الثلاثاء، 11 يونيو 2019

تلخيص رواية:
 الإنمساخ: فرانز كافكا. 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.





حينما إستيقظ سامسا ذات صباح من أحلام وكوابيس مزعجة، وجد نفسه في فراشه وقد تحول إلى حشرة ضخمة. كان مستلقياً على ظهره ويشعر به بأنه أصبح صلباً وكأنه مصفح بالحديد؛ وحين رفع رأسه الى الأعلى بعض الشيء استطاع أن يرى بطنه الأسمر شبيهاً بالقبة مقسَّماً إلى عدة فلقات قاسية مُقوسة. أما أرجله المتعددة، التي كانت هزيلة ونحيفة إلى حد كبير قياساً إلى سائر بدنه، وقد راحت تتماوج أمام ناظريه في عجز واضح .

 فكر قائلاً في نفسه:" ترى ما الذي أصابني؟" لم يكن ذلك حلماً. إن حجرته، حجرة نوم بشرية نظامية، وإن هي صغيرة أكثر مما ينبغي، لتقع تماماً داخل الجدران الأربعة المألوفة. وفوق الطاولة هناك ، انتشرت مجموعة متعددة من عينات الجوخ أخرجت من صررها - كان سامسا مندوباً تجارياً متجولاً- تدلت الصورة التي كان قد اقتطعها في احدي الاوقات ، منذ وقت قريب، من إحدى المجلات المصورة ووضعها في إطار جميل مذهب. كانت تلك الصورة تمثل سيدة تضع على رأسها قبعة من فرو وتتلفع بلفاع من فرو على شكل حية. 

 التفت سامسا بعينيه إلى النافدة، فإذا بالسماء ملئ بالغيوم المتلبدة فأوقعت في نفسه كآبة بالغة. وقال في نفسه: "لمَ لا أستسلم للرقاد قليلاً، وأنسى كل هذا الهراء ؟" لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة وغير قابل للتنفيذ قط؛ إذ إن سامسا كان معتاداً على أن ينام على جنبه الأيمن،أما الأن فلم يكن في وسعه أن يستدير. ومهما استجمع من قوته كي يلقي بنفسه على جنبه الأيمن، إلا أنه في نهاية كل مرة كان يتأرجح عائداً للإستلقاء على ظهره. لقد عاود المحاولة مئة مرة على الأقل، ولم يكف عن ذلك إلا عندما بدأ يستشعر ألماً واهناً في جنبه لم يكن يعرفه من قبل في يوم من الأيام.

 وفكر:"آه، يا إلهي، ترى أي وظيفة منهكة قد تخيّرت! الطواف والترحال في البلاد، يوماً بعد يوم. إن إزعاجات هذا العمل أكبربكثير من إزعاجات العمل في المحل الأصلي. وقال لنفسه:"إن هذا النهوض المبكر من الفراش يجعل المرء أبله تماماً. إن الإنسان ليحتاج إلى قدر من الاستلقاء والراحة . وإن غيري من المندوبين التجاريين يعيشون مثل النساء الحريم. فحين أعود مثلاً إلى الفندق متأخراً في أول ساعات الضحى، لكي أدوّن الصفقات التي عقدتها، يكون هؤلاء السادة في هذا الأثناء قد جلسوا منذ لحظات لتناول طعام الفطور..... وعلى أية حال فالآن ينبغي عليّ أن أنهض، إذ إن قطاري ينطلق في الساعة الخامسة". 

نظر إلى الساعة المنبهة بجانبه والتي كان يَسمع دقاتها. وقال في نفسه :"يا رب". كانت الساعة قد تجاوزت السادسة والنصف، وكادت تصبح السابعة إلا ربعاً. يبدو أنه قد نمت نوماً عميقاً. لكن ماذا ينبغي علي أن أفعل الآن؟ إن القطار التالي سوف ينطلق في الساعة السابعة. ولكي ألحق به يتعين علي أن أسرع بشكل غير معقول. وحتى لو استطعت أن ألحق بالقطار، فإن ذلك لن يجنبني زمجرة الرئيس وتعنيفه. 

 وفيما كان سامسا يدور ذلك في خلده ، قُرع الباب قرعاًخفيفاً . وقال صوت، هو صوت الأم: سامسا ، الساعة السابعة إلا ربعاً. ألم تكن تنوى السفر ؟ . 

 أصيب سامسا بصدمة عنيفة حين سمع صوتَه المجيب. كان صوتاً قد اختلطت به زقزقة مؤلمة لا يمكن حبسها. سامسا يريد أن يجيب بإسهاب وأن يشرح كل شيء، لكنه إختصر الكلام وقال : نعم، نعم، أشكرك، يا أماه، سوف أنهض الآن. لم تلحظ الأم التبدل الذي طرأ على صوت سامسا ، ومضت في سبيلها. لكن من خلال هذا الحديث القصير لاحظ أفراد الأسرة الآخرون أن سامسا على غير عادته ، وأنه ما زال في المنزل؛ وإذا بالأب يقرع على الفور أحد الأبواب الجانبية وينادي: سامسا ، غريغور، ماذا دهاك؟ وعند الباب الجانبي الآخر سألت الأخت بصوتٍ خفيضٍ باكٍ: غريغور؟ هل أنت بصحة جيدة؟ هل أنت في حاجة إلى شيء ؟ فأجاب غريغور: سوف أخرج بعد قليل. وهكذا عاد الأب إلى تناول إفطاره ، لكن الأخت همست: غريغور، أناشدك بالله أن تفتح الباب. لكن غريغور لم يفكر في فتح الباب بأية حال من الأحوال. 

 أراد أن ينهض في هدوء ودون أن يزعجه أحد، وأن يرتدي ثيابه؛ وأراد أن يتناول طعام فطوره قبل كل شئ ؛ وبعد ها , أراد أن يفكر في ما ينبغي أن يفعله، إذ إنه لن يصل بتأملاته وهو راقد في الفراش إلى خاتمة حكيمة. وتذكّر أنه كثيراً ما استشعر، وهو في سريره، ألماً ما طفيفاً لعله نشأ نتيجة رقاده بشكل غير سليم ، حتى إذا ما نهض من فراشه تبين أن هذا الألم لم يكن سوى وهم. ولم يخامره أدنى شك في أن ذلك التغير الطاريء على صوته لم يكن غير نذير بزكام حاد هو مرض المندوبين التجاريين السرمدي. 

 كان التخلص من غطاء اللحاف أمراً يسيراً. أراد أولاً أن يخرج السرير الجزء السفلي من جسده من السرير ، ولكن ذلك الجزء لم يكن رآه بعد، ولم يتمكن من أن يكّون فكرة واضحة عنه، تبين له أن تحريكه أمر عسير جداً.. فحين رفع رأسه في نهاية الأمر الى خارج السرير، أحس بذعرفظيع جعله يحجم عن الاستمرار في التقدم، وذلك لو أنه ترك نفسه يسقط على هذا النحو إذاً لاقتضاه الحفاظ على رأسه سليماً من الأذى معجزة من المعجزات. ففضل البقاء مستلقياً في السرير. وراح يراقب أرجله وهي تتصارع بشدة، ولم يجد أي وسيلة إلى إقرار النظام في هذا التخبط الإعتباطي الغريب ،عاود مرة أخرى وقال لنفسه إن من المستحيل عليه أن يبقى في السريرهكذا ، وإن السبيل الأمثل لذلك يقتضيه أن يضحي بكل شيء إذا ما وجد أقل أمل بتحرير نفسه من الفراش. ولم ينس في الوقت ذاته أن يُذكّر نفسه مراراً بأن التفكير الهاديء خير من القرارت اليائسة. فصوب عينيه بأقوى ما استطاع نحو النافدة؛ ولكن مشهد ضباب الصباح، الذي حجب حتى رؤية الجانب الآخر من الشارع الضيق، لم يحمل إليه للأسف الكثير من الإرتياح والتفائل . 

 حضر كبير الموظفين في المؤسسة ليسأل عن غريغوري. قالت الأم للزائر: لقد أصابته وعكة صحية . صدقني أيها السيد. فأي شيء غير المرض المتعب يمكن أن يفوّت عليه القطار! إن الفتى لا يفكرليل نهار إلا بعمله. ومن المؤكد أنه يشكو مرضاً ما. فقال كبير الموظفين: وأنا أيضاً، يا سيدتي، لا أستطيع تفسير الأمر تفسيراً آخر. وآمل ألا يكون مرضه خطيراً.على الرغم من أنه يتعين عليّ، من الناحية الأخرى ، أن أقول إننا نحن رجال الأعمال كثيراً ما يتحتم علينا أن نتجاهل ببساطة الوعكة الخفيفة من أجل العمل. 

 نفد صبر الوالد ، وذهب يقرع الباب من جديد ويسأل غريغوى : حسناً، هل يستطيع السيد كبير الموظفين أن يدخل الآن ؟ فرد غريغور: لا. وتبع هذا الرفض صمت أليم. 


ناداه كبير الموظفين: سيد سامسا، ماذا أصابك؟ إنك تقبع في غرفتك؟ فقال غريغوري: إنها وعكة بسيطة، نوبة دوارأصابتني و حالت بيني وبين النهوض من الفراش. على أية حال، سأنطلق في قطار الساعة الثامنة. لا تدعني أؤخرك هنا، يا سيدي. 

 وفيما كان غريغوري يقول هذا، كان قد وصل الى صندوق السرير في يسر، وراح يحاول أن يرفع نفسه وهو مستند على الصندوق ليقف منتصب القامة. كان بالفعل يعتزم أن يفتح الباب ، ويدع الآخرين يشاهدونه بالفعل ، وأن يتحدث إلى كبير الموظفين. كان تواقاً إلى أن يعرف ما الذي سوف يقوله الآخرون، عندما تقع أبصارهم عليه. في أول الأمر انزلق عدة مرات عن سطح الصندوق المصقول، ولكنه أخيراً أعطى لنفسه دفعة قوية أخيرة ووقف منتصباً. ثم ترك نفسه يسقط على ظهر كرسيٍّ قريب، وتعلق بأطراف ذلك الكرسي بأرجله الصغيرة تلك . ومكّنه ذلك الوضع من أن يسيطر على نفسه مرة أخرى، ولاذ بالصمت، إذ أصبح الآن في مقدوره أن يصغي إلى ما يقوله كبير الموظفين: هل فهمتما كلمة واحدة من هذا؟ قال كبير الموظفين للأبوين ، هل هو يستغفلنا؟ فصرخت الأم، وقد اجهدت في البكاء: لا سمح الله! لعله يشكو مرضاً فظيعاً، ونحن نعذبه. ثم أخذت تنادي : غرته!غرته! فصاحت الأخت من الجانب الآخر: نعم، يا أمي؟ فقالت الأم: عليك أن تذهبي في الحال الى الطبيب . غريغور مريض جداً . هيا أسرعي وأحضري الطبيب. أسرعي. ونادى الوالد عبر الرواق إلى المطبخ، وهو يصفق بيديه: أنّا! أنّا! استدعِ على الفور صانع أقفال! وعلى التو ركضت الفتاتان عبر الرواق، وفتحتا باب البيت على آخره، كما يفعل المرء في البيوت التي ألمت بها كارثة ومصيبة كبيرة. =كان غريغور الآن أكثر هدوءاً. صحيح أنهم لم يفهموا كلماته، ولكن على كل حال أصبح الآخرون يعتقدون الآن أن أحواله ليست على خير ما يرام، وأنهم على استعداد لمساعدته. وقد أراحه ذلك واعطاه شئ من الثقة والطمأنينة. 

 وفي بطء شديد دفع بنفسه غريغور مع الكرسي نحو الباب، ثم ترك الكرسي هناك، وألقى بنفسه على الباب، واتكأ عليه واقفاً، واستراح لحظة بعد مجهودك الكبير ذلك . وشرع بعدها بإدارة المفتاح الداخل بالقفل بفمه. ولكنه للأسف بدا أنه لم يعد يملك أسناناً حقيقية ، ولكن كانا فكيه يبدوان قويين جداً. وتمكن بمساعدتهما من تحريك المفتاح فعلاً. قال كبير الموظفين: إسمعوا! إسمعوا! إنه يدير المفتاح! وكان في ذلك تشجيعٌ كبير لغريغور. انفتح أخيراً قفل الباب ... تنفس غريغور الصعداء، وقال في ذات نفسه: "وهكذا لم نعد نحتاج إلى صانع أقفال". ثم وضع رأسه على المقبض كي يفتح الباب على مصراعيه. سمع كبير الموظفين يطلق صرخة "أوه" ، ورآه أيضاً يضع إحدى يديه على فمه الفاغر، وتراجع إلى للخلف في بطء. أما الأم فإنها نظرت بادئ الأمر إلى الأب وقد شبكت يديها، ثم خطت خطوتين باتجاه غريغور، وخرّت على الأرض وقد خفضت وجهها إلى صدرها حتى حُجب كلية. أما الأب فقد كور قبضة يده، ، وكأنما كان يريد أن يلكم غريغور راداً إياه إلى غرفته، ثم جال ببصره بتردد في غرفة الجلوس، وحجب عينيه بيديه، وبكى حتى خفق صدره الضخم. 

 لم يدخل غريغور غرفة الجلوس، واتكأ على الجزء الداخلي من مصراع الباب الموصد بإحكام، بحيث لم يكن يُرى من جسمه سوى النصف العلوي. في غضون ذلك كان الضياء قد بدأ يتعاظم وينتشر ، وكان المطر لا يزال يهطل بشدة . كان الباب المؤدي إلى الرواق مفتوحاً، وكان باب المنزل مُشرعاً على مصراعيه أيضاً، وكان في مقدور المرء أن يرى منبسط الدرج وبداية السلم الهابطة. 


 قال غريغور، وهو يعلم أنه الوحيد الذي كان قد احتفظ بالهدوء: حسناً، سوف أرتدي ملابسي في الحال، وأحزم عيناتي وأسافر. هل تريدون أن تتركوني أسافر؟ إلى أين أنت ذاهب، أيها السيد كبير الموظفين؟ إلى المكتب؟ نعم؟ هل ستروي كل هذا رواية صحيحة؟ إنني مدين بالكثير للسيد الرئيس، وأنت تعرف ذلك معرفة جيدة. ومن طرف آخر عليّ أن أكفل الرزق لوالديّ ولأختي. إنني في مأزق، لكنني سوف أتخلص منه. لا تزد الأمور صعوبة عليّ أكثر مما هي عليه الآن. انتصِرْ لي في المؤسسة. 

 ولكن ما إن لفظ غريغور أولى كلماته حتى كان كبير الموظفين قد استدار نحو الباب الخارجي من غير أن يرفع عينيه عن غريغور. وأدرك غريغور أنه لا ينبغي له بأي حال من الأحوال أن يدع كبير الموظفين يذهب وهو على تلك الحالة . فيجب على كبير الموظفين أن يُمسك، وأن يُهدّأ، فمستقبل غريغور ومستقبل عائلته يتوقفان على هذا. حاول غريغور أن يلحق به ولكن والده منعه من ذلك، بل أنه أجبره بواسطة العصا أن يعود إلى غرفته وأن يغلق الباب خلفه. 

إستيقظ مع الغسق غريغور من نوم عميق كان وكأنه أشبه بالإغماء منه بالنوم . كانت مصابيح الشارع الكهربائية تلقي ضوءاً خافتاً هنا وهناك على سقف الغرفة العلوي ، أما في الأسفل عند غريغور، فكان الظلام مخيماً. دفع نفسه نحو الباب هناك رائحة شيء يؤكل. إذ إنه كان ثمة وعاء مليء بحليب حلو طفت فيه قطع صغيرة من الخبز الأبيض. وكاد أن يفتح فاه ضاحكاً في ابتهاج، إذ أنه الآن أكثر جوعاً مما أي وقت قد مر عليه ، وعلى الفور غمس ,وجهه في الحليب إلى ما فوق عينيه تقريباً. ولكن الحليب لم يطب له، على الرغم من أن الحليب كان دائماً شرابه المفضل، فاستدار نائياً بنفسه عن الوعاء في ما يشبه التقزز، ودبّ عائداً إلى منتصف الغرفة. شاهد غريغور من خلال شق الباب، قنديل الغاز مضاءاً في غرفة الجلوس. ولكنه لم يكن يسمع صوتاً أو همساً ما. وكذلك كان الصمت يخيم على الغرف الأخرى أيضاً، على الرغم من أن البيت لم يكن خالياً من السكان على وجه التأكيد. قال غريغور في نفسه: "أي حياة هادئة كانت الأسرة تحياها!" وفيما هو، يحدق في الظلام، استشعر بنفسه فخراً عظيماً لكونه قد استطاع أن يكفل لأبويه ولأخته مثل هذه الحياة في مثل هذه الشقة الواسعة الجميلة. ولم يُطفأ الضوء في غرفة الجلوس إلا في ساعة متأخرة من الليل، ذلك أنه كان يمكن سماع الثلاثة، في وضوح، ينسلّون على رؤوس أصابعهم. والآن بات من المؤكد أن ما من أحد سيدخل إلى غريغور حتى الصباح. وهكذا كان أمامه متسع من الوقت كي يفكر بهدوء كيف ينبغي عليه الآن أن ينظم حياته تنظيماً جديداً. ولكن الغرفة الفارغة العالية السقف التي كان مُرغماً عليه أن ينبطح فيها على الأرض أثارت في نفسه الخوف ، دون أن يستطيع الإهتداء إلى سبب ذلك، فقد كانت هذه هي غرفته التي يسكن فيها منذ خمس سنوات. وفي حركة دوران لاواعية تقريباً، ودون شعور طفيف بالخجل، خفّ إلى تحت الكنبة، حيث استشعر في الحال براحة كبيرة. وهناك قبع طوال الليل، قضاه حيناً في رقاد خفيف، وحيناً في قلق وفي رسم آمال غامضة مبهمة كانت كلها تقود إلى النتيجة نفسها: أن عليه أن يلجأ في الوقت الحاضر إلى الهدوء، وأن يساعد الأسرة على احتمال الإزعاجات التي كان مرغماً في حالته الراهنة أن يسببها لهم. 

وعند ساعة مبكرة من ساعات الصباح سنحت لغريغور فرصة لاختبار قرارته الجديدة. ذلك أن الأخت فتحت الباب ونظرت بلهفة إلى داخل الغرفة. لم تراه في لحظتها ، يا إلهي، لا بد أن يكون في مكان ما، وليس فيإمكانه الطيران . ولكن حين لمحته تحت الكنبة، أصابها كم كبير من الذهول والإندهاش مما جعلها لا تتمالك نفسها وأن تعاود على الفور إغلاق الباب من الخارج بعنف. ولكنها سارعت إلى فتح الباب من جديد، وكأنها ندمت على مسلكها ذاك، ودخلت بحذر على رؤوس أصابعها وكأنها تزور مريضاً اشتد به المرض. وكان غريغور قد دفع برأسه إلى الأمام حتى حافة الكنبة، وراح يراقبها. ترى هل ستلاحظ أنه كان قد ترك الحليب هناك على حاله، وهل ستجيئه بضرب آخر من الطعام يكون أقرب إلى ذوقه؟ ولكن الأخت لاحظت لتوها، في إندهاش، أن الوعاء كان لا يزال مليئاً، وأن قليلاً من الحليب كان قد سفح من حوله؛ ورفعته في الحال، لا بيديها العاريتين وإنما بخرقة، وخرجت به. 

 ولكي تكتشف أي شيء كان يحب، جاءته بتشكيلة كاملة من الطعام، منشورة كلها فوق جريدة عتيقة. كانت بينها شئ من الزبيب واللوز ، وخُضَارٌ بائتة نصف عفنة، وعظام من عشاء الليلة البارحة مغطاة بمرق أبيض قد تجمد، ، وقطعة من الجبن كان غريغور قد أعلن قبل يومين أنها غير صالحة للأكل، وقطعة خبز مملحة مدهونة بالزبدة. وبالإضافة إلى هذا كله، وضعت الوعاء المخصص إلى غريغور بشكل نهائي على الأرجح، وكانت قد صبت فيه بعض الماء. وبلطف انسحبت بسرعة من الغرفة ، إذ أدركت أن غريغور لن يأكل أمامها بل إنها أدارت المفتاح كي يلاحظ غريغور أن في امكانه أن يخلو إلى نفسه، ويرتاح كما يشاء. 

 رفّت أرجل غريغور باتجاه الطعام. وبسرعة خاطفة التهم الجبن، والمرق والخضار، بعضها في إثر بعض، ودموع الإرتياح في عينيه. أمّا الأطعمة الطازجة فلم تطب له، بل إنه لم يستطع أن يتحمل رائحتها. 

 كان قد أتم تناول طعامه، واستلقى في البقعة نفسها، بكسل، عندما أدارت الأخت المفتاح ببطء، كإشارة بأن عليه أن ينسحب. فسارع إلى الإختفاء مرة أخرى تحت الكنبة. وراح يراقب بعينين جاحظتين الأخت الهادئة وهي تجمع بالمكنسة لا بقايا ما قد أكل وحسب، بل حتى الأطعمة التي لم يكن مسها غريغور، فقد أمسى هذا الطعام غير قابل للتناول من قبل أحد، وسارعت إلى إلقائه كله في دلو، ثم غطته بغطاء خشبي وانطلقت به. ولم تكد تستدير بظهرها، حتى خرج غريغور من تحت الكنبة وتمدد وانتفخ. 

بهذه الطريقه أصبح غريغور يحصل على طعامه يومياً ، مرة في كل صباح فيما ما يزال الوالدان والخادمة نائمين، ومرةً أخرى بعد أن يكون الجميع قد تناولوا طعام الغداء، إذ كان الوالدان يستسلمان آنذاك لقيلولة قصيرة. 

 كان يحاول أن يسترق السمع، وما ان يسمع هدير صوتاً من الغرف المجاورة حتى يهرع إلى الباب المعني ويضغط جسده كله عليه. وطوال اليومين كانت ثمة مشاورات عائلية عند كل وجبة من وجبات الطعام تدور حول موضوع كيف ينبغي عليهم أن يتصرفوا الآن. وكذلك بين الوجبات أيضاً كانوا يتحدثون ويتشاورون عن الموضوع نفسه، ذلك أنه كان يوجد في المنزل، دائماً، اثنان على الأقل من أفراد الأسرة، لأن أحداً لم يكن ليرغب في البقاء وحده في الشقة، ولم يكن بالإمكان.

 وفي اليوم الأول عرض الوالد أمام الوالدة وأمام الأخت أيضاً الأوضاع المالية بكاملها والفرص الممكنة. وبين حين وآخر كان يغادر الطاولة ليحضر سند أو سجل ما من خزانته الحديدية الصغيرة التي كان قد أنقذها واحتفظ بها من متجره الذي كان قد انهار قبل خمس سنوات. وكان في ميسور المرء أن يسمعه يفتح القفل المعقد، ويقفله بعد إخراج ما يبحث عنه. وكانت بعض إيضاحات الوالد هذه أول نبأ سعيد انتهى إلى مسمع غريغور منذ إنعزاله . 

كان يعتقد من قبل أنه لم يبق للوالد أي شيء من ذلك المتجر؛ على الأقل لم يقل له الوالد أيما شيء يناقض ذلك الإعتقاد ، لكن لم يكن غريغور من ناحيته قد سأله عن هذامن قبل . ولم يكن لدى غريغور، في حينها ، همّ آخر سوى أن يبذل كل ما في وسعه كي يساعد االعائلة على أن تنسى تلك المصيبة التي أصابتها في المتجر، ودفعت بأفرادها جميعاً إلى حالة من اليأس. 

 وهكذا انصرف غريغور إلى العمل في همة عالية إستثنائيه ، وتحول من مستخدم صغير بين عشية وضحاها الى مندوباً تجارياً متجولاً يملك طبعاً إمكانيات لاكتساب المال مغايرة كلياً، وتحولت نجاحاته في العمل، على الفور، في شكل عمولات ، إلى نقد مالي ملموس يمكن وضعه على الطاولة في المنزل أمام أعين الأسرة المشدوهة والسعيدة. وكانت تلك الأيام أياماً زاهرة، ولم تتكرر قط في ما بعد، على الأقل في هذا العزّ، على الرغم من أن غريغور أصبح في ما بعد يكسب من المال ما جعله قادراً على تحمل نفقات الأسرة بكاملها. كان هو يعطي المال برضى وبسرور، وهم يقبلونه بعرفان. وكانت لديه خطة سرية تقضي بأن يرسل الأخت إلى المعهد العالي للموسيقى في السنة القادمة . وكان غريغور مصمم في خطته ، وقد عقد العزم على إعلانها، بشكل مهيب، في سهرة عيد الميلاد. 

  فيما كان يقف ملتصقاً بالباب يسترق السمع قال في نفسه : إن مثل هذه الأفكار غير المجدية أبداً في الوقت الحاضرة. لقد عرف غريغور الآن بما فيه الكفاية بأن هناك مقداراً معيناً من المال ما زال موجوداً من الأيام الماضية على الرغم من كل المصائب؛ وأن الفوائد التي لم تمس من لحظتها الى الآن دعته يزداد بعض الشيء. وأيضاً أنه بالإضافة إلى ذلك، فإن المال الذي كان غريغور يحمله إلى البيت كل شهر لم يكن يُنفق كاملاً كله، وأنه قد تجمع ليغريغور رأسمالاً صغيراً. فهز غريغور رأسه، وهو خلف بابه، في حماسة، مبتهجاً بهذا الشاهد على الإقتصاد والتبصّر غير المتوقعين. 

 لكن هذا المال لايكفي بحال من الأحوال، لتمكين الأسرة من العيش من فوائده. ربما كان يكفي سنة واحدة أو سنتين على الأكثر لإعالة الأسرة .. إذاً كان هذا المال، مبلغاً مدخراً لا يجوز أن مسّه، وينبغي الحفاظ عليه لحالة من حالات الضرورة. صحيح أن الوالد موفور الصحة، لكنه رجل عجوز، ومنذ خمس سنوات لم يقم بأي عمل ، ولا ينبغي على أي حال أن يأخذ الكثير على عاتقه. والوالدة العجوز، هل توجب عليها ربما أن تكسب بعضاً من المال، وهي التي تشعر بضيق التنفس وتعاني من الربو ؟ وهل كان ينبغي أيضاً على الأخت أن تكسب مالاً، وهي ما زالت طفلة بأعوامها السبعة عشرة ، عندما كان يتطرق الحديث إلى هذه الضرورة لكسب المال، كان غريغور يفلت الباب ويرمي بنفسه على الكنبة الجلدية الباردة التي إلى جانبه، لأنه كان يستشعر الكثير من الأسى والخجل إلى حد بعيد. 

وكثيراً ما كان ينطرح هناك من غير ان ينام طوال ليال بكاملها. كان يجهد نفسه في دفع الكرسي نحو النافدة، ثم يصعد إلى حافة النافذة، ويتكيء على زجاج النافذة، متذكراً من غير ريب حس الحرية الذي كان يستشعره سابقاً عندما كان ينظر من النافذة. 

 ولو كان في إمكان غريغور أن يتحدث مع الأخت دون غيرها ويقدم لها شكره على كل ما قامت به نحوه، لكان أقدر على احتمال خدماتها. أما في حاله تلك فإنه يتألم. وكانت الأخت تحاول، من غير شك، أن تطمس إحراجات الأمر كله، ما أمكنها . وذات يوم، ربما بعد ما يقارب من الشهر من انمساخ غريغور، وبعد أن لم يبق هناك سبب خاص كي تدهش الأخت لمنظره، قدمت قبل ميعادها المألوف بقليل، ووجدته يحدق إلى خارج النافدة، جامداً لا يأتي باي حركة ، مستقراً في وضع يجعله مثيراً للرعب. ولكنها لم تكتف بعدم الدخول فقط ، بل وقفزت مذعورة إلى الوراء، وأغلقت الباب. فسارع غريغورحينها إلى الاختباء تحت الكنبة، ولكن كان يتوجب عليه أن ينتظر حتى الظهر قبل أن تعود الأخت، ولقد بدت أكثر اضطراباً وتوتراً من مألوف عادتها. وهذا ما جعله يدرك إلى أي حدّ لا يزال منظره منظراً لا تطيقه. ولكي يعفيها من هذا المشهد، حمل ذات يوم على ظهره ملاءة السرير، ومضى بها إلى الكنبة ووضعها على نحو يخفي جسمه إخفاءً كلياً، بحيث تعجز الأخت عن رؤيته حتى في حال انحنائها. 

 في الأسبوعين الأولين لم توات الشجاعة الوالدين للدخول إليه، وكثيراً ما سمعهما يعبران عن تقديرهما الكامل لعمل الأخت الحالي. فقد كانا يكثران من الإنتظار أمام حجرة غريغور، فيما الأخت ترتبها ، وما إن تخرج، حتى يتعين عليها أن تروي بدقة، كيف كانت تبدو الغرفة ، وما الذي أكله غريغور، وكيف تصرف هذه المرة، وما إذا كان بالإمكان ملاحظة ربما شيء من التحسن. وإلى جانب ذلك، فإن الوالدة قررت زيارة غريغور، لكن الوالد والأخت استوقفاها، باديء الأمر، لأسباب يمليها العقل، أصغى غريغور إليها في انتباه بالغ، وأقرها كلها. 

وما لبثت رغبة غريغور في رؤية الأم أن تحققت. فقد اتخذ غريغور، على سبيل التسرية والترفيه عن النفس، عادة الزحف بصورة متصالبة على الجدران والسقف، وقد لاحظت الأخت التسلية التي أوجدها غريغوري لنفسه، فقررت أن تفسح له مجال أوسع ميدان للزحف، وأن تبعد قطع الأثاث التي تعيقه. وهكذا قررت الأخت أن تجلب الأم في ساعة يكون الوالد خلالها خارج البيت. وأقبلت الأم بتلهف وهي تطلق أصوات ابتهاج منفعلة. وقد تحققت اولاً الأخت من أن كل شيء في الغرفة على ما يرام؛ وبعد ذلك تركت الأم تدخل. وكان غريغور قد جذب الملاءة إلى أسفل جسمه أكثر، وغطى بها كل جسده. وأحجم غريغور هذه المرة عن التجسس من تحت الملاءة. لقد امتنع هذه المرة عن رؤية ، وكان فقط فرحاً بأنها جاءت. قالت الأخت وهي تقود الأم من يدها على ما يبدو: هيا ادخلي، إنه بعيد عن البصر. وسمع غريغور الآن كيف قامت المرأتان الضعيفتان بزحزحة الخزانة العتيقة الثقيلة، ودفعها إلى الخارج. 

وعلى كل حال، فقد كان في مقدور غريغور، أن يستغني عن الخزانة، لكن منضدة الكتابة يجب أن تبقى. فاندفع من مكانه وغيّر اتجاهه أربع مرات، إذ لم يكن يدري، في واقع الأمر ، أي شيء يتعين عليه أن ينقذه أولاً. وفجأة لفتت نظره وانتباهه على الجدار المقابل الذي كان قد جُرّد من كل شيء آخر، صورة السيدة المتدثرة بذلك المقدار كله من الفراء، وسارع إلى الزحف صاعداً نحوها،. ثم أدار برأسه نحو باب غرفة الجلوس لكي يراقب الإمرأتين وهما تعودان. وسرعان ما عاودتا على الفور ، دون أن تمنحا نفسيهما قدراً كبيراً من الراحة. 

 ولمحت الأم للحظة الكتلة السمراء الضخمة ا على ورق الجدار الموشح بالأزهار؛ وقبل أن تعي أتم الوعي أن ما شاهدته كان غريغور، صرخت في صوت مرتفع أجش: آه، يا إلهي! آه، يا إلهي! وسقطت مغشياً عليها على الكنبة، ولم تتحرك. وصاحت الأخت وهي ترفع قبضتها وتحدق إليه: غريغور! كانت هذه أول كلمة توجهها إليه منذ انمساخه. ثم هرعت مسرعة إلى الحجرة المحاذية التماساً لبعض العطر تنعش به الأم من غيبوبتها. وبسرعة البرق جمعت غرته كل الزجاجات التي استطاعت أن تحملها، وركضت بها نحو الأم. ثم قُرع جرس الباب في لحظتها . ففتحت غرته الباب. وكان الوالد قد عاد .وكانت أولى كلماته: ماذا جرى؟ ولا بد أن حال غرته قد أفصح له عن كل شيء. فأجابته غرته في صوت مكتوم،: لقد أصيبت الأم بإغماء، ولكنها باتت أحسن الآن. لقد انطلق غريغور من عقاله. فقال الوالد: ذلك ما كنت أتوقعه ، غير أنكن، أيتها النسوة، لا تُرِدن الإصغاء. كان واضحاً لغريغور أن الوالد قد أوّل كلام غرته تأويلاً سيئاً. وإذاً يتعين على غريغور الآن أن يحاول تخفيف غضب الوالد، إذ لم يكن لديه لا الوقت الكافي ولا الوسيلة لكي يوضح له ما حدث. 

 تقدم الوالد مقطباً كالح الوجه نحو غريغور ، ورفع قدميه إلى حد غير مألوف. ولكن غريغور لم يتوقف كثيراً عند هذا، فقد كان يعلم منذ اليوم الأول لانمساخه ، أن الوالد كان يرى في القسوة، كل القسوة، على غريغور إنما هو التصرف الوحيد المناسب في معاملته. وهكذا ركض من أمام الوالد،مرةً يركض من أمامه ومرة يتعثر ويقع ، وعلى هذا النحو طافا حول الغرفة مرات عديدة. وفيما كان غريغور يجري طلباً للنجاة، تدحرج سقط شيء إلى جانبه وسقط أمامه . كانت تفاحة. ثم تبعتها تفاحة أخرى في الحال. وكفّ غريغور عن الركض .إذ لم يكن ثمة جدوى من الركض، فقد كان الوالد مصمماً على قصفه. وأصابت تفاحة مقذوفة في قليل من العنف ظهر غريغور مساً رفيقاً. ولكن تفاحة أخرى ألقيت بعدها في الحال انغرست في ظهره حقاً؛ وحاول غريغور جر نفسه إلى الأمام، ولكنه استشعر وكأنه مسمر إلى ذلك الموضع، وسطّح نفسه وقد ارتبكت حواسه كلها ارتباكاً كاملاً. 

 على مايبدو إصابة غريغور الخطيرة، التي عانى منها أكثر من شهر، بدت وكأنها جعلت الوالد يتذكر بأن غريغور كان على الرغم من شكله الحالي البائس الكريه بانه ما زال واحداً من أفراد الأسرة لا يجوز أن يُعامل معاملة عدو، وأن الواجب العائلي نحوه يقتضي إزاءه كبت الاشمئزاز والتحلي بالصبر،. فأصبح باب حجرة الجلوس يُترك عند المساء مفتوحاً، بحيث أمسى في استطاعة غريغور وهو قابع وسط الظلام، وغير مرئي من غرفة الجلوس، أن يرى جميع أفراد الأسرة جالسين إلى الطاولة المضاءة بنور المصباح، وان يسمع أحاديثهم، وبموافقتهم جميعاً ، على نحو يختلف كل الاختلاف عن الحال في ما مضى. 

 وطبعاً لم تكن أحاديثهم تلك مثل تلك الأحاديث الحيوية التي كانت في سابقات الأيام. فأغلب الوقت كانوا يلذون بالصمت المطبق. وبعد العشاء مباشرة كان الوالد يستسلم للرقاد في كرسيه الوثير؛ وكانت الأم والأخت تحث إحداهما الأخرى على الهدوء والصمت ؛ وكانت الوالدة تحيك، منحنية فوق المصباح، ملابس داخلية ناعمة لمحل أزياء؛ وأما الأخت، فقد أصبحت بائعة في أحد المتاجر، وفي المساء كانت تدرس الاختزال واللغة الفرنسية، لكي تحصل يوماً ما ربما على عمل أفضل. 

 ولم يعد في الإمكان أن يجري ترتيب الغرفة كما كانت تقوم به الاخت دائماً عند كل مساء ،. ولكن لم يكن هناك ثمة حاجة لإهمال غريغور. إذ إن الخادمة كانت هنا. ولم تكن تشعر باشمئزاز حقيقي من غريغور. ومن غير أن يستحوذ عليها أقل الفضول ، ذات يوم عندما أن فتحت باب غرفته ، ولدى رؤيتها غريغور - الذي أخذ، تحت وطأة المفاجأة، يعدو جيئة وذهاباً على الرغم من أحد لم يكن يطارده - توقفت مندهشة وقد شبكت راحتيها. ومن ذلك الحين لم تنس قط أن تفتح باب غرفته قليلاً، لحظة عابرة، صباحاً أو مساء، لكي تلقي نظرة عليه. ولتهتم به 

 كان غريغور قد انتهى به الحال إلى أن لا يأكل شيئاً تقريباً. وحسب في باديء الأمر أن الاكتئاب لحالة غرفته هو الذي حال بينه وبين الطعام، ولكنه سرعان ما رضي وتأقلم على التغيرات التي طرأت في غرفته. كان قد أمسى من عادة الأسرة أن تضع داخل هذه الحجرة كل شيء لا يتسع له أيما مكان آخر، وكانت هناك ثمة أشياء عديدة من هذا النوع ، إذ كانت إحدى غرف الشقة قد أخليت لثلاثة أشخاص من المستأجرين. وكان هؤلاء الرجال الأجلاء حرصين على النظام، ولم يكونوا يحتملون الكراكيب غير المفيدة والقذرة.. ومن أجل ذلك أصبحت أشياء كثيرة موضوعة داخل الحجرة . 

 ولما كان المستأجرين أحياناً يتناولون ً عشاءهم في االمنزل ، وفي غرفة الجلوس المشتركة، فإن باب تلك الغرفة كان يظل مغلقاً في بعض الأمسيات. ولكن ذات مرة ،تركت الخادمه الباب مفتوحاً بعض الشيء، ولقد بقي مفتوحاً هكذا حتى أضيء المصباح عند المساء وأقبل المستأجرين . تعالى أصداء العزف على الكمان قادمه من المطبخ. قال المستأجر الذي يجلس في الوسط: ألا تستطيع الآنسة أن تأتي إلينا وتعزف في هذه الغرفة، حيث الجو أكثر ملاءمة ؟ فقال الوالد وكأنه كان هو العازف على الكمان: أوه طبعاً. وفي الحال قدم الوالد حاملا أوراق النوته الموسيقية، والوالدة حاملة النوتة، والأخت حاملة الكمان. وفي هدوء أعدت الأخت كل شيء للعزف. 

 وشرعت الأخت في العزف، وقد جذبت الموسيقى غريغورفغامر وتقدم إلى الأمام بعض الشيء حتى أمسى رأسه في الواقع داخل غرفة الجلوس. لكن أحداً لم يعبأ به. كانت الأسرة مستغرقة استغراقاً كاملاً في أنغام الكمان؛ كانت الأخت تعزف عزفاً جميلاً جداً. كان وجهها مائلاً إلى الجانب، وكانت عيناها تتابعان النوتة الموسيقية بتركيز . وزحف غريغور إلى الأمام بعض الشيء، ووطّد العزم على الإندفاع إلى الأمام حتى يصل إلى الأخت، وعلى الشد بتنورتها والإشارة لها بأن عليها أن تأتي بكمانها إلى حجرته ، إذ لا أحد هنا يقدّر عزفها مثل ما يقدره هو . 

 يا سيد سامسا! نادى المستأجر الأوسط الوالد، وأشار بسبابته إلى غريغور الذي كان يتقدم ببطء إلى الأمام. وأصيب الكمان بالبكم، وابتسم المستأجر الأوسط لصديقيه وهو يهزبرأسه، ثم نظر إلى غريغور مرةً أخرى. وبدلاً من أن يطرد غريغور من الغرفة بدا الوالد وكأنه رأى أن الحاجة أمسَّ إلى البدء بتهدئة المستأجرين. فهرع الوالد نحوهم، وبسط ذراعيه محاولاً أن يحثهم على العودة إلى غرفتهم، وأن يحجب عن أعينهم غريغور في آنٍ معاً. ولكنهم غضبوا فعلاً، ولم يكن في ميسور المرء أن يدري لماذا: أبسبب مسلك الوالد، أم لأنه قد اتضح لهم لحظتها أنه كان لهم جار مثل غريغور في الغرفة الملاصقة لهم . وطلبوا تفسيراً من الوالد، ولم يعودوا إلى غرفتهم إلا في بطء شديد . قال المستأجر: إنني نظراً للظروف الكريهة السائدة في هذا المنزل وهذه الأسرة إنما ألغي عقد إيجار غرفتي في الحال. ولن أدفع شيئاً طبعاً البتة عن الأيام التي قضيتها هنا.. وفعلاً انخرط صديقاه على الفور قائلين: ونحن أيضاً نلغي العقد في الحال. 

ترنح الوالد، ويداه تتلمسان الطريق إلى كرسيه، وترك نفسه يسقط عليه. وبقي غريغور مستلقياً ساكناً طوال الوقت في الموضع الذي اكتشفه المستأجرون. كان في خيبة الأمل الناشئة عن إخفاق خطته، وربما في الضعف الناشيءعن الجوع الكثير اللذي يشعر به ، مما جعل حركتة أمراً متعذراً عليه. 

 قالت الأخت وهي تصفع المائدة على : إن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا المنوال. إذا كنتما لا تدركان ذلك، فإنني أدركه. وأنا لا أرغب أن ألفظ إسم أخي أمام هذا الغول، ولذا فإنه يجب أن نحاول التخلص منه. لقد حاولنا كل ما في وسعنا أن نعتني به، وأن نصبر عليه أقصى ما يمكنه الإنسان أن يصبر، ولست أظن أن أي انسان يستطيع أن يلومنا أقل اللوم. 

 "إنها محقة ألف مرة"، قال الوالد في نفسه. قالت الأخت للوالد: يجب أن نحاول التخلص منه. إنه سيودي بكما، أرى ذلك آتياً لامحال . حين يتعين على المرء أن يعمل كثيراً، مثل ما نعمل، كلنا، لا يستطيع احتمال الأمر أكثر مما فعلت. ثم استبدت بها عاصفة من النحيب والبكاء جعلت عبراتها تتساقط على وجه الأم. 

 قال الوالد في عطف وفي تفهم ملفت للنظر: ولكن ما الذي نستطيع أن نفعله؟ لو كان في مقدوره أن يفهمنا. ولوحت غرِتِه، التي كانت لا تزال تنتحب، بإحدى يديها تلويحاً عنيفاً لكي تظهر كم كان ذلك بعيداً عن الفهم والتصور. صاحت الأخت: يجب أن يذهب. هذا هو الحل الوحيد أيها الوالد. يجب عليك أن تحاول التخلص من الفكرة القائلة أن هذا هو غريغور. إن اعتقادنا بذلك طوال هذه المدة الطويلة هو أصل شقائنا كله. ولكن كيف يمكن أن يكون هذا المخلوق هو غريغور؟ لو كان هذا هو غريغور فعلاً إذاً لأدرك منذ مدة طويلة أن الكائنات البشرية لا يمكنها العيش مع مثل هذا المخلوق، ولمضى في سبيله طوعاً واختياراً. 

 ولكن لم يكن ليخطر على بال غريغور أن يثير الخوف في نفس أحد، وأخته بشكل خاص. وراح الجميع ينظرون إلى غريغور في صمت وحزن. كانت الأم مستلقية في كرسيها، وكانت عيناها مغمضتين تقريباً من شدة الإعياء. وكان الوالد والأخت جالسين جنباً إلى جنب، وقد وضعت الأخت ذراعها حول رقبة الوالد. وبدأ غريغور يزحف عائداً إلى غرفته. ولم تصدر من أسرته كلمة واحدة أو همسة واحدة تزعجه. ولم يُدير برأسه إلا عندما بلغ الباب، فرأى أن شيئاً لم يتغير خلفه باستثناء أن الأخت قد وقفت على قدميها. وسقطت نظرته الأخيرة على الأم، التي كانت الآن تغط في النوم كلية. ولم يكد يدخل حجرته حتى أغلق الباب، وأوصده بالمزلاج والقفل. فوثبت أخته وثبة رشيقة إلى الأمام وصاحت تخاطب الوالدين، وهي تدير المفتاح القفل: وأخيراً! 

 سأل غريغور نفسه وهو يجيل طرفه في الظلمة: "والآن". وسرعان ما اكتشف أنه لم يعد في مقدوره أن يبدي حراكاً. صحيح أن جسمه كله كان يؤلمه، ولكن بدا وكأن الألم كان يتضاءل ويتضاءل تدريجياً وأنه سوف يتلاشى آخر الأمر. كان يفكر في أسرته بكل حنان وحب. وكان يري بضرورة تواريه أكثر جزماً من رأي أخته. وبقي على حاله تلك من التأمل الفارغ الآمن حتى أعلنت ساعة البرج الثالثة صباحاً. وعاش حتى شاهد أول انتشارٍ عامٍ للنور خارج النافدة. ثم غاص برأسه كلية إلى أرض الحجرة ، وانطلقت من منخريه آخر زفرة من أنفاسه الواهنة. 

وحين وصول الخادمة صباحاً في ساعة مبكرة لزيارة غريغوركعادتها ، لم تلاحظ في باديء الأمر شيئاً غير عادي. لقد حسبت أنه تعمّد الإستلقاء من غير حراك متظاهراً بأنه يشعر بالإهانة. فحاولت أن تداعبه بالمكنسة، ولكنه لم يتحرك. ولكن حين دفعته من موضعه ولم تلقي منه أي مقومه. أدركت لحظتها حقيقة الأمر، ففتحت بقوة باب حجرة النوم، وصرخت بأعلى صوتها: انظروا، لقد مات ، إنه يستلقي هنا دون حراك ! اندفع السيد والسيدة سامسا إلى غرفة غريغور، وكذلك غرته. قالت السيدة سامسا ناظرة، في تساؤل، إلى الخادمة: هل هو ميت؟ قالت الخادمة: هذا ما أردت قوله. قال السيد سامسا: الآن يمكننا أن نحمد الله. 

 خرج المستأجرون الثلاثة من حجرتهم وعجبوا إذ لم يجدوا طعام الصباح. فقال لهم السيد سامسا: اتركوا منزلي حالاً! مشيراً إلى الباب. عندئذ أخذ الثلاثة أمتعتهم ، وانحنوا في صمت، وغادروا الشقة. 

  قرر السيد سامسا أن يقضوا هذا اليوم في التماس الراحة والتنزه. إنهم ما كانوا يستحقون هذه الإجازة وحسب، بل كانوا في أمس الحاجة إليها أيضاً. وهكذا جلسوا إلى المائدة، وكتبوا ثلاث رسائل اعتذار، واحدة من السيد سامسا إلى مجلس إدارته، والثانية من السيدة سامسا إلى مستخدميها، والثالثة من غرته إلى صاحب مخزنها. 

 بعد ذلك غادروا ثلاثتهم الشقة معاً، وهو ما لم يفعلوه منذ أشهر، وركبوا الترام إلى الخلاء أمام المدينة. وفيما هم يتكؤون بظهورهم، في ارتياح، على مقاعدهم، تدارسوا إمكانياتهم في المستقبل، فتبين لهم عند النظر الدقيق أن هذه الإمكانيات لم تكن سيئة بحال. وأكبر تحسن سريع في وضعهم لا بد أن ينشأ، بسهولة ويسر ، من خلال تغيير الشقة. كانوا يريدون الآن أن يستأجروا شقة أصغر وأرخص، ولكنها أفضل موقعاً وأيسر تدبيراً من الشقة الحالية، والتي كان غريغور قد اختارها. 


                                         النهاية.