القائمة الرئيسية

الصفحات

 

طعام صلاة حب : اليزابيث جيلبرت 

 إعداد وإشراف : رجاء حمدان  





 

 

 

 

 

طعام صلاة حب

اليزابيث جيلبرت

إعداد وإشراف : رجاء حمدان

 

اسمي اليزابيث وانا امرأة في اوساط الثلاثينيات من العمر، أعمل كصحفية، امريكية الاصل، وكنت أعيش مع زوجي في منزل فاره ، قبل ان يحدث الطلاق بيننا .  تطلقنا بسبب عدة مشاكل بيننا حدثت حول عدم نيتي بإنجاب طفل، و بالرغم من ان زوجي حاول اقناعي بشدة بعدم الانجاب ، الا ان جهوده ذهبت ادراج الرياح، كنت خائفة جدا من فكرة المسؤولية، وكنت كلما خرجت في زيارة لإحدى صديقاتي الأمهات، شعرت بعجزي عن تربية طفل اكثر. زوجي لم يحتمل عنادي، فقررنا الانفصال نهائيا بعد العديد من المشاكل الجارحة و تعقد علاقتنا بشكل مخيف.

 

 

 

في ٢٠٠٣، فصل الربيع تحديدا، ازدادت الازمة بيني و بين ديفيد في محاكم الطلاق، صار ديفيد  يطالب بأموال وشروط للانفصال، أدى ذلك الى نزاعات مادية بيننا مستمرة ، فقد اراد مني  المنزل بالكامل وجزء من ايرادات المؤلفات التي كتبتها اثناء زواجي به، وبعض من اموال الارباح المحتملة لأعمالي في المستقبل في قاعات السينما ان تم تحويل اعمالي لمسرحيات، و ايضا حصة من اموالي التقاعدية حين اتقاعد! وكان لا بدأن أعترض  وأن أقول لا، هذا كثير، ، لذلك تطورت الصراعات ولعدم وجود تسوية حقيقية،..

أجل.. لم تكن شروطه سهلة البتة، فان قبلت بشروطه كنت سوف استنزف تماما، من ناحية الاموال والجهد و الطاقة وكذلك في المحاكم، لقد تدمرت علاقتنا تماما ولم يعد بيننا مساحة للنقاش اللطيف، او الكياسة الاخلاقية، وهذا ما عقد الامور اكثر، لذلك تم تعليق اوراق الطلاق، وبقيت معلقة بالكامل  وبقيت معلقة   مع تعلقها.. لكن على الرغم من هذه الفترة كانت  مؤلمة من حياتي، الا انني استطعت ان امضي وقتا جميلا مع شخص جديد في حياتي الا وهو ديفيد، ديفيد شاب وسيم جدا، روحاني جدا، و ذكي و نباتي ايضا. لقد التقينا انا وديفيد وهو يقوم بدور في مسرحية اساسها بعض القصص القصيرة التي قمت بكتابتها، كان يقوم بتأدية دور لشخصية مؤثرة من خيالي، وقد عبرت عنها بالورق، كوني كاتبة ايضا وليس فقط صحفية، ، لقد انسجمنا وتناغمنا مع بعضنا بطريقة لم أتخيلها من قبل،  قمنا باختراع لغة تخصنا فقط نحن الاثنين، قمنا بالذهاب الى عدة اماكن ورحلات معا، صعدنا جبالا و ابحرنا، خططنا لرحلات حول العالم، كما كنا نملك شغفا واحدا بالدراجات النارية، اطلقنا القاب مركبة على بعضنا كي لا يفرقنا شيء، رسمنا خططا ووعود، و تساعدنا في القراءة و عمل العشاء، كان متعاون و طيب القلب، وقد حلمت ان نتزوج و نعيش الى الابد معا! لكننا . انفصلنا. كان ذلك بسبب صعوبته في التعامل معي! كان ديفيد قد توقف عن مجالستي او الحديث معي، ولم يعد يهتم لحزني، و عدت مجددا الى وضع لطالما كرهته..

 

فقد كنت في الصباح ابدو امرأة طبيعية للغاية، لكن في المساء، ابدأ التحول امام ديفيد وكأنني الناجية الوحيدة من شتاء مرعب و مخيف للغاية، كل يوم كنت اكثر فأكثر تتعمق الحالة لدي، تماما كشخص مصاب بمرض خطير.. بت انزوي وانا ارتجف من الظلمة و الليل، كما لو كان الليل مركز تعذيب و اضطهاد و قسوة، كنت اغوص في دوامات و زوابع من الاسئلة المرعبة عن نفسي وعن الحياة، بتفاصيلها المملة و الدقيقة، كان جسمي يعاني من الام كاملة في كافة اطرافه، كما لو كنت الة قديمة حملت اطنانا من الاغراض فوقها و اخيرا انهارت، ، كنت اخسر يوميا الكثير من وزني، ، كانت حالتي يرثى لها. ربما تتساءلون ما سبب كل تلك المشاعر الغريبة؟ بالحقيقة خلال السنوات الاخيرة من حياتي، كان واضحا اني اعاني من مشكلة ليست سهلة ابدا و هي الاكتئاب، دخلت في هذه الحالة من الاكتئاب الحاد في منتصف زواجي، و استمرت حتى علاقتي بديفيد، كنت اشعر دائما بأعراض فجائية وخطيرة للغاية مثل الأرق الشديد، زوال الشهية و الرغبة بالطعام، البكاء الغير منتهي، الام مخيفة في الظهر و المعدة، وحدة، و ضعف جودة العمل ايا كان الذي اقوم به. وبقيت هكذا حتى انفصلنا كما اخبرتكم، و منذ ذلك الوقت الذي انفصلت به عن ديفيد صرت احاول ان افهم ما سبب اكتئابي، ما مصدره الاول؟ هل هو نفسي؟ روحي؟ ثقافي؟ اسري؟ اجتماعي؟ سياسي؟ مجتمعي؟ بالفعل ما اصعب الانسان، و ما اغرب طبقات روحه.

 

حاولت بكل ما أملك من جهد أن أعالج نفسي من اكتئابي الحاد، اشتريت عدد كبير من كتب التنمية البشرية، و ذهبت الى اخصائية نفسية لتساعدني في محنتي، وكانت كالكثيرين ممن يمارسون مهنتها، لطيفة لكنها تفتقد الى الرؤيا و البصيرة الحقيقية، مارست الرياضة ، تعلمت عدة هوايات جديدة، وابتعدت قدر الامكان عن كل شيء من شأنه ان يعيدني الى دوامات الاكتئاب والحزن، مثل الاغاني و الافلام و الكتب الدرامية، تسكعت في الطبيعة و تقربت من اسرتي و صديقاتي، لأحصل على دعم كاف في محنتي هذه، زرت صالونات الشعر، اشتريت فساتين، وجربت ان اضع مساحيق التجميل على وجهي، ثم اخيرا جربت الدواء، ولم أكن أشعر انني مرتاحة لأخذه، لذلك حاولت بكل جهد ان اخفض مقدار الجرعة،  بالرغم من معرفتي بأن هذه الادوية جعلت اكتئابي اقل، وحالي افضل، وانا اشكرها، الا انني لا زلت غير راضية عن استخدامها، انها تؤثر تأثيرا عظيما في المزاج، وبالحقيقة يخيفني جدا سرعة انتشارها بين الناس، اتمنى لو يتم وضع قوانين للتقليل من استخدامها في البلاد، وان كان لا بد من شراءها ان تكون تابعة لاستشارة طبيب نفساني ضمن قائمة متكاملة للعلاج وحسب خطة مدروسة، كنت ارغب ان استعملها فقط لفترة بسيطة ثم لا اعود اليها ابدا، بالرغم من ان احد الاطباء اخبرني انه ربما علي ان اتناولها مدى الحياة، لأن لدي ميل الى الكآبة، دائم وجذري، واتذكر اني نمت تلك الليلة ادعو ان يكون كلامه غير صحيح.

 

عندها سعيت جاهدة عن شغف حقيقي داخلي، يلهيني عن اية ادوية اكتئاب، ووجدت ان شغفي الكبير يتمثل في تعلم الايطالية، لقد عشقت هذه اللغة ، لطالما شعرت ان كلماتها تشبه تغريد الطيور، لغة ساحرة بالنسبة لي، و بالفعل، سجلت في معهد لتعلم الايطالية، و ما توقعته حدث، فلقد اخرجتني ولو قليلا من جوي الحزين القاتم بعد انفصالي، كنت اعود من الحصص الايطالية الى منزلي ، اجلس في البانيو حين اخذ حماما ساخنا واعيد تكرار ما اخذناه بالفصل الدراسي بصوت عال، وذلك لأبعد عن عقلي اية افكار هستيرية متكررة عن طلاقي واوجاع قلبي، بدأت اطلق اسماء ايطالية على كل شيء حولي، فمثلا هاتفي النقال الصغير اطلقت عليه اسما بسيطا ايطالي، صرت دائما اقول تشاو، مثل كل المزعجين الذين ينطقون كلمة تشاو مليار مرة باليوم. ان مجرد لفظ الحروف الايطالية كان كفيلا ان يجعلني امرأة جميلة بنظر نفسي و سعيدة، و قد اخبرتني محاميتي المشرفة على اوراق طلاقي انني لست الوحيدة في هذا ، كثير من النساء يغيرن اسماءهن بعد الطلاق الى اسماء من لغات اخرى بحيث ان هذه الطريقة بحسب روايتهن تجعلهن يشعرن بسعادة و ثقة.

 


بعد تعلمي القليل من الايطالية، قررت السفر، لطالما احببت السفر، بالتأكيد من شأنه ان يعالجني من ضغوطي و حزني و ظلمتي، واحترت الى اين اذهب، اردت دوما الذهاب الى بالي، وذلك لأن عرافة مرة كانت قد تنبأت لي بالذهاب الى هناك، واردت ايضا الذهاب الى الهند، لزيارة معتزل مرشدة روحية هندية وجدت صورة لها في منزل ديفيد وشعرت بالأريحية اتجاهها، وقد اخبرني مرة ديفيد، انهم يزورونها من كل بلدان العالم، لتعلمهم دروسا عن الذات والحياة، لكن السفر الى الهند كان سوف يكلفني مالا ووقتا ايضا، وشعرت ان الامر تعقد اكثر حين تذكرت شغفي لزيارة ايطاليا، ليس فقط لرؤية الدولة التي لطالما احببت، وانما اردت العيش و اختبار تجربتي في مكان يقدس المتعة و الجمال ولذة الحياة، كل هذه الرغبات كانت قد تضاربت في ذاتي ، وفكرت حينها ما الاهم حقا بالنسبة لك يا اليزابيث؟ هل الروحانيات ام المتعة وملذات العيش؟ بصراحة لقد افتقدت الاثنتين خلال حياتي السابقة، لقد كنت جسدا مليئا بالاكتئاب و التوتر، بيئة غير صالحة لا للمتعة و لا للتعبد.  و اخيرا قررت، ووضعت خطة لزيارة ايطاليا، ثم الهند، ثم بالي. وهذا ما حدث .. سافرت الى ايطاليا بالفعل، وكنت اعلم ان وحوش الوحدة و الاكتئاب تحاصرني وسوف تحاصرني اكثر فاكثر، لذا قررت ان تكون زيارتي هذه بحثا عن ملذات الحياة الحقيقية التي منعت نفسي منها اعوام و اعوام، من طعام و صديقات و حفلات، و فكرت ان هذا من شأنه ان يساعد حقا.

 

بدأت رحلتي في ايطاليا، ربما بعضكم يقول، ان السفر صعب.. ويشعر الانسان به بالوحدة، لكن انا لدي مهارات تتعلق بالسفر، مهارات فطرية، احدى اهم المهارات هذه قدرتي على مصادقة البشر ايا كانوا، لدرجة انني مرة قمت بمصادقة و التعرف على مجرم من صربيا، وقد دعاني الى منزل اسرته في الجبال ايام العطل، انا استطيع مصادقة الجميع بالفعل، وان لم يكن يوجد احد استطيع التحدث معه، بإمكاني التحدث مع الجمادات، و مصادقتها، كالصخور و الحجارة مثلا، لذلك اجد متعة في السفر دون خوف او قيود، من الغربة او ايا كان. سألني الجميع قبل ان اسافر الى ايطاليا ان كان لدي معارف و اصدقاء هناك فأجبت  كلا ، لكن من داخلي كنت اعرف انه سوف يكون لدي معارف بلا شك، ومع ذلك اخذت قائمة اصدقاء و معارف لأصدقائي، وقد سافرت بقائمة اسماء و ارقام طويلة.

 

خلال وجودي في روما و منذ وصولي قمت بالتسجيل في احدى المدارس و التي تقوم بتدريس اللغة الايطالية، وكان لها اسم جميل مدرسة ليوناردو دافنشي، وفيها دروس تمتد طيلة ٤ ساعات في اليوم لخمسة  ايام بالأسبوع، منذ اليوم الاول شعرت بطاقة واهتمام و رغبة بالالتزام فقمت بتحضير ملابسي و حقيبتي و تمنيت ان ابلي بلاء حسنا. اخبروني منذ لحظتي الاولى في المدرسة، انه علي ان اقوم باختبار من اجل تحديد مستواي باللغة الايطالية، تمنيت في سري ان احصل على علامة المستوى الثاني، وذلك لأنني ببساطة امضيت وقتا طويلا في تعلم مرادفات من اللغة الايطالية، في نيويورك. وقمت بالكثير من الحوارات التفاعلية العفوية في ايطاليا، مع عجائز و غيرهن.

 

اتذكر ان السماء كانت تمطر، حين قدمت امتحاني كان امتحانا ليس سهلا و كان فيه صعوبة بالغة، سواء القسم الكتابي او الشفهي، وبعدما انهيته قام الاستاذ الايطالي بتقييمه، وقال لي انني سوف ادخل المستوى الثاني، سعدت لذلك فعلا، ولأن الحصص كانت ستبدأ  بعد ساعات الظهيرة ذهبت لتناول الغداء و كان بعض القطع من الهندباء المشوية اللذيذة، ثم عدت الى مدرستي وانا اسير بفخر بين طلاب المستوى الاول، لكن حين بدأت الحصة اكتشفت ان المستوى الثاني غاية بالصعوبة، وان الاستاذ كان يتحدث بطلاقة مع الطلاب، و يتجاوز صفحات كثيرة لأنه باعتقاده لا داعي لشرحها فنحن نعرف كل معلوماتها و نحفظها غيبا!.. لذلك و ما ان اعطانا الاستاذ الايطالي استراحة حتى جريت مسرعة الى مدير المركز لأخبره انني اريد الدراسة في المستوى الاول. وهذا ما كان..

 

الى جانب تعلمي الايطالية في مدرسة ليوناردو دافنشي كنت اتوق الى المحادثة بها في أي مكان، ، مثلا ذات مرة كنت جالسة على مقعد في الحديقة حين رأيت امرأة مسنة تقترب مني، تحدثت معي كثيرا، لكنني كنت محرجة وبالفعل لم افهم ما تتحدث به ، اعتذرت منها بأدب و اخبرتها بلطف انني لا أتقن الحديث بالإيطالية، شعرت لوهلة  انها غضبت مني، ثم سألتني اين مسقط رأسي فأخبرتها انني بالحقيقة من نيويورك، و بادلتها ذات السؤال و اخبرتني انها من روما، ثم سألتني ان كنت متزوجة ، فاخبرتها انني مطلقة، سألتني لماذا ؟ . فأجبتها ان زواجنا كان فاشلا ! فالتفت من حيث اتت  متجهة الى محطة الباص، دون ان تنبس ببنت شفة.

في وقت لاحق من  ذلك اليوم الجميل، وانا اتسكع  في شوارع روما وجدت مكتبة ، ولطالما اغرمت بالمكتبات. كانت المكتبة غاية بالجمال و العراقة. كان داخلها حديقة لطيفة عبارة عن مربعات يوجد داخلها اشجار ليمون، ونوافير مدهشة لم أرى نوافير  مشابهة لها من قبل في روما، فهي بسيطة وحولها الكثير من الاعشاب و الطحالب. كانت المياه تنهمر وتصدر صوتا يشبه موسيقى هادئة جدا و متناغمة حينها  قررت الجلوس اسفل شجرة ليمون، ثم فتحت احد كتبي التي كنت قد اشتريتها قبل يوم ، كان كتاب قصائد، قرأت الكثير بسلام ثم توقفت عند جملة " لقد تفجر من منتصف حياتي ينبوع عظيم" وضعت الكتاب جانبا وانا ابتسم براحة و طمأنينة.

 

مرت اربعة ايام على وصولي الى روما، كان الشهر ايلول، وكان الجو دافئاً يشعرك بالكسل، خلال هذه الفترة لم ادخل مكان عبادة ولا حتى متحف، وكذلك لم اقم بتصفح دليل سياحي، اغلب وقتي كنت امشي بلا هدف، وذات مرة بعد الدرس، اخبرني سائق لطيف عن مكان فيه محل ايس كريم لذيذ للغاية، كان اسم المحل جيلاتو سان كريسبو واعتقد ان معناها مثلجات القديس المقرمشة، ذهبت الى هناك و اخترت نوعا مميزا من العسل و البندق، و في ذات اليوم مررت عليه و اخترت الغريفوت و البطيخ الاصفر، ثم في الليل و بعد العشاء عدت لشرب الزنجبيل بالقرفة بفنجان مميز، كنت سعيدة جدا انني اسير في روما، كما لو كنت في حلم.

وعلى سيرة الاطعمة، لا بد لي من ذكر ان الوجبة الاولى التي اكلتها في مدينة روما خلال هذه الاربعة الايام الاولى، لم تكن بتلك الاهمية، كانت مجرد معكرونة مصنوعة بالمنزل مع القليل من الثوم المقلي و بعض السبانخ، و بعدما تناولت هذا الطبق في المطعم البسيط طلبت قطعة من الارضي شوكي وكان لدي فضول لأتناولها، بعدما سمعت كثيرا حول تمجيد الرومان لها بحيث كانوا يفخرون بهذه النبتة جدا، وبعد ذلك قامت النادلة بإحضار  طبق اضافي مجاني من المطعم نفسه وهو عبارة عن جبنة و في الوسط براعم كوسا، ثم جربت لحم العجل و شربت شرابا لذيذا ،. ثم غادرت، وعدت الى الفندق، نمت في سريري و اطفأت النور، انتظرت كعادتي مع اغلاق النور ان تبدأ ومضات الاكتئاب من حزن و بكاء و ندم ولوم، الا انني شعرت بهدوء جزئي، سألت نفسي هل انت مرتاحة بسبب استمتاعك بالطعام و السفر؟ لكني كنت قد نمت قبل ان اجيب.

كنت قد تناولت في احدى المطاعم وجبة مميزة جدا، عبارة عن معكرونة موضوعة على الصحن بشكل مميز لم اشاهده من قبل، ومحشوة بمزيج دافئ و لذيذ جدا مكون من بعض قطع من الاخطبوط و الحبار، وفوقها نوع من انواع السلطة الساخنةومن اصداف و قطع خضار، وجميعها موضوعة في صحن داخله صلصة زيتونية اللون. بعد ذلك تناولت لحم الارنب المطهو بالزعتر، كان طعمه لذيذ للغاية. لكن هذه الوجبة لم تكن الاطيب! الوجبة الاطيب كانت حينما انزلني الباص في بلدة سيراكوز على شارع اسفل المطر، انها بلدة مميزة جدا و عريقة و مختلفة بالفعل، و احببت زيارتها لتاريخها العريق..





لقد عاش في هذه البلدة سيراكوز، الكثير من الادباء و مؤلفين المسرحيات وعلماء من العصور التي ولت، وحسب ما قرأت لأفلاطون فهو يرى فيها مدينة مميزة جدا، وتصلح لتجربة فيها نموذج المدينة الفاضلة التي لطالما تحدث عنها في مؤلفاته، بحيث من الممكن ان يصبح فيها الحكام فلاسفة، او الفلاسفة حكام. كما قيل ان كلا من الرواية و علم البلاغة ولدا في سيراكوز.

في آخر يومي شعرت بالجوع  الشديد ، توقفت لأسال صياد عن مكان استطيع فيه تناول الطعام الليلة، ورحت اكتب عنوان مطعم بلا اسم، بينما هو يشرح لي بالضبط المكان، ذهبت اليه، و فورما دخلت هذا المطعم، احضر النادل لي بعضا من الخبز اللذيذ العائم فوق بعض الزيوت المعطرة، واطباق مميزة من اللحم والزيتون، وسلطة برتقال باردة بالبقدونس و البصل، وكذلك طبق الكيلاماري المميز ، اذكر اني خرجت من هناك وانا اشعر بالرضا و السلام.

 

انهيت رحلتي في روما، ودروسي. عندما وصلت ايطاليا كنت نحيلة ولوني باهت ، أما الان اصبح بمقدروري الاستمتاع بالملذات وأصبحت إمراة اكثر هدوءا وسلاما ،  ، لكن وجودي مع عيش المتعة الكاملة دون حدود في روما مدينتي التي احب قد إنتشلني من الموت ،  فقد تناولت اطعمة كثيرة، رحت على حفلات عدة، تعرفت على صديقات كثيرات جدد، زاد وزني ربما عشرة كيلوجرامات اضافية او ربما اكثر، لكني لم اهتم .. انها حياتي انا فقط، ولن اضع شروطا للاستمتاع بأشياء لن تؤذيني مباشرة، كنت شاحبة، يائسة، محطمة حين حضرت الى روما، لكن الان انا اضحك، واشعر انني اخف حملا، لم اعالج ذاتي بشكل اساسي ولكنني ابدو اكثر سلاما، و هدوء. استطيع القول انني لم اعد  ارغب بالانتحار، فقد راودتني هذه الافكار كثيرا من قبل، لدرجة ان صديقتي قد وجدتني مرة في منزلي منكمشة على ذاتي، في محاولة مني لقطع شراييني خلال احدى نوبات اكتئابي الحادة.

غادرت روما اخيرا، بعد اشهر من المتعة الخالصة، وتوجهت بعدها الى الهند حسب خطتي، الى احد معازل التأمل. وصلت طائرتي الى مومباي في اليوم الاخير من كانون الاول كانت الساعة الواحدة و النصف بعد منتصف الليل، أخذت حقائبي، وركبت احدى سيارات الاجرة باتجاه المعتزل خارج المدينة، كان المبنى موجودا في احد الارياف، كان مبنى في غاية بالجمال، الجمال و البساطة، كان فيه قاعة للعشاء، كهوف تأمل، حديقة للرياضة، معابد و مكتبة، كما كان فيه المئات من القادمين للتأمل غيري.

فور وصولي و تعرفي على المعتزل، نزعت حذائي و قمت بالسجود على احدى درجات المعبد قبل ان اقرر الدخول و الانضمام الى مجموعة بسيطة و هادئة من نساء هنديات يقمن بغناء ترنيمة ساحرة. اسميت فيما بعد هذه الترنيمة "السنسكريتية المدهشة" وذلك كونها ترنيمة ناعمة مليئة بالشجن و تعابير التعبد، انها الترنيمة الوحيدة التي بلا ارادة مني حفظتها ببساطة غيبا، لأنني احببتها وليس لأنني اردت حفظها وفقط. خلال غنائي لها في اول مرة مع النساء الهنديات الجميلات شعرت برغبة حفظ كل ترنيمة فيها من النبرات البسيطة الى الاكثر ارتفاعا. بعد انتهاء النساء من غناء الترانيم ، قمن بالخروج بهدوء من باب جانبي مرورا بقاعة بلا اضواء، وصولا الى معبد صغير جدا، لا يضيئه سوى نور بسيط لمصباح فيه زيت و بخور، وبعد ان مشيت معهم جلسنا الى جوار بعضنا بسلام لبعض الوقت، ثم خرجنا الى غرفنا و قد انتهت جلسة التعبد و الغناء.

كان في المعتزل موظفين، لكن كان اغلبية الاعمال يقوم بها تلاميذ امثالنا، والذين حضروا من بلدان و اماكن بعيدة من اجل تعلم التأمل و الصلاة و حكم الحياة، وقد تم توزيع الاعمال بيننا، كانت وظيفتي الاولى في ذلك المعتزل هي حف التربة ، و تنظيفها، ، و اقول الاولى لأنه يتم تغييرها من فترة لأخرى. جئت هنا الى الهند لممارسة التأمل، سمعت ان التأمل قد يساعد بالفعل لتخطي الاكتئاب، بصراحة جربت ان امارسه وحدي من قبل، لكنني لم أنجح ابدا، ان لدي عقل قرد كما يقول البوذيون، وهو العقل الذي لا يستطيع ان يتأمل، لا يستطيع ان يبقى ساكنا بلا افكار، لأنه ببساطة يقفز من فكرة لأخرى تماما مثل القرد الذي يقفز من غصن الى اخر. في اول جلسة تأمل لي بالمعتزل وصلت باكرا، جلسنا جلسة التأمل البسيطة وكان علينا ان نظل جالسين في هذه الوضعية للتأمل فترة من الزمن، وان نصفي اذهاننا ولا نفكر بشيء، لكن بعد دقائق بدأت اتوتر و اغضب و اتعرق و ركبتاي تؤلماني؛ لم استطع فعل ذلك، لذلك خرجت من المعتزل و انا ابكي، فكان الهدف الاساسي لوجودي بالهند ان امارس التأمل! لكنني فشلت . وفكرت انها كارثة اذا بقيت في هذه الحالة من العجز.

عدت بعد بكائي بالخارج، وقد حاولت بكل ما املك من طاقة وخلال الاربعين دقيقة القادمة ان اجلس بسلام و هدوء قدر الامكان، بعد احساسي بمشاعر الفشل ، تحديدا بعدما رأيت كل من حولي قادرين ببساطة على ممارسة التأمل و الجلوس بالوضعيات الصحيحة، بعيون مسالمة و ملامح هادئة و متصالحة دون اي مشاكل. قاومت رغبتي ثانية بالبكاء وانا احاول ان افعل و احذو حذوهم جميعا، لأنني ببساطة تذكرت مرشدتي النفسية في نيويورك حين قالت لي يوما انه لا يجب علي ان ابكي  لان كثرة البكاء قد تصير عادة و نزعة تميلين الى تكرارها دون توقف مرة تلو مرة، وان علي ان اعتاد على اقناع نفسي انني قوية كفاية عوضا عن اي انهيارات او دموع لا متوقفة. ولكنني تحديدا مع هذه الجلسة لم اشعر انني قوية ابدا، كنت اشعر بالخيبة، حينها سألت ذاتي من انا و ما هو عقلي؟ وكيف لي ان اسيطر على تفكيري بإستمراية دون توقف؟. انتهت الجلسة وكنت في حالة مزرية، وعلى الباب تعرفت بشخص اسمه ريتشارد شاهدته في قاعات التأمل، وقد لاحظ امتعاضي من وضعي الى الحد الذي وصفت فيه بأن حالي بالمقرف.

 

قلت لريتشارد انه من المفترض ان نرى خلال التأمل رؤى تدل على حالتنا النفسية او تجاربنا السمية ثم محاولة تحريرها تماما، لكنني لا ارى اي شيء من ذلك، ولا استطيع اصلا ان اجعل عقلي ساكنا، و اخبرته ان كل ما يحدث في عقلي خلال التأمل مجرد جلسات جدالية لا منتهية مع نفسي، وجدالات اخرى حول قراراتي في  ماضي، مستقبلي، و ذاتي. فأجابني ريتشارد وهو رجل حكيم و لطيف

ريتشارد:" انها ذاتك يا اليزابيث، تخاف من التأمل لان فيه هدوء و صفاء و صدق مشاعر و افكار، تحاول ذاتك السيطرة عليك بكل ما تملك من افكار سوداوية وجدالات، لقد تعلمنا ان هذا بالضبط ما تصنعه الأنا بالانسان، تريد ان تشعره بأنه منفصل تماما، ازدواجي تماما، ناقص، ووحيد، و منبوذ، و ليس كاملا ابدا، لذلك عقلك و ذاكرتك يحاربان التأمل، لأن في التأمل هدوء تام، وانكشاف لمشاعرك دون كبرياء او مكابرة او زيف او غرور، انهما يحبان الزيف و الكبرياء و الغرور".




قلت لريتشارد انه ماذا علي ان افعل من اجل ان تضعف هذه الانا؟ وهذه التوترات و الاضطرابات داخل عقلي اثناء التأمل؟ فأجابني انه علي ان اقوم بالهاء عقلي اثناء التأمل، عبر اغداق الحب على نفسي. وذلك بدل ان اجادلها و احاورها واقوم بمحاربتها و محاربة افكارها طيلة الوقت، فمثلا علي ان استبدل كل الافكار التي تقول انني لا استطيع التأمل، لأنني الاغبى بالقاعة و الاكثر فشلا! بانني بالرغم من كل شيء انا احاول ولا باس ان اخفق احيانا. هذا هو المبدأ الاساسي من ذلك وخلال حواري البسيط و الملهم مع ريتشارد، بدأت استوعب تدريجيا الفكرة.

ومع الايام، كلما نسيت، تذكرت قوله ان العقل مثل الطفل اذا غضب و بكى و صرخ و تذمر علينا ان نلهيه بلعبة جميلة، و اللعبة هي الحب.

 

بعد حواري مع ريتشارد، نجحت لمدة يومين بالتأمل، وبدأت احس بالسلام الجزئي، لكن ما لبث ان زال هذا السلام كله، مع احلامي المتكررة عن الثعابين لمدة ليلتين متتاليتين، كنت استيقظ مذعورة تماما، و اتصبب عرقا و الهث كما لو كنت في حرب حقيقية مع ثعبان، وبالرغم من اني قرأت ان هذا طبيعي بعد جلسات التأمل، وانها مجرد تفريغ من قبل الدماغ للسوداوية فيه، الا انني لم اشعر بالراحة وبالأخص بعدما  افكاري كلها عادت تغزو رأسي مجددا حول موضوع زواجي الفاشل و انني فاشلة، كما أنني بدأت احس بعار ضخم واحساس ذل و حزن، بل و تذكرت ديفيد، مشروع زوجي الثاني، وتذكرت كل كلمة جارحة قالها في حقي، و مؤذية، ثم وجدت نفسي اصرخ عليه في خيالي و اجادله، مع مشاعر خوف و رعب ووحدة و تعاسة، ثم تحولت افكاري الى ذكرياتنا الجميلة معا، وكان بودي لو اقفز فورا لاتصل به و ارجوه ان نعود معا من جديد. قلقت على ذاتي وعلى اضطرابي هذا الفجائي، لقد حسبت انني تحسنت مع جلسات التأمل، ما بال كل هذه الذكريات و الاحاسيس تعود مجددا و بقسوة اكبر مع كوابيس مرعبة و دفعة واحدة؟

التفكير في ديفيد، اعتقدت انني تخطيت تلك التجربة  ولكن كل شيء يعود مجددا.

لن انسى كيف استيقظت صباحا بعد الليلة الثانية التي حلمت فيها بثعبان و قد سيطر على انفعالاتي مشاعر غضب مجنون وحقد غير طبيعي ليس اتجاه نفسي فقط، بل تجاه كل احد صادفته ذلك الصباح ايضا، حتى لو مر فقط مرور الكرام بجانبي، فمثلا وجهت ردا جارحا لامرأة المانية مسالمة لا تتقن كيفية نطق اللغة الانجليزية ولا معانيها ولا استطاعت اصلا ان تفهم ما اريد قوله، كنت خلال ذلك احاول ان اشرح لها اين تقع المكتبة التي سألتني عنها. لم احتمل رؤية او الحديث او فتح اي موضوع مع اي انسان ايا كان، وفي جلسات التأمل التي امضيتها ذلك اليوم، كنت اعاني من نوبة شر و انفعال كارثية، ولم استفد اي شيء من الجلسة. وعلى العشاء كنت جالسة وحدي وحين جاء ريتشارد وقد شاهدني من بعيد بمزاجي الحاد و حالتي النفسية السيئة سألني.

ريتشارد: ماذا هناك يا اليزابيث؟

اليزابيث: لا تسأل ابدا يا ريتشارد، لم انم ليلتين متتاليتين من احلامي المرعبة عن الافاعي، ان هذا جنون بحق، و الاسوء من ذلك اعاني من نوبات حادة من التفكير بأيام الانفصال، ظننت انني صرت افضل من قبل، وانني تعديت تلك المرحلة و وتلك المشاعر السيئة.

 

ريتشارد: اعطي نفسك بعض الوقت يا اليزابيث، اعطي نفسك ستة اشهر اضافية حتى تستطيعين تجاوز ما حدث مع انتظام بالتأمل.

اليزابيث: لقد انفصلت قبل عام، الم يكن هذا الوقت كافيا لأتجاوز تلك المحنة ؟.

ريتشارد: اعطي نفسك مثلما قلت لك، ستة اشهر اضافية، انت يا اليزابيث متأثرة انك فقدتي ذلك الحب الذي شعرتي به خلال ارتباطاتك السابقة، ببساطة مع استمراريتك بالتأمل، سوف تصلي اعمق من ذلك، سوف تحبين نفسك، وبعد نفسك سوف تحبين العالم بأسره يوما ما.

اليزابيث: ليس الحب فقط يا ريتشارد، لقد ظننت انني التقيت بتوأم روحي، وهو ديفيد، كنا متشابهين جدا، وقد امضينا وقتا سعيدا لا استطيع نسيانه.

ريتشارد: حتى نظرتك عن توأم الروح مغلوطة يا  اليزابيث، جميع الناس تظن ان توأم الروح هو الشخص الذي يشبهنا باهتماماتنا و الانسب لنا، لكن لا، ان توأم الروح هو مرآتنا، انه يعكس كل سلبياتك من اجل ان تحسنها، يخبرك انك ضعيف في جانب معين، وسيء في آخر، ومتهور في جانب لا تراه انت، هو الذي يلفت انتباهك لذاتك من اجل ان تحسن نفسك وحياتك، انه يا اليزابيث الشخص الاهم في حياتك، انه يدفعك لان تحسني منك و تحبين شخصك بالرغم من كل شيء.

ان توأم الروح الحقيقي يقوم بإيقاظك من سباتك و اعجابك بذاتك، من اجل ان تري بحق كل الجوانب التي لم تكن لتريها لكنها تعيق تطورك فعلا، لكن هل سألتي حالك هل من الممكن ان نعيش مع توأم الروح للابد! سوف اجيبك ان هذا هو الجحيم الحقيقي. ولا يمكن.. ان توائم الروح يدخلون حياتك ليلفتوا نظرك الى نفسك، ثم يرحلون. لكنك متشبثة بديفيد وهو توأم روحك ولا تسمحين له بالرحيل من تجربتك في الحياة، مهمة ديفيد بحسب علوم الطاقة هي جعلك شخصا افضل، من خلال اظهار المشاكل في ذاتك و شخصيتك، وتحطيم كبرياءك و تمزيق قلبك من اجل ان يدخل اليه النور، وكذلك تعريفك على معلمك الروحي وهو الموجود هنا، و الذي يعلمنا التأمل و يدفعنا لفتح صفحة جديدة مع انفسنا ثم قلب الصفحات السابقة وان تتقبلي ما حدث..

اليزابيث: لكنني اعاني من حالة اشتياق كبيرة و مستمرة يا ريتشارد!

ريتشارد: كلما اشتقت اليه، اغمضي عينيك و ارسلي له طاقة تسامح و حب، ثم تابعي حياتك بسلام.

 




انتهى لقائي مع ريتشارد ذلك اليوم، وفكرت في كلامه طويلا، وواصلت جلسات التأمل الهادئة، حاولت ان اتقنها و امنع عقلي في اثناءها عن التفكير، وفي احد الايام تعرفت انا و ريتشارد بشاعر من نيوزلندا عند العشاء، وكنا نراه يمارس التأمل معنا في القاعة، و اثناء حديثنا عن الزواج في تلك الليلة، قال..

 الشاعر: اعتقد ان مواضيع الانفصال بحاجة لوقت شفاء طويل، اكثر من غيرها من المواضيع.

اليزابيث: اتمنى من كل قلبي ان تمر هذه المرحلة بأسرع من ذلك ، اتمنى لو باستطاعتي ان انهي هذا الالم من جذوره.

وحين انتهينا من تناول الطعام قال لي:

الشاعر: اتبعيني يا اليزابيث اريد ان اريكي شيئا..

تبعته، وقد مشينا خلال المعتزل، ثم مشينا داخل بناية لم اعرفها من قبل، ثم صعدت خلفه عبر سلم طويل، اخره يصل الى سطح جميل، كان مبلطا بحجارة من السيراميك رائعة وساحره ، قال لي الشاعر: سأتركك الان  هنا يا اليزابيث و اتمنى ان تبقي هنا تمارسين التأمل حتى تنتهي مشاعرك السيئة تجاه انفصالك، انظري ما اجمل العالم من هنا"

 ثم اعطاني كشافا، كي استطيع النزول ثم ورقة فيها تعليمات تأمل عن كيف احرر كل مشاعر الخيبة والاحباط و غيرها المتعلقة بانفصالي.  

 

صعدت الدرج ووقفت هناك على المكان الاعلى، كان اسفلي بالفعل مشهد بغاية الجمال،كان الوادي الهندي كاملا أمامي ، قمت بفتح الورقة التي اعطاني اياها الشاعر، كانت بالتفصيل تشرح كيف افرغ تدريجيا ما اشعر به خلال جلستي هذه ، راقبت الشمس كيف تغيب ببطء ثم قمت بالاستلقاء و حاولت ان ارى النجوم وهي تظهر من جديد في هذه الليلة الصافية، قمت بإغلاق عيوني ثم قلت: يا ربي اتمنى ان تريني كيف اغفر و اتسامح و استسلم.

كنت اتمنى لو كان هناك فرصة للحديث مع زوجي قبل الانفصال، ثم خطر لي انه من الممكن وفي خيالي ان اقوم بتحرير كل الاقوال التي لدي والتي لم اقلها يوما من الايام لديفيد، ثم فكرت كم شخصا بالحياة غادر اعزاء على  حياته دون ان يستطيع التحدث معهم وأن يقوم بالتفريغ عما يجول بخاطره اتجاههم. كان لدي الكثير من الكلام الذي لم اقله، لدرجة احتبست داخلي  لالافكار و تحولت الى فجوة من الاكتئاب و الحزن و الخوف.

قمت بدعوة طليقي من اجل ان يشاركني جلسة التأمل هذه، لم اقم بدعوته على الهاتف اوالايميل، قمت بدعوة روحه فقط، و شعرت بأن روحي و روحه اخيرا جلستا امام بعضهما في جلسة صراحة مطلقة، وكأنهما جسدين شفافين، قلت حينها كل ما لدي، عبرت عن كل ما يختلج داخل صدري، بكيت و صرخت وانهرت، و بعدما شعرت انني فارغة تماما من كل شيء، وجدت هذين الجسدين الشفافين قد انفصلا بسلام و مودة و حب، حين لم يبق ما اقوله له. دون اي حقد او كراهية او تعلق. حينما فتحت عيوني شعرت من داخلي ان الامر برمته قد انتهى، ليس فقط طلاقي! بل كل المشاعر السلبية التي بداخلي و التي احتبست ولم اسمح لها بالخروج، قد افكر مجددا بطليقي و انفصالي، لكن ليس بالمشاعر السابقة من ذنب و ضغط و حزن و اكتئاب! لقد سمحت لنفسي ان تفرغ ما بها و بالتالي ان تحيد كل المشاعر المتعلقة بهذه التجارب، حتى انتهت ردة فعلي انني لن ارتبط من جديد، شعرت انني متصالحة مع فكرة الارتباط وانها لم تعد عقدة بالنسبة لي. بعد ايام من هذه الحادثة اللطيفة و التأمل انتهت رحلتي في الهند و حان الان الوصول الى بالي! ودعت ريتشارد و الشاعر و جميع من بالمعتزل و انطلقت الى بالي .. استأجرت هناك منزلا صغيرا، و انقسم يومي الى ثلاثة اقسام جميلة،  صباحا اقضيه مع صديقة كنت عرفتها سابقا لها متجر لطيف، والظهيرة مع معلمي في بالي وهو مسن اسمه كيتوت سوف يعلمني المزيد من التأمل، وفي المساء في حديقتي اللطيفة و منزلي.

قمت بدعوة طليقي من اجل ان يشاركني جلسة التأمل هذه، لم اقم بدعوته على الهاتف اوالايميل، قمت بدعوة روحه فقط، و شعرت بأن روحي و روحه اخيرا جلستا امام بعضهما في جلسة صراحة مطلقة، وكأنهما جسدين شفافين، قلت حينها كل ما لدي، عبرت عن كل ما يختلج داخل صدري، بكيت و صرخت وانهرت، و بعدما شعرت انني فارغة تماما من كل شيء، وجدت هذين الجسدين الشفافين قد انفصلا بسلام و مودة و حب، حين لم يبق ما اقوله له. دون اي حقد او كراهية او تعلق. حينما فتحت عيوني شعرت من داخلي ان الامر برمته قد انتهى، ليس فقط طلاقي! بل كل المشاعر السلبية التي بداخلي و التي احتبست ولم اسمح لها بالخروج، قد افكر مجددا بطليقي و انفصالي، لكن ليس بالمشاعر السابقة من ذنب و ضغط و حزن و اكتئاب! لقد سمحت لنفسي ان تفرغ ما بها و بالتالي ان تحيد كل المشاعر المتعلقة بهذه التجارب، حتى انتهت ردة فعلي انني لن ارتبط من جديد، شعرت انني متصالحة مع فكرة الارتباط وانها لم تعد عقدة بالنسبة لي. بعد ايام من هذه الحادثة اللطيفة و التأمل انتهت رحلتي في الهند و حان الان الوصول الى بالي! ودعت ريتشارد و الشاعر و جميع من بالمعتزل و انطلقت الى بالي .. استأجرت هناك منزلا صغيرا، و انقسم يومي الى ثلاثة اقسام جميلة،  صباحا اقضيه مع صديقة كنت عرفتها سابقا لها متجر لطيف، والظهيرة مع معلمي في بالي وهو مسن اسمه كيتوت سوف يعلمني المزيد من التأمل، وفي المساء في حديقتي اللطيفة و منزلي.

لم امض في بالي سوى عدة اسابيع قليلة ، و مع ذلك اشعر انني قد اتممت مهمتي، فقد حضرت هنا الى بالي في اندونيسيا من اجل ان اجد التوازن في حياتي، لكني بعد قضائي تلك المدة هنا شعرت انني لم أعد ابذل ادنى جهد في سبيل إيجاد السلام النفسي في ذاتي ، لأن التوازن نفسه قد غزى حياتي، صليت كثيرا، وشعرت بالسلام حيال ذلك، و الان وانا اكتب هذه الكلمات تذكرت احدى مقولات مرشدي كيتوت عن السعادة حيث قال ان الناس تظن ان السعادة مجرد حظ، و ان المحظوظ شخص اختارته السماء ليكون محظوظا، وهم لا يعلمون ان السعادة هي اختيار وجهد و عمل دؤوب جدا.

 



بل على المرء ان لا يتوقف كفاحه و نضاله و اصراره على وصوله السعادة، وان يحاول ان يحافظ عليها في حال وصل اليها. ذات يوم تذكرت هذه الاقوال لمعلمي و انا احاول ان اركب دراجتي في بالي تحت الشمس الجميلة، بحرية و سلام و طمأنينة، و رحت اهمس: يا رب ساعدني ان تظل حياتي بهذه المرحلة من السلام و الحب. ثم خطر لي كم استمتع برفقة معلمي كيتوت، انه الشخص الاكثر سعادة بالعالم، كان قادرا على فتح الابواب المغلقة امامي، ان اعرف نفسي اكثر، ان اتفهم عيوبي، و كذلك علمني الكثير من انواع التأمل المختلفة، احداها لجذب المال، بعضها للحب، الاخر للراحة .. و الكثير الكثير.

خلال فترة وجودي في بالي تعرفت على رجل كهل برازيلي اسمه فيليبه اخبرته عن انفصالي و تأملاتي وكل ما حدث لي، كنت ارتاح للحديث معه اثناء العشاء كل يوم. ومع الوقت بدأت اعجب بهذا الرجل الحكيم الكهل البرازيلي، كان عميقا جدا و مختلفا، كان محط الانتباه اينما ذهب و اينما جلس، وذات يوم احببت ان اشارك نظرتي عنه لإحدى صديقاته، و اخبرتها انني اجد فيليبه اعمق و اكثر ذكاء من اي احد اخر التقيته في حياتي، فوافقني الرأي و قالت انه غاية بالطيبة و اللطف، وانه متشابه معي، فقد مر بحالة طلاق صعبة و ليست سهلة، وانه حضر الى هنا كي ينسى ما عاناه من الم انفصال.

 كنت لا اعلم انه قد مر بانفصال، كان يبلغ الثانية و الخمسين ومع ذلك وجدته رجلا حكيما ناضجا طيبا و متفهما.

ان فيليبه عاش في بالي فترة طويلة، تقريبا خمسة اعوام، وهو لديه عمل مع صائغي الفضة، فهو يشاركهم صنع اكسسوارات برازيلية مكونة من الفضة و الاحجار الكريمة الجميلة من اجل تصديرها الى امريكا. وحسب ما قالت لي صديقته انه استمر في زواجه لمدة عشرين عاما، وان زواجه لم يكن لينهار الا بسبب اسباب شديدة التعقيد، احببت ايضا انه و بالرغم من انفصاله لا زال ابناؤه يحبونه جدا برغم الطلاق  وأنه لا زال يلتقي بهم و يحادثهم، واحببت فيه ايضا انه كان يجالس أطفاله احيانا فيما كانت زوجته تخرج من اجل اعمالها، كان لطيفا و متفهما  للغاية، كان يتقن ٤ لغات و بالرغم من انه يقول انه لا يزال لا يجيد الاندونيسية الا انني اراه يتحدثها بشكل جميل ولا بأس به، احب ايضا انه يحب السفر وقد سافر ربما الى اكثر من خمسين بلد، وهو باعتقاده العالم مجرد مكان صغير يسهل ادارته، احب ايضا كيف كان يصغي الي حين اتحدث، انه ودود ومستمع جيد، لذلك عبرت له عن مشاعري و بادلني ذلك و اخبرني انه يحبني ايضا و معجب بشخصيتي كذلك وشعرت بغبطة وفرح لم اشعر بهما من قبل فعلا.

 قررت يوما ان اصحبه الى جزيرة جيلي مينو، وهي جزيرة واقعة امام ساحل لومبوك، وتقع بالضبط شرق بالي، و لقد زرتها من قبل خلال عمل لي في مجلة و كنت في حالة يرثى لها من مشاكلي مع زوجي.

 

ها انا قد عدت الى تلك الجزيرة جيلو مينو ولم اتوقع ان زيارتي لها يوما ستكون بهذا الشكل الجميل، وفي ظروف مغايرة جذريا، فقد عدت اليها بعد ان سافرت كثيرا، وسويت كل اوراق طلاقي عن بعد، استطعت ان اتفهم انفصالي عن ديفيد الرجل الذي تعلقت به جدا، استطعت ان انقي جسدي من جميع ادوية الاكتئاب  التي كانت تؤثر على مزاجي و ثقتي بنفسي  وقدرتي على التحكم بإرادتي، تعلمت الايطالية اللغة التي احببت مذ كنت طفلة، عشت اجواء من السمو والروحانية الجميلة في الهند، ودرست في بالي على يد معلمي الرائع  كيتوت و الذي علمني اشهر فنون التأمل واسرار السعادة، انا فخورة  بنفسي و راضية عنها ، وأنا الان ابحر الى تلك الجزيرة الاستوائية التي هي في غاية الجمال برفقة رجل معجبة به و احبه فعلا، وهو مناسب لمرحلتي هذه ، وقد أصبحت واعية لنفسي و ذاتي و قيمتي و مشاعري؛ ربما تعتقدون انها نهاية مبالغ بها تماما مثل القصص القديمة الخرافية، اجل، انها نهاية سعيدة لكن الفرق انه في تلك الروايات يقوم الامير بإنقاذ الاميرة، لكن في قصتي انا من انقذت نفسي من الحزن والاكتئاب الى السعادة والسلام.




ويخطر ببالي  شيئا كنت قد قرأته يوما ما ، وهو معتقد بوذي، ويقول هذا المعتقد ان شجرة السنديان تنمو بالحقيقة بسبب قوتين اساسيتين، قوة اولى  اساسية تحمل فكرة الوعد و القدرة، و انها قوة تجعل البذرة تنمو اكثر فأكثر حتى تصبح شجرة، وهذه الفكرة التي نعرفها جميعا. وقوة اخرى قليليون الذين يؤمنون بها و يعترفون بوجودها وهي تعمل متزامنة مع القوة الاولى. الا وهي قوة الشجرة ذاتها، والتي كانت قد جرت نفسها الى النضوج و التألق و التنفس، لذلك البوذيون كما قلت يؤمنون بهذا المعتقد، و يلخصونه بفكرة ان الشجرة تحديدا السنديان هي من تخلق ذاتها من لا شيء، لذلك الان وانا اتأمل هذا المعتقد اللطيف، افكر في نفسي، كنت امرأة والان انا امرأة اخرى تماما، اعيش حياة تشبهني اكثر من ذي قبل، كم اردت ان اكون هذه، كم اردت ان اعيش الحياة بهذه الطبيعية و التي تشبهني جدا، ليست الحياة التي يقررها الاخرون لي، ليست الموجودة في الكتب و المتناقلة عبر الاجداد. انها حياتي انا.. انا فقط.. كيفما اردتها.

انا السابقة كنت هذه البذرة المليئة بالقدرة، اما انا الان فانا هذه السنديانة الشامخة الجميلة الثابتة جذورها في الارض، كنت اقول لنفسي طيلة الوقت، كنت اقول لتلك الفتاة المرتبكة الاصغر سنا و الاكثر كفاحا و فضولا "لا تتوقفي.. حاولي.. حاولي.. من اجل ان تقابليني انا الكاملة و الناضجة".

 في رحلتنا الى الجزيرة و عبر القارب كنت انا و خطيبي فيليبه جالسين بقرب بعضنا، كانت الامواج تدفع القارب بحب و سلام، و الشمس تشع انوارا و ضياء وسحر، جالسين براحة و تأمل حين قال فيليبه: اليزابيث عزيزتي، خطرت لي فكرة الان فكما تعلمين خططنا ان نتزوج وانا سعيد بذلك فعلا، وفكرنا كيف من الممكن ان نستقر معا، وانت تعلمين اضطراري الى البقاء هنا في بالي بسبب قربها من استراليا حيث يسكن اولادي.

 

كما انني مضطر للذهاب باستمرار الى البرازيل، بسبب تجارة الاحجار الكريمة، ولأن جزءا مهما من عائلتي يسكنون هناك، بينما انت مسكنك الاول وصديقاتك و اسرتك وحياتك كلها في نيويورك، لذا لا ادري، ان كانت سوف تعجبك هذه الفكرة يا اليزابيث، انه ربما بإمكاننا ان نبني حياة فريدة من نوعها وتكون موزعة ما بين امريكا استراليا البرازيل و بالي"

اجبته: " اجل انها فكرة مجنونة يا عزيزي، لكنها تشبهني كثيرا، الفكرة شاعرية و غريبة"

ثم ضحكت.. احب فعلا الافكار التي تشبهني.

 

                                       النهاية 

 

تفاعل :

تعليقات