الأحد، 8 أبريل 2018









تلخيص رواية:
بينما ينام العالم: سوزان أبو الهوى.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

جنين 2002 .. أرادت آمال أن تحدق في عيني الجندي عن كثب, ولكن فوهة بندقيته الآلية التي ضغطت على جبينها لم تكن لتسمح بذلك. تساءلت عما إذا كان المسؤولون سيعربون عن الأسف لمقتلها العرضي كونها مواطنة أمريكية. أو ما إذا كانت حياتها سوف تضيع في غبار الأضرار الجانبية. أغلقت عينيها, والفولاذ البارد لا يزال يضغط على جبينها. جذبتها نداءات الذاكرة إلى الوراء أكثر فأكثر, فأعادتها إلى وطنٍ لم تكن قد عرفته قط .

القطاف 1941... في قديم الزمان, قبل أن يخطو التاريخ فوق التلال مبعثراً الحاضر والمستقبل, وقبل أن تولد آمال, وجدت قرية صغيرة شرقي حيفا, عاشت بهدوء على التين والزيتون. مع حلول شهر تشرين الثاني من كل عام, يجلب أسبوع القطاف نشاطاً متجدداً "لعين حوض", فيصبح بإمكان يحيى, أبي حسن, أن يشعر بهذه الروح في عظامه. غادر منزله في وقت مبكر مع ولديه. عندما أفسحت السماء المظلمة الطريق لضوء الفجر, ارتفعت أصوات جني الثمار النبيلة من تلال فلسطين التي صبغتها الشمس. أصوات ضرب عصي المزارعين على الأغصان, وارتجاف الأوراق, ثم سقوط الثمرة.


راضياً عن وتيرة الصباح, أدّى يحيى صلاة الظهر, وأعدّت زوجته باسمة العدس والمقلوبة مع لحم الضأن وسلطة الزبادي. نادت باسمة أولادها حسن ودرويش اللذين كانا قد انتهيا من أداء الصلاة. واجتمعت العائلة حول صينية أرز ينبعث منها البخار.
بعد القطاف بعدة أسابيع, كانت شاحنة يحيى محملة عن آخرها بالزيت وحب الزيتون الجاهز للكبيس, واللوز والتين والعنب. قبّل حسن يد والده وانطلق في رحلته إلى القدس. فتح واحداً من الكتب السرية التي طلبت إليه السيدة بيرلشتاين والدة صديقه آري أن يدرسها. كان آري إبن بروفيسور ألماني فر من النازية قبل سنوات, واستقر في القدس. وتكونت صداقة بين حسن يحيى أبو الهيجا وبين آري بيرلشتاين, وتعززت هذه الصداقة بفضل براءة الإثني عشر عاماً من عمريهما, والخلوة الشاعرية التي أتاحتها الكتب, وعدم اكتراثهما بالسياسة. وكانت السيدة بيرلشتاين مغتبطة لصداقة ابنها بحسن, وكانت تقدم الدروس الخصوصية لحسن, مساعدة إياه على الخروج من الإكتئاب الذي أصابه في الشهور التي تلت إصدار يحيى قراره النهائي بشأن موضوع التعليم وترك حسن للمدرسة. وأثبت حسن على مر السنين أنه تلميذ مجتهد وسريع الفهم. استمر تعليمه الخاص مع السيدة بيرلشتاين إلى أن تخرّج آري في عام 1943, وهي السنة التي انجرف فيها الشابان بعيداً مفترقين فترة من الوقت, حيث كوّن آري مجموعة من الأصدقاء في مدرسته, بينما أصبح حسن مفتوناً بفتاة بدوية إسمها داليا, كانت قد سرقت "غنوش", حصان أخيه درويش .

كان حباً محرماً ذاك الذي أثمر زواج حسن وداليا. كانت داليا غجرية جامحة, كانت جلجلة خلخالها تزعج النساء, ولكن أشد ما يثير غيظهن كانت القوة الساطعة التي تشرق من بشرتها وتطوف فوق شعرها, تُذكرهن بالبهرجة الماضية التي تنازلن عنها عن طيب خاطر. وافق والد داليا على الخاطب الأول لها, وهو حسن, وحازت داليا على رضا القرية في غضون عشرة أشهر من حفل الزفاف, عندما أنجبت صبياً سمته يوسف, وهي بعد في الخامسة عشرة من عمرها, وأصبحت تُسمى بكل احترام أم يوسف.

 بعد ثلاث سنوات عندما كانت أشجار الزيتون تجدد ألوانها الخضر, انفجرت قنبلة على مسافة قريبة. لعنة الله على الصهاينة! قالتها باسمة وهي تصرخ في اتجاه الدخان المتصاعد. ثم وهنت ساقاها, وسقطت وسط نبات الورد الجوري في الحديقة. وبعد مصرع باسمة أصبحت داليا حارسة الورود التي أحبتها باسمة. وسّعت الحديقة, وجعلت على قبر باسمة حوضاً ملأته بالورود. كانت داليا تأخذ إبنها يوسف معها كل أسبوع إلى المقبرة للإعتناء بالورود. وبعد ولادة إسماعيل, صارت تذهب إلى المقبرة بمفردها, تاركة أطفالها في رعاية الأقارب. وفي خلال أحد مشاويرها إلى المقبرة, وقع حادث ترك علامة على وجه إسماعيل إلى الأبد. حيث كان يوسف في الرابعة من عمره, وإسماعيل ملقى على السرير في شهره السادس. كان إسماعيل كثير الحركة والبكاء في ذلك النهار, فسحب يوسف الطفلَ من بين البطانيات المطرزة, وبسبب ثقل وزنه, سقط من بين يدي يوسف, وارتطم وجهه بأحد المسامير البارزة في السرير, فتمزق جلده على شكل خط امتد من وسط خده إلى محيط عينه اليمنى. أسفر ذلك اليوم عن علامة بدنية تمثلت في نَدَبٍ مميزٍ, كان من شأنه أن يبقى في وجه إسماعيل إلى الأبد, لكي يقوده في النهاية إلى حقيقته!.
وقع الهجوم الأول في عطلة عيد الأنوار (الحانوكاة) اليهودي, في 12 كانون الأول عام 1947. زلزل الأنفجار الذي حدث الجو, فعادت داليا إلى بيتها تولول وتصرخ: اليهود قادمون اليهود قادمون ! دخل يحيى, ويوسف الصغير بين يديه, إلى البيت بينما أمسك حسن زوجته وسألها عن اسماعيل فقالت له: إسماعيل بقي مع زوجة درويش. حينها قال يحيى: الله يلعن اليهود! ألقت عصابة منهم قنبلة حارقة على منزل في الطيرة, وهربوا في شاحنة كانت تنتظرهم .

بعد أقل من أسبوعين من انفجار الطيرة, تم ذبح الفلسطينين في قرية "بلد الشيخ" القريبة, فهبت رياح الخطر على عين حوض, وسيطر الفزع على القرويين, فقطفت نساء عين حوض التين والعنب قبل الأوان, وجفّفنه لعمل القطين والزبيب, وقمن بتخليل الخضراوات لإطعام أسرهن ترقباً لحصار طويل من جانب قناصة مختبئين. وفي أيار 1948, خرج البريطانيون من فلسطين, وأعلن اليهود عن أنفسهم  دولة يهودية, مبدِّلين إسم الأرض من فلسطين إلى إسرائيل. وأعلنت الهدنة, وأعدَّ يحيى وليمة كإيماءة للصداقة مع الضباط اليهود.

تشبث يوسف الذي قارب الآن الخامسة من عمره, بثوب والدته, مختلساً النظر إلى الغرباء ذوي البشرة الفاتحة. كان من بين الجنود رجلاً يدعى "موشيه". أكل وهو يراقب داليا تتحرك وإسماعيل على صدرها ويوسف عند رجليها. وفي صباح اليوم التالي للوليمة, شنت إسرائيل قصفاً على عين حوض, وسُوّيت القرية بالأرض, وفقدت داليا أهلها ما عدا اثنتين من أخواتها. ولم يكد يمر شطر من النهار حتى عاود الأسرائيليون دخول القرية. الرجال أنفسهم الذين تلقوا ولائم الطعام يسيرون الآن في القرية, شاهرين بنادقهم على الناس الذين أطعموهم! صدر أمر من مكبر الصوت: إجمعوا الأشياء الثمينة! تجمعوا عند البئر الشرقية! حينها حملت داليا إسماعيل على صدرها, وحمل حسن يوسف بإحدى ذراعيه, وحمل بالذراع الأخرى كيساً حشواه على عجل بأمتعة مختلفة. وفجأة قال لهم صوت: توقفوا !! اتركوا كل شيء, المجوهرات والمال, سأطلق النار. أتفهمون؟ أمر جندي درويش أن يترك الحصان. فتوسل من أجلها. فأطلق الجندي النار من مسدسه مرتين. طلقة واحدة بين عيني الحصان "فطومة", فسقطت ميتة على الفور, والأخرى اخترقت صدر درويش. فتجمع الناس لحمله. كانت الرصاصة قد استقرت في عموده الفقري, وحكمت عليه بالعجز عن الحركة مدى الحياة. مشى الحشود بعيداً عن مكان إطلاق النار, ومشت داليا وراء الرجال, فصلتها الحشود عن حسن, ولكنها ما زالت تستطيع رؤية كوفيته أمامها. في لحظة واحدة, كان إسماعيل إبن الأشهر الستة على صدرها, ولكن في اللحظة التالية اختفى إسماعيل. لقد كان وميضاً متناهياً في الصغر من الزمن سوف تستعيده داليا في ذاكرتها, مرات ومرات لسنوات جمة, باحثة عن مفتاح لمعرفة ما جرى, ولكن اسماعيل اختفى !!
في محنة تاريخ دُفن حياً, سقط العام 1948 في فلسطين من الرزنامة إلى المنفى, مُتوقفاً عن حساب العد السائر للأيام والشهور والسنوات, ليصبح ضباباً لا نهاية له ! الشهورالإثنا عشر لتلك السنة أعادت ترتيب نفسها, والتفت كالدوامة بلا هدف في قلب فلسطين !
في الأيام التي سبقت الهجوم الصهيوني, وحين دخل الجنود الإسرائليين القرية ليأكلوا, كان أحدهم, ويدعى موشيه, يراقب امرأة عربية يتشبث بقفطانها صبي صغير, وتضم رضيعاً إلى صدرها. كان موشيه يفكر في ظلم القدر الذي منح العربية نعمة الأطفال, وحرم "يولانتا" زوجته إياها. أراد موشيه أن يجعل يولانتا سعيدة. ففي غمرة الرصاص, اقترب موشيه من المرأة العربية ذاتها, وبسبب تلاطم الحشود كان الطفل قد سقط من بين ذراعيها, وفي لمح البصر هجم موشيه على الطفل واختطفه ودسّه في كيسه العسكري, وواصل السير من دون أن ينظر إلى الوراء. سمع المرأة وهي تصيح: إبني! إبني ! عاد موشيه إلى يولانتا. ولم يكن موشيه يعرف أن الصغير (دافيد) إسمه إسماعيل. ولم يعرف أيضاً أن صورة المرأة العربية وهي تصرخ إبني! إبني! سوف تطارده طوال حياته, وستحرمه الطمأنينة حتى النهاية! لكنه الآن, لم يشعر إلا بأنه فعل ما فعل بدافع الحب. أما طرد أهل عين حوض, فهو مسؤولية المرسوم القاطع: (أرض بلا شعب, لشعب بلا أرض). لقد ردد هذه المقولة حتى كاد أن يؤمن بها, لولا تلك المرأة العربية. لولا داليا !!
بينما سار أهالي عين حوض نازحين مستلَبين, سيطر موشيه ورفاقه على القرية ونهبوا البيوت المهجورة. أصبح التجمع من أجل سماع الأخبار تقليداً صباحياً في مخيم اللاجئين في جنين. وامتدت الشهور إلى سنوات. وفي سنوات الإنتظار في الخيام, كان يحيى يستيقظ كل صباح مع الأذان وينفق وقته بلا عمل مع الحاج سالم وجاك أومالي مدير عمليات وكالة الامم المتحدة في جنين. كان الرجال الثلاثة لا يفترقون من منتصف الأصيل حتى الساعة الثامنة مساءاً. قرر يحيى أن يذهب إلى عين حوض. حلق ذقنه, وفتل طرفي شاربه, لبس ثيابه على مهل, وخرج من مسكنه فخوراً بقراره الغامض. واتجه إلى الشمال الغربي إلى ما وراء حدود ما أصبح يدعى إسرائيل- إلى منظر طبيعي ريفي عرفه أكثر مما عرف خطوط كفيه- حتى وصل أخيراً إلى وجهته.
لا أحد يعرف بالضبط متى توفي يحيى, ولكن في الوقت الذي تمكن فيه الهلال الأحمر من استرداد جثته, كانت داليا قد أجهضت حملاً آخر. كان السبب الفعلي للوفاة هو جرح من طلق ناري, أطلقه الجنود الإسرائيليون عليه لتعديه على "أملاك الآخرين". عندما غسلت العائلة جثمانه قبل الدفن, وجدوا في كفه المطبقة ثلاث حبات زيتون, ووجدوا بعض أكواز التين في جيوبه. وكست وجهه الميت ابتسامة هادئة وادعة, وكان ذلك دليلاً أكد للجميع أنه رحل سعيداً إلى الجنة .
عاش حسن وأسرته في كوخ من الطين بناه حسن بنفسه, وموّلت بناءه الأمم المتحدة. وبعد أربع سنوات من بناء الكوخ عادت الهيئة الدولية لتؤسس مدرسة للبنين في مدينة جنين. وعمل حسن حارساً للمدرسة. وبعد تسعة شهور, ولدت داليا طفلتها الثالثة, آمال, وسط حر تموز 1955.
كانت آمال عنيدة ومتقلبة إلا مع والدها. كانت ترى والدها كمثل أعلى. كانت تغار من أمها التي تنافسها على حب حسن. لم تجد داليا في نفسها الإرادة الكافية لتأديب هذه الطفلة, كما فعلت مع يوسف فتركتها حرة لأهوائها .
أمضيتُ كثيراً من الوقت في شبابي وأنا أحاول أن أتخيل ماما على أنها داليا, تلك البدوية التي سرقت حصاناً ذات مرة. الأم التي عرفتها كانت متينة وصارمة. كانت تُستدعى عدة مرات كل أسبوع لتوليد النساء. كنت في الثامنة من عمري, عندما سمحت لي ماما أول مرة أن أساعدها في توليد إحدى النساء كما اعتادت أن تفعل. قالت لي: هذا عمل مهم جداً, وعليكِ أن تكوني جِدية للغاية يا آمال. قال لي بابا ذات مرة: الأرض, وكل ما عليها, يمكن أن تُسلب, ولكن لا أحد يمكن أن يأخذ منك معرفتك أو الشهادات التي تحصلين عليها! فكانت علاماتي العالية هي العملة التي أقدمها لأحصل على إطراء بابا. وأصبحتُ متفوقة على جميع الطلاب والطالبات في جنين.
وجاء حزيران 1967 الشهر الحار الخالي من الدراسة. كنت أتسكع منغمسة في مرحلة الطفولة, شهراً واحداً قبل عيد ميلادي الثاني عشر. كنا نلعب أنا وصديقتي هدى خارج البيت, وفجأة هدر صوت بابا ينادينا للعودة إلى البيت. شيء ما كان يحدث. عدد كبير من الناس كانوا قد تجمعوا في الشوارع. وبشكل غريزي, أمسكنا أنا وهدى, كلٌّ بيد الأخرى. في ذلك اليوم شاهدت بابا يفتح المخبأ السري ويفرغه, مخرجاً أكثر من عشرين بندقية. وزع الأسلحة على المقاتيلن الذي كنت قد عرفتهم فقط كآباء وأشقاء وأعمام وأزواج فقط . لم يخبرنا أحد من الكبار ما الذي يجري. تكهرب الجو من حولنا, وساد المكان هرج ومرج . أدخلتنا ماما على عجل الحفرة في المطبخ, وقد أصبحت الآن خالية من السلاح. فتحت ماما علينا أنا وهدى غطاء الحفرة, وقالت خذوا عائشة. عائشة إبنة الثلاثة أشهر. ولم نكن نعلم وقتها أن خالتي سميحة أم عائشة, وزوجها وابنها موسى, إبن الأعوام الستة, قد قُتلوا في الهجوم . بقينا, أنا وهدى وعائشة, في الحفرة في صمت مسكون بالأشباح مدة خلتها دهراً. ثم رجعت ماما ومعها رغيف من الخبز وحليب للرضيعة, وقالت لنا : يا بنات, الأردن وسوريا والعراق يقاتلون جنباً إلى جنب مع مصر, وسوف ينتهي الأمر قريباً, وسيكون كل شيء على ما يرام .
مرت أيام على, ما أعتقد, ونحن في الحفرة إلى أن صم أذني انفجار نسف بلاطة الغطاء, وسطع الضوء. كنت أصرخ وأبكي. نظرت إلى هدى فإذا وجهها محمر من الدم الذي يسيل من صدغها. نظرت إلى عائشة, التي كانت نائمة, كانت في بطنها فجوة مفتوحة. شعرت أن العالم كله قد حشر نفسه في دقة قلبي . بقيت أنا وهدى في مكاننا إلى أن جاءت راهبة وأخذت تصرخ بلغة عربية ركيكة : نقالات بسرعة ! فتاتان صغيرتان !
في غرفة العلاج رأيت ماما, فهرعتُ نحوها. كانت تجلس بلا حراك. بدت كأنها لا ترى شيئاً ! اقتربتْ مني الأخت ماريان التي أنقذتنا وقالت لي : هل تعرفين هذه المرأة ؟ فقلت لها: هل هي ميتة ؟ فقالت: لا, إنها في حالة صدمة ! فقلت لها: لا! لا أعرفها! كرهتُ ماما حينها لكونها في حالة صدمة . بحثت عن بابا ولكني لم أجده .

لقد مر أربعون يوماً منذ أن انتهت الحرب, وقد أرجعتنا الأخت ماريان ألى جنين, فوجدتُ ماما بذهنها المشوش. ولم يزل بابا ويوسف مختفيان. قُرع باب بيتنا اليوم. أخرجت رأسي من النافذة, فرأيت سامر الصغير أمام الباب, وحين رآني صاح: آمال , يوسف على قيد الحياة !! حينها صرنا, أنا وماما, في الخارج فوراً . عندما وصل يوسف إلى طرف جنين, كان المخيم بأكمله, آلاف من النفوس, يقفزون ويصيحون : الله أكبر.  كنت أرى يوسف من بعيد يرتدي سروالاً بني اللون وصغيراً جداً, وقميصاً أخضر مجعداً. لكن بابا لم يكن معه. بكيت على الرغم مني, هناك عند شباك المنزل المقصوف جزئياً, وهدى بجانبي. كان يوسف قد غاب أربعين يوماً فقط, ولكنه بدا وقد كبر عشر سنوات. أصبح جسده نحيلاً, ورؤيته بهذا الشكل ملأت قلبي بالألم الفظيع .
ذهب بابا إلى الأبد. انتظرَته أمي حتى يوم موتها تماماً, كما انتظرَت العودة إلى الوطن, وتماماً كما بحثت في عقلها عن اسماعيل. رجع يوسف فاقد الحس, واهتمامه بالطعام أو الكلام معدوماً تقريباً, اتسع بؤبؤا عينيه فاحتلا كامل العينين, فبدتا كأنهما تريان شيئاً خفياً . وفي وقت لاحق, سمعت أخي يوسف مصادفة يتحدث إلى أمين. ووقعت عليّ كلماته إلى أمين كالصاعقة. قال : لقد كان هو ! رأيت الندبة ! إنه حي, وهو يهودي يُسمونه دافيد !! كان أخي قد رأى جندياً يهودياً, له ندبة مطابقة لتلك التي ميزت وجه أخينا إسماعيل الذي اختفى قبل أن أولد بسبع سنوات .

كانت يولانتا تتأمل دافيد المنحني بكتفيه العريضتين على طاولة العشاء. حاولت بصعوبة أن تستوعب كم من الوقت قد مر منذ ذلك اليوم البعيد, عندما أحضره موشيه لها صرة خائفة ومجروحة. كانت يولانتا تشعر بالقلق من أنه في يوم ما سيعرف أنه لم يكن حقاً إبنها. لم تكن تريده أن يلتحق بالجيش, ولكن كان يجب على كل يهودي أن يخدم في الجيش. فمنذ يوم وصوله في تموز 1948 اختزل كيان وجودها الماضي لتصبح والدة دافيد. تأملت يولانتا دافيد ويده مضمدة من آثار الحرب. فقالت لنفسها , لا أكثر: إنه إبني, هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يحتاج إليها .

كان دافيد قد مكث في البيت أقل من ساعة عندما جاء صديقه يرئيل حاملاً له الأخبار عن سجين عربي مُعين. فقال يرئيل: إبن العاهرة, إنه صلب, ينبغي أن يكون قد مات من الضرب. فقال دافيد: لا يهمني, هاك بعض الفطائر, ماما أعدتها. فقال يرئيل: يجب أن تأتي وترى هذا العربي. كأنه .. كأنه توأمك !! بلع دافيد ريقه وقال: حسناً. كان يوسف في زنزانة مع خمسة عشر آخرين. تقدم يرئيل من يوسف وقال: ها هو. فقال دافيد وهو يرى وجه يوسف المتورم: لعنة الله عليك يا يرئيل! جعلتني أقطع كل هذه المسافة من أجل هذا؟ فقال يرئيل: لعنة الله عليك أنت يا دافيد! لم يكن متورماً هكذا أمس. ولكني أعتقد أن عليك أن تعود إلى هنا مرة أخرى. وبعد بضعة أيام ذهب دافيد مع يرئيل مرة أخرى إلى السجن. كان التورم قد خف عن جسم يوسف. فتح يوسف عينيه, وبدت ندبة دافيد ظاهرة, فنظر كل منهما إلى الآخر ما يقارب العشرين ثانية. حينها انحدرت دمعة من يوسف وقال : إسماعيل !!
يوسف السجين 1967. هنا في هذا المكان أعيش على حب فاطمة وذكريات مستقبلنا المفترض. لا أستطيع أن أرى, فعيناي مغلقتان من الورم. أفكر في فاطمة, حبيبتي, وأستطيع أن أستنشق رائحة الياسمين في شعرها. أستطيع أن أرى رموشها ترفرف في الهواء, أراها في بستان الخوخ تحت سماء الشرق الصافية. نقلوني الجنود إلى العيادة. لقد خف التورم قليلاً عن جسدي, وشعاع المصباح الكهربائي يتسرب إلى داخل عينيّ. أجد الضوء, أول مرة منذ الأزل, وهو يضيء ندبة من حياة أخرى. إنها الندبة التي رسمتُها بإهمالي على وجه أخي إسماعيل. لكن إسماعيل ميت. هذا جندي يهودي, وجهه مثل وجهي تماماً, لقد استولى على ندبة أخي. لا بد أنني أحلم. أمد يدي لألمسه, لكنه يبتعد إلى الوراء. لاحقاً أصبحت موقناً أنه لم يكن حلماً. إسماعيل حي. أخي يهودي, وهو جندي إسرائيلي !! ما زلت على قيد الحياة. يعيدونني إلى بستان الخوخ حيث اكتشفت الفردوس في بشرة فاطمة. المخيم مدمر. فرض على اللاجئين أن يصبحوا لاجئين مرة أخرى. رأيت أمي, تبدو متماسكة, ورأيت شقيقتي الصغرى آمال. لم ير أحد أبي منذ الحرب. تميل السماء على أضلاعي المكسورة وأنا أتصور ما لا يمكن تصوره : ذلك الأب, الرجل الذي ظننته لا يموت, مات.

الأخوان يلتقيان مجدداً. كان دافيد يتسكع في الجيب العسكري عندما اقترب من الحاجز فلسطينيان. أمرهما الجندي بالتنحي قليلاً, وأسند رأسه إلى سيارة الجيب, حيث كان دافيد يتناول قطعة من البطيخ, وصاح قائلاً : هيه! تعال وانظر إلى هذا العربي إبن الزانية. إنه يبدو كتوأم لك !! اقترب دافيد من الفلسطيني مسترقاً النظر من تحت حافة خوذته, حدق كل منهما في الآخر متفجراً بالأسئلة : (من أنت أيها العربي القذر؟ وكيف أصبحت يهودياً يا اسماعيل!) حينها سأل يوسف : هل إسمك إسماعيل ؟ حينها صفع دافيد العربي, وركله حتى أفقده الوعي. فقال الجندي الآخر: إرجعا حيث جئتما. ثم ابتعد دافيد وهو يلهث.
مثلما فعلت النكبة بحسن, ألقت النكسة إبنه يوسف في المصير المجهول عينه. أطبقت مخالب الإحتلال على عنقه بلا نية للتراخي. كبر يوسف وكبر شبهه لأبيه. في ظل صعوبة الحركة تحت الإحتلال, اضطر يوسف للتخلي عن منصبه في جامعة بيت لحم, وقبول وظيفة للتدريس في مدرسة البنين التابعة لوكالة الغوث, حيث عمل والده بواباً. وجدت الصلابة تربة خصبة في قلوب الفلسطينيين, وبُذرت بذور المقاومة ونمتْ تحت جلودهم, وأصبحت القدرة على الإحتمال السمة المميزة لمجتمع اللاجئين, لكنهم دفعوا الثمن غالياً . تعلموا أن يحتفلوا بالإستشهاد, فهو التحدي النهائي للإحتلال الإسرائيلي.
كانت آمال تعشق أخوها يوسف, وتتوق إلى أن تكون جزءاً من يومه. ولكن بعد أن قام دافيد بضرب يوسف, أغلق يوسف أبواب قلبه, فلم يعد يوسف وآمال يتحادثان إلا لماماً. ما زالت تأتيه رسائل من فاطمة, ولكن من دون أن تتلقى أي رد. فبعث لها برد مع آمال. وقعت عينا فاطمة على آمال وهدى من نافذة منزلها, فانتظرت بفارغ الصبر الرسالة من حبيبها. أشرقت غمازتا خديها بابتسامة وهي تأخذ الرسالة. وبعد لحظات كسر نحيب فاطمة من الغرفة الصمت الذي تلا حديث آمال وهدى, فقامتا وذهبتا إلى البيت. وعندما وصلتْ آمال إلى البيت علمت أن يوسف يعتزم الرحيل, فخرجتْ راكضة إلى ما بين الأشجار.
 يوسف يرحل 1968. هأنذا هناك, وراء الصف الأول من الأشجار في بستان الخوخ, وكان الظلام يزحف . كان الجو بارداً, وكان شعوري بالوحدة كبيراً حتى أنني لم أشعر بالخوف. ثم سمعت صوتاً يتكلم بلغة عربية ركيكة يقول : توقفي !! , رفعت عيني فكان جندي. قال لي: عودي إلى بيتك ! ولعدم ثقتي بهم ابتعدت عنهم بخطوات متثاقلة ومتشككة, ثم قفزت باتجاه البيت. وأنا أركض, شعرت بطنين أشعل ناراً في أذني, إذ مر شيء فظيع على بعد بوصة من رأسي. ثم شعرت ببطني تشنجت. وفي اللحظة نفسها كنت قد لمست ساقي اليمنى ونظرت إليها, فإذا هي مبتلة ودافئة بشكل غريب. مر بخاطري أن هناك فيضاً كبيراً من دماء الحيض, ولكني كنت قد أصبت بطلقة نارية. فتحت عيني بعدها في المستشفى. كانت أمي تبدو ضعيفة, ترتدي ثوبها المطرز الجميل. حينها قدمت لي هدى رسالة كان يوسف قد تركها لي: أختي العزيزة آمال : يجب أن أذهب. أرجوكِ افهميني. ظننت أن بابا سيكون معنا إلى الأبد ولكنه راح. الإسرائيليون أخذوا منا كل شيء يا آمال, وما زالوا يأخذون المزيد. ولا أستطيع الجلوس ومشاهدة ما يحصل وأنا مغلوب على أمري. إغفري لي هذا الرحيل, أنا ذاهب للمقاومة. هذا خياري الوحيد. إن استشهدت, فليكن. افتخري بي, وادعي لي. المقاومة تتشكل يا آمال, وسوف نسترجع عاجلاً أو آجلاً ما هو حق لنا. لقد ولدتِ لاجئة, ولكن أعِدك بأني سوف أموت إذا كان لا بد من ذلك, حتى لا تموتي وأنت لاجئة. أرجو أن تبقي على اتصال بفاطمة, إنها تحبك ... أحبك دائماً ... يوسف .
في آذار من عام 1968 ,تقدمتْ عبر ضباب الصباح قوة إسرائيلية غازية وهائلة, لتعبر جسر الملك حسين متجهة إلى الكرامة, بهدف القضاء على القاعدة المقاتلة لمنظمة التحرير الفلسطينية. أخطأت إسرائيل في حساباتها, فقد قاتل الفدائيون بشجاعة أسطورية. واندفع بعض المقاتلين مع أحزمة ناسفة حول خصورهم, ليفجروا أنفسهم ويفجروا معهم الدبابات الإسرائيلية. كان أخي يوسف معهم, يقاتل وجهاً لوجه بجرأة وغضب, ونجح الفدائيون, واحتفلنا أنا وهدى وفتيات أخريات بطريقتنا الخاصة .
 رجعنا إلى المدرسة, وكنت قد اشتهرت بأني طالبة استثنائية. وبينما كنت غارقة في الخجل والدراسة, كانت هدى تقع في الحب. في ذلك الوقت, أصبح معروفاً في المخيم أن هدى هي فتاة أسامة, وأن زواجهما مسألة وقت فقط.
كان سني أربع عشرة يومَ وجدنا, أنا وهدى, ماما باردة في سريرها ظهر أحد أيام حزيران الحارة. اقتربنا ببطء, كانت ماما مضطجعة على جنبها. ماتت ماما وحيدة. سالت من عيني دموع هادئة. بكيت, ليس على وفاة هذه المرأة, بل على أمي...أمي التي كانت قد غادرت ذلك الجسد منذ سنوات, بكيت بارتياح فيه مرارة وحلاوة في آن معاً لأنها تخلصتْ أخيراً من هذا العالم البغي الذي سلبها روحها. بعد دفن أمي, جاء إليّ عمو جاك الإيرلندي وقال لي : تعالي إلى بيت عمك في وقت لاحق, نريد التحدث إليكِ, اتفقنا يا حبيبتي ؟ 
وجدتُ خالتي بهية في بيت عمي, لم أتوقع وجودها هناك لكني كنت سعيدة جداً لرؤيتها. كان التشابه بينها وبين والدتي مثيراً. كان هناك عمو جاك والحاج سالم . قال لي عمي درويش: البقية في حياتك يا آمال. نحن جميعاً محزونون على هذا المصاب. هكذا بدأ عمي درويش الكلام. بعد تقديم تعازيه إليَّ, قدّم لي بيته. قال لي بصدق: أنت من دمي ولحمي, وسأفعل كل ما في وسعي من أجلك. قاطعته خالتي بهية وقالتْ: أو يُمكنكِ العيش معي في طولكرم. انحنى عمو جاك إليّ وقال: وهناك خيار آخر يا آمال. فهناك مدرسة في القدس على استعداد لقبولك. كانت تلك داراً للأيتام, ومؤسسة أكاديمية تنافسية. وباعتباري يتيمة فلسطينية حاصلة على علامات مذهلة, قد يتم قبولي معفاة من كل التزام مالي. فقال الحاج سالم: هذا ما كان أبوك سيرغب فيه من أجلك. بقيت تلك الليلة في دار عمي درويش الذي قال لي: لا يمكن المستقبل أن يتنفس في مخيم لللّاجئين يا آمال! الهواء هنا كثيف يخنق الأمل. لقد أتيحت لك فرصة لتحرير الحياة النائمة فينا جميعاً. استغليها ! فقلت: لكني لا أريد أن أترك جنين. فقال عمي درويش: إذاً, يجب عليَّ إقناعك بطريقة أو بأخرى, لأنه في يوم ما, عندما نلتقي مجدداً, أنا ووالدك, سوف يكون عليَّ أن أخبر أخي الكبير أنني وضعت ابنته على الطريق الصحيحة, الطريق التي كان يريدك أن تسلكيها. كان هذا كل ما احتاج عمي أن يقوله لي .
الرحيل عن جنين 1969. كان الوقت قد حان للمغادرة. افترقنا, أنا وهدى, ودخلتُ سيارة الأجرة. ابتعدت في حطام الفراق المحزن. وبعد أكثر من ساعة سفر, أشار عمو جاك من النافذة نحو القدس. وصلنا دار الأيتام, (دار الطفل العربي). استقبلتنا الآنسة حيدر مديرة المدرسة التي تبدو امرأة قاسية. قالت لي: يجب أن تعتبري نفسك محظوظة بحصولك على التعليم الذي ستتلقينه هنا. كان المبنى يتكون من خمسة طوابق. ثم قالت المديرة: إحملي أغراضك واتبعيني! على السيد جاك أن ينصرف. ودعني عمو جاك وأعطاني رزمة صغيرة ملفوفة بورقة جريدة. عندما دخلت احتشدت حولي نحو ثلاثين فتاة. اقتربتْ مني فتاة اسمها سمرة ذات شعر أحمر, ثم جاءت فتاة أخرى قالت : ابتعدن عنها! أطاعها الجميع. وكان هذا أول لقاء لي و"منى جلايطة" التي أصبحت فيما بعد صديقتي العزيزة .

لم أر عمو جاك مرة أخرى بعد أن أوصلني إلى هنا, وعلمت فيما بعد أن عمو جاك توفي أثناء نومه. ولم أتمكن من العودة للمشاركة في الجنازة, لأن حظر التجوال كان قد فرض على جنين, ولم يكن لديّ المال الكافي للقيام بالرحلة .

دار الأيتام 1969-1971. أخذتني منى إلى زمرتها التي كانت أقرب ما يمكن إلى أسرة. من بين صديقاتي الجديدات كانت الأخوات الكولومبيات, ياسمينا وليلى ودرينا, اللواتي وصلن إلى دار الأيتام قبلي بثلاث سنوات. في أعقاب حرب 1948, كان والدهن قد هاجر إلى كولومبيا, حيث ولدت الفتيات الثلاث, وعندما توفي والدهن, عُدن إلى فلسطين. كنا نحن الخمسة أنا ومنى والأخوات الكولومبيات قد عشنا أجمل أيام حياتنا هنا, على الرغم من أنه كان لدينا قليل من كل شيء. وكثيراً ما تمر علينا الأيام من دون طعام كاف. الصداقات التي كونتها في دار الأيتام, كانت واسطة العقد في جواهر أعز ذكرياتي عن مرحلة المراهقة. طبعاً, لم أتمكن قط من تكرار الرابطة التي كانت بيني وبين هدى, كنت أنا وهدى مقيدتين إلى الأبد بطفولتنا, بستة أيام من الرعب في حفرة المطبخ, وبأخوّة ظلت بلا مثيل طوال حياتي. لكنّ القدر كان قد أحدث شرخاً في حياتنا, واضعاً إيانا على مسارين متوازيين ومتباعدين .

على قدر ما كنا نريد أن نؤمن أن لا شيء سيتغير, وأننا سنبقى عائلة في دار الأيتام من خمس صديقات إلى الأبد، فقد زحف التخرج نحونا, عندما حل العام 1973, كانت درينا قد تخرجت منذ سنتين, ولكنها بقيت في دار الأيتام كمعلمة للرياضة. كانت ليلى قد باشرت رحلتها في الدين المسيحي, وانتقلت إلى دير لتعيش فيه. وتخرجنا أنا وياسمينا معاً في تلك السنة, وكلتانا بتفوق. أما منى فكان لا يزال أمامها سنة أخرى. وحصلتُ على منحة دراسية في أمريكا. ولم أكن أستطيع الرحيل من دون رؤية هدى وأسامة وطفلتهما التي سمياها آمال !

غادرتُ متوجهة إلى جنين دون أن أخبر أحداً هناك. وصلت إلى جنين مساءاً. توقفت عند باب بيت أسامة وهدى. طرقت الباب. فتح أسامة الباب لي. رأيت ابتسامة أسامة العريضة, ثم قادني, ونحن نسير على أطراف الأصابع, إلى بيتهما. تفاجأتْ هدى, وطوقتني بذراعيها عندما أقحمت رأسي داخل المطبخ. وكما كان متوقعاً, فقد انخرطتْ في البكاء. أخذاني إلى مهد آمال الصغيرة. كانت طفلة مكتنزة, بشرتها زيتونية وشعرها أسود أملس قطني. استغرقنا في ذكرياتنا, وأسَرَتنا النميمة عن المخيم. وفي الصباح الباكر خرجت إلى القدس.

الغربة. أمريكا 1973. شعور بالنقص ميز الشهور الأولى التي عشتها في أمريكا. تخبطتُ في هذا العالم الذي لا نهاية له. حاولت الإندماج, ولكن بشرتي الداكنة ولكنتي الأجنبية ظلتا تشيان بأجنبيتي. تعرفت هناك إلى ليسا حداد وتعرفت إلى أمها أنجيلا حداد. وكانت هذه العائلة التي ستستضيفني, كما كان متعاقداً مع دار الأيتام, لفترة قصيرة. ومن أوضح ذكرياتي عن ليلتي الأولى في الولايات المتحدة, هو النوم لأول مرة في حياتي على سرير حقيقي, لا حصيرة ولا فرشة ممزقة. وبعد انتهاء مدة اقامتي مع عائلة ليسا انتقلتُ إلى السكن الجامعي .

مر العام الأول لي في الجامعة بلا أصدقاء. كان عاماً من العزلة والإنشغال. كانت لهجتي تُمثل عائقاً اجتماعياً. وتدريجياً استطعت أن أجد لنفسي مكاناً بين مجموعة صغيرة من الأصدقاء الذين شاركتهم المنزل نفسه حتى تخرجي. بقيت على أرض صلبة في المجال الأكاديمي طول سنوات الدراسة, ولكني انسحقتُ تحت اندفاعي إلى الإنتماء, والبحث عن مكانة في الغرب. تحولتُ إلى مخلوق عربي- غربي غير مصنف. شربت الخمر وواعدت عدة رجال. تهت في دروب الثقافات. عشت في الحاضر, واحتفظت بالماضي مخبئاً بعيداً. لم أكتب لهدى ولا لمنى ولا للأخوات الكولومبيات, ولا لعمي درويش أو خالتي بهية. فشعرت بالعار لأني خنت عائلتي وذاتي, وسلمت نفسي للعادات الأمريكية وعشت حُرّياتهم .

بعد سنة من البدء بالدراسات العليا في كارولاينا, وصلتني البطاقة الخضراء, وأصبحتْ الولايات المتحدة بلدي الجديد. آمال اللاجئين الصامدين والبدايات المأسوية أصبحت الآن "إيمي". ومرت سنة أخرى, حينما رنَّ جرس الهاتف في الخامسة صباحاً. التقطتُ السماعة وأنا شبه نائمة, فأجابني صوت بنبرة رجالية, وظننت أنني عرفت هويته فاستيقظتُ تماماً. كان هذا صوت يوسف. قال لي: وأخيراً, يا أختي الصغيرة! منذ أشهر ونحن نحاول العثور عليكِ. ثم أخذ شخص آخر السماعة, وكانت فاطمة. قالت: لقد وجدناكِ يا آمال. أنا حامل بطفلنا الأول! أين أنت الآن في الولايات المتحدة؟ ؟ نحن في لبنان. كانت رتبة أخي قد ارتقت في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية, في السنوات التي تلت معركة الكرامة. فانتقل بعدها إلى لبنان, وعمل أخي في التدريس بمدرسة تابعة لوكالة الغوث التي تخدم مخيمي صبرا وشاتيلا, وواصل العمل في صفوف المقاتلين الفلسطينيين .

تخرجتُ في حزيران من دون أي خطط إلا الذهاب إلى لبنان. فمنذ أن اتصل يوسف, ندر أن يذهب فكري إلى شيء سوى العودة إلى عائلتي, العودة إلى نفسي. وأنا أستقل الطائرة إلى بيروت, شعرت بالحزن لترك أمريكا, التي اعتبرتها وطني الفترة الماضية, ولكني كنت سعيدة بلقاء ما ينتظرني, آملة الوصول قبل أن تجعلني فاطمة عمة .
في أثناء خروجي من المطار استقبلني رجل ذا عينان داكنتان, وشعرات متناثرة نبتت بشكل عشوائي في محيط فكه لتصبح لحية. قال لي: الحمد لله على السلامة. إسمي ماجد. أرسلني أخوكِ لاصطحابكِ. لقد عرفتك على الفور, تشبهين يوسف. فقلت له: الله يسلمك. بدت حركة المرور في بيروت مرتبكة وسط هرج أبواق السيارات ومرجها. سألته: لماذا لم يأت أخي بنفسه لاصطحابي؟ فقال لي: نسيت أن أخبرك. أنجبت فاطمة مولودها. لديكِ إبنة أخ! كان شاتيلا أحد مخيمات اللاجئين الثلاثة في منطقة بيروت. وحين وصلنا إلى المخيم, بدأ الأطفال ينادون على ماجد, وقد لمح المفاجأة في وجهي : دكتور ماجد. لم أعتبر هذا الرجل متعلماً. لقد نظرت إليه بعيني "إيمي", وقد رأى ذلك. فخفضت نظري محرجة من حكمي عليه ومضيت. الآن, بعد ثلاثة عشرعاماً من الإنفصال, لم يبق إلا عشرون خطوة على الأكثر. يمكن اجتيازها بسهولة. رآني يوسف فنهض من بين رفاقه في منظمة التحرير. ركضت إليه, وبقيت في حضنه أطول وقت ممكن .

في وقت لاحق, وحدي مع شقيقي في فناء الدار, سلمته الرزمة, كما أعطاني إياها عمو جاك. وعندما رأى يوسف غليون أبي أخذ يبكي. قدّمنا, أنا وأخي, الطعام لفاطمة على السرير عندما استيقظت, واستمتعنا ثلاثتنا بالطعام معاً, محتفلين بلم الشمل والعائلة. التقطت ذلك المساء العديد من الصور في شاتيلا, ولكن واحدة منها كانت أعزها على قلبي. إنها تستحضر تفاصيل سعادة ذلك اليوم. كان فيها شقيقي الكبير واقف بابتسامة عريضة تكشف عن أسنانه, يحمل طفلته البكر, فلسطين, بينما فاطمة, حب حياته, تميل بغنج على كتفه وهي تبتسم, في مسكنهم الصغير في بلدة اللاجئين وصفائح التنك تلك .
ذات يوم جمعة, جاء ماجد لزيارة أخي بعد الصلاة. شهد ذلك اليوم نهاية أسبوعي الثاني في مدرسة البنات التابعة للأمم المتحدة, حيث كنت قد حظيت بوظيفة تدريس في الصيف. مرت فاطمة بقربي حاملة صينية عليها مكسرات وقهوة لضيفها, وهمست في أذني: هذا هو الطبيب الذي كنت أحدثك عنه. كان هذا الرجل الذي أمَلت فاطمة أن تُزوجني إياه, كان الرجل الذي اصطحبني من المطار. ولاستكمال مسعاها, اقترحت فاطمة أن يصطحبني ماجد في جولة لمشاهدة المدينة, تردد هو, وأنا شعرت بالإحراج. تجهم يوسف, مع أنه كان يثق بماجد. أضافت فاطمة: أقصد فقط أن بإمكان آمال أن تساعدك في عمليات التوليد. لم يبدِ شقيقي أي اعتراض, ورحّب ماجد بدوره بمساعدتي.
كانت أول حالة توليد لامرأة تدعى أم ليث. ساعدتُ ماجد كثيراً في عملية الولادة. وحين خرج الطفل كنت قد اغتلست وغادرت, يلاحقني جهد ساعات مضت. لحقني ماجد بعدها, ورأيته كان قد قص شعره. وبعد ذلك بأشهر, سيخبرني أنه فعل ذلك من أجلي, ليعطي انطباعاً أفضل. قال لي : جائعة ؟ قلت: بإمكاننا أن نأكل في وسط البلدة. ابتسم وظهرت على خده الايسر غمازة لم أكن قد لاحظتها من قبل. اكتفينا بأكل شاورما بجانب البحر .

احتل ماجد أفكار آمال. ملأ أحلام يقظتها التي استعادت فيها مراراً الوقت الذي أمضياه معاً, باحثة عن المعاني الخفية لكلماته. في يوم عادت من المدرسة ليقول لها يوسف: ماجد ترك لكِ هذا الكتاب, وطلب أن تعتني به جيداً. أخذتُ الكتاب ببطء, وفتحته, والوهن ينبعث من رقة صفحاته النفيسة. وفي الداخل اندسَّ مغلفاً مكتوباً عليه إلى آمال: بسم الله الرحمن الرحيم. آمال الغالية.. لست واثقاً كيف أبدأ هذه الرسالة, إلّا أنْ أقول لكِ إنني منذ ذلك اليوم الذي أحضرتكِ فيه من المطار, لم أفكر في أي أمر سواكِ. ومنذ ذلك اليوم على الشاطيء, ظللتِ في أحلامي. لقد وهبت حياتي للمقاومة, وأقسمت على الكفاح حتى النهاية. ظننت أن قلبي كان مليئاً بالمسؤوليات, بحيث لا يمكنه تقديم وعد آخر. ولكنكِ لمستِ قلبي في مواضع لم أكن أعرف أنها موجودة. وأنا مضطر إلى تقديم وعد آخر إضافي, وهو: إذا كنتِ ستقبلين بي, فسوف أحبك وأحميك طوال حياتي . المخلص ماجد. خفق قلب آمال بقوة مفعماً بالحب .

التقينا سراً بعد ذلك بيومين. أراد ماجد أن يسمع جوابي بعيداً عن التعليقات والتوقعات. وهكذا كان, في البقعة المفضلة لدينا, خارج قرية طبرجا الساحلية الخلابة. هناك تعانقنا أنا وماجد لأول مرة. قال لي ماجد: هل تتزوجيني يا آمال ؟ أومأت برأسي موافقة, وجسدي يضمه بين ذراعيه, لنستغرق في الزرقة الفاتنة العابقة بالحب. قال: أحبك!  فقلت: أنا أحبك أيضاً. عدنا معاً لإذاعة الخبر.

الحب 1981. التقى ماجد آمال يومياً طوال الشهر الذي استمرت فيه خطوبتهما. كانا يتحدثان, لا من أجل المعنى, بل ليسمع كلٌّ منهما صوت الآخر. واقترب ذلك اليوم الموعود بسرعة, ولم أكن في حياتي قط مَركزاً لكل هذا القدر من الفرح والإهتمام. وتزوجنا. ووجدنا منزلاً صغيراً قرب شاتيلا, كي أتمكن من مواصلة عملي في التدريس في المخيم, وأكون أقرب من فاطمة والرضيعة. كنا سعيدين إلى أقصى حد يستطيع كل إنسان أن يحلم به. حتى عندما قُرعت طبول الحرب, كنا نتحدث عن إنجاب أطفال, وعن التقدم في السن ومقارعة الأحفاد .

كان ابتهاجي بحملي كبيراً, وتضاعف مرتين عندما أكدت العيادة حملينا أنا وفاطمة. كانت إسرائيل تقصف بيروت مستفزة منظمة التحرير الفلسطينية فترد عليها الأخيرة بالمثل. حينها أقنعني يوسف وماجد حتى فاطمة بأن عليّ أن أعود إلى الولايات المتحدة, وأجدد بطاقتي الخضراء, وأبدأ بإجراءات الهجرة لزوجي وفاطمة ولفلسطين التي قاربت السنة من العمر. أما يوسف فمصيره كان مرتبطاً بمنظمة التحرير الفلسطينية, ولكنه احتاج إلى الإطمئنان إلى أن عائلته ستكون في أمان .

الحب. لانهائي. إلى الأبد. كانت تلك كلمات زوجي في المطار يوم غادرت بيروت. الساعة التاسعة من صباح يوم 16 أيار 1982. بعد ست وعشرين ساعة من مغادرتي بيروت, وصلتُ فيلادلفيا. أتصلت بالدكتور محمد ماهر, الذي كان يشرف على دراسة ماجد في إنجلترا, والذي كان يعتبره إبناً له, وقد استقر الآن في فيلادلفيا أستاذاً. كان ماجد يتبادل المراسلات مع الدكتور ماهر, لترتيب الأمور. فوجدتُ وظيفة في انتظاري. ستكون مهمتي إعداد تقارير تجارب الطب السريري. وتسارعتْ الحياة, وفي غضون أسبوعين كنت قد تدربت على العمل. وزرت طبيب التوليد, وحصلت لزوجي على الموافقة لكي يأتي إلى أمريكا. ولكن كان الحصول على تأشيرة دخول لفاطمة سيتطلب ما لا يقل عن شهر آخر. تولت إليزابيث, زوجة الدكتور ماهر, مهمة التثبت من أنني آكل جيداً, وأتناول الفيتامينات. وكانت موجودة لتشاركني خيبة أملي من فشلي في أن أتصل بزوجي بسبب الخطوط المشلولة.  وتراكمت الأيام من دون أن أسمع شيئاً عن ماجد أو يوسف أو فاطمة أو دائرة الهجرة والتجنيس. وانتهيت بين الفراغ وشؤم نشرات الأخبار المسائية حتى انهار كل شيء في 6 حزيران 1982. إسرائيل هاجمت لبنان. وظلت خطوط عائلتي الهاتفية مقطوعة. جررت نفسي عبر أيامي, وأصبح عقلي مهووساً بالأنباء. وبحلول شهر آب كان محصلة الإجتياح 17500 قتيل من المدنيين, و 40000 جريح, و 400000 من دون مأوى, و 100000 مشرد. رقد لبنان مدمراً ومنتهكاً, وإسرائيل تزعم أنها أجبرت على الغزو من أجل السلام. وخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان ونفوا إلى تونس .

في العاشر من أيلول, استيقظتُ في رعب فظيع, بينما كان جرس الهاتف يقرع في زاوية من ذهني. كان يوسف وكان قد وصل إلى مكانه في المنفى في تونس, حيث ترك رجال المنظمة زوجاتهم وأمهاتهم وآبائهم ورائهم. أما ماجد فبقي في حماية مبنى المستشفى, والتقى بأخي يوسف قبل رحيله, ثم توجه ماجد إلى شقتنا في مبنى التعمرية. وبعد خمس ساعات ألقيت قنبلة إسرائيلية فسوّت مبنى التعمرية بالأرض. قال لي يوسف: بحثت في كل مكان يا آمال, وأنا على يقين أن ماجد كان داخل البناية. لم ينج أحد !! وبكى أخي على الهاتف. أسندتُ نفسي إلى الأرض بذراعيَّ, جلستُ أسيرة الفراغ, مخدرة, أتأرجح على الأرض. تبخرت الأحلام تحت وطأة الواقع الجديد..الأحلام التي حلمناها أنا وماجد. قتلوا ماجد, قتلوا حكاية حبي الأبدية التي أبداً لم تُرو. في تلك اللحظة شعرت بالركلة الحميمة للطفلة التي في داخلي, ولاحظت أن الشمس قد أشرقت.

في 16 أيلول, حاصر جيش شارون مخيمي اللاجئين صبرا وشاتيلا, حيث كانت فاطمة وفلسطين تنامان في سلام من دون يوسف. بعد ذلك بيومين, دخل أول الصحافيين الغريبين المخيم وأدلى بشهادته. كتب "روبرت فيسك" في كتابه "رثاء الأمة" : (توقفنا عن عد الجثث عندما وصلنا إلى الرقم مائة. كانوا في كل مكان. على جوانب تجمع النفايات جثث نساء وشبان ورضع وشيوخ ممددة حيث تم ذبحها أو رميها بالرصاص. وجدنا علامات على مقابر جماعية حفرت على عجل. ما وجدناه داخل مخيم شاتيلا الفلسطيني في الساعة العاشرة من صباح يوم 18 أيلول 1982, لم يكن يجل عن الوصف تماماً, كانت هناك نساء ممددات وتنانيرهن ممزقة حتى خصورهن و قد تباعدت أرجلهن, أطفال حناجرهم ممزقة , صفوف من الشبان أطلقت النار على ظهورهم أمام جدران الإعدام . كان هناك أطفال رضع لونهم مسود, لأنهم كانوا قد ذبحوا قبل أكثر من 24 ساعة, فتحللت أجسادهم الصغيرة . وتحت, في زقاق إلى يميننا, تمددت كومة من الجثث. أكثر من اثنتي عشرة جثة, شبان التفت أذرعهم وسيقانهم بعضاً حول بعض في نزع الموت. كلهم أطلقت عليهم الأعيرة النارية من مسافة صفر عبر الخد, ومزقت الرصاصة خطاً من اللحم صاعدة إلى الأذن وداخلة في الدماغ. كان أحد الشبان مخصياً, وسرواله ممزق. عيونهم كلها كانت مفتوحة. أصغرهم كان في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر). في الفقرة التالية من الكتاب, وجدت مصير فاطمة وصديقاتها, تلك النساء اللواتي تناقلن القيل والقال عني عندما وقعت في حب ماجد, واللواتي غنين ورقصن وبكين في حفل زفافي : (على الجانب الآخر من الطريق الرئيسية, وجدنا أجساد خمس نساء وعدة أطفال. كانت النساء في منتصف العمر, كانت واحدة مستلقية على ظهرها وثوبها ممزق ومفتوح, ورأس طفلة صغيرة يبرز من خلفها. كان للطفلة شعر قصير, داكن ومجعد, كانت ميتة. شخص ما قد شق بطن المرأة وفتحه بالعرض ثم إلى الأعلى, ربما في محاولة لقتل طفلها الذي لم يولد بعد. كانت عيناها مفتوحتين على اتساعهما, وجهها الداكن متجمد رعباً). كان أحد المصورين قد صور النسوة, وشاهدت تلك الصورة في الصحافة العربية, وأول ما ميزت فيها هو ثوب المرأة الأزرق الباهت. دشداشة فاطمة المفضلة, والطفلة الصغيرة ذات الشعر المجعد خلفها كانت إبنة أخي, فلسطين!

هاتفني أخي يوسف صارخاً: كم يجب علينا أن نتحمل ؟ وكم يجب علينا أن نقدِّم ؟ هل رأيت ماذا فعلوا بفاطمة حبيبتي ؟ لقد شقوا بطنها يا آمال !! لم يكن لدي أي كلمات. هز نشيجه الأرض تحت قدمي. لعن يوسف إسرائيل والأمريكيين, وعرفات, والعالم. قطع على نفسه عهداً بالإنتقام. نوبة الألم تلك فتت يوسف. لقد قتلوا أخي الحبيب غيابياً عندما قتلوا فاطمة. والغضب وحده الذي يجعل قلبه ينبض. حينها اندفع ماء الولادة من داخلي, وحملت سيارة إسعاف جسدي المبتل, الحامل. أخيراً, استلقت طفلتي ملفوفة بين ذراعيَّ, مثل برعم زهرة, وأخذت تغرف الحياة من قلبي المتصلب. فرضت عليّ هذه الرضيعة الرقيقة إرادة الحياة, وأنا استأت منها لأجل ذلك, لأن كل ما رغبته حقاً في ذلك الوقت, هو أن أموت!

وباشرتُ الأمومة من دون ماجد. كان الدكتور ماهر وإليزابيث هناك, ثابتين, شفيقين. انتقلتُ للسكن عندهما بناءاً على إصرارهما, أنقذانا, أنا وسارة. آخر مرة تحادثنا فيها, أنا ويوسف, كانت في كانون الثاني عام 1983. قال لي حينها أنه ترك منظمة التحرير ورجع إلى لبنان. ذهب أخي إلى غير رجعة. ترك روحه تهيم في صبرا وشاتيلا, حيث تمددت ابنته وزوجته في مقبرة جماعية تحت أكوام القمامة, في ظل حصانة قاتليهم, وتحت لامبالاة العالم تجاه الدم العربي المسفوك.

وجاء شهر نيسان من العام 1983. وفي يومه الثامن عشر, استجبتُ لجرس الباب, آملة أن أجد يوسف واقفاً هناك, ولكن كان هناك رجل وسيم أزرق العينين. قال لي : هل أنت آمال أبو الهيجا ؟ نود أن نتحدث إليكِ. وفجأة دخل ستة رجال إلى منزلي. طلبا مني أن آتي معهم إلى مركز البوليس. وهناك أخرج رجل إسمه جاكسون صورة, وقال: هل تعرفين هذا الرجل ؟ أخذت صورة يوسف بيدين مرتعشتين. قلت: هذا أخي. فقال الرجل: نعتقد أنه الإرهابي الذي فجر مبنى السفارة في بيروت. طوال الساعات العشر اللاحقة أجبت على أسئلتهم واتهاماتهم. هو فعل كل ذلك: التخطيط, والتجهيز, والتفجير. فقلت: أنا لا أصدقكم . كان أخي صبياً مشى على تلال طولكرم, وشرب من ينابيع الماء في قلقيلية! ولعب كرة القدم في سهول حيفا. لعبنا النرد, أنا وهو! كان رجلاً ذا ابتسامة تشبه البحر. كرّس قلبه لامرأة واحدة فقط. والحزن الذي أحس به من أجلها, هزّ الأرض ونثر دماء الواقفين عليها!

يوسف المنتقم 1983. أرى وجهها في كل ما أفعله. كلِّ ما ألمسه. دشداشتها الزرقاء البالية. أشتري لها غيرها, ولكنها تحب الزرقاء. زوجتي الجميلة, أم فلسطينتي وطفلٍ آخر من صلبي, لن أعرف إسمه أبداً. فاطمة هي الهواء الذي أتنفس. هي تجسد الحنان. هي الحب. أغادر. ثم تلك الصورة. الدشداشة مشقوقة وغارقة في الدم. أنا غارق في الحزن, يعتصر قلبي غضب لا يمكنكم تخيله. أنا إبن عربي. وُلدت لداليا وحسن. جدّي يحيى أبو الهيجا, وجدّتي باسمة. أنا زوج فاطمة, أبٌ لاثنين. أنا رجل مسكون. العاصفة تتكون في داخلي. أسعى للإنتقام, لا أكثر. وسوف أحصل عليه. ولن تروا أي رحمة.
بقيتْ سارة حتى الرابعة من عمرها تقريباً تتوجه إليَّ, وتكاد تقطر منها حاجتها للحنان. كنت أمَّا أفضل خلال السنوات القليلة الأولى من حياة ابنتي. عندما كانت سارة لا تزال صغيرة, اشتريتُ بيتاً متهالكاً. وقمت بنفسي, بترميمه على مدى ثلاث سنوات. وسرعان من انبثقت انتفاضة الأرض, وتسلقتْ إلى أيدي الفلسطينيين. الحجارة التي قذفوها صدعت هالة المجد المرضي للنصر الإستعماري. كان من بين أطفال الحجارة إبن هدى وأسامة, منصور, إبن الست سنوات. كان منصور صعب المراس. احتجزه الجيش لمدة أسبوع. ولم يعرف أحد ما الذي حدث لمنصور, ولكن عندما أعيد إلى عائلته, لم ينظر في عيني أحد, وكان قد فقد النطق. منذ ذلك الحين, اعتادت هدى وابنها الغناء على عتبة النوم, ملاطفين الليل بأنغام لفتح أبواب الأحلام السارة .

ازداد تفكير دافيد في آمال أكثر فأكثر, فهي كل ما تبقى من عائلته. كان موشيه هو الشخص الذي أخبره أخيراً, في اعتراف رجل على حافة الموت. دعته صدمة معرفة حقيقة أصوله, إلى التشكيك في كل فكرة, وفي كل حب, وفي كل قناعة. إعتراف موشيه ترك دافيد متسائلاً: هل كنت قد قتلت أقربائي بنفسي ؟ وتغير دافيد تحت وطأة إلحاح جذوره عليه كي يعرف المزيد. لم تستطع زوجته احتمال فكرة أن زوجها لم يولد يهودياً أصلياً. انفصلا في النهاية, وانشطرت أسرة دافيد: فإبنه البكر, يوري, وهو صهيوني متحمس, لم يرد أي علاقة من أي نوع مع والده, وساند والدته بشدة. في حين طلب يعقوب أن يعيش مع والده. يولانتا منحت دافيد مباركتها ليفعل كل ما يرشده إليه قلبه. وبحث دافيد عن عائلته, ولكن بحلول ذلك الوقت كانت داليا قد توفيت. ويوسف كان قد ذهب إلى الخارج للنضال مع منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت آمال تعيش في أمريكا . بحث دافيد ويولانتا معاً. ووجد دافيد أخيراً هدى, وتمكن من الوصول إلى دار الأيتام والتحدث مع منى جلايطة, وتمكن من تحديد مكان آمال حسن يحيى أبو الهيجا. وبعد عقدين من الزمن, عندما اتصل دافيد بآمال شعرت بأنها كانت تنتظر اتصاله طوال كل تلك السنين .

كانت آمال تُعدُّ السّلطة, في انتظار ابنتها سارة التي ستعود إلى المنزل لتناول طعام العشاء. لم يتبق لسارة إلا بضعة أيام قبل أن تعود إلى الجامعة بعد انتهاء العطلة الشتوية, وستكون هذه أول ليلة لهما معاً منذ عودتها من الجامعة. رن جرس الهاتف. وضعت آمال لوح التقطيع ورفعت السماعة, فجاء الصوت من على السماعة: هالو. هل هذه آمال ؟ فقالت آمال: نعم, من المتكلم ؟ فقال الصوت: أنا دافيد أبرام. سألت: هل أعرفك؟ قال: كلا.. أعني نعم. ولكن أعتقد أنك قد تعرفينني بإسم إسماعيل. حينها عاصفة الماضي أخذت تتصاعد في عقل آمال ومنعتها من التفوه بأي كلمة. فقال: أعرف أن هذه صدمة لك, ولكنني سأكون في الولايات المتحدة في غضون يومين, وكنت أتساءل عن...
وصلت سارة ورأت آمال مصدومة. فأخبرتها أمها عن دافيد. فأعربت سارة عن اغتباطها لأنها عرفت, ولو متأخراً, شيئاً ما عن عائلتها .

أنا ودافيد 2001. كانت أمامي ساعة واحدة لتنظيف المنزل قبل أن يصل دافيد. قررت سارة أنها لا تريد أن تكون في البيت عندما يأتي. قالت سارة: أعتقد أنه ينبغي أن يتوافر لكليكما بعض الوقت وحدكما في لقائكما الأول. عندما عدت من توصيل سارة, كان دافيد قد وصل. وقف دافيد إلى جانب شجرة القيقب الصغيرة. حدّق كل منا بالآخر قبل أن أقترب منه , كلانا مرتبك. بدا أكبر سناً مما تخيلته. كان يشبه يوسف. دارت الأحاديث بيننا مرتبكة عقيمة. قدمت له القهوة العربية بقرب المدفأة, حيث كان واقفاً  يحدق في الصورة التي التقطتُها في شاتيلا عام 1981, حيث كان يوسف يبتسم, وفاطمة كذلك, وفلسطين ملفوفة بين ذراعي أبيها. قال: أشبهه تماماً!! ما فعله شقيقك عندما رآني أول مرة, هو أنه حدق في ندبتي فقط. قلت بهدوء: كان إسمه يوسف. هل آذيته؟ قال: نعم! أردت أن أكره دافيد لأنني أحببت يوسف, ولكن في وجهه رأيت عيني ماما, وأنف بابا, وهوية دافيد الخاطئة .

روت آمال قصة الحب العاصفة بين فاطمة ويوسف لأخيها دافيد, بينما أنصت دافيد وهو يتوق إلى العودة بالزمن إلى الوراء. كان سيفعل الأشياء بشكل مختلف. كان سيأخذ يوسف بين ذراعيه ويدعوه أخي .

سألني دافيد: كيف كانت تبدو أمك ؟ حينها نهضتْ من داخلي روح مُعتمة, وأحاطتني مثل سترة وقاية هزيلة. قلت له: أحبتْ بلا حدود, وفوق كل اعتبار. كانت رقيقة جداً تجاه العالم الذي ولِدت فيه. فقال دافيد: لقد أحببت يولانتا. كانت الأم الوحيدة التي عرفتها في حياتي, لكنها سمحت لي أن أعيش في كذبة عميقة تسببت في ضرر شخصي كبير, من أجل أمومة بلا منازع . ويولانتا أحبتني أيضاً . ولا يساورني أدنى شك في ذلك, ولكن لا يمكن أن يتصالح الحب مع الخداع . فقلت له : ليس ثمة امرأة أخرى غير داليا, كان يمكن أن تكون أمَّا أفضل بالنسبة لي. حينها دخلت سارة من الباب. وشعرت بسعادة غامرة لرؤيتها فقلت لها: حبيبتي, أريدك أن تتعرفي إلى أخي دافيد.

بدأ الماضي مثل حلم الآن. لا أعرف متى توقفت أشباحه عن مطاردتي, أو متى أصبحتْ طفلتي الصغيرة امرأة, أو متى كبرتُ حاملةً إرث داليا كأم غير وثيقة الصلة بابنتي. قالت سارة لي: ماما, أنا ذاهبة إلى فلسطين . أريدك أن تأتي أنت أيضاً. أريد أن أعرف من أنا. قلت لها : سوف أفكر في الأمر. وفكرت في الأمر فعلاً. ولم أفكر في سواه تقريباً, واتخذت قرار العودة إلى جنين, بعد ثلاثة عقود من المنفى. وبعد أربع ساعات من الإستجواب ومن التفتيش الذي يصعب وصفه في مطار اللد, أخلي سبيل سارة وسبيلي, ومضينا في طريقنا. وفجأة صاح صوت ذكوري: سارة !! فاندفعتْ إبنتي لتهبط بين ذراعي شاب وسيم. أدركتُ من هو عندما رأيت دافيد يقف خلفه. كانت سارة ويعقوب, إبن خالها, إبن الثالثة والعشرين, يتراسلان منذ أن دخل دافيد حياتنا. قال لي يعقوب: شالوم, عمتي آمال. فقلت: مرحباً يعقوب. حينها ضمني دافيد,  شعرت بأنني بين ذراعي يوسف, بل ربما شممت رائحته .

أردت أن أرى القدس قبل التوجه إلى منزل دافيد في نتانيا. أن أتوقف للمرور بدار الأيتام, وأن أجد مكتب آري بيرلشتاين. ذهبنا إلى آري. أطللت عليه فوجدته بين الكتب. قلت له: أنا آمال حسن أبو الهيجا. حينها قال آري : يا الله! هل حسن هنا ؟ قلت: لا, نعتقد أنه قتل في 1967. وبعد صمت قال آري: أنت تشبهين داليا. حينها عرفته على ابنتي سارة وأخي دافيد وابنه يعقوب. كنا, في مكتب آري, ثلاثة أجيال تجاذبت معاً بفعل شبكة متصلة لقصة محبوسة أربكها القدر, ولكنها تجمعت في تلك اللحظة لتطالب بأن تُحكى. قال لي آري: كان والدك سعيداً عندما ولد يوسف. أين هو الآن, شقيقك يوسف ؟ فقلت: لا أعرف. يقولون إنه كان الرجل الذي قاد الشاحنة المفخخة إلى داخل مجمع السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983. حينها لهثت سارة. فلم تكن تعرف ذلك قط. وهوى وجه يعقوب, بينما تمالك دافيد نفسه بصمت. قادني آري في صورة زفاف والدي. وأخبرنا عن مجازفة والدي بحياته لكي ينقله وعائلته إلى القسم الغربي من القدس بعد حرب 1967. كنا منهكين حين غادرنا مكتب آري. كنت متعبة من الماضي.
كانت جنين في أخبارالآونة الأخيرة وكراً للإرهاب, أرضاً تؤوي الإرهابيين كما يقولون . كانت جنين أعلى بناء وأكثر ازدحاماً من تلك التي كنت قد غادرتها قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً . كان الجو مفعماً بالنشاط عندما وصلت. بدا كل شيء يتحرك في جنين. في اليوم التالي, دخلنا جنين. أمسكنا, أنا وابنتي, كلٌّ بيد الأخرى ماشيتين في الأزقة الملتوية. هكذا كنا نمشي أنا وهدى. توفي كبار السن, وأصبح الشباب كهولاً, وصارت البيوت أعلى, والأزقة الضيقة ضاقت أكثر. صوت من ماضيَّ زحف ورائي. تعانقنا بكل جزء من جسدينا, ونحن نضحك من خلال الدموع. قالت هدى: لقد أصبحت بدينة !! فقلت: وكذلك أنت ! وجذبتُ سارة إلى عناقنا, ومضينا بمرح إلى منزلها. مشينا بين الأزقة بينما كانت هدى تتكلم : اليهود أخذوا أسامة, وبقيت لوحدي مع إبني منصور في البيت. بينما جميل, أحد التوأمين, فهو مع المقاومة. اليهود قتلوا توأمه, جمال, عندما كان في الثانية عشر من عمره. لم يتعافَ جميل قط من أثر موت شقيقه بين ذراعيه. ثم دخلنا بيتها. نادت هدى أصغر أبنائها: منصور. في غضون دقائق, أحنى شاب طويل القامة وفاتر الهمة ظهره ليدخل المنزل. فقالت هدى: هذا صغيري, منصور. إنه فنان. ولكن لا تشعرا بالإستياء, فمنصور لا يتكلم. لقد توقف عن الكلام عندما كان في السادسة . بعدها انتقلتُ إلى بيت عمي درويش. رحب بي أبناء عمي, فتقدمت نحو عمي درويش لأستقبل ذراعيه الممدودتين. فأخذ يبكي ويقول: يا حبيبتي يا آمال! أنتِ تحملين رائحة حسن وداليا. امتلأ قلبي بالمزيد من الحب والذكريات عندما قضينا, أنا وسارة, المساء هناك. لم أكن قد عرفت حتى ليلتنا الثالثة في جنين, أن الحاج سالماً كان لا يزال على قيد الحياة. فاعتزمت زيارته في اليوم التالي.

نمنا في ذلك اليوم في بيت هدى ونحن ننظر إلى منصور وهو يرسم إحدى لوحاته. وفي الصباح استيقظنا على وابل من الأصوات في أنحاء المخيم المعتمة : اليهود قادمون ! اليهود قادمون ! حينها دخل علينا شاب: يما هل أنت مستيقظة ؟ منصور أخي أين أنت ؟ حينها احتضنتْ صديقتي إبنها. وقبلت كل جزء من وجهه الوسيم. حينها قال جميل : أخي منصور, إن حدث أي شيء, فعليك أن تعتني بماما. وعندما همَّ جميل بالمغادرة, حدث شيء استثنائي دام أقل من لحظة خالدة أظنني كنت الشاهدة الوحيدة عليها. حين استدار - وعصابة رأسه ذات مربعات سود وبيض مربوطة خلف رأسه, وعصابتا يد حمراوان شيوعيتان تبرزان ذراعين في منتهى المثالية- وقعت عيناه الجامحتان السوداوان بالمصادفة على سارة, نظرة محدقة احتجزت كلاً منهما في مكانه, إلحاح غير متوقع. وشاهدت طيف جميل يمر فوق جلد ابنتي, مثل ملاطفة, مثل اعتذار, أسفٌ قبل النهاية, أو طقسٌ للموتى .

في الثانية بعد منتصف الليل, وصل هدير الدبابات المتدحرجة, مثل خرخرة قط وحشي . أمسكنا ببعضنا البعض. مع الوقت, جاءت أصوات أخرى: القصف الصاعق من الدبابات, صخب صواريخ المروحيات, رعد قنابل الطائرات, قعقعة الإنفجارات. وعدت إلى الحادية عشرة من عمري مجدداً أختبيء في حفرة المطبخ . مرة أخرى نتكوم ونصلي, ومنصور يرسم .

في اليوم السابع لانتظارنا أخذوا الجنود منصور. اقتحموا البيت ونهبوا البيت, وأجبر أحدهم منصوراً على خلع ملابسه باستثناء الداخلية, ثم عصبوا عينيه وقيدوا يديه, وأخذوه تاركين وراءه رسوماً تتناثر في المنزل. في اليوم التالي, ارتفعت الشمس فوق ضباب مخيم لاجئين تم تدمير القسم الأعظم منه. سمعت صوت سيارة إسعاف الهلال الأحمر. تركت رسالة بأنني سأعود مع مواد تموينية من شاحنة المساعدات, وخطوت خطوة إلى الخارج. ظننت أن الأمر قد انتهى. ظننت أن السيارة التي سمعتُ صوتها هي سيارة إنقاذ, شاحنة إعانات. وكنت مخطئة. لقد كانت شاحنة عسكرية إسرائيلية. كانت متوقفة لرفع جثة مشوهة لفلسطيني, كانت عصابة رأسه ذات تربيعات سود وبيض, وحول ذراعيه عصابتا يد حمراوان شيوعيتان. وفهمت مدى خطئي. لا يزال اليهود هنا . شعرت بفوهة بندقية على جبهتي قبل أن أرى الوجه الشاب للجندي الواقف أمامي.
ها نحن الآن هنا. أرى العرق يتدفق على جبينه. أشعر بصفاء لا يمكن تفسيره. الموت يغمرني في يقينه واحترامه وسكينته المستحقة قبل أن يأخذ بيدي. أغمض عيني, حياتي كلها تومض بشكل متقطع. سمعت صوتاً يصرخ : لااااا ! أعرف أنها هدى, بينما أشعر بعينيّ تجحظان في رعب لرؤية إبنتي التائهة مكشوفة للقناصة. أنسى أمر الجندي, أستطيع الطيران. أقسم بذلك. أطير لها . ألقي بنفسي فوقها, أنا سعيدة بشكل لا يصدق. مبتهجة لأن القناصة لم يروها, ولأننا بأمان على الأرض. أنظر إلى عيني ابنتي الخائفتين تحتي, وينهكني الدفء. أنا منهكة جداً إلى حد عدم الحركة. أهمس لابنتي : أحبك. أحلمُ بأنْ أكبر في السن مستمتعة بصخب حفيدينا, أنا وماجد, اللذين قد تنجبهما يوماً ما.

رصاصة قتلت آمال. ماتت من دون أن تعرف الموت. ماتت بفرحة أنها أنقذت حياة ابنتها. لا تستطيع سارة أبداً أن تنسى تلك الدقائق الأخيرة من حياة أمها. عشر دقائق على الأقل, ربما ساعة, في أبدية ليست طويلة بما فيه الكفاية. إنها تتكرر في ذهنها وهي تسجلها في الرسائل التي تكتبها إلى أمها الراحلة, على موقع على الإنترنت ليراها العالم: (وجهك ينظر إليّ . كلمة أحبك متشكلة داخل شفتيك شبه المتباعدتين, المتشققتين من العطش. ولكن لا يصدر عنك أي صوت . أعرف أنك أحببتِني. أتساءل ما الذي تفكرين فيه. أنا محتاجة إلى عفوك. أنا بحاجة إليك, وأتوسل إلى الله ألا يأخذك. ليس الآن. ليس على هذا النحو).

رصاصة القناص التي كانت تستهدف سارة, اتخذت لها ملجأ في جسد آمال. الجندي الذي رفع بندقيته في وجه آمال, سحب سارة من بين ذراعي أمها الخاليتين من الروح. قاومته لكي تبقى . طلبت إليه أن يطلق النار عليها. رأته مفاجأ لكونها تتحدث الإنجليزية . بينما كان الجندي يجر سارة ليعيدها إلى منزل هدى, قال إنه لا يستطيع إطلاق النار بعد الآن. أعطى الجندي سارة وهدى قِرْبة الماء التي له, وجلب لهما أخرى بعد يومين, وأرشدهما إلى المكان الذي سيعثران فيه على جثة المرأة عندما يُفتح المخيم .

عندما رُفع الحصار, اندفع المراسلون الصحافيون بأعداد كبيرة إلى المخيم. وبدأ الناجون يبحثون عن بعضهم البعض, وعن موتاهم, وعن إرادتهم . بكت سارة وكتبت إلى أمها الراحلة: (هل تعرفين يا أمي أن الحاج سالماً قد دفن حياً في منزله ؟ هل يروي لكِ الآن قصصاً في الجنة ؟ أتمنى لو كان لديّ فرصة لمقابلته, لأرى ابتسامته العريضة الخالية من الأسنان, لأتوسل إليه, كما فعلتِ في صباك من أجل قصة من فلسطيننا. كان قد عمّر أكثر من مائة سنة, يا أمي. أن يعيش المرء هذه الفترة الطويلة, لكي يُسحق فقط حتى الموت بواسطة جرافة, هل هذا ما يعنيه أن يكون الإنسان فلسطينياً ؟
عند الدفن صرخت هدى. انتحبت فوق جثمان صديقة طفولتها. كان هذا هو الجثمان الوحيد الذي أمكنها دفنه. لم يُعثر على جميل مُطلقاً. عرفت, كما تعرف الأمهات, أنه كان مقدراً لإبنها أن يُقتل. غرست هدى أصابعها في الأرض فوق القبور, قابضة على حنفات من ألمها وقاذفة إياها في الهواء وعلى وجهها. جلست في مكانها مغطاة في التراب, باكية. دافيد كان هناك أيضاً. وقف بالقرب من هدى. ولكنهما الآن لم يتكلما . لم يتكلم أحد. بكى دافيد بصمت. آري لم يقف. جثم تحت وطأة الأسى  فوق قبر آمال . التقرير الرسمي للأمم المتحدة خلص إلى أنه لم تحدث مذبحة.

أخذ آري سارة إلى عين حوض. طلب كلاهما إلى دافيد أن يرافقهما, وتمشى الثلاثة معاً عبر القرية . قال آري, وهو يشير إلى منزل حجري رائع بحدائق جميلة: هذا هو منزل عائلتك يا سارة ! وفي جنين, وجدتْ سارة أخيراً الأسرة الموسعة التي تاقت إليها. أصبحت هدى صديقة تبث فيها من روح الأمومة. وكان عم والدتها درويش قد أنتج فرقة من أبناء العمومة, ولكن منصوراً كان الأحب إليها من بين الجميع .

بعد عام من وفاة والدتها, كانت سارة لا تزال في جنين تُسهم في جهود إعادة الإعمار البطيئة التي تتم بأموال متفرقة. وعاشت مع هدى. كان كثيراً ما يحضر خالها دافيد ويعقوب أيضاً. توقف دافيد بعد وفاة شقيقته عن شرب الكحول. وكتب لها على موقع سارة على الشبكة: (أنا لا أشربُ بعد الآن يا شقيقتي. لن أكون يهودياً كاملاً ولا مسلماً كاملاً. لن أكون فلسطينياً تماماً ولا إسرائيلياً تماماً . قبولك لي جعلني أكتفي بأن أكون مجرد إنسان . لقد فهمت أنني على الرغم من قدرتي على القسوة الشديدة, فإنني قادر أيضاً على الحب العميق) .

تم ترحيل سارة إلى الولايات المتحدة, حيث حصلت على وظيفة هناك. ذهب يعقوب, إبن خالها, معها للدراسة. ويبدو أنه كان ميالاً إلى الرياضيات, مثل عمه يوسف. وفي أثناء إقامة سارة في جنين, كانت قد تمكنت من استخراج تأشيرة لمنصور على كفالتها. وكان قد أطلق سراح أسامة من المعتقلات. فشجع أسامة وهدى إبنهما منصور على الذهاب للولايات المتحدة . كتب دافيد عن هذا الموضوع في الموقع : (هدى وأسامة يقولان لي إن منصوراً يدرس الفن ويعمل بدوام جزئي مع سارة. كثيراً ما كنت أزور هدى وأسامة. نتناول النارجيلة سوية. بالأمس كنت هناك, وعلق أسامة على كيفية عيش أولادنا مثل الأشقاء : أمريكية وإسرائيلي وفلسطيني.
أنا أخطط له . أنا أعيشه . أنا أراه . أنا سأحقق ذلك . سوف أقتُلُ. ولكنني لا أستطيع . أنا أعلم أني لا أستطيع. لقد زارني الحب في المنام, قالت لي زوجتي الحبيبة فاطمة : الحب هو كينونتنا, يا حبيبي . أعلم أنه لا يمكنني تدنيس حب فاطمة بالإنتقام. وعلى قدر ما أريدهم أن ينزفوا, لن ألطخ إسم والدي بالأكاذيب التي سوف يقولونها. لا أستطيع أن أترك آمال وحيدة في العالم . سوف أبتلع غيظي وأسمح له بحرق أحشائي. في البصرة أنا عامل. في الكويت أنقل الحجارة. في الاردن أكون متسولاً. من ثَمَّ, أنا بواب مدرسة . كم هو عنيد هذا المصير! أكتب كثيراً من الرسائل إلى آمال. أكوام منها تتراكم هنا. ولكن أي جحيم سيفتح أبوابه عليها لو تواصلنا وتم اكتشافي؟ لا أستطيع الخروج من هنا فقد تم بث صورتي كإرهابي فجَّر السفارة في بيروت, أي جحيم سيفتح أبوابه عليّ لو تم اكتشافي هنا ؟ آه يا اسماعيل! لقد حملت ندبتك على كتفي فترة طويلة جداً, إلى درجة أنها غرقت في جلدي أنا. ها هي هنا. أقرأ أخبار إبريل وأبكي الدموع, والظلام والحب. ها هي هنا في الموقع على الشبكة, في المكتبة حيث أسكن: (عزيزتي آمال , في بعض الأحيان يعبق الهواء بنتهدات الذاكرة. بنسيم من ريح الزيتون والياسمين من شَعر المحبوبة. في بعض الأحيان يحمل صمت الأحلام الميتة. في بعض الأحيان يكون الزمن جامداً مثل جثة تستلقي معي في سريري. وهناك أنام, في انتظار الشيء المشرف, كي يأتي من تلقاء ذاته. وسأبقي على إنسانيتي, ولن يُنتزع الحب من عروقي ..)


                                     النهاية .






إرسال تعليق