السبت، 17 أكتوبر 2020

 

تلخيص رواية:
 أقوى من الموت: أجاثا كريستي. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.
 

أثناء إقامتي في باريس، أخبرني خادمي بارفيت بأن هناك سيدة ترغب في مقابلتي لأمرٍ عاجلٍ وخطير. والواقع أنني قد مللت هذا الأسلوب الذي اعتاد عليه بعض الناس الذين لا يبالون بوقتك وصحتك. كان اسم هذه السيدة هو كاترين يعقوبيان. ولما دخلت السيدة إليّ صاحت وهي تقول: سيدي أرجو أن تتفضل وتأتي، إني سأصحبك إلى مستر جابرييل حيث أنه في حالة خطيرة وسوف يموت قريباً، إنه يود رؤيتك. قلت: أنا آسف، لا أستطيع الذهاب معك. قالت: إنه تلفظ اسمك، وهو طلب مني إحضارك، ويقول إنه صديقك. فقلت: إن هذا الرجل لم يكن صديقي بل إنني أمقته فقالت: تمقته؟ إن جون شخصية لطيفة وكريمة. فالعالم كله يعرف الأب كليمانت. قلت: أتقصدين أن جون جابرييل هو الأب كليمانت. قالت: نعم. فوافقتُ على الذهاب معها.

 لقد كان جون جابرييل عضواً وزميلاً لي في البرلمان الإنجليزي، وكان شغوفاً بالنساء، مولعاً بالخمور والملذات. كنت توّاقاً لأعرف سر اهتمام النساء به، خاصة وأنا أعرفه حق المعرفة، ثم أريد أن أعرف أيضاً ماذا رأت فيه إيزابيلا ودفعها لكي تفعل ما فعلت؟ 

 لقد كانت إيزابيلا هي ضالتي المنشودة، وحلمي الضائع، والضوء الذي يهديني في الظلمات، وهي أملي وحبي الوحيد حتى ظهر جون جابرييل. إن قصتي تنتهي معها هنا وتبدأ مع جون جابرييل.

  كان جابرييل يقطن في غرفة صغيرة تطل على فناء خارجي. فقال لي: لقد نجحتْ كاترين في إحضارك، ما أروع هذه السيدة! وبالطبع تريد أن تعرف كيف ماتت إيزابيلا. وبدأ بروي اللحظات الأخيرة لموتها. 

 والآن سأروي قصتي، فالدنيا قد فتحت ذراعها لي وأعطتني كل ما أردت؛ فقد كنت أشغل وظيفة مرموقة في هيئة التدريس، وكنت قد ادخرت بعض المال من خلال عملي في الميادين العسكرية، وكانت علاقاتي العائلية على أحسن ما يكون. كنت في السابعة والثلاثين من العمر حين ركبتُ القطار وجلستُ على مقعد شاغر. وكانت تجلس أمامي جنيفر. كانت شابة جميلة، سوداء الشعر، معتدلة الجسد، وذات أنوثة فاتنة. وقد لاحظت أنها تبكي. فقلت: يبدو أنك في مأزق؟ فقالت: الأفضل أن تقول إنني غبية. إنني متورطة حتى شعر رأسي. وبدأت تتحدث عن متاعب تعرضتْ لها وأرهقتها بسبب خجلها. ولكنها نزلت من القطار قبل أن تكمل حكايتها. ورأيتها بعد أسبوع في حفل كوكتيل. وهكذا كنا نلتقي بعدها كثيراً في المناسبات الإجتماعية. 

 اتفقنا بعدها على اللقاء في المطار. واتجهت في سيارتي التي كان يجب أن يقودها هاريمان، ولكني طلبت منه أن يجلس في المقعد الخلفي، وانطلقتُ في طريقي إلى المطار. وسرعان ما جاءت عربة نقل من الشارع الجانبي، وكان عسيراً عليّ أن أتجنبها، وارتطمت العربة بنا وحطمتني ومات هاريمان على الفور. أما جنيفر فقد كانت تنتظرني في المطار، وانطلقت الطائرة دون أن أرى جنيفر! 

 لا أستطيع أن أصف لكم ما حدث لي من مأساة بعد ذلك. لقد تعرضتُ لاضطرابٍ في الذهن وشعرت بالضياع. فأنا فقدت إحساسي بأنني سأعيش شأن كل الرجال؛ حيث أن جسدي قد تحطم وتفتت، ومنعت المستشفى أحداً من زيارتي باستثناء الأقارب. كتبتْ لي جنيفر وأنا في المستشفى: إنهم منعوني من زيارتك يا حبيبي، ولكن تأكد أني سأزورك يا هوج نوريز إذا سمحوا لي بذلك. تبادلت بعدها العديد من الرسائل مع جنيفر وشعرت بالرغبة ناحيتها، ولكني كنت عاجزاً عن أداء أي شيء. فقلت لها أخيراً: إن كل شيء بيننا قد انتهى. 

بعد ذلك انتقلنا إلى قرية سانت لو، أنا وأخي وزوجة أخي تيريزا. ونزلنا في قصر بولنروث الذي ورثته تيريزا عن عمتها مس لوسي. وهناك في القرية قصر سانت لو وتقيم فيه الليدي سانت لو. وقد زارتنا الليدي سانت لو بصحبة شقيقتها الليدي تريسليان وزوجة أخيها مسز بيجهام كارتريس وحفيدتها إيزابيلا. وقد عرفت من تيريزا أن الليدي سانت لو كانت أرملة البارون السادس الذي كان حاملاً هذا اللقب، والذي قتل في حرب البوير. أما ولداها الكبيران فقد لقيا حتفهما في الحرب العالمية الأولى، فقد مات الولد الأصغر في حادث طيارة وترك ابنته إيزابيلا بمفردها، حيث أن أمها ماتت أثناء ولادتها. وترعرعت إيزابيلا مع جدتها وعمتيها. 

 كانت إيزابيلا تشبه فتاة من فتيات العصور الوسطى، وكان عمرها 19 سنة. لم أنظر إليها كثيراً فقد كنت في غاية البؤس والضيق، فأنا إنسان عاجز يحتاج إلى شفقة الآخرين بعد أن كنت أجيد ممارسة الرياضة البدنية، وها هي أطرافي صارت مغطاة حتى لا يراها أحد.

  سمعتُ بإسم زميلي جون جابرييل للمرة الأولى حين قال الكابتن كارسليك، الوكيل الإنتخابي لحزب المحافظين والمستأجر لجزء من القصر، إن الحزب لم يحظ بالنتيجة التي يستحقها في الإنتخابات السابقة، أما هذه المرة فإن مرشحنا غريب عن البلدة، إنه الميجور جابرييل. إنه شاب لا يتجاوز الرابعة والثلاثين من العمر، وله مواقف شجاعة وبطولات خارقة في معركة ساليرن. 

 وفي مساء إحدى الليالي، رأيت جون جابرييل داخل قاعة دريك. وكانت تيريزا قد تمكنت من أن تعد لي سيارة متحركة رائعة أسير بها أينما شئت. كان جون معتدل القامة يرتدي ثياباً أنيقة، ووجهه يؤكد أنه من طبقة راقية. ومع أنه كان دميم المنظر، لكن صورته توحي أن له جاذبية غريبة. ومن خلال حديثي معه، كان الإنطباع الأول عنه أنه رجل انتهازي أفاق. =كان الطقس رائعاً؛ فالشمس قد أشرقت، والسماء تلونت بزرقتها الصافية. وكنت جالساً في الشرفة ومن حولي أحواض الزهور. كان بمقدوري أن أرى إيزابيلا وهي تعبر المراعي وهي في طريقها إلى بيتنا. والواقع أنها اعتادت على المجيء يومياً عندنا... وكانت تجلس بجواري في أغلب الأوقات، وكانت صداقة غريبة تتشكل بيننا. وحدث يوماً أن رأتْ إيزابيلا عصفوراً ميتاً فأصابها الحزن وقالت: إنني أخاف الموت. فقلت لها: إنني أحيانا أتمنى أن يأتي الموت، فما هي قيمة الحياة بالنسبة لي، إنني لا أستطيع الحركة، بل لا أقدر حتى على تبديل ملابسي أو الإغتسال، فأنا هيكل محطم، فأنا صرت أشبه بكرسي أو منضدة. سألتني: هل تتعذب في أوقات فراغك؟ فقلت: نعم، لأنني لم أعد عنصراً فاعلاً في الحياة. وفجأة جاءت تيريزا وقالت لإيزابيلا: سيأتي اليوم ريوبيرت إلى القصر، أليس كذلك؟ فقالت إيزابيلا: نعم. وبعد أن ذهبت تيريزا قلت لإيزابيلا: من هو ريوبيرت؟ فقالت: هو إبن عمي، اللورد سانت لو، ومن المتوقع أن أتزوجه عما قريب.

 في أحد الأيام جاءت مسز بيجهام، عمة إيزابيلا، إليّ وطلبت مني تسليم لفافة إلى الكابتن كارسليك. وذكرت مسز بيجهام أن الكلبة لوسيندا، كلبة مسز كارتريس، تعرضت لحادث سيارة. سألتها إيزابيلا: أين هي الآن؟ فقالت مسز بيجهام: لقد ذهبتُ بها إلى جيمس بارت، وساعدني الميجور جابرييل في حمل الكلبة، ولم يكن جيمس بارت موجوداً، ولكن زوجته سمحت لنا بانتظاره. وخلال وقت الإنتظار راح جابرييل يرمي شباكه حول زوجة جيمس بارت الجميلة؛ فأطربها حديثه حتى سحرها وجذبها. وعندما جاء جيمس بارت، لاحظ الميجور جابرييل قسوة الزوج مع زوجته الشابة الجميلة، ورثى جابرييل لحالها، وأشفق عليها، وبدأت القصة من هنا. 

بعد حوالي يومين جاءت تيريزا ومعها مسز بارت وقالت: ستساعدنا مسز بارت في الحزب. كانت مسز بارت رقيقة ومتواضعة إلى أقصى درجة. وبعد أن تركتنا تيريزا لوحدنا قالت مسز بارت إنها بعد ما سمعت عن السيد جابرييل وأفعاله فقد قررت أن تخدم حزب المحافظين. ثم أخذت تحدثني بقصتها فقالت: إن زوجي يقول إنني إنسانة غبية. كان ينبغي ألا أتزوجه أبداً. كان لطيفاً معي فترة الخطوبة، وكان فارساً ماهراً ولا يتعاطى الخمور. وقد حذرني منه الجميع وقالوا إنه قاس عنيف ويتعاطى الخمور بشراهة، ولكنني لم أصدق هذا، ولكنني اكتشفت، بعد الزواج، أن هذا صحيحاً. هل تصدق أن زوجي يغار عليّ من الميجور جابرييل، وقام بسب وإهانة الميجور أمامي. وبعد أن خرجتْ مسز بارت من عندي قلت لتيريزا: إن هذه المرأة المسكينة بدأت تشعر بالحب ناحية الميجور جابرييل. فقالت تيريزا: إن حبَّ النساء لجابرييل طبيعي؛ فهو رجل طيب للغاية، وأعتقد أنه يعطف عليها ويرثي لحالها. 

 في اليوم التالي، بدأت الإشاعات تقول إن هناك شيئاً ما بين مسز بارت والميجور جابرييل. فقلت لمسز بارت صراحة: إن الناس تزعم بروايات سخيفة بينك وبين جابرييل، فوجوده معك في مقهى القط الأصفر، واصطحابه لك في السيارة والتنزه معاً في الشارع، وأن يتولى عنك حمل حقائب مشترياتك، كلها مظاهر للأسف تساعد ألسنة السوء على إثارة الإشاعات. فقالت مسز بارت: أقسم أنه لم يتحدث معي في أي شيء مما يظنه هؤلاء الناس، بل كان كريماً للغاية. فقلت لها: إذاً تجنبي الحديث معه حتى انتهاء الإنتخابات. حينها دخل جابرييل علينا فقالت مسز بارت لي: إلى اللقاء يا كابتن نوريز، إلى اللقاء يا ميجور جابرييل، سأنصرف الآن. وبعد أن غادرت، أخذنا أنا وجابرييل نتحدث في أمور الإنتخابات. 

في المساء، كانت هناك إحدى الحفلات الراقصة. كنت جالساً على الشرفة في المنزل أفكر في حياتي وفي جنيفر. جاءت إيزابيلا لتجلس معي. مرت بنا نسمة هواء تطايرت منها خصلات شعر إيزابيلا، فرفعتْ يدها الرقيقة لتسويتها، فنظرت إليها فوجدتها جميلة جداً. قالت لي: كان ينبغي أن يأتي ريوبيرت الليلة. كان صوتها مشحوناً باليأس. فقلت لها: لا تتعجلي قدومه. حينها جاء جابرييل وقال لي: لقد أرسلتني مسز نوريز لأسألك إن كنت تريد شيئاً. فقلت: كلا... أشكرك على كل حال. فقال لإيزابيلا: هل تسميحن لي برقصة؟ فقالت الفتاة بأدب: بكل سرور. وانصرفا معاً إلى الحفل. وبعد قليل عاد جابرييل وقال لي: إن هذه الفتاة، إيزابيلا، مثلها مثل غيرها. فرغم كبريائها فقد استطعت أن أزيحها من برجها العالي. وحين حاصرت خصرها وجدتها باردة مثلهن جميعاً. إنها تتصرف كامرأة متزوجة تعرف كل شيء، وقد استسلمت لي في سهولة ويسر شأنها شأن أي فتاة تبيع الهوى. إنني سأنال منها حتى لو فقدت عمري كله. وأعترفُ أني شعرت بالحقد عليها لسنوات عديدة.

  كثيراً ما يتخيل المرء أحداثاً وقعت له في الماضي. وتذكرت أنا حيويتي ونشاطي وأنا أتأمل اللورد سانت لو وهو يشق طريقه وسط المراعي. فقلت لإيزابيلا: إن أحدهم قادم! فصاحت إيزابيلا: أوه، إنه ريوبيرت!! ثم تقدمت إيزابيلا نحو الشاب، في مشهد سينمائي رائع، وتلاقيا، وتشابكت أيديهما. وكم تمنيت أن أكون أنا هو. ثم نظرتْ إليّ إيزابيلا وقالت: هذا هو ريوبيرت. تقدم إليّ الشاب وأشهد أنه كان وسيماً إلى حدٍ لم أشهد له مثيلاً. كان طويل القامة عريض الكتفين، وصاحب صوت أعزب رقيق يشع ذكاء وإرادة وصلابة. قال إنه يرغب بلقاء أخي وزوجته فهو مفتون بلوحات أخي. وقال إنه عائد في إجازة لمدة شهر واحد فقط. 

 توطدت بعد ذلك أواصر الصداقة بيني وبين اللورد سانت لو الذي انجذب إلى صداقتي في لمح البصر. وقد قال لي مرة: إنه يستغرب كيف يَعِدُ طفلة بالزواج ثم يتمسك بهذا الوعد الصبياني. لقد كنت أشعر أنني في حاجة إليها ثم سرعان ما اكتشفت أنها غريبة الأطوار. لقد تربيت هنا في هذا المكان وأحببته كثيراً، ووددت لو تزوجت إيزابيلا، ولكن لا أعرف ماذا دهاني. 

 على أية حال، بعد مرور خمسة أيام من هذا الحديث، أعلِنت خطوبة إيزابيلا على اللورد سانت لو. وقد أكدّت إيزابيلا أن الخبر سينتشر في جريدة التايمز، أوسع الصحف انتشاراً وتوزيعاً. كانت إيزابيلا سعيدة للغاية وفي قمة فرحتها. وللأسف كنت واثقاً بأن الزواج لن يتم أبداً. 

 كان جابرييل شديد الثقة من فوزه الساحق في الإنتخابات. وعلى الرغم من هذا لم يكن يضع فتاة تعمل ساقية في إحدى الحانات في حساباته، فهي التي ساعدته في التقدم والإنطلاق، رغم عدم معرفته بها من قبل. كانت بوبي هي عشيقة جيمس بارت، وكان جيمس يفرط في الشراب. وثار مرة كالثور الهائج فطردته الفتاة وصممت على قطع علاقتها به. عاد كالثور الهائج إلى بيته وضرب زوجته ضرباً مبرحاً، فهربت مسز بارت يومها مسرعة إلى جابرييل، حيث أنه ليس لها أهل أو أصحاب. وقد أحسن جابرييل ضيافتها، فهو معروف بميله للنساء ولهذه المرأة بالذات. وبعدما لحقها زوجها إلى جابرييل، تشاجر جابرييل وجيمس بارت وسقطا معاً على الأرض. ثم أخذ جابرييل مسز بارت ووعدها ألا تعود إلى جيمس أبداً! 

 وانتشر الخبر في المدينة كالنار في الهشيم. وقالوا إن الطبيب اكتشف العلاقة بين الميجور وزوجته، وأنها باتت معه في نفس الفندق. بعدها اصطحبتْ إيزابيلا مسز بارت إلى القصر بعدما سمعت بالأمر. 

 إني لا أروي هذه القصة من أجل استعراض ما حدث في كواليس العملية الإنتخابية، فأنا بطبعي لست سياسياً، بل لا أميل إلى العمل السياسي ولا أحب الإنخراط فيه، بل إنني أكتب عن قصة عشتها بمشاعري وأحاسيسي بعيداً عن السياسة وأهلها.

 جاءني الميجور جابرييل في أحد الأيام بعدما أنهى عدة مؤتمرات أقامها الحزب وقال لي: ما أسخف ما نقول ونردده أمام هؤلاء البلهاء. إننا نتحدث عن خيالات في أرض الواقع ويصدقها هؤلاء السذج، ولكنهم للأسف يستحقون ما يحدث لهم على يد هذه الحكومة الملعونة، لأننا جميعاً كذابون! 

 مر يوم الإنتخابات بهدوء. وفي اليوم التالي دخلت تيريزا إلى البيت وقالت: انتهت الإنتخابات وفاز الميجور بأغلبية بلغت مائتين وأربعة عشر صوتاً. ولولا قضية مسز بارت لفاز فوزاً ساحقاً. 

 كان الكل هنا يستعدون لحضور حفل زفاف اللورد سانت لو وإيزابيلا يوم الخميس... وفي تلك الليلة لم أذق فيها طعم النوم؛ فقد عانيت كثيراً من الأرق والقلق. وفي تمام الساعة الواحدة صباحاً، سمعت صوت أقدام خلف نافذة غرفتي. وإذا بي أجد إيزابيلا، وكانت ترتدي معطفين سميكين وعلى رأسها شال أحمر اللون. قالت لي: جئت لكي أقول وداعاً يا كابتن هوج لأنني سأرحل. فقلت لها: سترحلين؟ مع اللورد سانت لو؟ فقالت: كلا... بل مع جون جابرييل. يا إلهي ما هذا الهذيان. هل أنا في كابوس مزعج أم واقع أليم؟ فجأة تذكرت كلام تيريزا وهي تقول: إن هذا الرجل الدميم لديه جاذبية خاصة عند النساء! فهل كانت إيزابيلا تعشق الميجور جابرييل؟ أنا لم أكن متأكداً من ذلك ولكن هأنا تأكدت الآن. 

كنت أحب إيزابيلا بل أحبها بقوة بحيث أنني لم أكن أطيق هجرها. وكنت على الرغم من هذا سعيداً لزواجها من اللورد فهذا يليق بها، ولكن الآن هروبها مع الميجور عمل غير مسؤول، وفضيحة كبيرة لأسرتها العريقة. 

 انتهى الجزء الأول من تلك القصة بهروب إيزابيلا مع الميجور جون جابرييل، وظل الأمر بالنسبة لي غامضاً غير مفهوم حتى الآن. لقد ضرب الميجور بسمعته وبالحزب وبالفضيحة التي أصابت أسرة إيزابيلا عرض الحائط نزولاً على رغبته وشهوته ونزواته، ولم يفكر في سمعة الفتاة. 

 قالت الليدي سانت لو: إننا جميعنا نتحمل مسؤولية هذا التصرف الطائش، لأننا كنا نبحث عن رجل يخدم الحزب بأي شكل، ووجدنا الرجل الذي جاء من أجل استغلالنا أيضاً. فرغم أننا نعرف أنه نصاب وأفاق، فكلانا كان يريد أن يستغل الآخر. 

 بعد مرور عامين، أجريت الإنتخابات من جديد وفاز مرشح حزب العمال فوزاً ساحقاً. وكانت الليدي سانت لو وزميلتاها قد غادروا القصر إلى بيت صغير، وعاد اللورد سانت لو بعد عام مصطحباً معه زوجة أمريكية جميلة. وفي عام 1947 كانت الجراحات قد تقدمت تقدماً رائعاً. وقد نصحني طبيبي المعالج بالسفر إلى سلوفاكيا لإجراء جراحة عاجلة. فذهبت إلى سلوفاكيا لأجري عملية جراحية، وقد نجحت العملية فعلاً وأصبحتُ أمشي بعكازين بدلاً من الجلوس على عربة. وبقيتُ في سلوفاكيا لمتابعة العلاج الطبيعي. وفي يوم من الأيام اتجهتُ إلى مقهى لأحتسي الشاي، وطاف بصري بجميع الحاضرين وإذ بي أجد أمامي جون جابرييل. وكانت مفاجأة مذهلة جداً فلم أتخيل وجوده هنا مطلقاً. لقد تغير كثيراً وأصبح منظره يدعو للرثاء والشفقة. أقبل ناحيتي وقال: يا لها من مفاجأة أن أجدك هنا. ما هي أخبار البلد. قلت: إن الأمور تمشي على ما يرام. ما هي أخبار إيزابيلا؟ فقال: لقد عاملتها بما يليق بها، ولم أتركها تعيش في كوخ حقير. أنها هنا وسوف تسعد بلقائك. سوف أكتب لك عنوانها. 

 في صباح اليوم التالي ذهبتُ إلى العنوان المذكور. مشيت في شوارع وأزقة حقيرة ووضيعة وكنت أهمس لنفسي: "يا إلهي، أهذا معقول! إيزابيلا الرقيقة الجميلة بنت القصور تعيش هنا ؟!" طرقت الباب فرأيتها أمامي جالسة كالأطفال تحيك بعض خيوط الحرير. فما أن رأتني حتى أقبلت نحوي في ذهول وأخذت تقبلني وهي تقول: هوج، أنا سعيدة لوجودك هنا. رأيتُ فيها إيزابيلا الجميلة الرقيقة. قلت لها: ماذا حدث لك؟ هل ترغبين في العودة معي إلى لندن؟ قالت: لا أرغب بالعودة إلى لندن. أنا لم أتزوج من جون، فهو لم يفكر في الزواج بي، لأننا حين هربنا لم نتحدث في الزواج، ولكن رغبة الهروب كانت مشتركة بيننا. 

 خامرني إحساس بالرغبة لرؤية إيزابيلا قبل عودتي لأسرتي في سانت لو. ولكن جاءني جون جابرييل على حين غرة. لاحظت أن في وجهه علامات غريبة. قال لي في هدوء وبرود: ماتت إيزابيلا. إنها ماتت برصاصة. شعرتُ أنني أرغب في أن أموت وألحق بها. فقلت له: كيف؟ هذا هراء؟ فقال: كنا في المقهى حين دخل طالب مجنون واعتقدَ أني ستولافون، حاكم سلوفاكيا الطاغية المستبد، وصوّب مسدسه نحوي ولكن الطلقة جاءت في قلب إيزابيلا. فقلت له: لماذا فعلتَ هذا بها؟ لن أسامحك أبداً ولن أغفر لك. لماذا اختطفتها أصلاً من أهلها؟ فقال جابرييل بشيء من الغضب: لقد أردتُ إذلالها وإهانتها، خطفتها من قصرها وعشتُ معها في مكان قذر، وتناولتُ المخدرات وشربت الخمور، ولكنها لم تتشاجر معي أبداً وكان هذا يثير أعصابي، فكنت أتمنى أن تتشاجر معي لأضربها ولكنها كانت تجلس وتغني كأنها في قصرها الملعون. لقد ملكتُ جسدها ولكني لم أملكها. لقد حطمتني ودمرتني وأهانتني. إنها هي التي جعلتني أتخلى عن مسز بارت التي كادت أن تطلب الطلاق من زوجها لكي أتزوجها، وقد كنت أحب مسز بارت إلى حد الجنون، أما هذه فلم أحبها ولن أحبها أبداً، وها هي قد ماتت وذهبت إلى الجحيم... هيا خذها إلى سانت لو.

  واجهتني متاعب كثيرة في إنهاء أوراق نقل جثمان إيزابيلا، ولم أكن قد التقيت مع جابرييل بعد لقائي الأخير معه. وتمت إجراءات الدفن طبقاً لطقوس العائلة، ووارى جثمانها تراب مقابر سانت لو. ثم أخذت عمة إيزابيلا تقول لي: لقد تزوج اللورد سانت لو فتاة رائعة، أما جيمس بارت فقد مات إثر سقوطه في حفرة وهو يترنح من فرط الشراب، وأصبحت مسز بارت أرملة. وقيل إنها على علاقة مع أحد المزارعين، وهو رجل سيء السمعة وشرس الطباع، وهكذا فسوف تقع في نفس الورطة. 

 هذه هي قصتي... أقصد قصة الرجل الذي رأيته لأول مرة في سانت لو، ولآخر مرة في صحة جيدة في سلوفاكيا، والذي وجدته يحتضر الآن ويلفظ أنفاسه الأخيرة في غرفة قذرة بباريس. قال لي: أنصت يا نوريز، يجب أن تعرف حقيقة ما حدث في سلوفاكيا. أنت تعرف أن إيزابيلا كانت تخشى الموت أكثر من أي شيء آخر. كان ذلك الطالب مندفعاً ناحيتي شاهراً المسدس، كان بمقدوري أن أتحرك... ولكن إيزابيلا ألقت بنفسها على صدري لكي تنقذني. إنها أحبت الموت من أجلي لكي تنقذني... ولقد فهمتُ أخيراً أنها كانت تحبني بجنون، أما أنا فلم أكن أفهم معنى الحب فقد امتلكتُ جسدها ولا أريد أكثر من ذلك... وكان غريباً أن تضحي إنسانة مثلها، أحبت الحياة وكرهت الموت، من أجل رجل لا يحبها. وهكذا يا عزيزي كانت النهاية... نهاية إنسانة رقيقة على يد سافل حقير مثلي لا يستحق سوى الموت مائة مرة. فقلت له: إنها ليست النهاية، بل هي البداية.


                                        النهاية.  

ر.
التالي
هذه أحدث تدوينة