الأحد، 1 أبريل 2018





تلخيص رواية 
 جريمة في القصر: أجاثا كريستي. 
إعداد وإشاف: رجاء حمدان.

 


 كانت مسز بانتري, زوجة الكولونيل كبير البلدة. جالسة في فراشها, وهي مستغرقة في أحلام يقظتها كما هي عادتها كلما نهضت من النوم في كل صباح . يوماً جديداً قد بدأ . وإنه لمن المفترض والواجب عليها أن تحقق في هذا اليوم أحلام يقظتها عن معرض الزهور الذي سيحصل بعد يومين , فتربح الجوائز الأولى فيه , كما ربحت اول الجوائز في معرض المنتجات المنزلية من مربى و فطائر و جبن وما إلى ذلك . 

سمعت مسز بانتري أصواتاً غير متعودة عليها قريبا من القصر الكبير . دخلتْ عليها خادمتها ماري وقالت وهي في حالة فزع هستيري: سيدتي توجد جثة في حجرة المكتبة! ولم تنتظر الخادمة بل اندفعت و خرجت من الحجرة على وجه السرعة . لكزت مسز بانتري زوجها النائم بالقرب منها وقالت : آرثر, استيقظ, هناك في حجرة المكتبة جثة . جمع الكولونيل شتات حواسه و عقله وقال : لا شك أنك يا دوللي كنت مستغرقة في أوج احلامك , ولعلك تأثرت بالرواية البوليسية التي كنت تقرأينها قبل نومك.

 ارتدى الكولونيل بانتري روبه البيتي وهو يغمغم ساخطاً . وعندما وصل إلى المكتبة قال له الساقي : سيدى ماري هي من اكتشفت الحادث الفظيع . فقد دخلت إلى حجرة المكتبة كعادتها لتزيح الستائر , ثم إذا هي تكاد تتعثر في الجثة .

 كان الكونستابل بولك يقفل بزته الرسمية بيد , ويمسك سماعة التليفون باليد الثانية وهو يقول: نعم هنا مركز الشرطة . من المتحدث؟ آه ! الكولونيل بانتري, طاب صباحك يا سيدي , آه! ماذا ؟ أتقول جثة , و في المكتبة ! وعندما أغلق الكونستابل بولك الهاتف قالت زوجته : ماذا جرى يا بلوك ؟ فقال: أغرب حادث سمعته في حياتي حتى الآن . جسد امرأة شابة شقراء لا يعرفها احد في حجرة المكتبة , بقصر الكولونيل بانتري مخنوقة , عُثر عليها في صباح اليوم تمام الساعة السابعة والربع !

 اتصلت مسز بانتري بصاحبتها مس ماربل , و أخبرتها تفاصيل امر الجثة , وطلبت منها الحضور حتى تساعد في الكشف عن غموض الجريمة . سارت مسز بانتري و ورائها صاحبتها مس ماربل إلى حجرة المكتبة , وهناك كان يقف الكونستابل بولك. كانت حجرة المكتبة واسعة رحيبة , وكانت توجد هناك جثة فتاة, شقراء, معقوصة الخصلات ذهبية الشعر, , مرتدية ثوب سهرة عاري الظهر, من نوعية الساتان الأبيض . وكان الجسد في مجمله لفتاة تبدو رخيصة سخيفة لا مجال لوجودها في غرفة المكتبة بقصر رجل محافظ كالكولونيل بانتري . 

نزل الكولونيل ملشيت من السيارة , وبصحبته المحقق سلاك . ثم لحق بهما الدكتور الشرعي هايدوك . وعندما عرف الكولونيل ملشيت بوجود مس ماربل قال : يبدو أن مس ماربل قررت ان تاخذ دور المخبر السري الخاص في هذه الجريمة . فمن المؤكد أن مس ماربل هي شرلوك هولمز هذه المنطقة . وقد سبقتنا ذات مرة في الكشف عن ملابسات إحدى الجرائم. 

 وفي قاعة الأكل, كانت مسز بانتري ومس ماربل تتناولان فطورهما . قالت مسز بانتري: لقد أخبرني بولك أن الشباك فتح بعنف , فهل هذا يعني أنها جاءت الى القصر مع لص ثم اختلفت معه . فقالت مس ماربل : إن ملابسها لا تعطي اي فكرة على أنها أتت لغرض السرقة . فقالت مسز بانتري : لا, إن ثيابها تدل على أنها ذاهبة لاحدى الحفلات او للرقص , ولكن لا يوجد شيء لأماكن من هذا القبيل هنا أو قريباً من هنا . قالت مس ماربل: الواقع إنني أتساءل عن بازيل بليك . فقالت مسز بانتري: لا, لا, إنني اعلم امه , سيلينا بليك.. إنها ألطف سيدة في المنطقة . كما أن زوحي آرثر لا يحب ان يحكي احد اسم بازيل أمامه . إنه شاب عصري , لا يحترم أحداً أكبر منه سناً ومستهتر . فقالت مس ماربل: التفسير الوحيد هو بازيل بليك. فإنه يقيم حفلات كبيرة وعديدة في بيته المستقل على مشارف القرية , وإن ضيوفه يقدمون اليه من لندن . ولقد سمعت أنه كان يستقبل في اجازات نهاية الأسبوع الأخيرة فتاة شقراء .

 كان بيت بازيل بليك يبعد عن حدود القرية حوالي ربع ميل . وكانت المسافة بينه وبين قصر الكولونيل بانتري تقدر بحوالي الميل الواحد . 

 وقفت سيارة الشرطة أمام بوابة الفيلا التي يسكن فيها هذا الشاب , والذي تمكنوا من الوصول إلى إسمه بعد التحقيق . قال له الكولونيل ملشيت : لقد عرفت إنه كان لديك في اجازة نهاية الإسبوع فتاة شقراء الشعر؟ ضحك بازيل باستهزاء ثم قال : إن تصرفاتي الشخصية شيء لا دخل لرجال الشرطة فيها على الاطلاق . فقال ملشيت بجفاء : إن سلوكك الشخصي لا يعنيني ما دام ضمن اطار القانون . ولكني أتيت إليك لأن جثة فتاة شابة شقراء وجدت في حجرة مكتبة الكولونيل بانتري . حينها جاءت إليهما فتاة شقراء من الخارج فقال بازيل للمفتش : دعني أقدم لك مس دينا , وها أنت تشاهدها بعينيك , بشعرها البلاتيني, على قيد الحياة . وأرجو لك كل التوفيق في الكشف عن علاقة العجوز المنافق بانتري بتلك البنت المسكينة التي وجدت جثتها في حجرة بقصره , طاب صباحك . حينها نهض ملشيت و ترك المكان وقد احتقن وجهه حمرة من فرط الغضب 

جلس في مكتيه الكولونيل ملشيت يتفحص اخر التقارير التي تلقاها من مرؤوسيه , بينما كان المفتش سلاك يختتم كلامه قائلاً : يتبين بوضوح يا سيدي , أن مسز بانتري بقيت في حجرة المكتبة بعد طعام العشاء الى أن ذهبت إلى سريرها قبل الساعة العاشرة بقليل .. ونام جميع الخدم في منتصف الساعة الحادية عشرة , وكذلك ذهب الساقي لوريمر إلى سريره في الحادية عشرة إلا ربعاً . ولم يسمع أحد شيئاً غير طبيعي أو مريب ، بإستثناء الخادمة الثالثة , التي سمعت صوت حشرجة . أما عن الشباك المفتوح فبحسب أقوال الخبير فقد فُتح بإزميل عادي , و بكل سهولة ويسر

  فُتح الباب , وأقبل الدكتور هايدوك قائلاً : لقد إنتهينا الان من فحص الجثة . وأن سبب الوفاة كان هو الموت خنقاً بحزام الثوب الساتاني . والقتل بهذه الطريقة بسيط , لا يحتاج إلى قوة كبيرة . وليس هناك ما يشير إلى حدوث معركة او مقاومة . أما عن الوقت فهو ما بين العاشرة مساءاً ومنتصف الليل . أما الفتاة فهي في عمر الثامنة عشرة, و صحتها جيدة , وقد أثبت الفحص الطبي أنها عذراء . ثم انصرف الدكتور . حينها رنّ جرس الهاتف , فتناول الكولونيل التليفون , ثم تناول القلم وراح يدون , ثم عاد يقول: روبي كين , في الثامنة عشرة , تحترف مهنة الرقص , زرقاء العينين شقراء ذهبية الشعر, , ترتدي ثوب سهرة من الساتان الأبيض المرقط , إنها هي. ولسوف أرسل سلاك على الفور . ثم وضع السماعة و قال : لقد عرفنا أخيراً من هي . كان المتحدث من مركز بوليس جلنشاير (بلدة مجاورة), وقد أخبرني في هذه الدقيقة عن فقد فتاة من فندق الماجستيك بمصيف دانموث . 

سرعان ما وصل المفتش سلاك إلى دانموث , و انتقل الى فندق الماجستيك , ثم رجع إلى مركز البوليس و بصحبته اقرب أقرباء الضحية 

 قدّمت الفتاة نفسها إلى الكولونيل ملشيت وقالت : إسمي هو جوزفين تيرنر . تم إصطحابها بعد ذلك إلى المشرحة كي تتعرف على الفتاة الشقراء . فقالت: إنها بدون شك روبي , يا للمسكينة ! فقال لها الكولونيل : والآن أريدك أن تخبريني كل ما لديك من تفاصيل عن القتيلة . فقالت بحزن على موت صديقتها : إسمها روبي كين. وهذا اسمها المستعار في ميدان العمل. أما إسمها الأصلي فهو روزي ليج . وأمها هي إبنة عم والدتي . كنت أنا , ولم أزل , أعمل راقصة في فندق الماجستيك بمصيف دانموث . وكان من الواجب علي أن أؤدي رقصتين استعراضيتين في كل ليلة مع الراقص ريموند ستار . إنه لاعب تنس محترف و راقص . وقد حدث في هذا الصيف أن انزلقت قدمي على الصخور وأنا أسبح , فاصبت بمشكلة في قدمي و الم شديد وتوقفت عن الرقص لفترة من الوقت . فاقترحتُ على مدير الفندق أن اعرض الفكرة عليها لتقوم بالرقص مع ريموند , على أن أدفع أجرها من راتبي الشهري . وتم الإتفاق على هذا , وكان ذلك منذ شهر . ونجحتْ روبي في شغلها قال ملشيت: متى رأيت روبي للمرة الاخيرة ؟ قالت: رأيتها آخر مرة في الليلة الفائتة , فقامت بالرقصة الأولى مع ريموند , وبعدها لاحظت أنها تراقص شاباً يسكن في الفندق إسمه بارتليت , وكانت تلك آخر مرة لمحتها فيها . فبعد منتصف الليل بقليل , أقبل ريموند ساخطاً وقال إن روبي غير موجودة في مكانها , وإن موعد الرقصة الأخيرة قد حان . ولم يكن في يدي إلا أن أؤدي الرقصة مع ريموند رغم التواء قدمي و احساسي بالوجع الكبير . ولم أعرف بعدها أين ذهبتْ ولماذا لم ترجع حتى الصباح . قال ملشيت : ولمّا لم ترجع حتى الصباح , أبلغتِ مركز الشرطة عن غيابها؟ فقالت: لا, لم اقم بهذا . لأني رأيت أن اتانى قليلاً قبل أن أثير ضجة في الفندق , فالذي أبلغ الشرطة هو مستر جيفرسون , أحد نزلاء الفندق. وهو مقعد مريض, , وأمثاله المرضى يكونون على الدوام مهتاجي الأعصاب. 

 حينها وضع المفتش سلاك ورقة صغيرة أمام الكولونيل ملشيت , فقرأ ما فيها: لقد تناول الكولونيل بانتري طعام العشاء بفندق الماجسيتك في الأسبوع الماضي . فقطب ملشيت جبينه وقد علم أن سلاك يريد أن يحرجه وأن يتهمه بحماية صاحبه بانتري . فقال متحدياً : مس تيرنر ارغب في أن تاخذينا إلى قصر الكولونيل بانتري .

 توقفتْ سيارة الكولونيل ملشيت خارج القصر , و نزل منها ومعه جوزفين التي قدّمها إلى مسز بانتري قائلاً : هذه مس تيرنر , إنها إبنة عم الفتاة المجني عليها . قدِم الكولونيل بانتري , فراح الكولونيل ملشيت يتفحص تفاصيل وجه بانتري بإمعان وهو يقدم إليه جوزفين تيرنر , فلما لم يبد على وجهه -أو وجهها- ما يدل على أن أحدهما قد إلتقى بالاخر من قبل, تنهد في ارتياح . وبدأت جوزفين تحكي ل مسز بانتري ومس ماربل ما حدث لروبي في الليلة الفائتة . وعندما ذكرتْ جوزفين بأن المستر جفرسون هو من اتصل بالشرطة ليخبرهم عن اختفاء روبي , قالت مسز بانتري: هل تعنين كونوي جفرسون ! إننا نعرفه بشكل جيد , فهو صديق قديم لزوجي آرثر . وهل الأسرة موجودة برفقته ؟ فقالت جوزفين : إن معه زوج ابنته مستر جاسكل , وكذلك زوجة إبنه مسز جفرسون . 

كان الكولونيل ملشيت يواجه السخط الذي امتلا به قلب مدير فندق الماجسيتك . وبعد التحقيقات قال مدير الفندق : كانت روبي تجلس على الدوام مع المستر جفرسون ومع عائلته . وكثيراً ما كان يخرج معها في سيارته . وهو يحب الفتيات الشابات بشكل عام . وعندما لم تظهر روبي في الفندق ليلا كان المستر جفرسون يعتقد أنها خرجت بنزهة , وأصيبت في حادث , وقال إنه من اللازم ان تقوم بتبليغ رجال البوليس فوراً . حينها مضى مدير الفندق ورجال الشرطة إلى شقة المستر جفرسون بالطابق الأول المطل على البحر ليقابلوه و يتحروا عن الامر . طرق مدير الفندق على باب إحدى الحجرات , فلما أذن له بالدخول , تقدم ومن خلفه رجال الشرطة استقبلتهم مسز جفرسون زوجة إبن المستر جفرسون , وأعلمتهم بأن السيد جفرسون نائم في هذه اللحظات . فسألها ملشيت عن الليلة الفائتة فقالت : بعد طعام العشاء , أتت روبي وجلست معنا في حجرة الإستراحة. والبارحة بقيت روبي جالسة تتحدث معنا أكثر من المعتاد . ثم انصرفت روبي لتؤدي اول رقصة لها مع ريموند , ثم راحت تراقص شاباً في حلبة المراقصة , بينما بدأنا نحن لعبة البريدج . وقد شاهدتها مرة أو مرتين تراقص ذلك الشاب . انتقل رجال الشرطة بعد ذلك إلى حجرة الشاب جورج بارتليت الذي شوهد يراقص روبي , على أن يرجعوا لمقابلة المستر جفرسون عندما يستيقظ . وعندما سُئل الشاب عن مدى علاقته بالمجني عليها قال : لم تكن علاقتي بها كبيرة جدا . رقصت معها مرة أو مرتين , وراقصتها ليلة البارحة في نحو العاشرة والنصف أو الحادية عشرة والنصف . لقد رقصت معها, وتحدثتُ أنا طويلاً, وبقيت هي صامتة, ثم اعتذرت مني وقالت إنها تحس بالم كبير في راسها , وأسرعتْ بالصعود إلى حجرتها . قال ملشيت : كيف كان حالها . فقال بارتليت : كل ما لاحظته عليها هو الشعور بالسام و الملل . وبعدها أنا ذهبتُ إلى البار وتناولتُ نبيذا .

 عاد رجال الشرطة مرة ثانية إلى شقة المستر كونوي جفرسون . كان المستر جفرسون جالساً على كرسيه المتحرك بالقرب من النافذة المطلة على البحر . وإن الإنسان بمجرد أن يدخل عليه في حجرته ليشعر بقوة شخصيه وجاذبية هذا الرجل, فقال ملشيت : لقد علمنا , يا مستر جفرسون , أنك كنت مهتماً بالمجني عليها روبي كين ! فقال جفرسون : يجب أن أقدم إليكم التفاصيل الكاملة , فهذا مهم جداً لكي تفهموا موقفي على حقيقته . ومن الضروري في البداية الأمر أن اتحدث عن مأساتي .

 فمنذ ثمانية سنين فقدتُ زوجتي وإبني وابنتي في حادثة طيران . ومنذ ذلك الوقت , وأنا كرجل فقد نفسه , كانت أديليد (زوجة إبني فرانك) ومارك (زوج إبنتي روزاموند) جد شفيقين بي . وبذلا ما في طاقتهما ليحلا محل إبني وابنتي , ولكنني تبينت أن لكل واحد منهما حياته الشخصية الخاصة به . ولهذا يمكنكم أن تدركوا بوضوح أني في الحياة اعيش وحيدا , وأنني من ثم أميل إلى صحبة الشباب والشابات , أحب أن أراهم بالقرب مني . وخلال هذا الشهر الأخير , تعرفت بالفتاة الشابة التي ماتت , كانت لطيفة جداً وجذابة . ربما لم تكن سيدة بمعنى الكلمة , ولكنها لم تكن مبتذلة و سوقية . وازداد ميلي نحو روبي تدريجياً, وأخيراً قررت أن أتبناها قانونيا , وأجعل منها إبنتي بحكم القانون , وذلك سر قلقي و اضطرابي حين علمت اختفائها مما جعلني أبادر إلى ان ابلغ الشرطة . فقال المحقق : وما رأي زوج ابنتك وزوجة إبنك في هذا الموضوع ؟ فقال : لقد أحسنا التصرف معي في قبولهما الواقع بلا خصومة او ضجة . والسبب هو أني اعطيت نصف ثروتي لإبني فرانك , وكذلك فعلت مع إبنتي روزاموند , ولم أحتفظ لنفسي إلا بالضروري من المال للعيش .

 سأله الكولونيل ملشيت : هل تبنيتها رسمياً وكتبت وصيتك لصالحها أم لا ؟ فقال السيد جفرسون : إن الإجراءات اللازمة للتوريث و التبني لم تتم بعد , فالوضع بقي كما هو , ولكني قبل عشرة أيام كتبت وصية ، وتركت لروبي الجانب الأضخم من أموالي , أي نحو ما يقارب خمسين ألف جنيه , تمتلكها حين تبلغ الخامسة والعشرين . وتركت بعض النقود لخادمي الخاص إدواردز . ومبلغاً يقسم مناصفة بين مارك وأديليد . 

خرج الجميع وإنصرف المفتش سلاك من جناح المستر جفرسون , فقال الحكمدار هاربر إلى الكولونيل ملشيت : إذا كانت المسز أديليد جفرسون ومارك جاسكل في حالة مادية طيبة كما يقول المستر جفرسون , فليس هناك احتمال اقترافهما لمثل هذه الجريمة العنيفة . فقال الكولونيل ملشيت : لهذا يجب علينا أن نجري التحريات عن احوالهما المادية . وفجأة جاء الشاب جورج بارتليت وقال : هل يمكن أن اتكلم اليكما لبعض الوقت ؟ فقال ملشيت : ماذا تريد ؟ فقال : إن الأمر ليس على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية , ولكني لم أجد مركبتي , نوعها منيون 14 . وكانت المرة الاخيرة التي رأيتها هو قبل ظهر البارحة في الفناء الخارجي. فقال هاربر: حسناً يا مستر بارتليت سابعث إليك أحدهم ليهتم بامر مركبتك . 

كان الحكمدار هاربر يعرف الراقص ريموند بالشكل فقط , وكان ريموند هذا نموذجاً رائعاً للصحة والقوة والشباب ، جميل الوجه ، طويل, رشيق, , وسيم الملامح, وكان ودودا محبوبا . وعندما سأله الحكمدار عن الفتاة التي قتلت حديثا روبي كين قال : معلوماتي عنها قليلة لا تتعدى أنها فتاة ودودة ينقصها الذكاء وسرعة البديهة . فقال الحكمدار : ألا تعلم أن المستر جفرسون كان يتخذ الإجراءات لتبني روبي كين بالقانون ؟ فبدت الدهشة الحقيقية على وجه ريموند وقال : يا لتلك الشيطانة القوية ! أنا لم أكن اعلم هذا , ولكني كنت أعرف أنها سعيدة مغتبطة بشيء ما , إلا أني لم اعلم ما هو هذا الشيء . ولكن أعتقد أن جوزي تعرف ما كان يدور بين روبي و العجوز , فجوزي فتاة ذكية تحسن التدبير و التفكير . ففي ليلة غياب روبي قالت وهي في أشد حالات الغضب : (اللعنة على تلك الحمقاء الغبية , إنها قد تفسد كل شيء بغباءها . ترى مع أي شاب اختفت الآن ؟! أيمكن أن تكون مع ذلك الشاب الذي يعمل بالسينما ؟ ) فقال هاربر : الذى يعمل بالسينما . من هو هذا الشاب ؟ فقال ريموند: إنني لا اعلم إسمه , ولكنه شاب يبدوغريباً في مظهره . جاء إلى الفندق مرتين لمراقصة روبي . حينها هم ريموند بالمغادرة عندها سمع هاربر صوت من خلفه فاستدار اليه فكان ذلك أحد المفتشين اتيا يركض ويقول : أبلغت إلينا رسالة من المركز يا سيدي . فقد أبلغ أحد الموظفين أنه رأى في هذا الصباح وهج نار . ومنذ نصف ساعة عُثر على مركبة محترقة تماماً في محجر "فين". وكذلك وجدنا اثار بقايا جثة آدمية داخل السيارة . فقال هاربر: ماذا جرى في هذه المنطقة ؟ هل انتشر فيها وباء إجرامي ! هل أمكن معرفة رقم السيارة و طرازهع ؟ فقال : لا يا سيدي ولكنهم يظنون أنها من طراز منيون 14 !! 

 كان السير هنري يسير مسرعاً في فندق الماجيستك , وهو لا يكاد ينظر إلى أحد من الساكنين بالفندق . كان يتساءل عن السبب الذي جعل صاحبه كونوي جفرسون يستدعيه على وجه السرعة . ولم يضيع جفرسون اي دقيقة فقال : حدثتْ جريمة قتل . ثم راح يقص تفاصيل الامر على السير هنري . ولما انتهى من حديثه قال : أريد أن تكشف الغموض عن هذه الجريمة يا سير هنري . ستقوم بدور البوليس الخاص السري . قال السير هنري : من الذي يتولى أمر هذه المسالة ؟ فقال جفرسون : الكولونيل ملشت , والحكمدار هاربر , والمفتش سلاك . فابتسم السير هنري وقال : ولكنك نسيت أبرع الذين يكتشفون الغموض عن الجرائم المعقدة مس ماربل , لقد لمحتها وأنا في بهو الفندق . إنها أبرع الدارسين للنفس البشرية , وقد ساعدتْ البوليس عدة مرات . 

ارتسمت البهجة على وجه مس ماربل حين لمحت السير هنري ياتي باتجاهها , فقال لها : هل أنت مقيمة هنا يا مس ماربل ؟ فقالت : نعم نحن مقيمون هنا لفترة وجيزة أنا و مسز بانتري . سألها إن كانت لديها اي راي خاص بها حول الحادث . فقالت مس ماربل بأنها لا تعلم سوى الخطوط العامة للحادث . فبدأ السير هنري يذكر لها كل المعلومات التي سمعها من السيد جفرسون. قدم إليهم مسز بانتري وأديليد, ثم ذهبوا الى النافذة لينضموا إلى مارك جاسكل الذي كان هناك . فقالت مسز بانتري : يمكننا أن نتبادل الآراء عن هذه القضية , فنحن كلنا , فيما عدا مس ماربل , أصدقاء قدامى , وأعتقد أن مس ماربل في مقدورها ان تعاوننا . قال مارك : يعتقد الناس أني قتلتها . فإذا كان هناك من يستفيد من موت هذه البنت فهو أنا وأديليد . فمبلغ الخمسين ألف جنيه , الذي كان العجوز جفرسون ينوي أن يعطيه لتلك الصغيرة الملعونة , ليست بالشيء البسيط . إنها ميتة الآن , تلك الشيطانة اللعوب . فقال السير هنري : ماذا كان موقفك من التبني ؟ فقال مارك: حاولتْ أديليد أن تسيطر على موقفها , وقابلت الموقف بكل قوة , وحاولتُ أنا أن أنهج طريقتها في السيطرة على اعصابي . فقالت أديليد: لم يكن لنا حق في ان نعترض , فالمال ماله . كما أنه كان كريماً معنا . فلم يكن أمامنا إلا نسلم ونرضى بما جرى . فقال مارك : إن جوزي هي المسؤولة عن هذا كله . اقدر أن أزعم أنها دبرت الخطة كلها , ولكني اظن انها فهمت ما يدور بين روبي والعجوز جفرسون , فراحت تشجع الفتاة على كسب ثفته . إن الأمر في جملته يضايق , ولكنني وأديليد , رغم هذا, لا نملك أنفسنا من الشعور بالراحة و السعادة لموت الفتاة . ولما حاولت أديليد أن تحتج على عبارته , أسكتها بإشارة من يده وقال: لا داعي لان نكذب يا آدي . إننا لا نستطيع أن نزعم اننا نحس بالحزن على الفتاةة. ولكن يمكن القول أننا نشعر بالحزن من أجل العجوز جفرسون . فإن ما حدث كان صدمة قوية بالنسبة له .

 وتوقف مارك للحظة عن الكلام عندما جاء صديق أديليد السيد هوجو ماكلين . ثم جاء الخادم لينادي مارك للمستر جفرسون , فحياهم و ذهب . مال السير هنري على مس ماربل وقال بصوت اشبه بالهمس : ماذا عن مارك جاسكل ؟ فقالت مس ماربل : مارك رجل مزاجي من صيادي الثروات , كما أنه يثرثر كثيرا . حينها قدِم بيتر الصغير , إبن أديليد , وقال لهنري : هل أنت من رجال الشرطة ؟ فقال السير هنري : نعم يا بني . فقالت مسز بانتري : هل أنت مستمتع بهذا الجو الخطير يا بيتر ؟ فقالت بيتر : نعم , لا أنكر هذا . فإن الحادث جعل من الحياة غير رتيبة هنا , وأنا بطبيعة الحال لم أهمل في البحث عن البراهين و الادلة . ولكني لم أوفّق إلا أن لدي هدية تذكارية جميلة . ثم أخرج من جيبه علبة ثقاب فتحها وتناول من ما يوجد بداخلها قلامة ظفر وقال : هذه قلامة ظفر , قلامة ظفرها هي . فسألته مس ماربل قائلة : من أين اتيت بهذا الشيء ؟ قال بيتر : إن المسألة ترجع إلى الحظ . فليلة البارحة اشتبك ظفر روبي في مطرف شال جوزي وقصّته والدتي وأعطتني إياه لارميه في سلة المهملات , ولكني وضعته في جيبي , وتذكّرته في الصباح , و تركته معي كتذكار . ومعي تذكار آخر , جزء من رباط حذاء المستر جورج بارتليت , لقد رأيت حذاءه خارج الحجرة هذا الصباح , فأخذت قطعة من رباطه على سبيل الإحتياط . في تلك اللحظة قالت مس ماربل : قلامة الظفر هذه مهمة يا بيتر . فقد فسرت لي شيئاً عجيبا . كنت لاحظت أن الفتاة القتيلة أظافرها مرتبة و مقلمة ولكن ما دام انكسر ظفر منها , فلا شك أنها قلمت بقية الأظافر . ترى هل عثر أحد رجال الشرطة على بقية القلامات في حجرتها ؟ فقال السير هنري : سأسال الحكمدار في أقرب فرصة . لقد ذهبوا الآن لمعاينة حادث ثاني . فقد عثروا على آثار آدمية في سيارة محترقة . فقالت مس ماربل: اعتقد أنها جثة الفتاة المختفية وإسمها باميليا ريفز . لقد أذاعوا على محطة الإذاعة المحلية عن فقدان هذه البنت ليلة البارحة , أظن أنها الضحية الثانية للقاتل . فقال السير هنري : أتتوقعين حدوث جريمة قتل اخرى ؟ فقالت: محتمل جداً . فقال هنري : إنكِ تثيرين خوفي يا مس ماربل . اتعلمين من سيكون الضحية التالية ؟ فقالت : اعتقد أن عندي فكرة عن ذلك . 

نظر الحكمدار هاربر إلى واجهة الفيلا التي تسكن فيها عائلة باميليا ريفز قبل أن يضغط على الجرس . رن على الجرس , وسرعان ما أدخله الخادم إلى حجرة الإستقبال . حينها أقبلت سيدة قائلة : هل قدمت و معك اي اخبار جديدة عن باميليا ؟ فقال هاربر : اخاف أن أقول أنه يجب أن تستعدا لتلقي أنباء غير جيدة . لقد عثرنا عليها في سيارة محترقة كلها . فقال أبوها : لا نكاد نصدق أن أحداً في العالم يمكن أن يكره و يحقد على باميليا . إنها طفلة . فقال هاربر: هل يعلم أحدكما شاباً إسمه جورج بارتليت . فقال الوالدان: لا, لم نسمع بإسمه , ولكن ما موضوعه ؟ فقال هاربر : هو صاحب المركبة منيون 14 , التي احترقت بجثة ابنتك . ولكنه أبلغ عن فقدها في ضحى هذا اليوم . ومن الممكن أن يكون أي انسان قد سرقها . 

 في اليوم التالي جلس هاربر مع الكولونيل ملشيت يستمع له وهو يقول : إن لدينا الآن جريمتي قتل , ولكن هل تظن ان هناك اي صلة بين الجريمتين ؟ فقال هاربر : إني واثق من هذا ! لقد اشتركت باميليا في حفلة المرشدات . وقد شهدت صديقاتها أنها كانت أثناء الحفلة مرحة و طبيعية . ولكنها لم تعد مع صديقاتها بالمركبة العامة , وقالت لهن إنها ستذهب إلى وولورث عن طريق دانموث , ومن هناك تستقل السيارة العامة إلى بيتها . فمن المحتمل أن تكون باميليا قد سمعت او رات شيئاً يتعلق بجريمة روبي كين يمكن أن يكون دليلاً يفضح المجرم , ولما أدرك القاتل أن هذه الطالبة سمعته او راته , قرر التخلص منها بأي ثمن . والرابط بين هاتين الجريمتين هو جورج بارتليت . فقال ملشيت : ولكننا في حاجة إلى الحافز للقتل الان . فما الشئ الذي يحفز جورج على قتل روبي كين ؟ فقال هاربر : هذه الصخرة التي نصطدم بها على الدوام . الحافز على الجريمة . قال ملشيت : ماذا جرى بالتحريات الثانية . فقال هاربر : لقد قمنا بالتحري عن الحالة المالية لاديليد و مارك , والواقع أن كلاً منهما في حالة مالية سيئة للغاية على عكس ما يظن المستر كونوي جفرسون . فقال ملشيت : إنه حافز يبدو قوياً للجريمة بلا شك . فقال هاربر : ولكن لدى الإثنين البرهان الحاسم على براءتهما . فقد تأكدتُ من كل حركة لهما ليلة وقوع الحادث . فمارك تناول العشاء مع حماه وأديليد , وخرج في جولة بمركبته بينما كانت روبي في الفندق . ثم رجع و لعب البريدج مع حماه وأديليد وجوزفين تيرنر , وكان ذلك في نحو الحادية عشرة إلا ثلثاً مساءا . وقد ظل يلعب معهم حتى منتصف الليل . وكذلك الموضوع مع أديليد . فقد كانت مشتركة في اللعب خلال المدة الزمنية ذاتها . ومن ثم فلا يمكن أن يكون أحدهما هو المجرم . 

التقى السير هنري وهاربر بمس ماربل لياخذوا اخر تفاصيل توصلت اليها . فقالت مس ماربل : لاحظتُ شيئاً غير اعتيادي في أظافر الفتاة حين رأيت جثتها . فأظافرها مقصوصة بلا تجميل او عناية , كما أن الثوب الذي كانت تلبسه كان ثوباً قديماً وغير مناسب , كان الواجب أن تلبس أحسن أثوابها , إن كانت على موعد مع شخص ما ! و اعتقد أن هذه نقطة هامة جداً في الامر . حينها استأذن هاربر ليخرج . وجاء هوجو ماكلين صديق أديليد القديم ليقعد إلى جانب ماربل , وقال وهو يتطلع إلى أديليد وهي تتلقى درس التنس مع ريموند : لا اعلم لماذا تتلقى آدي درساً في التنس . فقال هنري : من المحتمل انها ترغب في ان تزداد براعة . فقال هوجو : لماذا ؟ إنها ليست لاعبة رديئة اللعب , بل هي جيدة . لا أدري لماذا استدعتني آدي , فالواضح أن هذه الجريمة لم تضايقها على الاطلاق . بل إني أراها في حالة جيدة . فقال هنري : كيف اتصلتْ بك بالتليفون ام برقيا ؟ فقال: برقياً . ولكني أبلغت بالبرقية تليفونياً , لأني كنت قد ذهبت الى لندن بعد ظهر اليوم قبل البارحة وكنت مقيماً في مصيف دانبري هيد . تلقيت الرسالة بعد أن انتهيت من مباراة في الغولف , وسرعان ما قدمت . فقالت مس ماربل : سمعت أن الحياة في مصيف دانبري غير مكلفة و لطيفة ! فقال هوجو: نعم , ولولا هذا لما استطعت أن اظل فيها فترة طويلة . فقال مس ماربل : يجب أن نخرج إليها يوماً . فقال هوجو : ماذا ؟ آه ! نعـ.. نعم حسناً . ثم نهض واقفاً وهو يقول : سأذهب لأقوم ببعض التمرينات الرياضية . ثم انصرف على الفور .

 غادر السير هنري لبعض اشغاله . أقبلت المسز بانتري وقالت لمس ماربل : لماذا لم تزيلي الغموض عن الجريمة بعد يا جين ماربل ؟ إننا لا نتقدم اي خطوة في طريق الحل . فابتسمت مس ماربل قائلة : إنني لم اتعرف على القاتل فوراً , لقد احتجت لبعض الوقت لأعرفه . فقالت مسز بانتري : أتعنين أنك الان تعلمين من هو قاتل روبي ؟ فقالت: نعم , بالطبع . إني أعرفه الآن تماماً . فقالت مسز بانتري: قولي لي بسرعة . فقالت: إنني آسفة يا دوللي . ولكن ذلك لا يفيد على الاطلاق . قالت : لماذا؟ فقالت مس ماربل : لأنك لا تعلمين كيف تحفظين السر . فقالت : ولكني في أشد حالات القلق والحيرة والإرتباك . إنني لا أدري أي مصير ينتظر زوجي الحبيب , وينتظرني أيضاً , إذا لم يُقبض على المجرم . إن أهالي المنطقة كلها قد بدأوا يتكلمون ويتهامسون علينا . ولهذا جئت إلى هنا لأبذل كل ما في طاقتي لاساعد في الكشف عن غموض هذه الجريمة . فقالت مس ماربل : ولهذا أنا أيضاً أتيت إلى هذا المكان . 

كان إدواردز , الخادم للمستر كونوي جفرسون , يستمع بهدوء إلى السير هنري بينما يقول له : هناك بعض أسئلة ارغب في أن ألقيها عليك . أريد أن تذكر لي بعض التفاصيل الداخلية التي لا يمكن أن يعلمها أحد غيرك . فقال إدواردز: إنني بطبيعة الحال اعلم المستر جفرسون تمام المعرفة . المستر جفرسون يبدو للكل انسانا واسع الصدر , ولكني رأيته في مرات عديدة يعجز عن النطق من فرط الغضب . وإن الشيء الوحيد الذي يثير غضبه هو ان يخدعه شخص ما . والآن اقدر أن أقول لك يا سيدي , في صراحة إن هذه الفتاة التي سيطرت على مشاعر المستر جفرسون ليست في واقع الأمر كما كان سيدي يعتقد فيها , ولم تكن جديرة بما شعره نحوها . فقد كانت فتاة سوقية سخيفة . كانت تتظاهر له بالحب و الانجذاب . فعندما سمعتْ بأمر التبني كانت كالذي يوشك أن يطير من فرط السعادة . فقال هنري : ألم يكن هناك ما يدل على أن للفتاة صديقاً حميما .. أعني حبيباً ! فقال إدواردز : أذكر أنه وقع حادث سطحي له معناه , وقد رأيته بنفسي . ففي ذات يوم كانت الفتاة تفتح حقيبة يدها فسقطت منها صورة صغيرة التقطها المستر جفرسون على الفور وقال : ما هذا يا قطتي .. من هذا الشاب ؟! وكانت صورة شاب أسود الشعر , ولكن المس كين قالت أنها لا تعرف عنه اي شيء , ولكن المستر جفرسون لم يقتنع بهذه الحكاية . فقال السيد هنري: هل سبق وأن شاهدت صاحب الصورة في الفندق ؟ فقال: لا يا سيدي . فأنا لا انزل كثيراً إلى بهو الفندق . 

اجتمع هاربر بست طالبات من صويحبات باميليا ريفز . وجميعهن ذكرن القصة نفسها على حدة , وهي أن باميليا كانت كما هي دائما بطبيعتها , ولم تقل شيئاً أكثر من أنها ستخرج إلى وولورث , وأنها سترجع من هناك إلى منزلها بالسيارة العامة . التفت هاربر إلى المس ماربل , التي كانت تجلس في الحجرة , فقالت : ارغب في التكلم مع الفتاة فلورنس سمول . فرفع هاربر حاجبيه في صدمة , وأحضر الفتاة وتركهما بمفردهما . فقالت المس ماربل : من الممكن جداً أن ألتمس لك كل الحجج إذا أنت لم تذكري كل ما تعلمينه لهاربر منذ الوهلة الأولى . ربما خامرك بعض الرعب . أخبريني بكل شيء يا فلورنس , إن باميليا لم تكن ستذهب إلى وولورث . أليس كذلك؟ إن للموضوع امر بالسينما أليس كذلك ؟ فقالت الفتاة : نعم , لقد وعدت باميليا أن أكتم السر تمام الكتمان . كان يجب أن أمنعها من الذهاب , ولكن لم يخطر ببالي أنها ستقتل . قالت لي باميليا يومها أنها ذاهبة إلى دانموث بعد ان انتهت حفلة المرشدات , لتقوم باختبار سينمائي . ذلك أنها قد التقت بمنتج أفلام سينمائية حضرليبحث عن وجه جديد من نوع خاص. وقد ذكر لباميليا أنها الوجه الذي بقي مدة طويلة يبحث عنه . وهكذا تمت الترتيبات بين باميليا وذلك المنتج . فكان على باميليا أن تذهب لتراه في فندق الماجستيك , ثم ياخذها بعد ذلك إلى الأستديو . وكان في دانموث استوديو صغير للتجارب كما قال لها . ثم خرجت فلورنس , و اخبرت المس ماربل هاربر حديث البنت جملة وتفصيلا . ثم قالت لهاربر: يجب أن ارجع إلى بلدة سانت ماري ميد بأسرع ما يمكن , فلدي الكثير من الاشياء من اللازم ان اعملها هناك . 

خرجت مس ماربل من باب بيتها , وسارت إلى حديقة بيت راعي القرية القسيس , ومنها إلى باب حجرة الاستقبال . فسلّمت على زوجته وقالت : لقد خطر لي أن أقوم بجولة حتى اجمع بعض التبرعات , فهل يمكن أن تسلميني دفتراً و تعطيني الاذن لهذا الغرض ؟ فأذنت لها بذلك , وأعطتها دفتراً لجمع التبرعات . فأمسكت مس ماربل بدفتر التبرعات , و مشت الى ان بلغت الفيلا التي يسكن فيها الشاب بازيل بليك . وبعد أن اجتازت الحديقة إلى الباب الأمامي , ضغطت على زر الجرس , وفتحت لها الشابة الشقراء الحسناء المسماة "دينا لي". فدخلت مس ماربل وقالت لدينا : قدمت حتى اقترح عليك أن تشتركي في سوق المنتجات الخيرية يوم الأربعاء التالي . فقالت دينا : قد لاأتمكن من القدوم . فقالت مس ماربل : لا عليك , بإمكانك التبرع للمشروع بعشرة قروش مثلاً . فمدت عليها عشرة قروش . ثم قالت مس ماربل : بإسم من أسجل التبرع ؟ فقالت دينا لذاتها : (أنت تريدين أن تعرفي إسمي أيتها العجوز الثرثارة) فقالت : سجّليه بإسم مس دينا لي . فقالت مس ماربل : هذه فيلا المستر بازيل بليك, أليس كذلك؟ ساعطيك نصيحة . أنصحك ألا تستعملي إسمك في هذه القرية , فقد تحتاجين إلى رعاية و عطف من سكان هذه البلدة بعد فترة قصيرة , والأمر خطير بالنسبة لزوجك هو الاخر . إن عليه أن يبدو نظيف السمعة بقدر ما يستطيع . فقالت دينا : كيف علمت أننا زوجان ؟ فقالت مس ماربل : هذا أمر بسيط . أنصحك الآن بان تعاني عن ى زواجك من بازيل بليك وأن تظهري أمام الجميع في مظهر لائق . فقالت دينا : لماذا ؟ فقالت المس ماربل بصوت حزين: لأن رجال الشرطة قد يقبضون على زوجك في أية لحظة بعد هذه اللحظة بتهمة قتل روبي كين !! 


 وفي تلك اللحظة سمعتا صوت مركبة تصطف أمام الفيلا , وأقبل بازيل حاملاً بعض الزجاجيات . فقالت له دينا : إن هذه السيدة ليست بعقلها يا بازيل . إنها تقول إن رجال الشرطة سيقبضون عليك بتهمة قتل روبي كين . حينها وقعت الزجاجيات من يديه على الكنبة , وتهالك بازيل إلى أقرب مقعد إليه , وقال: أوه ! يا إلهي ! إسمعي يا دينا , يا عزيزتي . إنني لا أكاد أعرفها , شاهدتها مرة أو مرتين في فندق الماجستيك . هذا كل ما في الموضوع . فقالت مس ماربل : ماذا فعلت بسجادة المدفأة يا بازيل ؟ فقال : لقد ألقيت بها في صندوق المهملات . فقالت مس ماربل : لا شك أنها وقعت في أيدي رجال الشرطة . اظن أنه كان بها حبات من الترتر الذي سقط من فستانها ولم تستطع أن تتخلص منه جميعه . فقال: نعم .. لم أستطع أن أتخلص منه. فقالت مس ماربل: اظن يا بازيل بليك أنك بعد خلاف شديد مع زوجتك في حفلة الأستديو , استقللت مركبتك وأنت في حالة سكر . 

 فقال بازيل : وصلت المنزل في نحو الثانية بعد منتصف الليل . ولما وصلت كان الظلام منتشراً في كل انحاء البيت , ففتحت باب الحجرة و اشعلت الانارة , وإذا أنا أرى.. جثة فتاة مرمية على سجادة المدفأة , فتاة في ثوب سهرة أبيض.. مخنوقة . لم اقدر أن أكرر النظر إليها . لم أدر سر وجودها في منزلي . خفت أن تصل دينا في أية دقيقة فتشاهدني هنا مع جثة , فتعتقد اني انا من ذبحتها , لأنها لم تكن موجودة في المنزل . فخطر لي أن أنقل الجثة إلى حجرة المكتبة بقصر الكولونيل بانتري . فقد كان ثقيل الظل في نظري , ولا يرضيه اي شيء البتة . وقلت لنفسي سأجعله أضحوكة البلدة , وموضع التندر و الهمس . ولا شك أن الخمر هي التي أوحت لي بهذه الفكرة المجنونة . ولما أفقت في الصباح علمت مقدار خطر ما فعلته . حينها نظرت دينا من الشباك , وقالت : أرى سيارة مقبلة نحو المنزل , أعتقد أنها سيارة الشرطة ، فقال باز يل: إذاً هل أنا المتهم بالقتل ؟؟ حينها دخل المفتش سلاك وقال : لدي أمر بالقبض عليك بتهمة قتل روبي كين . بينما كان المفتش سلاك يحدث نفسه : لقد أحسنت صنعاً بإكتشافي سجادة مدفأته التي وجتها فى صندوق القمامة . فقد وجدنا بها حبات الترتر المتساقطة من ثوب المجني عليها . ولما ذهب بازيل بصحبة المفتش قالت المس ماربل لدينا لي : اطمئني يا مسز بليك.. إنني اعلم أن زوجك بريء , وأعرف القاتل الاصلي , ولكني في حاجة لبعض الوقت لتقديم البراهين الكافية . 

لقد رجعت الى المنزل يا آرثر . هكذا أعلنت مسز بانتري رجوعها وهي تقتحم باب مكتب زوجها الكولونيل بانتري . حينها جاءت مس ماربل إلى القصر . فحيتها دوللي وقالت : إن الإمور تصعدت و تطورت إلى أسوأ ما يكون . لقد بدأ الناس يبتعدون عن آرثر , وبدا هو أكبر من عمره بسنوات كثيرة . يجب أن نفعل شيئاً يا مس ماربل . فقالت مس ماربل لمستر ومسز بانتري ما حدث مع بازيل بليك , وقالت إنه ليس المجرم الحقيقي . فقال لها الكولونيل : ومن الفاعل ؟ فقالت: اعتقد إني كنت على وشك طلب مساعدتك , فلو إننا ذهبنا إلى سومرست هاوس فلا بد أن نحصل هناك على فكرة جيدة . 

نظر كونوي جفرسون و هو يبتسم إلى السير هنري وقال : لقدأخبرتهما إنه ما دامت روبي قد توفيت , فيجب أن ترصد الخمسين ألف جنيه من أجل ذكراها , ولذلك سوف أبني مضيفة خاصة للراقصات الفنانات الصغيرات اللاتي لا يجدن مكاناً ملائما للمبيت . ولما نزل السير هنري إلى الباب الخارجي للفندق , سأل البواب : أين المستر مارك ؟ والمسز جفرسون ؟ فقال البواب: لمحت المستر مارك يركب بمركبته , وقد أخبرني أنه سيبيت هذه الليلة في لندن . بينما ذهبت مسز جفرسون لتنام يا سيدي . 

كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل, وكان الهواء اخيرا قد استقر . ولم يكن في حجرة نوم المستر كونوي جفرسون إلا صوت شخيره العالي . وكان كل شيء في الحجرة كما كان . ولكن احدا ما كان قد دخلها في تلك الدقيقة . وبقي ذلك الدخيل يختلس الخطى نحو الفراش . وكان الدخيل يبسط يده وقد أعد سبابته و ابهامه ليمسك جلد ذراع المستر جفرسون , وفي اليد الثانية أمسك محقناً مجهزاً . وفجأة ..امتدت يد من الحديد , وأمسكت باليد التي تمسك بالمحقن , وأمسكت الثاني على الدخيل نفسه . وسطع الضوء في الحجرة ورأى المستر جفرسون قاتلة روبي كين !! 

 قال السير هنري : ارغب في ان اعلم طريقتك في الوصول إلى حل الجريمة يا مس ماربل . فقالت : إن وسائلي تبدو للوهلة الاولى بدائية بعض الشيء . فمنذ اللحظة الأولى , لاحظت أن المجني عليها فتاة حديثة العمر , وأنها تقرض أظافرها بأسنانها , وأن القاتل للوهلة الاولى يبدو بازيل بليك .. الشاب اللاهي المشتغل بالسينما . ولكن وضع الجثة في حجرة المكتبة , بقصر الكولونيل بانتري , عقّد المواضيع بالنسبة للمجرم , وأثار استيائه و حنقه . لقد كان الجناة يعلمون أن بازيل قد شوهد هو وروبي وراقصها عدة مرات . ولكن وجود الجثة في قصر الكولونيل عقّد المواضيع في نظر المجرم من جهة , وسلّط الضوء على كونوي جفرسون و عائلته من جهة ثانية , وهذا آخر ما كان يخطر ببال القاتلين . فرحت أنظر إلى الجريمة من ناحية الحافز الاساسي , ورأيت أنه الحافز المالي . فهناك اثنان يستفيدان من موت الفتاة , ولكنهما شخصان ودودان . فالمسز أديليد جفرسون محبوبة من كل الناس , والمستر مارك جاسكل أكثر إثارة للشبهة , فهو مقامر محترف . ولكني لأسباب خاصة كنت اعلم أن هناك امرأة ما مشتركة في ارتكاب هذه الجريمة . كانت عيني تبحث عن الشيء الذي يبرر الجريمة. إن أكثر الحوافز احتمالاً هو المال . ولكن الإثنين اللذين يتوفر فيهما هذا الحافز , كانا يلعبان الورق مع المستر جفرسون و جوزي . ولكني لم ألبث أن سمعت بجريمة المركبة المحترقة وجثة باميليا ريفز المحترقة معها , وعندئذ فهمت كل شيء , ولم أعد أهتم بالدليل الحاسم على إبتعاد الجناة عن مسرح الجريمة عند اقترافها . 

 لقد كنت حمقاء قصيرة النظر , ولولا أن "دينا لي", زوجة بازيل بليك , ذكرت مقابلي كلمة , لما اهتديت إلى صلة ذلك الشخص الثاني بالجريمة . لقد ذكرت مقابلي خلال كلامها إسم مكتب سومرست هاوس لتسجيل الزواج في هذه المنطقة . الزواج ...!!!
 إذاً فالموضوع لم يكن مقصوراً على المسز جفرسون والمستر مارك , وإنما سيشمل زوج المسز جفرسون أو زوجة المستر مارك إذا كان كلاهما او احدهما , قد تزوج سراً , كما فعل دينا و بازيل . ولم يكن هناك , أي طريقة , لتجاهل تلك الأظافر المقروضة للمجني عليها . فالأظافر المقروضة بالأسنان تختلف كل الاختلاف عن الأظافر المقلمة , ولا يمكن لأحد أن لا يتبين الفرق بينهما . وأظافر المجني عليها المقروضة تعلن عن حقيقة لا يمكن ان نتجاهلها , وهو أن الجثة التي وجدت بحجرة مكتبة قصر الكولونيل بانتري لم تكن جثة روبي كين . والشخصية التي يعنيها الموضوع أكثر من غيرها , هي جوزي تيرنر . لقد رأت جوزي الجثة وقالت إنها جثة روبي كين , وهي بدون شك تعرف , أنها ليست كذلك. ولكنها كانت مصدومة لوجود الجثة في منزل الكولونيل بانتري . وهي التي وجّهت التفاتنا إلى بازيل بليك للمرة الاولى . فلقد ذكرت في كلامها مع ريموند أن روبي قد تكون ذهبت مع ذلك الرجل الذي يعمل بصناعة السينما , وكانت قبل وقوع الجريمة قد دست صورة صغيرة لبازيل بليك في حقيبة يد روبي . فقد كانت تحس نحو الفتاة القتيلة بأشد الكره . إنها جوزي الماكرة . وكل هذا من أجل المال .

فعندما ذكرت لي دينا مكتب الزواج , تبين لي أن جوزي متزوجة سراً بمارك جاسكل منذ سنة واحدة و هكذا توضح كل شيء . فمارك ليس بالشخص الذي يترك بنت مثل روبي أن تحرمه من المال , لا سيما أنه في تلك الحالة السيئة المادية . وهكذا دبرا الأمر بينهما بكل ذكاء . فاختارا فتاة تبدو بحجم روبي . ووقع الإختيار على باميليا ريفز , التي تعشق التمثيل , فتقرب منها مارك على أنه منتج سنمائي , وملأ رأسها بالاحلام و الاماني , واتفق أن يجري معها تجربة تصويرية . ولم يكن في مقدور تلك الفتاة أن تقاوم هذه الاثارة , فجاءت إلى الفندق حيث كان مارك ينتظرها . ومضى بها إلى جوزي التي تظاهرت بأنها خبيرة في فن التجميل , وصبغت شعرها باللون الاصفر , وجمّلت وجهها , ولوّنت أظافرها , ثم فاجأتها بمخدر موضوع في كأس آيس كريم مثلاً . =وبعد العشاء, ألبستها جوزي فستانا قديماً لروبي كين , ومضى بها مارك إلى سجادة مدفأة بازيل بليك . وكانت الفتاة في حالة فقدان للوعي , وهكذا سهّل عليه خنقها هناك بحزام الفستان دون أن تبدو منها اي ردة فعل . ورجع إلى الفندق بينما كانت روبي , وهي لا تزال على قيد الحياة , تؤدي اول رقصة لها مع ريموند . ثم قالت لها جوزي أن تذهب إلى حجرتها لتغير ثوبها , وتنتظرها في الحجرة الاخرى , غرفة جوزي . ومن المرجح أنها وضعت مخدر لها في القهوة بعد العشاء . و ذهبت جوزي إليها , بحجة البحث عنها , و ذبحتها بحقنة من مخدر أو بضربة على الرأس . وفي ساعة مبكرة من الصباح , البست روبي كين , الميتة , ثوب باميليا ريفز وحذائها . ثم حملت الجثة , و ركبت في سيارة جورج بارتليت , وانطلقت إلى المحجر , وسكبت عليها البنزين , والجثة في السيارة , وأشعلت بها النار , ثم رجعت إلى الفندق . فقال هاربر : إنها لم تترك شيئاً للقدر او الظروف , ولكن أوقعت بها العدالة عن طريق أظافر اليدين . قال كونوي جفرسون : من كان يعتقد أن جوزي تهبط إلى هذا الدرك , من أجل المال !! فقالت مس ماربل : لقد كانت واقعة تحت تأثير مارك , وقد ارتكبا جريمتين , وكانا سيرتكبان جريمة ثالثة من أجل المال . فحين علما بأنك تنوي تغيير وصيتك هذا اليوم , وقعا في الفخ , وقررا أن يقضيا عليك . وكان على مارك أن يظل ابعد ما يمكن عن كل شبهة , فسافر إلى لندن وترك هذا الموضوع لجوزي . فقال هاربر : إذاً فالضحية الثالثة التي كنتِ تتوقعينها هي المستر جفرسون ؟ فقالت : لا , بل كنت أتوقع أن تكون الضحية الثالثة هي بازيل بليك عندما يتسببان في الحكم عليه بالإعدام .

 في تلك الدقيقة , كانت أديليد جفرسون وهوغو ماكلين يقتربان من بهو الفندق إلى قاعة الجلوس . وكانت أديليد تبدو في أجمل زينتها , وهي تتقدم نحو كونوي جفرسون ووضعت يدها على يده بكل لطف وقالت : إني سأتزوج بالمستر ماكلين يا مستر جفرسون . فتطلع كونوي جفرسون إليها وقال : لقد آن لك أن تتزوجي . تهانيّ الى المستر ماكلين و اليك . سوف أترك لكِ في وصيتي الجديدة عشرة آلاف جنيه . وباقي الثروة ساجعلها لإبنك الصغير بيتر . ولكن ما أرجوه يا آدي أن تتركي بيتر يسكن معي في المدة الباقية لي من الحياة . وفي تلك الدقيقة أقبل بيتر مرحاً وهو يهتف : انظروا ! لقد وجدت في قلامة الظفر خيطاً من معطف جوزي , وهو تذكار ثالث .


                                         النهاية.    .



إرسال تعليق