الأحد، 29 أكتوبر 2017







تلخيص رواية
كيغار: منى سلامة
إشراف وإعداد: رجاء حمدان

وقف متململاً يستقبل شآبيب المطر فوق رأسه الذي اشتعل شيباً, نظر إلى عقارب الساعة الذهبية الكبيرة لتشير إلى السابعة وعشر دقائق, وعندما هم بالعودة إلى بنايته مرة أخرى, ظهرت على حين غرة سيارة أجرة, توقفت أمامه تُقدم إليه دعوة صامتة للركوب في المقعد المجاور للسائق. لبى الدعوة, إنطلقت السيارة تشق طريقها وسط شوارع العاصمة فقال : "كل ده تأخير يا فرغلي, المهم أكون في "سيوة" النهادرة, عندي غلطة آن الأوان أني أصلحها".
 حل الصمت ضيفاً مُرحباً به بينهما طوال الساعة الأولى, إلا من بعض كلمات بسيطة كل حين, حيث بدا الرجل واجماً لا رغبة له في الحديث. دس يده في جيب معطفه الداخلي وأخرج منه دفتراً وردي اللون, فالتزم فرغلي الصمت فهو يعرفه جيداً, لا يمكن أن يستقي منه معلومة لا يريد الإفصاح عنها, فابتلع فضوله وهو يلقي نظرة على الدفتر, ثم قال الرجل : "كانت بتجري في طريق زي ده ". أشار بأصبعه إلى الطريق, فقال فرغلي: " أنت كويس يا حاج"؟ أجاب: "وعد", قال فرغلي: " وعد!..وعد إيه؟", فأجاب الرجل :" هاحكيلك".
 هرولت بقوة تبحث عن شيء ما. سمعتْ بوقاً لا تدري مصدره, وعندما تنبهت إلى المصباحين المنطلقين نحوها, جمد جسدها من الخوف وهي تسمع عجلات السيارة فوق الأرض وسائقها يضغط مكابحها بقوة, فقذفها لتتدحرج فوق الأرض, قبل أن تخبت حركة جسدها والسيارة في نفس الوقت. حملها السائق بين ذراعيه وهو يغلظ الإيمان أنها لم تكن غلطته, وأنها ألقت بنفسها أمام سيارته فلم يستطع أن يتفادى الصدام.
وبينما كان الطبيب يتفحص رأسها وعينيها ولم يجد أي جروح, فتلاقت نظرة الممرضة والطبيب وبينهما ترتسم علامة استفهام كبيرة لسؤال واحد تنطق به أعينهما : من أين أتت هذه الدماء التي تلطخ وجهها وكتفها وصدر ردائها ؟؟.
 إرتقع حاجبا فرغلي دهشة وهو يستمع إلى هذه القصة الغريبة على لسان الرجل الجالس بجواره, ثم سكت فجأة فرأى فرغلي أن الرجل سقط رأسه فوق صدره وأغمض عينيه, فحاول إيقاظه إلا أن الرجل ظل على حاله, لم يستطع معرفة ما إذا كان الرجل قد فارق الحياة أم لا يزال متمسكاً بها. نظر إلى مرآة سيارته وإذ بسيارة  ظهرت فجأة منطلقة كالسهم من خلفه, تدفع مؤخرة سيارته بعنف ككرة مضرب, فانزلقت  سيارته على المنحدر بجانب الطريق .
لحظات ثم سكن كل شيء, فتح عينيه فلم يصدق أنه على قيد الحياة, خرج من السيارة, دار حول السيارة وأحاط بالرجل وسحبه إلى خارج السيارة ثم وضعه عند كومة كبيرة من القش. مرت عشرون دقيقة ولم تنفجر السيارة, تفحص المكان من حوله فوجد نفسه فوق أرض زراعية تخلو من البشر. أخرج الدفتر الوردي من جيب الرجل, قلب صفحاته فسقطت بين قدميه صورة لفتاة, إنتقل نظره إلى قميصها ذي اللون الأبيض والذي تُعكر صفاؤه بقعة خضراء كبيرة فوق ذراعها الأيسر, هناك شعور خفي تسرب إلى نفسه أنه رأى هذا الشبه من قبل. ألقى نظرة على الرجل الملقى أرضاً, لا يدري إن كان حياً أو ميتاً, ثم عاد إلى الكلمات التي خُطت فوق صفحات الدفتر بخط أنيق. وغاب في غياهب ما كتب !.


في إحدى الليالي الباردة, حيث يُرى وميض البرق, فتحت الصغيرة النائمة عينيها, يطرق سمعها صوت شجار يصدر عن الغرفة الكبيرة. لم تتمكن الصغيرة ذات الثلاث سنوات من استيعاب أسباب الشجار الدائم بين أمها وأبيها, يتخلله ركلات وصفعات استقرت في جسد أمها. حملتها أمها بين ذراعيها وقفزت مسرعة على درجات السلم, تودعهما لعنات الأب الذي كان يردد: لو خرجتي تبقي طالق.. طالق.. طالق. حاولت أن تعاود للنعاس كرّة, وهي ملتصقة بإمها فوق الفراش في بيت صديقة أمها, بينما تستمع إلى حديث الصديقتين :" تعبت.. كل يوم ضرب وإهانة, خاين ومقرف وحشاش, وآخرتها طلقني! ".
وفي الصباح تركت أمها بيت صديقتها وجلست على أحد المقاعد العامة تلتمس الراحة , كانت تفكر فيما آل إليه حالها, كيف ستخرج من هذه الورطة, وهي لا أهل لها تلجأ إليهم, وفجأة داهمها ألم كانت تتجاهله طيلة الأيام الماضية, فشاهدها بعض المارة ونقلوها إلى المستشفى, وتم تشخيصها بالزائدة الدودية, وأعطت معلوماتها للممرضة : أمل رمضان, 23 سنة, ما باخدش أدوية وما عنديش أمراض. رقدت فوق السرير, وتفجرت بها مشاعر الأمومة, فلولا طفلتها ما تحملت العيش مع رجل بعمر أبيها, فتحملت إهاناته وكثير شطحاته, وتعدد نزواته من أجل صغيرتها .
شعرت بأصابعه تتخلل خصلات شعرها, فاتسعت حدقتا عينيها إثارة وهو يمد يده بقطعة شيكولاته, ثم قال: "أنا إسمي دكتور زياد وأنت إسمك إيه؟" فقالت الطفلة : وعد, فبادرها إن كانت تحفظ رقم أبيها أو أحد من أهلها فقالت : "أنا مش عايزه بابا عشانه وحش بيضرب ماما وأنا مش بحبه", حينها فطن زياد إلى وقوع المرأة في مشكلة, ولطيبته المعهودة قرر مساعدتها. وفوجئت أمل فيما بعد بعرض زياد بالعمل في المستشفى كعاملة نظافة, فسعدت أيما سعادة أن مشكلتها قد حلت بهذه السرعة. فتوالت عليها الأيام والشهور والسنوات في عملها, متخذة من شقة صغيرة وفرها لها زياد مأوى لها. تقربت وعد كثيراً من زياد وتعلقت به بشدة, وكان مَثلها الأعلى. وبعد سنوات وبينما  كان يجلس زياد يتطلع إلى سقف الغرفة شارداً كيف له الخلاص من مشاعر نمت بداخله ببطء خلال السنوات الماضية؟ كيف له أن يتجاهل نبضات قلبه التي ما خفقت إلا لتلك الجميلة الحزينة وطفلتها التي يشعر أن له حقوقاً فيها كما لأمها ؟ لم يزده خلقها وتعففها إلا إعجاباً بها رغماً عنه, ما أراد وما خطط لسقوط قلبه في حبها. ولكنه استطاع تجاهل خفقات قلبه, ولكن كيف سيتمكن من الوقوف غداً أمام وعد وأمل ويخبرهما بقرار زواجه وبعثته إلى خارج البلاد  من أجل استكمال دراسته؟ ظنت وعد في البداية أنه يحاول خداعها, لكن عندما أيقنت أن كلامه جاداً لا مزاح فيه, أخذت تصرخ وتبكي. فقال لها زياد:"إنتي تقدري تذاكري وتنجحي وتتفوقي سواء أنا كنت معاكي ولا لأ..لأنك بنت ذكية وشاطرة وهتكوني أحسن دكتورة في الدنيا. شعور مدمر فقْدُ الأب فجأة وانقطاع مشيمة الحياة بينه وبين أبنائه, لكن ماذا إن فُقد الأب مرتين ؟ ..
لعام من بعد سفر زياد ظلت أمل تتلقى المال الذي يرسله لها عند بداية كل شهر, ولكن الآن مثلما انقطع المال انقطعت أيضاً إتصالات زياد. ككل شيء جميل ينتهي, وفي النهاية طردتها صاحبة البيت شر طردة أمام جيرانها الذين راقبوا ما يحدث دون أي ردة فعل كأنهم يشاهدون فيلماً سينمائياً مكرراً فلم يحرك فيهم ساكناً. وبعد البحث المضني أيام وليالي وجدت أخيراً بغيتها في منطقة عشوائية تسمى حكر أبو دومة, فوعد ذات الثلاثة عشر ربيعاً, وذات الألف حلم في الغد, نظرت بعين الإحتقار إلى حيث اصطفت الأعشاش والأبنية. ولأن  كل ما تعانيه أمل الآن هو قد كان أحد أسبابه عدم قدرة جدتها على الإنفاق على تعليمها، فأرادت أمل أن تسلّح ابنتها بشهادة قد تخرجها من هذا المستنقع الموحل, لعلها تصبح مثل الدكتور زياد, ذلك القريب البعيد الذي أصبح الآن في مخيلة وعد وهي على مشارف السابعة عشر, كمشاهد متقطعة من حلم جميل, إستفاقت منه على واقع أليم .
 في أحد الأيام اصطحبت أمل وعد إلى إحدى العرافات لمعرفة سبب تدنيها الدراسي في أحد المواد, حينها جذبت العرافة كف وعد بحزم وأخذت تمسح فوق خطوطه بأصابعها ذات الأظافر الطويلة الممتلئة بالأوساخ, وفجأة اتسعت عينا المرأة بغتة وقالت لوعد : "نهايتك مرسومة بالدم, والموت كاتب معاده على جبينك بريشة الألم " .. ومنذ تلك الليلة التي غاب عنها القمر ولفترة طويلة باتت تحاصر وعد الكوابيس التي اصطبغت بلون الدم .
بعد مرض أمل المفاجيء, نُقلت إلى المستشفى, وتلقت وعد الخبر كصفعة من حديد أدمت كل ذرة من جسدها وروحها, ونقلت أمها بعد سويعات إلى معهد الأورام, وكل يوم  كانت تسمع تطورات ذلك المرض الخبيث الذي غزا جسد أمها, وبدأت رحلة العلاج الكيميائي في وقت اللاجدوى, وبدأت وعد تستشعر مرارة الفقد داخل حلقها, وقلبها النابض يأنّ ويصرخ, فلن تتحمل فقد الشخص الوحيد لها في هذه الحياة ودعامتها التي ترتكزعليها دائماً, فذلك يفوق طاقتها بمراحل .
تراءى لوعد الثالوث الكريه الفقر والجوع والجهل الذي لطالما قض مضجعها تحاول جاهدة الفكاك منه. كانت في مبنى الشرطة بعدما اعترفت أنها سرقت سواراً من هايدي زميلتها في المدرسة لتشتري لإمها دواءاً كان غير موجود في المستشفى, ثم ندمت على فعلتها وأرادت إعادته لها ولكنها لم تعرف لها رقماً ولا عنواناً، فاودعت وعد بالحبس على ذمة التحقيق. وحينما علمت أمل بما جرى سلمت أمرها إلى الله, وقبل أن تغادر بصحبة جارتها أم مرزوق شدت على يد وعد وقالت : "اللي ربنا رايده هيكون, لو طلعتي من هنا ولقيتي ربنا اختارني عنده, هتلاقيني سايبالك ظرف مهم مع أم مرزوق فيه حاجة تخصك, لو بتحبيني هتنفذي كل حرف فيه". وبعد عدة أيام انضم إلى ثالوث وعد الكريه عضو رابع باغتها في أشد لحظاتها بؤساً وقهراً واحتياجاً, فلم تفقد وعد أماً فحسب, بل فقدت بموتها كل شيء. وما زاد عليها الأمر هماً وغماً هو صوت القاضي الذي أعلن الحكم بعقوبة مشددة ثلاث سنوات تقضيها في المؤسسة العقابية. تلقت وعد الحكم بلا أي رد فعل, وبدت وكأن حواسها لا تنتمي إلى هذا العالم, تسبح روحها في عالم آخر سبقتها إليه أحب الناس إلى قلبها, وودت لو لحقت بها الآن .
توجهت وعد إلى فراشها تلقي بجسدها فوقه, ثم التفتت تنظر إلى الجهة الأخرى حيث فتاة متمددة فوق فراشها في استرخاء. وعلى استحياء قالت : "ممكن تقوليلي أنا هنا من إمتى ؟" خرج صوت وعد غريباً على أذنيها وكأنه صادر من شخص آخر غيرها, فقالت الفتاة : "من 5 أيام أو 6 حاجة كده, إحنا قلنا إنه إنتي خلاص بتودّعي, كنتي سخنة حرارتك ما بتنزلش, الست الأخصائية قالتلنا إن أمك ماتت, هو انتي قضيتك إيه وكم سنة" فقالت وعد : "سرقة و 3 سنين, وأول مرة أسرق بحياتي", فقالت الفتاة : "طب ليه خدتي ثلات سنين, المفروض سنة ولا حاجة إذا أول مرة", فقالت وعد : "واحدة ربنا ينتقم منها إتبلّت عليا وكذبت وقالت إني سرقتها قبل كده" ...و بعدها بدأت وعد جولتها داخل المؤسسة العقابية بصحبة عبير التي لعبت دور المرشد.
 تجولت وعد في الساحة حتى حان موعد الغداء, ظنّت واهمة أن أيامها ستسير بنفس الوتيرة الهادئة, ولم تعلم أن الأيام العاصفة في طريقها إلى الكشف عن برقها ورعدها. كان ذلك حين تقدمت هانم ومجموعتها صوبها يوسعونها ضرباً مبرحاً بالأيدي والأرجل لأنها أبلغت المديرة عن مشكلة في العنبر, واستمرت حفلة التعذيب لقرابة ربع الساعة, وانتهت بأن هددوها إنْ هي جرؤت على تكرار خـطئها .. ذلك الخطأ الذي لا تعرفه حتى الآن ! وفي الليل اقتربت منها دنيا الموقوفة بسبب قتلها لزوجها وأخرجت شريط حبوب فضي اللون وقالت : "خدي هيريحوكي ده مسكن" أجفلت وعد وهي تنظر إلى دنيا ببلاهة, لا تدري كيف تتصرف, وفي النهاية أخذت الأقراص ونامت.
إنصرمت من الزمن ثلاثة أشهر ولم تُعاقب خلالها مرة أخرى, فقد تلقنت القوانين جيداً وبالطريقة الأصعب, فحاولت قدر المستطاع أن تبقى بمنأى عن المشكلات, وانضمت إلى المجموعة الخاصة بهانم الآمر الناهي في العنبر. وفي شهرها السادس في المؤسسة, كانت قد نجحت في أن تحظى بحب أغلب نزيلات عنبرها, وأصبحت مستودعهن لحفظ الأسرار.
وفي أحد الأيام اقتربت منها دنيا وقالت : "تعرفي أننا شبه بعض أكتر مما تتصوري, إحنا الإتنين بنعمل حاجات غصب عننا عشان نعرف نعيش", فقالت وعد : "مش إنتي قتلتي زوجك واتحكم عليكي خمسة عشر سنة؟ أنا هنا في قضية سرقة, السرقة غير القتل, الظروف ممكن تجبرك أنك تسرقي لكن مفيش أي ظروفك تبررلك أنك تقتلي", فقالت دنيا : "بابا ماكنش له إلا أخ واحد عمي حسين, راجل طماع وجشع, وأول ما خلصت ثانوية قرر عمي أن يخطبني لإبنه, شاب فاسد ، رفضت طبعاً. بابا تعب فجأة, دخل المستشفى أسبوع وبعدها مات, اكتشفنا بعد وفاته أنه كتب كل حاجة بإسمي. عمي لما عرف اتجنن وأصر لأن  يجوزني لإبنه, وتمسكت بالرفض. وفي يوم كنت خارجة من الجامعة لقيت ابن عمي في وشي وقالي إن ماما تعبانة عندهم في البيت. حاولت أن أتصل بها كتير بس ما كنتش بترد عليا. ومشيت برجليا للفخ  اللي نصبهولي. وحينها اغتصبني بكامل وحشيته  ..... إترجيته, عيطت, صرخت, وانهرت, قولتله هيسبلك الفلوس كلها, وافقت أتجوزه, حلفت إني مش هقول لحد على اللي هو عمله, لكنه ما رحمنيش. متخيلة مرارة الطعنة لما تكون من حد من دمك, عشان عارف أنك ضعيفة ومالكيش راجل يحميكي ويدافع عنك؟ وبعدين حصل الشيء الطبيعي في مجتمعنا المتخلف, المجتمع العقيم اللي بيحكم على البنت تتجوز الكلب اللي اغتصبها عشان يستر عليها وما يفضحهاش. وماما كانت من الناس دي. بعد ما كانت رافضاه بقت تترجاه عشان نكتب الكتاب. فضلت أرفض لآخر لحظة وأترجاها ما ترمنيش في النار بإيديها, لكن غصبتني بحجة أنها عارفة مصلحتي أكتر مني. وبعد كتب الكتاب, فضلّ يتكلم هو وعمي مع ماما في تفاصيل الفرح. دخلت المطبخ وأنا حاسة إنه أنا مش أنا, ما حستش بنفسي إلا وأنا بفتح الدرج وبطلّع منه سكينة. شفت نظرة فزع في عنين ماما لما شافت السكينة في إيدي, وقبل ما تتكلم كانت السكينة في رقبة إبن عمي, وإيدي التانية لافة حولين رأسه, جزيته مرة واتنين وتلاتة, وأخيراً سكت" ... بعد جلسة المكاشفة هذه تغيرت طبيعة العلاقة بينهما مما أثار دهشة الجميع, وأصبحت وعد خطاً أحمراً ممنوع الإقتراب منه .
وأخيراً حل اليوم الذي انتظرَتْه وعد منذ ثلاث سنوات كاملة. بقدر ما كان ذلك مفرحاً, إلا أنها لم تستطع أن تتغلب على مشاعر الحنين التي اعتملت داخل صدرها تجاه من عرفتهن من فتيات, فقالت لها دنيا : "زي ما قلتلك الشقة دي فاضية, وعمي ما يعرفش عنها حاجة, خليكي فيها لحد ما تضبطي  أمورك" ... كانت شقة فسيحة تحتل الطابق الرابع بكامله, في بناء من ستة طوابق. كان الوقت يسبق بدء عامها الأول بالجامعة ببضعة أشهر, فشغلت نفسها بالبحث عن عمل تتكسب منه, وبالفعل وجدت عملاً بمكتبة تبعد مسافة قليلة عن البيت. المرتب ضئيل, لكنها قدّرت أنه سيكفيها لتقتات منه وتدفع مواصلاتها من وإلى الجامعة, ولمصروفاتها الدراسية.   أسبوعان مرا ثم عقدت العزم على زيارتين, الأولى لدنيا والثانية لقبر أمها, ولكنها لا تعرف أين دفنت, فالشخص الوحيد الذي يعرف هو (ام مرزوق). أسئلة كثيرة تقاذفت عقلها وهي تحث السير, تقترب من حكر ابو دومة الذي... أزيل عن بكرة أبيه! فقد تم إزالة البيوت العشوائية بأمر من الحكومة, ولكن أين ذهب قاطنوا الحكر ؟ ...
(نرجو من الدكتورة وعد خليل سرعة التوجة إلى الإستقبال). إمتلأت صالة الإستقبال بأشلاء زجاجية. وأخيراً استطاعت ثلاث ممرضات في كبح جماح الطفلة ذات الإثني عشر عاماً, والتي كانت تهشم كل ما تصل إليها يداها. إستلمت وعد تلك الحالة من مرضاها المتابعين معها منذ فترة. إقتربت منها امرأة باكية : "بنتي هتبقى كويسة يا دكتورة", أجابتها وعد بغلظة شديدة : "كان لازم من البداية تكونوا على تواصل مع طبيب نفسي يتابع حالتها, خوفكم المَرَضي عليها ضرها أكتر ووصّلها للحالة دي". متجاهلة بكاء المرأة, نظرت إلى ساعة معصمها, ثم ابتعدت وهي تخلع ردائها الأبيض, وحملت حقيبتها من فوق المكتب الذي زينته لافتة أنيقة كتب فوقها (دكتورة وعد خليل أخصائية تخاطب) .
كانت راضية باختيارها لقسم النساء والتوليد لتخصصها, فرحة به, مولعة بفكرة أن تمتلك عيادة خاصة وتأتيها النساء من كل مكان, بعدما تشتهر ببراعتها وتفانيها في عملها. حمتها جِدِّيتها وانطوائيتها من الوقوع في الكثير من أفخاخ الحياة. حلمت كثيراً بيوم تخرجها والتحاقها بركب طبيبات النساء والتوليد الأشهر والأبرع, لذلك لم تظن أن عملها التطوعي في مركز تأهيل الأطفال قد يُغير من مسار حياتها تماماً, فانجذبت إليهم وأحبتهم وتملكوا فيها كيانها كله. نالت درجة الماجستير في مجال التخاطب وأصبحت عضواً في الإجتماعات الإدارية والمؤتمرات الدورية الخاصة بمجالها. إلا أنها وبرغم  نجاحها المهني  فقد افتقدت في مكان عملها إلى صحبة مخلصة. تأذت كثيراً قبل أن تتعلم أن الغيرة قد تنزل صاحبها إلى منزلة حيوانية, لذا حرصت أن تُخفي حقيقتها عن الجميع, فأخبرتهم أنها ابنة لطبيبين هاجرا إلى أمريكا للعمل منذ سنوات, واختارت هي البقاء في مصر. وفي هذا المركز, وحده فقط مدير المركز يعرف, فقد خبّرته قبل تطوعها منذ سنوات, وبعد تخرجها تحولت من فرد متطوع إلى طبيبة بالمركز لها أجر شهري جيد أتاح لها معيشة طيبة. وخلال تلك السنوات كانت تزور دنيا باستمرار. والرسم لم تفتر عنه, وشاركت في المعارض الصغيرة, وتمكنت في الفوز عدة مرات .
بعد أن انتهت من إحدى مريضاتها, فوجئت بوائل الطبيب يدلف إلى مكتبها ويخبرها أنه يريدها في أمر خاص, فاحتالت دماؤها ناراً, وعلى حطب قلبها غلت قدورٌ, بينما ظلت محتفظة بقناع الجدية على ملامحها. أقبل وائل بخطاه الواثقة وابتسامته الخلابة ونظراته الآسرة, فبدأ بالحديث عنها وأدبها وخلقها ومهارتها, ثم انقلب ضمير المتكلم إلى غائب حتى ظهر لها الخيط في منتصف إحدى العبارات ..سمير! فقال : "أول ما عرفت قلتله أنت فعلاً أحسنت الإختيار, بس هو محرج يتكلم معاكي, فقلت أوفق رأسين بالحلال, فيا ريت تديني رقم الوالد أديه لسمير, ده لو أنت موافقة يا دكتورة؟", فاستدعت صوتها بصعوبة قائلة : "أنا مش قادرة أدي قرار دلوقتي, بعد إذنك يا دكتور وائل" .
 عادت إلى بيتها ورفعت صوت التلفاز عله يشوش عقلها. وفي اليوم التالي قالت لوائل :"يا ريت تبلغ أستاذ سمير أسفي أنا مش موافقة" . ويبدو أن رفضها حرّض رجولة سمير المهانة على الظهور أمامها, وخوض ما لم يجرؤ على خوضه من قبل. وأخذ سمير فني المعمل, الذي بات يسلمها التقارير بنفسه ويخبرها بأمور فنية لا تعنيها, وبعدما انكشفت مشاعره لها أصر أن يُظهر لها منه ما خفي عنها, علها ترى فيه موطن جمال غفلت عنه. مرت الأسابيع ولم يرفع سمير رايات اليأس والإستسلام, ولا تدري  وعد متى وكيف طفقت تتلذذ بمحاولات استمالتها إليه, وأحبت دور الفريسة التي يحوم حولها صياد مثابر, ولا تنكر أنها وجدت في تصرفاته السلوى لقلبها.
وبعد شهر عرض عليها الإرتباط مرة أخرى, فقالت له : "ما عنديش مشكلة, بس محتاجين نعرف بعض أكتر" . وفي جلسة ضمت كليهما في استراحة المركز, قدم لها إجابات للأسئلة التي سألتها والتي لم تسألها. وبعد يومين أتاها يطلب منها أن تقبل دعوة والدته على الغداء في منزلهم. ولم تتوقف أمه عن طرح الأسئلة وحصار وعد مما جعل وعد تقرر حاسمة أنها يجب أن تعترف لسمير بكل شيء وبسرعة!!!.
في اليوم التالي انتظرته في كافيتريا المركز. بدأت في التحدث بروية, كاشفة عن نفسها أمامه ببطء. لم يشفع لها عنده حبه الذي تغنى به, ولا سمعتها الطيبة بين الجميع, ولم تحاول هي شرح نفسها, ولم تحاول استمالته ليشعر بصدق توبتها. لمست منه نفوراً بعد رغبة, وصداً بعد ميل. حل به صمت القبور, وعلا الإضطراب ملامحه, فولت مسرعة. أرادت أن تحكي وتبكي أكثر لو أظهر تفهماً, أو كان بها رؤوفاً, فقط لو!.  
لم تعد تهتم إن أخبر سمير كل من في المركز عن السبب الذي عرقل ارتباطهما, ما يهم حقاً هو اعتصارها ألماً وهي ترى الحلقة الفضية التي تطوق أصبعه, بعد ستة أشهر من لقائهما المشؤوم في استراحة المركز. ما يهم هو تلك الغصة المريرة التي تستقر داخل حلقها, وهي تراه يصطحب خطيبته إلى المركز, بينما يرمقها بنظرات مشفرة لم تفهم فحواها, وهي ترمق تلك الفتاة التي فضلها عليها والتي حتماً ليس لها سابقة مشينة مثلها. وبعدها أرادت وعد أن تبتعد. أتاها الخلاص في هيئة قافلة طبية لاستهداف أماكن متفرقة من جميع أنحاء الجمهورية. فلم تعرب عن أي سرور أو ضيق عندما علمت أن المكان الذي ستقصده مع سهام وغيرها من الأخصائيين خارج المركز هو واحة سيوة. لا يعنيها كثيراً أين ستذهب طالما ستبتعد عن هذا المكان لبعض الوقت .
شعر فرغلي بحكة في أنفه أتبعها بعطسة, ثم ترك الدفتر الوردي من يده. إلتفت فرغلي إلى الصوت البشري من وراءه وقال فرغلي : "الحقنا والراجل اللي معايا لازم نوديه المستشفى" ,فقال الرجل : "طيب خليك هنا, رَحْ أروح أجيب أنفار من حدانا في الغيط يشيلوك أنت والجدع ده".
في المساء تلقت وعد اتصالاً من أحد المسؤولين في المنظمة التي تنظم القافلة الطبية, ليبلغها بمكان الإجتماع الذي ستتلقى فيه التعليمات الخاصة بمكان سفرها وتفاصيل أخرى. وحين وصلت إلى المكان فغرت فاها دهشة وهي ترى تلك الأبراج السكنية المتجاورة التي احتلت مدخل حكر أبو دومة سابقاً, والذي لم يبق منه أي أثر. وبعد الإجتماع نزلت وعد إلى خلف البرج فتراءى لها أعشاش من الخشب والقش نصبت بجوار بعضها البعض, فاصطدمت بطفل وتحدثت معه فقالت له : "كنت عايشة هنا مع أمي وست طيبة أوي إسمها أم مرزوق", فقال الطفل بحماس : "عارفها خالتي أم مرزوق العمية تحبي أوريِّكي مكانها ؟", أومأت برأسها. مشى الطفل أمامها وتوقف أخيراً أمام عشة صغيرة. جلست وعد أمام أم مرزوق, وبعد حديث طويل سألتها وعد عن مكان قبر أمها, فأطرقت المرأة بأسف, وأخبرتها أن المستشفى آنذاك تولت مهمة دفنها. شردت وعد مع صدمة أنها لن تعرف مكان قبر أمها أبداً. ثم كشفت أم مرزوق عن ظرف متسخ وقالت : "وأخيراً هرد الأمانة لصحابها, ده الجواب اللي أمك وصّتني أدِّيهولك لو جرالها حاجة". ثم قالت وعد : "إنتي بتعتبريني زي بنتك, أنا ماليش بالدنيا حد غيرك, أنا عايزة آخدك من هنا, أنا عايشة في شقة بتاعة واحدة صاحبتي وعايزاك تعيشي معايا", حينها ارتجفت أم مرزوق ولمعت عيناها وهي تنظر إلى وعد كأنما تراها, وقالت وعد:" أنا مسافرة في شغل لمدة أسبوع, لما ارجع هاجي آخذك من هنا..إتفقنا؟".
عادت وعد بالمظروف إلى البيت وقرأته : " بنتي الحبيبة وعد, حاسَّة أن أجلي قرّب, عشان كده مش عايزاكي تعيشي لوحدك من غير ضهر يحميكي, لو مت يا بنتي فوصيتي لك أنك ترجعي لبيت أبوكي, انتي بنته حته منه, ويمكن تكون الدنيا ربّته وغيّرته, ويأخدك في حضنه ويعوضك عن السنين اللي فاتت, خلي بالك من نفسك وإوعي تنسي أمك يا وعد" قرات وعد الرسالة وانهمرت دموعها كالشلال .
إستمعت وعد بانتباه شديد إلى الدليل يشرح خريطة الواحة حيث ضمت قرى عديدة, وخاطبت أذنها لأول مرة أسماء المناطق السياحية في سيوة كجبل الدكور وجبل الموتى ومعبد امون ومدينة شالي وبئر كيغار, فأثارت تلك الأسماء بداخلها الفضول لرؤيتها ومعرفة تاريخها وسبب شهرتها. ولم يكد يمر اليوم الثالث حتى أيقنت وعد أنها ذابت عشقاً في سيوة المصرية. كل شيء هنا له سحر مميز وجاذبية خاصة. ومن اليوم الرابع للسابع, إنتشر أفراد القافلة في قرى الواحة, يعقدون الندوات ويلتقون الأطفال الذين يعانون مشاكل في التعلم, ويوجهون النصائح للأهل والمعلمين والمربين.
كان المكان الأخير الذي أرادت أن تراه هو بئر كيغار, فبحثت عن ترجمته بالعربية فعلمت أن المقطع "كي" يعني السيد, وقد عرفت من أهل الواحة أن سبب تسمية البئر بهذا الإسم هو مجهول. بقيت وعد عند البئر تتذكر الماضي السيء حتى أخرجها صوت رنين هاتفها من ذكرياتها المجترة وأفكارها المتشابكة, فرأت إسم "معلمة الرسم" التي كانت في عنبر الإصلاحية فقالت المعلمة : "دنيا ماتت, إنتحرت في العنبر وما قدرناش نلحقها, حسيت إني لازم أقولك, البقاء لله يا وعد", حينها شخصت عينا وعد واصفر وجهها. وضاق نفسها بعدما انحبس الهواء في حلقها, وسقط الهاتف من يدها بغير أن تشعر. تسارعت دقات قلبها, الرؤية تقل وضوحاً شيئاً فشيئاً, دوار شديد ثم صوت ارتطام قوي! وسقطت في البئر إلى أن أنقذها رجل كانت قد رأته من قبل عيناه كالبرق. وقالت لها سهام فيما بعد إنه عمدة قرية من قرى الواحة. وبقيت في غرفتها تأخذ قسطاً من الراحة. وعم الهدوء الغرفة, وبدأ النداء رويداً رويداً, في البداية لم يكن واضحاً إلا أنه ارتفع تدريجياً, كلمات غير مفهومة ونداءات متكررة تدعوها لأن تذهب إلى هناك حيث كانت بالأمس, إلى بئر كيغار, وأن هناك سيتغير ما كان وسيُمحى ما فات!. وبالفعل ذهبت وعد, وقرّبت رأسها من المياه حيث عيون بشرية تنظر إليها!وكانت عيوناً حقيقية. رجعت خطوة إلى الخلف, فخرج فوق المياه جزء من الرأس الغارق. إبتعدت خطوة أخرى, فظهرت الرأس  كاملة.. لامرأة متسعة العينين بلا أجفان, وقالت المرأة : مقايضة .. ذكرياتك المؤلمة مقابل قربان, فقالت وعد : "خديها مقابل اللي إنتي عايزاه" .
في الصباح استيقظت سهام فزعة على وقع دندنة خفيفة تتردد في الغرفة, نظرت بدهشة إلى وعد الجالسة فوق الطاولة الصغيرة واضعة أمامها مرآة وهي منهمكة في وضع أحمر الشفاه, بينما يتصاعد من بين شفتيها عزف لحن لأغنية ما, وانطلقتا معاً إلى حفل عيد الصلح الذي يقام سنوياً في واحات سيوة, وهناك اقتربت من وعد سيدة وقالت لها : "لو طلبت منك تيجي عندي تشوفي بنت تعبانة ترضي ؟ ناس تقول فيها توحد وناس تقول تخلف والله مانا عارفة يا بنتي"؟, فردت وعد موافقة . وفي صباح اليوم التالي جاء السائق كي يوصلها إلى بيت المرأة وقال لها : "إحنا رايحين لبيت عمدة قرية أبو شروف الباشمهندس رؤوف اللي (خالة زمزم) تبقى عمته", وحين وصلوا إلى البيت وقف السائق أمام الباب لأنه لا يدخل البيت رجال إلا بإذن رؤوف.
استقبلتها الخالة زمزم وعرّفتها على الطفلة ريم, وأخبرتها الخالة أن الطفلة لها من العمر سبع سنوات إلا أنها تعاني من تأخر كبير بالنطق بالإضافة إلى خوفها من الآخرين, وأخبرتها الخالة زمزم أنها عمة والد ريم عمدة هذه القرية, وأن أمها قد توفيت يوم مولدها. وقبل مغادرة وعد قدمت لها الخالة هاتفاً فقالت وعد : "موبايلي لقيتيه فين؟", فقالت الخالة : "وقع منك مبارح لما كنتِ بتزوري بير كيغار, رؤوف كان هيودِّيه للفندق, بس لما عرف مبارح أني اتفقت معاكِ تشوفي ريم سابهولي أديهولك", فلم يزدها هذا الرد إلا حيرة !!.
وفي اليوم التالي عرضت عليها الخالة زمزم البقاء حتى تشفى ريم, ولم تكن وعد في حاجة إلى مزيد من الإلحاح, ليس فقط لأجل ريم التي أحبتها, ولكن لأنها لا تريد العودة إلى شقة دنيا والتى لم تشف بعد من صدمة انتحارها، فوافقت بالطبع . أسبوعان قضتهما في بيت العمدة, استطاعت خلالهما الإقتراب من ريم كثيراً, لمست إنعدام ثقتها بنفسها. بعد مرور أسبوع آخر, تعلقت بالصغيرة كما تعلقت هي بها, وأخذتا تمضيان معظم الأوقات معاً.
 وفي عصر أحد الأيام سألتها الخالة زمزم في فضول عن أهلها وعن طبيعة حياتها في القاهرة. شعرت وعد أنها تبذل مجهوداً غير عادي في التذكر, تسترسل في الإجابة ببطء شديد, فوجئت ببضع مواضع من ذاكرتها مفقودة تشكل أحجية لا يمكن حلها. وفجأة رن هاتفها, رفعت الهاتف وردت بتوجس على معلمة الرسم فقالت لها : "وعد لازم تيجي المؤسسة في أقرب وقت لأن في وصية سيباها دنيا الله يرحمها تخصك", فهتفت وعد باستغراب شديد : "مين دنيا ومؤسسة مين ؟؟".
 بعد شهر من بقائها في سيوة بحثت وعد عن الخالة زمزم لتخبرها برغبتها في الخروج والتجول في القرية, فرأتها تتحدث مع رؤوف بحديث أخذ جل انتباههما, ثم توقفا فور اقترابها منهما, فاضطربت محرجة وهي تخبر الخالة بما أرادت, ولكنها انتبهت إلى رؤوف الذي أخذ  يتفحصها بجرأة لم تعتدها منه, فازدادت توتراً واضطراباً. ولم تطل حيرتها كثيراً, فبمجرد عودتها إلى البيت, استقبلتها الخالة زمزم بجملة : رؤوف عايز يتجوزك .. ألجمتها المفاجأة, هكذا بلا مقدمات!! كانت لا تزال الخالة تتحدث, ولا تزال هي غير مصدقة. حلم جميل اجتذبها, تغلغل بداخلها دفء تملك من فؤادها وتحكم في أحاسيسها ومشاعرها. ووافقت على الخطبة, وجاء يوم الخطبة دون أن تتبادل معه حرفاً واحداً. وجاء يوم الزفاف الذي استمر ثلاثة أيام, ونصّبت وعد عمدة سيوة ولياً لها, وشرعت الخالة زمزم في تحصينها بالرقية وبقراءة القرآن.
 أمضت أسبوعين من عمر زواجها تنعم بالسلام على فراش كينونتها الخاصة, متصالحة مع نفسها ومع من حولها. ساعدها على ذلك رؤوف الذي قلدها أمام الجميع ومنذ اليوم الأول لزواجهما زمام الأمور, خاصة تلك المتعلقة بريم, فسارت حياتها روضة تتعانق أغصانها وتشتجر أفنانها. التجاهل الذي لاقته من رؤوف في فترة خطبتهما استحال غيرة واهتماماً, فكان بديهياً أن يطلب منها أن تُخفي مفاتن وجهها, كغالب نساء الواحة. ورأته زوجاً مثالياً لها. واستقالت من المركز وراودتها  فكرة أن تستقبل الفتيات اللاتي يردن تعلم الرسم في بيتها مقابل أجر رمزي. وشعرت بالفعل أنه العمل المناسب لها .
في أحد الأيام أخذها رؤوف وريم إلى بعض المزارات. وجلسا يتحادثان فقال لها :"أول مرة شفتك فيها حسيت أن في حاجة هتجمعنا ببعض", ثم أكمل : "عشان كده أنقذتك لما وقعتي في بير كيغار", حينها ضاقت عيناها وأكدت أنها لم تسقط يوماً في بئر, ولا تعرف هذا الكيغار, واحتد هو يتهمها بالكذب ويسألها فيما الإنكار ؟؟ فاستوطن الألم صدرها, فتلك المرة الأولى التي يحتد بينهما الشجار لهذه الدرجة. وفي اليوم التالي طلبت من رؤوف الذهاب إلى بئر كيغار فوافق بشرط أن تذهب معها (فتون) التي تعمل في البيت, فقبلت وهي سعيدة بهذا الشرط . ذهبت ولكنها  لم تر شيئاً غير عادي  ...ولكن ما القربان الذي رأته في حلمها الليلة الماضية ؟؟ ثم مضت إلى البيت بحال أفضل. وفي الليل رأت كابوساً آخراً, صوت يقول: أريد قرباني !! لقد قايضتك بذكرياتك المؤلمة مقابل قربان, فقالت وعد : ليس لدي ذكريات مؤلمة فقال الصوت : لأنني من لفح نارها, أرحتك, أريد قرباني وإلا أعدتها إليك وتركتك بها تحترقين. قرباني هو قطرات من دماء من تحبين, قطرات تسكن عروق من تسعدين .. يطربني أكسير الحياة, ولديك من السعداء اثنين رؤوف وريم, كل شهر لديك من الأيام ثلاث, عند اكتمال القمر قطرات من دماء كليهما تلقيها في قاع كيغار ! حينها أفاقت من نومها مفزوعة وقالت : تباً لك لن أفعل لن أفعل !!.
لم تعد جسور الثقة بين رؤوف ووعد قوية كما كانت, شكوك كثيرة تعتمل بداخله تجره إلى السهر وتحرمه النوم، يقرأ على وجهها ما يجعل علامات الإستفهام تزداد داخل رأسه. إنتظر حتى استغرقت في النوم ثم توجه إلى خزانتها, وتفحص بين ملابسها يبحث عن شيء يقوده لحل الألغاز التي تدور حولها, فوجد مغلفاً مطوياً بعناية, فتحه ليجد خطاباً وورقة صغيرة دُوّن فوقها عنوان ورقم هاتف. فض الخطاب سريعاً, وأصابه الوجوم بعدما انتهى من القراءة. لماذا كذبت بشأن وفاة أبيها ؟ كيف لها أن تجرؤ على خداعه بهذا الشكل ؟ توجه إلى هاتفها وبحث في قائمة الأسماء وانتقل إلى الرسائل فوجد اسم دنيا, وقرأ جميع الرسائل وصعقه ما قرأ, وعد زوجته مجرمة ولها صديقات من عالم الإجرام !!! لم يصدق, نظر إلى وجهها البريء وهي نائمة, ولم يتحمل ترْك نفسه فريسة للظنون, واتصل بصديقه الضابط ليعرف ملفها الكامل!.
بدا لوعد أن وجودها بالقرب من ريم ورؤوف خطر محدق على حياتهما. فيجب عليها أن ترحل لتحميهما من نفسها ومن حورية بئر كيغار الملعون. فخرجت من المستشفى بعد أن وضعت فيها ريم التي سقطت من الأرجوحة وامتلأ جسمها دماءاً, واندفعت خارجاً لا تدري وجهتها. كانت كمن يفر من الجحيم وكأن شياطين الدنيا تطاردها, فلم تلحظ وهي تعبر الطريق تلك السيارة القادمة بسرعة, وعندما رأتها جمدها الخوف أو لعله اللاخوف, ثم أظلم كل شيء أمام عينيها! وبينما كان الطبيب يتفحص رأسها وعينيها قالت الممرضة للطبيب بدهشة : "مفيش أي جروح في جسمها", فانتقلت حيرتها إليه, وتلاقت نظرة الطبيب والممرضة وبينهما ترتسم علامة استفهام كبيرة لسؤال واحد تنطق به أعينهما : من أين أتت هذه الدماء التي تلطخ وجهها وكتفها وصدر ردائها ؟  فقالت ممرضة أخرى : "دي وعد مرات العمدة, ومن شوية جت وجابت بنت العمدة وهي غرقانة بدمها ودلوقتي هي". تنفس الطبيب الصعداء وهو يقول: "كويس عرفنا الدم اللي عليها ده جه منين "...
علت أمارات الفزع وجه رؤوف وهو يحوقل ناظراً إلى وعد الفاقدة الوعي. ومرت الساعة التالية بشق الأنفس, لم تفتر شفتي رؤوف لحظة عن الدعاء والإبتهال أن ينجيها الله ويحفظها, حتى أخبره الأطباء أنها لا تعاني سوى من كسر في ساقها اليمنى, والتي تم تجبيرها, بالإضافة إلى بعض الخدوش والكدمات التي ستشفى مع الوقت. ثم أفاقت وعد, وقصت عليه كل ما كان يجهله, وكل ما اكتشفه ليلة أمس أثناء بحثه في أغراضها وهاتفها بكلمات تقطر ألماً, حتى ارتسمت على وجهه صدمة بالغة, فار الدم في عروقه وهي تخبره بأنها أمضت ثلاث سنوات من عمرها في المؤسسة العقابية لاتهامها بالسرقة, فأكدت شكوكه. ظلت ترتجف, حتى بعدما ساد الصمت بينهما. كم  ودت لو يمسح عن كل جرح دماه, فتجاهل قلبها ولم يسمع نِداءه, رحل تاركاً خلفه جثة ودمعة وبعض الذكريات .
عندما سألته الخالة زمزم عن وعد أجابها باقتضاب. ثم قال لعمتيه كل شيء, فظهر الحزن والأسى على الخالة زمزم, فقد كانت قد أحبت وعد واعتبرتها كإبنة لها, بينما تجسدت معاني التشفي على وجه العمة هِنّانة التي نفثت سمومها قائلة: إتصل بأبوها ييجي يأخدها, ورؤوف يطلقها وتروح لحالها, أكيد كذبت بكل كلمة قالتها, واخترعت حكاية الحورية عشان تضحك بيها علينا.
في الصباح تحدث رؤوف إلى ابنته, وسألها أن تحكي له ما كان من معاملة وعد لها فقالت : "خالة وعد قالتلي على سر, قالتلي إوعي تروحي عند البير عشان في حورية وحشة عايشة جواه" فقال رؤوف لنفسه : لا يمكن أن يكون ما رأه منها بالأمس مجرد تظاهر منها, كانت بالفعل خائفة على ريم, يجب أن أتحدث إليها مرة أخرى! ويجب أن تفسر لي, وتعترف بالحقيقة كاملة .
ثلاثة أيام بقيت طريحة الفراش, منبوذة كتفاحة فاسدة فاح أسَنُها حتى اعتزلها الجميع في بيتها. لم تأكل الطعام طيلة هذه الفترة. دخلت عليها الخالة زمزم وقالت لها: " أنا ما شفتش منك إلا كل خير, وريم بتحبك قد عنيها, استعيذي بالله من الشيطان, ده شيطان عايز يفرق بينكم, من ساعة ما دخلت اليت ما شفتكيش بتصلي, إزاي ربنا حيباركلك في حياتك مع زوجك". عكفت الخالة على رقية جسد وعد, ثم قامت وعد فصلّت ركعتين لله تعالى وأخلصت في الدعاء بعد الصلاة.  
وبعدما أقنعها رؤوف بالذهاب إلى الطبيبة النفسية, ذهبت إليه وقابلتها وتكلمت معها. بعد ذلك تساءلت وعد : هل كان كل ذلك وهماً صنعته بخيالها كما تقول الطبيبة, ليحميها عقلها من آلام نفسية مدمرة, بأن عزل الجزء البشع من ذكرياتها عن إدراكها, وكل ما رأته وسمعته هلاوس بصرية وسمعية سببها مرض الذهان, الذي أصابها نتيجة ضغوطها النفسية كما تقول الطبيبة ؟؟ كيف ؟؟. فخرجت من عند الطبيبة بنفسٍ مشتتة. انتظمت في أدويتها كما أمرت الطبيبة, ولم تترك الأذكار, كما أمرتها الخالة زمزم, والتي يومياً كانت تحصنها وترقيها, فتتسلل الآيات القرآنية إلى أذنيها كشفاء لروحها وجسدها. تجاوبت مع الطبيبة بشكل أفضل في الجلسة الثانية, ولكن معتقداتها عن الحورية والبئر كانت لا تزال بنفس القوة. وفرح رؤوف قليلاً عندما عرف من الطبيبة أن وعد لم تكن تكذب بل كانت متوهمة فعلاً, وبالفعل كانت ناسية لكل شيء من الماضي.
مر أسبوعان يحاول فيها رؤوف ووعد إعمار ما تهدم من جدار حياتهما. وفي أول ليلة من اكتمال القمر عاودتها نوبة الهيجان وهي تبكي وتتضرع إلى رؤوف وريم ألا يخرجا من البيت مخافة أن تصيبهما الحورية بمكروه. حينها أخذها رؤوف إلى بئر كيغار, فرفضت النزول من السيارة وهي تصرخ به, فتركها ومشي في اتجاه البئر وقال : "وعد مافيش حورية في البير, لازم تصدقي ده عشان تتحسنى ". ألقى بنفسه في البئر, صرخت بإسمه بقوة تفتت الحجر. لن تخسره وتتركه فريسة للحورية, وبدون تردد ألقت بنفسها في البئر. تعلقت برقبته وهي تنظر حولها, لا شيء, لا تحتضن المياه الدافئة إلا جسديهما, بئر عادي كأي بئر, لا حورية ولا مقايضة ولا قربان.
فتذكرت وعد كلام الطبيبة : "الصدمات الأخيرة واللي انتهت بانتحار دنيا, خلت عقلك يصنع قصة وهمية يتخلص بيها من كل حاجة بتوجعك, فاستدعيتي ذكرى نبوءة العرافة اللي عقلك الباطن كان مخزنها طول السنين اللي فاتت, ونسجتي منها قصة عشتي فيها وصدقتيها. كلنا جوانا البير ده بنخفي فيه الحاجات اللي بنخاف نفكر فيها واللي ما بنحبش نفتكرها, بس مش معنى أنك مش شايفاها أنها مش موجودة. إتخلصي من ألمك بالمواجهة, بالكلام, أكتبي كل اللي بيضايقك واهديها للشخص اللي كان سبب في كل اللي حصلك" فقالت وعد : "قصدك بابا".
فوق هذه الرمال أحبت العيش, وتحتها تحب أن تدفن, وبالمال الذي تركته لها دنيا في وصيتها ستبني في القرية مستشفى صغيراً, وستكون طبيبة نساء وتوليد تداوي نساء قريتها اللاتي يفتقدن وجود طبيبة ماهرة في محيطهن. ثم تحولت إلى رؤوف باسمة, وهمست له بأكثر اللغات قرباً لقلبه... ! فداعبت ابتسامة العشق ثغره, وانبثق الفجر من محياه. إرتجف قلبها وارتجف قلبه, وتموجت في دمه الكلمات لمرأى الدمعة التي انحدرت في سكون, فرفع كفيه لتوقع أنامله على وجنتيها عهداً : ألا تراق المزيد من اللآليء أبداً .
أغلق فرغلي دفتي الكتاب, عندما نفد الحبر الأزرق من فوق السطور. ثم التفت فرغلي يرمق عويس الذي أنقذه واستضافه في داره, وأخذ يفكر في الحاج خليل الذي يحتل ثلاجة الموتى بالقرية. شعر أن عليه ديناً لهذا الرجل, ولهذه الكلمات التي أباح لنفسه قراءتها في ذلك الدفتر, ولهذه الفتاة التي استجلبت عطفه بحكايتها. إن لم تنعم بأبيها حياً, فلا أقل من أن تُمنح الحق في زيارة قبره ميتاً! واستعاد بتفكيره حال الحاج خليل خلال السنوات التي عرفه فيها, وكيف عاش وحيداً بائساً, حالت حدة طبعه وقسوته بينه وبين الآخرين فجانبوه, وبعدها خسر خليل رأس مال تجارته. وبعدها تغير الحال ولم يعد خليل كما كان, وها هو خرج من محكمة الدنيا إلى محكمة الآخرة, ولو علم أن الموت سيسبق بخطوة واحدة رغبته في التكفير عن خطاياه لما أذنب قط !.
دفعت الطيبة والتأثر بفرغلي أن يتخذ موقفاً إنسانياً مراعاة للعِشرة. وبعد أن أصلح سيارته, إنطلق بها مكملاً وجهته التي خرج إليها بالأمس, فوصل إلى قرية أبو شروف. ولم يكن الوصول صعباً ولا إلى البيت الذي قرأ عنه في المذكرات. توقف أمامه يسترجع وصف وعد له, دفع بيده البوابة الكبيرة المواربة فرأى على الفور سيدة كبيرة تفترش الأرض, إنها أم مرزوق. وكاد يدلف البوابة لولا أن تذكر كلمات السائق لوعد في  مذكراتها : لا يدخل البيت رجل إلا بإذن رؤوف. نادى بعلو صوته, حينها نزل رؤوف وقال فرغلي : "أنا كنت المفروض جاي امبارح مع الحاج خليل", وهنا برزت وعد من خلف البوابة ونظرت عبر كتف رؤوف إلى فرغلي, غابت عنه تفاصيل وجهها إلا أنه لم يخطيء اللهفة في عينيها, فازداد تلعثمه وهو يقول بصوت حزين مشفقاً : "الحاج خليل تعيشوا أنتم". تجمدت في مكانها, والتفت رؤوف ليطوق كتفيها بذراعه. كادت أن تلمع عيناها بالدمع, لكن صوت بكاء رضيع ملأ أرجاء البيت, فأخفت الدمعة طرف ردائها وتجلت الآمال بحسن بهائها!.
النهاية.
الكاتبة في سطور :
منى سلامة .. طبيبة بيطرية, ولدت في المنصورة سنة 1985, تكتب في الإتجاه الرومانسي الإجتماعي , بدأت في الكتابة تحت اسم مستعار "بنوتة أسمرة" في منتدى شهير , لها أربع روايات منشورة الكترونياً .
الرواية في سطور :
زهـرة صغيـرة انتُزعت مـن تربتهـا، وتفتحت في أرض أخرى لا تليق ببهائهـا.
حاولت أن تتشبث بالحيـاة, فأبت السماء أن تسقيها من فيض غيمهـا، وسقتها الحيـاة من المرار والألم كؤوسًا.
نبتت لها أشـواك، وتلوَّنت بلون الهـلاك، وأخفت رحيقها بمعزل تخشى بطش الأزمـان.
فاستحـال الدواء داء، وجرحتها الأشـواك، وسارت على درب نبـوءة كُتبت بقطـرات دمــاء!.
فهل تستطيـع ذرات الرمـال الطاهـرة أن تمسح أدرانهـا، وتبعث بحيـاة جديدة في القلـب والعـروق ؟!

 النهاية 



إرسال تعليق