الخميس، 30 أغسطس 2018


تلخيص رواية:
 العاشق: غسان كنفاني.
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.



في البدء لم يعلم اي شخص في الغابسية كيف جاء قاسم إليها و اقام فيها. دخلها ذات يوم كما تاتي اليها الريح القادمة من الجبل و اصبح لتوه شيئاً من أشيائها الصغيرة, ولكنه لم يقدر ابدا أن يكون من ناسها، ويبدو أنه لم يكن راغباً في أن يصير كذلك. 
وفي الحقيقة لم يره البشر بالضبط إلا بعد أن تعرفوا إليه عبر قصة رواها لهم الشيخ سلمان، كبير الغابسية. لقد اتى قاسم فجاة إلى ديوانية الشيخ سلمان ذلك الصباح ، ودون توقع، والحقيقة أن قاسم كان جالساً ساكنا على كوم من التبن في الأسطبل في الوقت الذي كان فيه الشيخ سلمان يقول لزواره: استيفظت في الفجر وصليت وكان البيت غارقاً في النوم. وفجأة، وراء البيت، سمعت صوتاً زاجراً و صهيلاً صغيراً ، ثم رأيت رجلاً يطل من وراء الجدار مع حصاني سألته عن اسمه 
فقال: أنا قاسم. ثم سألته إن كان يقدر أن يحضر لي كاسا من القهوة، فهز رأسه و حدق في عيني الفرس ورأيتهما يبتسمان لبعضهما. وضع قاسم الحصان في مكانه وجمع الحطب. وأخذت انظر الى قاسم من بعيد ينفخ النار وفوقها إبريق النحاس. 

كان رجلاً صلباً وقد شاهدت عضلاته تحت قمبازه الخفيف تتكور مشدودة. تساءلت من يا ترى قابله وأعطاه الشغل هنا في الإسطبل؟ وفي اللحظة التي تليها انتصب قاسم واقفاً و اشار لي بالإبريق. ثم رأيته بأم عيني يدوس على الرماد الذي بقي من نار ليلة البارحة بقدميه، فقلت لنفسي من المؤكد أن الرماد قد برد، ولكنني رأيت الشرر ينبعث من تحت قدمي قاسم الحافيتين. فخرجت إلى حيث الرماد و دعست على الرماد، فأحسست بالحرارة تسلخ راحتي قدمي، وكدت اسمع نزيز الدم ينطفيء تحت بدني، فقلت لذاتي انه مجنون او نبي. 

 في تلك الظهيرة، وبعد أن خرج الزائرون من مكان الشيخ سلمان، ولد قاسم فجأة، اصبح يُرى في الغابسية هنا وهناك. ولم يكن بمقدور الناس أن يحكوا عنه إلا حكاية مشيه الهاديء على الرماد رويت هذه الحكاية أمام معلم المدرسة من مساء اليوم نفسه، ضرب كفاً فوق كف وقال وهو يبتسم: هذا شيء لا يصير إلا لعاشق ! فنار الهوى التي تكويه من الداخل اكبر من النار التي داس عليها، ولذلك لم يشعر بها. إنه عاشق ! .. وهكذا فقد قاسم إسمه دفعة واحدة و أصبح العاشق. لا أحد يعلم كيف ترتب الحياة ذاتها. أحياناً يعتقد الانسان أن قصة ما انتهت فإذا بها تستهل. إن مستقبل إنسان كامل تشاهده فجأة متعلقاً بحادث صغير بلا قيمة. 
ففي صباح اليوم الذي يليه، كان الشيخ سلمان مستعداً للرجوع الى منزله في عكا عندما سأله القيم على بساتينه أن يُعين موظفاً جديداً يحمل الخضار على ظهر الحمير يوميا إلى حسبة عكا، بعد أن اقترف حامد ذلك الحادث السيء : حيث سرق حماراً وهرب بما يحمله إلى مكان مجهول. كان الشيخ سلمان مستعجل فقال للرجل الذي يقف بالقرب من العربة (الرئيس): دع العاشق يمسك الحمير. وفجأة جاء العاشق ومعه الفرس سمرا. فقال له الرئيس: ستأخذ في صباح الغد الخضار إلى الحسبة. ظل قاسم ساكتا. أخبرته بأن الشيخ سلمان عينه من بين الكل لهذا العمل. استدار الرئيس ومشى. كرّت المسبحة بالكيفية التي كان يتوقعها قاسم : خرج إلى عكا، وتوجه إلى الحسبة ثم وجد ذاته محاصراً وأطبقت الأيدي على جسمه من كل ناحية و دفع عشوائيا مرتين أو ثلاث مرات.. إلا أن ذلك صار وكأنه كان يتوقعه بالتفصيل بالضبط ، فلم يقاوم.

 ربط العسكري القيود حول يديه, فألقى قاسم نظرة حزينة إلى الحمير وقد بقيت واقفة تبحث عن اتجاه ما. وحين اخذت سيارة العسكر طريقها بين البشر ، كنت أتوقع أن الاقيه ، الكابتن بلاك، وقد عطلت أنا ترفيع رتبته ثلاث اعوام. ابتسم وقال لي: وأخيراً يا عبد الكريم! في ذلك المساء تحدثوا في الغابسية: لقد كان العاشق مجرماً خطيراً لم يظهر هنا فترة من الزمن وخدع الشيخ سلمان و الرئيس ، والحمد لله الذي جعلهم يمسكونه قبل أن يقترف جريمة ثانية ! وفي الصباح الباكر، وصل الشيخ سلمان فجاة . كان غاضباً. فعلم الرئيس أنه سيدفع غالياً ثمن عدم الاهتمام في التقصي قبل أن يقبل العامل الجديد، فترك المكان وأخذ يركض ضحك الشيخ سلمان بحرقة وأخذ يهز رأسه. قال : هذا قاسم، أو إسمه الحقيقي عبدالكريم، الشيطان بنفسه. سيعتقد الإنجليز أنني كنت أخفيه هنا. من يُصدق أن الشيخ سلمان لم يكن يعلم ؟ أما قاسم فقد وضع في حبس عكا، في الحجرة رقم 362 ، و اصبح اسمه: السجين رقم 362. 

كان طول حجرة السجن عشرة أشبار وعرضها عشرة أشبار. في اليوم الأول أخذت اكيف ذاتي على ذلك الشيء العجيب. أن لا أحسب نفسي في قاع بئر عميق. لقد اخذوني من الساحة إلى هنا. نمت على ظهري واضعاً رأسي في الزاوية كي اخذ شبراً، وقلت لنفسي: انتهى الموضوع أخيراً يا عبدالكريم. انتهى الموضوع, كل دروب الفرار لا تؤدي إلا إلى العقاب. كانت الجريمة نفسها عقاباً، وكان الاختفاء عقاباً، و التحول من عبدالكريم إلى قاسم عقاباً. 
قال الكابتن بلاك للميجور ماكلود: ساحبسه في سجن عكا من دون كل الناس. أعرف أنه اصبح من اللازم أن يُفتح ملفه من جديد، ولكنني سأبقيه محبوس هنا، أتفرج عليه كل يوم، حتى اشاهده معلقاً. أنا لا أصدق أنه بقي صامتا طوال ذلك الوقت الذي اختفى فيه عن عيوننا, لا بد أنه سرق شيئاً هنا وقتل احدا هناك، وغداً سترى كيف ستاتي الشكاوى. فقال الميجور ماكلود: لم أرك في حياتي فرحا كما تبدو الآن، يخيل إليّ أنك تزوجت. فقال الكابتن بلاك: أنت لا تعلم ماذا يعني أن يقع عبدالكريم أخيراً. كان يوماً مرعباً ذاك اليوم الذي فر مني آخر مرة، خلت فيه أنني لن اخسر مستقبلي فقط، ولكن حاضري أيضاً. نام الكابتن بلاك قرير العين تلك الليلة , كان يصحو أحياناً وهو خائف أن يكون ما حدث مجرد حلم ثم يرجع فينام دون أن تختفي الإبتسامة عن شفتيه الحمراوين، وكان الميجور ماكلويد ينظر اليه وهو يخرج من كابوسه الكبير.. 

إن الميجور ماكلويد يعلم بالضبط بأن الكابتن بلاك سيكون أول من يبكي على عبدالكريم إذا ما شنق.. فرغم كل شيء قد كانا، عائلة واحدة. وطوال شهور طويلة كان عبدالكريم كل شيء في ايام الكابتن بلاك، يمثل أمامه، ليل نهار، اليأس والخيبة والأمل والإنتصار والدين والسداد في نفس الوقت. كان جزءاً من عواطفه، وحتى عيد الميلاد كان بالنسبة للكابتن بلاك مناسبة يراها في عبدالكريم، فهو لن ينسى حين قال كئيباً: بودي لو اقدر أن أتمتع بإجازة الميلاد. بودي أن امسك عبدالكريم قبل العيد. ولكن العيد مر، تلك السنة، دون أن يمسكه.. كان قريباً منه إلى حد كان يشمه، ولكنه قدر أن يفر من أصابعه. 

كان عبدالكريم متواري خلف إسم حسنين، ويقطف التبغ في مزارع الحاج عباس في ترشيحا! وكان الحاج عباس لا يعلم شيئاً عن ذلك الرجل الهادئ. فقد جاء حسنين إلى منزله يطلب، مثل عشرات من المزارعين في الموسم، أن يلتحق بحقول التبغ: يقطف ويحصي ويحرس وينقل. كان رجلاً قوياً وفي وجهه ما يُطمئن. يقول الحاج عباس: كانت زينب قد كبرت بغتة في منزلي، واعتاد الناس أن يشيروا عليها بإبنة الحاج عباس. كانت تقطن في منزلي منذ كانت في الثالثة، وكانت تقول عني ابوها وعن زوجتي أمها. وحين لمحت حسنين لاول مرة واقفاً أمامي يطلب عملاً دون أن يتكلم أو يلحّ كثيراً، نظرتُ فوراً إلى أصابع يديه، وحين لم اشاهد أي خاتم فيها قلت لذاتي : هذا هو زوج زينب. 

كان زيد أبو زينب قد خرج مع الشيخ القسام في تلال يعبد وكان ماخوذا بالكلمة الكافية القصيرة التي كان يقولها ذلك الرجل: موتوا شهداء.. فمات زيد و ذهبت أخبار زوجته عنا، و بقيت زينب في منزلنا. كنت اتطلع إلى الحاج عباس جالساً خلف سبحته، وكنت اشاهد في عينيه الباسمتين ما يشبه اللغز. إنه يريدني لصفقة مجهولة صغيرة، الأيام وحدها ستظهرها. ولكني كنت أريد ان اشتغل بأي ثمن، فقد كان العمل مهربي. ذهبت إلى الإسطبل و نمت على كوم التبن. اراد مني الحاج عباس أن أدخّل أكياس الطحين إلى المنزل ، ففعلت ذلك. وهناك التقيت ب زينب. سألتنِي: من أين أنت؟ وحاولت أن ارد، ولكنني سمعت صوتاً من ورائي، جاء الحاج عباس.
 أخذ يتطلع إلينا، أنا وزينب، ثم قال الحاج عباس: سازوجك زينب يا حسنين إن نويت على الخير! كنت أتوقع أن يحدث كل شيء، في تلك الدقيقة، إلا أن أسمع الحاج عباس يلفظ تلك العبارة ببساطة ، وكأنما من وقع اللطمة طار نظري إلى زينب دون إرادة مني، فاستدارتْ منتفضة و راكضة صوب الباب، ولكنني، في أقل من اللحظة، لمحت وجهها ورأيته جميلاً حقاً. ضحك الحاج عباس و اقترب نحوي خطوة، وأخذ يضرب كفه الكبير على كتفي وهو يقول: ضع عقلك في رأسك إنها بنت طيبة

,. برقوق نيسان

 عندما اتى نيسان، أخذت الأرض تتزين بزهر البرقوق الأحمر. وهكذا مات قاسم قبل عام، وقد دفن حيث لا يعلم أحد، دون إسم، ويبدو في هذا الوقت بعيداً كأنه لم يكن طوال الحياة إلا واحداً من هذه الأحلام الكبيرة التي تظل مع الانسان وكأنها جزء منه. كانت نابلس، في ذلك اليوم ، منكفئة على ذاتها وكأنها ما تزال نائمة. قال أبو القاسم لذاته: إن المدن مثل الرجال، تحس بالحزن و تحس بالوحدة. تفرح وتنام، وتعبر عن ذاتها بصورة مميزة تكاد لا تصدق. استدار أبو القاسم، وأخذ ينظر من جديد تلك البقع الحمراء الممتدة مقابل ناطره فوق تلة صغيرة. 

مشى نحو التلة، وأخذ يجمع باقة من الورد ، وقال لذاته وهو ينحني: منذ سنة وأنا اجيء لسعاد بكفين فارغتين كل شهر، ومن المؤكد أن منظر هذه الزهور سيبدو على الطاولة البيضاء رائعا. كان أبو القاسم يقابل سعاد كل شهر في نابلس ويأخذ منها خمسة دنانير و يرجع الى أريحا. شعر أبو القاسم بالاجهاد وهو يستل الزهور الطرية، وبدت له أشد تمسكاً بالتراب مما خيل إليه. تذكر حين رأى سعاد للمرة الاولى في أريحا, لفت نظره قرص أحمر من زهر البرقوق يزين شعرها الفاحم السواد. كان طلال صاحبه قد قال له بأن سيدة تحمل وردة حمراء ستقابله في أريحا، وتحدثه عن قاسم. وقد طرقت هذه السيدة الباب في اليوم الذي يليه ، وقد طلبت منه أن يقول لها بالتفصيل عما حدث له حين ذهب إلى المخفر الإسرائيلي ليرى جثة أحد الفدائيين القتلى.
 وحين كان يروي لها حكايته، بكت سعاد وقالت له: يا أبا القاسم ليس بمقدور أحد أن يملأ مكان أحد، وقد كان قاسم بطلاً و يجب عليك ان تكون فخوراً به. وقد فعلت شيئاً رائعا حين أنكرته لأنك أنقذت العديد من اصحابه لا تقل الحقيقة لأحد، وخذني أنا مكان قاسم. فقال: هل ترضي بي أباً ؟ فقالت سعاد: يا أبا القاسم، أنت ابونا كلنا، لأن الشهيد كان أخانا كلنا. صعد الدرج الذي يوصل إلى منزل سعاد، والباقة الحمراء في يديه. 

قرع الباب متوقعاً وجه سعاد. إلا أنه صدم بدفعة قوية تجذبه إلى الداخل. أطلت على أبا القاسم ثلاثة مسدسات ، ووقف من خلفها جنديان وضابط. أخذ أحد الجنديين يفتشه، باحثاً في جيوب معطفه عن شيء ما, وعندها لاحظ أبو القاسم إلى انه هناك ثلاثة أشخاص آخرين، منتصبين ووجوههم إلى الحائط. لم تكن سعاد هناك. ثم امسك الجندي بشدة على زنده ورفع كفه إلى فوق: عندها راى أبو القاسم باقة الزهر الأحمر في كفه وتعجب كيف لم تقع من يده. فسأله الضابط: ما هذا ؟ فقال أبو القاسم: كما تشاهد، زهر يا سيدي.. برقوق نيسان، التقطته عن الطريق، وكنت.. فقال الضابط: أأنت عشيقها ؟ فقال أبو القاسم: ، عشيق من ؟ أستغفر الله فقال الضابط: عشيق العفريتة التي تقنط هنا. قال أبو القاسم: أنا رجل كبير بالسن يا سيدي. أيمكن أن يحدث هذا؟ قال الضابط: إذاً لماذا قطفت الزهر؟ من الذي بعثك ؟ فقال أبو القاسم: ماذا جرى لسعاد يا سيدي ؟ هل هي فى حال جيد ؟ فقال الضابط: لا فائدة من الكذب أيها الشيخ الحقير. فقال أبو القاسم : إنه زهر يا سيدي, زهر. فقال الضابط : إن حكايتك لم تنته أيها الشيخ الحقير بل إنها لم تكد تبدأ، فأحسن لك أن تسكت. فقال أبو القاسم: إنها باقة زهر يا سيدي, برقوق نيسان .  

قصة الأعمى والأطرش


 سيقال فيما بعد أن ما جرى كان مستحيلاً, أما الآن فالغريبون يقولون إنها مغامرة، وأنا أقول إنها البداية. إن الحقائق الصغيرة لم تكن في البداية إلا الأحلام العظيمة ، والمسألة مسألة وقت ليس إلا. وقد كنت أسمع على الدوام ً عن قبر الولي عبد العاطي وعن شجرته، ولكنني لم اهتم قط. تحملني والدتي و تمشي إلى قبور كل الأولياء الصالحين. وضعوا هناك على عيني من الزيت والدعاء ما يمحي جبلاً من العناد و الصمت، ولكن شيئاً لم يحدث, كأن العمى كان مقدرا لي منذ البدء، وإلى النهاية. ومضت الآن اعوام طويلة على تلك الأيام. ولقد فقدت الامل. أقول لك يا حمدان إنني يئست. ولو كنت جذع شجرة زيتون لاجهدت. وبعد أن مضى كل هذا الزمن تقول لي أن اذهب إلى قبر الولي عبدالعاطي, حيث قام الكسحاء يركضون، ، والعواقر يلدن والخرس ينطقون ؟ أتريدني أن أسير ذلك الأمل المروع التافه مرة أخرى؟ سمعت خطوات حمدان تمشي بعيداً عني إلى بوابة النار، ليخبز دفعة اخرى من الخبز. 
أنا هنا منذ عشرين عاما جالساً على هذا الكرسي أبيع خبزاً. (أبو قيس): لم يكن هناك ما هو غير طبيعي ذلك اليوم. كان يوماً من تلك الأيام التي عايشتها من أعوام لا حصر لها. كنت اعطي رجلاً ما كيس الإعاشة، وكنت أقول: حياة النكد هذه. ثم خجلت من ذاتي. كنت أرى شفاه الناس تتحرك، ولكن الصوت يختفي أمام جدار كبير يسد أذني، ولذلك فإن أقوالهم لا تهمني. إننا، حين نخسر واحدة من حواسنا، فإنها لا تفقد كيف أشرح ذلك الإحساس العجيب ؟ إن الصمم نوع من نوم الصوت. 
الحاسة نفسها تبقى داخل الجسم كهدير طاقة كامنة. منذ عشرين عاما يمتد أمام عيني هذا الصف الطويل من النساء والرجال ، يتحركون أمامي كالأشباح. يتدافعون بلا صوت، فأنا مقابلهم يد وكالة الغوث التي تمتد لهم بالطحين والفول والسمن. قرأت في الصباح أن قبر الولي عبدالعاطي في الحقول القريبة من البلدة, قد بدأ يجترح المعجزات: وأن هناك مقعدون عادوا من عنده يسيرون على ارجلهم . لذا اعتزمت أن اذهب إليه، رغم أنني طوال حياتي لم أفكر بتصديق مثل هذه الخرافات. وعبر عالمي الذي كان دائماً يسبح ساكنا في حوض ماء زجاجي، مشيت إلى قبر الولي عبد العاطي. (عامر أو عبدالعاطي) إنني أمد كفي لك، أيها الشيخ الميت التقي. يا حبيب الله, مد لي كفك يا عبد العاطي, يا عاطي، و انتزعني من هذا الصمت (والظلام). إنني أطلب منك الرحمة لحالي، أيها الولي. إنني أعلق عليك حياتي كما يعلق القميص، وأعلق عليك يقيني وكل المعاني التي اعتدت أن أستبدل بها الضوء (والصوت). قال واحد منهم: هل قلت شيئاً ؟ إنني لا أسمع. 
فقلت: لم أسمعك و انت قادم, فأنا رجل ضرير، كما ترى، جئت للولي أطلب النور وما زلت أنتظر. فقال الآخر: لا تجهد ذاتك إنني رجل أصم، لا أسمع، ربما اقدر أن أفهم حركة من يديك أكثر.. فقلت: أنا ضرير. وأشرت بيدي نحو عينيّ، فقال: فهمتك. حينها انتشر الصمت أثقل مما كان، وبدا لي أطول مما ظننت. ثم جاءت عباراته: وأين يمكن لأصم وأعمى أن يتقابلا إلا هنا ؟ فقال الأصم : هيا بنا نرجع. وبعد ثلاث خطوات قال: إسمي أبو قيس, ما اسمك ؟
 فقلت: عامر. ولكن الاصم لم يسمع.
 فقال: ساعطيك اسم عبدالعاطي، مباركة لهذه الذكرى. و ابتسم، ولم يسمعني الأصم وأنا أضحك، و مشينا معاً في قلب العتمة والصمت. كان أول ما قاله حمدان في الوقت الذي اتى به بفرش الخبز الأول، في الصباح: كنت أعلم أنك ستذهب لقبر الولي. 
فقلت: لم تحدث أية معجزة. 
فقال حمدان: ربما لأنك لم تكن بنية صافية فقلت: أيمكن أن تكون هناك نية أصفى من نية رجل يرغب بالنور لعينيه ؟ آه أيها الليل، يا ملك المعجزات الصادق! كنت اعتقد أن المعجزات تتدلى من السماء مثلما يتدلى خطاف, نضع عليه أعمارنا كما تعلق الملابس.

 اتت لي خطوات أبي قيس، ففرحت قليلا لأنني تعرفت إلى صوتها، فقال: كيف حالك اليوم يا عبدالعاطي ؟ جئت أسألك إن كنت ترغب ب الذهاب مرة ثانية الليلة ؟ سألت عنك اليوم. أخبروني إنك من طيرة حيفا. وأنا أيضاً من طيرة حيفا. لولا أبو قيس لما علمت، أنا الأعمى، كيف تلتقِي حيوات المتعسين تحت جبال الإنتظار الجناح المهيض . إن الحياة ليست سوى الإنتظار، ولولا أننا تقاسمنا الخيبة، بصرا و سمعا ، لما ارتدت إليّ طيرة حيفا، ولما رايت فوق قبرك يا عبدالعاطي قدري . (أبو قيس): وصلتُ إلى مكتبي في وكالة الغوث في مركز توزيع الإعاشة , كنت قد تأخرت، و رايت ذلك على الوجوه الجامدة لاصدقائي الذين كانوا بالإنتظار. فتحت الدروج و فتحت القوائم الطويلة من الأسماء، ثم تطلعت إلى العاملون وقلت: اللاجئون مثل شارع طويل. طوله عشرون عاما. ولكن هل تعلمون من الذي يسير فوق هذا الطريق ؟ باصات ، بسكليتات وكنادر وسيارات ومداحل، صنادل وحوافر.. خصوصاً يسير على هذا الشارع الأولياء الصالحون، عبدالعاطي مثلاً.

 أمسكت بالقوائم ووقفت. قلت: لنبدأ بتوزيع إعاشة هذا اليوم اكتشفت للمرة الاولى أنني أقرأ شفاه الناس الذين مقابلي. أفهم ماذا يقولون: حليب عدس. كوكوس فول.. طحين.. كنا على وشك أن نقفل المخبز، أنا (عبد العاطي أو عامر) وحمدان، حين سمعت خطوات أبي قيس على الشارع, دخل وسلم علينا، ثم قال: اتعلم يا عبد العاطي؟ اعتقدت اليوم أن الولي فعل معجزة. لقد خلاني أسمع على صورة غريبة ، لقد اكتشفت فجأة أنني أفهم ما يتحدث به الناس وذلك بقراءة حركة شفاههم. قلت لحمدان: هل ستروح إليه الليلة ؟ لماذا لا تذهب إليه يا حمدان ؟ أطلب منه أن يمنحك قميصاً، أن يهبك حذاءاً تدخل به إلى العيد. منذ عشر اعوام وأنا اشاهد العالم بعينيْ حمدان، ومع ذلك فإنني لم اقدر أن أرى شيئاً حقاً, كان العالم في عيونه منبسطاً كأنه مرسوم على الارض. 
وكان يرى الأشياء والناس على صورة غريبة من الالية و البساطة، وفي أحيان عديدة كانت رؤيته تُشكل في راسي جداراً أو باباً بيني وبين الحقيقة في شكلها الأكثر عذوبة تماماً كما هو غافي أمام الباب. ومع ذلك لا غنى عنه بالنسبة لي. 
(أبو قيس): كان يوم جمعة, اجازتي من الشغل في مكتب توزيع الإعاشة. ومع ذلك استيقظت باكراً على غير ما انا معتاد في أيام العطل، ولما احسست بأنني نهبٌ للحيرة والأفكار المتناقضة والضجر ، مضيت أزور صديقي عبدالعاطي. 
رأيته هناك يضع خبزاً لولد صغير. ابتسم لي عبدالعاطي، فقلت له: هل نخرج و نكسر قبر الولي ونخلع شجرته ونفش غلنا ؟ في تلك الدقيقة جاء حمدان، ويبدو أنه سمع جزءاً من ما قلت ، فرماني بنظرة غاضبة، واتجه إلى عبدالعاطي بالحديث، وقد استغرق الإثنان بالشجار. فغادرت الفرن خارجاً إلى الشارع الذي كان يسبح، صامتاً، في نور الشمس.
 (عامر أو عبد العاطي): كان يوماً مترعاً بالملل حتى قرارته, لكأن الناس توقفوا عن شراء الخبز لسبب مبهم لا يُفهم. كنت قاعدا هناك على باب الفرن، غارقاً في افكاري، حينما جاء حمدان يتنفس من الداخل، وكانت رائحة العرق تخرج من صدره العاري و تعبق ب المكان، وقد عرفت أنه أراد التحدث فقال حمدان: لقد عاد ابي. أطلقوا سراحه البارحة لا ريب أن حمدان لاحظ كيف ارتعشت، إذ أنه لم يقل لي ابدا ان ابوه كان محبوساً. وبدا لي للحظة أن هذا الفتى الذي مكثت معه عشر اعوام كاملة احتفظ لنفسه طوال تلك الأعوام بحياته الخاصة، ولم يسمح لي بان اتعرف إلا على أجزاء قليلة منها، إلا أني حاولت أن أظهر طبيعياً. قال حمدان: كان أبي فدائياً. درّبوه في سوريا. سألته: ولماذا حكموه بالسجن مدى الحياة ؟ قال حمدان: أطلق النار على خمسة من العسكر، فاصابهم وسلّم نفسه. وفي المحاكمة، حكمه القاضي بالسجن مدى الحياة ، فنظر حينها إلى أمي وصاح: اذهبي أنتِ طالقة بالثلاثة، طالقة، طالقة، و لف ظهره دون أن ينظر إلي. وها هو يرجع. لقد أطلقوا سراحه البارحة. 

 كان حمدان، طوال الاعوام التي عرفته فيها، يميل إلى اعتبار ابوه متوفيا فقد انتزعه حياته بنجاح أو شبه نجاح. وقد ظننت أن السنتين اللتين أمضاهما مع والدته المتزوجة من ذلك الرجل المقيت شكلتا أساس هذه العادة. ولكن أيضاً كان سهلا ان يعرف الإنسان بأن حمدان يحتفظ لابوه بمكانة خاصة في راسه، ولكن كرجل ميت ليس أكثر. (أبو قيس): مضت أسابيع منذ تلك اللحظة التي قدر فيها عبدالعاطي، بالإشارات والكتابة وكل أنواع التواصل التي اخترعها الناس، ما عدا السمع والبصر، أن يخبرني كيف ظهر والد الولد حمدان إلى العالم فجأة، قادماً من مكان شبيه ب عالم الموت. ومهما يكن من موضوع، فقد استطاع الولد حمدان أن ينسينا، ولو لفترة حكايتنا مع الولي عبدالعاطي، وكان يمكن له أن ياخذنا الى ابعد مما كنا غارقين فيه، لولا أنني وجدت نفسي أنا الآخر احيا مشكلة غير متوقعة صدمتني في المكتب. فقد راينا كلنا كيف أخذ مصطفى يتغيب عن المكتب بين اليوم و الاخر ، ثم امتد غيابه في إحدى الاحيان إلى أسبوع كامل. وحين رجع كان يلبس بدلة كاكية، وقد جعلنا، كأنما دون وعي نرى المسدس الكبير الذي كان يحتفظ به تحت حزامه. قيل في المكتب إن مصطفى صار فدائياً. و البارحة جاء مصطفى إلى طاولتي، وأخذ يتكلم بصوت غاضب، إلا إنني لم اعي شيئاً، فقلت: لا أسمع شيئاً.. لا تتعب ذاتك . فانحنى وكتب على ورقة مقابلي: ماذا فعلت من أجل وطنك ؟ فنظرتُ إليه مصدوما, شعرت أنه سؤال مهين. دنا مني وأمسك قميصي بكلتا يديه، وأخذ يهزني بغضب وهو يقول شيئاً. 
أمسكتُ زنديه بيدي وأخذتُ أضغط بكل الغضب الذي كان يختبئ في صدري، وقد رأيت في عينيه شيء من الضعف، ثم صرخت بوجهه: سأكسر يدك إن حاولت مرة ثانية أن تمدها نحوي. تقدر أن تذهب وتتشاطر على الأرامل والمطلقات، أم تحسب أن البدلة جعلتك رجلاً! أخذتْ شفتاه تتحركان ببطء، إلا أن وجهه ظل باردا بعد انتهاء الدوام، ذهبت إلى عبدالعاطي. شرحت له ما جرى، وكان حمدان واقفاً على باب الفرن. دنا حمدان مني وقال لي، بالإشارات، إنه سيقول ما جرى لابوه، مؤكداً لي أن أبوه له مكانته المهمة بين قادة الفدائيين. عاد حمدان من عند والده و احسست من خطواته وهو يدخل إلى الفرن أنه يحمل على أكتافة خيبة أمل، و بقي صامتا منتظراً مني أن احثه على الكلام، مثل طبيعته كلما كان خبراً سيئاً. فقلت له: من المؤكد أن أباك يسخر من كل شيء، وهو يعتقد أن مسالة أبي قيس لا تستحق كل ذلك .. بشرفك، ألم يضحك عليك ؟ فصدم حمدان وقال: كيف علمت بهذا؟ 
فقلت: توقعت هذا. قال حمدان: لقد تغير ابي كثيراً، كثيراً جداً. السجن غيّره, وهو ليس كما كنت أتوقع. لقد تعرف على السياسة في السجن. 

حين شرحتُ لابي ما جرى بين مصطفى وأبي قيس، قال لي إن مصطفى من جماعة "الطق طق": أي الناس الذين يختارون إطلاق الرصاص ويسمونه سياسة. ثم قال لي إن على أبو قيس أن يحل امره بيده. كما أخبرته عن حكايتكما مع الولي عبدالعاطي وسألته عن اراءه فضحك كثيراً، وقال إن الأولياء مثل الحية التي في قصة الزير، إذا قُطعتْ لها راساً اخرجت مكانه سبعة رؤوس.. ثم سبني وقال إني ولِيّة. (أبو قيس): دخل أبو حمدان إلى حياتنا من بعيد ولكنني لم أره ابدا ، ولا استطاع عبدالعاطي أن يلاقيه، وكنا نسمعه من خلال الصبي حمدان، ونراه من خلال التغير المستمر الذي يطراً على حمدان كل يوم . ولم يعد مصطفى يرعبني ، وفي الحقيقة أنه لم يخفني ابدا قبل ذلك، إلا أنه كان يثير فيّ خوف بالنسبة للمستقبل.

 ومع انقضاء الأيام أخذت أنا، وبعض الموظفين، نلاحظ بأن الحدود التي يقدر ان يصلها في نشاطه ليست بعيدة إلى الحد الذي ظنناه في البدء. وقد كانت حياتنا تمشي بوتيرة هادئة لولا ذلك الطعم الحديث الذي أدخله حمدان إليها، بطريقته المليئة بالتحيّر. إلى أن جرى ذات يوم حادث بدا لي صغيراً في وقتها ولكنه لم يكن كذلك. فقد كنت في مكتبي في الوكالة حين شعرت بأن شخصاً ما يقف على مقربة من طاولتي، وحين رفعتُ نظري وجدت زينة، إحدى المستفيدات من الوكالة، تقف و على يدها طفلها ، وقد بدت لي أقل جمالاً مما تخيلت ولا شك أن الحزن قد اتعبها. كانت تتحدث إليّ والدموع تفيض من عينيها، إلا أنني لم أكن اعي شيئاً. وفجأة اصطدم نظري بمصطفى الذي كان قاعدا خلف طاولته، قبالتي يسترق البصر دون أن يتحرك، فأشرت لها أن تروح إليه، ولكنها هزت رأسها برفض وهي تصرخ. وبدأ ابنها يبكي ويتمسك بها. ودون توقع مني، شرعت تبكي.

 وربما لن اعلم كل حياتي ، ما الذي كانت تقوله تلك الدقيقة، وأشعر في كل لحظة بندم عارم، ولا أدري لمن من الواجب عليّ أن أوجّه وخزاته. استدارت زينة وخرجت من المكتب وأنا اتطلع إلى كتفيها يرتعشان من تأثير البكاء. وفي تلك الدقيقة نظرتُ إلى مصطفى، و اظن أنني شهدت، للحظة أقل من ثانية، بقايا ابتسامة اختفت بسرعة حين رآني أنظر إليه, وعندها فقط جاء في رأسي قرار صغير بأن اقوم وأتجه نحو مصطفى و آخذ روحه من عروق رقبته، ولكنني تنهدتُ وهدأتُ بسرعة، ، وعدتُ إلى أوراقي.

                              النهاية.



إرسال تعليق