-->



الاثنين، 7 سبتمبر 2020




تلخيص رواية:
 الشيطان والآنسة بريم: باولو كويلو.
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.



 كانت خمسة عشرة عاماً قد انقضت تقريباً، والعجوز برتا تجلس، كل يومٍ، أمام باب منزلها. وكان سكان بسكوس قد ألفوا هذا التصرف الذي يصدر عن الأشخاص المسنين. غير أن برتا كانت تجلس هناك لسبب وجيه. لقد أدركتْ أن انتظارها قد انتهى في ذلك الصباح، عندما شاهدت الغريب يصعد في الطريق الوعرة، سائراً ببطءٍ نحو الفندق الوحيد في القرية. لم يكن كما كانت تتصوره. مع ذلك، فإنه جاء مصحوباً بظله: كان الشيطان برفقته.

 دخل الرجل الفندق، وبعد أن قرأ بطاقة الفندق، قرر كيفية ملئها. وفي أقل من ساعتين، كان سكان بسكوس، المئتان وواحدٍ وثمانون شخصاً، قد عرفوا أن شخصاً غريباً، يُدعى كارلوس، وُلد في الأرجنتين، ويقيم في شارع كولومبيا الهاديء في بوينس أيرس، قد حضر إلى القرية. 

صعد الرجل إلى غرفته وأفرغ حقيبة الظهر: بعض الثياب، وآلة حلاقة كهربائية، وزوجان من الأحذية.... وإحدى عشرة سبيكة ذهبية تزن كل واحدة منها كيلوغرامين. وفي اليوم التالي، تناول طعام الفطور، وأعاد سبائك الذهب إلى حقيبة الظهر، وتوجه نحو الجبل الواقع في غرب القرية. 

توغل الرجل في الغابة. وبعد أن تأكد من أن لا أحد يراقبه، أخذ يحفر حفرة بجانب صخرة لها شكل Y ، حيث خبأ سبيكة ذهب. ثم حفر حفرة أخرى بجانب صخرة تشبه النسر، وخبأ فيها العشر سبائك الأخرى. وبعد أن غادر الغابة، كان أول شخص قابله، في طريق العودة، هو امرأة شابة كانت تجلس على ضفة أحد الجداول تقرأ كتاباً. 

اقترب الرجل من الشابة وقال لها: أسعدت صباحاً.هل ترغبين في رؤية شيء؟ وضعت الشابة الكتاب جانباً، وقالت: أدعى شانتال، وأعمل في حانة الفندق في المساء. من الأفضل أن أريك، أنا، أماكن لم يسبق لك أن شاهدتها. قال: إن ما سأريك إياه لا يبعد أكثر من خمس دقائق من هنا. كان يختلط في نفس الفتاة الخوف والإثارة. ثم وقفت وتبعت الغريب. 

أخذها الغريب إلى حيث أخفى سبائك الذهب، وأراها السبائك. قالت: من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟ ولماذا أريتني الذهب؟ قال: في البدء، لا تصدقي الوعود، فالعَالم مليء بها: ثراء، حب سرمدي. يعتقد بعض الأشخاص أنهم جديرون بإغداق الوعود. ويتقبل البعض الآخر أي شيء يضمن لهم أياماً أفضل. ثم راح يتكلم عن حياته الخاصة. كانت شانتال تفهم كل ما يقوله. فهو، مثل جميع الرجال الناضجين، لم يكن يفكر إلا بممارسة الحب مع امرأة أصغر سناً. وكان يحسب، مثل أي كائن بشري، أن المال بإمكانه أن يشتري كل شيء. فردت: إنني أكبر سناً من أن أؤمن بالوعود. ولا أريد أن أرتكب خطأ حواء التي لم تقتنع بما كان لديها. لا ريب أن ذلك لم يكن صحيحاً، فهي التي تعمّدت الجلوس في المكان الإستراتيجي الذي سيمر به لدى عودته، على أمل أن تحادثه، وتحصل منه على وعدٍ تنتظر تحقيقه، أو على بضعة أيامٍ تحلم فيها بحبٍ جديد، وبسفرٍ دون عودة. 

قالت شانتال: حسناً، بما أنك لا تحكي لي شيئاً عن الذهب الذي أريتني إياه، فإنني أشكرك على النزهة. سأعود إلى نهري وكتابي. قال الرجل: انتظري! سأشرح لك. أنا صناعيٌّ غنيٌّ جداً، ومشهورٌ جداً. كنتُ رب عملٍ لآلافٍ من المستخدمين، وكنت قاسياً عند الضرورة، وطيباً عندما أشاء. ولقد جئت إلى بسكوس بقصدٍ معين، حيث اصطنعت لنفسي لعبتي الخاصة: أن أقصد مكاناً منعزلاً، حيث الجميع يتأملون الحياة بحب، وسلام، ورأفة، فأرى إذا كنت أفلح في حملهم على انتهاك بعض الوصايا العشر. الجميع في هذه القرية شرفاء ابتداءً بك، ولكن بإمكانك أن تسرقي سبيكة الذهب إذا كنت ترغبين بذلك، وإذ ذاك تُخلين بوصية (لا تسرق). وإنني مستعد أن أهدي بقية السبائك لسكان بسكوس، إذا أخلوا بوصية (لا تقتل). 

أكمل الرجل: سأبقى هنا أسبوعاً واحداً. وإذا وُجد أحدٌ من أبناء القرية في نهاية الأيام السبعة ميتاً، فإن هذا المال يعود للسكان، وأستنتج من ذلك أننا، جميعاً، أشرار. وإذا سرقتِ أنت هذه السبيكة الذهبية، وصمدتْ الضيعة أمام الإغراء، أو العكس، فسوف أستنتج أن هناك صالحين وأشرار. 
ألف سكان بسكوس عادات الغريب بسرعة: كان يستيقظ باكراً، وبعد الفطور ينطلق نحو الجبال. وكان من عادته الرجوع إلى الفندق بعد الظهر. كان يهوى الإستماع إلى حكايات المنطقة، والإستفسار عن التقاليد والخرافات التي ما زالت راسخة في حياة أهل الريف. وكان يسرد حكاياتٍ متناقضة عن نفسه. وفي جميع الأحوال، فإن سكان بسكوس يتفقون على القول إنه شخص لطيف. ولم يكن يخاطب شانتال بريم، نادلة الحانة، إلا لطلب الشراب. 

في الليالي الثلاث التي أعقبت لقاءهما، لم تتمكن شانتال من النوم. ففي الليلة الأولى، وجدت نفسها في حضرة الخير، ولم يخطر ببالها أنها ستروي ما سمعته. فهي تعرف أنها تعيش بين أناسٍ شرفاء. 

 وفي الليلة الثانية، وجدت شانتال نفسها في حضرة الخير والشر. استيقظت مبكراً، قبل بزوغ الفجر. سارت في الشارع المقفر، ثم توجهت نحو الغابة، وبلغت الصخرة التي اتخذت شكل Y، مع شعورها بالخوف من أن يهجم عليها الرجل الغريب. حفرت في المكان الذي خبأ فيه الغريب سبيكة الذهب، واستخرجتها. لقد كانت قيمة السبيكة كافية لصرفها عن العمل مدى الحياة. أمسكت حلمها بين يديها. هذا هو الحظ الذي يحررها من أيام بسكوس ولياليها الرتيبة. فجأة استبد بها الذعر، فلربما يكتشف الغريب اختفاء ذهبه فيبلّغ الشرطة. ومن الممكن أن تتهمني الشرطة بسرقة السبيكة من ذلك الرجل! وينتهي الأمر بمصادرة السبيكة، وطردي من العمل، وتسوء سمعتي. قامت بإعادة السبيكة إلى الحفرة وغطتها بالتراب. أدارت شانتال ظهرها للكنز، وتوجهت إلى الفندق. كان الغريب يسرد الحكايات على الموجودين في المقصف، ومما سمعته شانتال قول الغريب: إن للخير والشر وجهاً واحداً. كل شيء يتعلق باللحظة التي يلتقيان فيها بالكائن البشري وهو في طريقه. 

وفي الليلة الثالثة، وجدت نفسها في حضرة الشر. وقد تمثل لها في هيئة عياءٍ شديد مصحوبٌ بأدوار حمّى. بقيت شانتال تهذي طوال الليل، ولكنها شعرت بذهاب الحمى مع بزوغ الفجر. وعندما استعادت قواها، أصبح بمقدورها أن تنعم بنومٍ هاديء لفترة طويلة. 
وفي الصباح، قررت شانتال أن تخبر، في المساء، جميع من في الحانة بحكاية الكنز. إن صدّقوها فسيقبض الزبائن على الغريب ويأخدوه إلى الشرطة، ويتركونها حرة طليقة في أخذ سبيكتها، وإن لم يصدقوها فسوف يذهب الغريب مقتنعاً بأنهم جميعاً صالحون، وهذا ليس صحيحاً. جميعهم جبناء، بما فيهم هي بالذات، جبناء في اللحظة التي يستطيعون فيها تغيير قدرهم. قامت شانتال بجولة في القرية. لم تلتقِ سوى ببرتا، الأرملة التي تقضي النهارات جالسة على عتبة بيتها، متنبهة إلى كل ما قد يحدث. تكلما عن الطقس، وعن الغريب، وروتْ برتا، للمرة الألف، كيف مات زوجها: بالخطأ بطلقٍ ناري من أحد الصيادين. ثم قالت شانتال: يجب أن أذهب، فلدي أعمال يجب أن أنجزها قبل حلول المساء. كان الجميع متفقين على أن برتا عجوزاً ساحرة. وعندما عادت شانتال إلى غرفتها، أدركت أن حكاية موت زوج برتا درساً جوهرياً لها. وأن عليها أن تُركز كي تنجح في إصابة الطريدة. لهذا ينبغي إعداد خطة. فقررت أن تؤجل، يوماً أو يومين، سرد وقائع لقائها مع الرجل الغريب، وربما أحجمت عن ذلك نهائياً.

 ذاك المساء، قام الغريب بدسّ قُصاصة ورقٍ في يدها. كان الغريب يقترح عليها أن يلتقيا في المكان الذي تعارفا عليه. التقيا في المكان المتعارف عليه. كان الطقس ماطراً، فأخذته إلى كوخٍ صغير يستعمل مكمناً للصيادين، وذلك للإحتماء من المطر. قالت له: ماذا تريد؟ قال: إنك تؤجلين ما طلبته منكِ. لقد أصبحنا في نهاية الأسبوع، وإذا امتنعتِ عن القول، فسأفعل ذلك بنفسي. قالت: سأفعل ما طلبته مني. فقد جئتَ إلى بسكوس لأنك تريد أن تعرف المزيد عن طبيعتك الخاصة، ما إذا كنت صالحاً أم شريراً. وإني أعتقد أنك جبان. قال: لست جباناً. لقد تزوجت من المرأة التي أحببت، وأنجبتْ لي بنتين رائعتين. كنتُ صانع أسلحة. قالت: وما شأن قريتي بذلك؟ وما هي علاقة ذلك بانتهاك الوصايا، والسرقة والجريمة، وجوهر الكائن البشري، والخير والشر؟ قال: أنا رجلٌ قانوني، وكنت أحسب نفسي ما يُسمى بالرجل الصالح. وذات يوم، قامت جماعة باختطاف زوجتي وابنتيّ الإثنتين، وتريد فدية كمية من السلاح. فأبلغتُ الشرطة. وقبل نهاية النهار، هاجمتْ فرقة كوماندوس مقر المختطفين، وأمطرت الخاطفين بالرصاص. ولكن قبل أن يُقضى عليهم، تمكنوا من الإجهاز على زوجتي وابنتيّ. كان الخاطفون يستعملون أسلحة تنتجها مصانعي. 

تخليت عن أعمالي في نهاية تلك السنة، وتساءلتُ كيف يمكن للإنسان أن يكون على هذه الدرجة من الإجرام. لقد ضحكتُ وبكيت من سخرية القدر الذي أراني أنني كنت أداةً للخير والشر معاً. لقد تبدد كل شعور لديّ بالرحمة، وغدا قلبي خالياً من الإحساس. أريد أن أعرف ما الذي دار في رؤوس الإرهابيين. أريد أن أعرف، إذا كان في صراع الخير والشر، جزء من الثانية يمكن للخير أن يفوز فيه. قالت: لِمَ بسكوس؟ قال: مجرد مصادفة. ثمة أمرٍ واحد يعنيني: أريد أن أعرف إذا كان هناك آخرون قد يتصرفون خلافاً لما ارتكبه الإرهابيون. 

وفي المساء، طلبت الآنسة بريم من الجميع أن يصغوا لها. قالت شانتال: في هذا اليوم، ونزولاً عند طلب الغريب، سأنصب مشنقة في ساحة القرية. منذ أربعة أيامٍ أراني الغريب عشر سبائك ذهبية، أي ما يكفي لضمان مستقبل بسكوس لثلاثين عاماً مقبلة. بعد ذلك طمرَ السبائك في الغابة، لا أدري أين. هذا الذهب سيصبح ملكاً لبسكوس إذا تم قتل أحد سكان بسكوس، في غضون ثلاثة أيامٍ مقبلة. أما إذا لم يُقتل أحد، فإن الغريب سيغادر القرية مع كنزه. هذا كل شيء. وقد نصبت المشنقة في الساحة ليعلق عليها إنسان بريء، وسوف تكون تضحية هذا الإنسان عوض الرفاهية التي ستنعم بها بسكوس. 

وإذ تساءل الزبائن بصمت، أومأ الغريب بإشارة من رأسه، دليلاً على موافقته. ثم عادت شانتال إلى عملها. قالت صاحبة الفندق: ألم يساوركَ شكٌ في أنك قد تكون أنت من سيتعرض للقتل؟ قال الرجل: بالتأكيد، فكرت في ذلك. ولكن إن حدث شيء من هذا القبيل، فسوف تشاركون جميعاً في جريمة قتل، ولن تحصلوا على المكافأة الموعودة. 

وعندما غادر الجميع المقصف، أخذت شانتال محفظتها وتوجهت نحو الباب، وقبل أن تغادر، استدارت وقالت للغريب: إن الشيطان الذي يرافقك يبتسم، لأنك دخلت اللعبة التي خططَ لها. لقد أعددتَ خطتك على نحوٍ لا يُكافأ معه إلا الشر. إن لم يُقتل أحد، فلن ينال الخير إلا الثناء. أنت تريد أن تثبت أن كل الناس أشرار. قال: إلام ترمين؟ قالت: إلى رهانٍ أكثر إنصافاً. إذا لم يُقتل أحدٌ، خلال الأيام الثلاثة القادمة، تُعطى السبائك العشر للقرية، جزاء استقامة أهلها. وأنا أنال سبيكتي جزاء اشتراكي في هذه اللعبة القذرة. قال الرجل: إن قبِلتُ هذا الإقتراح، فإنك ستشيعين الخبر بين الجميع. قالت: لكني لن أفعل، أقسم بحياة جدتي، وبخلاصي الأبدي. اكتفى الغريب بالموافقة، بإشارةٍ من رأسه. 

اسيقظت شانتال على صوت سيارة الفرّان. إن أمام الناس يوما السبت والأحد بأكملهما، للتباحث في أمر الإقتراح الجنوني الذي عُرض عليهم. ويوم الإثنين، سوف يشهدون رحيل الغريب. سوف تتحدث إليهم مساء ذلك اليوم بالذات، عن الرهان الذي قامت به، معلنة أنهم كسبوا المعركة وأصبحوا أثرياء. سارت شانتال باتجاه الشاحنة الصغيرة، يراودها الشعور بأنها تضطلع بالدور الرئيسي في تاريخ القرية. فبعد يومين لا أكثر، سيأتي الجميع لديها ليقبّلوا قدميها، ويقدموا لها الشكر على ما غنموه من ثراء وبحبوبة. 

تحملق حول الشاحنة جمعٌ من الزبائن الصامتين، على غير العادة. لم تفهم شانتال ما يجري. ولما غادرت الشاحنة، سألت شانتال: ما الذي يجري؟ فقال أحدهم: تعرفين ما يجري، تريدين أن نرتكبَ جريمة مقابل مبلغٍ كبير من المال. قالت: أنا لا أريد شيئاً، لم أفعل سوى ما طلبه مني ذلك الرجل! فقال الرجل: كان حريّاً بك ألا تلعبي دور الوسيط لذلك المعتوه. أهناك ما تكسبينه من وراء هذه الحكاية؟ أنسيتِ الشرف والكرامة؟ تفرق الجميع بهدوء، وأخذت شانتال ترتعد. إن الجميع متفقٌ على أنها هي المذنبة، ليس الغريب ولا الإقتراح، بل هي المحرضة على الجريمة. هل فقد العالَم رشده. 

 سارت شانتال باتجاه الجبل، مرت بالقرب من برتا، فدعتها برتا للجلوس معها. ارتمت شانتال بين ذراعيها وكانت ترتجف. قالت لها برتا: إذهبي إلى الغابة لتُنعشي أفكارك. تعرفين أن المشكلة لا تعنيك أبداً، وهم أيضاً يعرفون ذلك، ولكنهم بحاجة إلى مُذنِب. لستُ أدري كيف ستنتهي هذه الحكاية، ومع ذلك فمن المستحسن أن تقضي بعض الوقت بعيداً عن بسكوس. قالت شانتال: هل تمزحين؟ ليس لدي مال، ولا مكان أذهب إليه. قالت برتا: إذهبي إلى الغابة وابتهلي إلى الطبيعة كي تدلك على المدينة التي ينبغي أن ترحلي إليها.

 سارت شانتال باتجاه الصخرة التي على شكل Y، وهي تفكر بما ستفعله لدى حصولها على السبيكة: سترحل عن بسكوس. حفرت حيث التراب ممهّد، وأخرجت السبيكة. وفي هذه الأثناء، أجفلت لسماعها صوتاً. استدارت، فوجدت نفسها أمام وحشٍ متعطش للدم. إنه الذئب الملعون. جمدت مكانها وأخذت تفكر ماذا تعمل. كشّر الذئب عن أنيابه، وأطلق زمجرة مخيفة. فجأة ظهر الغريب خلف الذئب. ضرب الذئب بحجرٍ على رأسه، فاستدار الذئب بسرعة واثباً، لكن الرجل كان قد اعتلى غصناً، مبتعداً عن أنياب الحيوان. وكذلك فعلت شانتال. طلبت شانتال من الغريب أن يوقد ناراً بأحد الأغصان، ففعل ذلك. وهبط إلى الأرض حاملاً الغصن المشتعل. سدد الغصن نحو الذئب الذي بدأ بالتراجع، ثم هرب بأقصى سرعته.

 نزلت شانتال، بدورها، عن الشجرة. قالت: لقد أنقذتُ حياتك، لذا أستحق هذه السبيكة. قال: أنا من أنقذ حياتك. ولكنك أنقذتِ شيئاً ما في نفسي. لم أكن أفكر سابقاً إلا بالإنتقام. أما الآن، فقد توليتُ شجاعتي بنفسي. وببلوغي هذه الخاتمة، أكتشفُ، هناك في قرارة الأعماق، نوراً. لا أريد البرهان على أن البشر فاسدون، بل أريد البرهان على أنني، من دون قصد مني، جلبت على نفسي ما أصابني، لأنني شرير، ورجلٌ فاسدٌ أيما فساد، وأني أستحق القصاص الذي أنزلته الحياة بي. 

قالت شانتال: لنذهب كل ٌّ في طريقه، أنا مع سبيكتي الذهبية، وأنت... قاطعها قائلاً: بل سبيكتي الذهبية. قالت: إذا لم أحتفظ بهذا الذهب، فسوف أضطر للعودة إلى بسكوس. سأطردُ من عملي، وأوصم بالعار من قبل الأهالي. لقد أديتُ دوري، وأستحِقُ المكافأة. قال: إفعلي ما ترينه صالحاً. ثم مضى في سبيله. تأملت شانتال السبيكة هنيهة ثم أعادتها إلى مكانها، ثم غادرت إلى غرفتها. 

اجتمع أعيان قرية بسكوس في الكنيسة. كانوا: مالكة الفندق، وكاهن الرعية، ورئيس البلدية، وزوجة رئيس البلدية، والحدّاد، ومالك معظم العقارات في محيط القرية. قالت مالكة الفندق: نحن نجتمع لتدارس أمر اقتراح الغريب، أي ارتكاب جريمة. عقّب الكاهن قائلاً: بل تقديم أضحية. دلّ الصمت على أن الجميع متفقون. قالت زوجة رئيس البلدية: لنبحثَ الآن في الجانب العملي، من سيكون الأضحية ومن سيكون المُنفّذ. تم اقتراح اسم الآنسة بريم، فوالدتها ميتة، وجدّتها ميتة، ولا أحد سيلاحظ غيابها. غير أن زوجة رئيس البلدية عارضت الإقتراح قائلة: لقد حملت شانتال لنا الشر، وحثت السكان كلهم على ارتكاب الجريمة؟ ومهما يكن من أمر ما سيكون، فإن روايتها لن تقارع روايتنا نحن جميعاً، وليس هناك ما نُتهم به، فضلاً عن مكانتنا. فقال الكاهن: لقد فهمت. تقصدين كي تقع المسؤولية على عاتق من حرض على وقوع المأساة. ثم اقترح الكاهن نفسه أو العجوز برتا! وتم الإتفاق على التضحية بالعجوز برتا. كما تم الإتفاق على أن يجتمع رئيس البلدية برجال القرية ليخبرهم عن الأضحية وعن كيفية التنفيذ. 

باشرت شانتال عملها في الوقت المحدد. وحين أبدت دهشتها لعدم وجود زبائن في المقصف، أخبرتها ربة العمل بأن هناك اجتماعٌ في الساحة، هذا المساء، مقتصرٌ على الرجال. فأدركتْ شانتال حقيقة ما يجري. قالت ربة العمل: إنّ الناس يحتاجون التفكير مرتين وثلاثاً في ما يعتزمون فعله. إذا قرروا التنفيذ، فماذا عساكِ تفعلين؟ قالت شانتال: لا أريد الإجابة عن هذا السؤال. ولكن الشر لا يأتي بالخير.

 وصلت سيدتا القرية، مالكة الفندق، وزوجة رئيس البلدية، إلى منزل برتا، قبيل الساعة التاسعة مساء، وذلك للإطمئنان عليها. قالت العجوز: تبدو القرية مختلفة، هذا المساء. أجابت مالكة الفندق: هناك اجتماعٌ للرجال في الساحة، للتداول في ما ينبغي فعله مع الغريب. قالت العجوز: من الأفضل أن نقبل اقتراحه، وليغادر بعد يومين. فالكاهن قال مرة بأنه لا مانع من التضحية برجلٍ لإنقاذ البشر! تبادلت الإمرأتان نظرات خاطفة تنم عن الذهول والضيق. قالت برتا: إن الأشخاص المسنين مُعرضون للموت المباغت. هذه سنة الحياة. لقد قضيت معظم نهاري أفكر بالموت. قالت مالكة الفندق: وهل من سببٍ مُحدد؟ قال برتا : لا، في مثل سني، يصبح الأمر عادة. قالت مالكة الفندق: إن الموت حق. إنه يشفينا، أحياناً، من آلامٍ لا فائدة منها. قال العجوز: إنك على حقٍّ تماماً، ولكني خائفة من الموت. شكرأ لزيارتكما. 

 ولما خرجتا الإمرأتان، قالت مالكة الفندق لزميلتها: إنها تعلم، ثمة من أخبرها. لقد أدركتْ أننا هنا لمراقبتها. 

أزدحمت ساحة القرية بالرجال. وقف الكاهن عل كرسيّ وأخذ يخاطب الحشد قائلاً: لست في حاجةٍ لأن أشرح لكم إن بسكوس مهددة بالزوال عن الخارطة، وأنكم ستزولون معها. وحدها التوبة والتضحية تستطيعان أن تضمنا لكما الخلاص. أرى لزاماً عليّ أن أحدثكم عن التضحية بشخصٍ ما. صاح شخص: ربما لم تكن هذه سوى أكاذيب. فقال رئيس البلدية: إن الغريب سيرينا الذهب غداً. وراح رئيس البلدية يُعدد النعم التي ستغمر القرية، وتكلم عن توزيع الثروة على الجميع بحصصٍ متساوية. 

سأل أحدهم: من الذي سيموت؟ قال رئيس البلدية: لقد وقع الخيار على برتا. لم يبدر على الجميع أي اعتراضٍ على هذا القرار. قال الكاهن: أريد موافقة الجميع شفاهياً على ذلك. فانطلق الحداد يقول نعم، وتبعه رئيس البلدية، ثم تتالى الجميع على إعطاء موافقتهم. أكمل الكاهن كلامه: غداً سيأتي كل واحد منكم ببندقيته محشوة برصاصة واحدة ويضعها في الكنيسة. وستكون هناك بندقية واحدة محشوة بالرصاص من كل اثنتين. وعندما تطلقون بندقياتكم، يستطيع كل واحدٍ منكم أن يعتقد بأنه براء من دم الضحية. 

شاهدتْ شانتال من غرفتها سكان بسكوس يعبرون الساحة، والبنادق في أيديهم. كان الرجال يدخلون الغرفة الملحقة بالكنيسة، ويخرجون بأيدٍ فارغة. هرعت إلى مالكة الفندق لتسألها عما يجري. فأخبرتها مالكة الفندق باختيار برتا كضحية. فطلبت شانتال من مالكة الفندق أن تكلم الغريب، ذلك أن لديها خطة ما. 

كانت برتا تراقب غروب الشمس وراء الجبال، عندما رأت الكاهن، يتبعه ثلاثة رجال، وافداً باتجاهها. فعلمت بأن ساعتها قد حانت. قالت برتا للكاهن: لقد لبثتُ ردحاً طويلاً من الزمن لا أجد أحداً يتكلم إليّ. ثم يفطنُ الجميع لوجودي. تصور، لقد زارتني بالأمس مالكة الفندق وزوجة رئيس البلدية، وها أنت تزورني. هل أصبحتُ ذا شأنٍ مهم؟ قال الكاهن: بالضبط، بل أرفع الناس شأناً في القرية. قالت: هل سأترك ميراثاً؟ قال: عشر سبائك من الذهب. وسوف يتذكرك الجميع من جيل إلى جيل. قالت برتا: إنني أعرف كل شيء. إنكم تحكمون بالموت على امرأة بريئة. قدّم لها الكاهن علبة بلاستيكية، وقال لها: ابتلعي هذه الحبوب، ولن تلبثي أن تنامي. وعندما تستيقظين ستجدين نفسك بجانب زوجك. قالت: وإذا رفضت؟ قال الكاهن: سوف تبتلعينها بأية حال. 

ألقت برتا نظرة على الرجال، الذين جاؤوا مع الكاهن، وأدركتْ أن المقاومة لن تجدي. بلعت الحبوب مع كميات كبيرة من الماء. ألقت نظرة أخيرة على الجبال، وقالت في سرها:" إنها عاشت حياة جميلة، ولدت وماتت في مكانٍ أحبته، وإن لم يبادلها الحب. إنّ من يحب أملاً بمقابل، يُهدر وقته". سرى الخدر في يديها وقدميها، في حين كان الكاهن يلح عليها قائلاً: سأحدثك عن الخير والشر. قالت: لا فائدة من ذلك. أنت لا تعرف الخير. إنك لا تختلف عن ذاك الغريب الذي جاء لتدميرنا. ثم أغمضت برتا عينيها. 

خرجت القرية كلها، رجالاً ونساءٍ، باتجاه نصبٍ يبعد مسيرة نصف ساعة عن بسكوس. كان كل رجلٍ يحمل بندقية في يده. وكان حطابان اثنان يحملان النقالة التي وُضعت عليها برتا. ولما وصلوا مكان النصب، وضعوا برتا عليه. صرخ رئيس البلدية: لننهِ الأمر بسرعة! ابتعدت النسوة إلى الخلف، بينما صوب الرجال بندقياتهم نحو الجسد الساكن. وفجأة صرخ صوتٌ أنثوي: مهلاً. كان صوت الآنسة بريم. قالت شانتال: هل رأيتم الذهب؟ وهل تأكدتم بأنه ذهبٌ حقيقيّ؟ قام الغريب بإخراج الذهب من حقيبته، ووضعه وسط حلقة الرجال. ثم قامت عشر نسوة بفحص الذهب. قالت زوجة رئيس البلدية: إنه ذهبٌ حقيقي. وهناك على كل سبيكة خاتم الدولة، والرقم التسلسلي، والوزن. قالت شانتال: قبل أن تذهبوا بعيداً، إسمعوا ما أقوله لكم. قال رئيس البلدية: ليس الوقت وقت خطابات. يجب أن يقوم الرجال بواجبهم. قالت شانتال: إخرس، أيها الأحمق! إنك عديم المسؤولية.

 همّ رئيس البلدية أن ينقضّ عليها، ولكن رجلين أمسكا به. قال أحد الرجال: لنستمع إلى ما تريد الآنسة قوله. قالت شانتال: لقد تعلمنا، في المدرسة، عن أسطورة الملك ميداس، الذي مُنح القدرة على تحويل ما يلمسه إلى ذهب. ولكنه عندما جاع وأراد أن يأكل، تحول الطعام إلى ذهب. وتحولت زوجته إلى ذهب عندما أمسك يدها. وفي أقل من أسبوع، مات ميداس من الجوع والعطش. إنني أسرد عليكم هذه الحكاية لأعلمكم بأن الذهب في حدّ ذاته لا يساوي شيئاً. إن ما له قيمة هو المال النقدي. أخبروني كيف ستحولون الذهب إلى نقود؟ قال مالك الأراضي: سوف نأخذ السبائك إلى المصرف، ونستبدلها بنقود. قالت شانتال: سيطلب منكم البنك شهادة شراء الذهب. وحيث أنها غير متوفرة، فستقولون إن السبائك أعطِيت إلينا من قبل شخصٍ غريب. وهنا ستبدأ التحقيقات، فيجب معرفة مصدر الذهب. وتصوروا معي ماذا سيحصل إن تم اكتشاف أن هذا الذهب مسروق، أو أنه سلكَ عبر مهربي المخدرات. 

اتجهت أنظار الجميع إلى الغريب، وبدأ الخوف ينتابهم. أضافت شانتال: باستطاعتكم أن تقتلوا هذه المرأة البريئة، أما أنا فأرفض الإشتراك في هذه الجريمة. وأنا واثقة بأن رئيس البلدية سيجد نفسه وراء القضبان، وستصبحون، جميعكم، متهمين بسرقة هذا الذهب. أما أنا، فبمنأى عن أي تهمة. 
في هذه اللحظة، فتح أحد الرجال مغلاق بندقيته، وكذلك فعل بقية الرجال، مما يعني امتناع الرجال عن إطلاق النار. وانقض الحداد على رئيس البلدية وعلى الكاهن، وانتزع منهما بندقيتهما. ثم بدأ الجميع بالتفرق، وعاد كل واحدٍ إلى بيته.

 لم يبق في حوش الغابة سوى برتا، المُنومة، وإلى جانبها شانتال والغريب. قال الغريب: إليكِ ذهب قريتك. قالت: إنه لي، وكذلك السبيكة المدفونة قرب الصخرة الشبيهة بالحرف Y. وسوف ترافقني إلى المصرف لتحويل هذا الذهب إلى نقود. 

ألقت شانتال، نظرة أخيرة على الوادي، والجبال، والأجمات حيث ألِفت التجوال في صغرها. لم ترجع إلى القرية إلا لتودع برتا. لقد تكفّل الغريب بكل إجراءاتِ تحويل الذهب إلى نقود، وإيداعها في حساب شانتال. التقت بعض السكان، وقد حيوها وكأن شيئاً لم يكن. كأن بسكوس لم يزرها الشيطان. قالت برتا لشانتال: سيبنون نافورة ماءٍ تكريماً لي. وهي مقابل صمتي. إنني مسرورة لذلك. أما أنت، يا ابنتي، فستفعلين ما سبق أن اقترحته عليك. قد تقصر الحياة وقد تطول، كل شيء مرهون بالطريقة التي نحياها بها. ابتسمت شانتال، وعانقت صديقتها القديمة بحنان، وأدارت ظهرها لبسكوس دون تفكيرٍ بالعودة. 


                                        النهاية.


التالي
هذه أحدث تدوينة