الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

تلخيص رواية 
 غزل البنات: د. حنان لاشين 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان





 أضواء مصابيح الطرقات تصدر انعكاسات زرقاء على زجاج نوافذ البيوت التي ألقت ببعض البقع فضية اللون التي تتناثر على الأرض , فأضفت على الشارع الساكن مظهراً رائع الجمال .. إنه نوفمبر .. كانت الساعة قد شارفت على السادسة والنصف حين كانت رحمة تمشي في طريقها عائدة إلى منزل عمتها , لم تنتبه إلى عمر الذي كان يسير خلفها من بعيد وعلى مهل ماشيا على ذات الشارع . ومن بعيد ثمة رجلين على الرصيف المقابل, عبرا الطريق واقتربا منها , وفجأة ظهر أمام عينيها نصل براق كالشعاع من يد أحد الرجلين , ووقف الرجل الاخر من ورائها حيث شعرت وكأن صوته الغليظ يخترق قفصها الصدري و هو يقول : أعطني الحقيبة وإلا .. ركض عمر من خلفها بكل رشاقة وارتمى بشراسة على أحدهما وجرّده من سلاحه , بينما هرب الرجل الاخر . نهض عمر وقال لها : لماذا لم تعودي مبكراً إلى المنزل ؟ كانت في غاية الحرج وهي تقف أمام الدكتور عمر الذي يدِّرسها في كلية الهندسة , والتي كانت تعامله طوال العام الفائت كأستاذ فقط , ثم فوجئت به بعد انتهاء الإمتحانات أنه يتقدم حتى يرتبط بها رسميا , ورفضته رغم مميزاته لكنها رفضته لأسباب كافية لها . ثم سارا بخطى سريعة في البرد الشديد حتى وصلا إلى ميدان يكتظ بالناس, وأوقف لها سيارة تاكسي وطلب من السائق أن يوصلها إلى منزلها وقال لها : سأطمئن عليك من عمتي بعد قليل. إستدارت نحو صوته الدافئ وقد لاحظت إطلاقه لقب عمتي على عمتها دعاء وكأنها قريبته هو .. وحين وصلت إلى المنزل , إنفجرت رحمة تؤنب عمتها: كان يمشي يتتبعني من ورائي , إنه يراقبني, بل ويؤنبني لأني مكثت قليلاً مع زميلاتي في الكلية , ليتني ما أعطيته رقم تليفونك , إنه يريد منك أن تؤثّري عليّ وتقنعيني بان اتزوج منه !! إنه يناديك عمتي ! حينها اقتربت دعاء من رحمة وسألت بكل سكينة : لماذا ترفضينه ؟ فقالت رحمة : هو رائع وخلوق و جميل الوجه , لكنني أود الزواج من شخص أكثر تميزاً منه, هناك جوانب أخرى في الشخصية أبحث عنها. ذهبت دعاء إلى حجرتها وسحبت من فوق الخزانة صندوقاً ملفوفاً بعناية في قماشة زرقاء وقالت: هنا كل أسراري يا رحمة, وستطلعين عليها اليوم. ثم سحبت من داخله دفتراً قديماً وكانت اول صفحة فيه تحتضن كلمة *غزل البنات*. أعطت دعاء الدفتر لرحمة وقالت لها: إقرئي هذا الدفتر يا رحمة, ولا تخبري أحداً بما فيه أبداً , فهنا سري الذي لا يعرفه أحد عني . 



دعاء .. عندما أبحر في أعماق ذاتي احس بالحنين الذي يدعوني لأستدعي تلك الذكريات. رائحة الريحان الحلوة تتراقص بدلال وتعانق نسمات الهواء على شبابيك جيراننا, وصوت شقشقة العصافير كل صباح يوقظني من نومي. إكتفينا بمرتب أبي , والإيجار البسيط لشقق البناية القديمة التي نسكنها و ترجع ملكيتها لنا , ظانين أنني سأتزوج في وقت قريب جداً, لكنه لم يحن بعد. في كل مرة كانت تعلن فيها والدتي عن خاطب جديد سيزورنا, كنت أراجع في ذاكرتي تلك المقاييس التي كنت قد وضعتها مسبقا لاختيار شريك حياتي, وفارس أحلامي المنتظر. وكانت نهاية زياراتهم دائماً دموع والدتي , وحوار يتكرر بتفاصيله كل مرة.

 منذ شهرين, وبعد ضغط كبير من والدتي و شقيقي , قد خطبت لفترة قصيرة جداً, أسبوعين ويوم واحد بالكمال و التمام لشقيق زوجة أخي المهندس أحمد, والذي يكبرني بما يقارب ست اعوام . خطبتي كانت بلا روح ولا رائحة, وكأن عواطفي قد حُفظت في لوح من الثلج. كان هادئاً, وكنت كتومة, لم يعجبني قبوله لي دون أن يستكشف ما في داخل عقلي , أو يحاول التجوال في فكري ليستنبط ملامح شخصيتي ويتأكد أنني أناسبه ولو بسؤال بسيط يستفزني به . ولكني استسلمت لفرحة عائلتي , وخدّرتني فرحته بي, فكانت هذه هي المرة الاولى التي أرى أمي فرحة فيها منذ وفاة أبي. رأيت في عيني أحمد شيئاً ما, شيئاً لم أنسه طيلة عمري انطبع في ذاكرتي, ولكن قلبي لم يدق ! حاولت بعدها أن أكون سعيدة ولكن ... لم يدق قلبي دقة الحب التي كنت انتظرها منذ وقت طويل , وشعرت بفتور شديد. بعدها هاتفت خالي محمد, و قلت له أنني أود الإنفصال عن أحمد. اقتنع خالي بكلامي المنطقي وتحدث إلى أمي وأخي جمال, وتحررت أخيراً من قيد ضايقني وجوده رغم أنني لم أتوجع منه في اي يوم من الايام , والجميع يراقبني ويتعجب !. 

 كنت أشعر بوخزةٍ في قلبي وضيق يستمر لساعات بعد أن أغلق الصفحة الأخيرة من الرواية التي أقرأها, ثم أحاول ان انسلخ من عالم الخيال الذي كنت أعيش فيه لأعود إلى الواقع, فأنفصل بنفسي و روحي عن الرواية التي كانت تأسرني, وأودع أبطالها, وأظل أتفكر في عقلي و ذاتي , وكيف وهبني الله القدرة على الخيال و التصور . حيرتني دائماً أحلام اليقظة التي كنت أغرق فيها لساعات وهي تاتي و تذهب في ذاكرتي. وبعد انتهاء الشتاء وبداية الصيف توفت والدتي الحبيبة بعد مرض شديد لفترة قصيرة, في ليلة باردة, احسست وكأنني عدت طفلة ضعيفة صغيرة , لا تختلط بالناس خوفاً منهم. دارت بي الدنيا, وصرت وكأنني أتنفس من ثقب إبرة, وكأن روحي التي خرجتْ وليست روح والدتي . إهتزت ثقتي بنفسي. وكنت قد تخطيت السادسة والعشرين من عمري باشهر قليلة . كنت أخشى الوحدة. سجلت كل أحلامي قيد الإنتظار على بطاقة دعوة لحفل زواجي إلى شخص مجهول لم ألتقِ به حتى هذه اللحظة ! كم كنت كسولة. انتقلت إلى بيت شقيقي , وكانت حياتي في بيت أخي هادئة أتلهى بالنظر إلى مودة ورحمة اللطيفتين وألاعبهما. احسست بغربة ولم يخفف عني إلا ضحكات ابنتيّ أخي الجزلتين وهما تشاكسنني طوال اليوم .

 نور .. كان اليوم حاراً وكنت و احس بشيء من التوتر , فبعد قليل ستأتي دعاء مع زوجي جمال لتقيم معنا في المنزل اقامة دائمة . رحبت بالفكرة رغم شعوري بالقلق, ما كنت لأتركها وحيدة , فمهما حدث هي في مقام شقيقتي , وإن كانت قد جرحت أخي أحمد برفضها الزواج منه . إبنتي رحمة تشبه عمتها بشكل كبير , نفس العينين العسليتين, ونفس الوجه .. لا أدري لماذا لم يتمكن أحمد من إخراج دعاء من راسه و قلبه , فهو ما يزال على حبه لها أما هي فلا تحس به البتة . كم هي قاسية, لقد قهرتْ أخي وآلمته بشكل كبير . وددت لو أتيحت لي الفرصة حتى اضربها ذلك اليوم ضرباً شديداً على قلبها فأوجعها كما أوجعت فؤاد أخي أحمد . 

 دعاء .. كنت اعرف أن زوجة أخي ما زالت تعاملني بشيء من الحساسية . ولاحظت أنهما لا يذكران أحمد مقابلي على الاطلاق , وأنه لم يأت لزيارة منزل شقيقي منذ وصولي . ومرت الأيام, وعلمت يوماً من بنات أخي أنه سيزورنا اليوم . وعندما جاء مررت من أمامه وألقيت عليه السلام بحرج , تلاعبت على شفتيه إبتسامة هادئة وحياني بكل ادب و ذوق . وأثناء حديثه كنت في حالة من التوتر وكأنني تحولت إلى آلة تسجيل وأنا أنصت لكل كلمة يقولها أحمد بصوته الجميل و المميز . وهو يقص علينا تفاصيل رحلته وما قام به, فاحسست أن أنفاسه تلامس أذني رغم أنه بعيد. تلك الليلة لم أنم بسهولة وسهرت لوقت طويل أراجع ما جرى , لا بد أن أتفادى اللقاء بأحمد حتى لا أتأثر بجاذبيته وأتراجع عن قراري . 

 أحمد .. دقة قلب قوية, ووجع خفيف, غير موجع لحد المرض يتوسط صدري عندما أرى دعاء وكأنني على وشك ان اسقط من علو شاهق , وجع خفيف لكنني أحبه . أغض بصري على قدر استطاعتي عنها لكنها مهما ابتعدت هي قريبة من ذاتي . أحببتها وما زلت وسأظل أحبها , هي صادقة وجميلة و بسيطة . تألمت بكل قوة عندما قررت الإنفصال عني, أذكر أن قلبي غاص في أحشائي وابتلعني المي الشديد . سأطرق بابها مرة ثانية , فأنا انسحبت فقط لأترك لها فرصة ثانية لاختياري من جديد ولن أيأس . 

 دعاء .. قررت أن أبحث عن اي عمل او وظيفة لأنشغل بها وأتكسب وأرضي ذاتي التي أوجعتني بكثرة التفكير. وبعد صعوبات يسر الله لي وظيفة جديدة كإختصاصية إجتماعية في إحدى مدارس البنات الثانوية . كانت مديرة المدرسة نوال, ذات وجه هادئ بشوش تحيط به هالة من النبل الشرف , وشممت فيها رائحة والدتي . لم أتوقع أن أحب عملي هكذا, ولم أتوقع أن تتسرب كل هذه السعادة وتكشف الغطاء عن طموحاتي وتشدها لتنهضها بعد أن أفاقت من غيبوبة حلت بها خلال الاعوام الماضية , فاتخذت قراراً أن أقدم أوراقي وأبدأ في التحضير لأحصل على شهادة الماجستير. 

نادتني الأستاذة نوال مرة وسألتني : ما الجديد الذي ستقدمينه للبنات يا دعاء؟ أجبتها بكل ثقة و حماس : أنا أحاول أن أكون موجودة عندما تحتاجني أي واحدة منهن . قالت : لا يكفي , لا بد أن تكوني موجودة هناك قبلهن , إسبقيهن بخطوة , يجب أن ترين ما يدور في قلوب و اعماق البنات , حاولي إدراك الشيء اللامرئي . تجنبي الوعظ المباشر, واحفظي سر كل طالبة تأتمنك على اسرارها . 

 طلبت من البنات أن يكتبن لي عن أي شيء يفكرن فيه, أن يعبرن عن ذواتهن وعن ما يشغل عقولهن . في إحدى المرات وصلتني ورقة من إحدى الصفوف إلى مكتبي فيها *رأيتك على باب قصر تمدين كفيك, وعصفور يبكي على كف وحمامة تنوح على الكف الثاني وصقر يلطمك بجناحه فتركضين و انت تهربين إلى بناية جميلة شرفاتها عالية .. فاحذري من الصقر* كانت الرسالة غامضة و غريبة جدا بالنسبة لي !!.  

جاءت أميرة, إحدى بنات المدرسة , إلى مكتبي بوجه عابس حزين وعينين متورمتين , ودموع تجري , وقالت: احس بالخوف الشديد , فأنا أتخيل ذاتي وكأنني لست أنا, وأننى بشكل مختلف وفي مكان مختلف, وأتخيل أشخاصاً وأسميهم وأتجادل معهم. طمأنتها وقلت لها: إنها أحلام يقظة. سأشركك في نشاطات عديدة في المدرسة هنا , وسأكلفك بمهام لكي ينشغل ذهنك . وتبادلنا أرقام الهواتف وحاولت أن اطمئنها . 

وسط الأسبوع سِرْت في الطريق و بالي و فكري مشغول في اميرة , فوقعت عيناي على لافتة كبيرة لطبيب نفسي مشهور، ذهبت إليه فحياني الدكتور أيمن, بعدها قلت له : إننى إختصاصية إجتماعية, وهذا الموضوع يعنيني بشكل كبير , وأود أن أتعمق في دراسته, وأفكر في طرحه كموضوع أساسي لمناقشة رسالة الماجستير إن اراد الله . وجدت منه ترحيباً كبيرا , وجاوب عن أسئلتي التي تتعلق بأحلام اليقظة . قال لي الدكتورأيمن: إن أحلام اليقظة هي نوع من الإسترسال الفكري , وهي كثيرة في سن البلوغ , وفي بعض الأحيان تجتاح المرء حالة من محاولات التكيف مع واقع مؤلم , فهي ليست جنوناً بل تنفيس للنفس , وأحيانا أحلام اليقظة تكون مؤشراً للخيال الإبداعي , وكل القصص و الروايات التي نقرأها في الأصل أحلام يقظة لمؤلف أو لكاتب موهوب . وبعدما شعرت أنني اكتفيت بما عرفته من معلومات حييته و انصرفت من المكتب . وأعطاني رقم أحد تلاميذه الدكتور طارق حلمي لكى أستفيد من الحالات التي يشرف عليها و يجيب عن كل ما اتسائل حوله .

 أحمد...كنت أسير من وراءها ببطء دون أن تراني. لم أتوقع وأنا في طريقي الى منزل نور أن أرى دعاء وهي تخرج في هذا الوقت. رأيتها تدلف لعيادة الدكتور أيمن. بعد ساعة خرجت دعاء من العيادة , أظنها فجعت عندما رأتني. وقفت أراقبها من بعيد حتى اختفت من امامي , ثم صعدت إلى عيادة الدكتور أيمن وسألت عن دعاء . حرّكت الممرضة رأسها يسارا و يمينا ثم قالت: بالطبع لن أخبرك أي شيء عنها, هذه أسرار مرضى. أعطيتهم رقم تلفوني و تركت المكان . بعد فترة وجيزة اتصلت بي الممرضة وقالت : إن الدكتور أيمن رأى أن أتصل بك حتى اقول لك أن الآنسة دعاء لم تكن هنا من أجل ذاتها , بل كانت تسأل الدكتور عن مريضة , ولا أستطيع ان اخبرك بأكثر من هذا . فقلت : الحمد لله , بشرك الله بكل الخير . 

 دعاء...وفي اليوم الذي يليه , وبينما كنت على وشك ركوب السيارة حتى ارجع الى المنزل من المدرسة, جاءت أميرة, تلك الطالبة القلقة الحيرانة , وقالت : قريب أمي سيأتي اليوم , ماذا أفعل ؟ نظرت إلى عينيها الحائرتين, ولم أفهم ما تعينه بالضبط , توقعت أن يكون هناك شيء في رسالتها التي لم أقرأها , فقلت لها : قابليه كأي ضيف يزوركم وتحدثي بتلقائية وبكل سهولة و يسر . ثم انصرفتُ ولم ترفع يدها لتحييني وظلت كالصنم مكانها. فقررت أن يكون أول شيء أفعله عندما أصل إلى المنزل , هو أن أبحث عن رسالة أميرة وأقرأها على وجه السرعة . وعندما وصلت إلى المنزل سرت بحرص لأفاجأ بأحمد مقابلي تماما , وهو يجلس بجوار شقيقي جمال . وبعد أن جلست قليلاً معهم إستاذنت وتوجهت إلى حجرتي ، أخرجت رسالة أميرة , ولم أنتبه إلا وأنا أضع يدي على فمي لأكتم صياحي الكبير . كانت الرسالة إستغاثة من أميرة, حيث ذكرت فيها قلقها من شخص يأتي إلى منزلهم كل شهر ليسلم أمها مبلغاً من المال خاصاً بتأجير أرض زراعية , وتكون أميرة في اغلب اوقاتها وحدها في المنزل . وبعد أن تكررت زياراته, وأيقن أنها ألفته, بدأ يقترب منها ثم يتخطى الحدود . وفي اخر مرة طالبها بأشياء أكثر قبحاً وإيلاماً. 


 أسرعت إلى هاتفي واتصلت بأميرة , فلم تجب على الهاتف , شرحت لأخي أن هناك طالبة في مشكلة , وأن هناك خطراً ما يهدد سلامتها, وأنني لن أستطيع ان ابوح بأكثر من ذلك. حينها اتصلت بالمديرة نوال ورويتُ لها كل شيء بتفاصيله . واتصلتْ نوال بعدها بحارس المدرسة ليأذن لي بالدخول إلى مكتب الأستاذة سعاد و ان احصل على ارقام هواتف والديها, وعنوان السكن. ذهبتُ أنا و شقيقي وأحمد إلى المدرسة، كسرنا قفل باب الأستاذة سعاد وحصلنا على رقم هاتف والدة أميرة . أبلغت المديرة بما حصل معنا , فقالت المديرة نوال : الآن يا دعاء عودي إلى البيت واهدئي وارتاحي , وأنا سأتصل حالاً بامها , واتركي لي الأمر وأنا سأتصرف. 

 مرت ساعة فاتصلت بالأستاذة نوال التي قالت : إتصلت بالرقمين , أحدهما لا يجيب والآخر خارج نطاق الخدمة . شعرت وكأن أطرافي شلت, أنهيت المكالمة , وتناولت الورقة التي دونت فيها العنوان ثم اتجهت إلى الشارع التي تحيا فيه اميرة , وحين فتحتْ لي الباب سألتها عن الضيف فقالت: إنه لم يحضر بعد, ولكن اقترب موعد وصوله . قطع حوارنا صوت باب الشقة وهو يُفتح , وصلت والدتها وقالت: ما حدث ! ثم فجأة دق الباب مرة ثانية فأمسكتُ أميرة من يديها وقلت لأمها بصوت هاديء : أرجوك تماسكي, واتركي أميرة تفتح الباب وتستقبل قريبك دون أن تخبره أننا في المنزل , وراقبي بنفسك كيف يعامل ابنتك, وماذا يفعل بها ؟! . وعندما دخل الرجل ألقى على أميرة نظرة مريبة فاجرة , ومد يده وبدأ يمسح على خدها واستمر حتى رقبتها وقام فجأة واقترب منها لينقض عليها كذئب مفترس , فانتفضت أميرة و صاحت , خرجت أمها من خلف الباب كحمم البركان الملتهبة تصيح في هلع, وانقضت عليه تسبه بأبشع الألفاظ , فدفعها وهرب من المكان , بينما احتضنتُ أميرة ومكثت أربت على ظهرها وأكفكف مع الأم دموع ابنتها . 

مر الوقت بسرعة , و احسست بأنني قد تأخرت . وفجأة جاء أبوها السيد حمدي الذي فوجيء بدموع ابنته و زوجته , وسألني ماذا حدث. أخبرته بأنني الإختصاصية الإجتماعية عند أميرة في المدرسة , وأخبرته بأمر مجيء أميرة لي , وزيارتي للطبيب النفسي, وما لاحظته على أميرة. ولم أخبره بموضوع الرسالة , وقريب أمها الذي يتحرش بها , حيث أن أمها كانت تغمز لي بعينيها. أنكر كل ما قلته له , واتهمني بأن أحداً ما قد سلطني عليه , وخاصة أن الانتخابات النيابية التي يترشح لها على الابواب , وعندما اشتد الحوار بيننا فاجأني بصفعة قوية على وجهي خرجت على أثرها من المنزل . وهاهي تتحقق الرؤية التي كتَبتها البنت . أميرة تبكي وأمها تنوح وأبوها يضربني , وترى إلى أين سأركض ؟. 

 وفي اليوم الذي يليه رجعت الى منزل شقيقي من المدرسة لأفاجأ به ينتظر عودتي وكان وجهه شاحباً , صاح في وجهي قائلاً : ماذا فعلت بنا يا دعاء؟ جاء رجل يسمى حمدي السلاموني , وتمكن من تهديد رؤسائي في الشركة, وتم نقلي إلى شركة ثانية في محافظة البحيرة, وبالتالي سأضطر للسفر وترك بناتي و زوجتي بسببك , وقال لي إن الدور القادم على شقيقتك , فلن تفلتا من يدي. كان الحوار معه غير ممكنا على الاطلاق , وصار البيت كئيباً, حتى زوجة أخي قالت لي : فرَّقْتنا وجئت إلى بيتنا وجلبت معك المصائب . حينها اتخذت قراري سأرحل من هنا و ارجع الى منزل والدتي 

. وبعد أن رجعت إلى منزل والدتي جاء خالي وقلت له كل ما حصل, ثم جاء أخي وقال لي : الأستاذ حمدي أمام البناية في السيارة , جاء وطرق علينا الباب وهو يبكي, ويقول إن ابنته حاولت ان تنتحر , وطلبتك بالإسم في المستشفى, وقد علم الحكاية بتفاصيلها من إبنته وإنه يشعر بالذنب. وعندما نزلت ظل السيد حمدي يتاسف مني حتى أشفقت عليه. مر يومان لازمتُ فيهما أميرة حتى تعافت و رجعت الى منزلها , وفى الليل كنت ارجع الى منزل والدتي حيث بقي خالي محمد معي, وعاد أخي جمال لعمله السابق والحمد لله. في اليوم الثالث اصطحبت أميرة و اهلها لعيادة الدكتور أيمن, وبالفعل بدأت العلاج. 

وفي أحد الأيام وأنا جالسة مع خالي في منزل والدتي قال لي : أحمد يود الحديث معك هنا, وطلب مني أن يأتي في اليوم المقبل , فهل من الممكن أن يتناول معنا الطعام ؟ أجبته بعد تفكير للحظات : فلننه إذاً هذا الموضوع , دعه يجيء , وسأطبخ وستندمون . ضحك خالي وقام ليتصل بأحمد , وقررت أن أحاول أن أغلق الباب أمام أحمد خلال زيارته الاتية . وفي اليوم الذي يليه , وبعد الغداء تركنا خالي أنا وأحمد بمفردنا , فقال أحمد : دعاء غالباً عندما أحدثك لا تنظرين إليّ على الاطلاق , ولا أذكر أنك نظرتي في عيني لنصف دقيقة كاملة , أرجوك انظري إلى عينيّ نصف دقيقة بلا اي حديث . حينها حاولت جاهدة أن أرفع عيني وأنظر إلى عينيه, ولكني لم أتمكن من ان اطيل النظر اكثر من لحظة , فقال لي : أنت ترفضين تماماً النظر إليّ رغم أن هذا من حقك , ولا أدري لماذا ؟! ولكن أعلم أنك بهذا قد حكمت عليّ حكماً سطحياً , لأنك لو نظرت إليّ لربما كنت ستلمسين صدقاً في كلامي والوعود بما يمكن أن يطمئنك أو يشرح صدرك و تحسين بالقبول . هناك أشياء نحتاجها, وأشياء نتمناها, وفي النهاية لا يأتينا إلا ما يرضاه الله لنا, وفي المنع منه كل العطاء , الحمد لله. ثم قام واستأذنني بالخروج 

في اليوم الذي يليه إستيقظت على جرس هاتفي الجوال وكان الدكتور طارق حلمي الذي نصحني الدكتور أيمن بان اراجع حالاته في المستشفى وأخبرني أنها ستفيدني في رسالة الماجستير, حينها جاءني صوت شاب وقال وكأنه يعرفني : دعاء ؟ هل ما زلتِ نائمة !! تعجبت منه ! وحاولت أن أكون جادة في ردودي معه , فقال لي أن هناك حالة مهمة يجب أن أتعرف عليها في المستشفى لعلها تفيدني . 

 طارق ... كانت زيارة دعاء للمستشفى نقطة تحول في كل حياتي , فأول لقاء بها لفت نظري أن هناك رسائل تأتينا في بعض الاحيان و على حين غرة لتلفت نظرنا لأشياء ثمينة و جميلة بين أيدينا. كانت دعاء تسير بجواري , وبدأت فوراً أتحدث معها وكأني اعرف من هي منذ زمن طويل , ولاحظت تفاديها النظر إلى وجهي . 

دعاء ... عندما دلفت الى حجرة فيروز , اعتقدت أني سأرى مريضة منكوشة الشعر, ممزقة الثياب , تضحك بهستيرية. ولكنني وجدتها وعلى وجهها بقايا مسحة من الجمال الشاحب غير اللافت للنظر. أخذت أتحدث إليها لوقت طويل , برفقة الدكتور طارق, عن أحلام اليقظة. سألتها: كيف تشعرين وأنت غارقة في خيالك ؟ أجابت وعلى وجهها ابتسامة خفيفة: أشعر أن هناك شيء ما يصعد بروحي إلى مكان من النقاوة و الخفة حيث لا يمكن لشيء أن يشدني إلى الأسفل . احسست ببهجة وهي تصف لي ما تحس به, ثم خرجنا. وحاولت أن اتحاشى الدكتور طارق لأنه كان يتكلم معي بلا كلفة وكأنه يعرفني منذ زمن طويل , كما أنه جذاب و وسيم , ولا بد أن أحمي نفسي من الوقوع في الفتن, فسأحافظ على قلبي الذي عاهدت ذاتي أن أغلقه أمام أي شائبة أو فتنة يعكر صفوه, وألا أفتحه أبداً إلا لزوجي ليكون حبي الحلال , فكان لا بد الآن أن أنصرف . وقبل أن أغادر المستشفى, جاءت إليّ أم فيروز و قالت لي أن فيروز تريد أن تراني. حاولت أن أعتذر لها فقد بدأتُ أخاف ألا أجد سيارة تاكسي تقلني إلى البيت, فعادت تتوسل إليّ , ووجدتني بعد لحظات و انا غارقة في حوار عميق مع فيروز التي سألتني كثيراً عن نفسي وعملي وأهلي . ومرت ساعات, وعندما خرجت من عند فيروز احسست بالرعب عندما نظرت إلى ساعتي ووجدتها قد تخطت العاشرة والنصف ليلاً !. 

 كان المطر ينهمر بشدة , والرياح الباردة تهز الأشجار فوجدت الدكتور طارق يقترب إليّ ويقول لي إن المكان هنا غير امن و خطير للغاية وسيحاول تدبير سيارة تقلني الى منزلي , وكدت أعود معه وفجأة! وقفت سيارة أحمد أمام المستشفى, وأقبل على طارق يصافحه بكل حرارة , وبدا لي وكأنهما يعرفان بعضهما ! ثم قال لي أحمد : تفضلي, فقد هاتفني خالك منذ قليل وطلب مني أن آتي إلى عنوان هذه المشفى , وطلب مني أن أقلك إلى المنزل , سرت خلفه وشعرت أن الخوف بداخلي قد اختفى , فوجوده أشعرني بالأمان . 

أحمد...هل فقدت عقلها ؟ أم أنا الذي خدعت بها ! لا بد أن هناك سراً دفيناً مختبئاً في قلبها لا اعرف ما هو . يبدو أنني أثقلت على ذاتي بكثرة التفكير بها وهي منشغلة بغيري . لا شك أن طارق هو سبب رفضها الزواج مني, فهو طبيب ناجح , وشاب جذاب للغاية , ويحفظ كتاب الله كما تتمنى هي في زوجها . إنتهى الأمر أيتها الفراشة , سأمزق أجنحتك , لن أسمح لك بالتجوال و الطيران في صدري مرة ثانية . وإن دق قلبي لأجلك مرة ثانية فسأسكته. 

 دعاء... وصلت إلى المدرسة وقد غيّرت من مظهري , وصلت بحجاب أزرق طويل يغطي صدري ويصل طرفه إلى خصري , احسست بأنني فراشة تطير وتستتر بجناحيها. إستقبلتني الأستاذة نوال بابتسامة كبيرة جدا , وقبلتني على جبيني قبلة برائحة والدتي , ورأيت الفرحة في عيونها . مررت من أمام الصفوف فصاحت البنات وتجمعن على نافذة الفصل تباركن لي وكأنني عروس. وعندما انتهيت من المدرسة مررت واشتريت من المكتبة ديوانين للشعر ورواية لنفس المؤلف , فقد أعجبتني طريقة كتابتة وتوزيع أفكاره. وبعد منتصف الليل بدقائق حاولت أن أنام لكنني احسست بالارق الشديد الذي يقض مضجعي , وقررت أن ألقي نظرة على كتابات فيروز التي أعطاني إياها الدكتور طارق . شعرت بالفرح الغامر , ثم قفزتُ من فراشي, و احسست أن الغرفة تدور بي, هذه الرواية هي نفسها التي قرأتها منذ قليل! حتى أسماء الأبطال, وتلك المخلوقات العجيبة. قلبت الرواية وقرأت إسم الكاتب حاتم فريد !! و رجعت لأوراق فيروز, إنها ذاتها , فهناك من يسرق روايات فيروز ويطبعها باسمه و لحسابه الخاص , إنه لص بارع, لذلك سأعود إلى المستشفى في اليوم التالي وسأكشف الكاتب المخادع . 

 ذهبت إلى المستشفى, وقابلت الدكتور طارق, وكانت عنده الطالبة نورهان إبنة الدكتور أيمن , و قلت له بأن هناك رواية لمؤلف جديد هو حاتم فريد, وهي ذاتها رواية فيروز! قال لي الدكتور طارق : حاتم هو زوجها !! فقلت: زوجها يسرق كتاباتها وينسبها لذاته ! أين الملكية الفكرية ؟! لا بد أن نخبرها, حينها قال: أرجوك لا تتسببي في إحراجي وإحراج الدكتور أيمن, سيتسبب تدخلك في الكثير من المشكلات التي لا داعي لها , فحاتم أكثر من طبيب مشهور وأستاذ جامعي. ثم خرجت أنا ونورهان سوية من حجرة الدكتور طارق بعد حديث طويل . أدارت نورهان سيارتها وانطلقنا نثرثر على الطريق, وجدتها طيبة القلب ولاحظت في حديثها الكثير عن طارق, وبدا لي أن بينهما شيئاً ما , فالنظرة التي في عينيها تشي بالكثير, إنها غارقة في حبه !. 

 عندما وصلنا إلى بيت فيروز, رن هاتف نورهان , إنها والدتها تطلب منها ان تحضر في هذه اللحظة , تركتني على الدرج على وعد بلقاء آخر. جلستُ و تكلمت مع فيروز, وبعد حديث طويل قالت لي : لم يكن قرار نشر الرواية بإسم حاتم سهلاً, فأنا التي قررت ان انشرها بإسمه فهو لم يسرق, أنا لا أريد أن أواجه العالم, لا أحب الناس فهم يخافون مني, أحببت أن تُنشر بإسم زوجي كي يكون هناك شيء ما تفخر به ابنتنا, وددت أن أهديه شيئاً, وأن أعوضه عن كل دقيقة غبت عنه فيها, فهو يُغرقني حباً حتى وأنا غائبة عن وعيي , حتى وأنا أفقد أعصابي, حتى عند انهياري , هكذا قالت لي والدتي وهي تشهد على ذلك, كما أنه يتكفل بمصاريف علاجي باكملها . لم يتزوج بغيري ولم يحب امراة ثانية غيري , ألا يستحق هدية ؟! انصرفتُ بعد أن بقيت تؤكد عليّ أن أتكتم على الأمر . 

تركتْ هذه الأحداث بصمات في ذاتي , فرجعت إلى عملي باهتمام أكبر, أتابع أميرة باستمرار, وأشجعها كى تنجح هذا العام وأنا أتألم من أجلها. وفي صباح أحد الأيام وجدت رسالة غريبة في حجرتي من صاحبة الرؤى الغامضة تقول : رأيتك تقفين و مقابلك يمشي سرب من الأحصنة البيضاء والكستنائية والسوداء ، وقد اقترب منك حصان جميل أسود وانحنى لتمتطيه ، وبعد أن ركبت على ظهره صار جامحاً وركض بكل قوة ، وكدت تقفزين به من فوق جدول ماء، وفجأة سقطت من فوق ظهره ، وامتطته أميرة ثانية ، وبقيت أنت على الأرض وفي يدك حدوة من اللجين تبرق بشدة خُلعت من إحدى قوائم هذا الحصان الأسود , حينها ابتسمتِ و مشيت . 

كانت رسائل الهاتف لا تتوقف بيني وبين نورهان التي اتضح لي أنها شخصية مرحة و ودودة للغاية , وددت أن أراها مرة ثانية فأرسلتُ لها أدعوها لزيارتي, وبالفعل جاءت في صباح يوم الجمعة, حيث سافر خالي مرة لليلة واحدة يتفقد اقاربه و منزله ليعود عصر السبت إن شاء الله. وصلتْ مبكراً وكنتُ سعيدة بان اراها , دخلت إلى مكتبتي, وأمسكت بكتاب (أوراق الورد) للكاتب الرافعي, وفتحته على مقطع قريب لقلبي, وأسمعتها هذه الرسالة وهو يتحدث إلى زجاجة العطر : يا زجاجة العطر اذهبي إليها, وتعطري بمس يديها..... ووقعتْ أسهم كلمات الرافعي في مرماها وسط فؤاد نورهان الموجوع هياما و عشقا , وبدأت تفتح قلبها وتُخرج ما بجعبتها من أسرار. حدثتني عن حبها لطارق, وجدتها غارقة في بحر مسجور من العشق, تتخبط في غُيابة الجبّ , تأمل أن يلتقطها طارق ويصطفيها للزواج منه فتقر عينيها ولا تحزن بعدها ابدا . وبعدها ذهبنا إلى مطعم قرب الشاطيء لتناول وجبة لذيذة من الدجاج المشوي. وبعد أن انتهينا خرجنا لنسير على الرمال بجواربنا , وفجأة قالت لي نورهان : أريد أن ارتدي الحجاب , فاستغربتُ , فأكملتْ : عندي كل شيء, كل شيء تتخيلينه , ولم احس بالسعادة إلا عندك اليوم, ورغم أنك فقدت والديك وأختك, وتعيشين بمفردك , إلا أنك تركضين على الطريق إلى الله وسط ابتلاءاتك , وأنا غارقة في النعم و اعصيه , كما أنني صرت أخشى الموت. فلاحظت بريق السعادة في عيونها , ثم رجعت إلى بيتي. كانت أقدامي توجعني , وفجأة قطع الصمت الهادئ الذي كان يحتويني صوت هاتفي الجوال! وإذ برسالة تأتيني عليه : *هل تقبلين الزواج مني ؟* إبتلعتُ ريقي بشيء من الصعوبة , إنها من الدكتور طارق . تسارعت دقات قلبي, تجاهلت الرسالة فقد حاول أن يتصل بي , ولكنني لم أجبه على الاطلاق , ماذا سأفعل ؟!. 

أحمد .. مرت أيام منذ أن التقيت ب دعاء , أخشى أن أسال أختي نور عليها فتقول لي أنها خُطبت لطارق , صديقي من أيام المدرسة . لقد حاولت أن أبحث لها عن اي حجة تبرر وجودها في تلك المستشفى حتى منتصف الليل ولم أجد . كنت قد استغرقت في النوم للتو حتى أيقظني صوت تليفوني , وكان طارق وقال لي : أريد رقم تليفون والد دعاء ! قلت متعجباً: والدها ميت , سألني بكل اهتمام : إذاً هاتف عمها أو خالها أو أخيها, أريد أن اتقدم لخطبتها . قلت وقد بدأت تتأجج في صدري حمم بركانية: ما الذي أعجبك بها ؟ فقال : فتاة مهذبة و رائعة وبصراحة هذا النوع من البنات أصبح نادراً الآن ! قلت : سأرسل لك رقم أخيها في رسالة . سألني ألم تتزوج بعد يا أحمد , عندي لك عروس في غاية الروعة , طالبة في السنة النهائية من كلية الطب, وهي ابنة أستاذي الدكتور أيمن ! فقلت : ساقول لك عندما أنوي الزواج , فقال : سأدعوك لحضور الخطبة قريباً ! قلت بوجع : دعها توافق أولاً, رد بثقة: أنا واثق أنها ستوافق. إنتهت المكالمة وأغلقت الهاتف و أنا اتوجع من كل قلبي , فقد كانت مكالمته نكئاً لجراحي . ومرت الليالي الأكثر بؤساً في كل حياتي , طارت الفراشة, بعد أن أزاحت رحيق الحب من قلبي بجناحها الرقراق, وتركتني وحيداً أتجرع مرارة أن أموت وأنا ما زلت على قيد الحياة ! . 


 دعاء... في منتصف الليل اتصل بي شقيقي جمال , وأخبرني أن آتي إلى بيته بعد عملي , و قال لي بأن هناك شخصاً يطلبني للزواج إسمه طارق, وأصر على أن آتي. وبالفعل ذهبت وجلست مع طارق بمفردنا , وبعد حديث قلت له : دكتور طارق أنت إنسان غاية في الروعة ولكنني لا أوافق على الزواج منك, فما تريده أنت بكل بساطة في فتاة أحلامك أريده أنا في فارس أحلامي , نصف ثاني يأخذني إلى الجنة فقال : من قال أنني لن أعينك على هذا ! أنت تحكمين من جلسة واحدة وبضع كلمات ! يبدو أنك فتاة متباهية !. أغضبتني كلمته وتركته يكمل : يبدو أن خبرتك محدودة ولا تعلمين ما هو الواقع , لا وجود لفارس الأحلام يا عزيزتي , كم أنت بعيدة جداً ! فقلت : دكتور طارق أحياناً يكون بين يديك شخص رائع, مقبل عليك, يحبك بشدة, و يتتبعك , حتى أنه يحفظ حركاتك و سكناتك ...فربما يكون هو نصفك الثاني الذي تنتظره . شعرت فجأة أنني أتحدث عن أحمد. فهز رأسه وقال: نورهان , قلت : نعم , إبنة الدكتور أيمن , إنها تذوب فيك حبا و عشقا وقد تحجبت , وأنا أستبشر خيراً. كست وجهه علامات الدهشة وقال : تحجبت إذاً .. هذا رائع , لا شك أن لك دوراً في حجابها. قلت بصيغة مقتضبة : أرجو أن لا تخبر نورهان عن زيارتك ولا عن حديثنا , فأومأ برأسه , وتركني وانتهت الزيارة . 

قرأت يوماً في إحدى الجرائد أن حاتم زوح فيروز قال أن الرواية التي نشرت بإسمه من تأليف زوجته, وأن هذا خطأ غير مقصود من دار النشر, وأن لها مؤلفات ثانية , وأن الدار ستطرح المجموعة كاملة بإسمها قريباً. وقرأت بعدها على الإنترنت تصريحاً واحداً لفيروز تقول فيه : "كتبت رواياتي لأنني أحبه" , بينما بقي موضوع مرض فيروز بعيداً عن الإعلام, حينها فرحت للغاية لهذا التطور وأيقنت أن زوج فيروز فعلاً يحبها ويستحق حبها المخلص و العميق لها . 

 ما زالت رسائل نورهان لا تتوقف على هاتفي . أتت لزيارتي مرتين , وفي آخر زيارة لها فاجأتني بتغير كبير في حياتها , ملابسها الأنيقة صارت أكثر اتساعاً, وحجابها أصبح أكثر ستراً. خرجنا معاً وأنا أسير بجوارها و انا سعيدة للغاية , ما زالت تحب طارق . وقررتْ أن تشركني لحظة توبة صادقة ستتركه فيها وتُنهي علاقتها به ...لله , وتغسل عن قلبها بعض الدرن. وأخبرتني أنها لن تذهب إليه في المستشفى مرة ثانية , فسعدت لتوبتها وسألت الله أن يربط على قلبها حتى تشفى من جراحها . 

 مرت أيام, وفي ليلة صافية وبينما أستعد للنوم جاءتني مكالمة من إحدى الممرضات بالمستشفى تقول لي إن فيروز رجعت حتى تتعالج وتطلب رؤيتي . توجهت إلى المستشفى بعد انتهاء يومي في المدرسة , رآني الدكتور طارق فاقترب مني على الفور وسألني عن نورهان المتغيبة عنه أكثر من أسبوع, وقد غيّرت رقمها وحساباتها باكملها , فقلت له: لقد تغيرت تماماً و اعتقد انها وضعت ضوابط جديدة لمعاملاتها على أرض الواقع وعلى الإنترنت أيضاً . دُهش مما سمع فتركته وذهبت لأرى فيروز التي تتأرجح بين الكابة و البهجة , وتحدثت مع أمها قليلاً حيث كانت فيروز تغط في نوم عميق . وقبل أن أغادر أعطتني والدتها رواية كتبتها فيروز عني وجعلتني بسمات بطلة خارقة فيها , وكان هذا سبب سؤالها عني. وحين خرجت من حجرة فيروز رأيت شاباً قد سبق ورأيته عند الدكتور طارق وإسمه حسام , فسألته عن حاله , وبعد حديث قال لي : قلبي يتمزق على فيروز و شقيقتها , فقلت بتعجب : هل لفيروز أخت ؟ ما بها ؟ فقال لي : لها أخت تصغرها بستة عشر سنة , ضاعت من السيدة فيروز بعد أن أصابتها حالة من الشرود الذهني وهي تمسك يدها في الطريق, وكان هذا منذ اثنتي عشر سنة , حيث كانت في الخامسة من عمرها , اعتقد انها الآن ستكون في السابعة عشرة أو ربما توفاها الله . لقد بحثوا عنها في كل مكان ولم يجدوها. آه لو رأيتِها , لها نفس عيني ياسمين إبنة فيروز الخضراء الجميلة , فقلت : فلنستودعها الله وهو سيحفظها, ثم أكمل : رائحة القهوة تذكرني بوجه والدتي وتلك السكينة التي كنت أشعر بها كل صباح . في الحقيقة يا آنسة دعاء أحلام يقظتي وذكرياتي كلها بروائح مميزة و الوان صاخبة و نكهات فريدة , قلت له : وأنا أيضاً ما يزال طعم غزل البنات الذي كان يشتريه والدي لي في فمي يذكّرني بالسعادة . 

رجعت الى منزلي بمشاعر متخبطة وقلب مهتريء, وجلست أقرأ الرواية التي كتبتها فيروز عني , "الأغلال الناعمة" احسست بشعر رأسي بدأ يقف من الدهشة و الخوف , وشعرت بالرعب , كانت الرؤى التي تأتيني في الرسائل من الفتاة الغامضة مكتوبة كما وصفتها لي تقريباً بهذه الرواية , وأنا لم أخبر فيروز عنها . يا إلهي كيف عرفت فيروز بأمر الرؤى ومن تلك الفتاة الغريبة ؟؟! مررت بليلة عصيبة, وفي الصباح ركضت إلى المدرسة وإلى الفصل الذي جمعت منه الرسائل , وقفت أمام الطالبات وقلت : أرجو من الطالبة صاحبة الرؤيا أن تأتيني في حجرتي . وفي بداية اخر حصة في اليوم وجدتها تقف أمامي إنها سارة !! قلت لها: هناك من كتب الرؤى في رواية كما وصفتها بالضبط , فهل قرأتها من قبل؟ غضبت سارة وقالت: أنا لا أكذب يا أستاذة دعاء . احسست بارتباك وجلستُ أقص على سارة قصة فيروز من بدايتها بتفاصيلها فقالت لي : أسال الله أن يشفيها , لا أعلم سبب تشابه كتاباتها والرؤى التي أراها , لعله تلاقي الأرواح .

 في اليوم الذي يليه أتتني رسالة من نورهان تخبرني عن خطبتها لطارق وتدعوني للحضور , ذهبت إليها و عاونتها في ارتداء فستانها وحذائها , وزينت البيت معها وضحكنا بشكل , وفارقتها قبل موعد وصول طارق بربع ساعة . كنت في قمة الفرح لأن نورهان هنيئة حتى أنني شعرت أنني أطير على الطريق وأنا ذاهبة إلى منزل شقيقي الذي كان يقلب كفيه ويتعجب من عدم اتصال طارق مرة ثانية , وينظر إليّ ويتحسر على حالي, فقلت له عن أمر خطبة طارق ونورهان إبنة الدكتور أيمن و ذهبت . 

 جاء وقت إجازة نصف السنة الدراسية وقرر خالي محمد السفر لأداء العمرة, ووجدت شقيقي يشجعني أن أسافر معه. عشت أجمل أيام حياتي في مكة , وهناك قررت أن أهاتف أحمد و اقول له بأنني أوافق على الزواج منه , وأعتذر عن كل لحظة مرت وأنا أعذبه , فأرسلت له رسالة : لا أدري لماذا كنت أحيد عن طريقك لئلا ألتقي بك ! وأنا التي تبحث عنك الآن في كل مكان... فهل تمنحني دقيقة حتى امنحك عمري كله؟ ولم يأتني رد على الرسالة , فأرسلت رسالة ثانية : نعم . قبلت الزواج !. وكان هاتفه لأيام مغلق. وبعد العودة وصلنا إلى منزل شقيقي وبين طيات الحديث قال أخي : حفل زفاف أحمد كان منذ أيام , فقد تزوج رقية إبنة خالته وسيسافر بعد أسبوع إلى السعودية , العقبى لك يا دعاء . 

 حينها اغرورقت عيناي بالدموع و رجعت الى منزل والدتي مع خالي الذي يعلم بخبيئتي فقد أخبرته بكل شيء حتى اتصالاتي و رسائلي كانت بعد أن أخبرته. ومر يومان وأنا أتخبط من أوجاع حلت بفؤادي , يبدو أنني كنت أصد أحمد وأنا مطمئنة أنه سيعود لأنه يحبني , ولم أفطن إلى أنه سيسام مني و يرحل . وذات صباح كنت أجلس في غرفتي بالمدرسة حين أتتني الرسالة الأخيرة على لسان سارة التي جلست مقابلي لتقول: أستاذة دعاء, رأيتك بالأمس في رؤيا ثانية , ثم ابتسمتْ وأكملتْ : رأيتك وقد عاد الحصان الأسود ضعيفا متعبا وأنت تطعمينه حتى يشبع، وما زالت الحدوة اللجين في يدك ، لكنها أصبحت كالسوار، ثم ينحني الحصان مرة ثانية فتركبين وتعبرين إلى مستطيل أخضر, على جانبيه نهران من ماء رقراق عذب, رأيتك كأميرة تاجها تتحدر منه المجوهرات ، وأمامك فتاة رائعة الجمال، كانت جميلة وكنت انت سعيدة ايضا . حينها قالت سارة : هل كتبتْ فيروز هذه الرؤيا في كتابها ! فقلت : لا أعرف حبيبتي, سأزورها لعلها تقول لي شيء جديد . أسال الله أن يشفيها وأن تعود أختها المفقودة. وفجأة تسمرت سارة في مكانها وحينها فقط انتبهت إلى لون عيني سارة الذي يشبه لون عيني ياسمين إبنة فيروز وقالت : أنا وجدني والدي الذي يربيني الآن هو وزوجته على الشاطيء هنا بالإسكندرية منذ اعوام , وبعد أن أبلغا الشرطة تم عمل محضر, ثم مرت ثمانية أشهر ولم يسأل عني أحد , وربّانيا عندهما في المنزل , أرجوك خذيني إلى فيروز لعلها تكون أختي وأمها أمي وسأحضر ملابسي التي كنت البسها يوم وجدني أبي .. 

كنت أرتجف ونحن نمضي في الشوارع إلى فيروز أنا وسارة ووالدها ووالدتها, وحين دلفنا إلى حجرة فيروز وقع نظرها على الملابس التي كانت بين يدي سارة وقالت : فرح إنها ثياب حبيبتي فرح !! لا أذكر ما حدث فقد كنا جميعاً نصيح بعد أن هبّت علينا عاصفة من الفرحة , ثم استأذنت في الإنصراف , و رجعت لمنزلي تلك الليلة وأنا أشعر السكينة . 

أحمد .. كان يوم الزفاف كالطعام الذي لا ملح فيه , حاولت أن أحب رقية , ولكنه حبّ من نوع غريب , احسست وكأنني أؤدي واجباً نحو إنسانة خلوقة ومطيعة وودودة تحبني . وبعد الزفاف بيومين وصلتني رسالة من دعاء, وقفت مدهوشا , وشعرت بالقهر والألم والحزن , وتلتها الرسالة التي أوجعتني بشدة ! إنها تخبرني أنها ستوافق على الزواج مني ! كيف تكتب هذا وكنت اعتقد انها قد خُطبت لطارق وستتزوجه ! هل أضعتها بغبائي من يدي ؟ حينها اتصلتُ بشقيقتي وسألتها عن أخبار دعاء , وعلمتُ منها أنها لم تتزوج طارق , فقالت شقيقتي : ألهذا تزوجتَ رقية بتلك السرعة , لأنك اعتقدت دعاء خُطبت , إتق الله يا أخي في ابنة خالتك فإنها تحبك ! حاولت أن ألتقط أنفاسي وأنهيت المكالمة مع شقيقتي وقمت بمسح الرسالتين من هاتفي, ودعوت الله أن يخرج حب دعاء من قلبي وألا يفتنني بها , ويعينني على الإحسان لزوجتي رقية ويجعلها قرة عين لي, وتركت ذاتي للأيام تعلمني, وعشت كما أراد لي الله , فالسعادة المطلقة فيما أراده لنا الله . 

 دعاء .. مرت الشهور وبَرَد الجرح في قلبي وترك ندبة بسيطة كانت توجعني عندما تتحسسها الذكريات. وفي ليلة هادئة أيقظنا جرس الباب فجأة, وكانتا رحمة و مودة , حاولت أن أنادي على شقيقي الذي أوصلهما فلم يجبني, يبدو أنه كان على عجل فسألت بنات أخي عما حدث فقال مودة بصوت ناعس : إتصل خالي أحمد وقال إنه يريد والدي على وجه السرعة ويحتاجه لأمر طاريء . إخترق إسم أحمد أذني و احسست بجسدي يرتجف لذكره أمامي . إذاً عاد أحمد من حفل زفاف قريبته هو ورقية ونور وصغيرته التي أنجبتها له زوجته منذ شهرين . حينها غلبني النعاس وأنا أتمتم لأحمد وزوجته بالدعاء , فكنت لا أحمل لهما في قلبي إلا كل الخير. أيقظني رنين الهاتف وجاء صوت شقيقي حزيناً : عدنا إلى المنزل أنا وأحمد, إنا لله وإنا اليه راجعون, سنسافر بعد قليل إلى المنصورة, ماتت زوجتي نور وماتت رقية في حادث كبير ! حينها خرجت مني صرخة مكتومة ثم أردف شقيقي : نجا أحمد وابنته لجين بإعجوبة من الحادث , فغلبني البكاء الشديد وهربتْ مني الكلمات . وفي الصباح جاء أخي وأحمد ووضعا الصغيرة لجين في بيتي , وجلست وشعرت وكأن رقية ونور تجلسان معي وتوصياني على البنات . كنت أرعى الصغار وقلبي ينزف. مرت أيام وسافر أحمد لعمله وترك ابنته عند جدتها حتى تهتم بها , ولم أتمكن من رؤيته. وبعد شهور مرض خالي وغادرنا بكل سكينة بعد أن لفظ الشهادتين في ليلة من ليالي الجمعة . وانتقلتُ إلى منزل أخي لأرعى ابنتيه. صار أحمد حلماً أتمناه وطال انتظاري وتأكدت في هذه اللحظة أنني أحببته . 

 أنهت رحمة قراءة ما كتبته عمتها دعاء في مذكراتها التي دونتها في دفتر أنيق احتضنت صفحته الأولى جملة من كلمتين ...غزل البنات. رفعت عينيها فإذا بعقارب الساعة توشك أن تتعانق عند منتصف الليل ، ولم تعد بعد شقيقتها "مودة" والتي سافرت إلى دمياط مع خطيبها و امه لاختيار أثاث بيتهما فحفل الزفاف بعد أسبوعين .جلستْ تتأمل عمتها دعاء وهي توشك أن تتم السابعة والثلاثين من عمرها , عشر اعوام مرت على ما سطر من أحداث في هذا الدفتر . قالت دعاء : لا تبك يا عزيزتي , أردتك فقط أن تطلعي على ما مررت به في كل حياتي , حتى لا تكرري أخطائي, أتمنى أن توافقي على زيارة عمر و امه لنا هنا في بيت جدك, والقرار لك في النهاية , قالت رحمة : عشر اعوام مرت على هذا اليوم، ما زلت أذكر وجه أبي عندما جاء بنا أنا و شقيقتي وطرقنا بابك ليلاً, لم يخبرنا أن أمي ماتت هي وزوجة خالي في هذا الحادث .. ظللنا ننتظر عودة أمي حتى قال لنا والدي وبكينا بين يديك طويلاً، لم يعد خالي إلى مصر بعد هذا الحادث إلا مرة واحدة بعد وفاة أبي منذ سنتين .. حتى أنه لم يعد لاصطحاب ابنته بل سافرت بها جدتها رحمها الله إليه..عندما ذهبا معاً حتى يؤدوا فريضة الحج. . 
رن جرس الباب و عادت مودة أخيراً , أسرعت دعاء لتفتح الباب بينما وقفت رحمة تحدق وتراقب الشارع من خلف زجاج شباك منزل جدها القديم ذي النوافذ العالية , ولمعت عيناها بعد أن اتخذت قرارين غاية في الاهمية ، أحدهما يخصها ، والآخر يخص عمتها .. دلفت إلى حجرتها بسرعة مستغلّة انشغالهما وأغلقت الباب باحكام ، ثم أحضرت هاتفها الجوال وفتحت الدفتر الذي سطرت فيه عمتها كل ذكرياتها القديمة . وهمست لذاتها وهي متربّعة فوق الفراش وقد نصبت ظهرها بينما تعض على شفتها السفلى وتغمض عيناً واحدة محاولة ضبط عدسة الهاتف لتلتقط الصور: لا بد أن يعلم خالي أنها ما زالت هائمة في حبه ، حان وقت البوح يا خالي العزيز، هيا استيقظ .. وانهالت الرسائل على هاتف خالها أحمد الذي أيقظه صفير هاتفه المتواصل بلا انقطاع، وقام برأسٍ بدأ الشيب يزحف إلى مقدمته بلطف فزاده جمالا , وقد احتفظ بقوامه الرياضي ونظرته الهادئة و ابتسامته الجذابة ليتفحص الهاتف. عندما رأى رسائل رحمة اتسعت عيناه دهشة وبدأ يقرأ .. ثم دق ّ قلبه مرة ثانية .. 


 في اليوم الذي يليه استيقظت دعاء مبكّراً على صوت هاتفها الجوال الذي يبدو أن صوته أيقظ أيضا رحمة التي كانت لا زالت ساهرة طوال الليل ، تترقب شيئاً ما ! وتنتظر تلك اللحظة .. وصلت رسالة, فتحتها دعاء وقرأتها في صمت : دقة قلب قوية ، ووجع خفيف غير موجع لحد المرض, يتوسط صدري عندما أفكر فيك ، وكأنّي على وشك السقوط من مكان مرتفع .. الم خفيف لكنني أحبّه. كاد عقلها أن يطير حيرة وجنوناً وبدا عليها التوتر ، تسارعت دقات قلبها ، وقد جف لسانها وتخشّب في فمها ، زلزال داخلي يكاد أن يفتك بها، سمعت صوت رنين التليفون فانتابتها رجفة في جسدها باكمله .. إنّه يتصل بها.. إبتلعت ريقها بصعوبة ورفعت الهاتف على أذنها وقالت بصوت مهتز : أحمد ! قال بعد سكوت , لوهلة سمعتْ فيها همهماته المرتعشة : دعاء..لا أدري هل سأكون الآن سبباً في شقائك , أم سبباً في هنائك ، فقد فرقتنا الأيام وضربت بيننا ضربتها، وهأنذا أعود وبين يدي إبنتي لجين فهل تقبلين الزواج مني على حالي؟ أجابته بصوت يرتجف : نعم.. نعم . 

 كان زفافها هادئا و بسيطا في بيتها القديم، توردت وجنتاها وحدهما، وتكحلت عيناها برؤية أحمد. إنسحبت من بين الحضور لتجد ذاتها بجواره حيث اقترب من أذنها وهمس بحنان : أحبك...إلتفت إليه بكل جوارحها ونظرت طويلاً في عيونه وقالت : أحبك . 

وبعد أسبوعين ، كانت رحمة تقف بالقرب من عمر وهي تحمل في يدها اليمنى- التي زينها خاتم خطبتها له- باقة ورد جميلة للغاية , وهي تنتظر شقيقتها العروس مودة التي وقف عريسها يمسك يدها بحب في مشهد يشبه استقبال الأميرات على أبواب القصور حتى تبدا مراسم التتويج، ثم يساعدها لتترجل بفستانها الأبيض من مركبة خالها أحمد المزيّنة لتدلف إلى بهو العمارة الفخمة التي ستسكن فيها. 

 على اخر صفحة من ذلك الدفتر الوردي، والذي زيّنت صفحته الأولى كلمتا "غزل البنات" سطّرت دعاء من جديد, وبعد مرور عام على زواجها من أحمد ثم سفرها مع ه, تلك الكلمات: و في نهاية الرحلة طافت السعادة في نفسي وسكنت إلى زوجي كما يسكن الطير الغريب للعش الهاديء، وأخيراً رُزقت زوجاً آنس بجواره و بقربه و أجد لذة العيش في الحديث معه والسكون إليه . وكل ما جرى لي كان رحمات من ربي وبحكمة منه ، فكل ابتلاء مررت به كان "هدية من الله" لأنه يرحمني، حتى ابتعاد أحمد عني وزواجه كان نعمة لي .. نعم !! فقد اكتشفت وأنا في عيادة الطبيب بعد سنة واحدة من زواجي أنني عاقر لا انجب اطفال ، ولا يوجد علاج طبي أو جراحي لحالتي فقد ولدت هكذا بحكمة من ربي.. تحققت الرؤيا التي رأتها سارة منذ أكثر من عشر اعوام ، وبقيت لجين بين يدي ، وكانت هدية من الله لأنه يعلم أنني في حاجة اليها حتى وأنا مع حبيبي "أحمد" 


                                          النهاية