الخميس، 13 يونيو 2019

تلخيص رواية 
 الأسود يليق بك: أحلام مستغانمي . 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان







كبيانو أنيق مغلق موسيقاه, منغلق هو على سره. لن يعترف حتى لذاته بأنه خسرها. سيدّعي أنها من خسرته ، وأنه من أراد لهما فراقاً ابديا كضربة سيف، فهو فضل على حضورها العابر غياباً ابديا ، وعلى المتع الصغيرة ألماً هائلا ، وعلى الإنقطاع المتكرر قطيعة كبيرة . لشدة رغبته بها ، قرر قتلها كي يستعيد ذاته ، وإذ به يموت معها، فسيف العشق كسيف الساموراي ، من قوانينه إقتسام الضربة القاتلة بين القتيل و السياف .. 

كان عليه إذاً, أن يحبها أقل، لكنه يحلو له أن ينازل الحب ويهزمه إغداقاً.. أخذ غليونه من على الطاولة و قام باشعاله بتكاسل الأسى. إنها إحدى المرات القليلة التي تمنى فيها لو كان في مقدوره البكاء ، لكن رجلاً باذخ الألم لا يبكي. لفرط غيرته على دموعه, إعتاد الإحتفاظ بها. وهكذا, غدا كائناً بحرياً, من رمال و ملح . هل يبكي البحر لأن سمكة تمردت عليه ؟ كيف يمكن لها ان تهرب وليس خارج البحر من حياة للأسماك؟ 
قالت له في احد الايام "لا أثق في رجل لا يبكي". إكتفى بابتسامة. ولم يبح لها أنه لا يثق في اي انسان . سلطة المال, كما سلطة الحكم, لا تعرف الأمان العاطفي. يحتاج صاحبها إلى أن يفلس ليختبر قلوب من هم بالقرب منه . لذا لن يعرف يوماً إن كانت قد أحبته حقاً لذاته . ذلك أن الأيام لم تنقلب عليه، بل زادته مذ أن افترقا ثراء، كما لتعوضه عن خساراته العاطفية بمكاسب اخرى مادية . هو يرتاب في كرمها. يرى في إغداقها عليه مزيداً من الكيد له . أوَليست الحياة أنثى، في كل ما تعطيك تسلبك ما هو أغلى؟ يبقى الاقسى ، أن تعرف ما هو الأغلى بالنسبة إليك. وأن تتوقع أن تغير الأشياء مع العمر ثمنها...صعودا او هبوطا . 

يوم شاهدها للمرة الاولى تتحدث في حوار تلفزيوني، ما توقع لتلك الفتاة من مكانة في حياته، فلم يكن سمع بإسمها يوماً، ولا هي كانت تدري بانه موجود في الدنيا . لكنها عندما أطلّت قبل أيام ، كان واثقاً أنها لا تتوجه لاحد غيره . غادرت حياته كما دخلتها من شاشة تلفزيون. قال لها يوماً بنبرة مازحة حقيقة ثانية : "تدرين ...لا أفقر من امرأة لا ذكريات لها". لم تبد أنها قد فهمت ما يقوله ، أضاف:" كانت النساء، قبل أن توجد المصارف، يخبئن ما جمعن على مدى السنين من نقود ومصاغ في الوسادة التي ينمن عليها, خوفاً عليها وتحسباً لأيام الشيخوخة و العوز . لكن أثرى النساء ليست التي تنام و هي تتوسد ممتلكاتها ، بل من تتوسد ذكرياتها". كانت أصغر من أن تعي بؤس امرأة تواجه أرذل العمر دون ذكريات حلوة . كيف لفتاة في السابعة والعشرين من العمر، أن تتصور زمناً من المستقبل يكون فيه جليسها ماضيها... 

أوصلته عزلته إلى هذه الإستنتاجات.غالباً ما يعود إلى وكره. يرتب خساراته و ذكرياته ، كما لو كان يرتب ملفاته. لقد أفقره بُعدها. لكنه ليس نادماً باي حال على ما وهبها خلال عامين من دوار اللحظات الشاهقة، وجنون المواعيد المدهشة . حلق بها حيث لن تصل قدماها يوماً. فقد وهبها الكثير من الذكريات، ما لم تعيشه الأميرات، ولا ملايين النساء اللائي جئن للعالم وسيادته ..هكذا هو مع كل امرأة أحبها، حيثما حط رحاله، استحال على رجل أن يطأ مضاربه. فلتعشق بعده من شاءت. ما يندم عليه حقاً، ليس ما اعطاها اياه ، بل ما باح لها به . لم يحدث أن استباحت أعماقه امرأة. كان غموضه إحدى صفاته الابدية ، وصمته جزءاً من أسلحته. لعلها كانت التاسعة مساءاً حين رآها للمرة الاولى . كان في مكتبه، قد أنتهى يومها من متابعة نشرة الأخبار، منهمكاً في جمع ملفاته استعداداً للسفر صباحاً، حين تناهى إلى سمعه صوتها في برنامج حواري ليس من عادته ان يتابعه . =كانت شظايا جمل تصله من حديثها . ثم راحت لهجتها المختلفة تستوقف انتباهه. لهجة لم تعتاد اذنه على سماعها ، منحدرة من أزمنة الفلامنكو، توقعك في شراك إيقاعها. وجد ذاته في النهاية يجلس حتى يتابعها . راح يشاهد بفضول تلك الفتاة, غير مدرك أنه فيما يتأملها، كان يغادر كرسي المشاهد، ويقف على خشبة الحب. لفرط انخطافه بها، ما سمع نبضات قلبه الثلاث التي تسبق رفع الستار عن مسرح الحب، معلنة دخول تلك الفتاة الغريبة الى حياته . 

الحب لا يعلن عن ذاته ، لكن تشي به موسيقاه، شيء يشبه اول ضربات في السمفونية الخامسة لموزار. "سانتيانا" الذي قال " خلق الله العالم كي يؤلف بيتهوفن سمفونيته التاسعة". ربما كان يعني أن الله خلق هذا العالم المدهش ، كي لا نستطيع أمام عظمته إلا أن نتحول إلى كائنات موسيقية, تسبح بجلاله في انسجام كامل مع الكون. يذكر طلّتها تلك, في جمالها البريء كانت تكمن فتنتها. لم تكن تشبه أحداً في زمن ما عادت فيه النجوم تتكون في السماء، بل في عيادات التجميل. لم تكن نجمة. كانت كائناً ضوئياً، ليست في حاجة إلى مستحضرات التجميل كي تكون أنثى. يكفي أن تتكلم. إمرأة لا تخاف من الموت ، لكنها تخاف الحياة في أضوائها الكاشفة. الثأر وحده كان يعنيها. 

سألها مقدم البرنامج: لم تظهري يوماً إلا بفستانك الاسود ...إلى متى سترتدين الحداد؟ تجيب كمن يبعد شبهة: الحداد ليس في ما نلبسه بل في ما نراه. إنه يكمن في نظرتنا للأشياء. بإمكان عيون قلبنا أن تكون في حداد ...ولا أحد يعلم بهذا الشيء ... 
قال : - يوم أخذت قرار اعتلاء المنصة للمرة الاولى ، هل توقعت نجاحاً كهذا؟
 قالت : - هل تعتقد أن الانسان أمام الموت يفكر في النجاح؟ كل ما يرغب به هو أن ينجح في البقاء على قيد الحياة. ما رغبت به حقا هو أن أشارك في الحفل الذي نظمه بعض المطربين في اول ذكرى لاغتيال أبي بأدائهم لأغانيه. قررت أن أؤدي الأغنية الأحب إلى قلبه، كي اتحدى القتلة بالغناء ليس أكثر ... 
=قال : - أما خفت أن تشقي طريقك إلى الغناء بين جثث الموتى ؟؟؟ 
=قالت : - لقد غير تهديد الأقارب سلم مخاوفي. إن امرأة لا تخاف من القتلة, تخاف مجتمعاً يتحكم فيه حماة الشرف في اعناقه . ثمة إرهاب معنوي يفوق جرائم الإرهابيين. تمتم المذيع مأخوذاً بسحر كلامها : صحيح. 
=قالت : - تصورْ حين وقفت على الخشبة للمرة الاولى ، كان خوفي من أقاربي يفوق خوفي من الإرهابين بانفسهم . أنا ابنة مدينة عند أقدام الأوراس لا تساهل فيها مع الشرف. 
=قال : - حسنٌ أنك تكوني قد كسبت الجولة... ما دمتِ بيننا هنا.
 =- إن امرأة واقفة في حلبة ملاكمة، دون أن يحمي ظهرها اي رجل ، ودون أن تضع قفازات الملاكم، أو تحمل في جيبها المنديل الذي يُلقى حتى يعلن الإستسلام، فإن احتمال الخسارة لديها غير وارد، هذا ما أخاف امي وجعلها تصر على أن تغادر الى الشام من الجزائر بحكم أنها سورية. 
=قال : - أتعتقدين أن قصتك الشخصية ساهمت في انتشار أغانيك؟
 =قالت :- حتماً استفدت من تعاطف الجمهور، لكن العواطف الرائعة وحدها لا تصنع نجاح فنان ... الأمر يحتاج إلى اصرار كبير و مثابرة . النجاح جبهة أخرى المعركة. =قال : - والحب؟ 
وأكملت بخجل واضح : الحب ليس ضمن أولوياتي.
 قال : - برغم ذلك كل أغاني ألبومك أغان عاطفية؟
 = قالت و هي تضحك : أغني للحب في انتظار الحبيب ،!
 =قال : - أنت إذاً تتحرشين بالحب كي يأتي اليك . 
=قالت : - بل أتجاهله كي ياتي ! 
=قال : - لو دعوتك إلى الحلقة التي نعدها الشهر المقبل بمناسبة عيد العشاق فهل تقبلين هذه الدعوة ؟ 
=قالت : - طبعا، وكيف أرفض دعوة الحب ؟ 
=قال : - إذاً, لنا موعد بعد شهر من الآن. 
=للحظات بعد انتهاء البرنامج، ظل جالساً مكانه و هو مندهش . أية لغة تتكلم هذه البنت ؟ كيف تسنى لها الجمع بين العمق و الالم , وأن تكون عزباء وعلى هذا القدر من الكبرياء؟ بالرغم من مرور عامين على ذلك اللقاء التلفزيوني، ما زال يذكر كل كلمة لفظتها، احتفظتْ ذاكرته بكل تفصيل صغير من تفاصيله . ندم يومها لأنه لم يتنبه لتسجيله، كيف لم ينتبه إلى تسجيل ذلك البرنامج، كي يحتفظ بها . تابع فرحتها ومقدم البرنامج يمطر يديها ببطاقات الورود التي كانت قد وصلتها ، ويقرأ عليها بطاقات أصحابها. كانت سعيدة كفراشة وسط حقول الزهور، تمنى لو أنها غنت كي يرى دموع روحها تنداح غناء. فاجأته رغبة كبيرة ليراها , في أن يحظى بلقائها. أحس بأنها أهدت له ما كان ينقصه ليعيش : وهو الشغف. يريد الإمساك بهذا النجم الهارب. 

في الصباح ، حالما انتهى من إجراءات المطار، قصد السوق الحرة بحثاً في جناح الموسيقى عن شريط لها. لكنه لم يكن يعلم عما يبحث بالتحديد، فهو لا يعرف اسمها، ولا يدري كيف يرد على البائعة التي عرضت عليه ان تعاونه في البحث . راح يبحث دون اي فائدة عن وجهها فوق عشرات الأشرطة . أيكون الشريط قد نفد لفرط رواجه؟ أم أنها ليست مشهورة بما فيه... وانتهى به الحال الى أن اشترى بحكم العادة مجموعة " شتراوس" في تسجيل لحفل حديث. 

في الطائرة التي كانت تطير به إلى باريس ، راح يتصفح جرائد الصباح، وبعض المجلات المتوفرة على الدرجة الأولى حين فوجيء بصورتها في صفحة فنية لواحدة من المجلات ، مرفقة بمقال بمناسبة صدور اخر البوم لها . إذاً, إسمها هالة الوافي. تمتم الإسم حتى يتعرف على موسيقاه، ثم ترك عينيه تتأملانه بعض الوقت. شيء ما يؤكد له أنه سيكون له مع هذا الإسم حكاية كبيرة ، فهذه المصادفات المتقاربة، تلقاها كإشارة قوية من القدر. ثم... إنه يحب الأسوار العصية لأحرف إسمها. 

أضاف إلى معلوماته أنها تزور بيروت ترويجاً للالبوم الجديد ، وأنها تقيم في الشام مذ ان تركت الجزائر قبل سنة... وأنها ولدت فى ديسمبر قبل سبع وعشرين عاما . تأسف لأن عليه أن ينتظر أحد عشر شهراً حتى يحتفل بعيد ميلادها. كان واثقاً أنه سيكون ذلك اليوم معها. ذلك أنه يثق تماماً في كل الأفكار المجنونة التي تعبر خيالاته كرؤى. فلسفته, أن كل ما يمكننا تصوره قابل للتحقيق. يكفي أن نرغب به حقا ، وأن نثابر على حلمنا. طلب من سائقه الذي جاء ينتظره في المطار أن يوصله مباشرة إلى المكتب، وأن يحتفظ بحقيبته في المركبة . هو دائماً في كل لياقته، لأنه على موعد مع أنثى تدعى الحياة. ومن أجل ان لا تتخلى عنه هذه الأنثى، قرر أن يعتني بصحته. قبل اعوام ، كان يدخن علبة سجائر في اليوم، ثم أخذ قراراً حاسماً عندما بدأ يتجاوز العلبة. قال " بعد اليوم لن تلمس يدي سيجارة ". ولم يعد أبداً إلى التدخين. الإرادة هي اول صفة من صفاته . بإمكانه أن يأخذ قراراً ضد رغباته، وأن يلتزم به كما لو كان قانوناً صادراً في حقه, لا مجال حتى يخالفه . ذلك أنه عنيد وصارم. صفتان دفع ثمنهما كبير ، لكنهما كانتا خلف الكثير من مكاسبه، فهو في الأعمال كما في الحياة، لا يقبل ابدا بالخسارة . يأبى أن يسلك أزقة التحايل والنصب الضيقة لتحقيق أحلامه. لكن ليس من السهل على الدوام أن تكون نزيهاً ومستقيماً في عالم الأعمال.. 

 غادرت الأستوديو سعيدة كفراشة. على المقعد المجاور لها سلة ورد، وبجوار السائق باقتان ثانيتان . ظلت طوال الطريق إلى الفندق تمسك بسلة الورود ، خوفاً على زينتها. عبثاً طمأنها السائق أن لا شيء سيحدث للورود. هو لا يدري أن لا أحد أهدى إليها ورداً قبل أن تصير "نجمة" . حال وصولها إلى حجرتها ، راحت تتفقد باقات الورود بكل فرح . ثم تذكرت أنها لا تدري مع من تقتسم فرحتها، وهذه أعلى درجات الوحدة. أوصلها التفكير إلى العمر الذي ينقضي رويدا رويدا ، وذلك الشاب الذي كانت ستتزوجه وتخلت قبل عامين عنه، وأثارت بذلك غضب أهلها. ما الذي ينقصه؟ أي عيب وجدتِ فيه كي تفسخي الخطوبة؟ اتتصورين أن كثيرين سيتسابقون إلى الزواج من معلمة والدها مغنّ ؟ الطبيبات والمحاميات ما وجدن رجلاً وأنت فرّطت في شاب من عائلة مرموقة ...تركته المسكين كالمجنون لا يعرف لمن يشتكي.. نجحت عمتها في التأثير حتى على والدتها ، لكنّ ما فاجأها كونها لم تجد تفهماً لدى ابوها ، وهي ابنته العزيزة الوحيدة . أكان سيفهمها لو قالت له وهو الموسيقيّ، إن لقادر إيقاعاً خاطئاً. لم يكن سيء الصوت، كان سيء الإيقاع، وهذا أكثر إزعاجاً. 

 استيقظت على منظر الورود التي ازدادت تفتحاً أثناء المساء . تدري أن ما من أمل في أن يتساقط الندى على ورود المزهريات أو يحط على فراش الفتيات الوحيدات!
فى الواقع، أيقظها اتصال من إحدى رفيقاتها في الجزائر، تهنئها على حلقة أمس وتبشرها بأن" كل الناس في الجزائر تابعوها ". نقلت أيضاً إليها سلام زميلة سابقة في المدرسة: (نصيرة تسلم عليك كثيرا و طلبت مني رقم هاتفك المحمول هل اعطيها اياه ؟ و بالمناسبة قالت لي ان مصطفى تزوج من استاذة جاءت حديثا الى المدرسة و طلب النقل الى باتنة للتدريس فيها ) ... كنقرة على نافدة الذاكرة، جاء ذكره. شيء من الأسى عبرها. حنين صباحي لزمن تدري أنه لن يعود الآن , وحين ستستيقظ تماماً، ستنسى أن تفكر في ذلك الرجل الذي أصبح إذاً لفتاة ثانية !. مصطفى هو الوحيد الذي كان من الممكن أن يسعدها. كانت تحب طلته البهية ، أناقة هيأته، شجاعة مواقفه، طرافة سخريته حين يقوم بمغازلتها بطريقة جزائرية مبتكرة حسب الأحداث، كيوم قال لها " أفضّل، على إرهاب البنات، الإرهابيين ...على الأقل هم لا يغدورن بك. يقومون باشهار نواياهم ، يصيحون " الله أكبر" قبل الإنقضاض عليك بسكاكينهم و سواطيرهم . البنات يجهزن عليك دون تنبيهك لما سيحل بك. مصطفى تمنّته زوجاً. الحياة معه لها خفة دمه، والقلب لا تجاعيد له. لقد تسارعت الأحداث بعد اغتيال ابوها ، وأخذت مجرى تجاوز أمنياتها. لم يمهلها القدر وقتاً كافياً لحكاية حب رائعة . 

غادرت فراشها حتى لا تترك غيوم الماضي تفسد مزاجها. بدأت صباحها بملعقة عسل فاترة . لا بد ألا يكون لها من شاغل إلا صوتها. لاعوام طويلة كان هذا هاجس ابوها الذي صان صوته. بهذا الصوت ذاته كانت تشرح لساعات قواعد اللغة و النحو ، وتلقّن التلاميذ المحفوظات، وتعيد وتكرر لكل تلميذ على حدة ما لم يستوعبه ؟. اليوم كل نَفَسٍ في صوتها يُوثق ويحفظ إلى نهاية العمر على شريط مضغوط. أول ما لقنوها حماية صوتها من نزلات البرد ، ومن التلوث ومن دخان السجائر. 

 استعادت رباطة جاشها ، وعاودت أداء تلك الأغنية إياها التي غنتها في أربعين أبيها. ما توقعت يومها أنها تغني قدرها، فقد غناها من قبلها عيسى الجرموني وأبوها وجدّها ومغنو الأوراس كلهم ، فلماذا حلت لعنتها عليها وحدها، وإذ بالحياة تقلد الأغنية، وتأخذ منها رجلين لا رجلاً واحداً! ما كانت لتعلم بحكاية تلك الأغنية، لولا أن المؤرخين وثقوا كل تفاصيلها . لقلة معرفتها باللهجة الشاويّة، غنّتها من دون أن تفهم كلماتها تماماً ، لكن الألم تولى إخبارها بما لم تعلم. إن أكثر ما يبكيها وهي تسجل تلك الأغنية، علمها اليقيني أن أمها ستظل تستمع إلى هذا الشريط، برغم عدم استيعابها للشاويّة، وغربتها عن هذا النوع من الغناء. فما عاد لها من عزاء إلا في نواح هذه الأغنية, التي أرادت لها الحياة أن تسمعها بصوت زوجها ثم ابنتها، مرددة كلمات امرأة ثانية ، هي أخت مصابها، مثلها، سرق منها الموت إبنها وزوجها. 

رجع الى المنزل بعد انتهاءه من عشاء عمل طويل. لكنه يحتاج إلى تمديد إقامته كي يرتاح بعض الوقت في باريس. في بيروت هو على الدوام مزدحم "بالاصدقاء"، محاصر بحب الأقارب، وعندما يشتاق إلى ذاته يأتي إلى منزله الباريسي، يتمادى في عصيانه الإجتماعي. لا يرد سوى على تليفون سكرتيره. هنا يطالع الكتب التي لا وقت له لقراءتها. يستمع مساءاً لمقطوعات من العزف على البيانو. لكنه الليلة على موعد مع شريطها الذي عثر عليه السائق في معهد العالم العربي. لقد انتظر شهراً ليراها مرة اخرى في برنامج تلفزيوني، شهراً ليلقي إليها بالطعم، الذي لا يمكن لسمكة صغيرة مثلها إلا أن تزدرده. عندما أطلت في ذلك البرنامج، مع الضيوف الثلاثة الذين شاركوها الاحتفال بالحب ، بدت وكأن الحب اختارها ليحتفي بها. إنها تبدو اجمل . لعله ثوبها الأسود الذي كانت تلبسه مع عقد طويل بصفين من اللؤلؤ، منحها إطلالة تتجاوز سقف ميزانيتها. هي لم تسمع بعيد الحب إلا منذ صارت تقيم في الشام. في مروانة، كان الحب يُقيم في بلاد ثانية ، لهذا ما اعتادت أن تعايده، أو تنتظر هداياه. كان موجوداً في أغاني والدها لا في بيته. كان مسموحاً به للغرباء....لا لأهله. في المنزل ، كان ثمة "محبة" أي حرفان زائدان عن الحب. عادت وراجعت ذاتها . لكأنها لا تغفر للعشاق سعادتهم ولو كذباً. لا تريد أن يتحول الهدف من وجودها في البرنامج إلى إدانة عولمة العواطف ، عليها أن تكف عن أن تكون مدرسة لغة عربية! سألها مقدم البرنامج بفرحة صحافي وقع على سؤال يربك ضيفه: هل يمكن لمن ليس في حياته حب أن يغني الحب ؟ جاء جوابها ساكنا هادئا : وحده فاقد الحب جدير أن يغنيه...الفن الكبير كالحب الكبير، يتغذى من الحرمان. بدت كما لو كانت تتكلم بخجل عن الحب، هي تدري أن أهلها وتلاميذها ومصطفى وزوجته وكل مروانة والجزائر يتابعونها في هذه الدقيقة ، ولولا إحساسها بذلك لربما قالت شيئاً ثانيا . لكنها بدت صادقة في ما قالته على استحياء. الحياء نوع من أنواع الأناقة المفقودة. شيء من البهاء الجميل الغامض الذي ما عاد يُرى على وجوه الإناث. وهي التي تنازل الإرهابيين بملء فمها , عندما تتحدث عن الحب تُخفت طبقة صوتها حتى درجة البوح، وحينها تصبح مشتهاة ، ويكتشف الآخرون وهم يستمعون إليها، تلك الحقيقة التي قاموا بنسيانها : بإمكان امرأة خجولة أن تكون مثيرة.

 توجه مقدم البرنامج إليها سائلاً: هل تتصورين أن وسائل الإتصال التكنولوجية الحديثة خدمت الحب. 
=قالت : - لم تخدم الحب ، لكنها ربما خدمت المحبين . كان الحب أفضل حالاً يوم كان العشاق ينتظرون ساعي البريد لكلمة أحبك و هي مكتوبة بخط اليد. أما اليوم فكلمة " أحبك" فقابلة للمحو بكبسة زر. هي لا تحيا إلا دقيقة. ولا تكلفك إلا فلساً! لا رغبة لها في أن تحكي كم يمكن لكلمة "أحبك" أن تكون في بعض الاحيان باهظة الثمن ، عندما تكتب على ورقة. وحده مصطفى كان من رأيها. لاحقاً قال لها مصطفى بجدية كاذبة: إني أفكر في ان اهاجر إلى أمريكا. 
=سألته و هي مصدومة : أمريكا....لماذا أمريكا؟ 
=- لأنه، في استطلاع أخير، جاء أن الأمريكي هو أكبر مستهلك لكلمة " أحبك". تصوري أنه يلفظها في اليوم بمعدل ثلاث مرات ، كأنه يتناولها مع وجباته الثلاث. هنا قد يموت المرء ولايسمعها حتى من والدته برغم أن كل شيء يشي بحبها له. لكنها عندما تنطق تقول عكس ذلك!
 واصل بنبرة مازحة: بإمكانك أن تجعليني أعدل عن قرار الهجرة ، يكفي أن تقولي إنك تحبينني! ضحكتْ لابتزازه العاطفي، لكنها لم تقلها طبعاً . لو قالتها، لربما كانت الآن في معسكرات الإعتقال العاطفي. وبدل أن ترزق بألبوم، لكانت هناك تخدم والدته وتربي أولاده! هل أحبَّته حقاً؟ هي نفسها لا تعلم في الحقيقة . معظم الذين يعتقدون أنهم يعيشون قصة حب، هم في الواقع يحيون في وهم الحب. 

إنتهى البرنامج. وعندما همت بمغادرة الأستوديو, اعطاها مقدم البرنامج باقة ورد قال إن مرسلها طلب ألا تُقدم إليها على الهواء المباشر . فتحت بلهفة الفضول الظرف الصغير المرفق بها, لم يكن على البطاقة سوى ثلاثة كلمات "الأسود يليق بك". جمدت مكانها و هي مصدومة . كان في الجو شيء شبيه بإعلان حب. 

 ثلاث رسائل كافية حتى تشعل فتيلها . سيترك لها رقم هاتفه مع الباقة الاتية لا شك , لكنه حتماً لن يترك إسمه. سيطيل لعبة الغموض ما استطاع حتى يقوم باشغال بالها بما لا تعرف عنه. غادر المنزل مشياً. يمارس رياضة المشي السريع في زمن مفتوح بين طفولته المعتادة في بيروت ونجاحاته الخارقة في كبرى عواصم العالم. إنجازه الأكبر ما كان في بلوغه تلك المكاسب، بل في الطريق التي سلكها ليصل اليها . قد يبدو في لحظات قليلة متواضعاً، لكن أحلامه لا تعرف التواضع. كثيراً ما تمنى لو كان شاعراً أو كاتباً حتى يقوم بوصف انبهاره بهذا المكان الذي يتردد عليه منذ أكثر من عشر اعوام . تفوق بحكمته وذكائه على طاقم المستشارين والمساعدين العاملين في شركاته. حدث أكثر من مرة أن أنقد أعماله من الإفلاس بمهاراته لا بشهاداتهم .

 انقضت ثلاثة أسابيع قبل أن تأتي أول مناسبة. حفل عرف أنها ستشارك فيه مع مجموعة من المطربين في سورية. هذه المرة سيلقي لموقدها بما سيشعلها من حطب لأيام، لكنه لن يستخدم الا عود ثقاب واحد. كتب على البطاقة أرقام تليفونه فحسب، ووضعها في الظرف الصغير المرفق بالباقة ذاتها التي اعتاد أن يرسلها إليها. طلب إرسال الباقة مع سائق إلى الشام. ثلاث ساعات و البطاقة ستكون في يدها ، تماماً بتوقيت ختام الحفل. إنها الساعات الأكثر جمالا و توترا في أية قصة حب. كان لا يتوقف عن استراق النظر إلى ساعته. يمكن للهاتف في أية لحظة أن يرن , وتكون هي على الخط. أطال البقاء في المكتب، حتى لا تفاجئه بالمكالمة وهو مع زوجته. ثم عند منتصف الليل قرر ان يرجع الى المنزل ، لكنه وضع هاتفه على الصامت كي يأخذ علماً باتصالها. تفقد هاتفه قبل الخلود إلى النوم, دون اي فائدة . ولم يجد عذراً لعدم اتصالها. احس أنها هزمته حتى من قبل بدء الجولة. كان نومه قلقا ، نام عارياً من صوتها. 

ترددت في طلبه في الليل . لا يليق بفتاة أن تتصل ليلاً برجل لا تعرفه . 
قلبها يدق بعنف ، قلبها أحمق يقول "قومي واطلبيه"، وعقلها أحمقٌ آخر يردد "عيب .. إنتظري الى يوم غد !". قاومت الأرق، ثم صباحاً، قاومت لهفتها وفضولها, في انتظار الساعة التاسعة. الوقت الذي بدا لها الوقت المناسب للاتصال به . كان رقماً من لبنان. طلبته دون أن تدري كم بإمكان رقم تلفون أن يعبث بأقدارنا. ارتجف صوتها كما يوم جرّبته للمرة الاولى قبل أن تغني: ألو.. 
رد صوت رجل على الطرف الثاني من السماعة : أهلاً. 
=قال فاتحاً باب الكلام: سعيد بالتحدث إليك...كنت أستعجل هذه الدقيقة لتاتي . 
ردت بنبرة لا تخلو من المزاح في إشارة إلى بطاقته السابقة: اعتقد انك تملك كل الوقت! =قال: أن أملك الوقت لا يعني أني أملك الصبر...علقت بالدعابة ذاتها : أما أنا فطوّعتني الحياة ...لا أكثر صبراً من الأسود! 
=قالت مكملة لحديثها : شكراً على الورود...أسعدتني التفاتتك بشكل كبير . أجاب: منذ أول برنامج شاهدتك فيه وأنا أود ان أبدي لك خالص اعجابي بك . 
=سألته: أي برنامج تعني؟ تبدو متابعاً ممتازا للبرامج التلفزيونية! 
=رد : كنت أقصد المقابلة التي أجريتها في نهاية شهر ديسمبر ..أحببت حديثك. علقت ممازحة: اعتقد انك أحببت حدادي حين كتبت لي" الأسْود يليق بك". 
 =رد: ربما كان عليّ أن أقول إنك تليقين به...الأسْود يا سيدتي يقوم باختيار سادته. 
=لم تجد ما ترد به. هكذا هم المشارقة، لا يمكن لأحد أن يجاريهم في انتقاء كلماتهم عند التكلم مع امرأة. ما كان من المناسب أن تسأله عن جنسيته. طرحت سؤالها بصيغة ثانية : هل تقيم في بيروت؟ أنت محظوظ...أحب بيروت جدا .
 =رد: وبيروت تحبك..لقد خصص لك إعلامها إستقبالاً كبيرا . 
=- صحيح ...أنا مدينة لها بانطلاقتي. 
=علّق: لعلك يوماً تكونين مدينة لها بلقائي. ثم قال و هو ينهي الاتصال : - رقمي معك... يسعدني ان اكلمك . 
باغتها, لم يترك لها فرصة أن تضيف اي كلمة . أغلق الجولة على جملة "يسعدني ان اكلمك ". بقي على جوع إليها. لكنه أبقاها عطشى . خبرته تقول إنها ستعاود الإتصال به في حدود يومين. بعد انقضاء ثلاثة أيام دون أن تأتيه اي مكالمة منها ، بدأ يشك في نظرياته. في جميع الحالات، هو لن يتصل بها ، خاصة أنها اتصلت به من رقم أرضي قد لا يكون رقمها الخاص. بدأ يخطط لمواجهة الموقف الجديد عندما فاجأه هاتفها في صباح اليوم السادس.
 =- أهلاً صباح الخير. 
=لم يبد لها سعادته الكبيرة بسماعها، ولا سألها لماذا تأخرت إلى هذا اليوم. من المفروض أنه "يملك كل الوقت". هذه المرة استعمل معها اسلوب عدم المبالاة . تبادل معها كلمات مجاملة، لكنه لم يمنحها الوقت حتى تساله عن إسمه. أعطاها الإحساس أنه في اجتماع. ثم ودعها و هو يقول "أسعدني سماعك". 

إنه لا يشبه أحداً. يختار وروداً بالوان غريبة بعض الشيء ، لا تشبه وروداً رأتها من قبل، مرفقة بكلمات ما قالها أحد قبله. طريقته الجميلة في مطاردتها، في مقاربتها، ما عهدتها في رجل. برغم ذلك، هي تحافظ على مسافة الأمان.على لهفتها إليه تبطيء السير باتجاهه ، فما أسرعت الخطى نحو رجل إلا وخانها رهانها. لن تقع في هذا الخطأ مرة ثانية ابدا . على هذا الرجل أن يشقى حتى ينال علاماته. كانت تفكر بمنطق المعلمة، وكان القدر يقع على قفاه من الضحك. هي لا تدري بعد، أن هذا الرجل جاء حتى يعيدها إلى مقاعد الدراسة! 
بعد مكالمتين، فازت بمعرفة اسمه الصغير، لكنها اعتبرت فوزها عظيما..إسم هاتفها " طلال". طلال كلماته تنتشر في حياتها مع الهواء. رجل لا تعرفه إلا بعض الشيء ... ويعرفها كثيراً. أسكنها في مساحة وسطية بين هاتفين و باقتي ورود ، على حافة حرائق الإنتظار. مكالمة بعد أخرى، كان يراها تزداد تعلقاً به , تلاحق هواتفه مداً وجزراً. أصبح لها عليه حق الحب، وله واجب العاشق في ان يطمئن عليها و على اخبارها ، والإطلاع على برنامجها اليومي، من دون أن يبادر اي واحد منهما بقول كلمة حب للآخر. 

أخبرته أنها ستقيم حفلاً في باريس، عرض عليها أن يلتقيا هناك، مدعياً أن سفرها يوافق تواجده في أوروبا. بدأت تحلم بلحظة اللقاء معه ، فهي لم تزر باريس إلا مرة واحدة مع ابوها و شقيقها قبل اعوام لا تدري مقدارها ، يوم كان أحد أعمامها يقيم هناك. فكل ما تتمناه هو جلسة جميلة مع هذا الرجل. قضت يوماً باكمله تجوب المحلات مع نجلاء، بحثاً عن ملابس جميلة ، تليق بإقامتها في باريس وبذلك اللقاء...وحين غدت أحلامها جاهزة للإقلاع ، هاتفها سائلاً: أية ساعة تصل طائرتك؟ 

=قالت: الساعة السادسة بتوقيت باريس. 
=قال : - على أي مطار؟ 
=قالت : - مطار شارل ديغول. 
 =قال : - حسنا : سأغادر لندن بحيث أصل قبلك و ساقوم بانتظارك هناك عند مخرج الركاب القادمين. أتمنى أن تتعرّفي إليّ وسط حشود المسافرين. 
=ردت: في اي حال من الاحوال ، لن نضيع بعضنا البعض، فأنت تعرفني أليس كذلك؟ واصلت ممازحة: أو إحمل باقة الورد تلك كي اعرفك من بين الناس ! رد بنبرة جادة: إن لم يدلك قلبك عليّ فلن تريني على الاطلاق ...وهذه القصة لا تستحق عندها أن تحيا ! =فاجأها بمنطق التحدي العاطفي الظالم لامرأة لم تره من قبل ، ولا تعرف في النهاية شيئاً عنه. =قررت أن ترفع التحدي.. 
=قالت وهي تُنهي مكالمتها مازحة : فليكن...موعدنا في مطار شارل ديغول!
 =لم تكن تدري أي فخ نصب لها. لقد أوهمها أنه يحدّثها من لندن. كيف لها أن تتوقع وهو يطلبها من رقم فرنسي، أنه في الواقع لم يغادر وأنه يكلمها الان من بيروت! هو يعرف عن تفاصيل رحلتها الآن ما يكفي ليأخذ الطائرة ذاتها ، ويسافر معها في مقصورة الدرجة الأولى . فهي التي قالت له فيما مضى أنها ستسافر من بيروت، لعدم وجود رحلات في ذلك التاريخ من الشام. 
=أقسى الذكريات وأطرفها، تلك التي عاشها يومها وهو جالس لما يقارب أربع ساعات على بعد خطوات من انشغالها عنه... بالرجل الذي كانت تتهيأ لان تلاقيه ! كانت على قرب كرسيين منه ، لكن أبعد من يوم رآها على شاشة التلفزيون. إنها أبهى من الشاشة، هي الآن على مرمى يده، وملء نظره . كان يمكن أن يقف ويسلم عليها. غير أنه أحب دور الرجل الذي لا تقابله ... ولا يرى سواها. تأملها وهي تطالع الجرائد . لا أشهى من امرأة تجلس في الدرجة الأولى ، وتترفع عن الانشغال في الأكل . 
 =عندما حطت الطائرة ، تركها تسبقه إلى مغادرتها . وجد ذاته خلفها ببضعة ركاب. لكنه أنهى إجراءات جواز سفره قبلها , ما أتاح له الخروج وانتظارها مع حشود المستقبلين . 
على نصف خطوة منه كانت... دون أن تصل اليه . لم يحاول أن يقف في حيز نظرها، لعبة خطيرة تلك التي اختارها لاختبارها . هي هنا أمامه, هل الأهم الإمساك بها... أم التمسك بقراره؟ حدسه كان ايمانه ، هي لن تتعرف إليه . قرر أن ينسحب أمام أول خطأ , فهو لا يتقبل الهزيمة، ولا يرضى أن يُذل ولو أمام ذاته . 
 ما كاد بهو المطار يفرغ في انتظار وصول الرحلة المقبلة ، حتى رآها تغادر المطار خائبة . طلب سائقه على التليفون . لمحها من زجاج مركبته تنتظر دورها أمام محطة سيارة الاجرة . تركها للمطر. إبتسم بمكر. قرر لحظتها أن يثأر لذلك الخذلان العاطفي بموعد لن ترى فيه غيره . 

 في الصباح عندما استيقظ ، لم ينس أن يهاتف معهد العالم العربي، منتحلاً صفة صحافي، سائلاً عن عنوان سكنها . سيواصل مفاجأتها. لكن بإشعارها بعد الآن أنها خسرته. ما توقعت كميناً محكماً كهذا، إنها لعبة غير شريفة ، ما دام وحده أحد الطرفين يعرف الثاني . ثم ...أما كان يمكن أن يكسر قواعد اللعبة في اخر لحظة معلناً أنه هزمها؟ أي انتصار هذا الذي يخسر فيه موعداً قام بانتظاره لفترة طويلة ! 

لو كان والدها أكثر تفهما و حنوا ، لربما بقيت في الجزائر... لكن, كثيرٌ عليها أن تخوض معارك ضد عائلتها . في الثمانينيات ، قصد ابوها حلب لدراسة الموسيقى، فعاد منها بعد عامين وكأنه تخرج من مدرسة الحياة. بينما كان عمها قد سافر في السبعينيات حتى يشتغل في فرنسا، وعندما عاد إلى الجزائر حتى يتقاعد ، بدا وكأن تلك الاعوام في أوروبا لم تترك أثرا في عقليّته. وأصبح لا يتردد على منزلهم . ودون أن يعلن ذلك, كان واضحاً أنه رأى في احتراف شقيقه الغناء ارتكاباً لفعل مستهجن يقارب الحرام. آخر زيارة لهم, لم ينتظر للعشاء. كان قد حضر ليأخد من أبيها تسجيلات ينشد فيها ابوه اناشيد دينية في إحدى المناسبات ومضى. لقد كان المطربون على أيام جدّها مُنشدين، وأبناء طرق وزوايا دينية. وكانوا ثواراً أيضاً ومجاهدين، نجا بعضهم وسقط ثانيون ، كأحد أبناء مشيخة الزاوية المختارية، الذي أكتشف أمره. كان عازف كمنجة ويهرِّب وثائق الثورة بإلصاقها في جوف الكمنجة . 

 نامت و هي متعبة للغاية . تمنتْ لو استقبلتها باريس بالأحضان. لكنها استقبلتها بالأمطار وبباقة ورد تقول"تمنيتُ ألا تخسري الرهان". هي ابنة المروج ، نبتت بمحاذاة الورود البرية ، فلماذا يطاردها بهذه الورود ذات الالوان الغريبة ؟ لو أنها لم تتحدث إليه على التليفون , لخالته أحد المرضى النفسانيين. لكنه بدا رصيناً وصارماً في قرارته، بقدر مكر مناوراته. ما توقعت وهي تقبل بقواعد هذه اللعبة , أنها كانت عند أول خطأ معرضة لصاعقة خسرانه . أيعقل أن تكون فقدته حقاً لمجرد كونها لم تتعرف عليه؟ إنتابها أسى خسارة شيء لم تتملكه في الاصل . لكن كان امتلاكه حلمها. طلبت والدتها كى تُطمْئنها، وإلا فلن لن تنام هي الثانية . لقد هدَّ الألم تلك المرأة، التي كانت في السابق قوية إلى درجة اتخاد القرار بمغادرة حلب قبل ثلاثين عاما ، والإقامة مع زوجها في بلاد لا تعرف عنها اي شيء ، والتأقلم مع ظروف ما كانت تشبه حياتها فى سورية. 

كانت ترغب والدتها في تزويج علاء بنجلاء إبنة خالته ؟ وتحاول إغراء نجلاء بأخلاقه. غير أن لعنة علاء كانت بالذات في حسن اخلاقه و و سامته . في الواقع، كانت والدتها تخطط لجعله يغادر الجزائر، وينجو من بلاد بدأ يهيمن عليها الجنون، ويحكمها الحذر و الخوف . 
ما ارتاحت أبداً لقراره الإقامة في قسنطينة لمتابعة دراسته في الطب. كان عذره أنها الجامعة الأكبر في الشرق الجزائري. وقد صدق احساسها حيث أنه ذاهب إلى بؤرة الأصولية، مُحملاً بعقيدة الحياة. وبرغم ذلك، حاول علاء على مدى أربع اعوام أن يضع مسافة الحذر بينه وبين رفاقه . ثم حدث على أيام الرئيس بوضياف، أن قامت السلطات بمداهمة الجامعة، وإلقاء القبض على العشرات من المسلمين ، وإرسالهم إلى معتقلات الصحراء. عندها قرر علاء أن يترك الجامعة حال تقديمه امتحانات آخر العام الدراسي ، إستجابة لإلحاح والدته ، على أن يسافر لاحقاً إلى العاصمة لمواصلة دراسته هناك. 

كان يفصله عن الإمتحانات شهران، لكنّ القدر كان أسرع منه، ما مر أسبوع حتى حضر إلى الجامعة رجال الشرطة ، واقتادوه مع اثنين آخرين. من يومها أخذت حياته مجرى مأساة إغريقية. 

كانت معتقلات الصحراء تضم عشرات الآلاف ممن تم الاشتباه بهم ، يقبع بينهم الكثير من الأبرياء، فلا وقت للدولة للتدقيق في مسائلهم القانونية و قضاياهم ، أو محاكمتهم. وجد علاء ذاته متعاطفاً مع الأسرى، بعد ما رآه من تعذيب و ظلم هناك ، وما عاشه من قهر وهو يحاول عبثاً ان يثبت براءته . بعد خمسة أشهر أطلق سراحه، لم يقم بين أهله أكثر من بضعة أسابيع، كان ثمة في كل حي شبكات تجنيد, أقنعوه بأن يلتحق بالجبال، حتى يضع خبرته في إسعاف "الإخوة" هناك ومعالجة جرحاهم. لم يستشر اي احد ، ولا أخبر أحداً بقراره. تحاشى تضرعات أمه ودموعها، والغضب العارم لأبيه الذي ما كان ليقبل انحيازه ل"حزب القتلة". هاتفٌ مُقتضبٌ منه أخبرهم بذلك. قال إنه هناك حتى يقوم بمعالجة الناس ليس أكثر.كان يكره أصحاب اللحى وأصحاب البزات بالتساوي . إنتهى به الأمر أن أصبح ضدهما معاً. أدرك متأخراً أن اللعبة أكبر مما تبدو . 

 حاولتْ أن تُخرج شقيقها من تفكيرها كي تستطيع النوم، فأمامها في الغد مشاغل كثيرة. أغمضت عينيها على منظر باقة التوليب. شيء ما يقول لها إن ذلك الرجل سيعود ليطلبها مرة اخرى . كانت تلك الفكرة الوحيدة التي يمكن أن تدخل السعادة إلى قلبها. 

قصد مكتبه. قضى يومه منهمكاً في العمل لينشغل بنسيانها . أمدّ سكرتيرته الفرنسية بتاريخ الحفل وعنوان القاعة ، ها قد أصبح يتعامل مع الامور كصائد ، يجمع كل التفاصيل عن ضحيته. 

هذه هي المرة الاولى التي س تغني بها في باريس . ينتظرها جمهور جزائري وفرنسيون من المتعاطفين مع الجزائر، لقد غطى الإعلام حدث حفلها ضمن المتابعة اليومية لما درج على تسميته "المذابح الجزائرية". هاتفها جمال ابن عمها يعرض عليها الحضور إلى الفندق حتى يرافقها إلى الحفل . هو يختلف تماماً عن أبيه. شاب عصري, أنيق، متفتح، فيه شيء من علاء. =لتطمئنه أنها لم تفقد روحها الساخرة الجزائرية ، قالت مازحة : لو كنت ذاهبة لاغني في حفل في الجزائر لن اصطحبك معي , يلزمني رجل بحزام اسود للمصارعة او بالاخرى اربعين مصارعا لمرافقتي ! 

 علق جمال مازحاً : انا لست مصارعا ابحثي عن رجل غيري يذهب معك ! 

ما كادت تُطل على الجمهور، حتى ارتفعت موجة من الهتافات الوطنية و التصفيق ، وراح البعض يلوح بأعلام الجزائر. احست بأن الذين حضروا لم يأتوا للطرب، بل ليعلنوا رفضهم للإرهاب. إنها هنا أمام أنصارها. جاء حديثها مذهلاً في تلقائيّته، قالت: 
في احد الايام ...ساق الإسرائيليون سهى بشارة بطلة المقاومة اللبنانية إلى ساحة الإعدام... وسألوها عن اخر امنية تتمناها في الحياة. ردت" أريد أن أغني" وراح صوتها يترنم بموال من العتابا الجبلية: "هيهات يابو الزلف عيني يا مولي, محلا الهوى والهنا والعيشة بحرية"... أشبعوها ضرباً ثم ارجعوها الى زنزانتها . وواصلت سهى بشارة الغناء . على مدى سنين طويلة , إعتاد أسرى سجن الخيام سماع غنائها . صوتها البعيد الضعيف , القادم من خلف قضبان زنزانتها , أبقاهم أشداء . فمن يغنّي إنسان حر فقد هزم خوفه ...! 

عندما قام الإرهابيون باغتيال الشاب حسني، وقطف زهرة صوته، ما توقعوا أن يصعد اخيه إلى المنصة، ليثأر لدم أخيه بان يواصل أداء أغانيه أمام جثمانه، أربكهم أن يواجههم أعزلٌ إلا من حنجرته.... بلى, بإمكاننا أن نثأر لمن ماتوا بالغناء فقط . فالذين قتلوهم أرادوا ان يغتالوا الجزائر باغتيال البهجة. نحن هنا لنغني من أجل الجزائر، فوحدهم السعداء بإمكانهم ان يبنوا الوطن . وانطلق النشيد الوطني, ووقف كل من في القاعة ينشد (قسماً بالنازلات الماحقات...........فاشهدوا فاشهدوا) . 
ما كاد ينتهي النشيد حتى ارتفعت الهتافات و الزغاريد ، وصعدت سيدة إلى المنصة وقبّلتها ووضعت علم الجزائر على ظهرها . حيث تحل يقلدها الموت وسامه. هي شقيقة القتيل و ابنة القتيل .
 كان ذلك الحفل أجمل ما عاشته منذ مأساتها. أدت فيه أكثر مما كان مقرراً من أغان. ثم عادت ببعض باقات الورود حتى تبكي في الليل وحدها . أليس الغناء في النهاية هو دموع الروح ؟ 

في الفندق، تأملت باقات الورد البسيطة التي قدمت لها. إنها الأبسط لكنها الأصدق؛ من مغتربين بسيطين يقولون الأشياء دون بهرجة أو تنميق . بكت. هل حقاً "الجزائر تحبها"؟  

بدأت مشاكلها عندما راحت تصرح للصحافة الحرة، بأن ثمة جزائر للقلوب وأخرى للجيوب، وإرهاباً مُلثماً وآخر سافراً ، وأن كبار اللصوص هم من أنجبوا للوطن القتلة، فالذين حملوا السلاح ما كانوا يطالبون بالديمقراطية الحقيقية بل بديمقراطية الإختلاس. ذات صباح, طلبها المدير حتى يخبرها أنها مفصولة من العمل. الذريعة أن الأهالي لا يريدون أن تُدرّس مُطربة اولادهم . ذريعة تشكك كثيراً في صدقيتها. فما كانت مطربة أعراس ولا حفلات . هي لم تكن قد غنت سوى مرتين: مرّة في ذكرى وفاة ابوها ، ومرة في برنامج تلفزيوني. ثم إنها كانت محبوبة لدى الأهالي. ففي تلك الأيام، كان المهم أن تحفظ رأسك لا أن تحفظ درسك، مذ درج الإرهابيون على قتل كل من يحمل محفظة مدرسية، تلميذاً كان أو مُدرّساً . رأت أمها في قرار طردها إنذاراً أوّلَ, وسيليه ما لا تُحمد عقباه. ولأنها لم تريد أن تترك قبراً ثالثاً في الجزائر، أخذت ابنتها و انتقلت إلى سورية... 
لم تستطع أن ترفض دعوة بيت عمها . أخذت لهم ما في حجرتها من ورود، كي تمنح الحب حياة أطول.....سألها أبناء عمها مع فنجان الشاي: 
-= لماذا لا تقيمين في فرنسا إلى أن تهدا الاوضاع قليلا . 
 -=قالت : أنا سعيدة مع أمي في الشام. 
=قالوا : - إستفيدي ..أطلبي بطاقة الإقامة ما دامت الظروف مناسبة لهذا الشيء ، ربما احتجتها لاحقاً. سيمنحونك حق اللجوء. نصف الجزائر انتقلت إلى باريس، معظمهم بملفات كاذبة .. منهم من يدعي أن السلطة تهدده وآخر أن الإرهاب يطارده. أنت يطاردك كلاهما... ثم جاء السؤال الذي لا مفر منه: سامحيني يا ابنتي ! كيف مات علاء , يرحمه الله لم يقل لنا اي احد ما الذي جرى ؟ 
 ابتلعت دموعاً لا تريد أن تحتسيها في حضرة أحد . قصته حدثت قبل سنتين... كان أخاها الوحيد. عندما عاد من معتقلات الصحراء، فرحنا للغاية لأنهم ، بعد خمسة أشهر, إقتنعوا ببراءته وأطلقوا سراحه أخيراً . لكن ما كاد يمر شهران على إقامته بيننا، حتى جاء من يقنعه بأن كل ما جرى له من مصائب هو بسبب ابتعاده عن الإسلام، أغروه بالإلتحاق بالجبل للإيفاء بدينه و ليعالج الجرحى من الإسلاميين ولو لبضعة أسابيع. ذهب علاء دون أن يقول لنا حتى انه ذاهب . 
- صاح جمال مصدوما : مضى بملء إرادته إلى الإرهابيين؟! 
 =قالت : -إن لهم قدرة على إقناعك بما رغبوا به . 
=بعدها...قضى أكثر من سنتين متنقلاً بين المخابيء في الجبال، يعالج الجرحى ويولد النساء المغتصبات اللائي "سباهن" الإرهابيون بذريعة أنهن زوجات و بنات عاملين أو موظفين في "دولة الطاغوت". حين طلب السماح له بالعودة، غذى شكوكهم, فقد كانوا يشتبهون في كون الجيش من أرسله حتى يقوم بالتجسس عليهم . تفتّقت حينها قريحة أحدهم عن اختبار شيطاني، أن يثبت لهم اعتناقه الجهاد بعودته لقتل ابوه ، ويكون حينها آمناً على نفسه، بتصفيته من جعل من صوته "مزامير للشيطان". توقفت عن الكلام لتستعيد جأشها.
 =سأل الجميع في الوقت ذاته : وماذا حدث؟! 
=قالت : - أمام هول الإختبار، غدا مطلبه أن يساومهم على حياة والده ببقائه معهم. قال لهم إنه سيبقى في خدمتهم ما شاءوا مقابل ألا يقوموا باذية والده . ما كان يدري أن لا صفقة تُبرم مع القتلة، ولا توقع أن أثناء تواجده معهم أرسلوا من يقتل والدي . علم بذلك بعد أشهر عندما نزل من الجبل مع من نزل من التائبين في إطار العفو والمصالحة الوطنية. أخرجته الصدمة من وعيه . غدا مشبوهاً في عين الإرهابيين الذين لم يغادروا الجبال, وخشوا أن يشي بهم , فأرسلوا أحداً لتصفيته بعد شهرين من إقامته بيننا. 

كانت أول صدمة هي اكتشافه مقتل ابيه و اغتياله في غيبته . سأل: " كيف قتلوه؟" وعندما عرف أنهم (فقط) أطلقوا رصاصتين على رأسه، كان عزاؤه أنه لم يتعذب. فمن حيث جاء، شهد من صنوف التعذيب أهوالاً لا يمكن لنفس بشرية أن تتخيلها .. 

 كم مرة تماسك كي لا ينهار أو يُغمى عليه مخافة ألا يستيقظ أبداً. فلا مكان بين القتلة لضعيف. لكنه الآن وقد نجا، انهارت قواه باكملها ، يعيش مع أخته وأمه مشلول التفكير و الارادة ، متشرداً بين القيم المتناقضة. لا تكف أمه عن ضمه والبكاء. قاوم دمعه سنتين كاملتين , لكنه الآن استعاد حقه في البكاء، فهو لا يغفر لنفسه ما سبب للجميع من أذى ، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل لإسعاد والدته . 

 كانت هدى قد أنهت دراستها قبله ، بحكم تخصصها في الاعلام . لم يتقبل فكرة انتقالها للعيش في الجزائر. وما كانت هي جاهزة حتى تتنازل عن فرصة قد لا تتكرر, في العمل مقدمة أخبار في التليفزيون. ما أن غادرت إلى العاصمة، حتى غادر هو إلى الجبال. عبثاً كانت هالة و والدته تحاولان استدراجه للبوح بما عاشه خلال سنتي غيابه. كان دائم التهرب من الحديث . لا يتواجد إلا بتوقيت الأخبار المسائية. كلتاهما تعرفان أنه ينتظر أن تطل هدى ليس أكثر. وهو الآن يود أن يعرف من بعيد، ما حل بها منذ عامين إلى اليوم. ذات مساء وهو يشاهدها على الشاشة، خطر بذهنه أن يهاتفها على المحطة، حال انتهاء الأخبار. يرغب في أن يفاجئها ! قرر أن ينزل ليطلبها من مقصورة هاتفية غير بعيدة من المنزل . ظل رقم البدالة يدق لدقائق دون أن يرفعه أحد. ثم أخيراً رد صوت رجالي. وجد نفسه يقول له بارتباك: أود التكلم إلى الآنسة هدى. هل يمكن لو سمحت أن تخبرها أن علاء على الخط. 
=قال : - أطلبها غداً إن رغبت في ذلك ! 
راح يلح : أود الآن أن أتحدث إليها في أمر هام. ليتك فقط تخبرها بإسمي. 
=قال الرجل: ذكرني بإسمك. 
=فقال : - علاء...علاء الوافي...إني أحدثك من الشارع، بالله لا تدعني أنتظر لوقت طويل . مرت أكثر من عشر دقائق. عاد الرجل ليقول له أن هدى أنهت برنامجها وغادرت على الفور من المكان ، وأنه ما استطاع اللحاق بها. لكن... كان الخط مفتوحاً ولا أحد يرد ، سوى صوت طلقات رصاص اخترق دويّها سماعة المقصورة...
 =في الغد كانت في انتظار الطائرة العائدة إلى بيروت ، نزلت دموعها . لعل عيونها كانت تبحث عن ذريعة كي تهطل. لعله النجاح الذي يفضي إلى الكآبة, أو لعله الفقدان, فقدان كل رجالها، بمن فيهم ذلك الذي منحها بهجة مخادعة ، واختفى في هذا المطار نفسه الذي واعدها فيه يوم وصولها قبل أسبوع. بقيت حتى آخر لحظة تتوقع اتصالاً منه. الآن فقط بدأت تصدق قلبها الذي يوشوشها أنها لن تراه على الاطلاق في حياتها ، وأن قدرها ألا تكون يوماً سعيدة. 

 كانت قد مرت عدة أسابيع على رجوعها من باريس عندما وصلتها دعوة لإقامة حفل خيري في القاهرة. راحت تفاوض أمها حتى تسمح لها بالسفر إلى مصر, وتطمئنها بأنها ذاهبة لحفلة خيرية ريعها من أجل أطفال السرطان. وبذلك أقنعتها بالسفر وخاصة أن نجلاء اقترحت ان تسافر معها . 

منذ أشهر وهي تدرس الموسيقى, والآن هي تحس أنها مستعدة لمواجهة أصعب جمهور: وهو الجمهور المصري. لم يبق للحفل سوى ساعات, حينما وصلها خبر أن أحدهم قد اشترى جميع بطاقات الحفل قبل أيام. لم تصدق ما سمعته للتو ! كيف لشخص واحد أن يحتكر الحفل, ويحرم الناس من ان تحضر ؟ سألت من هو هذا الرجل ؟ 
 لقد حضر أحدهم ودفع المبلغ بإسم إحدى الشركات. 

أحست بأن هذا الرجل يهين سخاءها بثرائه. لقد تنازلت عن أجرها من هذا الحفل, وتبرعت به لصالح العمل الخيري رغم حاجتها الماسة للمال . 
كانت الساعه التاسعة بالضبط حين جاء من يخبرها أن تبدأ الحفل. وجدت في احترام الوقت عزاء لكرامتها. إذن لقد حضر السيد الكريم على الوقت. بدأت الفرقة العزف تمهيداً حتى تظهر من خلف الستارة ، ثم أطلّت على المسرح كبجعه سوداء داخل ثوب أسود, وشعر أسود مرفوع إلى أعلى. كانت فاتنة الجمال . لقد اختارت طلتها تلك لتبهر به جمهور مصر, لكنها تجمدت على المنصة وهي تتأمل المشهد الغريب. 
بالتزامن مع ظهورها, كان رجل في ما يقارب الخمسين من عمره أنيق المظهر يدخل القاعة, محاطاً بمرافقيه. أخذ الرجل مكانه فى منتصف الصف الرابع. ثم حياها بحركة من رأسه وبدا جاهزاً حتى يبدا سماعها . أخذت قراراً بألا تحييه قبل أن تشرع في الغناء. وستغني فقط لمدة ساعه ونصف , ولن تسأله ماذا يفضل أن يسمع. حاولت ان تضبط عواطفها . وتبقى على هدوئها, أن تغني للكراسي الشاغرة, كما لو كانت ملأى, لكن في نهاية كل أغنية, كان تصفيق اليدين الوحيدتين يطيح أوهامها . 

إنحنت انحناءة كاملة , رداً على وقوفه عند انتهاء الحفل, ووقفت الفرقة خلفها تحييه. أثناء ذلك, جاء أحد الموظفين وقدم لها باقة التوليب ذاتها . لم تشغلها تلك المفاجأة. فهي تتلقى تلك الورود منذ أشهر بعد كل حفل تقوم بتقديمه . إلا أن قلبها خفق حين اقبلت عليها فتاة وقدمت لها وروداً حمراء غاية فى الفخامة. استنتجت أنها منه. 
ذهبت إلى غرفتها محبطة. فلم يكن هناك أحد ليشكرها أو ليهنئها . فقد كان كل من موظفي المسرح فى وداع السيد الكريم. 
 غادرت الى الفندق تحمل باقة التوليب بيديها . في الفندق, كانت نجلاء تهم بوضع الورود في المزهرية عندما عثرت على بطاقه صغيرة ملصقة بالباقة, مكتوب عليها (هل تقبلين دعوتي للعشاء في يوم غد ؟ حتما ستتعرفين عليّ هذه المرة. أنتظرك عند الساعة الثامنة على مركب الباشا ) هذه المرة لم تستطع إخفاء سعادتها العارمة .. 
تهيأت لموعده بزينة بسيطة . ذهبت إليه كفراشة السواقي. دخلت المطعم وألقت نظرة على مكانٍ لا يخجل من إشهار عظمته و فخامته . فكّرت أنه ربما لم يحضر بعد, أو أنه موجود ويريد أن يختبرها مثل المرة الفائتة , فهي لا تعرف شكله !! 

قررت أن تقلب قوانين اللعبة وأن تجلس على طاولة فارغة , وليحضر هو إليها طالما أنه يعرفها . كانت تلحق النادل, حين وجدت ذاتها أمام تلك الملامح, التي حفظتها لمدة ساعة ونص وهي تغني له. إنه هو, الرجل الذي غنت له يوم امس . وقف وسلم عليها وقبّل يدها وقال : إن سعادتي لكبيرة للغاية أن ألقاك اليوم أيضاً. قبل أن ترد أو تسترد أنفاسها, كان النادل يسحب لها الكرسي. جلست وهي تفكر بالرجل الثاني . 
علّق بعد أن لاحظ ارتباكها : هل يزعجك شيء ما ؟ ثم أردف وقال : أشكرك على سهرة البارحة, لقد أسعدني أن أنفرد بصوتك. -
=قالت : هل أحببت الأغاني التي غنيتها. 
=قال :- أحببت أن تغني لي وحدي. 
=كانت تحدث ذاتها أيظن نفسه إله إغريقى يجلس مقابلي !! ما تريده الآن حقاً, هو أن تعرف من يكون هذا الرجل ولماذا لم يحضر الآخر ؟ 
-=أردت أن تتعرّفي عليّ من ضوئي لا من خدعة الأضواء... لكنّ قلبك لم يدلّك عليّ أيضاً تلك المرة ! 
-=أقال أيضاً ؟ شهق قلبها من هول الصدمة . إنه هو إذن ..هو من حجز القاعة لذاته . أيكون ثرياً إلى هذا الحدّ, هل فرغ العالم من النساء لتغدو هي وحدها الهاجس الذي ينتابه ؟... 
إنه يوفر عليها كثيراً من الأسئلة, إنه يتكلم عنها أفضل منها , لا بد أنه استسقى ما يريد معرفته عنها من خلال أخبارها الصحفية و مقابلاتها التلفزيونية . كان في بالها السؤال الأهم : ولكن لماذا التواليب بالذات... وذلك اللون البنفسجي ؟
  ربما كنتِ تفضيلينها حمراء , كتلك التى احتضنتها بالأمس بفرحة عارمة . قدّم لها بطاقة عليها فقط إسمه الكامل . ثم كتب عل ظهرها رقم هاتفه وقال: "كلميني متى رغبت في ذلك ". 
شعرت أنها كمن فاز باليانصيب, وأنها تملك الرقم السحري, وكذلك الإسم الذي حيّرها لاشهر عديدة . 
حين عادت إلى الفندق سألتها نجلاء هل كان جميلا ؟ أجابت : بل كان الوقت وسيماً به. لم تكن هالة فى الواقع معنية بثرائه , بل بافتقارها إلى الصبر معه. 
حين هاتفته بعد أيام, كان قد انتقل من القاهرة , ولن يكون من السهل العثور على عنوان هذه المرة لموعدهما . لقد كانت حياتها ساكنة إلى أن جاء وألقى فيها حجراً فى بركة أيامها الساكنة . إنها لا تنكر منذ لقاءهما فى ذلك العشاء, لا تنتظر إلا هاتفه ...
 فى بيروت انتظرت أن تحل ضيفة على برنامج تلفزيوني, عله يعرف بانها موجودة هناك , ولكن لم يأتِ منه لا ورود ولا هاتف . داهمها حزن شديد من فقدان شيء عزيز, واجتاحها الآسى. إنتهت ليلتها وحيدة فى حجرة في ذلك الفندق الفاخر, وحيدة مع عذاب الإنتظار. صباح اليوم الثالث لوجودها فى بيروت اتصل عليها . لم تستطع أن تخفي فرحتها ... 
=- قال: متى ستسافرين. 
=قالت : -غداً, هل تحب أن ابعث لك ألبومي الجديد ؟ 
تفاجأت من جوابه: أحب ما لا تجرؤين على قوله ! 
لم يسبق أن حشرها رجل بهذه الزاوية , ماذا يودني أن اقول له الان ، لقد استدرجها حيث شاء. وقالت ما تمنت أن تقوله حقاً : متى سالقاك . 
- =اليوم طبعاً... ما دمتِ ستسافرين في يوم غد ! . -قال : أين سأراك ؟.
 - =سأزورك في الفندق. 
=- 423 . لفظت رقم حجرتها غير مصدقه نفسها, وأحست أن الأمور قد أفلتت من يدها. طبعاً "عيب" هذا الذي تقوم به. أغلقت التليفون وهي تتساءل كيف أقدمت على أمر كهذا. =لعنته وهي تراقب الساعة. ثم لامت ذاتها لفرط توترها, ولأنها قبلت أن تستقبله فى حجرتها . من يكون ليفعل بها كل هذا ؟ وكيف سمحت له بان يربك حياتها إلى هذا الحد؟! =دق هاتفها وقال صوته : إفتحي أنا هنا ! تسارعت دقات قلبها وهي تتجه نحو الباب حتى تفتحه للحب. أغلق الباب خلفه. لكنه, لا يصافحها ولا ينظر لعينيها ولا ينحني ليقبل يدها. =سألها بذلك الإشتهاء الملتبس : كيف أنت؟. قالت :شكراً - أنا جيدة....

 تأملته, لم يكن يشبه رجلاً كانت تتصور أنها ستحبه. لكنها تحبه. بأناقته الكبيرة , بابتسامته الغامضة وتفاصيله المنتقاة بعناية ككلماته,.. 
 جلست مقابله على الأركية الأخرى. بعد حديث قصير بينهما سألت ذاتها أى رجل هذا ؟ لم يكن جميلاً, بل أكثر, إنه يملك ثقافة الجمال. إنها الآن تكتشف مكامن ضوئه. كأنها تجلس مكان تلاميذها الآن لتستمع إليه يلقي درساً في مادة الحياة التي لم يعلّمها إياها أحد. نهضت وهي تخفي ارتباكها بسؤال : هل تريد ان تشرب اي شيء . لكنه نهض بدوره معتذراً وقال: ثمة من ينتظرني على العشاء. لقد سرقت بعض الوقت حتى اسلم عليك . وقفت مدهوشة وهي تراه يتجه نحو الباب. وقفت خلف الباب المغلق تودعه و هي صامتة . كزهرة توليب خذلتها الريح. اقترب منها ونظر الى عينيها ثم ترك شفتيه تلتهمان ما تمناه لوقت طويل للغاية . قبلة بمذاق التوت البري. راح في قبلة واحدة يشعل حطب الإنتظار باكمله . آن قطاف هذه الزهرة النارية. لم يضف كلمة ثانية إلى قبلته تلك. فتح الباب مندفعاً للخارج, بعد أن أودع جناحيها للنار . 
كان مطعماً متواضعاً في ريو دي جانيرو؟ كانت ضربة حظ أوصلته إلى إطلاق مشروعه في بلاد يقيم فيها ما يقارب ال خمسة ملايين برازيلي من أصول لبنانية. في ذلك المطعم ولد حلمه بامتلاك مطعم للوجبات السريعة اللبنانية . تتمركز حول الأحياء الجامعية. وحين افتتح بعد خمس اعوام مطعمه الثالث في ذلك الحي الجامعي، لمح في إحدى زياراته تلك الفتاة اللبنانية ذات الجمال الفائق تتردد على مطعمه. كانت تدرس الحقوق وتحلم في الواقع أن تعمل في المسرح. فتاة أنيقة في بلاد السامبا..إنه شيء فريد . قال لها بما اكتسب من خبرة في إحكام شباكه: " حبنا هو أول قضية عليك ان تكسبيها ....سأمنحك فرصة المرافعة حتى تكوني امرأة حياتي". لكأنه لفظ جملة سحرية. فهي تريد هذا الرجل. حارب ابوها هذا الزواج بما استطاع من إغراءات، ثم من تهديدات، لاعتقاده أن فتاة في العشرين من عمرها غير مؤهلة حتى تقوم باختيار مستقبلها بعد ...ولأنها البنت الوحيدة بين شابين، ولا يريد أن يراها تتعذب مدى حياتها, بسبب خطأ اقترفته في شبابها. وفي النهاية استسلم لرغبتها حين رأى في ذلك الفتى المتّقد طموحا و ذكاءا ، والمتمتع بأخلاق عربية عالية، ما يطمئنه. هو لم ينس لها يوماً أنها اختارته قبل أن يكون له إسم وجاه. وأنها منحته صباها وابنتين . حرص على ألا يؤذيها في اي يوم من الايام ، ولا أن تسمع عنه ما يؤلمها. بعد أربع اعوام من زواجه بها، نزلت عليه ثروات ما توقعها. بحيث حقق في عامين ما أجلسه على إمبراطورية تجارية، أصبحت تشمل سلسلة المطاعم، وتجارة البن، والعقارات التي راح يستثمر فيها نقوده . 

عادت إلى الشام من دون أن تكون قد غادرت الحجرة 423 بعد زيارته تلك. إنه احتلال غير معلن، من رجل شرع في اجتياحها شيئا فشيئا ، وهي الآن كائن محتلّ تهذي أنوثتها به، لا هوس لها إلا سماع صوته و رؤيته مجدداً . فجأة أصبح الهاتف نوعاً من أنواع الاهانة و الاستعباد أيضاً . طلبته مرتين على جواله. وعندما لم يردّ، قررت ألا تعاود الإتصال به. بالتحديد بعد 192 ساعة، من تلك الساعة التاسعة مساءاً، التي زارها فيها في الفندق, ظهر رقمه ذات صباح على التليفون . قاومت إلحاح رنينه, أمرت قلبها أن يكابر, أن يثأر لكرامة شفتيها. كيف تسنى له ان يقبلها , ثم الإنصراف إلى شؤونه كأن شيئاً لم يجري بينهما . 
 أن تقاطع هواتفه، حتى تستعيد بعضا من عافيتها ، أو على الأصح، ليخف ألمها. قرأت يوماً أن راحة القلب في العمل، وأن السعادة هي أن تكون منهمكا في الشغل إلى حد لا تنتبه معه أنك تعيش، فهجمت على العمل طمعاً في نسيانه. كانت لها أمنية سرية ثانية ، أن تتعلم العزف على العود، كي تعزف على العود الذي تركه والدها. أخذته إلى فراس، صديق يحترف العزف، وبإمكانه ان يضعه عند حرفي يمكنه تصليح ما ألحقه الرصاص بالعود من ضرر. بإمكانها أن تحكي تلك القصة. قصة والدها الذي مات ذات مساء، وهو عائد من حفل زفاف كان قد غنى فيه. آخر موسيقى سمعها.... موسيقى الرصاص. كان بصحبة أحد العازفين في طريقهما إلى السيارة. سقط كلاهما متكئا على آلة عزفه.عندما جاؤوا بجثمانه مع العود، حضرتها فكرة إخفاء العود. ربما رجع احدهم ليكسره , أو ليواصل إطلاق النار عليه. كان العود قد اقتسم الرصاص مع سيّده, عاد العود إلى المنزل ، معلناً موت رفيقه الذي رافقه على مدى ثلاثين عاما ، منذ أيام حلب يوم قصد أبوها سوريا لتعلّم الموسيقى. 

 ما كان لأبيها اي عداوات . لم يهدده أحد، ولا جادل يوماً اي انسان . لكنّ الموت كان يثرثر من حوله. هل كان اغتياله بسبب غنائه ؟ كان يمكن للقتل أن يكون لأي سبب، ويمكن للقاتل أن يحمل أي وجه. فكل الناس تشك في كل الناس ... ذهبت شكوك أمها نحو جارهم، شاب في أواخر الثلاثين من عمره إسمه عمار، عاطل من العمل، يقيم عند عائلته ؟ لم ترافق زوجته امه لتقديم العزاء. إدّعت أمه أنه تعذر عليها الحضور بسب حملها. لكنه مارس سلطته على زوجته المبرقعة، لمنعها من أن تعزي في من يعلن "لبضاعة الشيطان". ثم فجأة، اختفى عمار بعد أيام من مقتل ابوها . بعد سنة ، نزل عمار من الجبال" أميراً". رفعته جرائمه إلى مقام" أمير كتيبة". عاد مع التائبين، مغسول اليدين من كل الجرائم ، بحكم قانون العفو العام. لكن من يغسل قلب أمها النازف ؟ وأي قانون ينسيها ثكلها و ترملها ؟ ماذا لو كان عمار خلف مقتل علاء هو الاخر ، كما كان خلف التحاقه بالإرهابيين؟ إن لم يكن يد القتلة فهو عيونهم. 
لعل ما روته لفراس، وهي تُعرّي وجدانها في حضرته، أكسبها صديقاً في وسط لا صديق لها فيه . هو يملك صفات رجولية تحبها جدا , كما أنه من حلب، مدينة أخوالها، وهي سعيدة بوجودها معه على حافة مشاعر رائعة لا إسم لها، ومنها أنه يُذكّرها بعلاء. =كان أكثر انشغالاً من أن يتنبّه لقطيعتها الهاتفية . حاول أن يتصل بها مرتين ولم ترد, توقع أن ترجع لتتكلم معه على الهاتف , ولكنها لم تفعل, بدأ يساوره الشك. أتكون تعمّدت أن تطيل انتظاره ؟ أيعقل أن تجرؤ على أمر كهذا ؟ هو الذى تتهافت الإتصالات عليه ؟ لم يحدث لامرأة أن أحالته إلى هاتف خارج الخدمة. حاول أن يستعيد تفاصيل اخر موعد لهما , عله يعثر على سبب لعتبها. أيكون ندماً متأخراً على قبلته تلك ؟

 رفع السماعة وطلب رقمها . لم يصدق السرعة التى ردت بها . ولكن لم يكن صوتها. ردت عليه نجلاء: 
-=قال : ممكن أن أحكي مع هالة من فضلك. أنا صحافي من CBS أود الإتصال بها. -=قالت : هالة مسافرة. منذ ثلاثة أيام هي في فرنسا.
 -= قال :هل من وسيلة للإتصال بها. 
 =قالت : - ليس لدي سوى رقم هاتف الفندق التي تسكن فيه . 
فى المساء دق الهاتف فى حجرتها بالفندق. وعند سماع صوته من هول المفاجأه فقدت صوتها للحظات غير مصدقة رنة صوته الذي رجع بعد شهر من الإنقطاع. 
-= قالت كيف حصلت على هاتفي؟. 
 - =قال دوما أحصل على ما أريد. -
 = قالت فعلاً... لا ينقصك الغرور. 
-= قال أريد أن اراك ، هذه المرة لن تنتظريني أكثر من يوم ... سأحضر في اليوم التالي إلى باريس وأصطحبك إلى مطعم جميل. 
=فقالت لا أرى قدومك مناسباً هذه الأيام. وفي جميع الحالات لن أتمكن من ان اراك . أنا أنام باكراً في الليل لأن أمامي كل يوم نهاراً طويلاً. 
-= قال : لا تقولين أنك ستنامين على الفور ، كم الساعة عندكم في باريس. 
- =فقالت / الثامنة والنصف. 
- =فقال : ساعتي أيضاً الثامنة والنصف ...هذا شيء غريب . 
كانت تُواصل الحديث إليه عندما دق جرس حجرتها مقاطعاً. 
- =لا بد أنهم خدمة الغرف... أنا لم أطلب شيئاً... أتكون أرسلتَ لى اي ورود ؟ رد ضاحكاً: لا... ليس هذه المرة ! لن أقطع الخط إفتحي الباب سأنتظرك .
 لم يقطع الخط, ولكن قطع أنفاسها... كادت ان تفقد وعيها وهي تراه أمامها. أغلق هاتفه الجوال وأعاده إلى معطفه . نسيت أن تنظر إليه، أن تسلم عليه بيدها أو بشفتيها. ما كان لها من عيون إلا لما يراه ورائها من تواضع حجرتها . هل تدعوه ليدخل ؟ هل تستبقيه عند الباب ؟ هل تقوم بطرده على الفور من الحجرة ؟ لقد ضاع صوتها منذ تسمر مقابلها ، لكنه أدركها وقال: إني أنتظرك في السيارة...غيّري ملابسك وانزلي. 
كما في القصص السحرية. عربة فارهة كانت في الخارج تنتظر سندريلا . ما كانت تقودها الخيول. بل يقودها أميرها العاشق ذاته . إنها تعيش خرافة عصرية. لم يسألها أين ستتعشى . حجز لهما طاولة فى مطعم اعتاد أن يذهب اليه . إنه يحب هذا الفندق العريق بابهته و فخامته . سألها إن كان يعجبها المكان. تفادت مكر السؤال. قال لها: لقد حجزت لك حجرة في هذا الفندق. 
-= قالت : من قال إنني سأقبل ذلك ؟ 
- = قال : إقامتك هنا ستكون اروع . لقد اخترت ما يليق بمقامك. 
فكرت أنه اختار عنواناً يليق بمقامه, الذي لا يسمح له بحب فتاة تقيم فى ذلك العنوان. فصممت على عدم الاستسلام و الرفض القاطع , ولكنه كعادته استطاع بلباقته أن يفحمها ويربكها كي تستسلم لعرضه. قال لها: ساصطحبك إلى فندقك لتجمعي حاجاتك. ثم اطلبي سيارة أجرة حتى تعودي الى هنا . طوق خصرها بذراعه التي كانت ممدودة لتفتح لها باب المركبة . حشرها بين السيارة وصدره, وقال: يجوز الرد على بعض الأسئلة بالقبل . وقبل أن تستوعب الموقف, كان قد سحبها نحوه وراح يقبلها . 
 هل يحبها حقاً ؟ هو دائم الإحتراز من الحب ، هو نفسه لا يدري . يحب جرأتها في الدفاع عن مبادئها و قناعاتها ، وهزيمتها حين يجردها من قرارتها. هو فقط يؤجل أوان امتلاكها. 
في الصباح ، هاتفها في فندقها الجديد، كانت قد تركت الحجرة . لم يترك لها رسالة صوتية على جهاز التسجيل ، ما كان ليفعل حتماً . كان يعنيه فقط أن يتأكد أنها نقلت إقامتها إلى الفندق الجديد الذي حجز بإسمها. حين طلبته ظهراً من المقصورة الهاتفية، وعدها أن يمر عليها في المساء ليصطحبها إلى العشاء.
 =- قال : هل أعجبتك الحجرة ؟ 
=ردت مازحة: تعني الجناح...وماذا أفعل بجناح واحد؟ 
ضحك لدعوتها المواربة لرؤيته. قال : إذاً أنا من يطير إليك. كوني جاهزة عند الساعة الثامنة في البهو سأمر لاخذك إلى العشاء. 
قبل الثامنة بدقائق، نزلت إلى بهو الفندق. لم تكن الساعة في معصمها بل في قلبها. تفقدت زينتها لمرات عديدة . كانت تبدو فاتنة الجمال ، كما يليق بسندريلا أن تكون. جلست تنتظر قدومه في ذلك الصالون الأرستقراطي السقف والثريات المتدلية، حيث لا أحد يعرفها في ذلك المكان . إنقضت نصف ساعة على وجودها في مهب الأنظار والإنتظار حين مر أحد الموظفين بلوحة مدون عليها اسمها . كانت مطلوبة على الهاتف. على الطرف الثاني ، قال صوته بنبرة أخفض من العادة: عذراً...نسيت أننا نستقبل ضيوفاً على العشاء في المنزل . تعشي حيث تعشينا البارحة, أو اطلبي عشاءاً في حجرتك . سأتصل بك غداً. تصبحين على خير. 
كان واضحاً أنها مكالمة مسروقة. ما ترك لها حتى دقيقة ، لوضع سؤال أو علامة تعجب. كلمات وذبل توهجها وانطفأت الفرحة في عينيها . عادت سندريلا إلى الحجرة تخلع بهجتها وزينتها التى هيأتها كي تليق باستقباله ، بعدما قضت يوماً باكمله في الإستعداد له. تطفيء الأضواء... لكنها لا تذهب على الفور الى النوم . تخلد إلى اللوم طويلاً. لا تغفر لذاتها أن تكون منحته فرصة الإستخفاف بها. كيف استدرجها ذلك الرجل إلى هذه الإهانة الكبيرة بحقها !؟ 

صباحاً .....استيقظت على صوته. قال إنه في طريقه إلى المكتب، وأنه أحب أن يبدأ نهاره بسماعها. سألته إن كان له مكتب في كل بلد. وعندما رد بضحكة على السؤال ، سألته إن كان له في كل مرفأ امرأة تنتظر دعوته إلى العشاء. قال إنه لا يشترك مع البحارة سوى في حب البحر، وأنه لا يجيد السباحة . قالت: أما أنا فلا أتقن الإنتظار، ولا أنوي ان ارتبط ببحار ... لذا سأغادر الفندق هذا الصباح !
رد بمزاح : لا تكوني جزائرية....أكلكم هكذا عصبيّون ؟ 
=أجابت: ستعثر على نساء جاهزات و سيكن في انتظارك في بهو الفندق . أنا ما انتظرت قبلك إلا القتلة . في محطة الحافلة ، وفي ساحة المدرسة، وفي مدخل المنزل ، وحتى وأنا في الصف, كنت أنتظر الموت لكن بكبرياء . كنتُ في انتظارك مجرد أنثى ... وقد كنتُ رجلاً في انتظار الموت .
 ظل صامتاً. ما اعتاد نبرة كهذه ولا توقع كلاماً كهذا. كان مأخوذاً بقسوتها ، أجابها بأول ما خطر في ذهنه. للمرة الاولى تكلم دون اختيار كلماته. لأول مرة نادها بإسمها: هالة... ما أجملك و انت غاضبة ! أحب كبرياءك، ولأنك كبيرة ستغفرين لي. أرجوك لا تغادري الفندق ، سأحضر باكراً اليوم ، وأصطحبك في فسحة جميلة في غابة بولونيا. أنا أمارس هناك رياضة المشي . ارتدي ثياباً مريحة وحذاءاً رياضياً سنمشي كثيراً, وسأجعل كل الأشجار تعتذر لك. فهل تقبلين اعتذار الأشجار؟ .. نجح في تهدئتها. قالت: ما دامت الأشجار أنثى ...لكنني لا أغفر أن يخطيء رجل في حقي! 
أغلق الهاتف وتركها أمام مصاريف جديدة و مشروع جديد . عليها الآن أن تخرج للبحث عن ثياب رياضية وحذاء المشي طبعاً من ماركة كبيرة !
 ياالله ...كم هو مكلف أن تكوني عاشقة !
 على الساعة السادسة تماما حضر سيد الحضور العاصف، وانطلقت بهما السيارة نحو غابة بولونيا. برغم البرد ، كان كل شيء يبدو فاتن الجمال . كما لو كانت كل الكائنات تتودد للعشاق . كان وهو يمشي معها على ضفاف البحيرة التي تتزلج عليها بعض البطات ، يُسمّي لها الأشجار واحدة واحدة ، كما لو كان يقوم بتعريفها على إناث سبقنها إلى قلبه. 
=قالت ممازحة : إن كانت هذه الأشجار نساءك لن تكون المنافسة صعبة! 
 =رد بالدعابة نفسها : برغم ذلك لا تطمئني كثيرا لرجل يهرب من البشر إلى الشجر! =قالت: ما أعنيه هو أنني أجد طريفاً أن يكون في ماضيك فتيات من أشجار . 
 =قال: ليس من الرجولة الخوض في حضرة امرأة في موضعين: المال و" الفتوحات الرجالية ". وحدهم الأثرياء المحدثين يتفاخرون بثرائهم ... والمحرومون من صحبة النساء يباهون بعلاقاتهم العاطفية .
 =قالت: لعلك إذاً شبعت نساءاً ؟ 
 =رد ضاحكاً: ربما أكون شبعت أشجاراً ! على الأقل بحكم عملي في صناعة الورق. يكفي أني أقمت في البرازيل حيث رئتا العالم. اكبر الغابات توجد هناك، وأيضاً مصانع الورق و الخشب .
 =- أي أنك تدلل الأشجار هنا ، وتغتالها في مكان ثاني ! 
=- لست من يغتالها. أنا أقدم الورق حتى يقرأ الناس . 
=قالت مازحة: أنت تأتي الى هنا إذاً لتعتذر للغابات .
 =جاء جوابه قاطعاً : لم يحدث أن اعتذرت ! 
=كانت نبرته صارمة . لاحقاً فقط , ستختبر كم كان صادقاً في هذا القول . الآن هي لا تتعمق كثيراً في ما يقوله . سعادتها به توقف تفكيرها بحيث لا تستوعب ما يجري . لم يحدث أن كان أكثر صدقا و تلقائية مما هو اليوم ، ولا كانت أقرب إليه مما هي هنا. 
 إني في مفاوضات لشراء شقة غير بعيدة من هنا. بإمكانك إن شئت في المستقبل ، الإقامة فيها عندما تزورين باريس. 
 =ردت بكل سعادة : إنه حقاً حي جميل ... فكرة جيدة أن تنتقل للإقامة فيه. 
 =قال - الحي الذي أسكنه هو كذلك جميل . هذه ستكون شقة لضيوف الشركة حين يزورون باريس. 
 -= قالت : اتصور أن يكون بيتك فائق الجمال ، ما دمت تفضله على منزل في هذه المنطقة. 
أجاب وقد التقط نبرة حزنها: المنزل يصنع جماله من يقاسموننا الإقامة فيه .
 استنتجت أنه غير سعيد مع المرأة التي تقاسمه إياه، وراحت تصنع من تعاسته المفترضة خبث سعادتها. قالت: كم أتمنى ان اتردد كثيرا على باريس .. لولا المشاغل التي تنتظرني في الشام. 
=- قال : مثل ماذا ؟ 
=- قالت : لي حفلان في الشهر المقبل ، لا بد أن أستعد لهما حال رجوعي الى هناك . 
=- قال : وهل زرت فيينا ؟ 
=- قالت : فيينا ؟ لا. ثم سألته: أتغني ؟ 
-=فقال : لا . أنا استمع فقط . لذا أعتبر نفسي أفضل من كثير من المطربين. أن تكون مستمعاً جيداً أفضل من مطرب سيء ! 
=- فقالت : صدقت.
 =- فقال : تعلمي الغناء من الإصغاء إلى حفيف الكائنات ، كما الآن..أصغي إلى صمتك وأنتِ تمشين بين الاشجار في هذه الغابة .. بالصمت نعرف متى يكون الوقت خاطئاً أو صحيحاً في الموسيقى ...كما في الحياة. 
=-فقالت : كيف تعرف هذا ؟ 
- ضحك. ثم قال : بعضه من الكتب ، وبعضه من التأمل , إن لم تضبطي إيقاعك لا يمكن أن تمضي بعيداً في الحياة ،. الإيقاع يمنعك من أن تلهثي أو تنشّزي ، أو تمضي في كل صوب. 
توقف فجأة عن المشي وقال: لم يحدث أن استمتعت بحديث كما معك في هذه اللحظة ، تدرين... أحتاج إلى ذكائك حتى اشتهيك . لاحظت أنه لم يقل لأحبك . 
ردت على استحياء : لا أظنني ذكية إلى درجة الإشتهاء ، أنا فقط أجاريك في التفكير ليس أكثر . الذكاء تمرين في النهاية ، وأنا قضيت عمري في التمرّن على قمع ذكائي ، حتى لا يزيدني بؤسا و شقاءاً ! 
توقف عن المشي وقال وهو يمرر يده على شعرها : بعد اليوم لن تشقي .. سنلتقي كلما استطعت ، أنا أيضاً أحتاج أن اتكلم معك . 
 تمنت لو قال "أحتاجك". حاولت استدراجه إلى تلك الكلمة. 
قالت: الحب احتياج أحب أن تحتاجني .... 
 صحّحها وهو يضمّها إليه : بل الحب اجتياح! راحت شفتاه تجتاحانها على مرأى من قبيلة من الأشجار. بدا لها أن قبلته طالت حد احمرار أوراق الشجر غيرة و استحياء , وأنه حين توقف عن تقبيلها , كانت الفصول الأربعة باعاصيرها و ربيعها قد عبرتها في بضع دقائق . 
أوصلها إلى الفندق وإحساس واحد يملؤه . كم كان يلزمه من شفاه ، ليلثم في امرأة واحدة كل أنوثة هذا الكون ! 
 أجمل لحظة في الحب هي ما قبل الإعتراف به. مرات كثيرة كادت تتلفظ بها ، لكنها مثله لم تقلها . يقول فيكتور هيغو " بعد الإعتراف الأول، لا تعود كلمة أحبك تعني شيئاً". لذا دافع كبار العشاق ، عن شرف الكلمات " البكر" التي خلقت حتى تقال مرة واحدة. فبالنسبة لهؤلاء كلمة " أحبك " حدث لغوي عظيم كبير . يا للمسؤولية ! لهولها سعدت أنها لم تقلها له ، ولا هو قالها. لكن قلبها سمع ما سكت عنه . داهمها شعور بالإثم, لا تريد أن تأخذ رجلاً من امرأة ثانية ، ولا أن تتقاسمه معها. هي ليست راضية عن كل هذه التصرفات ، تشعر أن شيئاً فيها بدأ يتشوه. 
 برغم ذلك، حين رجعت إلى الشام صاحت نجلاء مبتهجة وهي تراها مجدداً: 
ماذا فعلت لتشعي جمالا كهذا ؟ 
تضحك.. تؤكد تقسم .... والله لا شيء. 
صاحت نجلاء: لا ! أكان هو إذاً ذلك الرجل الذي تكلم معي على الهاتف ؟ كم جميل أن ينتحل عاشق صفة صحفي حتى يقوم بمفاجئة حبيبته ! أنظري الآن كم أنت جميلة. حب هذا الرجل يُجمّلك ! 
=-قلت : لم ألتقِ به في باريس سوى ثلاث مرات ، كيف له أن يجمّلني! 
 =صاحت نجلاء: هناك حب يجعلنا أجمل وآخر يجعلنا نذبل . ثمة رجال يبثون ذبذبات سلبية رغما عن ارادتهم ، يأتونك بكآبتهم وعقدهم وهمومهم وعليك أن تنتشليهم بالحب من وحل ذواتهم . وهؤلاء لا أمل منهم. إن رجلاً انيقا و جميلا ينقل لك عدواه ويجبرك على أن تضاهيه أناقة حتى لا تخسرينه ، وألا تهملي مظهرك حتى لا تُبدين غير أهل له . عليك إذاً أن تكوني في قمة أناقتك بعد هذه الدقيقة وكأنك ستلتقين به أينما حللت، وأن تكون لكِ ثياب تليق بمرافقة رجل من مقامه. 
-= قلت : تدرين... قرأت يوماً قولاً جعلني أحسم أمري في ما يخص موضوع الملابس ." لا تحاول أن تجعل ثيابك أغلى شيء فيك حتى لا تجد نفسك يوماً أرخص مما تلبسيه ". =تذكرت أنها لم تتصل بفارس منذ مدة . وكل ما تريده هو استعادة عود ابوها . قال لها وهو يعيده إليها: صادف أن زارني في الامس صديق عازف، عزف عليه بعض الوقت. في الواقع لديه أمنية، أن يستعيره ذات مرة حتى يعزف عليه في إحدى الحفلات. إنه واحد من خيرة موسيقيينا . بإمكانك أن تكوني على ثقة تامة به .

 إنتهى بها الأمر أن تركت العود لديه . قالت لتبرّر قرارها: يعنيني العود لقيمته العاطفية ، في الواقع أنا ابنة الناي . إنه الأقرب لقلبي . لكن إحساسي بالموسيقى تغيّر، بدأت أميل إلى البيانو و الكمنجة . وجدت في قدوم عمتها من الجزائر لزيارتهم نعمة نزلت من السماء . عساها تشغل والدتها بعض الشيء عن اوهامها . 
 لقد عاشت أمها الفاجعة في سنة 1982 يوم غادرت وهي صبية مع امها وإخوتها حماة، لتقيم لدى أخوالها في حلب، لم يكونوا على مقدرة من العيش في بيت ذبح فيه ابوهم ، وهم مختبئون تحت الأسِرّة . سمعوا صوته وهو يستجدي قتلته ، ثم شهقة موته وصوت ارتطام جسده بالأرض . عندما غادروا مخابئهم بعد حين ، كان وسط بركة دم, رأسه شبه مفصول عن الجسد . كانت لحيته هي شبهته. كان الجيش دخل إلى حماة لينظفها من الإسلاميين , فمحاها من الوجود . كانت حماة التقية الورعة ، تدفن ثلاثين ألف قتيل في بضعة أيام. كانت الذكريات تعود كما الأمواج . إنها الأمواج المدمرة للحياة ، تقذف بها مرة ثانية إلى الشاطيء ذاته ، الذي غادرته قبل ثلاثين عاما ، عندما تزوجت ذلك الجزائري هرباً إلى أبعد مكان من رائحة الموت، لكن الموت عاد بها، هاربة مرة ثانية من حيث جاءت، كان الموت ينتظرها في سيناريو ثاني . هذه المرة ليس الجيش الذي يقتل الأبرياء بشبهة إسلامهم . بل الإرهابيون يقتلون الناس بحجة أنهم أقل إسلاماً مما يجب ! كانت امرأة متعبة , أكسبتها الفجائع حكمة الضحية . لا تتوقف عن التمتمة و هي تسبح . متأملة هشاشة الوجود الإنساني وعبثيّته. وهي ترى قدرها الآن يتكرر مع ابنتها. =ما يعنيها الآن أن أمها تبدو فرحة و هادئة ، تتسامر مع عمتها، وترافقها نهاراً للأسواق، مما يتيح لها السفر دون الشعور باي ذنب . فهي لا تحب أن تترك أمها بمفردها، وعليها أن تلبي عدة دعوات حتى تقدم حفلات في أكثر من بلد . 

 في البدء، كانت نجاحاتها تفرحه جدا . ثم بدأت التفاصيل المنقولة في الصحافة عن ظاهرة هالة الوافي واجتياحها لقلوب الناس أينما ذهبت و اتت ، تزعجه بعض الشيء. لعله بدأ يتنفس أوكسيد كربون الغيرة ، لكنه يرفض أن يعترف لذاته أنه يغار. هاتفها ليطمئن إلى استحواذه عليها . 
=-قال : اشتريت تلك الشقة في باريس و لقد انتهيت منذ فترة من تاتيثها ، بإمكانك الحضور متى اردت إن كنت ما زلتِ تحبين الغابات. 
 =- قالت : أفعلت هذا من أجلي؟ 
=قال مازحاً: لا.... من أجل الأشجار بالطبع ! وكان يعني : من أجل ثمار حان قطافها . =ردت ضاحكة: لن تنجح في جعلي أغار من الأشجار . 
=ليست الأشجار، بل الأصفار التي كانت ضرتها ، وهذا ما يفسد سعادتها العارمة . كيف قبلت عرضه بأن تقيم في منزله ؟ أي قدرة يملك هذا الرجل لجعلها تقبل بكل ما قضت عمرها في رفضه . احتارت في حل مشكلتها : لو حجزت في فندق بسيط فسيعلم بهذا الموضوع . لو حجزت في فندق على قياس جيبه ، فسيفرغ جيبها، وتفسد تكاليف الفندق كل هنائها . ولو أقامت عنده لخالها فتاة سهلة . أمام ترددها في قبول عرضه ، أقنعها بأن المنزل في تصرفها وحدها، وأن ثمة نسخة واحدة من المفاتيح ستكون في حوزتها ، وأنه اشترى المنزل لإسعادها، ويعز عليه ألا تكون أول من يقيم فيه. هذه الجملة بالذات هزمتها . لعله يخطط ليقيم معها علاقة شرعية. 

سافرت بأحاسيس متضاربة متعاكسة لم تعرفها من قبل . في المطار ، أملت على سائق التاكسي عنوان قدرها. تذكرت أمها، تراها عرفت مشاعر مجنونة كهذه، لتغادر حلب وتلحق برجل غريب إلى بلدة جزائرية بعيدة ! 
عند باب البناية الكبيرة الراقية ذات الطراز المعماري القديم ، دقت شفيرة الباب التي أمدها بها . أربعة أرقام وانفتح الباب الزجاجي . جاء البواب , سألها: آنستي ...هل يمكنني ان اساعدك ؟ أجابته مرتبكة كأنه سيتعرف إليها : أريد شقة السيد طلال هاشم . دبت فيه الحماسة وحمل عنها الحقيبة حتى باب البيت . طلب المصعد, وقال: الطابق التاسع على اليمين. كان باب الشقة مفتوحاً . وجدته ينتظرها على العتبة. قبّلها على وجنتيها مرحباً وسحب الحقيبة إلى داخل البيت . لم يعلّق على حقيبتها الثقيلة أكثر من اللازم . سألها كيف كانت رحلتها من بيروت إلى باريس. لم يسألها عن رحلتها الاقسى تلك التي قطعها قلبها من المطار إلى منزله . ها هو إذاً. أخيراً هو. ودوداً سعيداً كما لم تره في اي يوم . لكنه على احتفائه بها نسي أن يضمها ، راح يحدق بها ، بينما راحت تتأمل الشقة ، في أناقة أثاثها القليل والمنتقى بذوق راق عصري. 
  تعالي أريك المنظر. لحقتْ به إلى الشباك . فتح ستارة النافذة. كان المنظر يطل على جادة تعبرها بعض المركبات ، وعلى طرفها الثاني تمتد غابة تتوسطها بحيرة. 
 =- قال : تدرين ..كنت محظوظاً ، قلّ ما تُعرض للبيع شقة كهذه . من هذا العلو أحظى بمنظر رائع للغاية . الذين يقطنون هذه الأحياء الراقية قليلاً ما يعرضون ممتلكاتهم للبيع. إنهم يتوارثونها. شطارتك في أن تغريهم بعرض يفوق القيمة العاطفية لممتلكاتهم . قال لها وهي في الصالون: عندي مواعيد في المكتب.ارتاحي قليلاً من السفر, سأعود في المساء لاصطحبك إلى العشاء. واصل وهو يتجه نحو الباب : بالمناسبة أنا طاهٍ ماهر . ذات مساء سأعد لك عشاءاً في المنزل . أسعدتها الفكرة. لكنها أحزنتها فيما بعد . حين قال لها مساءاً وهما في المطعم " عندما أحب امرأة أطهو لها بذاتي ". فقدت شهيتها وربما صوتها أيضاً . لم تسأله (هل حدث هذا مراراً؟) 

كان يتقن لعبة الغموض ، ، توقف الأمر على أن يكون لعبة في الواقع ، مذ امتلك الحكمة والنزق في التعامل مع الحياة. الإنضباط سِرّ نجاحه. لم يحدث أن جمع بين امرأتين في مدينة واحدة. يحتاج أن تغادر زوجته باريس ليكون مع امراة غيرها . سعادته الآن تكمن في التوفيق بين حياتين متوازيتين، عليهما ألا تلتقيا، ويحتاج إليهما معاً ليعيش . كان دائم البحث عن امرأة تُفقده صوابه. يقوم من أجلها بأعمال كبيرة . يمارس أمامها خدعه السحرية, يضعها في صندوق زجاجي, يشطرها هجرا و وصلا إلى نصفين, ثم يعيد بالقبل جمع ما بعثر منها. إمرأة يخطفها لقضاء نهاية أسبوع فى فيينا , أو يلغي من أجلها كل مواعيده . 
إستيقظ صباح الغد بنية إدهاش الحب . لعله شعوره بالذنب وهو يتخلى عنها البارحة في ذلك المنزل لتقضي الليلة الاولى بمفردها . قرر أن يخرج من قبعته إحدى المقالب السحرية . حسب تعليماته، على الساعة العاشرة بالضبط ، دق جرس البيت. نظرتْ من عين الباب. لمحت البواب برفقة شخص يحمل سلة محملة بالورود . فتحت الباب. شكرته وتسلمت منه باقة الورد . منذ متى لم تصلها منه باقة التوليب تلك ؟ ربما قبل عدة أشهر منذ حفل القاهرة ،. 
وضعت الورود على الطاولة وراحت تبحث عن البطاقة . لم تقع إلا على علبة صغيرة بشرائط رائعة . كانت منهمكة في فك الشرائط، حين انطلقت موسيقى من قلب العلبة. انتفضت. أخرجت جهاز تليفون من العلبة، وضغطت على أول زر صادفها. وضعت سماعة الهاتف على اذنها . جاء صوته: إشتقت إليك... 
ترك لها الوقت لاستيعاب المفاجأة . ثم أضاف : أحتاج أن أسمعك أينما تكونين. (كان عليها أن تفهم انه يريد ان يخبرها : أريد دائماً أن أعرف أين تكونين) وضعت لك في هذا الهاتف خطاً فرنسياً. بإمكانك استعماله أينما كنت في العالم. سألها: هل اشتقت إلي؟ ردت بصوت أفقدته المفاجأة نبرته: كنت ستقتلني عليك اللعنة ...! 
رد ضاحكاً: ليس اليوم..هل أحببت الدانوب الأزرق ؟ إنها المعزوفة التي أحبها أكثر ... أريد كلما يدق الهاتف أن أراقص روحك . ودّعها وعاد سعيداً إلى اعماله . 

 كيف استطاع برمجة كل شيء ليدهشها بهذا الشكل . وكيف لا... أوَليس سيد ضبط الوقت ، و ضبط الإيقاع . جوهرجي الدقائق وواهب الساعات ألماس عقاربها . 
حين حضر في المساء سألته : أيكون هذا هو الهناء ؟ 
أجابها وهو يضمها: إنها مجرد تمرين عليه . =-قالت : وهل ثمة ما هو أكبر؟ 
=-قال : سترين ... 
برغم ذلك لم تنس أن تبدي له رفضها الكبير و الصارم ل السماح له بدفع فواتير هاتفها قالت: يسعدني أن يكون لي أخيراً أينما كنت رقم يربطني بالعالم . سأحتفظ بالجهاز وبالخط ، لكن لن يدفع أحد فواتيري . البعض ينفق ماله في المطاعم ، وآخرون في شراء المركبات ، أما أنا، فقلبي أولى بالإنفاق ، أنفق على عواطفي. نصف دخلي أشتري به كلمات. تدري أنني أحتفظ بكل البطاقات التليفونية التي حدثتك عليها. 
رد: إحتفظي بها إن رغبت في ذلك ، لكنني أحتفظ بحقي في دفع فواتير قلبك ما دام قلبك معي . هذا المساء سنبقى في المنزل . ماذا تودين أن أعد لك ؟ إنتهى الموضوع . هو لن يعود إلى موضوع الفواتير. لكنّ الأمر حقاً يزعجها . إن الهاتف" رجل حياتها" كما تقول نجلاء. ولن تقبل أن ينفق أحد على نصفها الثاني ! 

كانت لوازم إعداد العشاء موجودة في المطبخ حسب قائمة المشتريات التي أحضرها السائق . تأملته وهو يختار القدر الملائم لكل طبخة. يعلم الدقائق الكافية لشيّ شرائح السمك . متى يضع الغطاء على الرزّ وهو يغلي ... علقت مندهشة : ما ظننتك ملماً إلى هذا الحد بأسرار الطبخ! 
 أجاب: انا لست طباخ بل ذواقة ... تمنيتُ لو استطعتُ أن أدعوك إلى أحد مطاعمي لتتذوقي المطبخ الرفيع الراقي . مع الأسف يصعب علينا التواجد هناك سوية , ولكن جميل أن يرتاد الآخرون مطاعمي أثناء انشغالي في إعداد العشاء لمن أحب. لأول مرة سمعت منه هذه الكلمة ، في اعتراف غير مباشر . خبَّأتها بعيداً في قلبها، ستحتاج إلى سماعها في وحدتها لاحقاً . دعاها إلى الصالون في انتظار أن يجهز العشاء . قال وهو يضع مقطوعة ل " كليدرمان": تحلّي بالصبر.. سيكون العشاء شهياً . 
ضمها إليه... يكفيه الليلة أن يعانقها . قال: أشتهي أن أشمك , أحب رائحة أنوثتك , لم يقل أكثر من هذا . لا يحب خدش حياء الكلمات . الحب الكبير يولد في حياء الغموض . هكذا هي دائماً تصورت . هي معه لا لمقاسمته ما يملك ، بل لتكتشف ما كانت تملك ولا تعلم به . 
 لم تستطع النوم تلك الليلة . ظلت تتأمل هذا الرجل النائم بالقرب منها يواصل احتضانها في نومه. عند الفجر فقط ، استطاعت أن تنام على صدره ، كتاباً مغلقاً على سره . كان في ضمته شيء من الحنان الابوي الذي يواسي يتمها السري ... ورجولة مسالمة جردها النوم من سيطرتها . كان له في آن , الحضور الحاني...والبطش العاطفي . يتقدم يوماً بعد آخر في اجتياحٍ مدروسٍ حتى يتملكها . دوماً توقّفَ حيث أرادت له أن يقف . أنّى تمر يداه تورد أنوثتها ، لكنها ترفض أن يقطفها . ما يُعطى بسهولة يُفقد بسهولة. كانت تطيل دفاعها عن ذاتها , وكان هو يواصل اختبارها . قال لها وهو يقبلها مغادراً المنزل صباحاً إلى المكتب: سأحضر في الساعة الثانية لأصطحبك إلى الغداء . .. وبعدها نذهب للتسوق . قال معتذراً وهما على طاولة الغداء : تمنيتُ لو اصطحبتك إلى الكثير من الاماكن هنا ... لكنّي معروف في باريس . سأسعى لنلتقي في مدن ثانية . 
لا تعنيني السياحة ... أتفهم وضعك تماماً . شكراً على ما خصصت لي من وقتك . أجاب : بل على ما أعطيتني , وشكراً على ما لم تعطني . كل ما أتمناه أن تكوني سعيدة وألا تكوني نادمة على اي شيء .
 ردت بخجل : لم يحدث أن ندمت في حياتي على شيء ." الندم هو الخطأ الثاني الذي نقترفه". 
رجعت إلى الشام في نزول اضطراريّ. إرتأت أن تتواجد أكثر في بيروت لتكون أقرب إليه. إحساسها يقول إنه سيتسنى له زيارتها في بيروت ، لأنه سيتعذر عليها إيجاد ذرائع للتردد على باريس . لذا اختارت أن تقيم في شقة في ارقى مناطق بيروت. 
أبراج فاخرة في الرملة البيضاء تطل على البحر . صاحت نجلاء: جُننت ! ستدفعين في الإيجار ما يقارب ثمن شقة في الشام . 
 ربما زارني ...لا أريد أن أبدو أمامه مقيمة في حي بسيط ...أنت لم تري بيت هذا الرجل ولا كيانه. 
 -= يكفي أن أراك لأفهم أنك فقدت عقلك باكمله ... ثم شقة كهذه يلزمها أثاث كثير. عهدتك بخيلة على ذاتك . هل اكتسبت منه عادة الهدر؟. 
- = أنا لا أنفق على ذاتي ، أنفق على كرامتي. 
- = ومن أين لك النقود ؟. 
-= من الحفلات. أمامي عروض عديدة . الصيف على الأبواب.. إنها مواسم المهرجانات. 
 زفت له أخبار حفلاتها المقبلة . سألها بلغة رجل الصفقات: كم ستجنين من كل هذا؟ وعندما سمع الجواب قال : لا تقومي بالغناء في هذه المهرجانات . أنتِ أكبر من هذا الجمهور ومن هذا الحدث.
 -= لكن مطربات معروفات للغاية ستغنّين فيه. 
-= الشهرة ليست دليلاً على عظمة أصحابها ... مثلاً هل ستغني فيه فيروز ؟ فلا تقيسي نفسك إلا بالكبار إن شئت أن تكوني كبيرة. 
شعرت بأنه يريدها نسخة أنثوية عنه , وأنها ستخسره إن هي فشلت أو صغرت . لكنها فكّرت أن هي الغت العقدين يُوجب عليها جزاءاً ليس في متناولها. إضافة إلى عجز في دفع إيجار الشقة . هاتفته وبررت له التزاماتها تجاه متعهد الحفل. إستمع إليها ولم ينبسّ ب بنت شفة . وعندما انتهت المكالمة لم تكن تدري أن صمته سيدوم شهرين . لتنهار فيها كل مناعاتها , تهاتفه لا يرد. تبكي... ويضحك الحب . 
سيظل يخطيء في حقها ثم يمنّ عليها بالعفو , عن ذنب لن تعرف على الاطلاق ما هو, لكنها تطلب أن يسامحها عليه . باختصار هكذا هن النساء إن احببن ! 
كيف وقع تحت فتنة هذه الأنثى ؟ برغم براءتها تلك التي تضايقه بعض الشيء , وعنادها الذي يتعبه . ثمة إغراء في أن تكون المرأة متطلبة و ماكرة . يطمئنه أن تستغله , كيف يطمئن لامرأة لا تكون في حاجة اليه ؟. 
رن هاتفها طويلاً ذلك الصباح . كانت تأخذ حماماً فتأخرت في الجواب . لم يقل صباح الخير, لم يقل مرحبا . قال : هل تمنحيني هذا الفالس ؟ 
فقدت صوتها وهي تسمع صوتاً انتظرته شهرين باكملهما على مدى النهار و الليل ، ردت تحت صاعقة المفاجأه : أي فالس ؟ 
-=قال : أنتظركُ هذا المساء على العشاء في فيينا... عندي لك مفاجأة رائعة . أحضري معك ثياباً للسهرة وذلك الفستان الأسود الذي ارتديته في القاهرة . 
=لا تدري بأي منطق ترد عليه ...أليس هو من قاطعها لمدة شهرين باكملهما ؟! وهي بكافة الأحوال غير جاهزة لان تسافر الان . قالت: أحتاج على الأقل إلى يومين . لدي التزامات كثيرة . 
-= كل ما تحتاجينه هو حجز تذكرة على متن الخطوط النمساوية . وعند وصولك سيكون بانتظارك سائق الفندق بالمطار . ظلت تستمع إليه بدهشة غريبة , وقبل أن تلتقط أنفاسها واصل : لن أرد على الهاتف بعد هذه الدقيقة ..أنتظرك في بهو الفندق. 
نظرت إلى ساعتها. شهقت. ياالله ! الوقت يمر بسرعة البرق . ما تحتاج إليه أولاً هو كذبة قادرة على إقناع امها بمبرر سفرها المفاجيء . 
 بعد عشرين دقيقة من وصولها إلى أرض النمسا , توقفت بها السيارة أمام مبنى في فخامة قصر فخم راقي من الزمن الجميل , ما توقعت أن يكون فندقاً. وما كادت تدلف إلى الداخل حتى رأته جالساً في بهو صالون يتكلم على هاتفه . ظلت واقفة بانتظار أن يُنهي مكالمته ، كان أنيقاً أناقة ساحرة للغاية . 
توجه نحوها مرحباً , لم يعانفها . أخذها بما أوتي من نظر . جاءته جميلة كمكيدة. هذه الأنثى التى كلما رفع سقف التحدي عالياً , قفزت أعلى من كل توقعاته ، لتثبت له أنها أنثى التحديات الشاهقة . 
=قالت بضحكة : هاقد جئتك .. إني اقاربك في الجنون ! 
رفع يدها إلى فمه ، وضع قبلة عليها , وقال : شكراً على مجيئك الى هنا ، هذه لحظة خرافية ! =ليست اللحظة وحدها ، كل شيء كان خرافياً فى فخامته و ابهته . كان قد حجز جناحين متصلين بباب . الجناح شقة من عدة صالونات ، وسرير ملكي واسع جدا , ومغطس حمام دائري . لكنها قررت ألا تنبهر باي شيء موجود . وحدهم الفقراء ينبهرون . ستتصرف كما لو أنها الإمبرطورة (سيسي)! 
 ضمها إليه لمدة طويلة , لثمها, ثم قال : علينا ألا نتأخر.. يجب أن نستعد للعشاء. هل أحضرت فستان السهرة الأسود...ذاك ؟ ذهب إلى جناحه يغير ثيابه . وعندما عاد توقف للحظة يتأملها منخطفاً بسحر جمالها . كانت قد ارتدت الثوب الأسود الطويل ورفعت شعرها إلى الأعلى ... وضع قبلة على عنقها . قال وهو يخاصرها مغادراً الجناح : كم اشتقت إليك .. . 
 حال دخولهما الى القاعة ، راحت فرقة العزف تعزف مقطوعة بهيجة الإيقاع لتحيتهما , بينما سبقهما نادلان حتى يجلسانهما على أجمل طاولة جهزت بأعلى فخامة. هو حتماً تابع تفاصيل هذا العشاء , واختار المقطوعات التى ستعزف و باي وقت و باي مقدار ، وزينة الطاولة , وما سيقدم عليها من أطباق . 
كان كل شيء حولها كحلم جميل . حتماً هي تحلم. من أجلها تُعزف ألحان شوبان وشتراوس، وأمامها الرجل الذي تحبه يحتسي نبيداً فاخراً, ويسألها وهو لا يراها تأكل كثيراً: هل أطلب لك اي شيء ؟. 
ردت بمزاح يخفي حقيقة أمنية : خلتك جئت بي كي تطلب يدي ! توجه صوبها وهو يمد يده باتجاهها : أمنحيني يدك .. أريد أن تمنحيني هذه الرقصة . 
 هو لم يجب عن سؤالها ، بل ترك لها بصيغته تلك أسئلة ثانية . ردت مرتبكة : لكنني لا أجيد الرقص! 
 =قال وهو يخاصرها ويمضي بها نحو القاعة : لا اريد ان اراقص قدميك , اريد ان اراقص قلبك . 
وضع يداً أسفل ظهرها , كما لو كان يطوق فراشة , ثم بيده الثانية أمسك بيدها ورفعها كى يدور بها فى فالس يزداد سرعة كتسارع أحلامها به. 
كانا عاشقين يرقصان فيزدحم بهما الحب نشوة. هى لا تريد امتلاك المكان بل اللحظة, هذا الدوار العشقي تريده دواراً الى نهاية عمرها ابديا خالدا . هذا رجل لا تسع نشوته قاعة , إنه يرقص على حلبة الحياة , بحركات متناغمة أنيقة خفيفة . كان في الجو من السعادة ما أصابها بالخدر .. 
رافقها إلى جناحها، قال وهو يدلّها على باب لم تنتبه بانه موجود : هذا الباب يفتح على جناحي ، عندما تشعرين بالرغبة في ان تبقي وحيدة ، يكفي أن تغلقيه . لن أزورك إلا إذا وجدته مفتوحاً . 
 - =قالت : لن أغلق باباً في وجهك فأنا في ضيافتك . 
- = قال : ولأنك في ضيافتي، سأحرص على ألا تكوني رهينة ... اعتقد انك متعبة بعد يوم من السفر ... ساتركك تخلدين للنوم. 
خلف الباب، كان ينام فارس من الزمن المعاصر، يحب تدليل فريسته ، لأنه في كل ما يفعل يدلل ذاته أولاً ، وفي كل قانون يضعه ، يتضمن اول بند على الدوام ، أن يكون هو السيد الواحد . 
سألها في الصباح ماذا ترغبين في أن تزوري في فيينا . 
=قالت :- ليس لي أية فكرة عن هذه المدينة . لكنني رايت قبل سنوات فيلم " الإمبراطورة سيسي". أتمنى أن أزور المكان الذي كانت تعيش فيه ... وصوروا فيه الفيلم.
 =قال: توقعت أن تبدئي باكتشاف المعالم الموسيقية ، إنها الصفة الاولى و المميزة لفيينا. الموسيقى هنا ليست من الكماليات، بل نمط حياة . في اي حال من الاحوال سأطلب من السائق أن يأخذك إذاً لزيارة قصر شونبرون .. أعذريني لن أستطيع ان ارافقك الى هناك ، عندي مواعيد عمل هذا الصباح . توقعته جاء لفيينا من أجلها. كانت نجلاء على حق ، هو يأتي بها حينما يرغب و حيثما يرغب ، حسب برنامج ومواعيد عمله ، وعليها وحدها أن تضحي بكل اعمالها و اشغالها . لم تقل شيئاً. لعله سيرافقها في اليوم المقبل . ودّعته واتجهت صوب الباب تنتظر السائق. حين لمحت الرجل الجزائري الذي سلم عليها في المطار، يهم بدخول الفندق برفقة رجل ثاني . توجه نحوها مسلّماً بكل ترحيب . قال: سعيد أن أصادفك مرة ثانية .. أنا كمال ساري، التقيتك في المطار.. تذكُرين؟ البارحة جئت على ذكرك مع صديقي، فكرنا في مشروع يمكن أن يكون ضمن اطار اهتماماتك . حسنٌ أننا صادفناك هنا. عرّفها بصديقه عز الدين ...توقعت كل شيء إلا أن تلتقي بجزائريين في ذلك الفندق ! لا تدري كم من المشاعر عبرتها في لحظة واحدة. مزيج من الزهو والحنين والخوف والفضول من انفضاح أمر وجودها في الفندق في ضيافة رجل ...علمت من كمال أنه موجود هناك ضمن وفد جزائري من الخارجية . ما كان يعنيها هو أين يقيمان؟ تنفست الصعداء عندما علمت أنهما حضرا إلى هذا الفندق لموعد خاص ليس أكثر. 
 وقبل أن يودعاها ، أمدها الرجل الثاني ببطاقته. قال: هذه أرقام هواتفي... أعمل في الأمم المتحدة . تجدين هنا كل الطرق التي تؤدي إليّ أينما كنت. لن أطلب منك هاتفك ، أثق أننا سنلتقي ! ردت بجواب ساذج " إن شاء الله" ! لكن وهي تركب السيارة تمتم فؤادها "الله يستر"! عادت بتوقيت الغداء لتجده ينتظرها في مطعم الفندق. حاولت ألا تطيل الغداء حتى لا تلتقي بالجزائريين ذواتهم ، أو بغيرهم من الوفد. سألها وهو يقف لاستقبالها: كيف وجدت قصر شونبرون؟ 
- جميل للغاية ... فخم إلى حدّ يأخذك من ذاتك ... 
 قال مازحاً : في ساعتين بلغت هذه المرتبة من الفلسفة ! أزعجها استخفافه بقدراتها . ردّت: استنتجتُ في ساعتين ما تعلمته في عمر . أنا ابنة الجبال ، وأدري أن الفخامة تُشوهنا لأنها تجعلنا غرباء عن ذواتنا ! 
=قال: رأيتك تتحدثين إلى رجلين هذا الصباح ... من هما؟ 
ردت بكل بساطة : إنهما معجبان... التقيت بأحدهما في المطار يوم مجيئي الى هنا . أعادته كلمة "مطار" إلى الذاكرة البعيدة معها . يوم لم تتعرف عليه . =- أأعطعيتهما رقم تليفونك الخاص ؟. 
=-قالت : لا. 
=- قال : رأيتك تكتبين شيئاً . 
=- كتبتُ كلمة إهداء لزوجة واحد منهما ، لأنها طلبت مني ذلك. سألها ببراءة كاذبة : بالمناسبة، قليلاً ما تستعملين التليفون الذي أهديتك إياه... فواتيره شبه ثابتة . 
=أجابت: أستعمله عندما أكون فقط في فرنسا . في الخارج أستعمل هواتف محلية ، أو بطاقات هاتفية لأن التسعيرة تصبح مضاعفة على هذا الخط خارج فرنسا. 
 =ردّ: قلت لك لا تشغلي ذاتك بهذه التفاصيل. 
 =- قالت : لا أحب هذا الهدر..أيّا كان من يدفع. تدري كان يجب أن أكون اليوم في بيروت حتى اقوم بتسجيل شريطي الجديد. 
 =-قال: لن أقبل بأن تقدمي حفلاً قبل عام على الاقل من الآن . ولا أكثر من حفل في السنة. سأعوض كل خساراتك المالية . أريد أن تتفرغي لدراسة الموسيقى في معهد محترم بدل تضييع وقتك في إقامة حفلات لا تضيف إلى رصيدك الفني اي شيء . ما يُحيّرها، أنه لم يمتدح صوتها في اي يوم من الايام ، ولا أبدى إعجابه بفنها. أتراه يُحجّم النجمة ليتمكّن من الأنثى كما تقول نجلاء ؟
 كما تمنت عليه ، قرر في الغد العشاء في الجناح . كانت ليلة حالمة صيفية . أمر أن تُمد الطاولة في الشرفة المطلة على منظر ساحر للغاية . إستعادت عافيتها وهي ترى ذلك المنظر المفتوح على شساعة السماء . 
 سألها : متى حجزت لرجوعك إلى الشام؟ 
=أجابت: بعد أربعة أيام.
 علق على كثرة اعماله : تباً لهذه الإجتماعات. لقد مر الوقت بسرعة البرق . سأسعى إلى أن نقضي وقتاً أطول سوية . 
=قالت: لا أفهم أن تكون مشغولاً على الدوام . 
-= قال : عليّ أن أتعب لينعم الآخرون برخاء أكبر من بعدي . 
=قالت : - أنت من أخترت أن تكون لك مع الحياة هذه العلاقة العاصفة. -قال : أحب أن أنفق ثروتي في إغراء الحياة ... ما دام مالي سينتهي لدى رجال سيبرعون في إغراء نسائي ! 
- قالت : نساؤك ؟
 -= أعني زوجتي وابنتيّ ! زوجتي ما زالت ساحرة الجمال . وستعاود الزواج من بعدي... وكذلك ابنتاي ... سيتدافع الرجال حتى يفوزوا بأوراق اليانصيب الرابحة! 
قالت : ولماذا أنت واثق إلى هذا الحد مما سيجري من بعدك ؟ 
=-قال : لأنني لا أثق في النساء ، لا والدتي انتظرت والدي ... ولا تلك الفتاة التي أحببتها انتظرتني يوم سافرت إلى البرازيل . 
=- قالت : ما أدراك باحوالهن ! ثم ... لو أن تلك الفتاة انتظرتك ، لبقيتَ في بيروت ولما حققت كل هذا النجاح الباهر . إن الحياة لا تعطيك شيئاً إن لم تأخذ منك مقابله شيئاً ثانيا . =- تعنين ما أعطتني من ارباح مادية ؟ وما نفع مال يفقدك ما هو أثمن منه ؟ الثراء ذاته عندما يزيد عن حده يصبح خطراً على صاحبه.
 =- قالت : تدري..كثيراً ما أتمنى أن تُفلّس كي يتركك الجميع و تبقى وحدك ...فلا يبقى لك سواي. 
=- قال : وهل لي احد غيرك ؟
 كان قد بدأ بشرب اخر كاس من الزجاجة دون أن يشعر وقد بدا عليه التلعثم !! قالت: أراك تملك كل أسباب الفرح . ولا أرى سبباً لتذمرك . قال الرجل الثمل: السعادة ليست في ما تملك...لكن الشقاء في ما لا تملك . غالباً ليس بإمكان ما تملكه أن يصنع فرحك و سعادتك ، بينما أنّ ما تفتقده هو الذي يصنع تعاستك . أجابت: إنها النفس البشرية لا تعرف القناعة .. صدقاً لا أرى ما الذي ينقصك الان لتكون سعيداً... 
أجابها بما ادهشها : ينقصني كل ما لا يُشتري ...وتملكين: الشجاعة. 
=- قالت : الشجاعة ؟! 
=- قال : طبعاً. نحن كلما نزداد ثراءاً نزداد خوفا ، خوفاً على مكاسبنا ... أحسدك على خساراتك لأنها ما عادت في يدي ... أضاف كما لو أنه تذكر شيئاً : وأيضاً على راحتك ...أنت تثقين في الجميع...أنا لا أثق باي انسان . تدرين شقاء إنسان قدره ألا يصدق أحداً ، لأن لا أحد يحبه لذاته . 
=- ليتني أستطيع أن أعطيك ما ترغب به ! 
=- قال : ما أريده هو صبيّ... ولد يحمل إسمي ، يرث ثروتي ، يحرس شرفي...لكنها أمنية لا يمكن لها ان تتحقق . زوجتي لا تستطيع أن ترزق بطفل ثالث. وهذه قسمتي في الحياة . لن أطلّقها ، ولن ألجأ لاي حجج دينية لأتزوج عليها . إنّها أم بناتي وأنا أحبها . سألته بنبرة محطمة : وأنا ؟ 
=- أنتِ أمّ إبني الذي لن يجيء ابدا. 
 =قالت : تصبح على خير. 
سبقته...وتركت الباب خلفها مفتوحاً. دوماً تركته موارباً. لو اقفلته لعاتبها قلبها، ولو تركته مفتوحاً لعاتبها ضميرها. الآن هو يحاول اجتياحها على فراش . يريد أن يشعلها هذه الصبية ذات الأحلام البريئة. يود الإستحواذ على مباهجها باكملها . زاد تمنعها من اشتهائه لها. إن لم يقطفها هذا المساء فسيجني سواه ثمارها, ربما أشعل فتيلها رجل سيأتي من خلفه . لكن، مَنْ سواه يعرف نفخ النار في جمر الفتيات ، من دون أن يبطيء فتنطفيء الشعلة، أو يُسرع فيضرم ناراً تجهز على كل شيء؟ 
هي تريده لكن ليس حد فقدان عقلها . لقد قال في تلك السهرة ما يكفي لتعي أنه لن يكون يوماً لها. فبأي حق يحوم في البساتين المحرمة. همست وهو يحاول أن يخلع عن الوردة أوراقها: لا اقدر . كان يكفي كلمة واحدة لتطفيء توهج اندفاعه, وتسكب الماء على نيرانه. 
 ظلت طويلاً مستيقظة من بعده، تستمع إلى أنفاسه بالقرب منها . نامت وهي تفكر فى غطاء الزجاجة الذي غافلته وأخذته من على الطاولة , و وضعته فى حقيبة يدها ، ذكرى لزجاجة نبيذ كانت اثمن من كل توقعاتها. ها قد أصبح لديها مؤونة كاملة من الذكريات. أشياء صغيرة تتمسك بها , ستواصل الإستماع إلى ثرثرتها يوم يصمت الحب . 
أمام فطور الصباح، حاولت أن تكون سعيدة , قالت : البارحة كنت تحتاجني حاجة المذنِب إلى القس , وحين انتيهت من اعترافاتك ذهبت الى نوم عميق . لقد أسعدني أن أكون قسك .. 
رفع يدها يقبلها قال : وحبيبتي.
 واصلت بروح الدعابة ذاتها : وأمّ ابنك الذي لن يجيء! 
توقف لحظة عن شرب قهوته ، وبقي صامتاً طوال الفطور، يستمع إليها تحكي عن مشاريعها للذهاب إلى التسوق ، وزيارة بعض المعالم الفنية. ككل صباح، كلف السائق بمرافقتها. قال وهو يضع قبلة على وجهها : أعذريني، لي مواعيد هامة هذا الصباح... ربما رافقتك يوم غد . 
إعتاد في كل علاقة مع امرأة أن يُبقي مسافة للشيء المجهول و للغموض . سطوته تكمن في سره. فكيف أفلت لسانه , فعرى لها وجدانه , كاشفاً لها عن كدمات قلبه ؟

 عادت ظهراً محملة بالمشتريات. أقتنت تحفاً تذكارية ، كي تزين بها شقتها الجديدة في بيروت ، لكن أجمل مقتنياتها كانت لعبة شطرنج فخمة . كانت لعبة تجسد ولع فيينا بالموسيقى، في لونين من كريستال شواروفسكي الابيض و الاسود . هي حتماً أغلى هدية اشترتها في كل حياتها ، لرجل لا تلمس يده إلا الأشياء الثمينة. إستفادت من رجوعها قبل رجوعه ، فأخفت في حقيبتها ما اشترته من مقتنيات تذكارية، تماثيل نصفية صغيرة لأشهر موسيقيّي فيينا ، أرادت أن يراها للمرة الاولى حين يزور شقتها في بيروت. 

أخذت بطاقة من بطاقات الفندق المتواجدة على المكتب، وكتبت له: " تحتاج لعبة الشطرنج إلى لاعبين اثنين ..أجمل الجولات تلك التي تدوم كل العمر ". فكرت أن تخفي الهدية مع البطاقة في خزانة ملابسه . عادت إلى جناحها لترتاح قليلاً قبل موعد العشاء. ثم انتابها الرعب ذاته ، ماذا لو صادفت الجزائريين وهي تغادر الفندق و هي برفقته . ستفتح عليها جبهتين: هو سيستشيط غيرة.. وهما سيعمّمان خبر وجودها بصحبة رجل ! إرتأت أن تهاتف الرجل الذي تكلمت إلى زوجته، كما لتسلم عليه، ثم تستدرجه حتى تعرف منه مشاريعهما هذا المساء، كي تحدد مكان تواجده. كانت سعادته كبيرة بسماعها. تبادلا احاديث و اخبار عن الجزائر، ثم عرض عليها أن تنضم إليهم للعشاء. تاسفت منه , ودّعته مطمئنة. تنفست الصعداء, إنهم الليلة في ضيافة السفير. 
كان يهم لدخول جناحها حين تناهى إلى سمعه حديثها على التليفون بلهجة جزائرية، لم يفهم منها إلا اخر جملة قالتها . إنها تحادث غيره وهي في ضيافته وفي جناحه، وربما كانت تستخدم سائقه لتلتقي بهما متعللة أنها تذهب للتسوق. لكن لا بأس، سيواصل التغابي. دخل إلى جناحها. كان يبدو فرحا لسبب لم تعرفه إلا حين أخبرها أنه وقّع عقداً كبيراً، وأنه سيتفرغ لها لما تبقى من ايام لهما . سألها: ماذا فعلت اليوم؟ 
=ردت: ذهبت إلى السوق ليس أكثر. 
 وحين لم يرَ أثراً لما اشترت ، تأكد لديه أنها ذهبت حتى ترى ذلك الرجل. قال: لكنك لم تشتر اي شيء من السوق . 
أجابت على استحياء: لست مهووسة بالتسوق.. ما يسعدني في الحقيقة هو شراء هدايا تذكار للناس . إستنتج من كلامها أن ليس في حوزتها ما يكفي من المال. سيقطع عليها حبل الكذب ، سيرى أن كانت ستعود ايضا في الغد من دون أن تشتري شيئاً. قصد الخزينة الموجودة في جناحه ، أخرج حزمة من الأوراق النقدية و رجع بها . قال وهو يمدها بها: أشترِ غداً هدايا لامك ...وما يحلو لك من أشياء. 
كانت منهمكة في خلع حذائها. رفعت رأسها فرأته يمسك بحزمة من المال . قالت وهي تشير بحركة من رأسها: لا أحتاج إلى اي نقود ! بدا له أنها قالت" لا أحتاج إلى مالك". لكأن السماء أطبقت على الأرض . ألقى على طول ذراعه بحزمة الأوراق النقدية ، وتغيرت ملامحه لتصبح غريبة و موحشة في عنفها . راح يصيح : من تكونين أنت لتهينيني؟! =ردت و هي خائفة و تحت هول المفاجأة : ما فعلت شيئاً يهينك. أنا فقط ... قاطعها: أنت تهينين مالي قصد إهانتي ... من تكونين حتى تتجراي على ذلك؟ ! 

رجل لا يدري أن الكلمات كالرصاصة لا تستردّ ، راح يطلق عليها وابل رصاصه كيفما اتفق , كانت الكلمات تتدفق من فمه كما الدموع تتدفق من عينيها .....لذلك قررت أن تبقى واقفة ... تتأمل تدفق براكينه ، دون أن ترد عليه أو تنزل من عينيها دمعة ، فهي لم تفهم ما الذي يحدث أصلاً. 
 لعل ما زاد من تذمره ، صمتها وعدم تضرعها طلباً للمغفرة . كانت فقط تنظر مذهولة إلى هذا الرجل الذى شوه المال كل ملامحه . ماذا لو كان هذا هو وجهه الحقيقي! الرجل الذي أحبته تركته في غابة بولونيا. شلال من الدموع انهمر داخلها . لكنها لم تنبس بكلمة و لم تذرف اي دمعة . دون أن تستوعب ما يجري لها, راحت تجمع أشياءها من الخزانة. ألقت إلى حقيبتها بكل ما عثرت عليه. صارت في عجلة لمغادرة المكان. حتى آخر دقيقة ، توقعت أنها تحلم. لعله يمنعها من ان تترك المكان . كان يكفي كلمة لإنقاذ الحب . لكنّ الرجل الذي قضى أشهراً عديدة في انتقاء كلمات ترافق سلال ورده ... ما عاد في قلبه اي كلمة مواساة . كل الكلمات تأتي الآن من جيبه لا من قلبه . 
 كان قد انسحب إلى جناحه تاركاً الباب بينهما مفتوحاً. لم تودعه باي كلمة . جرّت حقيبتها وأغلقت من ورائها باب الجناح . حاولت ألا تنهار وهي تخلو بذاتها في المصعد. طلبت سيارة تاكسي . حاولت التماسك كي لا تنفضح بدموعها . لم يكن بحوزتها ما يكفى للإقامه في فندق ضخم . تركت للسائق مهمة اختيار الفندق بعد أن شرحت له أنها تريده بسعر متوسط الحال و معقول . 
بكت كثيراً في حجرتها تلك. كانت تحتاج إلى هذا المكان الصغير حتى تستعيد حقها في البكاء. برغم ذلك كانت ممتلئة كبرياءاً . الكرامة كالشرف مرة لا مرتين . وهي لم تعطه هذا ولا ذاك . لقد غادرته بكرامتها و بشرفها ، يكفي أن عليه الآن أن ينحني ليجمع كل الأوراق النقدية التي افترشت الأرض كسجاد... 
لم تندم على إنفاقها ما تجاوز سقف بطاقتها المصرفية في شراء هدية له ، ندمت على التحف التي اشترتها لمنزل تدري أنه الآن لن يزوره . 
كانت تخرج لتشتري بعض الاطعمة ، وتعود لتتناولها في الحجرة . خشية أن تأخذ شيئاً من البراد ، أو تطلب شيئاً من الفندق ، فتتفاجأ عند العودة ، بفاتورة تفوق المبلغ النقدي الذي في حوزتها . 
ما كان يحس بأنه أخطأ في حقها. كيف تسنى لها أن تخاطبه هكذا. في إهانتها لماله إهانة متعمدة له . حتى الذين ينصبون عليه يغفر لهم . لكنه لا يغفر لمن يباهي باستغنائه عنه . صباحاً، قبل ان تغادر الفندق ، طلبت فاتورة إقامتها، وسيارة أجرة. 
رد الموظف : إقامتك مدفوعة يا سيدتي . 
 سألته و هي مصدومة : مدفوعة ممن؟ 
راح يدقق في أوراقه ثم أجاب : عذراً... لا اعلم . يبدو أن ثمة من اتصل بالفندق ودفع ثمن اقامتك هنا . 
حتماً هو. من سواه يدري بانها موجودة في الفندق ؟ لعله اتصل بشركة التاكسي ذاتها التي تعمل مع الفندق ليستفسر أين أوصلها. تراه قد ضحك جدا من عنوان إقامتها. يريد إعطاءها علماً بأنه يعرف كم تساوي بالضبط عندما يتخلى عنها، وأن ثلاث ليال من عمرها تساوي أقل من زجاج نبيذه . لكن زجاجة نبيذه تلك جعلته أصغر من أن يقف مقابلها كبيراً. =كانت على عجل أن تغادر فيينا . وصلت إلى المطار قبل ان تقلع الطائرة بثلاث ساعات، كي تستفيد من خدمات صالون الدرجة الأولى ، وتنجو من ذلك الفندق ومن " ليالي البؤس في فيينا". كانت تشرب قهوتها في زاوية مطلة على مدرج الطائرات, عندما شهق فؤادها . لم تُصدق عينيها، وهي تراه يدخل من أقصى القاعة. إستفادت من كونه لم يلمحها . فانسحبت عجلى إلى الحمام تجدد من شكلها و هيئتها . ما الذي جاء به؟ حتما هو يعلم أنها ستأخذ هذه الرحلة، فهي الرحلة الوحيدة إلى بيروت. عادت لتجلس ، مطمئنة إلى هيأتها ، دون أن تلقي نظرة من حولها . راحت تتظاهر بتصفح إحدى المجلات كما لو أنها لا تدري بانه موجود في ذات المكان ، حين تقدم منها النادل حاملاً صحناً عليه ورقة مقلوبة . أخذتها منه مندهشة. فتحتها . قرأت " شكراً على لعبة الشطرنج" . ثنت الورقة ، وراحت تبحث عنه بعينيها كأنها فوجئت بوجوده ، وحين شاهدته على بعد ثلاث طاولات منها، لم تتحرك من مكانها، ولا بدا منها أي ردّ فعل. 
حتماً فوجيء بتجاهلها له. قصدها، قال وهو يقف على مقربة منها : أتأذنين لي بأخذ فنجان قهوة معك؟ همست وقد وضعت المجلة الى جانبها : إن شئت. 
 قاومت رغبتها فى البكاء. توقعت أن يكون جاء حتى يعتذر عن كل ما ألحق بها من أذى. لكنه قال كأنه يواصل حديثاً سابقاً : بالمناسبة ، لا تحتاج لعبة الشطرنج على الدوام إلى لاعبين... يمكن للاعبٍ ذكي أن يلعب ضد نفسه بتغيير مكانه. 
=ردت بمكر: يحدث هذا مع لاعب أكبر غروراً من أن يتقبل الخسارة أمام شخص آخر غير ذاته ! 
=- جميل ... ما توقعتك تفهمين في هذه اللعبة !
 =- أيّاً كانت اللعبة ، فالجولة انتهت في هذه المدينة. 
=رد بسخرية : أليس طريفاً أن جولة كانت قد بدات فى مطار شارل ديغول تنتهي في مطار فيينا؟!. 
==أجابته وهي تخفي عنه وجعها الكبير : الأطرف أنّ في الجولة الأولى لم أتعرف إليك...أمّا في الجولة الأخيرة فأنت الذي لن تتعرّف إليّ...تلك الغبية التي أحبّتك ما عادت أنا! رد بنبرة واثقة: سابقى أتعرف إليك ما دام الأسود لونك ... اقصد لوننا. 
-= انت رجل من ارقام و انا امراة من انغام ... وليس بإمكان لون أن يجمعنا. 
لم يصدق كلامها. هو يعرف النساء, ويعرف الحب اكثر منها, ويدري أنها ستُهزم وتعود إليه في احد الايام , لتقول عكس ما تقوله في هذه اللحظة !! لذا لن يناقشها، سيتظاهر بأنه يوافقها، وأنهما لا بد أن يفترقا . 
جاءت المضيفة تطلب من المسافرين إلى بيروت الإلتحاق بالطائرة. ظنت وهي تراه يقف أنه يسافر على الرحلة ذاتها ، وأنهما سيواصلان الحديث في الطائرة، لكنه قال مودّعاً: أتمنى لك سفراً هنيئا . إلى اللقاء. راح قلبها يزداد اضطرابا ، لم يترك لها وقتاً لتسدد له سوى جملة ، من قهرها قالت عكس ما تمنى فؤادها أن يقول: لا أظننا سنلتقي بعد اليوم ، إلا إذا استطعت أن تشتري لك مصادفة ثانية في مطار! 
=رد بما كان يدري أنه الضربة القاضية : سيكون ذلك صعباً، لأننا لن نسلك البوابة ذاتها بعد اليوم..سأتسلم طائرتي الخاصة نهاية هذا الشهر! 
 تباً له رجل يقتني الطائرات ، ما حاجته حتى يشتري المصادفات . لا تعرف معنى أن يكون أحد ثرياً إلى هذا الحد ! لم تعلق على ما أراد تذكيرها به : تلك المسافات المصرفية التي تباعد بينها و بينه ، والتي ألغتها وهي تترك ماله أرضاً وتمضي، فحوّلتها بإهانتها إلى مجرّد أصفار . إنصرفت دون أن تلقي النظرة الاخيرة عليه ، بنفس العنفوان الذي غادرت به جناحه. 
كانت تهم بمغادرة القاعة عندما وجدت ذاتها عند الباب ، أمام ذلك الجزائري الذي التقت به برفقة الرجل الرجل الثاني في الفندق . غمرته سعادة كبيرة وهو يراها، أما هي فسعدت لأنه منحها فرصة البقاء، في حيّز رجل وحده يهمها . قال بالفرنسية: أما قلت لكِ لا تعطيني رقم تليفونك ...أثق أننا سنلتقي ! إلى أين أنتِ مسافرة ؟ 
=-قالت إلى بيروت...وأنت؟ 
=- قال إلى بغداد.
 =- قالت وهل ثمة من يسافر الآن إلى بغداد والبلاد تغرق في الحرب! 
 =- قال نحن نذهب حيث تكون الحروب..لا نختار طريقنا ..الحرب هي التي تختارنا! =- قالت وماذا أنت فاعل هناك؟
 =- قال علينا أن نؤمّن حياة النازحين نحو الدول المجاورة... 
كان عليها أن تلحق بالطائرة. وجدت ذاتها على الطريقة الجزائرية تقبله على خديه و هي تودعه ، فقد شعرت أن ثمة احتمالاً ألا تراه مرة ثانية . 
أخرجت ورقة كتبت له عليها رقم تليفونها ، وقالت مازحة وهي تمده بها: القدر منحك حق امتلاك رقمي .... 
أجاب: سأجعل منها ورقة رابحة من اليانصيب .
 ردت بلهجة جزائرية وهي تسرع حتى تلتحق بالطائرة: عندك على روحك... 
ركبت الطائرة وهي مدمَّرة. لفرط وجعها ، لم يشغل ذلك الجزائري أي حيز في تفكيرها. لكنها فكرت أن الآخر وجد دليلاً ملموساً الآن على علاقة تجمعها بهذا الرجل. وهو الآن يعزّي ذاته بأنها ما كانت أصلاً تستحق حبه. بل ربما اختلق مبرراً ليجالس ذلك الرجل في انتظار طائرته ، عساه يتعرف من يكون هو . 

 قضت أياماً مصدومة مما حل بها. تحيا بين الناس ، من دون أن يتنبّه أحد أنها، في الحقيقة، نزيلة العناية الفائقة، وأن نسخة مزورة منها هي التي تحيا بينهم . نسخة يسهل اكتشافها ، فلا شيء مما يسعد الناس يسعدها ، وما من خبر مما يجري في العالم يهمها ، وكل حديث أياً كان موضعه يبكيها . لأن كل الامور حتماً ستفضي إلى ذلك الرجل الذي دمرها ومضى . 
هي الآن حرة، لكن كلما تحررت منه ، حزنت و سعدت في آن واحد . وكلما شفيت من عبوديتها ، عانت من وعكة حريتها . لقد غدت يتيمة الان مرتين . ليس الحب وحده ما خسرته ، بل تلك القوة الأبوية التي تحميها و التي كانت تطوّقها بالأسئلة ، وتحاصرها بالغيرة . 
مأساة الحب الكبير ليست في موته صغيراً بل في كونه بعد رحيله يجعلنا صغاراً. هو ليس حزيناً من أجلها ، بل لأنه جعلها كبيرة، وتركته صغيراً . مذ رآها تحادث بشغف كبير ذلك الرجل، الذي سبق أن راته في الفندق، وذهبت حدّ تقبيله على خدّه... أكثر من وسواس الغيرة ، سكنه شعور لم يحدث أن خبره في حياته : الاحساس بالإهانة. 

لم تفهم كيف أن رجلاً أهدى لها كرم اللحظات الثمينة ... وبخل عليها بالكرامة. وهبها في لحظات زمناً ابديا ...ثم كسر ببضع كلمات ما اعتقدته خالدا . ما عاد لها رغبة في البحث عن تفسير لصمته . لا أحد يبحث عن مبرر لهدوء الموتى ...كلما فكرت فى موت الآخرين صغر موته , وكلما ضجت الاخبار بأنين الأبرياء احتقرت غطرسة صمته. لقد مرّت أشهر وهى تكابر , تنتظر أن يهزمه الشوق و يحادثها . في انتظار دقة تليفونه نسيت أن تعيش. ثم, بدأت تراه يموت في الحقيقة , وكذلك رقم هاتفه . الأرقام تموت بموت الشعور بأصحابها . 
إذاً، ستشرع بإعلان الحرب على كل ما يتشبث به فؤادها من أصفاد ، بدءاً بجهاز الهاتف الذي أهداه إليها . لا تريد هاتفاً غاليا لا يدق ، بل هاتفاً بسيطاً يخفق . عليها أن تتخلص من كل شيء ساحر , وكانت ذكراه الأغلى على قلبها . 
 عاد الشتاء من دونه، وقبله مر فصلان لم تشعر بمرورهما . بلغت معه ذلك الحزن الأكبر الذي ليس بعده فقدان او خسارة . 

لأشهرٍ، فقدت مباهجها وحماستها لإنجاز ألبومها الجديد ، بحجة بالظروف السياسية. الحقيقة، لا شيء سواه كان يهمها الان . كانت تكرهه بقدر ما تحبه, وتتمرد عليه وتتمناه , وتحنّ إليه سراً, وعلناً تتحداه , ثم تنهار تبكي , أمام سؤال لا تملك له جواباً: كيف جرى كل هذا ؟؟ 
في تلك السهرة التي خرج فيها الجن من عنق الزجاجة, قال لها : إحزني قليلاً كي نتساوى في السن . ها قد غدت في غيابه أكبر منه عمرا . لقد جعلها في أشهر تبلغ سن الفاجعة ... بينما تتوقع أن يكون رجع إلى شبابه مع غيرها . 
ثمة نساء يلامسن لواعج الروح ، يعبرن حياتك كجملة جميلة موسيقية ، يظل القلب يدندنها لاعوام بعد فراقهن . وأخريات بدون قفلة ، لا تعلم وهن يغادرن ، إن كان من تتمة لتلك السوناتا . هذا ما أدركه بوقت متاخر ، وهو يحاول أن يقنع ذاته بأن أجمل قصص الحب هي تلك المعلقة ، وأجمل المتع تلك الناقصة ، وأن الحياة اختارت له معها أجمل النهايات . أتكون حكايتهما قد انتهت هنا؟ 
الحب وهم ، لا يصمد أمام الأضواء الساطعة . لقد عرفت هذه الفتاة سرّه الأبعد عمقاً . أيقظت فيه قسوة لا عهد له بها . لعلها أمراض الرجولة. لا يعفو الرجل لامرأة شاهدته في لحظة ضعفه. في الواقع، هو خاسر سيء, يحجم عن دخول معركة لا يضمن الفوز بها . هو لم يشعر معها بالأمان يوماً ، لأنه لم يمتلكها حقاً، شيء منها ظل يفلت من قبضته ، لذا يفضل أن يخسرها بملء إرادته ، قبل أن تكون من يخبره بخسارته. لقد تركها أرضاً محروقة ، من يأخذها منه فسيأخذها فتاة بلا قلب. إنها، بعده, بلاد خراب ، لا أحد يجازف بحكمها، وأيّاً كان من سياتي بعده ، ستعيش مسكونة بالحنين إلى جلّادها ، فقد كان هو دون منازع عصرها الذهبي ،. 

ذات صباح ، دق الهاتف. قال الرجل على الطرف الثاني من السماعة : أنا عز الدين...هل تذكّرتني ؟ كان يتكلم معها من رقم سوري. 
=-قالت طبعاً أذكرك... لكن ما توقعت انك موجود بسوريا. طمني عنك. 
 -=قال إنني هنا في مهمة... قلت أسلّم عليك، عساك بصحة جيدة . قالت: بخير...شكراً. واصلت مازحة: بخير ما دمت لا أتابع الاخبار . 
-=قال أنت محظوظة...أنا لا أتابع الأخبار... بل الحقها ! 
=- قالت وأين ألقت بك الحروب؟ 
-= قال ما زلت بين العراق و جنيف . تعبت..إنها حرب بسبعة أرواح . 
- =قالت : أغبطك... لا تتذمر... في العمل الإنساني ، لا تكافأ بالجحود على الأقل ، لأنك لا تعمل لإنسان بل للإنسانية . 
 - = قال صدقت والله... مآسي الناس وبؤسهم تنسيك قدرتهم على القسوة و الاذى ، على كل حال أتمنى أن القاك ، لديّ الكثير مما أقوله لك، ثمة مشروع كنت أود أن اكلمك عنه منذ فيينا. هل هناك مجال لنتلاقى ؟ 
 =-قالت إلى متى أنت هنا؟ 
=قال - لأربعة أيام...على الأكثر. 
=- قالت نلتقي غداً إذاً. 
 كان في هاتفه إشارة من القدر . لعل الله تقبل صلواتها . لا تدري ما هو المشروع لكنها ترغب به بشدة . ذهبت إليه في الغد دون زينة ، عدا كحل رسمت به عيونها . 
 =قال بالفرنسية ممازحاً : أما قلت لك إننا سنرى بعضنا البعض ؟ 
=- قالت : لن تقنعني أن المصادفة رتبت لنا موعداً جديدا ! 
 =-قال : أنت تسيئين الظن بالقدر. 
=- قالت : لنقل إنني لا أصدق المصادفات المخطط لها بعناية و بدقة كبيرة . 
 =- قال : لا تدقّقي في هدايا الحياة . .. حضرت لأتابع امور اللاجئين العراقيين . ما كان يمكن أن أكون هنا لولا أن سورية تستقبل مليون ونصف المليون لاجيء عراقي . المصادفة هي انك موجودة هنا .. أي ريح طيبة أتت بك إلى هنا ؟ 
=قالت:- هي تلك الريح ذاتها التي أتت بك... حتى نرى بعضنا البعض . 
=-قال : أما وقد جئتُ...فأود أن اعلم لماذا تركت الجزائر. علمت أنك عشت مشكلة كبيرة . يعنيني أن أعرف منك الحكاية باكملها . راحت تروي له قصتها منذ البداية. قصتها، من دون تلك القصة... 
 =قال معلقاً بحزن : كنا نريد وطناً نموت من أجله ، وصار لنا وطن نموت على يده . لا خيار لك إلا النجاح ، إن المآسي الكبيرة هي التي تجعلنا كباراً. أرى في المشروع الذي أعرضه عليك فرصة لبداية شهرة عالمية المستوى . نعد لحفل كبير يقيمه نجوم عالميون ، وأريد أن تكوني مشاركة فيه ، سيعود ريعه لدعم اللاجئين العراقيين ، فنحن على أبواب الشتاء وعشرات الآلاف يقيمون في المخيمات . سيكون الحفل في ميونيخ وينقل على الهواء مباشرة من خلال عدة فضائيات أجنبية . 

 كان أجمل خبر سمعته منذ اعوام طويلة . إنه خبر نجاتها. ردت بشهقة السعادة : ياالله . .. شكراً لأنك فكرت بي . أنت باب فرحي و سعادتي . 
رد: بل بوابة حظك ... الأبواب الصغيرة لا تليق بك . "ياله من رجل!". لكن قلبها عاود التفكير في الرجل الثاني . ما يعنيها قبل كل شيء، هو أن يراها تغني في حفل عالمي. هي لن تشفى ما دامت لم تنتقم منه بنجاحها . 
سألته مندهشة : لماذا ميونيخ ؟ 
أجاب : لأن جالية عراقية كبيرة تحيا في ألمانيا... كان الله في عون العراقيين ، كم دفعوا ثمن وجودهم ، لمصادفة جغرافية ، على أغنى أرض عربية ، لحظة حدوث أكبر عملية سطو تاريخية قام بها بلد لنهب بلد ثاني .
 كان مهموماً بالعراق، بإمكانه أن يحكي لساعات طويلة عن بلد المليون نخلة الذي غدا بلد المليون قتيل ، لكنها كانت أكثر فرحا من أن تصغي لما يقوله، إنها فرصتها لتعود إلى الأضواء من علو عالي للغاية . تريد أن يراها ذلك الرجل وهي واقفة على تلك القمة مع الكبار . أن تطل عليه من جبلها , لا من المطار الذي تركها فيه. 
=سألته بشغف و حماس : متى يكون الحفل ؟ 
-=قال : في 5 ديسمبر . أمامك شهر لتقومي بالتحضير . إختاري أغاني جميلة لأنك تتوجهين لجمهور لا يعرفك . 
 =قالت : - لا أخفيكَ أن حفلاً كهذا يرعبني . 
 -= قال : لا تهتمي... قد تصعدين على المسرح نكرة لا يعرفك اي احد ، لكن حين تنزلين منه لن ينسى أحد اسمك . أريدك يومها افضل مشاركة . تذكري أنك كما ترين ذاتك تكونين. 
 افترقا على أن يتهاتفا ليحددا موعداً ثانيا يزودها فيه بتفاصيل الحدث . أحبت رجولته الكبيرة في تواضعها الجميل، وغيرته على اسمها . إحساس بالأمان تسرب إلى فؤادها . حمدت الله لوضعه هذا الرجل في طريقها، فما عاد بإمكانها ان تقوم بالتجديف وحدها . عندما التقته بعد غد، كانت تبدو أجمل وأكثر سعادة و فرح و بهجة . اكتشفت أن السعادة هي أن تملك مشروعاً . أما العافية ، فهي أن تضحك من القلب .. في النهاية . بعد مغادرته، واصل عزالدين مهاتفتها ليطمئن على سير تحضيراتها . يحرّضها حيناً على الشغل ، وأحياناً يحلو له مفاجأتها، يطلبها أثناء أسفاره من أرقام لا تعلمها .
 أرعبها أن تغني مع الكبار. هي سهرة واحدة ، لا تملك منها إلا نصف الساعة حتى تلعب ب مستقبلها على طاولة القدر . من كثر خوفها تحررت من الخوف. قررت أن تربح هذا الرهان . 
 كان يعتقد أنه يمتلك ثقافة الفرح ، بينما تملك هي ثقافة الحزن، ولا أمل في انصهار النار بالماء. فكيف انقلبت الأدوار، وإذ بها هي من يشتعل سعادة و بهجة ، بينما شيء منه ينطفيء، وهو يتفرج عليها تغني ؟ ربما كان يفضّل لو خانته مع رجل ، على أن تخونه مع النجاح. النجاح يرفعها و يجملها ، بينما أعتقدَ أنه حين ألقى بها إلى البحر مربوطة إلى صخرةِ اهماله و لامبالاته ، ستغرق لا محالة. من فكّ رباطها ؟ بمن استنجدت لتقطع المسافة بين القاع والسطح ؟ 
تماماً كما يوم رآها للمرة الاولى , هو جالس ذات مساء يتفرج عليها عبر شاشة تلفازه . لقد عادت قصية و عصية كما كانت. أراد أن يعطيها درساً في الغناء...ستلقّنه درساً في الإستغناء . لا أحد يتوقع أمام طلتها كم تالمت و توجعت ، وفي أي الخنادق لا الفنادق أقامت. ولا كم من الهجمات قامت بصدها . لقد أكسبها الظلم حَصانة الإيمان . مذ علمت أن طغاة الحب كطغاة الشعوب ، جبابرة على النساء، وصغاراً مقابل من يفوقهم جبروتاً. وأن سيّدك أيضاً له سيّده، وطاغيتك له من يخافه ، صغُر السادة في أعينها، وغدت سيدة ذاتها . لا تخاف غير الله، ولا تنبهر سوى بأصغر كائناته . 
بدءاً، تحمست حتى تشارك في هذا الحفل العالمي، كي تضمن أن يراها وقد خلعت الاسود ، فيدرك أنه من خلعت . كان يعنيها أن تنتقم منه و تقهره . كانت في لونها الجديد شهيّة كمؤامرة عشقيّة. تركت له الأسود، فليرتدِ هو الحداد عليها. " لكل طائر لون صيحته". لبست لون العصيان. أرادت أن تثأر لكرامتها لحظة تقع عيناه عليها وهي في فستانها اللازوردي. لونٌ اختارته أمّها ليبعد عنها العين ، لفرط جمالها و سحرها ، كما قالت . =لكن, أثناء استعدادها الحفل، وتدريباتها على مدى شهر على الأغاني التي ستقوم بغناءها ، ما عاد الثأر يهمها الان ، فالهوس بالإنتقام، يعني أن نسمح لمن نريد أن نأثر منه بمواصلة إبقائنا مهتمين به . اليوم هي تغني للناس كلهم عداه. ليس ثوبها، بل صوتها هو من يأخذ بالثأر، من ذلك الحفل الذي أجبرها فيه يوماً على ألا تغني لاحد غيره . هو اليوم الغائب الأوحد. أول ما اعتلت المنصة ، اختفى طيفه من القاعة، غدا وراءها ، قرر قلبها ألا يلتفت إليه ، فالنهر لا يلتفت خلفه . درسٌ آخر تعلّمته من حيث اتت . هي اليوم امرأة حرة كما هم " الشاويّة" : "الرجال الأحرار". 
صوتها ناي يحنّ إلى منبته ، يعود موّالاً إلى تربته . لا يحتاج إلى ميكرفون، إنه ينتشر مع الهواء، ، ماضياً صوب الأعالي التي غنى منها جدّها و عابراً الوديان . صوتها الليلة يغني لحريتها . يصدح احتفاءاً بها، صوتها لا يحب سواها الليلة . لأول مرة تقع في حب ذاتها . ما عاد يعنيها أن يكون يشاهدها الآن في أحد منازله ، وقد خلعت ما كان يسميه "لونهما". 
 الرجل الذي لم يعطها اي شيء .... وعلّمها كل شيء ، تناسى أن يعلمها درسه الأهم : الإخلاص فقط للحياة . ذات يوم عثرت على حكمة أبقتها في صدمة . بدا لها وهي تقرأها ، أنها سرقت آخر أسراره . لكأنه من كتبها : "ارقص كما لو أن لا أحد يراك
 =غنِّ كما لو أن لا أحد يسمعك 
=أحب كما لو أن لا أحد سبق جرحك
 =كم من الأشياء تفعل هذا المساء للمرة الاولى . 
=أيتها الطيور،، أيتها الشلالات أيتها الجبال, أيتها الينابيع أيتها الأمواج، ، يا كلّ الكائنات، إني أسمع ناياتك تناديني. 
=أيتها الحياة , 
=دعي كمنجاتك تطيل عزفها... وهاتي يدك. 
=لمثل هذا الحزن الباذخ بهجة... راقصيني 

                               النهاية.



إرسال تعليق