الاثنين، 11 يونيو 2018




تلخيص رواية:
 فصول الصيف الأربعة: غريغوار دولاكور. 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.


 

 في ذلك الصيف كان كابريل (المطرب فرنسي الاصل ) يغني أغنية "خارج الصيف" وكان كل الناس يغنون كابريل. حل ذلك الصيف بطريقة سريعة . وفي الحقيقة ارتفعت درجة الحرارة على حين غرة ووصلت إلى فوق العشرين منذ اجازة نهاية الأسبوع الأخيرة في الشهر الخامس من السنة. عندئذ بدأنا نسمع تباشير الضحكات في الحدائق، و صرخات الفتيات المذهولات بالشمس وهن نصف عاريات. وبدأ الرجال يقابلون بعضهم البعض في المساء يشربون النبيذ البارد الوردي.
في ذلك الصيف كان هناك فيكتوار. وكنت أنا. كانت فيكتوار فاتنة الجمال. ذات عينين زمرديتين و شعر ذهبي ، كأنهما حجران صغيران كريمان. كانت فيكتوار في سن الثالثة عشر وكنت أنا في الخامسة عشرة. كنت أتمتع بهيئة بالغ صغير ، كما تقول والدتي . كان صوتي أجشاً كأصوات الرجال في الصباح الباكر . كانت فيكتوار صاحبتي . وكنت أحلم وأتامل أن أغدو أكثر من صاحب . 

بداية ذلك العام خسرتْ أمي عملها . كانت تعمل كبائعة في محل مود دو باريس بمدينة ليل. بعد أسابيع متتالية من التوسل والزعل ، سجلتْ في دورة محاسبة. 

 بعد وفاة والدي بنوبة قلبية، لم تحظ أمي بالحماسة لتفتح قلبها لشخص ثاني بعد ابي . فلن يعوضه أحد. كانت تظن أن الحب وحيد. أنه لا يمكن ان نستبدله البتة. كنت في الثالثة من عمري. عندما كانت تصف لي يديه، وعذوبة بشرته، ودفء أنفاسه. وأنا اكبريوما بعد يوم ، حلمت بشقيق او شقيقة، ولكن أمي ظلت وفية لحبها المفقود للأبي . في ذلك الصيف، الذي خسرت والدتي فيه عملها، لم نذهب اجازة الصيف المعتادة . قالت لي والدتي حينها : أنا آسفة، اعذرني يا لويس .

 كنا نمكث في سانغان ـ آن ـ ميلانتوا. قرية لا تماثل شيئاً عادية ولا يميزها شئ عن جميع القرى الثانية . قرية يعرف فيها الناس بعضهم البعض لكن أشياء كثيرة قتلت فيها ، والاكاذيب فيها كما الحقائق . فغياب المستقبل فيها يثير أفكاراً بائسة محبطة ويجعل الغضب يصل لاوجه ، والناس تختفي، في الليل .

كان أهل فيكتوار يمتلكون بيت ضخم . والدها يعمل مصرفي في بنك كريدي دو نورد في بلدة ليل. ليس فكاهياً أو مسلياً على الاطلاق، كما تقول فيكتوار. أما أمها "ربة منزل". لدى فيكتوار شقيقة اكبر منها . جميلة جداً حسناء في السابعة عشرة من عمرها اسمها بولين، شخصية ممزوجة بشيء من النكد والشغف الذي يرعبني و يصدمني في الوقت ذاته . شيء يثير الرعشة في كل جسمي. يثير نشوته. وإذا ما حصل لي أن حلمت أحياناً في الليل، وأنا في الخامسة عشرة من عمري، فإن جسم بولين هو ما كنت أحلم وأفكر فيه. لكن فيكتوار هي من كنتُ أحبها . 

في بداية الشهر السابع من السنة ، سلك نصف سكان البلدة في طريق توكي أو سان ـ مالو فيما سلك النصف الثاني في طريق كنوك ـ لو ـ زوت أو لابان. وبقيت أنا وفيكتوار في سانغان. وكذلك والدتي التي راحت تبوب حساباتها. وأيضاً والدها الذي كان يَدرسْ طلبات قروض التلاميذ . وأمها. كان لدينا جيران من آل دولالاند. زوجان في الاربعين من عمريهما ، دون أطفال، يُشكلان عائلة جميلة . كانت الزوجة تنظر لزوجها بعيون المتتبعة والعاشقة. وبسبب علاقتى الجيدة مع الجيران، فقد كلفني غابرييل دونالد أن اعتني بتنظيف و ترتيب مسبحه حين يرافق زوجته إلى ساحل الباسك. ستوفر لي نقود صيانة المسبح مبلغاً لاشتري دراجة نارية يوم بلوغي سن السادسة عشرة .

كنت متشوقاً لان تنضج فيكتوار. كنت أتعجل أن تختفي طفولتها البريئة . وكنت متلهفاً لأن تفوح منها الروائح الواخزة و الحارة التي أشتمها عندما أمشي خلف بولين، ووراء بعض النساء في الطريق. كنا، فيكتوار ولويس، وحيدين في العالم. ولم نكن نترك بعضنا على الاطلاق . ولكن الطفولة حينها كانت لا تزال تنازعني عليها. لذلك رحت امنع رغباتي كصبي. وأخذت أتعلم الصبر،.

 بدأت  والدتي تخاف وتقلق علي . كانت تُفضل أن أصادق اولادا من عمري، وأن ترى ركبتيَّ داميتين من كثرة المشاكل . تمنت قمصاناً ممزقة. تمنت لي مُراهَقة مُشعِرة خشنة. رجولية.. وخشيتْ علي من أن يجعل غياب الأب مني شاباً مخنثاً. كنت في ذلك الوقت طفلاً قليل الكلام. أحذر الفظاظة والعنف. ولم يكن الصبية ينتبهون لوجودي . بل كان التلاميذ يسخرون مني في بعض الاوقات ، وتجرأ أحدهم ذات يوم ونعتني ب لويز فاحسست بالإهانة .

 راحت أمي تكرر: لا يمكنك أن تمضي كل اوقاتك مع فيكتوار, يلزمك اصحاب . قلت لها : إنها صديقتي ! فقالت : لكن ماذا تعملان طيلة النهار؟ فقلت : أنتظر !! أنتظرها أن تكبر يا والدتي . حينها احتضنتني أمي، وضمتني حتى كادت أنفاسي تنقطع . ثم قالت : إنك مثله يا لويس. إنك تشبه والدك ! 

في آخر 14 يوليو من القرن الفائت، اصطحب المصرفي زوجته وابنتهما إلى شاطيء البحر. اصطحبتني فيكتوار معهما إلى الشاطيء. حينها أمسكت فيكتوار يدي و مشينا بعيدا. سنتسكع ونعود! وفي إحدى الزوايا، بمنأى عن كل الانظار ، تمددنا جنباً إلى جنب. قالت لي : هل تعلم أن نهاية العالم سوف تكون بعد ستة أشهر. فقلت لها : إذا كان صدقاً نهاية العالم ستحدث قريباً، فإن هذا هو آخر شيء ارغب في ان احصل عليه . فقالت : ما هو هذا الشيء ؟ فقلت : قبلة. ندت عليها ضحكة بريئة . قالت: هيا. قبّلتها. نظرتْ إليّ وقالت: لا اعلم إن كنت مغرمة بك يا لويس. الحب هو حين يمكن للانسان أن يموت من أجل شخص ما. حين يكون لديه عينان تحرقان و يدان تلسعان حين لا يعود جائعاً. وليس لدي يدان تلسعان معك. لقد سارعتْ فيكتوار إلى إيجاد عالم من غيري من دون حبي المعذب. وشهوتي المتحرقة. احسست حينها أنها أخرجتني منها. 

كانت فيكتوار حبي الأول الحزين . والأخير أيضاً . 

 في نهاية شهر يوليو، سافر أصحابُ عطل الشهر الثامن من السنة . وفرغت سانغان من سكانها . كان الجو حاراً جداً. ورحت امضي اوقاتي في مسبح الجيران. وذات يوم قدم غابرييل فقلت له : غابرييل هل رجعت ؟ المفروض أن تعود في بداية الشهر القادم . فقال لي : أجل، رجعت . عدت وحيداً. أما هي فرحلتْ. ذات صباح، لم تعد هنا . فكرت أنه لا يمكن لامرأة أن تتخلى عن رجل بمثل هذه الوسامة. ارتعشت. هز غابرييل كتفيه وقال : النساء تهجرنا هذه أمور تحدث. ! 

يوم الثلاثاء من أغسطس ذلك الصيف, أشار بيده لي غابرييل من شباك حجرته . لم يكن حينها وحيداً. لكنه لم يكن أيضاً برفقة زوجته. فهي لم تعد. لا. إنه الان مع امرأة ثانية . ذكّرني لون شعر هذه المرأة المجعد والأشقر بلون سنابل القمح، ذكرني بشعر فيكتوار. كان يقف امامها ، يتكلم ويتكلم. وفي يوم الأربعاء، بعد الظهر في نحو الساعة الرابعة ، وجدت فيكتوار ممددة على بطنها قرب حوض السباحة في بيت غابرييل. سألتها: ماذا تعملين هنا ؟ فقالت: أفعل ما يحلو لي. لقد سمح لي بان اتي حين يحلو لي، سواء كان هنا أم لا! ثم هبت واقفة وقالت: أنت لا تفهم اي شيء ثم اختفت ! 

 عدت يوم الخميس إلى حوض السباحة في الوقت ذاته، على أمل أن الاقيها هناك. كنت قد فهمت أخيراً. فيكتوار ذات الثلاثة عشر سنة التي اشعلت في قلبي النار، سوف تشعل النار من الآن فصاعداً في أجساد الأخرين . وفي جسدي،. ستوقظ صحوتها كل الشهوات.

 في يوم السبت الموافق للرابع عشر من أغسطس، سمعت صوت غابرييل حتى قبل أن المحه بعيني . كان في الخارج. يتكلم ويزبد وهو يقوم بحركات كثيرة في يديه . حين لمحتها، بلعت ريقي وكدت أختنق: كانت فيكتوار تقف في مواجهته. عارية تماماً. صفعها. فهربت و هي تبكي و تصرخ : أنت لا تفهم شيئاً ! وحين علم غابرييل أنني رأيتهما سوية صاح : تعال! عد، يا لويس! ليس الأمر كما تعتقد على الاطلاق ! لكنني هربت بدوري. انطلقت لألحق بصاحبتي الضائعة .

 صباح يوم الأحد، لم يجري اي شيء . أما في فترة ما بعد الظهر، فقد مزقت صفارات إنذار مركبتي بوليس الصمت المبطن في القرية. توقفت السيارتان على بعد أمتار من بيتنا . وبعد برهة دقوا جرس باب غابرييل. وخلال دقائق اخذوه في واحدة من المركبتين , وانطلقتا. بالتأكيد لم نستطع أن نعرف ما الذي حدث على الفور. وبعد ذلك سمعنا أن غابرييل أغوى بنت صغيرة . اغتصبها. سمعنا أنه أراد ان يختطفها . سمعنا أن فيكتوار قطعت شرايينها بمقصات. قررت أن أرابض بجوار بيت فيكتوار. لكن نوافذه ظلت مغلقة بكل اصرار . جاءت لي أمي وقالت: هذا الصباح عاد غابرييل. وفيكتوار بخير الآن. لم يلمسها. صفعها وحسب. رغبت هي في ان تغوي غابرييل،. فعلتْ ذلك كما تفعله كل الفتيات ، إيفاءاً لوعد قطعنه لأجسادهن. ولكنه لم يرغب في هذا وصفعها. فعادت إلى بيتها مهانة و غاضبة ، وابتلعت كل الأقراص التي لاقتها في الحمام .

لم أرَ فيكتوار مرة اخرى في ذلك الصيف. كتبتُ إليها رسائل و تركتها في بيتها ، ولكنها لم ترد. بعد عودتها من عطلة شهر سبتمبر، سجلتْ في معهد مونت روزا في سويسرا. وعرض غابرييل بيته للبيع . في الصيف الذي يليه أصبحتْ لديّ هيئة رجل. كنت ناحلا و طويلا . راحت فتيات القرية يتطلعن إلي ويبتسمن. وحاول بعض الاولاد ضمي إلى عصابتهم. لكنني فضلت ان ابقى وحيدا . وفي ذلك الصيف، شاهدت فيكتوار ثانية، لمدة لحظات . كانت بصحبة شقيقتها بولين. لوحت لها. نظرتْ إليّ. لقد كبرتْ ونضجت هي االأخرى . وجدتها أجمل. ردت على تحيتي. فقلت لها: هل ستنتقلين إلى إسبانيا ؟ فقالت : نعم . 

منذ عام لم ترجع فيكتوار إلى سانغان. فضلتْ ان تفضي عطلتها في سويسرا. كانت والدتي تتوسل لي : التق بالفتيات، إعشق، إنس ما مضى ، إنساها. كنت أبتسم. وفي 14 ابريل عام 2004 ، يوم بلوغ فيكتوار الثامنة عشرة، رحت أحمل وردة كل يوم إلى البيت التي تسكن فيه مع مستأجرة أخرى في شامبري. كنتُ في العشرين من عمري. وردة قبس بيضاء: إنها إعلان حبي. نبتة قلم يابانية فحم : إسمك محفور في قلبي. كزبرة الثعلب: أنتِ حبي الاوحد . أقحوان أحمر: أحبك. وأخيراً، إثنتا عشرة زهرة حمراء: هل ترغبين بالزواج مني ؟ 

 لم أتلق أي رد. ذبلت كل ازهاري و ورودي على ما أتخيل. ولا بد أن فيكتوار ضحكت من كل قلبها . وبعدها أصبحت لا أخرج إلا قليلا . علمتني أمي شيئاً أخيراً. أحزان الحب هي شكل من أشكال الحب ايضا .

 ......................................... 

اظن أنني كنت هنا على هذا الشاطيء في أول 14 يوليو قبل خمسة وثلاثين سنة . تعاقبت فصول صيفي في هذا المكان ، بين هذا الشاطيء وبين شقة في شارع باريس، اشترتها جدتي حين كانت توكيه تسمى باريس بلاج. بقيتُ إبنة وحيدة. وفي يوم 14 من الشهر السابع في السنة ، أطلق أبي النار على قلبه حين اكتشف المختصون أن هناك شيئاً خطير في قلبه . 

لم أكن محظوظة مع الرجال على الاطلاق . كما أنني لم أكن محظوظة مع جيروم. لطالما تساءلت عن حياتنا وماذا لو أننا ظللنا سوية ، لو أننا امتلكنا الشجاعة الكافية لنبقى معا ونواجه التحديات معاً ضد كل شيء، لو أننا انتصرنا على اولى محاولاتنا في ذلك الصيف. في نهاية ذلك الصيف، رجعت الى بيتنا في أنستانغ قرب مدينة ليل، حيث أوقف والدي نشاز قلبه بطلق ناري. ألفيت نفسي بلا شقيق ولا شقيقة . استأنفتُ الحياة. انتظرتُ اي مكاتيب من جيروم ولكنها لم تأت البتة . في سن السابعة عشرة، منحت نفسي لجيرومٍ ، لأجله؛ و كانت اول تجاربي جليدية. بعد بضعة اعوام ، صادفت زوجاً. بعد بضع ليالي حب، وبضع ليالٍ محمومة، سقطت في الحمل. أليست الكلمات مضحكة. أقع في الحمل بعد ان اقع في الحب ، ، ثم أقع من علٍ. لم يكن لديّ حظ كبير مع الرجال. وها أنذا في سن الخامسة والثلاثين. إبنٌ في التاسعة من عمره، وأم لم تزل شابة . 

أعمل في مدرسة ثانوية مهنية كمعاونة مدير. لا أحب شغلي . أيامي تعبق برائحة الغبار ويخنقني الملل. فبعد أن هجر ني ببرود أب هيكتور اضطررت إلى إيجاد شغل على وجه السرعة . وقبلت أول عمل محتمل . 

  أمضى هيكتور بعد إختفاء والده العام الأول عند أمي لأنني كنت أقضي أيامي باكية. ولأن الهجروالفراق دون معرفة السبب يقودني للجنون . وفي ما بعد، أغرقت ألمي في أحضان رجال عديدين . وعندها بدأت مأساتي مع الرجال. ثم عاد هيكتور لان يحيا معي من جديد وعاد الضحك أخيراً. عدنا إلى توكيه وحاولنا أن نعيش كاسرة سعيدة . وجاء 14 يوليو. وبدأت الأوركسترا فوق السد تعزف النوتات الأولى من أغنية "خارج الفصل"، الأغنية الجديدة الشعبية لكابريل. رقصتُ مع العديد من الرجال الذين لاأعرفهم . ثم رحت أمشي على الرمل البارد صوب الشاطئ ، حاملة حذائي بيدي. أخذت أرتعش، كان الهواء عليلا وريح شرقية بدأت تهب. وبعد عشر دقائق، رأيت جسداً ممدداً على طرف الماء. كان جسد رجل كبير في السن ، مثل شجرة هزيلة. قلت: هل تسمعني؟ حينها تحرك الرجل. اخذته بعيداً عن الماء. أرقدته على جنبه، وغطيت بطنه بمعطفي الخفيف ورحت أركض نحو السد, نحو أضواء المدينة , نحو الأغاني. ركضت حتى لم أعد اقدر على التنفس وتمكنت من إبلاغ رجال الإسعاف . وفي فجر اليوم الذي يليه سافرتُ إلى بيرك. رغبت في ان اعرف اي تفاصيل عن غريقي. رغبت بلقائه ورؤية وجهه في النور . غريقي نائم، وحالته مستقرة. وفي حجرة استقبال المشفى توقف قلبي عن الخفقان . رأيت هناك جيروم، الذي تركني في صيف العام الخامس عشر. افترقنا بلا وعود، بلا مقدمات بلا قبلة أخيرة ولا دموع،. ابتسم وسار باتجاهي ، فأخذ قلبي يخفق. اقترح أن نتناول القهوة. نزلت معه إلى استراحة المشفى. كان يطفو على وجهه كل ما أحببته فيه رغم اجهاد الاعوام الطويلة . ازداد وزنه قليلاً، ولكنه بدا ألطف. نظر كل منا الى الشخص الاخر مطولاً وملياً. وبقينا صامتين لفترة. بعدها اصطحبني إلى حجرة غريقي. قالت الممرضة: استيقظ منذ قليل للحظات . ولم يتلفظ إلا بكلمة واحدة. روز. بعد ذلك، انزوى رأسه الى جانب كتفه ، كدمعة .

 في العصر، التقيت به مجددا على باب المشفى. خرجنا إلى منتزه دوبيير. راح جيروم يتكلم عن ذاته ، وعن حياته. وكيف درس الطب، تسع اعوام دراسية. ثم حكى عن حكاية حبه مع امرأة اسمها كونستانس. فسألته: ألديك أطفال ؟ فقال : ماتيو وزووي. وأنتِ يا إيزا ؟ حينها اخذ قلبي يدق بعنف . أنا التي عرفت الخيانة، والشفقة، عنف الرجال، وعنف حبهم السخيف منحت نفسي لأول جيرومٍ لاقيته في حياتي ، ولم أشف منه أبداً. كان حب حياتي العظيم. قلت لجيروم : أنا عندي ابن فاتن يدعى هيكتور، في التاسعة من عمره، وأبوه انتقل منذ بضع سنوات.

عند اختفاء زوجي، كانت السماء تمطر. لم أره من وقتها مرة ثانية على الاطلاق ، ولم أسمع عنه خبراً. فقط استلمت مكتوبا بعد ما يقارب العامين. مُوقعة من محامي. ترك لنا فيها البيت الحديث ، وكل ما يحتويه من الذكريات. وقّعت على الأوراق، ووافقتُ على الانفصال ، وضحكت من هزيمتي وذلي . 

جاء رجال البوليس لاستجواب الرجل الذي أنقذته ومعهم طبيب نفسي. عرضوا صورته في الشوارع ، ولكن لم يتعرف عليه أحد و لم يره أحد ، ولا يعرف أحد ما كان يعمله هذا الرجل العجوز على شاطيء البحر البارد في ذلك الليل من يوم 14 من الشهر السابع الاخير في هذا القرن. جلبت للرجل العجوز وردة جورية، وجلست اتطلع اليه وهو نائم كما أراقب إبني. فجأة ، فتح الرجل العجوز عينيه ، ورأى الوردة الجورية لجانبه . ابتسم، ودون أن أعلم السبب، منحتني ابتسامته الرغبة في البكاء. ثم نظر إلى الوردة وقال : آه، ، شكراً يا آنسه إنها قرنفلة ، شكراً. ثم أغمض عينيه وسأعلم بعد ذلك أنه لن يفتحهما ثانية. نزلت إلى المقهى و قابلت جيروم هناك ولكنه بقي مصراً على عدم النظر إليّ , يجب ألا نرجع الحياة إلى قصص الحب الأولى ، يجب أن نتركها هناك حيث هي في ظلمة الذكريات المريحة.

  لم أر بعدها جيروم ثانية على الاطلاق . أمضيت الخمسة عشر يوماً من شهر يوليو على شاطيء توكيه ألعب مع هيكتور و نتلو كتبا و نستفيد من وجودنا. وبدأت أرى وأحس بإبني ينضج امامي . وأمضيت شهر أغسطس في التحضير للرجوع إلى المدرسة الثانوية. وفي احد المساءات ، عاد إليّ هيكتور مصفرا ، بارد الجبين. كانت لديه نظرة ابوه القاتمة ذاتها وفهمت عندئذ أن الطفولة تركته الى نهاية عمره . سألته عما يضايقه، إن كان قد تشاجر مع احد من اصحابه . قلت له : إن الأم تبقى إلى جانب ابنها على الدوام حين لا يكون بطلاً. راح يبحث عن كلمات رجل ناضج ، لكنّ الكلمات لم تسعفه. شعرت فجأة بعدم القدرة على مواجهة إبني الصغير، إزاء خيبته الكبيرة الأولى . وأرعبني أن أرى أن ولادة أول حب هي مؤلمة دوما .

آخر ايام الصيف ، أقنعت ولدي أن أحزان الحب هي أيضاً شكل من أشكال الحب. وأنه يوجد نوع من الفرح والغبطة في الحنين إليها. ومع مرور الأيام اكتشفت أنني أنا أيضاً ارتحت . تخليت عن شره الرجال وعن نفاذ صبري، ولم أعد اجعل عذاباتي تكتب حكاية عمري . وصرت أول صيف من هذا القرن أذهب عصر كل يوم إلى المقبرة، إلى الركن المخصص لمجهولي الهوية. أحمل وردة كزبرة الثعلب على الدوام وأضعها على الشاهد التي نقش عليها أخيراً إسم قررت البلدية أن تعطيه اياه . السيد روز. وفي برودة الليل، بانتظار حظ أوفر مع الرجال، كنا نتكلم أنا والسيد روز عن الحب . 

........................................... 

أنا موجود هنا في هذا اليوم 13 من شهر سبعة عام 1999 وحيدة، أقود مركبتي على الطريق الذي يؤدي إلى توكيه التي لم أزرها من قبل. يبث الراديو أغنية كابريل "خارج الفصل" للمرة الثالثة هذا الصباح تبدو لي الكلمات كئيبة وباردة كالجليد بالنسبة إلى أغنية صيف. كنتُ أفضلُ في دفء سنيني الخمسة والثلاثين، في التوق الذي استعاده جسمي واستقر أخيراً بعد ثلاث حالات حمل. لكنّ الصبي الذي أحببته، الصبي الذي نظر إليّ وأنا أمشي على الشاطيء، والذي صار فيما بعد زوجي، ثم والد أطفالي، لم يعد يتطلع إليّ . 

في الغد سأبلغ الخامسة والخمسين من عمري. ولدت في يوم 14 من شهر سبعة من عام 1944. منذ خمسين سنة ، أطلق عليّ ابواي إسم مونيك. كان ذلك متلائما مع روح العصر . كنت أفضل إسماً أكثر أنوثة و أقل حدة . إسماً له طعم السكر في فم الرجل. مثل جيان، أو لويز أو ليليان,. غداً سأسمي نفسي لويز . 

سأكون في توكيه خلال أقل من ستون دقيقة . ، سأكون في غرفة الفندق التي حجزتها لذاتي لمدة يومين في الفندق. غداً سأجرب السباحة على الشاطيء، مع أني اعلم كل العلم أن جسدي يحمل آثار معركتي . فثمة رسوم أشواك أسفل بطني لأن اولادي الثلاثة كانوا ثقالاً. وثمة أوردة بارزو أعلى فخذي. إلا أن قوامي بقي رشيقاً، ووجهي فاتنا .

 كبر أطفالي بشكل سريع . أحببت أني أمهم حباً كبيرا ، واهتممت بهم. يراودني احساس بالأسف لأن عمر الرجولة قد جاء بشكل سريع . أصبحوا كباراً الآن، ولم يعودوا يقضون الصيف معنا. لم نعد نسافر كعائلة واحدة . بعد الأطفال، حدث ما لا يمكن للرجال ان يستوعبوه . كآبة لا نهائية. زيادة وزن. جفاف بشرة. ولم يعد زوجي مسلياً . وجدت نفسي ، أنا وزوجي، نرزح تحت وطأة صمت كبير . كنا في غاية التعاسة. وفي أحد الليالي ، تكلمت أنا وزوجي بشكل طويل . حدثته عن الفراغ الذي احياه وعن رغباتي. أصغى إليّ. احتج. شربنا زجاجة من الكحول . ثم توصلنا إلى اتفاق، بين الضحك و البكاء . وفي هذا اليوم الموافق ل 13 يوليو 1999 ، سافرت عن بيتنا . وحيدة. وها أنذا الآن في توكيه . أدخل إلى حانة الفندق. اقعد على أحد الكراسي الحمراء الجلدية على طاولة الحانة. يهمس لي رجل قريب جداً في رقبتي : لا يوجد شراب يناسبك إلا الشمبانيا. ارتعد . أحب حباً كبيرا هذا الصوت. حين التفتُّ ببطء لأكتشف وجهه، اختفى. أغادر لوحدي . يحل الليل بعذوبة. تضيء المصابيح كالسُبَّحات. الهواء جميل جدا . أمشي في الطرقات التي تشير إلى باب الفندق. المح اسر هنيئة , آباء وأمهات أيديهم متشابكة، اولادا متحمسين ومتقلبي الأطوار . الاجازات الصيفية، هي تلك اللحظة الطفولية التي نسترجعها حين كنا نعتقد أنها لن تتركنا على الاطلاق . نصَبت المدينة منصة كبيرة في موقف السيارات من أجل الحفلة الموسيقية في اليوم الذي يلي هذا اليوم . أخلع حذائي على الشاطيء. الرمل ندي وشبه بارد. انتفضت بسرعة ، فهناك من يمشي خلفي على بعد أقل من متر. لا احس بالخوف. أعرفه. قلت: أسرعتَ في الإختفاء منذ قليل في حانة الفندق. قال: كان يوجد الكثير من الناس. قلت: لاحقتني إلى هنا لتنقذ نفسك وتعتذر. قال لي : لست آسفاً ! فقلت له : هل كنت من أولئك الذين يخجلون و يحاولون أن يصنعوا سحرهم من هذا الخجل ؟ فقال: لا. فقلت: إذاً أنت متزوج ؟ فقال: أجل. وزوجتي سافرت لمدة أسبوع. قلت: هذا لا يجذبني لك . قال: اعذريني. لست معتاداً على ان اتقرب من امرأة تمشي حافية القدمين على الشاطيء في الليل. قلت: لكن هذا لم يمنعك من ان تتقرب من امرأة متزوجة في الحانة؟ قال: أنتِ متزوجة ؟ فقلت: أجل. فقال : حسناً. كنت الأولى. هذه اول مرة أقوم بها بملاحقة امرأة. لقد جعلتيني ارتبك منذ أن رأيتك. ألم ترغبي بخيانة زوجك من قبل ؟ فقلت: بالتاكيد . فقال : إذاً لماذا لم تخونيه ؟ فقلت: كنت أنتظر رجلاً يقترب مني و يلاحقني إلى الشاطيء. حينها أمسك الرجل بيدي وقبلني. فابتعدت عنه ، وركضت حتى تقطعت أنفاسي. لكنني كنت أضحك، وأشعر أنني فاتنة الجمال . وفي تلك اللحظة ، كنت جميلة، أقسم لكم أنني كنت جميلة . 

ثم جاء يوم 14 يوليو. صبيحة يوم عيد ميلادي أفقت في وقت متاخر . للمرة الأولى في عمري ، أشارك في حب الصيف هذا. سرت لفترة طويلة على السد. رأيت رجل ليلة البارحة . نظرت إليه لا بد أنه لم يبلغ الستين بالضبط . ثمة تجاعيد مؤثرة في زوايا عينيه. أما عيناه فصافيتان ومثيرتان ومبهرتان . ليس جميلاً جداً، ولكنني أجده جذابا جداً. جاء إليّ وضمني. نبتسم. لا نتكلم. ليس ثمة شيء بيننا سوى هذا الدفء الجميل ؛ دفء رغباتنا التي أخيراً اعترفنا بها. لهفتنا. للمرة الأولى بعد ولادتي لاولادي ، أشعر أنني جميلة في أحضان رجل. وأنني مرغوبة . كان الرجل إسمه روبير .

نمشي أنا وروبير ببطئ . يمسك كل منا يد الاخر . يهدر البحر من بعيد، كأنه وحش جائع قابع في الظلام في انتظار فريسته. فوق حلبة الرقص الفسيحة، بدأت الأوركسترا تعزف اول نغمات أغنية "خارج الفصل". ثمة امرأة وحيدة هناك ، تقريباً في الخامسة والثلاثين من عمرها . ابتعدت نحو البحر وهي تتمايل. أسأله، ويحكي لي. لديه ثلاثة اولاد مثلي. هو مهندس معماري. يقول لي روبير سأبني بيتا ، بيتا لاجلك و اجلي ، مكاناً لم يعش فيه أحد آخر قبلنا، وليس لجدرانه ذاكرة غير كلماتنا وتنهداتنا وأنفاسنا . تحسست وجه روبير وقلت: موافقة يا روبير. هذا أيضاً ما أرغب به . أجد نفسي مجنونة مرة أخرى. وأحب ذلك. 

حين صحينا هذا الصباح من 15 يوليو بعد اول ليلة لنا سوية ، كان الطقس رائعاً والسماء صافية . أخذنا حماماً سوية . ولأول مرة في حياتي، وأنا في سن الخامسة والخمسين ، غسل لي رجل جسدي و شعري . وبعدها غادرنا الفندق بمركبتي ، ولم نكن نرغب في العودة . انتقلنا إلى فندق جديد. انقطعتُ أنا وروبير عن الحياة لثلاثة أيام. مارسنا الحب في غالب الوقت . كنا وحدنا نثرثر. وفي اليوم الرابع، أخيراً خرجنا . بعد الغداء، تنزهنا لاخر مرة على الشاطيء الفسيح. سأعود في اليوم الذي يلي هذا إلى بيتي ، وسأطلب من زوجي أن يرحل، وألا يرجع ثانية أبداً، ودون أن أقدم له أي تفسير. فقط لأنني صرت عاشقة بجنون، ومغرمة، وأصبحت ملك ل شخص آخر بعد الآن. عندئذ سأستقبل روبير في بيتي ، بين أحضاني. ولبقية عمري . 

على الطريق الدولي الذي يرجعنا الى بيتي ، وعند مغادرتنا، رن تليفوني . أرى الرقم يعلن عن ذاته . أجيب. إنه أحد اولادي يسألني عن أخباري ويتمنى لي عيد ميلاد سعيد، ويعتذر على الأخص لأنه لم يقدر ان يتصل بي يوم 14 يوليو لأنه كان في بيرن. فقلت له : ليس عليك أن تتاسف يا عزيزي. كان عيد ميلاد رائع. شكراً أجمل عيد ميلاد في عمري كله ( أضع يدي على ساق روبير ).. أجل ...أجل .. إنه إلى جانبي .. سأعطيك البابا. عندئذ أمد الهاتف إلى زوجي وأقول: خذ إنه بينوا. وأدير المركبة ، أقلع، وأسرع نحو حياتنا الجديدة .

 .........................

 منذ بضعة أشهر، وبمناسبة مرور خمسين سنة على زواجنا، أهدانا اصحابنا زوجاً من طقم أدوات الطعام الفضية، وألبوم صور يضم ذكريات رائعة ، وآخر اسطوانة للمغني الشهير، "خارج الفصل". لم نرجع إلى توكيه منذ بضعة اعوام . كانت الاعوام قد آلمتنا تماماً. التقينا على بعد بضعة كيلومترات من هنا، ذات صيف قبل ستة وخمسين سنة . التقينا في فوضى الأجساد، وفي ضجيج الرعب وروائح اللحم المقززة،. كنا في سن التاسعة عشرة والعشرين. كان أربعون ألف ألماني يسكنون هنا، وتركونا في نهاية المطاف بعد أن سرقوا الفيلات والفنادق القريبة . اختفى أهلنا مع بداية قصف سلاح الجو الألماني على المطار قبل ثلاث اعوام . ولم تعِش أم الآخر بعد ولادته. أما أبوه فاشترك في المقاومة، ولم يصل اي شخص خبراً عنه، ولا حتى في كتب التاريخ فيما بعد. صرنا أيتاماً. جذبت مأساتنا أحدنا للثاني . كانت بيننا نظرة قوية ، وحبل مشدود يربطنا. آنذاك، نحن، روز وبيير، اللذين لم يكن أحدنا يعرف الثاني ، صنعنا هذا الوعد اليائس. هذا الزواج. إذا ما نجونا من الحرب سوية ، فسنموت سوية . ذات يوم. وجاء هذا اليوم. كانت توكيه قد تعرضت للخراب . في الرابع من شهر تسعة عام 1944، حرر الجيش الكندي بلدة خاوية من دون قتال ، مدينة فارغة . كنا قد هربنا قبل بضعة أسابيع، وفي غمرة الاضطراب أضاع أحدنا الثاني . وبقينا أربع اعوام لا يعلم أحدنا خبراً عن الثاني . وفي تلك الأمسيات تعلمنا كيف نكتشف ذواتنا ببطء، دون أن نفكر بشيء، ودون أي فكرة عن المستقبل . وفي هذه المدينة التي راحت تسترجع الحياة , التأم شملنا من جديد بعد أربعة اعوام من الفرار والقصف. التقينا على زاوية تقاطع شارعي لندن والسلام. لم نتكلم على الفور. ولم نتبادل الإبتسامات في الحال. اجتزنا العامين الأخيرين من الحرب مع بعضنا البعض ؛ وضعنا عن بعضنا لأربع اعوام ، لكن كل واحد منا انتظر الثاني . ودون أن نختار بعضنا البعض. راحت شفاهنا ترتعش. واتسمت قبلتنا الأولى برعونة قبلة أولى حقيقية . أخذنا نبكي ونضحك في نفس الوقت ؛ ناجيان التقينا. وتجرأنا على الإيمان بالمستقبل فجأة . وبكل المستقبل. عندئذ، لم نعد إلا شخصا واحدا . وإلى الأبد . 

ولدت ابنتنا جين بعد أربع اعوام من زواجنا ، في بداية صيف 1955. مثلت جين أملاً كبيرا لكلينا، حياة في عالم مسالم بلا حرب وبدون تلك العذابات التي توجع الروح. كان صيف 1955 صيفاً رائعا. قررنا العودة إلى توكيه، للمرة الأولى بعد التئام شملنا قبل سبع اعوام . تعلمنا أن نكبر مع ابنتنا؛ وربما هي ذاتها من اعتنت بنا في الصميم. وبعد سنتين أصبح لدى جين أخ صغير لمدة أربع وثلاثين ساعة . 

ها نحن في طريق الرجوع إلى الفندق، إلى الحجرة التي نشغلها والتي تحمل رقم الحجرة ذاتها التي شهدت زواجنا . نزلنا إلى حانة الفندق. جلسنا بلا اي حديث ، وكانت نظراتنا تعرف. كانت نظراتنا تشاهد إبننا الصغير الميت، وترى ابنتنا جين ذات الاعوام العشرين. ترى الخطيب الوسيم ، وترى الطريقة التي يمسك فيها هو وابنتنا جين، أحدهما بيد الآخر، وهما يقسمان، كما أقسمنا، أنه لن يفرقهما أبداً شيء . وبعد ذلك زواجهما. ثم الزوج الذي يغمض عينيه ولا يفتحهما مرة ثانية نتيجة المرض ، ورأسه الذي ينزوي متنحيا ، لن يفي بوعوده عن الأبدية. ثم رحلت جين إلى الهند لتروض مخاوفها وتتجنب الموت. جاء الوقت لئلا نحس بالخوف عليها. وبدأنا نرسم الطريق الذي جاء بنا إلى هنا ، في هذا اليوم الموافق الرابع عشر من يوليو الأخير في هذا القرن . 

حل الليل. خرجنا. هناك العديد من الحفلات الموسيقية في المدينة، إحداها على السد. جلسنا الى جانب حلبة الرقص، لم يعد بوسع جسدينا الكهلين أن يتحركا على هذا النحو اليوم، وراحت أيدينا العجوزة تتشبث ببعضها، وقادتنا أرجلنا إلى الشاطيء. نخلع أحذيتنا، وعلى الفور تصيبنا برودة الرمال. أخذنا نبتسم. فنحن في استقرار . لا بد أن درجة الحرارة لا تتجاوز التسع درجات أو العشر. حين دلفنا الى الماء, أمل كل واحد فينا أن يحصل الأمر بشكل سريع . نمشي. وسرعان ما بلغ الماء ساقينا ، ثم خصرينا، وعندئذ شرعنا في السباحة . نتبادل القبل وكلمات الشكر على هذه الحياة الطويلة . ثم يطلب كل واحد من الثاني أن يسامحه. تبادلنا السماح. وفجأة، انتهى الموضوع . أفلتت يد أحدنا وانقلب رأسه إلى الوراء ، وغمر الماء المالح فمه، وأطلق شهقة غريبة . ما أقسى هذه الحالة بالنسبة إلى الثاني الذي لم يزل حياً، لأنه لم يذهب أولاً، ولأنه لن يستطيع إنقاذ الثاني . حين وصل الناجي إلى الرمل الرطب، وقبل أن يفقد وعيه من الإنهاك والحزن والبرد والخوف ، يلفظ إسم روز . 

........................ 

إنه الليل. هبت ريح غريبة شمالية في الخارج، ورغم دنو الصيف، أعرف أن هذه الريح تحمل البرد. بيتنا المطل على رأس رونوز يرتعد قليلاً؛ اخترناه أنا وزوجتي، لأنه لا يوجد صيف حقيقي هنا. بعد مضي أكثر من سنة على زراعة نبتة كزبرة الثعلب، دق جرس الباب. كان الوقت متأخراً والظلمة هائلة . ذهبت لأفتحه. كانت فيكتوار. كانت تمسك نبتة آس بكفيها . آس: أجل، حب مشترك. عندئذٍ، احتضنتها بين يدي و انا مرتبك ، كمن يستقبل شخصاً تاه ولم يزل يرتعد ، ومنذ ذلك اليوم، لم نتحدث على الاطلاق عن تلك الاعوام . منذ لحظات ذهبت لأغطي إبننا؛ سيبلغ عما قريب الثالثة من عمره، لديه عينا والدته الخضراوين وفم والدي . أمي مولعة به؛ ترغب بترك سانغان والإقتراب منا. الآن اشتدت الريح . الهواء مالح. له طعم تلك الدموع التي لم يعُد يُذرف منذ صيف سنواتي الخمسة عشر، والتي تغرقني كل يوم أكثر. أضع قلم الرصاص. سأذهب للاستلقاء من جديد بقربها في فراشنا ؛ سأضمها بقوة، لأداري فيها حتى وقت الفجر، خوفي الشديد من أن تتركني . لأداري قلقي .

................ 

هذا الصيف لم يغنِ كابريل. على أية حال ليس لديه أغنية جديدة . ماتت أمي في الربيع الفائت ، في موعد تفتح الأزهار. حينها صرت يتيمة حقاً. وحتى إبني هيكتور لم يعد يخاف عليَّ ولم يعد يحس بالبرد لأجلي. احتفظت ببيتنا في شارع باريس؛ رميت كل ذكرياتنا، ألعاب الشاطيء، وإطارات الصور لهيكتور. صادفت رجلاً منذ سنتين . حدث لقاؤنا صدفة أمام الكنيسة. تلاقت نظراتنا حين كان يشعل لفافة دخان . وبأزاء نظرته وابتسامته ، خفق قلبي. ابتسم الرجل واقترب مني. اعتقدت أنه الرجل المناسب، وأنه النهار الملائم لانطلاقة ممكنة قد تفضي إلى حكاية حبي. والتقينا بعد بضعة أيام في شقته المستأجرة. وبعد ذلك انغرست احاديثه كنصل سكين في قلبي. لقد كان متزوجاً. وحينها عدت منذورة للنكد و التعب . أغلقت جسدي، وأقفلت قلبي. وبقيت اعيش . لم يحالفني الحظ قط مع الرجال. جئت لأرى السيد روز. هذا الصباح، جلبت له قرنفلة. وهذا الصباح أيضاً اقتربتْ منا امرأة بصحبتها رجل وسيم هندي. سألتني إن كنت اعلم هذا السيد روز. ابتسمتُ لها، وأجبتها بأجل. ثم نفيت. عندئذٍ، جلستْ بالقرب مني ، وروت لي حكاية بيير وروز. حين انتهت، حين جفت دموعنا، علمت أن هنالك حباً عظيماً أعظم منا. أكبر مني. وأن الحظ حالفني لأنني جزء منه . 

................................

 يُعلن اليوم أن درجة الحرارة هي تسعون درجة فهرنهايت (ثلاثون درجة مئوية). لم نعد على الاطلاق إلى توكيه. تركنا بقايا امرأة اسمها مونيك ورجل اسمه ريتشارد. وأصبحنا لويز وروبير. وفي عيوننا، وفي رغباتنا الجامحة، وفي الماء الفاتر للمغطس، صرنا لويز وروبير. كان ذلك منذ عشر اعوام خلت . بنينا بيتا خشبياً في مونتان بروك, في شرق شمال أمريكا. يأتي اولادنا الثلاثة كل صيف وكل شتاء. في البداية مع خطيباتهم، وبعد ذلك، مع زوجاتهم، والآن مع اولادهم . قبل عشر اعوام من الآن، وفَّينا بكل وعودنا في توكيه. بنينا هذا البيت اللطيف الذي لم يأو أحداً اليه من قبلنا . لدينا فراش واسع وحوض استحمام كبير. إننا عاشقان على نحو لا يصدق ـ منذ خمسة وثلاثين سنة . مرتبطان على نحو عميق. إننا قصة لم تُروَ. حب عظيم لا يستحق كتاباً. لأن أحد لن ينجح في تأليف كتاب يبدأ ب "عاشا سعيدين" . 

........................ 

وصل المغلف من جاغدالبور، وهي دولة ولدت مع مطلع القرن ولم ابقى فيها سوى قرابة الشهر . مر قبل ذلك بعدة بلاد ، وحمل المغلف أسماء أخرى وحروفاً مختلفة . ومع كل انتقال، كنت أتخلى عن شيء من حزني لفقدان زوجي بعيد زواجنا بقليل. ولكن دموعي بقيت عصية على الجفاف. ما صدمني أنه منذ عشر اعوام لم أتلق خبراً عن ابواي ، فاتصلتُ بجارتنا، وأخبرتني باختفائهما وهي تبكي. لقد انتقلا في سيارة ولم يصلا إلى أي مكان. افترضوا أنهما تعرضا لحادث سيارة، ولكن البوليس لم تعثر على شيء. إلى ان جاءت إلي رسالة مؤرخة في 14 يوليو 1999. وكنا في 15 نوفمبر عام 2008. تقول الرسالة : عزيزتي، رجعت أنا و ابوك إلى توكيه؛ إلى المكان ذاته الذي التقينا فيه. أنهينا طريقنا أنا و والدك . تبادلنا الحب كل يوم وكل ليلة لمدة تزيد عن النصف قرن. الحب هو أن يمتلك المرء شيئاً جديداً مقابله ، صباح جديد. لقد كبرنا وأصبح جسدانا متعبين الآن. والألم يطل علينا برأسه الغبي . أصابعنا باتت تتخدر وتتقصف. أننا مشبعان بالذكريات، وأجملها ذكراك. رحيلنا سوية نعيم. إذ لا حزن ممكناً بعده. في هذه الليلة، على الشاطيء، ونحن نمشي نحو الماء، نحو نجومنا، سنفكر فيكِ، أنت من كنتِ فرح حياتنا وبهجتنا الكبيره .

 يا إلهي كم بكيت فراقهما وحبهما الكبير . قرانهما الأخير. حينها ركضت أنا وصديقي "عدي" إلى القنصليات الفرنسية للحصول على اي خبر عن ابواي . وفي أحد الأيام، اتصلت بنا امراة من مبنى بلدية توكيه. تذكرتْ رجلاً عجوزاً أنقذته امرأة شابة على الشاطيء منذ عشر اعوام ، ولم يعرف أحد شخصيته . وانتهى الأمر بإطلاق إسم السيد روز عليه لأنه قبل موته لم يتلفظ إلا بكلمة واحدة، هي نفسها على الدوام . روز .. 

وصلت إلى فرنسا في بداية يونيو. وعثرت على أثر لوالدتي في معهد الطب الشرعي بمدينة لينس، فهناك اكتشف ولدان على شاطيء ويسان جسداً قبل عشر اعوام ، وقد شرحوه. وكان سبب الموت الغرق. وعرضوا عليّ صورة وجهها، وكانت هي. وقد دفنوها في حفرة عامة من مقبرة إيست. وهناك، عند قبر بلا تعريف ، وعَدْتُ أن ارجعها إلى توكيه، أن أعيدها بالقرب منه . وهناك في توكيه، حين وصلنا إلى القبر، بعد أن دلنا الحارس، شاهدت امرأة عند قبر السيد روز. تلكات وأنا أسألها إن كانت تعلم من هو السيد روز. ابتسمت وأجابتني نعم. ثم نفت. في الحقيقة. عندئذٍ، جلست بجانب تلك المرأة و حكيت لها حكاية بيير وروز، وروت لي بدورها، حكاية ثمينة و نادرة عن الأيام الأخيرة لأبي .


                                              النهاية.



إرسال تعليق