعي لهذا الكلام الآن ربنا كريم سوف يشفيك ويطيل عمرك . و في ذات صباح احست سيدة بألم شدبد يوجع بطنها ,لقد بدأ صراعك مع الموت يا سيدة , لماذا لا يتركك تخرجين في هدوء ؟ إنك لن تقاومينه بل على العكس إنك ترحبين به , لماذا التجبر أمام استسلامك و استكانتك , لماذا لا يجنبك الموت مذلة العذاب ؟ و فجأة , ذهب الآلم , لم تعد سيدة تحس بشيء , ملكت حريتك أخيرا يا سيدة , لم تعودي عبدة بعد لحاجاتك و لا لمشاعرك و لا أحزانك و لا ألامك وأوجاعك , ها أنت تنطلقى متحررة من كل متاعب الحياة و مواجعها , و في سكون حملتك الأكف في طريق نزاع الموت وأشواكه ليسجيك في مرقد آنس في صمته من كل ضجيج الحياة , و على مرقدك القابع هناك ذرف الأحياء دمعة كانت أندى على روحك من كل نعم العيش ووضعوا وردة محت لمستها كل ما أدمى قلبك من أشواك الحياة ...


                                                 النهاية



إرسال تعليق