القائمة الرئيسية

الصفحات

تلخيص رواية ما تخبئه لنا النجوم: جون غرين إ- عداد وإشراف: رجاء حمدان





لسماع الرواية والاشتراك بالقناة ...قناة راجو شو... الرابط التالي : 



 تلخيص رواية 
 ما تخبئه لنا النجوم: جون غرين 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان



 









قررت والدتي في وقت متأخر من شتاء عامي السابع عشر أنني مصابة بالاكتئاب، ربما لأنني اجعل غالبية وقتي الحر الكبير فى التفكير في الموت. وحيث يصنفون الإكتئاب دائما أنه واحد من التأثيرات الجانبية للسرطان إلا أن الإكتئاب له تأثير جانبي لما قبل الموت . فأخذتني لرؤية دكتوري المعتاد جيم الذي اتفق معها على أنني اغرق بالفعل في حالة تامة من الإكتئاب المحبط السريري, ويتوجب عليَّ ان احضر اجتماع اسبوعي مع مجموعة اسناد.

 في الإجتماع الأول شرعنا نعرِّف بذواتنا , وعندما أتى دوري قلت : أنا هازل. ستة عشر سنة. مصابة في الاساس في الغدة الدرقية لكن المرض انتشر إلى رئتيَّ حيث مكث فيهما فترة طويلة, ولكني بخير. وبعدها انفضت مجموعة الاسناد . لجأت بعد أسابيع عدة إلى نوع من الصراخ و الركل في شأن المسألة برمتها, وخصوصاً فى يوم الأربعاء, وهو اليوم الذي قابلت فيه إلى أغسطس واترز ....ولكن بعد التفاوض مع والدتي وافقتُ على الذهاب إلى المجموعة, ومن ثم انصعت الى الأوامر وذهبت. 

 ركنتْ امي السيارة في الطريق الخاص المستدير وراء الكبيسة, وتظاهرت لمدة انني اتلاعب بمستوعب الأكسجين الخاص بي لمجرد تمضية الوقت. قالت أمي: اترغبين في أن أحمله عنك؟ قلت: لا, لا بأس. فالمستوعب الأخضر الإسطواني لا يزن أكثر من عدة أرطال, أجره ورائي على عربة فولاذية. ويمدني بلترين من الأكسجين كل دقيقة عبر الكانيولا, وهي عبارة عن أنبوب شفاف ينفصل أسفل رقبتي تماماً ويلتف حول أذني ليتمركز في فتحتي الأنف. وهذه الآلة مهمة لأن رئتي تعملان بشكل غير صحيح . لم أشأ استخدام المصعد فصعدت السلم ثم استدرت لأجد صبي ينظر إليّ. 

أنا متأكدة إلى حد بعيد أنني لم المحه في حياتي , إنه طويل القامة شعره بني داكن قصير أملس, وبدا أنه يماثلني في العمر , أشحت بنظري بعيدأً عنه فقد أدركت لبرهة نواقصي التى أعانيها. سرت إلى الحلقة و قعدت على مقربة من صاحبي اسحق, وعلى بُعد كرسيين من الفتى. إسترقت النظر إليه من جديد وكان لا يزال يحدق بي . إنه لمن المثيروالجميل أن يحدق إليك فتى غير مثير بشكل مستمر , إنه أمر في أفضل الظروف مربك, وفي أسوأها نوع من أنواع الإعتداء, لكن أن يفعل هذا فتى مثير .. فهذا شيء جميل. 

على كل حال قررت في النهاية أن اتطلع اليه كما يفعل ورمقته طويلاً بنظرة مدققة بينما كان باتريك قائد مجموعة الاسناد يعترف للمرة الألف بفقدانه خصيتيه, وسرعان ما تحول الموضوع إلى مباراة تحديق !...بعد مدة إبتسم الفتى ثم أشاح بعينيه الزروقاوتين.

 ثم بدأ اسحق بالتعريف عن ذاته : أنا اسحق في السابعة عشر, ويبدو أن عليّ ان اخضع لعملية جراحية خلال اسبوعين, و ساصير من بعدها اعمى. الإصابة بالعمى غير جيدة ولكن صديقتي يعاونني , وكذلك أصدقاء مثل أغسطس, وأومأ بيده نحو الفتى الذي أصبح له الآن إسم. ثم مر خمسة اشخاص قبل أن يصل الدور إليه, كان صوته مثيراً للغاية و منخفضاً: إسمي أغسطس واترز, وأنا في السابعة عشرة, أصبت منذ سنة ونصف إصابة خفيفة بالغرن العظمي, لكنني اتيت إلى هنا اليوم برغبة من اسحق.

 مرت الساعة بطريقة سريعة , روى المجتمعون كفاحهم مع المرض والمعارك التي ربحوها ضمن معارك فاشلة بالتاكيد. دفع أغسطس واترز بنفسه عن مقعده ومشى صوبي مشيته المدورة مثل ابتسامته. سألني ما إسمك الكامل, فقلت: هازل غريس لانكستر, لماذا تحدق إليّ هكذا ؟ إبتسم نصف ابتسامة وقال : لأنك فاتنة , وأنا احب ان احدق إلى الأناس الجملاء, وقررت منذ فترة ألا أحرم ذاتي أبسط ملذات الوجود. أنتِ أشبه بنتالي بورتمان في فيلم "في فور فنديتا", , أشبه بنتالي بورتمان أسطورية قلت: لم أشاهده قط. شرعت في السير نحو السلم , ومشى وهو يعرج بالقرب مني وقال : يجب أن تريه , ستشاهدينه معي في بيتي الآن ! توقفت عن المشي وقلت : أنا بالكاد أعرفك يا أغسطس, قد تكون مجرما يستخدم الفأس في جرائمه. هز برأسه وسار و مشي قبلي . كانت خطواته تميل لليمين و تاكدت من أنه يسير بساق إصطناعية بثقة وثبات , فسرطان العظم يذهب في بعض الاحيان بطرف من أطرافك للتحقق منك, فإذا أعجبته يذهب بما بقي منك . وعندما جاءت والدتي كي تأخذني قلت لها : أنا ذاهبة لكي احضر فيلم مع أغسطس واترز . قاد أغسطس واترز السيارة بطريقة خطيرة . وقد أصابني الارتباك وأنا جالسة في مركبة صبي لا اعرفه في الطريق إلى بيته. 

إستخدمت السؤال الكلاسيكي المعتاد : إذاً أنت في المدرسة ؟ فعند حدٍّ ما, تخرجك عائلتك من المدرسة إذا توقعوا موتك, فقال : نعم وأنتِ ؟ فكرت في الكذب لكنني في النهاية قلت الحقيقة: أخرجني أهلي من المدرسة منذ ثلاثة سنين, لتشخيصي في المرحلة الرابعة لسرطان الغدة الدرقية, وأنا في الثالثة عشرة, وهو كما قيل لنا لا يعالج البتة , ثم أخذت رئتاي بالدمار, ثم بفضل دواء (فالانكسيفور) تم وقف نشاط الخلايا السرطانية, ما جعلني برئتين معتلتين, لكن يحتمل أن تتمكنا من الجهاد لأجل غير مسمى.
 وأنا أحْضر الصفوف في معهد إم سي الجامعي, و اخذت شهادة التطوير التعليمي العام. فقال : تلميذة معهد , هذا ما يفسر هالة العلم الرائعة , وتكلف الإبتسام. توقفنا في اول المنزل وتبعته إلى الداخل فلفتتني نظرة خشبية عند بهو المدخل حفرت عليها عبارة ( البيت حيث القلب ). ناداه ابوه و امه بإسم غاس, و لم يفاجئا كثيرا باني في البيت . حدثاني بعض الوقت عن آل واترز, وأخبراني أن الجو جميل جدا في آذار وكيف يتجدد كل شيء في الربيع, ولم يسألاني مرة واحدة عن الأكسجين, أو عن تشخيصي لحالتي المرضية وهو أمر غريب و جميل , إلى أن قال أغسطس: سأشاهد أنا وهازل فيلم (في فور فنديتا). لقد اعجبت ب أغسطس واترز أحببته فعلاً فعلاً !! أحببت نبرة صوته, وأحببت أنه أستاذ مختص و مستقر في قسم الإبتسامات القليلة الإلتواء, ويتبوأ بكل تفوق منصبه في قسم الصوت الذي يجعلني احس بالإثارة كما لم احس بها من قبل. قال لي: ما حكايتك ؟ إهتماماتك, هواياتك, أهواؤك ... فقلت :القراءة , فقال: ما المفضل لديك ؟ قلت : كتابي المحبب هو (محنة عظيمة), لكنني لا أحب ان اقول ل الناس عنه. تقرأ في بعض الاوقات كتاباً فيملأك بهذه الحمية الشاذة الإنجيلية, وتقتنع كلياً أن العالم الممزق لن يعاود أبداً لمّ دماره إلا حين يقرأ جميع الناس الأحياء الكتاب. 
وثمة كتب مثل (محنة عظيمة) لا يسعك ان تقول ل الناس عنها, إنها كتب خاصة و فريدة وملك لك, بحيث يصبح الاخبار عن حبك لها أشبه بالخيانة. وليس الكتاب على قدر من الجودة بل بدا أن الكاتب , بيتر فان هوتن, يفهمني فهماً يعطي الصدمة في النفس, ويستحيل أن يفهمني مؤلف كما فهمني هومحنة عظيمة هو كتابي كما أن جسدي هم جسدي. فقال : سأقرأه إذاً, واستدار بعد ذلك وأمسك بكتاب وبقلم وهو يكتب إهداء على صفحة العنوان, ورفع الكتاب "ثمن انبلاج الفجر" وقال: كل ما ارغبه هو أن تقرأي لعبة الفيديو المحببة لي وقد تحولت إلى رواية ... ثم شاهدنا الفيلم وقد باعدت بيننا مسافة غير بعيدة على الأريكة . 
ثم قام بتوصيلي إلى المنزل , وقدت أنا السيارة, ولما وصلنا المنزل سأل: أيمكنني لقاءك مرة ثانية , فقلت: بالتأكيد. لم انم تلك الليلة حتى وقت متأخر جداً أقرأ ( ثمن انبلاج الفجر ).. لاقيت رقم أغسطس على اول صفحة من الكتاب فبعثت إليه رسالة نصية : مراجعة ثمن انبلاج الفجر: الكثير الكثير من الجثث. لا يتضمن ما يكفي من الصفات . 
كيف وجدت محنة عظيمة ؟ فرد بعد دقيقة : اتذكر أنك وعدت بالإتصال عندما تنتهين من القراءة , وليس بإرسال رسالة نصية.

 وهكذا اتصلت, وقال : الحقيقة إنني لم انتهي منه بعد وسأحتفظ بحكمي إلى أن أنتهي, متى يمكنني أن اراك ؟ قلت وقد تظاهرت اني خجلة : بالتأكيد ليس قبل أن تنهي محنة عظيمة, فقال : من الاحسن لي إذاً أن أقفل الخط و ابدا في القراءة .. المغازلة أمر جديد عليَّ ولكنني أحببتها ..

 في اليوم الذي يليه وبعد المحاضرة في المعهد خرجنا والدتي و انا إلى السينما. خرجت من السنما لالاقي أربع رسائل نصية من أغسطس فيما يخص الكتاب. ما إن وصلت البيت حتى اتصلت به, فقال : أنا مع اسحق الذي من الواضح عليه انه في رحلة عدم التعويض ؟ أيمكنك ان تاتي إلى منزلي في عشرين دقيقة ؟ وعندما وصلت لم ارى وجه اسحق إلا عندما أصبحت في موازاتهما. 

إنهمرت الدموع على وجهه كالسيل الغزير, ووجهه قناع مشدود من الوجع , قال لي أغسطس : تبدين مرتبة ! كنت أرتدي فستاناً البسه منذ فترة طويلة . تظن البنات أنه مسموح لهن فقط أن يرتدين الفساتين في المناسبات الرسمية, لكنني اعجب ب المرأة التي تقول : أنا ماضية لمقابلة صبي منهار عصبيا , فتى يربطه بحاسة الرؤية ذاتها خيط واهٍ, اللعنة على المرض, سالبس فستاناً من أجله. قلت :ومع ذلك لن يعطيني اسحق أي نظرة. أفترض أنه عاشق إلى حد فائق بمونيكا, وهو ما أدى إلى صياح كارثي. قال أغسطس : لم يعد هناك من أساس للعلاقة بين اسحق ومونيكا, ولكنه لا يريد ان يتكلم في الموضوع , يريد فقط أن يبكي ويلعب, إذا كان لديك أي عبارات حكيمة من النصح الأنثوي, فالكلام معه لن يضر, قال اسحق : قالت إنها لن تقدر التعامل مع الموضوع. أنا على وشك خسارة بصري وهي لا تستطيع التعامل مع الموضوع. فقلت : في الحقيقة ربما لا تقدر التعامل مع الأمر, وأنت كذلك لا تقدر, لكن ليس عليها أن تتعامل مع الموضوع , أما أنت فعليك ذلك.  

مر أسبوع ولم ارجع و اتصل بأغسطس. ثم اتصل بي وكنت على طاولة العشاء فلم اجاوبه. وبعد الإنتهاء من العشاء اتصلت به فقال لي بإنه تراسل إلكترونياً مع المؤلف بيتر فان هوتن, عن طريق معاونته ليدوفيه, وأعطاني موقعها. فقمت بإرسال رسالة للمؤلف مارتن فان هوتن عن طريقها لكي أسأله عن نهاية حكايته (محنة عظيمة). انقضى يومان ولم أتلق رداً من مارتن. تلقيت يوم الأربعاء بريدا من أغسطس : تمت عملية اسحاق على خير و خرج اسحق منها , وأعلن رسمياً عدم وجود آثار للسرطان, وأصبح أعمى وهذا امر مريع . إستيقظت في وقت مبكر من صباح اليوم الذي يليه وتفقدت بريدي الإلكتروني, وأخيراً جاءني الجواب : ...... يا له من أمر جميل ان اعلم أنني صنعت شيئاً مفيداً لك, بيد أني اتوسل اليك في حال جئت إلى أمستردام أن تقابليني بالشكل الذي يريحك, فأنا بالعادة اجلس في بيتي . 

أخبرت والدتي أن بيتر دعاني إلى أمستردام وقلت يجب أن انتقل الى هناك , ولكن والدتي قالت: ولكننا لا نملك النقود الكافية لرحلة خارج البلاد, قاطعتها قائلة : اجل و علمت كم أنني سخيفة لمجرد التفكير في الموضوع , وتبادر لي أنني السبب في عدم امتلاك عائلتي للنقود فقد استنزفت مدخرات الاسرة بالمدفوعات الأضافية لعلاجي. بعدها تلوت الرسالة لأغسطس وقلت : كيف سأتدبر الانتقال إلى أمستردام ؟ قال: ألديك أمنية ؟ سأل مشيراً إلى منظمة مؤسسة الجنيّة التي تأخذ على عاتقها اعطاء الأولاد المرضى ومنحهم أمنية, فقلت : لا, لقد اخذت الأمنية عندما كنت في الثالثة عشر, فقال: لا تقولي لي ديزني ! لم أقل شيئاً, فأكمل : يا إلهي لا اقدر أن أصدق بأنني مغرم بفتاة تتمنى هذه الأمنيات التافهة, كررت القول : كنت في الثالثة عشر, مع إنني أخذت بالتأكيد أفكر فقط في كلمة مغرم مغرم مغرم !!. أمسك أغسطس بباقة من الخزامى الفاقعة اللون البرتقالية التي بدأت في التفتح و اعطاني اياها وسأل : هل تريدين الذهاب في رحلة , أومأت برأسي موافقة وأنا آخذ الورود , سار والدي من خلفي و سلم على غاس.

 وبعد مدة إنطلقنا بالمركبة إلى أن وصلنا ذلك المتنزه الذي يقع خلف المتحف, ثم نزلنا في مكان يمكن أن ينظر إليه في إنديانا بوليس على أنه تلة وتوجهنا إلى هذه الساحة , وأنزل غاس حقيبة ظهره عن ظهره جاعلاً من الحقيبة غطاءا برتقالياً, وأخرج ما يقرب من نصف لتر من عصير البرتقال, وبعض السندويشات المغطاة بالنايلون وقد أزيل ما يبس منها, وقال : هازل غريس, أنت مثل العديد من الاطفال قبلك قد استعجلت في تحقيق رغبتك , ربما تدركين أن أمنيتك الحقيقية الوحيدة هي زيارة بيتر فان هوتن اللامع في منفاه الأمستردامي, و تفرحين فعلاً لأنك ادخرت أمنيتك. قلت: ولكنني لم ادخر أمنيتي. ثم اكمل : ولكنني ادّخرت أمنيتي, وأنا الآن, لن امنحك أمنيتي, لأنني مهتم أيضاً بان اقابل بيتر فان هوتن, ولا معنى لمقابلتي اياه دون البنت التي عرّفتني بكتابه. وهكذا تكلمت مع الجنيّات, واقترحن أن نسافر في الثالث من أيار و نرجع في السابع منه. قلت له : يا إلهي, أنت الأفضل .. عدت إلى البيت وقلت لوالدتي فقالت : سأسال الطبيبة ماريا.

 قالت الدكتورة ماريا إنني لا اقدر ان اسافر إلى أمستردام من دون أن يصاحبني شخص بالغ على معرفة وثيقة لمرضي , ما يعني بشكل أو بآخر والدتي , أو الدكتورة ماريا نفسها .... استيقظت عند الرابعة فجراً وأنا احس بوجع كبير في وسط رأسي. صرخت لأنبّه ابواي اللذين اندفعا إلى الحجرة, لكن لم يسعهما القيام بأي شيء للتخفيف من الألم المتفجر الهائل داخل دماغي, وهو سلسلة لا نهاية لها من الاوجاع في جمجمتي إعتقدت معها أنني ميتة بالتأكيد. قلت لنفسي إن الجسد ينطفيء ما إن يزيد الوجع للغاية, وأن الوعي مؤقت والألم عابر. قاد ابي المركبة إلى المستشفى. ليس هناك ما يمكن ان يعمله , فلقد فاقم الصراخ الألم. 

يتحدث الناس عن قوة مرضى السرطان وأنا لا أنفي تلك القوة . فلقد تعرضت على مدى اعوام , للوخز والتسميم والطعن, وما زلت أمشي. ولكن لا تخطئوا, فأنا في تلك الدقيقة كنت سأفرح كثيراً بالموت. جاء ابواي يبكيان ويقبلان وجهي مرارا . أبلغاني أنني غير مصابة بتورم في الدماغ, لكن وجع رأسي ناتج عن النقص في الأكسجين التي تسببت به رئتاي المتروستان في السوائل. إستغرقني الموضوع ستة أيام للرجوع الى البيت , ستة أيام طويلة من التحديق إلى بلاط السقف العازل للصوت, والنوم ومشاهدة التلفاز, , والألم, وتمني مشي الوقت بسرعة. لم ارى أغسطس أو أي شخص آخر غير عائلتي. قالت لي الطبيبة ماريا في اجتماع السرطان الذي كرهته : سرطانك ليس على طريق الانتهاء , يا هازل. لكننا رأينا مرضى حالتهم مماثلة لحالتك السرطانية يعيشون فترة كبيرة . ولا يمكن لسوء الحظ إعتبارك مرشحة منافسة لعملية زرع الرئة . فهمت أن لا فائدة في إهدار رئتين على حالة لا يمكن شفاءها . فأومأت برأسي محاولة ألا اظهر كمن جرحه هذا التعليق, بينما بدا ابي بالبكاء .. إتصل أغسطس تلك الليلة فقلت له : لا يمكنني السفر إلى أمستردام, يظن أحد أطبائي أنها فكرة سيئة, فقال : يا إلهي كان عليَّ أن أدفع بذاتي تكاليف السفر, كان علي أن آخذك على الفور إلى أمستردام . السماء رمادية متروسة بالغيوم الماطرة لكنها لم تمطر الى هذه اللحظة , إتصلت بأغسطس و اغلقت الخط لدى سماعي المجيب الآلي. 

واصلت التحديق في الأرجوحة بينما أفكر بأنني مستعدة للتخلي عن كل الأيام المتبقية لي وأنا مريضة, مقابل ان احصل على أيام قليلة من الصحة. حاولت إقناع ذاتي بان الموضوع ربما كان ممكناً أن يكون أشد سوءاً, وبأن العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات, وبأنني احيا مع السرطان ولا أموت منه, ثم أخذت اهمس : غبية غبية غبية غبية إلى أن اتى أغسطس, وضعت دماغي على كتفه, وقال : يجب أن نفعل شيئاً في هذه الأرجوحة هذه التي تصيب بالارتعاش , أؤكد لك أنها تُسعون بالمئة من المشكلة. وما أن تعافيت قعدنا على الكنبة بعدما رجعنا الى الحجرة وفتح غاس صفحة الموقع المتعلقة بالأشياء التي يريد الناس منحها لاخرين و يدعي Free No Catch وكتبنا الإعلان معاً : أرجوحة مستوحدة بشكل بائس تبحث عن منزل محب. وبعد ساعة, وعندما تفقدت بريدي الإلكتروني وجدت أن علينا أن نختار شخصاً واحداً من كُثرٍ رغبوا في الأرجوحة, واخترنا في النهاية رجلاً اسمه دانيال الفاريز ضمّن رده صورة لابنائه الثلاثة وهم يلعبون ألعاب الفيديو, وجاء في السطر الذي يذكر فيه الموضوع : أريد أن يخرجوا وحسب . غفوت وقتاً كبيرا عشر ساعات ربما بسبب شفائي غير السريع , وربما لأن النوم يحارب السرطان, وربما لأنني متعبة.

 وعندما استيقظت, جاءتني رسالة من الجنيات لاخباري بالفندق الذى تم الحجز فيه في أمستردام حينها صحت : ماما أيمكنك الإتصال بالجنيات و اخبارهن أن الرحلة ألغيت ؟ فقالت لي : السفرة على موعدها . إتصلتْ بنا الدكتورة ماريا وقدمت حجة مقنعة بأنك تحتاجين إلى أن تحيي حـ.. صحت : أمي أحبك جدا !! وبعثت برسالة نصية إلى أغسطس, اخبرته فيها بأن السفرة ما تزال في موعدها, وهمست لرئتاي : إبقيا متماسكتين . ليس في مقدورنا الا ان ناخذ حقيبة واحدة, فأنا لا يمكنني حمل حقيبة, وأصرت والدتي على أنها لا تقدر حمل اثنتين. أصرت امي على أن نتناول الفطور مع ابي على الرغم من معارضتي الأخلاقية لتناول الطعام قبل الفجر, على أساس أني لست مزارعة روسية من القرن التاسع عشر أعد ذاتي ليومٍ من العمل في البساتين.
 إلا أنني حاولت اكل بعض البيض. وعندما ركبنا السيارة ظللت الوح لابي , ولوّح لي من جهته وهو يبكي. خطر لي أنه ربما ظن أنه قد لا يراني بعد ذلك الى الابد , وهو الأمر الذي كان يفكر به كل صباح من كل عمره وهو يغادر إلى الشغل , وهو شيء فظيع ! مررنا لنصطحب أغسطس ثم أعلنت والدتي : محطتنا التالية أمستردام . في الطائرة طالعت بعض الأفلام, ثم قال أغسطس: هل تحفظين بعض ابيات الشعر. وبينما بدأتُ ألقي كلمات الشعر قال بسكون : أنا مغرم بك !!, قلت: أغسطس. أنا مغرم قال ذلك وهو يتطلع الي . وتمكنت من رؤية تجاعيد زوايا عينيه . قلت لذاتي : أنا أحبك, ولست في صدد ان امنع ذاتي من اللذة البسيطة بأن أبوح بكلامٍ صريح. أحبك و اعلم أن الحب مجرد صرخة في الفراغ وأن النسيان مؤكد , وأننا محكومون كلنا بان يجيء يوم يتحول فيه عملنا كله إلى غبار, و اعلم أن الشمس ستبتلع الأرض الوحيدة التي سنملكها, وأنا أحبك. أغسطس, قلت مرة ثانية وأنا لا اعلم ما أقول غير ذلك. 

احسست بأن كل شيء في داخلي قد استُثير كما لو أنني اعوم في تلك السعادة الموجعة بشكل رهيب, لكني لم أتمكن من أن أبادله الحديث. إكتفيت بالنظر إليه وتركته يحدق بي , إلى أن هز رأسه, بشفتيه المزمومتين, وأشاح بوجهه مسنداً رأسه إلى الشباك . بعد خروجنا من المطار, استقلينا مركبة إلى الفندق. وخرجت سيارة الاجرة إلى خط السير, وتوجهنا إلى شارع سريع فيه الكثير من اللافتات الزرق. بدت هولندا أشبه بإنديانا بوليس, ولكن بسيارات بسيطة صغيرة الحجم . وحدث الموضوع كله دفعة واحدة, خرجنا من الشارع السريع وها نحن نشاهد صفوفاً من البيوت التي تصورتها و هي تتمايل بشكل غير ثابت صوب القنوات, والدراجات الهوائية المبعثرة في كل مكان, والمقاهي. كل شيء رومانسي بشكل موجع في نور الصباح, وفكرت كم غريب بشكل رائع أن يحيا المرء في مكان بنى فيه الموتى تقريباً كل شيء ... قالت والدتي : سأستمتع الليلة.

 سأذهب وأقوم بمواضيع تفعلها الأم المجنونة فيما تخرجين انت وأغسطس إلى تناول العشاء, فلديكما حجز في مكان اسمه اورانجي, و معاونة السيد فان هوتن تولت الموضوع. في المساء ارتديت فستاني الصيفي -هذا الشيء المصبوغ بالأزرق والمنسدل حتى الركبة الفضفاض - مع جوارب ضيقة طويلة وحذاء, لأنني أحب أن أكون أقصر منه بكثير. وعندما وصل أغسطس ببدلته السوداء, وقميص أزرق فاتح, وربطة عنقه السوداء الرفيعة قال لي: تبدين جميلة . كان المطعم فوق مكان خرساني ناتيء عند زاوية القناة. بلغت جودة الطعام حداً احتفلنا فيه, و رغبت لو أنني أكثر جوعاً. أردت أن نتكلم ونمزح بشكل مريح. قال أغسطس : هذه ليست بدلتي الجنائزية, عندما اكتشفت مرضي قالوا لي أن نسبة شفائي تصل الى الثمانين بالمئة. اعلم أن هذه إحتمالات رائعة, إلا أنني بقيت أفكر في أن الموضوع يشبه لعبة روليت روسية. اعني أنني سأعيش فترة خطيرة على مدى ستة أشهر أو سنة و اخسر ساقي, وفي النهاية قد لا ينجح الموضوع , أتعلمين ؟ قلت : اعرف .
 على الرغم من أنني لم اعلم حقاً, فأنا لم أكن حالة قاتلة, وسَعَتْ ادويتي كلها إلى تمديد حياتي قليلا وليس إلى شفائي. إلا أنني لا اشبه أغسطس: لقد كُتب فصلي النهائي عند التشخيص, أما غاس فيحيا مثل معظم الناجين من السرطان, في حال عدم الايمان . قال : هذا صحيح إشترينا قطعة أرض في أرض كراون هيل, واخترت منها بقعة, وخططت لكل مأتمي وكل شيء, ثم سألت عائلتي إن كان في وسعي شراء بدلة انيقة أرتديها في حال موتي فقط. على أي حال لم تسنح لي فرصة للبسها إلا الليلة, ألا تملكين ثوباً للموت ؟ قلت : نعم أملك, إنه ثوب إشتريته لحفلة عيد ميلادي الخامس عشر لكنني لا البسه في المواعيد . قال النادل لما جاء لاخذ الحلوى عن الطاولة: دفع السيد بيتر فان هوتن ثمن طعامكما .

 خرجنا من المكان وقلت : لا أصدق أن غداً سيقول لنا بيتر فان هوتن النهاية غير المكتوبة الشهيرة لأفضل كتاب على الإطلاق !. أخذ توتري يزداد مع اقتراب الساعة العاشرة, متوترة من مقابلة أغسطس, متوترة من مقابلة بيتر فان هوتن, متوترة من أنّ ما البسه ربما ليس جيداً, متوترة متوترة متوترة. وصلنا منزل بيتر, نبض قلبي بعنف , إذ لا يفصلني إلا باب مقفل عن معرفة الأجوبة التي تخيلتها منذ قرأت للمرة الأولى الصفحة غير المكتملة الأخيرة. فتح الباب رجل ذو كرش مترهل الفك الأسفل, خفيف الشعر, وذو لحية عمرها أسبوع. 
كان يلبس بيجامة رجالية. سأله أغسطس: السيد فان هوتن. ضرب الباب. سمعناه من خلف الباب يصيح على معاونته ليدوفيه: هناك ظهور لشابين اثنين خارج الباب, فقالت معاونته : إنهما أغسطس وهازال المعجبان المراهقان اللذان راسلتهما فقال : اتعلمين لماذا تركت أميركا يا ليدوفيه ؟ حتى لا ارى البتة من جديد أي أميركي, أطلبي من هذين الأميركيين ان يغادروا فوراً, ووضحي لهما أن خطأ كبيرا قد وقع, وأن فان هوتن قدم عرضاً باللقاء بتعبير مجازي وليس عرضاً فعلياً. لن أفعل هذا يا بيتر, يجب أن تراهما , أجابت ليدوفيه.. تبع ذلك هدوء طويل, فتح من بعده الباب في نهاية الامر. تمنيت لو أن بيتر فان هوتن صحيح العقل لكن العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات. وعندما ولجنا قال بيتر : ما هي أسئلتكما ؟ فقال أغسطس : هممم, فقال بيتر : بدا ذكياً جداً في نسخ ما يفكر فيه , ربما أقام السرطان موطيء قدم في نخاعه.
 فصرخت ليدوفيه وقد ارتاعت جدا : بيتر !!! قلت: كنا نتساءل عن نهاية محنة عظيمة ؟ فرد بيتر: نحن نتكلم عن رواية يا ابنتي العزيزة وليس عن مشروع تاريخي, إنهم تصورات. هذه الرواية مؤلفة من خرابيش قلم على صفحة, وليست للشخصيات المتواجدة فيها حياة خارج تلك الشطحات. ما الذي حدث لها؟ إختفت كلها من الوجود في الدقيقة التي انتهت فيها الرواية. فقلت : لا, لا اعتقد ذلك, لكنه يستحيل عدم تصور مستقبل لها. وأنت الانسان المخول اكثر من الكل لتقول لنا ذلك المستقبل.
 فقال بيتر: آسف لأنني لا اقدر مسايرة نزواتك الطفولية, لكنني أرفض أن أشفق عليك بالكيفية التي تعودت عليها على الدوام . قلت: لا أريد شفقتك. قال: أنت على غرار كل الاطفال المرضى تقولين أنك لا ترغبين في الشفقة, لكن وجودك هنا يعتمد على الشفقة. يتحتم عليك ان تتخلي عن الطفل الذي كنته, الطفل الذي يظن ان هناك حياة بعد انتهاء الرواية. ونحن, بما أننا راشدون , نشفق على ذلك فندفع ثمن ادويتك وآلات الأكسجين, ونوفر لك الطعام و الشراب على الرغم أنه من غير المؤكد أن تعيشي طويلاً بما يكفي. أنت تأثير جانبي لعمليةٍ نشوئية لا تهتم كثيراً بحياة الأفراد, أنتِ تجربةُ طفرةٍ غير ناجحة . حينها صرخت ليدوفيه : أنا أستقيل !! إنفجر شيء في قلبي فمددت كفي و ضربت يد بيتر التي تحمل كوب السكوتش. حينها اخذني أغسطس إلى الخارج. شرعنا نسير راجعين باتجاه الفندق, و بدات أبكي, فقال لي غاس: سأكتب لك خاتمة, فقلت : لقد خسرت أمنيتك على هذا السافل. فقال أغسطس : لا لم تنفقيها عليه, بل أنفقتها علينا. حينها سمعت قرقعة كعب عال فنظرنا خلفنا فإذا بليدوفيه تلاحقنا وكحلها يسيل على خديها, مندهشة بحق وقالت : ربما علينا الذهاب لبيت آن فرانك ! وعندما وصلنا قالت ليدوفيه : لا يوجد مصعد وهناك الكثير من السلالم فقلت : لا بأس يمكنني ان اصعدها , شرعت في تسلق السلالم , أدبّ عليها كما يفعل الطفل الصغير, لأنني عرفت أنني لن اقدر ان اتنفس , وأردت بلوغ القمة قبل أن ينهار كل شيء. وبعد أن وصلنا للقمة قلت وأنا أرفع عينيّ إلى أغسطس, وأفكر في أن تقبيل أحد في بيت آن فرانك غير صحيح : أغسطس !! ثم بدانا في تبادل القبل, بعدها ابتعدت عن أغسطس, بينما بدا الناس من حولنا بالتصفيق, وصاح واحد من الناس برافو بلكنة أوروبية. خرجنا بعد ذلك إلى حجرة أغسطس في الفندق, و امضينا وقتاً حميمياً معاً. في صباح آخر يوم كامل لنا في أمستردام, رحت و امي وأغسطس وجلسنا في مطعم في ظل المتحف الوطني للفيلم الهولندي, ثم قالت والدتي : أنا ساخرج في نزهة وسيوفر لكما ذلك الوقت للتحدث. 

ذهبنا أنا وأغسطس إلى الفندق, و احسست بالعقدة أسفل حلقي تتصلب وأنا اراه وهو يقول : قبل دخولك مباشرة إلى حجرة العناية الحثيثة أخذت أشعر بهذا الألم في ساقي , وخضعت بالتالي للتصوير المقطعي فأضاءت مثل شجرة الميلاد يا هازل غريس, باطن صدري, كبدي وركي الأيسر, , كل مكان .
 لا يمكنني ان اتوقف عن حب أغسطس واترز فقلت : هذا ليس عدلا , اللعنة . فقال: العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات . ومن ثم انهار دقيقة واحدة فقط, ثم سحبني باتجاهه وقال بتصميم : ساقف بوجهه من أجلك, لا تقلقي عليّ . إنتظرَنا ابي في منطقة استلام الحقائب و مسك ابي اللافتة الخاصة به, وجاء فيها : (اسرتي الجميلة), وكتب تحت ذلك (وغاس). وحين عدنا الى المنزل قلت : عاود المرض غاس ! فقال ابي : أعرف, قالت لنا والدته ذلك قبل السفر. آسف لأنني أخفيت الموضوع عنك. أنا آسف يا هازل ! ولم أقل شيئاً وقتاً طويلاً .

 بعد ذلك بأيام قليلة حشرنا أنفسنا في منزل غاس, انا و اسرتي وهو و اسرته , حول طاولة الطعام نتناول الفلفل الأخضر المحشو. وبعد أسبوع من عشائنا, إنتهى الموضوع بغاس في حجرة العناية الحثيثة بسبب الألم في الصدر. وعندما ذهبت للمستشفى, قالت لي والدته : أمضى ليلة قاسية. قلبه يعمل بتعب كبير يجب أن يخفف من نشاطه, وعليه من الآن وصاعداً أن يستخدم المقعد ذا العجلات. فقلت : هل في مقدوري أن أراه ؟ فوضعت ذراعها حولي وشدت على ظهري وقالت : تعلمين أننا نحبك يا هازل لكننا نحتاج الآن إلى أن تجتمع الاسرة حوله, وغاس يوافق على ذلك. سأقول له أنك اتيت للزيارة . 

مضيت عبر الردهة لكنني لا أزال أفتقده, بقيت اظن أنني ربما اضيع فرصتي الأخيرة لأودعه . تشكل عادة اليوم الأخير الجيد, ضمن عادات التعامل مع الولد المريض بالسرطان, واحدة من أقلها حمقا , إذ يجد المصاب بالسرطان ذاته مع بعض الساعات غير المتوقعة التي يظهر فيها الإنحطاط الذي لا يَرحم وقد سكن فجأة, و يصير الوجع محتملاً. لكن المشكلة تتمثل, طبعاً, في عدم وجود طريقة لأن تعلم أن يومك الجيد الأخير هو يومك الأخير الجيد. غبت يوماً عن ملاقاة أغسطس في إجازة لأنني احسست بأنني أنا أيضاً متعبة نوعاً ما, ولما اتصل غاس قلت : هاي أغسطس, فرد بالصوت الذي جعلني إنسانة عاشقة : مساء الخير يا هازل غريس, هل تظنين أن في وسعك الذهاب إلى قلب يسوع الفعلي تقريبا في الثامنة مساءاً؟ وأرجوك أيضاً إذا لم يكن في الأمر كثير من الإزعاج أكتبي نعياً.

 وعندما وصلت إلى الكنيسة لم ارى إلا غاس في المقعد المتنقل, هزيلاً بشكل غريب, وقد جلس مقابلي وقال : هازل غريس, تبدين فاتنة !. سمعت خلط أوراق في إحدى الزوايا المعتمة من الحجرة . وكان اسحق يقف خلف منصة خشبية صغيرة للخطاب. أومأ لي غاس بان اجلس وقال : ارغب في ان احضر جنازتي, وبالمناسبة هل ستلقين كلمة في مأتمي ؟ فقلت تاركة رأسي على كتفه : بالتاكيد , فقال : رائع , آمل أن أتمكن من ان احضر وأنا شبح, لكن وللتأكد فقط, وليس لوضعك في موقف حرج, فكرت في النهار في أنه يمكنني تجهيز مأتم مسبق. وبما أنني في حالة معنوية لابأس بها تخيلت أن الوقت الحاضر هو احسن وقت. ثم بدأ اسحق بالحديث : كان أغسطس واترز إبن حرام يبجل ذاته. لكننا نسامحه. نسامحه ليس لأنه ذو قلب طيب بالمعنى السطحي بقدر ما هو فظيع بالمعنى الاصلي , أو لأنه يعرف كيف يمكنه ان يمسك بسيجارته أكثر من أي مدخن في العالم, أو لأنه بلغ الثامنة عشرة في حين أنه كان يجب أن يبلغ ما هو أكثر. 
إن أغسطس واترز يتكلم كثيراً إلى حد أنه سيقاطعك في مأتمه الخاص. كما أنه متباهي , لا أعتقد أني التقيت شخصاً أكثر جاذبية يعي بالضبط جاذبه الخارجي. إلا أنني سأقول عندما يأتي خبراء المستقبل إلى منزلي ومعهم عينان إصطناعيتان ويطلبون مني تجربتها, فسأسألهم أن يخرجوا لأنني لا أريد رؤية عالم من دونه. وبعد أن أثبت وجهة نظري البلاغية, سآخذ عينيّ الإصطناعيتين. بالتوفيق يا أغسطس, يا صاحبي . ثم شرع اسحق بالبكاء, وقال : اللعنة يا أغسطس لقد كتبت نعيك.

 وبعدها انتقلت إلى المنبر وفتحت الورقة التي كتبت عليها نعيي : إسمي هازل. كان أغسطس واترز الحب الكبير الذي قدّر لي, قصتنا هي قصة حب رهيبة , ولا يمكنني أن أتفوه بأكثر من عبارة في الموضوع دون أن أغرق في دموعي. لن احكي لكم حكاية حبنا لأنها – على غرار كل قصص الحب الحقيقية- ستموت معنا, كما هو معروف. ثم شرعتُ بالبكاء. تنفست عميقاً و رجعت إلى الصفحة : لا اقدر ان اتكلم عن قصة حبنا, و ساتكلم بالتالي عن الرياضيات. لستُ عالمة رياضيات, لكنني اعلم هذا : هناك أعداد لا نهاية لها بين الصفر والواحد هناك 0.1 و 0.12 و 0.112 ,ومجموعة لا تنتهي من الأعداد الثانية. وهناك بالطبع مجموعة لامتناهية من الأعداد الأكبر بين الصفر والإثنين أو بين الصفر والمليون. فبعض اللانهائيات أكبر من بعض اللانهائيات الأخرى. هذا ما علمنا إياه كاتب إعتدنا أن نعجب به . وهناك أيام, أيام عديدة , أمتعض فيها من مجموعات أرقامي التي لا حد لها. وأريد الكثير من الأعداد التي يُحتمل أن أحصل عليها. يا إلهي أريد أعداداً لأغسطس واترز أكثر من تلك التي حصل عليها. لكن يا غاس, يا حبي, ليس في مقدوري ان اقول لك عن مدى امتناني بلانهايتنا الصغيرة. ولن أستبدل بها العالم جميعه . لقد منحتني الأبد في خلال أيام قليلة , ولهذا أنا شاكرة لك. 

 مات أغسطس واترز بعد ثمانية أيام على مأتمه المحضر, في غرفة العناية الحثيثة عندما أوقف السرطان, المعمول منه, قلبه المعمول منه هو الآخر. إتصلت بي والدته في الثالثة والنصف صباحا. عرفت من قبل أنه راحل لأنني تكلمت مع ابوه قبل أن آوي إلى السرير و قال لي : أن ذلك قد يصير الليلة . دخل عليّ ابواي كمن يتوقع الخبر واكتفيت بهز دماغي , فأمسك أحدهما بذراع الثاني مهدئاً من روعه, وأنا متأكدة من أنهما يشعران بالخوف المتوافق مع ما سيحل بهما مباشرة متى جاء الوقت . 

 إنه أمر لا يطاق الامر باكمله وكل ثانية أسوأ من التي فاتتها . إتصلت باسحق الذي لعن الحياة و الارض . وهذا أكثر ما أحزنني, فالشخص الوحيد الذي رغبت في ان اتكلم معه عن وفاة أغسطس واترز هو أغسطس واترز ذاته .. أول الأمور التي يُطلب إلى الانسان ان يفعلها عند ولوجه حجرة الطواريء هو تصنيف وجعه على سلم من واحد إلى عشرة, ليقرروا بعدها الادوية التي سيستخدمونها. وقد طرح عليّ هذا السؤال الاف المرات على مر الاعوام . وأذكر مرة منذ البداية عندما لم استطيع التقاط أنفاسي وأحسست بالنار تشتعل في صدري وألسنة اللهب تخرج داخل ضلوعي وتضغط للإشتعال خارج جسدي , فأخذني أهلي إلى حجرة الطواريء.سألتني إحدى الممرضات عن الوجع و لم يكن بمقدوري الكلام حتى , فرفعتُ تسعاً من أصابعي. فقالت لي الممرضة : اتعلمين كيف أعلم أنك مقاتلة ؟ لقد أشرت إلى تسعة لا إلى عشرة .. لكن ذلك خاطئا تماماً, قلت تسعة لأنني كنت أدخر عشرتي. ثم هاهي العشرة الكبرى و المخيفة , تضربني المرة بعد المرة, وأنا مستلقية هادئة , وحدي في فراشي محدقة إلى السقف, والأمواج ترميني على الصخور, ثم ترجع وتسحبني إلى البحر لتتمكن من القائي مجددا على الواجهة المسننة للجرف الحجري , وتتركني هائمة ووجهي إلى الأعلى دون أن أغرق. واتصلت به في النهاية, وسمعت البريد الصوتي ( أنتم تتصلون بالبريد الصوتي لأغسطس واترز ), قال ذلك بالصوت الجلي الذي جعلني إنسانة هائمة , (اتركوا رسالة) ثم إشارة بيب. ثم اغلقت الخط .

 اتصل ابواه قرابة الظهر ليقولا لي بان الماتم سيحدد بعد خمسة أيام , يوم سبت. قعدت في البداية, عندما وصلنا إلى الموقع, في آخر حجرة الزيارة. إكتفيت بالتطلع الى الناس يمشون إلى النعش الموضوع على عربة مغطاة بشرشف بنفسجي . وسيركع كل هؤلاء الناس الذين لم تسبق لي مشاهدتهم حوله , أو يقفون فوقه ينظرون إليه لمدة قليلة , ربما يبكون وربما يقولون شيئاً, ثم يلمسون كلهم النعش بدلاً من لمسه لأن ما من أحد يرغب في لمس الميت. اجتزت الممر المؤقت بين صفوف الكراسي, تمكنت من مشاهدته وأنا أقترب: فُرق شعره بترتيب عند الجهة اليسرى بطريقة كان سيراها غريبة تماما, وبدا وجهه بلاستيكياً, لكنه يظل غاس. غاسي الطويل الجميل الضامر. 

أجرينا مراسم الدفن الرئيسية في الكنيسة في الحجرة الصغيرة . دخل الكاهن ووقف خلف النعش, و تكلم عن خوض اغسطس معركة قوة , وعن بطولته في مكافحة المرض التي تشكل مصدر الهام لنا جميعاً. وغضبت من الكاهن عندما قال : أخيراً سيبرأ أغسطس في الجنة ويعود كاملاً, وهو يعني مجازا أنه كان أقل كمالاً من الناس الثانيين بسبب فقدانه ساقه, ولم أتمكن من كبح تنهيدة قرف.
 لكن أحدهم في الصف الذي خلفي تمتم في أذني : يا له من كلام يماثل حمل عربة كبيرة من الهراء, أليس كذلك يا صغيرة ؟ استدرت ... كان بيتر فان هوتن. حاولت نسيان الموضوع والإكتفاء بالصلاة لأغسطس. قام اسحق بإلقاء كلمة تأبين, ثم نادى الكاهن : سنستمع الآن إلى عدة كلمات من صاحبة أغسطس الخاصة هازل. فقلت قبل أن أبدأ حديثي : كنت صديقته الحميمة, ثم بدأت أقرأ النعي الذي كتبته : هناك قول عظيم في بيت غاس وجده كلانا كلاماً معزياً : لا يمكننا من دون الوجع معرفة الفرح. ثم مضيت الاستمرار في الكلام التشجيعي فيما تعانق ابوا غاس, وهما يهزان برأسيهما لكل كلمة. ثم استنتجت أن المآتم هي للأحياء . أردت ان ارجع الى البيت بعدها. فبالكاد كنت اعلم هؤلاء الناس, ولم أرد أن أبكي أمام مجموعة غرباء من الناس. توجه بيتر فان هوتن بعد انتهاء الأمر باتجاهي وقال : أنا و صاحبك واترز تبادلنا رسائل, أرسلها إلى بيتي وليس من خلال ناشري, وأنا بالكاد أدعوه بالمعجب فهو يكرهني . لكنه تميّز في أي حال بالإصرار على أنه سيعفو عني سوء تصرفي إذا حضرت جنازته و قلت لك بما يحدث في نهاية الرواية, ولهذا أنا هنا, وهاك جوابك : كل الخلايا تأتي من خلايا فقلت له : أخرج من السيارة, و انطلقت الى منزلي .

 إستيقظت قرابة الظهر بعد ذلك بيومين و انطلقت بالسيارة إلى بيت اسحق الذي فتح الباب بذاته. وبعدما جلسنا بما يقارب الساعتين نتحدث قال لي : هل اعطاك أغسطس ذلك الشيء الذي كان يكتبه ؟ تلك النهاية لذلك الكتاب الذي أحببتِه ؟ قال لي إنه يشتغل على شيء من أجلك, لكنه ليس بذلك الكاتب الرائع , فقلت : متى وهل انهاها ؟ حينها انطلقت إلى بيته. وعندما ركبت السيارة استدرت و صحت لما شاهدت بيتر فان هوتن يقعد في المقعد الخلفي, فقلت : أخرج من مركبتي, فقال : أعتذر لاخافتك. كانت إبنتي في الثامنة. توجعت جدا. أصيبت بسرطان الدم. الحزن لا يغيّرك يا هازل, بل يزيل اللثام عنك. جرى ذلك منذ إثنين وعشرين سنة . ثم نزل من السيارة, وانطلقت إلى منزل غاس. 

استقبلني ابوا غاس والدموع تملأ عينيهما, وسمحا لي بان انزل إلى القبو للبحث في كمبيوتره لكي أعثر على ما كتبه لي, ولم أجد شيئاً !!. وبعد ذلك بثلاثة أيام إتصلت بي صاحبتي كيتلين, وأثناء كلامنا قالت : ألديك دفتر يتضمن قصاصات من صوره والرسائل التي دوّنها ؟ فقلت: لدي بعض الصور لكنه لم يكتب رسائل بالفعل , باستثناء وجود بعض الصفحات الضائعة من دفتر ملاحظاته قد تتضمن شيء كتبه لي, كما قال ابوه لي, فقالت: ربما بعثها لك بالبريد, أو ربما لم تكتب لك, فصحت : فان هوتن !! صاحبتي كيتلين أنتي عبقرية. و على وجه السرعة ارسلت بريدا لليدوفيه التي قالت لي أنها تركت العمل عنده , ولكنها ستساعدني في ان اصل إلى الرسائل. وبعد أيام ردت ليدوفيه وبعثت لي بنُسخ الرسائل التي كان غاس يبعثها لفان هوتن : .. أنا إنسان جيد ولكنني كاتب سيء. وأنت إنسان سيء ولكنك كاتب جيد. ونشكل معاً فريقاً رائعا . لا أريد أن اطلب منك أي معروف, ولكنني أتساءل هل في مقدورك أن تكتب نعياً لهازل. 

دوّنتُ الملاحظات وكل شيء, لكن هل في مقدورك أن تحولها إلى كلٍّ منسجم ؟ أو أن تقول لي وحسب ما الذي يجب أن أقوله بطريقة اخرى. ربما لستُ هذا الكاتب السيء, لكنني يا فان هوتن, لا اقدر ان اجمع شتات أفكاري, فأفكاري نجوم لا اقدر استعراضها في مجرات ! .. هازل مختلفة. تسير برشاقة أيها العجوز, تمشي برشاقة على الأرض, فهازل تعلم الحقيقة: من المرجح أن نؤذي الكون بقدر ما هو مرجح أن نعاونه , ومن غير المرجح أن نقوم بأيٍّ من الشيئين . ماذا بعد؟ إنها فاتنة جدا. لا تمل من النظر إليها, لا يصيبك القلق من أنها أشد عبقرية منك, بل تعلم أنها كذلك. وهي خفيفة الظل غير لئيمة البتة . 

أحبها, وأنا يا فان هوتن محظوظ جداً بحبها. وأنت لا تختار أن تتأذى في هذا الكون, لكنك تمتلك رأياً في من يؤذيك, وأنا أحب خياراتي, وآمل أيها الرجل المسن أنها تحب خياراتها. أحبها يا أغسطس أحبها. 



                                                  النهاية.
تفاعل :

تعليقات