القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية الغريب .ألبير كامو. إعداد وإشراف رجاء حمدان





 ""راجو شو يقوم بتلخيص الروايات بإسلوبه المستقل عن الرواية بما يتناسب مع حقوق النشر وحقوق الملكية الذي ينص عليها القانون واليوتيوب """"


رواية الغريب .ألبير كامو.  
إعداد وإشراف . رجاء حمدان 



وصلتني برقية من مأوى المسنين توفيت والدتك والدفن غدا.احتراماتنا..يقع مأوى المسنين في مدينة مرنغوالتي تبعد  عن  من مدينة الجزائر ما يقارب الثمانون كم ..طلبت من رئيسي بالشغل إجازة ليومين ،..كان يومها الجو حارا جداً. تناولت غدائي كالعادة  بمطعم سيليست.كان الجميع حزينا لأجلي، قال لي سيليست مواسياً : ليس للمرء سوى أم واحدة.
ركضت حتى لايفوتني الباص. كنت مشوش الذهن قليلا وتمكنت اللحاق بباص الساعة الثانية المتوجه الى مرنغو، عندما وصل الباص البلدة  كان المأوى يبعد عن موقف الباص كيلومترين ،فقطعت المسافة مشيا. أردت رؤية أمي فوراً. طلب منى البواب الذهاب الى المدير ،نظرالمدير  في الملف  الذي امامه ثم قال لي:لقد  أدخلت السيدة مورسو إلى هنا منذ ثلاث سنوات.وقد كنت أنت كفيلها الوحيد. خلته أنه يعاتبني بأني غير مهتم بأمي فصرت  أبرر له موقفي.لكنه  قاطعني قائلاً: لست مضطراً إلى تبريرموقفك  يا بني ،لقد قرأت  ملف أمك .ما كان بإستطاعتك خدمتها  وتلبية إحتياجاتها. كانت بحاجة إلى عناية دائمة.. وراتبك بسيط. فكان الافضل وجودها  في المأوى ، ولم يمضي عليها سوى عدة أشهر حتي تعودت على جو المكان حتى أنها لاترغب بالخوج من المأوى.فقد أصبح  لديها  أصدقاء من سنها تتشارك معهم بذات الإهتمامات والأفكار ، ثم أردف قائلاً: .إن أصدقاء والدتك سوف يحضرون أيضا للسهر بجانب جثمانها الليلة.كما هي  العادات.


في القاعة المجهزة للعزاء داخل المأوى  بدأ أصدقاء أمي يدخلون الى القاعة بصمت واحدا تلو الأخر. كانوا مجموعة تتالف من اثني عشر شخصاَ،. وأكثر ما أثارني ! أني كنت أرى بريقاً  من النور يتوهج من بين ثنايا تجاعيد وجوهم. كانت تجلس في الصف الثاني عجوز تئن بصوت خافت  وتبكي بحرقة .مال علي البواب وقال : لقد كانت متعلقة بوالدتك  كثيراً كانت صديقتها الوحيدة هنا،.والآن لم يعد لها أحدا. .بدأت  كليتاي تؤلمانني.وما زاد الأمر سوءاً عندي هو صمت كل هؤلاء الناس من حين لآخر.
جاء المدير وقال لي : . أعتقد أنك ترغب في رؤية أمك انها في حجرة حفظ الموتى الخاصة  إننا نضعهم فيها حتى لا تتأثر مشاعر الآخرين.




فكلما ومات أحد النزلاء في المأوى يصبح المقيمون  هنا  متوترين ليومين وأكثر . 
عند باب بناية صغيرة تركني المدير قائلا:سوف  أتركك الآن،ياسيد مورسو.متى إحتجتني سوف تجدني في مكتبي.ثم  حددنا موعد الدفن عند الساعة  العاشرة صباحا.ثم اردف قائلا على فكرة : إن  والدتك،قد أسرت ذات مرة لرفاقها برغبتها في أن تدفن حسب الطقوس الدينية. وقد قمت بما يجب   لتلبية رغبتها ..شكرته ، وحدثت نفسي ،  إن أمي ملحدة ولم خطر ببالها الدين يوما. عندما دخلت .كانت الإضاءة في الغرفة ساطعة جدا كان في وسط  الغرفة مقعدان  ،يسندان تابوتا مقفل الغطاء .وبجانب  التابوت كانت هناك  ممرضة عربية ترتدي سترة بيضاء 


دخل البواب  من خلفي راكضا وقال لي وهو يلهث . لقد اقفلنا غطاء التابوت  ويمكنني  ان أفك البراغي لتتمكن من رؤيتها  وهم يفك البراغي ولكني استوقفته فقال لي الا تريد رؤيتها !! فأجبته كلا. تأملني قليلا ،ثم سألني مستفسراً : لم !! فقلت:لا أدري. فقال إني أتفهم الأمر.أعطاني كرسيا، وقال سأدعك وحدك. كان له عينان زرقاوان غاية في الروعه أخبرني أنه بارسياً وله من العمر  أربع وستون عاماً. في المساء.عاد البواب ودعاني إلى حجرة الطعام كي أتناول طعام العشاءولكني إعتذرت فلم يكن لى شهية للأكل بعد .فعرض علي فنجان قهوة بالحليب فلم أمانع .شربت القهوة. عندهارغبت  في تدخين سيجارة .لكنني ترددت إذ قد يكون من غير الصحيح أن أدخن أمام أمي. ولكني وجدت أن الأمر ليس ذي أهمية فقدمت حينها للبواب سيجارة وقبلها  



غفوت  قليلا وعندما استيقظت كان النهار قد طلع شعرت بألم كليتي يزداد علي ..كنت متعبا.فقادني البواب إلى بيته،وهناك تناولت مرة أخرى القهوة بالحليب وعدلت  من هيئتي . كانت الشمس قد ارتفعت قليلا . فوق التلال استشعرت بمدى المتعة التي كنت ساشعر بها بالتنزه لو لم تكن ثمة أمي.



.عندما وصلت  إلى مكتب المدير ،لاحظت أنه إرتدى ملابس سوداء قال لي: إن عمال الدفن  قد وصلوا سأطلب منهم إقفال الثابوت.هل  تريد أن تلقي نظرة أخيرة  على والدتك.أجبته: كلا. ثم طلب مني توقيع بعض الأوراق ، .قال لى :  أننا وقت الدفن سوف نكون وحدنا برفقة ممرضة المأوى. حسب نظام الماوى  غير أنه سمح بإسثناء لأحد أصدقاء أمي ليشارك في تشييع جنازتها؛ هو توما بريز.
وهنا ظهرت على ثغر المدير إبتسامة رقيقة .وقال لي:  هو وأمك لم يكونا يفترقان البتة.و كنا نمازحهما،فنقول لبريزإنها خطيبتك.فكانا يضحكان .يبدو أن  الأمركان  يروق لهما .و قد آلمه  موت السيدة كثيرا ماكان بوسعي رفض طلبه..ثم  أخبرني ان ابلوغنا  الى الكنيسة يحتاج ما يقارب ثلاث ارباع الساعة مشيا على الأقدام ،.وحين وصلنا،قام القس. وناداني وقال لي بعض الكلمات.ثم دخل،وتبعته.لمحت التابوت فكان قد دق بالمسامير بشكل كامل ، وبدأ القس يتلو صلواته. أمام الباب كانت هناك  ثمة عربة مدهونة ومستطيلة ،يقف بجانبها منظم المأتم،.سار  الخوري في المقدمة يتبع العربه ،وحول العربة أربع رجال ،وفي الخلف أنا والمدير وفي نهاية الموكب كان السيد بريز والممرضة . أخدت الحرارة بالارتفاع وشعرت بالحر الشديد ، استدرت قليلا ناحية السيد بيرز فلاحظت أنه يعرج عرجا خفيفا. كانت ثمة دموع كثيرة تنهمر على خديه حتى أنه في وقت لاحق من تشييع الجنازة أغمى عليه .كان هناك أيضا القرويون الجالسون على الأرصفة، ،وفي النهاية أهيل التراب فوق تابوت أمي. 



عندما عدت ، ودخلت شقتي شعرت بأني سوف أنام في  فراشي يوما ً كاملا من شدة التعب .. وعندما افقت لم أرغب في النهوض من فراشي ، كان لايزال لدي ثلاثة أيام إجازة حيث صادفت الاجازة التي أخذتها لجنازة أمي مع إجازة نهاية الإسبوع ، قررت أن أذهب  لقضاء يومي بالسباحة فذهبت إلى مؤسسة مسابح الميناء ..كان هناك الكثير من الشباب. وفي الماء التقيت ماري كاردونا، كانت تعمل موظفة على الآلة الكتابة في نفس المكتب الذي أشغله  ، كنت وقتها أرغب فيها وأعتقدت أيضا أنها كانت ترغب في كذلك .ولكنها رحلت قبل ان يمنحنا الوقت للتعارف أكثر  .ساعدتها على إعتلاء   الطوافة،.استدارت نحوي. كان شعرها ينسدل عل وجهها بشكل عشوائي وجدت نفسي أصعد بجانبها على الطوافة..سألتها إن كانت ترغب في مرافقتي إلى السينما مساءاً فابتسمت ووقالت  أنها كانت ترغب في مشاهدة أحد افلام فانيويل ، وعندما شاهدتني مرتدياً ملابسي دهشت لوضعي ربطة عنق سوداء،فسألتني هل أنت في حالة حداد .أخبرتها أن أمي توفيت بالأمس ، فلم تبدي أي ملاحظة سوى إنكفاءة بسيطة برأسها 


بعد خروجنا من السنيما ،رافقتني ماري إلى المنزل.وحينما إستيقظت،كانت ماري قد رحلت. إن اليوم هو الأحد، لاأحب يوم الأحد أشعر فيه بالملل فعدت الى فراشي ونمت. لم أرغب في تناول إفطاري عند سلسيت،على ما هي عادتي ،فلابد أنهم هناك سيبدأون بطرح كم هائل من  الأسئلة عن جنازة أمي ، وأنا لا أرغب بذلك.  


عد الظهيرة أحسست بالملل و الضجر ورحت اتنقل في شقتي  هنا وهناك على غير هدى. حينما  كانت أمي هنا ،كانت الشقة مناسبة لنا.أما الآن فقد أصبحت واسعة بالنسبة لي،حتى اني قمت بنقل  طاولة الطعام إلى غرفتي. وصرت أعيش فيها ،وأهملت بقية الشقة 
. اليوم كان العمل كثيرا في المكتب.وعلى غير العادة كان رئيسي لطيفاً معي.وسألني إن كنت متعبا،وسألني عن عمر أمي عمرها.فقلت له: أنها كانت تقارب  الستين عاماً.





=عد انتهائي من العمل خرجت مع إمانيويل الذي يشتغل في مصلحة الشحن.  وعند المساء عدت مشياً الى شقتي وكنت سعيداً. أثناءصعودي   درج السلم المظلم،صادفت جاري الذي يسكن مقابل شقتى الشيخ سلامانو،.كان يصطحب كلبه.فمنذ ثمانية أعوام ونحن نراهما معاً..وفي هذا الاثناء  دخل جاري  الثاني رايمون سانتس شقته  ملاصقة لشقتي.تتناقل الأقوال عنه  في الحي أنه يعتاش على النساء.لكنه عندما يسأله أحد عن مهنته، يقول إنه بأنه يعمل  أمين مخزن. عموماً هو شخص غير محبوب بتاتاً .غير أنه في بعض الأحيان يأتي عندي  لقضاء بعض الوقت ،ولأني أنصت لحديثه وأجد ما يقوله مثيراً للاهتمام .أخبرني أنه قد تشاجر مع عشيقته إنه من عادته أن يضربها ولكن ضربات خفيفة  وبحنو إن جاز التعبير لكن هذه المرة  هو يتوعد لها فهو متيقن من أن  هناك ثمة خيانة ولكن قبل هجرها عليه ان يؤدبها  ويعاقبها.فقال :  لقد فكرت أن اصطحبها إلى نزل،ثم أتصل بشرطة الآداب وأسبب لها فضيحة ،  أراد ان ياخذ مشورتي ورأي بالامر فأجبته انه ليس لي رأي  ،فقال هناك خيانة بالفعل،فهل تعتقد أنه يجب معاقبتها؟فقلت لا أعرف ماذا أفعل لو كنت مكانك  ولكني أتفهم رغبتك في معاقبتها..أراد ان يكتب لها رسالة يعنفها فيها وبنفس الوقت يستدرجها لتأتي إليه ، فطلب مني أن أكتبها بدلاعنه. إن كان الامر لا يزعجني . فقلت له : كلا.
اليوم السبت لقد أتت ماري عندي كما اتفقنا. لقد اشتهيتها بشدة، ، ذهبنا الى خارج مدينة الجزائر،إلى شاطئ تحفة الصخورأمضينا وقتاً ممتعا نسبح على الشاطئ . وعدنا إلى البيت، وفي اليوم الثاني طلبت من مارى أن تبقي للغداء. نزلت لأشتري اللحم .وأثناء صعودي،سمعت صوت امرأة في غرفة رايمون. 


سألتني ماري  هل أحبها ؟.أجبتها أن الحب ليس مهماً  فارتسم الحزن على سمتها .غير أنها،عادت بعد قليل  الى طبيعتها وضحكت من جديد، في هذا الأثناء سمعنا  صوت ضجيج مشاجرة صادر من حجرة رايمون. كان صوت المرأة حادا،ثم تبعها صوت رايمون. ثم صار بعدها صوت تكسير وصراخ  ، و مرة يظهر صوت ريمون بحدة عالية ثم يتبعها  صراخ المرأة الى أن صرخت المرأة، صرخة مدوية فامتلأ الممر على أثرها  بالناس.و أنا وماري خرجنا أيضاً .كانت المرأة تصرخ وتتوعد ،ورايمون مايزال يضربها..طلبت المرأة مني إحضار الشرطة ،فقلت لها  أنني لا أحب الشرطة. جاء رجل الشرطة مصطحبه مستأجر يقطن في الطابق الثاني،عندما فتح ريمون الباب للشرطي  كانت المرأة تجهش بالبكاء.أما ريمون كان يدخن  ،وبدا بشوشا. أخبرت المرأة  الشرطي بأن رايمون ضربها.طلب الشرطي من رايمون ان يطفأ سيجارته ولكنه الاخير تلكأ ولم ينصاع للامر .فلكمه  الشرطي بكامل قوته بصفعة ثقيلة على خده كانت الفتاة تنتحب وتردد: لقد ضربني إنه قواد. أمره الشرطي بأن يبقى  في غرفته حتى يصله استدعاء المغفر ،و أن الفتاة ينبغي عليها  أن ترحل


سألت الشيخ سلامانو أين كلبك؟ فأجابني بحزن لقد ضاع . اصطحبته كالعادة إلى ساحة الملاهي،وكان المكان هناك ممتلئ بالناس.وتوقفت قليلا أمام أحد أكشاك العرض كي أشاهد إحدى العروض وعندما هممت بالانصراف لم يكن هناك. قلت له : ينبغي عليك أن تذهب إلى حيث يحتجزون الكلاب الضالة،وهناك ينبغي عليك دفع ثمن الرسوم لإستعادته .سألني هل الرسوم باهظة. ثم أردف قائلاً لن أدفع مالا لكي أسترد تلك الجيفة!.


.دعاني رايمون لقضاء نهار يوم الأحد في بيت صديقه  الذي يقع على الشاطئ فصديقه قد أكد على دعوتي أنا ايضاً، فقلت له لقد وعدت صديقتي  بقضاء نهار الأحد معها.فأجابني رايمون، بأنها هي أيضاً مدعوة ،فزوجة صديقه سيسعدها أن تجد لها رفيقة.ثم أخبرني .بان طيلة نهاره كان هناك مجموعة من العرب تتعقبه من بينهم أخ عشيقته .
ذهبت مع  ريمون إلى مغفر الشرطة وشهدت بأن رايمون كان قد اشتاق للمراة . وأخلوا سبيله بعد ان وقع على إنذار.ولم يدققوا في أقوالي... كان صديق رايمون وهويدعى ماسون يسكن في كوخ خشبي قريب من الشاطئ 


 تعرفنا على بعضنا البعض.وعلى  زوجته التي كانت بغاية اللطافة. وطلب منا على الفور أن نتصرف  بأريحية في المنزل ، وأخبرنا أنه هذا الصباح قد اصطاد بنفسه تشكيلة من الاسماك لنأكلها على الغذاء نظرت الى ماري فوجدتها تضحك  وفي انسجام تام مع إمراته. عندها فكرت أنه لابأس في الزواج. أراد ماسون أن يسبح ،.نزلنا إلى البحرنسبح  الى إلى أن شعرت بنفسي متعبا. بينما بقيت ماري ورائي ، وعندما وصلت الى الشاطئ استلقيت على بطني قرب ماسون،. و قلت له إن الأمر كان ممتعا فشاطرني  الرأي. وبعدها  كان قد حان وقت الغداء. فقمت على الفور لأني كنت أتضورجوعاً   


بعد الغذاء ونزلنا ثلاثتنا انا وسايمون وريمون نتمشي على الشاطئ وتركنا النساء في المنزل فقد فضلوا الإسترخاء بعد الغذاء .
كان رايمون وماسون يتحدثون عن أشياء وعن أناس أجهلهم.لذا كنت معظم الوقت صامتا . ، عند طرف الشاطئ ، ومن بعيد لمحت  عربيين يرتديان بزة وكانا آتيين صوبنا .وعندما نظرت إلى رايمون،قال لي: إنه هو ..فتساءل ماسون،كيف تمكنا من  ملاحقتنا الى هنا..كان العربيان يتقدمان نحونا على مهل ، فقال رايمون : إذا ماحدث بيننا إشتباك. سأتكفل أنا بخصمي. وانت ياماسون عليك بالرجل الآخر أما أنت يامورسو،فعليك بالآخر ، إن حضروعندما أصبحنا  على بعد خطوات من بعضنا ، توقف العربيان. فاندفع رايمون نحو خصمه ووجه له ضربة  في وسط وجهه  ، ثم ضرب ماسون الشخص الاخر  بكامل ثقله.فسقط العربي على وجهه في الماء نظرت الى ريمون وصرخت انتبه إلى المدية!  ، لكن كانت ذراعة قد فتحت وفمه جرح. ،لاذا مسرعين بالفرار،بينما ظللنا نحن مسمرين في مكاننا تحت الشمس، ورايمون يضغط على ذراعه النازفة. قال ماسون،يوجد  طبيبا هنا يجب ان ننمضد ذراعك .



بدأت أشعة الشمس تميل فوق رمال الشاطئ . أراد  ريمون أن ينزل البحر،سألته أين تنوي الذهاب وأنت بهذه الحاله .أجابني  أنه يريد استنشاق بعض الهواء.قلنا له أنا وماسون إننا سنرافقه،فثارورفض وطلب ان يكون لوحده .ولكني تبعته رغماعنه . مشينا طويلا على الشاطئ  خيل إلي أن رايمون يعرف أين تقوده خطواته.وعند طرف الشاطئ الأخر  وخلف صخرة عظيمة . صادفنا العربيين. كانا يجلسان ببزتيهما الدبقتين هادئين ومغتبطين . حدق الشخص الذي ضرب رايمون بالمديه فيه بدون أن ينبس بأي  كلمه بينما الشخص الأخر إستمر بالعزف على قصبته وهو ينظر إلينا بطرف عينيه . تحسس رايمون مسدسه الموضوع بجيب سرواله  الخلفي وظل كلاهما  يتبدلان النظر لمدة طويلة . سألني ريمون وهو يحدق بالرجل أأقتله؟. قلت له: إنه لم  يكلمك أو يتعدي عليك بعد. هكذا سيصبح الأمر خارجا عن القانون  إذا أطلقت عليه الرصاص. وإذا لم يستل مديته ويهددك فلن يكون بإمكانك إطلاق النار عليه. بدأ رايمون يسثار ويغضب فقلت له:.واجهة رجلا لرجل،وأعطني سلاحك.وإذا تدخل صديقه أو أشهر سكينه سوف أطلق الرصاص عليه ، حينها  ناولني رايمون مسدسه . لكننا بقينا صامتين وساكنين لا نتحرك وكل منا ينظر للاخر الى ان تحركوا وعادو ادراجهم فعدت أنا ورايمون أدراجنا  وبدا الأمر أكثر انفراجا

أردت العودة إلى الشاطئ  والمشي فوق رماله الساخنة وقررت الذهاب اليه مشياً على الأقدام  ، كانت أمواج البحر تلهث مثل الأنفاس السريعة  .كنت أمشي بتمهل صوب الصخور. وكانت حرارة الشمس  تثقل على جسمي وتلفح وجهي بشدة. مشيت طويلاً..فكرت  في النبع المنعش خلف الصخرة. لأتخلص من الشمس وحرها ،.كنت أرغب بالإستلقاء في الظل والإسترخاء ، وحين إقتربت من المكان  لمحت خصم رايمون. كان بمفرده.وكان هو أيضا  يستريح مستلقيا على ظهره بظل الصخرة،.جفلت  قليلا، ولكني قد طويت المسألة بالنسبة لي ،وقد وصلت الى هنا دون نية مبينة. وما إن أبصرني حتى إنتصب واقفا،ووضع يده في جيبه. وتلقائيا،أمسكت  بمسدس رايمون الموجود في سترتي .حينها  تراجع للخلف ، كان ، يبعد  عني حوالي عشرة أمتار. كنت بين الحين ولآخر أنظر من طرفي عيني بإتجاهه أستشف نظراته ،.تقدمت عدة خطوات نحو النبع.ولم يتحرك العربي.كان  ما يزال بعيدا عني  بما يكفي. وبدا لي وكأنما هو يضحك. .بدأ لهيب الشمس يلسع خدي،.كانت نفس شمس ذاك النهار الذي دفنت فيه أمي.وأخذت عروقي تنبض تحت جلدي وجبيني يؤلمني مثلما حدث لي في ذاك اليوم تماماً ، فتحركت بخطوة واحدة للأمام. أعلم أنه تصرف غبي، ولكني عدت وخطوت عدة خطوات أخرى للأمام أردت التخلص من أشعة الشمس اللاهبة   ، عندها هب العربي واقفاً واستل  مديته،كان  بريق حد السكين المصوب أمامي.يبدو لي  تحت أشعة كسيف ملتهب يخترق عيني المتوهجتين ..شعرت بالتوتر يملئني ويهز كياني ،أمسكت المسدس وشددت يدي  عليه .فانفلت الزناد،. جفلت ونفضت عن جبيني  العرق والشمس.وأيقنت  لحظتها بأني قد دمرت توازن النهارالذي أحياه ،.عندئذ أطلقت أربع طلقات أخرى ، كان الجسد ساكنا، وكانت  الرصاصات تخترقه دون أن يظهر عليه  أثرها.


تم توفيقي مباشرة واستنطاقي عدة مرات.في المرة الأولى كان استجوابي بالمخفر،وبدت كأنها  قضية غير مهمة ولا تهم أحدا.لكن،وبعد عدة ايام أراد القاضي أن يعرف فيما إذا كنت قد عينت محاميا للترافع عني.فقلت  بأني لم أفعل ذلك،ثم سألته هل من الضروري تعين محام.لاني  أرى قضيتي في  غاية البساطة حتي أني لم أخذ الأمر على محمل الجد .فقال القاضي إنه  القانون هنا.وإذا لم تختار محامي ،فإن المحكمة سوف تعين محاميا يدافع عنك ، فأخبرته أن الأنسب هو أن تتولى المحكمة أمر هذه التفاصيل.
.في الأيام التاليه حضر  محام لزيارتي بالسجن. عرفني بنفسه،وقال إنه قد إطلع على ملفي جيدا .ووجد أن  قضيتي معقدة نوعا ما ،إلا أنه متفائل  بتحقيق النجاح ، ولكن علي أن أثق به. فشكرته، ثم قال لي:دعنا ندخل في  صلب الموضوع. جلس مقابلتي على السرير وأخبرني بأن المحققون قد قد تحروا عن حياتي الخاصة.وعرفوا بأن والدتي توفيت مؤخرا،في مأوى رعاية المسنين. وقد علم المحققون من خلال التحقيق الذي أجري في مرنغو. أني قد أبديت برودا يوم دفنت أمي وأن هذا الشئ سوف يكون دليلا يدينني ،مالم أجدرداً مناسباً للأمر . ثم سألني سؤالا أدهشني هل شعرت بالحزن يومها . أجبته بأني قد  فقدت مساءلة نفسي ،.لاشك في أني كنت أحب أمي كثيراً، لكن هذا الأمر لايعني شيئا. فتغير مزاجه وبدا عصبياً .وطلب مني بحزم  بأن لا أكرر هذا الكلام، على مسمع قاضي التحقيق او أثناء جلسة التحقيق . شرحت  له أنه يوم دفنت أمي كنت تعبا جداً  من حرارة الشمس وكنت  بحاجة للنوم.لدرجة  إني لم  أحط علما بكل ما كان يجري حولي. بدا المحامي غيرراضي .وقال لي: هذا غير كاف. ثم  قال لي بنبرة تحذيريه   إنه سوف يتم ،الإستماع إلى مدير الماؤى وموظفيه،كشهود،وأن هذا الأمر قد  يورطني شر ورطة فقلت له : ما علاقتهم  بقضيتي، ثم  إنصرف وكان يبدو عليه الانزعاج.
بعد ذلك بأيام قليلة مثلت مرة أخرى أمام قاضي التحقيق..طلب مني الجلوس ، أعلموني  بأن محامي ولسبب طارئ لم يتمكن من الحضور وأنه بإمكاني ألا أجيب عن الأسئلة ، وأنتظر  حضور المحامي بجلسة أخرى  ليكون معي.ولكني أجبته أنه بإستطاعتي الإجابة عن أسئلته بنفسي .وبدأ التحقيق.أخبرني بأني أوصف بشخص منغلق على ذاته قليل الكلام.فأخبرته : بأني في كثير من الأحيان لا أجد الأمور بذات أهمية لأتكلم . إبتسم، وعدل من جلسته ثم قال لي  ينبغي  عليك توضيح بعض الأمور وطلب مني إعادة مساري في ذلك اليوم على الشاطئ  .وعند كل جملة كنت أنطقها كان يقول حسنا.. ومرة أخرى عاد يسألني هل أطلقت الطلقات الخمس تباعا؟ . قلت لقد أطلقت رصاصة واحدة في البداية،ثم بعدها  بلحظات أطلقت الأربع الباقية.فسألني لماذا انتظرت مدة،بين الطلقة الأولى والطلقات الباقية  فلم أقل شيئا وصمتت.فبدا القاضي مهتاجا. ثم مال نحوي قليلا ،وبنبرة حازمة وغريبة قال لي: لم؟لم ؟ أطلقت الرصاص على جسد ساكن على الأرض؟.،وهنا أيضا لم أعرف بم أجيبه. وظللت ممعنا في صمتي. وبصوت كالرعد  سألني هل أنت مؤمن بالرب.فأجبته بالنفي فبانت على ملامحة كمية كبيرة من الغضب .ثم قال لي إن كل الناس يؤمنون بالرب، هذه قناعة وإلا الحياة تفقد معناها.صرخ أو تريد أن تصبح حياتك بلامعنى؟. فقلت له بالنسبة لي،لم يكن هذا الأمر ليعنيني،. فعاد يصرخ .وهو  ينظر بشيء من الحزن.ثم قال بصوت منخفض : مارأيت روحا أكثر قسوة من روحك قط . قام القاضي وسالني  سؤالا أخيرا قبل انتهاء التحقيق وقال : هل أنت نادما على مافعلت . فقلت لست نادم ولكني أشعر بشيء من الإنزعاج.





 ذات يوم،وبينما كنت  ممسكا بقضبان الحديد في زنزانتي ، دخل علي أحد الحراس وأخبرني أن هناك من جاء لزيارتي.عندما وصلت الى قاعة الزيارات .. لمحت ماري ،بفستانها المخطط ووجهها الهادئ ،تخيلت  ايامنا والسباحة والسير على الشاطئ ، كان بجانبي حوالي عشرة مساجين يتحدثون الى زوارهم ،أكثرهم من  العرب. كان صوت ماري يختفي بين اصوات الزائرين فالكل كان يتحدث بصوت عالى كي يوصل صوته للآخر . صرخت مارى لتسمعني صوتها قالت : إن رايمون يبلغني سلامه،فأجبتها: شكرا.لكن صوتي غطاه صوت جاري


صاحت ماري  مجددا: سوف تخرج، وسنتزوج! .أجبتها: أتعتقدين ذلك؟. كان الضجيج يوتروني .ولكنني  رغبت في أن أنعم أكثر بحضور ماري.لا أعلم كم  مر من الوقت علينا . ، كانت لا تكف عن التبسم ..لوحت لي ماري بإشارة قبلة وهي تودعني .
كان أكثر  ما يشق على نفسي ، هو أيام اعتقالي الأولى،حيث كنت أفكر كرجل حر  . كنت أشعر برغبات كثيرة تجتاحني أردت أن أكون على الشاطئ أتمشى وأن أنزل البحرأسبح وان أكون بجوار ماري . كنت  حينها أشعر بمدى ضيق جدران زنزانتي.ولكن بعد بضعة أشهر.صرت  أفكر  أفكار رجل مسجون. أترقب  موعد نزهتي اليومية في الساحة وانتظر زيارة محامي.وكنت أحسن التصرف في ماتبقى من وقتي.


كانت هناك ثمة مشكلة ضخمة لي في السجن وهو عدم وفرة السجائر أخبروني أن هذا الأمر ممنوع.كنت أقضي أيامي بصعوبة الى أن وصلت لدرجة كنت فيها أمص قطع الخشب التي كنت أنتزعها من لوح الخشب الموجود تحت فرشتي . وأمضي يومي وأنا في حالة غيثان متواصل.قلت لهم لماذا تحرمونني من هذا الشيء الذي لا يؤذي أحدا.ولكني فهمت فيما بعد انه جزء من العقوبة. بيد أنني كنت قد إعتدت على الحياة دون تدخين،وماعادت بالنسبة لي  عقوبة ،كانت مهمة قتل الوقت من جملة المنغصات الأخري .ولكني تمكنت من تخطيها باني  علمت نفسي التذكر.فكنت أنهمك فى التفكير  وأحصي ماهو موجود في غرفتي،وصرت  كلما زدت إمعانا في التفكير تذكرت  الأشياء المنسية والمجهولة في مخيلتي . عندها أدركت  أن رجلا لم يعش سوى يوم واحد حراً يستطيع أن يقضي مئة سنة في السجن؛إذ سوف تكون لديه كم هائل من الذكريات ماتكيفه كي لايمل. ،وصرت  أنام ثماني عشرة ساعة في اليوم.فيتبقى من يومي  ست ساعات أقتلها مابين الوجبات وذكرياتي 


 أخبرني المحامي أن قضيتي مسجلة في الدورة الأخيرة بالمحكمة الجنائية و أن الجلسات لن تستمر أكثر من يومين وأن المحكمة  ستنظر في قضيتك على عجل،فهناك قضية قتل أبوي أهم من قضيتك فى هذا  الموسم. وسينظر فيها ،مباشرة بعد قضيتك.
سألت الدركي لماذا تعج القاعة بكل هذا الحضور فأجابني إنها  الصحافة ، تقدم رجلا وصافح الدركي بحرارة. عرفت من كلامه أنه صحفي  ثم التفت لي  مبتسما.وقال : أرجو أن تمضي أمورك على خير.شكرته ، فأضاف لقد غطينا قضيتك،تغطية مبالغ فيها بعض الشيء.. فمنذ أشهر لم تكن هناك ثمة قضايا ذات شأن غير قضيتك وقضية القتل الأبوي. دوى رنين  جرس في القاعة،فعاد الجميع للجلوس إلى أماكنهم.أقبل المحامي نحوي ونصحني بأن تكون إجاباتي مختصرة عن الاسئلة الموجهة لي وأن أترك له ماتبقى..أعلن محضر قضائي بداية المحاكمة. قال الرئيس إنه يجب إستدعاء الشهود.فراح المحضر ينادي الأسماء التي أدهشني وجودها وشدت انتباهي.  كان مدير المأوى وبوابه والشيخ توما بريزوسلامانو  ورايمون وماسون وماري التي أومأت لي بإشارة قلقة. ، وسيليست، بجانبه شغالة المطعم  


بدأوا أولاً بالإستماع الى شهادة البواب.الذي  نظر إلي ثم أشاح بعينيه عني.أجاب عن الاسئلة التي وجهت له.وقال  إني لم أرغب في رؤية أمي   ، وأني لحظتها دخنت وإني شربت قهوة بالحليب.شعرت وكأن  شيئا ما يلوح في عبارات الحضور الخفية ، ففهمت لأول مرة أني كنت مذنبا..نظر إلي المدعي العام بتهكم.وفي هذه اللحظة سأل محامي البواب إن كان قد دخن معي لحظتها .غير  أن المدعي العام عارض هذا  السؤال بشدة وقال أيهما المتهم هنا؟ غير ان الرئيس طلب  من البواب الإجابة عن السؤال.فقال البواب بنبرة إستياء أعرف  بأني مخطئ.لكنني  لم أجرؤ على رد السيجارة التي قدمها لي السيد  ثم قال إنه هو من قدم لي القهوة بالحليب.عندها بانت على المحامي ارتياح المنتصر بيد ان المدعي العام بادر بإدارة الدفة لصالحه وقال كان  بإمكان المتهم أن يرفض قبول القهوة  وهو أمام جثمان أمه .عاد البواب إلى مجلسه.و حان دور توما بريز وقال إنه  يعرف أمي جيداً،وإنه لم يراني سوى مرة واحدة، كانت هي يوم دفن أمي .وقال  لقد كنت في حينها   حزينا وأتألم وأن الحزن قد منعني من رؤية مايحدث..حتى أني أغمى علي.لذا لم أتمكن من رؤية السيد ،
عندما مثل سيليت .سئل هل هو أحد زبائنك،فأجاب:نعم  ،وهو أيضا صديق ثم سأله الرئيس عن مدى إنطباعه عني،فقال إني كنت رجلا ثم سئل عما إذا  كنت منطويا على نفسي،فأقر بأني لست من النوع الذين يثرثون في اي شئ  





عاد  سليست للجلوس في مكانه ..ودخلت ماري.كانت تبدو متوترة جداً. أراد الرئيس أن يعرف ما مدى العلاقة التي كانت تجمعنا  ،فقالت إنها صديقتي. وإنه كان  من المفروض أن نتزوج . ثم  نهض المدعي العام عن كرسيه وسألها : ،منذ متى وأنتما على علاقة . فحددت له  التاريخ. فقال المدعي العام بنبرة تهكم :  أوليس هذا  التاريخ يطابق تاريخ  اليوم الموالي لوفاةوالدتك .ثم  أصر أن تلخص له  ماري ماجرى في اليوم الذي التقيتها فيه. فأمام إصراره قالت لقد  سبحنا معا ، وذهبنا الى السينما ،ثم تحدثت عن عودتنا معاً إلى بيتي..حينئذ قام المدعي العام، وقال بنبرة  حادة وهويشير إلي بسبابته سادتي القضاة : إن هذا الرجل، غداة يوم  وفاة أمه ، ذهب  للتنزه والى السباحة،وبدأ قصة علاقة غير شرعية ، ثم ذهب الى السينما للضحك أمام فيلم فكاهي. فإنفجرت ماري باكيه ،وقالت إن الأمر ليس كما يصوره المدعي، إنها تعرفني تمام المعرفة، وتعلم إني لم أفعل أي سوء.الا انه طلب منها الانصراف وعادت الجلسة للإستئناف . تم الإستماع إلى ماسون ،الذي افصح بأني رجل شريف وبإني رجل شجاع .وعلى وجه السرعة تم الاستماع الى سلامانو حيث ذكر بأنه لم يعد يجمعني بأمي سبيل للحديث،ولهذا السبب وضعتها بالماؤى . ثم جاء دور رايمون،آخر الشهود.أومأ لي رايمون بإشارة،ثم قال فورا إني كنت بريئا.غير أن  الرئيس قاطعه قائلا نحن لا نسألك عن إنطباعك  وإنما نريد أن تخبرنا وقائع. فاستغل السؤال ليوضح  أن الضحية كان يكرهه هو وليس أنا ،منذ أن  ضرب أخته.وأن  تواجدي بالشاطئ كان محض صدفة.فسأله المدعي حينها أن يوضح عن الرسالة التي هي أصل الإدانة وسبب  المأساة، فتلك الرسالة كانت مكتوبة بخط يدي.فأجاب رايمون أن الأمرجاء بالصدفة حيث انه هو من طلب ان أكتبها نيابة عنه .فتصدى له المدعي العام متسائلا عما إذا كان من محض الصدفة بأني لم أتدخل لأمنع رايمون من ضرب عشيقته،ومحض الصدفة من أن كون شهادتي في المغفر من أجل ريمون والتي كانت وقتها أشبه بالتواطؤ لصالح ريمون .ثم سأل رايمون عن عمله ،فأجاب بأنه أمين مخزن ،حينئذ قال المدعي العام إن الشاهد يكذب كونه يمارس القوادة،وبأني شريكه  وصديقه.
إعترض المحامي،إلا أن  الرئيس طلب ترك المدعي العام  حتى ينهي كلامه. حينئذ إلتفت المدعي العام نحوي وقال: إن الرجل قد سلم نفسه ، غداة وفاة أمه ، لأحط أنواع الفستق،وإرتكب جريمة قتل دوافعها تافهة ،  عندها صاح  المحامي رافعا يديه،ولكن،هل هو متهم بدفن والدته أم بقتل رجل؟.فضج الحضوربالضحك .عندها إستقام المدعي العام واقفاً من جديد ، وقال بصوت عال: أجل، إني أتهم هذا الرجل بدفن  أمه بقلب مجرم.وبدا تأثير وقع هذا الكلام على الحضورواضحا . ،بدا محامي مهزوزا، وراح يمسح العرق عن جبينه فأدركت حينها بأن أموري لاتسير على مايرام.ورفعت الجلسة. 


مرافعة المدعي العام أرهقتني. كلامه ولهجته القاسية التى وجهها لي أثناء مرافعته ، ،أثرت في وأيقظت إنتباهي .ففي رأيه أنني قد إرتكبت جريمتي متعمداً وعن سابق قصد . تحدث عن وفاة أمي،وركز على برودي وعدم إهتمامي لوفاتها ، ،فخروجي  غداة وفاتها للسباحة مع امرأة والذهاب للسينما وحضور فيلم  فرنانديل الفكاهي ،ثم العودة إلى المنزل بصحبة ماري. كلها أمور  تدل عل عدم مبالاتي وحبي لإمي على حسب رأيه . وعندما إنتقل الى قصة رايمون. كان مايقول معقول.فقد كنت بالفعل قد كتبت بخط يدي رسالة بالإتفاق مع رايمون لإستدرج عشيقته،وتسليمها لرجل  عديم الأخلاق.وأني قد استفززت خصم رايمون على الشاطئ. وقد أصيب رايمون بسبب ذلك.ثم طلبت منه مسدسه.بنية استعماله وبعدها عدت الى الشاطئ  بمفردي،. أطلقت رصاصة على العربي وقتلته كما خططت.ثم إنتظرت لبرهة. وبثبات وتصميم أطلقت أربع رصاصات أخرى على جسده المسجي  ،وانا في كامل وعي  ،قال المدعي أيضا ً.لقد إستمعتم إليه،.إنه يعلم قيمة الكلمات ويعرف كيف يجيب . فهذا الرجل ولا مرة عبر عن أسفه ،على  جريمته الفظيعة أثناء التحقيق معه .وددت لو أشرح له بشيء من التودد وابراز حسن النية  بأني ما أسفت لشيء ما يوماً.كنت دوما أعيش يومي أو غدي ولاأنظر للخلف  



تحدث المدعي عن روحي كان يقول إني، بلاروح.ولاأحمل في داخلي أي شئ إنساني .ثم قال وهويرص كلمات الإدانه إنني أطالب برأس هذا الرجل،وأنا  مطمئن البال .أنهى المدعي العام كلامه بهذه العبارات القاتلة   ثم جلس على كرسيه و خيم الصمت في القاعة .أما أنافقد كنت معقود اللسان مندهش . ، سألني الرئيس بصوت خفيض إن كان لدي ما أود أضافته ، فقلت مرتجلا ،بإني لم أكن أنوي قتل العربي.فأجابني الرئيس إن إجابتك تنطوي  على إقرار بالجريمة،وأنه يرغب في فهم  الدوافع التي كانت وراء فعلتي. فأجبته ،وأنا أخلط الكلمات ببعضها وأعي ما هي مدى سخافة كلماتي ،أن الأمر قد حدث بسبب الشمس .فضجت القاعة بالضحك.هز المحامي بكتفيه ، وطلب  تأجيل القضية إلى اليوم التالي .


بدا لي محامي أنه أقل موهبة بكثير من المدعي العام ، ولكنه عندما جاء دوره كي يمثلني تكلم عن روحي.فقال : إنني على خلاف مع ممثل الإدعاء لقد وجد في روحي  أني كنت موظفا ورجلا شريفا وكنت شخصا محبوبا لدى الجميع محبوبا وأشعر بمشاكل وهموم غيري وقد كنت ابناً بارا فقد كنت معاونا لأمي قدر إستطاعتي وعندما وضعتها في مأوى المسنين كان ذلك لعجزني عن توفير الراحة لها التي توفرها لها بيت المسنين ثم أضاف إن من الخطيئة وضع أمي في المأوى فلماذا تقوم الدولة بدعم هذه المؤسسات وتشجعها.
 صرت مرهقا من هذه المرافعات وباتت لهفتي إلى أن أنتهي من كل هذا وأعود إلى زنزانتي وأنام أهم ما أرجوه .أنهى المحامي الجلسة  صائحا بأن القضاة لن يرغبوا في أن يرسلوا موظفا نزيها الى الموت أضاعته لحظة طيش .وطلب التخفيف في الحكم عن جريمة بت أحمل وزرها للابد .ورفعت الجلسة للاستراحة . بحثت عن ماري بناظري.لمحتها بين سليست ورايمون.أومأت إلي بإشارة،ابتسمت لى ابتسامة حزينة  أحسست بقلبي ينقبض ، حتى أني لم  أرد على ابتسامتها. عاد القضاة الى أماكنهم في القاعة .  بعد سلسلة من أسئلة المحلفين. سمعت حكمهم بالقول :إنه  مذنب بجريمة قتل متعمد  بعدها . غادر المحلفون القاعة،واقتادني الدرك  إلى غرفة صغيرة  للإنتظار .تبعني  المحامي:كلمني بود وثقة  وقال ان الأمور سوف تسيرعلى مايرام  ،وأن الأمر سينتهي بالسجن بضع سنوات مع  الأشغال القسرية.سألته هل ممكن النقض،. قال : غير ممكن.. فلايمكن أن ينقض حكم بمثل هذه القضية دون وجود سبب وجيه .بيد أنه  ثمة إمكانية للإستئناف .ولكني على يقين  بأن الحكم سوف يكون  لصالحي . انتظرنا لساعة . حتى سمعنا  رنين جرس بدء جلسة النطق بالحكم .قال لي  المحامي. لن يتم إدخالي  إلا عند النطق بالحكم. وعندما قرع الجرس مرة أخرى،وفتح باب الغرفة ،كان كل ما سمعته هو الصمت الرهيب في القاعة  إنتابنيإحساس كئيب رأيت الصحفي الشاب يشيح بعينيه عني.لم أنظر ناحية ماري. خاطبني الرئيس بطريقة جافة ،قائلا  بإسم الشعب الفرنسي  سيقطعون عنفي في الساحة العامة...أمسك  المحامي يدي . سألني  الرئيس هل لديك ما تضيفه فأجبته كلا : عندها قام الدركي واقتادني لخارج القاعة والعودة لسجني .




للمرة الرابعة رفضت إستقبال القس. ،ليس عندي رغبة في الكلام ، إن مايهمني هو أن أعرف إن كان هناك مخرج مما أنا فيه .
وضعوني  بزنزانة بمفرودي .كانت زنزانتي الجديدة بها نافذة من قضبان  أستطيع من خلالها رؤية  شئ من السماء حينما أستلقي،. فكنت أمضي  أوقاتي في النظر الى صفحتها .  تساءلت هل استطاع يوماً أحد من المحكومين م الإفلات من نظام الآلة الصارم هذا ،وهل استطاع أحدُ ما  أن خترق نظام الحرس ويهرب قبل تنفيد الحكم ... 


كنت أبذل كل جهدي لأحول مجرى أفكاري المتكاثفة الي مخيلتي.إلا أن .محاولاتي كانت تذهب سداً .كلما تخيلت أن الإستئناف رفض وأن الفجر  الأخير حضر  .وأخيراً كي أستطيع تمضية يومي أقنعت نفسي بأن أكون عقلاني  وألا أعارض ذاتي.كنت أعلم أنه عندما يحين الوقت يأتون فجراً. فشغلت ليالي بإنتظار هذا الفجر.فأنا لا أحب أن أفاجأ.وعندما يحين ذلك الوقت فعلي أن أكون متيقظا وجاهزاً للأمر .لهذا عزمت ألا أنام إلا سويعات قليلة من نهاري،أما في ليالي فكنت أنتظر إلى منتصف الليل حتى أبدأ في الترقب والتأهب لبزوغ الفجر .أصعب ما كان في الأمر هو إنتظاري  لتلك الساعة الرهيبة التي سيأتون فيها.وعندما يبدأ النور  يتسلل معلنا نهارا جديدً إلى زنزانتي.كنت أركز سمعي الى وقع الخطى  حتي يكاد قلبي ينفجر. كنت ألصق أذني بخشبة  الباب مترصدا بجنون لسماع الأصوت ،حتى إني أبدأ بسماع أنفاسي المتحشرجة في  داخلى ويبدأ الجزع يملئ أوصالي ، وفي الختام، يهدأ قلبي  ،حيث أكون  قد كسبت أربعا وعشرين ساعة أخرى.وأقضي نهاري بالتفكير بموضوع الاستئناف.


.كنت أضع في حسابي أسوأ الاحتمالات: وهو أن يرفض طلب الاستئناف. عندها،سوف يعدمونني 
عندما دخل علي القس كنت مستلقياً على فراشي .ولما  أبصرته سرت في جسدي  رجفة خفيفة. فبادر قائلاً يطمئنني :لاتجزع . أنها زيارة ودية،لاشأن لها بالمحاكمه .جلس على سريري،وظل صامتاً  لبرهةٍ طويلة  خافضا رأسه يحدق في ارضية الزنزانه ، وبغتة  رفع رأسه وحدق في وجهي قائلا:لماذا لاتزال  ترفض مقابلتي؟فأجبته أنني لا أؤمن بالرب..عندئذ عدل جلسته وأسند ظهره للحائط. وقال :: هل أنت متيقن  من هذا الأمر فأجبته.إن  لم أكن متيقنا مما يهمني،فإنني  متيقن تماما مما لايهمني .. فسألني : هل كلامك هذا بدافع اليأس فقط.فقلت له : لست يائسا بل أنا خائف .. فقال : سيعينك الرب إذن.فكل اللذين كانوا في مثل حالك ،كانوا يرجعون إلى الرب.فقلت له :  أما أنا  فلا أريد أن أنشد العون من أحد ، وليس عندي وقت لأضيعه فيما لايهمني.


تملل في جلسته وندت حركة انزعاج من يده ثم هب واقفاً وناداني ياصديقي: انني لاأكلمك بهذه الطريقة لانه محكوما  عليك بالإعدام،فنحن جميعا محكمون بالموت فقاطعته قائلا إن الأمرليس سيان  .فرد: بالتأكيد .لكنك ستموت فيما بعد،وإن لم تمت اليوم ففي أي وقت قد تحدث وفاتك.فكيف ستواجهه إذن ؟ فقلت له  سأواجهه بالطريقة التي أواجهه بها الآن. عندها .حدق في عيني مباشرة وقال : . إذن ليس لديك أمل في شيء، وأنك حين تموت ستفني !! أجبته: أجل.عندها تجهم وجهه ، وعاد للجلوس. ثم قال لي إنه يشفق علي. وأني أحمل وزراً لايطاق بالنسبة لإنسان .

أما بالنسبة لي  فقد بدأت أشعرأنه  يضجرني .. راح يتحدث بإلحاح وبصوت قلق ،. كان يعبر عن يقينه بأن طلب استنئاف الحكم سوف يقبل ،. ولكن في اعتقاده أن عدالة البشر لا تذكر،مقابل  عدالة الله التي هي كل شيء.فقلت له : إن العدالة التي صنعها  البشرهي التي حاكمتني.فقال ومع هذا فهي لن تمحي خطيئتك. فأخبرته إني لا أعرف ما معني الخطئية. أخبروني  بأني كنت مذنبا. وسأدفع  الثمن لذنبي، وبعدها لن يكون هناك شئ لديهم ليطلبونه  مني. مشي بإتجاهي خطوة وراح  يحدق في السماءمن خلال القضبان. قال لي : أنت مخطئ يابني، إنهم بوسعهم أن يطلبوا منك  أكثر مما تتوقع. ثم قال بشئ من الحزن كلمات وكلمات لم يكن عقلي يريد أن يسمعها،وبغتة  سألني إن كنت أسمح له بتقبيلي.فقلت له  : كلا عندها .استدار،وخطا في الإتجاه الآخر  .ثم قال بصوت أو تحب هذه الدنيا إلى هذه الدرجة . لم أجبه وظل واقفا الناحية الآخري مدة لابأس بها. كان وجوده يزعجني ويثقل علي ، رغبت منه أن يرحل،و يتركني، ولكن في حينها صرخ منفجراً يسألني :  إذن ماهو تصورك عن الحياة الأخرى. حينئذ صرخت أنا أيضاً وقلت : تصوري هي حياة،أستطيع فيها أن أتذكر هذه الحياة.ثم قلت ،أني تعب وأرغب أن أستلقي واستريح .أراد أن يستمر في الكلام ويحدثني  عن الرب، فأخبرته ياسيدي  إن وقتي محدود وضيق.ولا أرغب في إضاعة  ماتبقى من وقتي مع الرب. حينها سألني لماذا  ألقبه بسيدي بدل أن أناديه أبت.استفز هذا الامر  أعصابي، فأجبته بوقاحة أنه ليس أبتي،. فقال : وهو يربت على كتفي سأصلي لأجلك يا بني .حينها فقدت السيطرة على نفسي وانفجر شيء ما بداخلي.وبدأت  أصرخ وأرتعد ، وقلت له لاأريدك أن تصلي لأجلي. بل إني شتمته وأمسكت بذيل ثوبه.وأفرغت عليه كل الغضب  الذي يحمله قلبي،إنه يعتقد بأنه  متيقنا،أليس كذلك؟إن يقينه  لايساوي شعرة من شعر امرأة.هو ليس متيقنا بنفسه إن كان حيا أو ميتا فهو يحيا كميت. بيد أني أبدو صفر اليدين،إلا أني  متيقن من نفسي،ومتيقاً من حياتي ومتيقنا من  هذه  الميتة القادمة.أجل، إنني على يقين أكثر منه ،وإني على صواب،بل لطالما كنت على صواب . ولقد عشت حياتي بطريقتي هذه ، كان بإمكاني أن أعيش بطريقة أخرى.ولكني لم أفعل  في حين فعلت أشياء أخرى.وماذا إذن بعد هذا ؟ أشعر وكأني كنت انتظرطيلة عمري تلك الساعة  التي سآنال فيها جزائي..فلمن أقاصي مستقبلي 

لقد كانت هناك ثمة هبة  تتقدم نحوي من خلال سنوات لم تأت بعد،.فلما  يهمني موت الآخرين ، ويهمني حب أم،أو  يهمني إلهه، ، ولماذا أهتم بالمصائر طالما سيصطفيني،في النهاية مصير واحد أنا بالذات وهو الموت ، ويصطفي الملايير من ذوي  الحظوة،الذين يدعوهم  القس،بأنهم إخوتي؟ فليفهم إذن؟بأن كل الناس محظوظين.



                        النهاية 

تفاعل :

تعليقات