الاثنين، 2 ديسمبر 2019


تلخيص رواية: 
 الشاهد الصامت: أجاثا كريستي. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.








منذ كانت الآنسة أراندل في السادسة عشرة وهي تقيم في قرية "ماركيت بيسنج"، لم تبرحها قط. وفي اليوم الأول من شهر أيار فاضت روحها. كانت قد تجاوزت السبعين من عمرها. وإذا كان موت الآنسة أراندل لم يدهش أحداً، فإن وصيتها أثارت دهشة الناس وسخطهم. 

في يوم الجمعة السابق لعيد الفصح كانت الآنسة أراندل واقفة في بهو بيتها فيللا "ليتل جرين" تصدر تعليماتها إلى وصيفتها، الآنسة لاوسون. قالت أراندل: كيف وزعت الغرف على ضيوفنا يا آنسة لاوسون؟ فقالت لاوسون: لقد خصصنا غرفة للدكتور تانوا وزوجته بيلا، وللآنسة تريزا في الغرفة الزرقاء، أما السيد شارل فسأتركه في غرفة الأطفال. 

 قفزت إلى ذهن الآنسة أراندل الوصية التي حررتها منذ أعوام... لقد أوصت فيها للخدم وللأعمال الخيرية بقدرٍ ضخمٍ من المال، على أن تقسم ثروتها الطائلة الباقية بالتساوي بين أقاربها الثلاثة: ولديْ أخيها شارل وتريزا، وابنة أختها بيلا. ومضت تسائل نفسها عما كان هناك وسيلة تحول دون زوج بيلا اليوناني والإستيلاء على ثروة زوجته وتبديدها. 

وأخيراً وصل الأقارب. تأملتْ إميلي في ابنة أخيها تريزا، إنها تبدو متعبة ومنهكة. ثم نظرت إلى بيلا المولعة بالثياب، ولكنه لسوء الحظ كانت متجردة من سلامة الذوق وحسن الإختيار. أما شارل فقد كان يلاعب الكلب بوب. وفي المساء اجتمعوا حول مائدة الطعام يترقبون وصول شارل. ولما جاء قال مُعتذراً: آسف يا عمتي لتأخري، ولكن كلبك اللعين، بوب، كاد يتسبب في دق عنقي... لقد ترك كرته عند رأس الدرج فدست عليها وانزلقتْ قدمي وكدت أن أسقط إلى أسفل السلم وتدق عنقي. قالت الآنسة لاوسن للآنسة إميلي أراندل: إن أقرباءك قومٌ لطافٌ. فقالت أراندل: إنهم يتلطفون معي بقدر ما يطمعون في انتزاع شيء من المال مني. إنهم حريصون على زيارتي في الأعياد لكي يطلبوا مني شيئاً من المال. وبالفعل، كان شارل أول من طلب من عمته بعض الأموال، ولكن إميلي صدته وقالت له إنها لن تعطيه ولا حتى بنساً واحداً. 

كان الباب الخلفي للبيت مفتوحاً، والآنسة إميلي أراندل واقفة تلاعب كلبها بوب. كانت الساعة السادسة والنصف مساء عندما توقفت إميلي عن ملاعبة كلبها، ثم صعدت إلى مخدعها، وبوب وراءها، وارتمت متهالكة على الأريكة. تنهدت الآنسة إميلي أراندل في ارتياحٍ ظاهر، فاليوم هو الثلاثاء، وغداً يرحل ضيوفها جميعاً وتستريح. كان الدكتور دونالدسون مدعواً لتناول العشاء معهم في تلك الليلة، فقد كانت تريد أن تدرسه عن كثب، فقد بدا لها غريباً أن تتزوج تريزا اللعوب الطائشة بهذا الطبيب الجامد. 

بعد العشاء، ذهبت إميلي إلى غرفتها للنوم. أخذت تفكر في خطيب ابنة أخيها، الدكتور دونالسون،... إنه شاب لا يقرب الشراب، في حين أن خطيبته لا تبعد الكأس عن شفتيها، فكيف قام الحب بينهما. فتريزا كأخيها شارل تحب الشراب. ها هي الساعة تدق الواحدة بعد منتصف الليل، ولكن النوم يجافيها. لذا قررت أن تهبط إلى الطابق السفلي لتشغل نفسها بأي شيء. أخذت تخطو هابطة إلى الأسفل. وفجأة تعثرت بشيء ما، وعجزتْ عن أن تحفظ توازنها، فوقعت على الأرض، وبدأت تتدحرج على الدرجات إلى الأسفل. وترددت صرختها في أرجاء البيت، فأيقظت النيام. تجمع الجميع عند البسطة العليا للسلم. كانت إميلي مكومة في أسفل السلم، توشك أن تفقد وعيها. حينها قال شارل: إنها كرة الكلب الملعون بوب! لا بد أنها داست على كرة الكلب فاختل توازنها. حينها قام الدكتور تانوا بفحصها، ثم قال: إنها بخير... لا تقلقوا... لم تُصب بأي كسر. 

حملها الدكتور إلى مخدعها. أطبقت عينيها، وراودها النعاس. أفاقت على صوت نباح الكلب في خارج البيت. إذن فقد أمضى بوب الليلة خارج الدار! حينها تذكرت إميلي أنها لما وقعت لم تطأ على كرة بوب على الإطلاق. إنها لم تشعر بشيء مستدير تحت قدمها ولكنها تعثرت في شيء آخر! -

يوم الأربعاء رحل الضيوف جميعهم كما كان مقرراً. وفي يوم الجمعة، كتبت إميلي خطاباً إلى محاميها، ويليام بيرفيس، كما كتبت خطاباً إلى رجل البوليس السري الشهير هيركيول بوارو. 

لم أعرف هذه الوقائع التي سردتها إلا بعد أن أتم بوارو استجواب العديد من الناس. استلم بوارو الخطاب الذي بعثته الآنسة إميلي أراندل، وقرأه مرتين ثم أعطاني إياه. كان الخطاب كالتالي: عزيزي السيد بوارو، بعد الكثير من التردد رأيتُ أن أبعث إليك بهذا الخطاب راجية أن تمد يد العون لي. إنني في دوامةٍ مزعجة، وقد خطر لي أنك يمكن أن تقوم ببعض التحريات لحسابي. إنني أشعر بقلقٍ إزاء الأحداث التي مرت بي، وقد أخفيت الأمر عن الناس؛ لأني لا أستطيع أن أخبرهم عن شيء تافه مثل كرة الكلب. ترى هل أنا عجوز مخرفة؟ أتراني مخرفة وعلّقت كثيراً على حادث الكلب الليلة الماضية؟ إني بانتظارك مستر بوارو.. إميلي أراندل. 

قلت لبوارو: إنها امرأة معتوهة، ورأسها مكتظٌ بالهواجس. فقال بوارو: عزيزي هاستنجز، إن في الخطاب شيء مهم، إنها تقول عن حادث الكلب في الليلة الماضية... وتاريخ الخطاب مؤرخ في 17 نيسان. لقد انقضى ما يزيد على شهرين منذ كتابة الخطاب حتى تسلمته. إنه أمر غريب! 

ذهبنا أنا وبوارو إلى قرية "ماركت بيسنج". ذهبنا مباشرة إلى فيللا "ليتل جرين". وتفاجأنا بوجود لوحةٍ على باب الفيللا تقول: للبيع أو للإيجار. فتحت لنا الباب امرأةٌ يتراوح سنها بين الخمسين والستين تدعى إيلين. تظاهرنا بأننا نريد شراء الفيللا. فأخذتْ إيلين تطوف بنا أرجاء المنزل، وترينا غُرفه المختلفة.علمنا أن اسم المالكة للبيت هي الآنسة لاوسون، وصيفة الآنسة أراندل. حيث أن الآنسة أراندل ماتت منذ أسبوع، وأوصت بجميع ما تملكه للوصيفة لاوسون. كان الكلب يتبعنا في جولتنا في البيت. وعرف بوارو كل ما يريده عن الآنسة أراندل وأقاربها، والوصيفة لاوسون، وعن حادثة الكلب. وقد تبين لبوارو أن الكلب كان خارج المنزل في يوم حادث الكلب، وأن كرته التي يلعب بها كانت في درج المكتب. أخرج بوارو الخطاب الذي تسلمه من الآنسة أراندل وقال للخادمة إيلين: ماذا تعرفين عن هذا الخطاب. فقالت: هل أنت السيد الذي يجب أن يُوصلَ إليه الخطاب؟ فقال بوارو: نعم، أنا هيركيول بوارو. لقد وصل إليّ خطاب الآنسة أراندل بعد تحريره بزمنٍ طويل. فقالت إيلين: بعد وفاة الآنسة أراندل أخذتْ الآنسة لاوسون تفرز مقتنيات السيدة أراندل وترمي ما لا حاجة بها إليه، وكان مسند المكتب من بينها، فأخذته لأستعمله في بيتي، فوجدتُ الخطاب بين طياته ومعنونٌ باسمك، فقلت في نفسي: "من الواضح أن السيدة كانت تنوي أن تبعث به إليك ثم نسيتْ"، فقمتُ بإرساله إليك. 

 سأل بوارو: متى وقعت الآنسة أراندل من فوق السلم؟ فقالت إيلين: كان هذا في اليوم التالي لعطلة البنك بمناسبة عيد الفصح. لقد كان البيت مليئاً بالضيوف حيث رحلوا يوم الأربعاء. وفي عطلة الأسبوع التالية رجع الدكتور تانوا وزوجته السيدة بيلا، ليطمئنا على صحة الآنسة أراندل. ثم رجع السيد شارل والآنسة تريزا في عطلة الأسبوع الذي يليه... وهي العطلة السابقة لوفاة الآنسة أراندل. شكرنا إيلين وخرجنا من الفيللا. 

 عندما خرجنا من الفيللا قال لي بوارو: إن أحدهم كان يدبر جريمة قتلٍ محكمة للآنسة أراندل يوم حادثة كرة الكلب بحيث تبدو كأنها قضاء وقدر، حيث أن هناك مسماراً مدقوق في جدار السلم العلوي، ولا بد أن أحدهم قد وضع خيطاً فيه وعقَدَه حول سياج السلم في الناحية المقابلة. فإذا ما خطتْ الآنسة أراندل فوق البسطة تعثّرتْ بالخيط، وتدحرجت على درجات السلم. فهناك شخص يعلم بأن الآنسة أراندل تهبط الدرج، لتُشغِل نفسها، إذا ما أصابها الأرق. ولكن من الواضح أن الخطة فشلت، لذا أجمع الضيوف أن القصة كانت حادثة كرة الكلب. ولكن الكلب، كما علمنا، كان ليلتها خارج البيت والكرة في درج المكتب. ولو أن بوب نطق لما خرج حديثه عن توقعاتي، ولكن من المؤسف أنه شاهدٌ أخرس لا يستطيع الإفصاح عما في نفسه. إنه الشاهد الوحيد الذي يعرف الحقيقة! 

 قمنا بمقابلة الدكتور جرينجر، طبيب الآنسة أراندل، وبيبودي، صديقة إميلي الحميمة، والتي علمنا منها أن إميلي أراندل كانت تحضَرُ جلسات تحضيرٍ للأرواح. وقابلنا كذلك تيريزا أراندل وأخيها شارل. وعلمنا من شارل أنه كان يعلم بأمر الوصية الجديدة، وأن عمته أراندل قد أرته إياها.

 ذهبنا لمقابلة الآنسة لاوسون. قال لها بوارو: ، إنني شرطي سري، وقد استلمت خطاباً من أراندل، وأنا أحقق في الأمر. أصاب لاوسون الدهشة! قال بوارو: هل صارحتكَ الآنسة أراندل بالأسباب التي جعلتها تغير وصيتها؟ فقالت لاوسون: لم أكن أعرف بهذه الوصية على الإطلاق... لقد كانت الوصية مفاجأة مذهلة لي. وفي الواقع إنني أشعر أني لا أستحق هذه الثروة. ولكن أعتقد أنها كانت تخشى أن يضع الدكتور تانوا، زوج بيلا، يده على الثروة. إنه رجل جشع، لقد بدد ثروة زوجته بيلا في المضاربات. أما تريزا فقد كان لديها ما يكفي من المال، وهي فتاة طائشة تبدد دخلها على الثياب والسهرات. أما شارل فهو لا يستحق أي شيء... إنه شابٌ عربيد متلاف، ثم كيف توصي له وقد هددها بأن يزيحها من الطريق إن لم تعطه بعض الأموال. 

انطلقنا بعد هذا بسيارتنا لمقابلة بيلا وزوجها تانوا. بدأ بوارو قوله لبيلا: إنك تعلمين أن عمتك حرمتكم من الميراث، وأوصت بكل شيء للآنسة لاوسون. كيف كان سلوكها حيالكِ؟ فقالت بيلا: لقد ضايقني هذا التصرف. لقد ظلمتنا جميعاً. لقد كان سلوكها معي جميلاً حتى أنها أهدتني دبوساً من اللآليء. ولما جاء الدكتور تانوا أخبره بوارو بسَعْي شارل وتيريزا إلى إلغاء الوصية. فقال الدكتور: إنها قضية خاسرة، ولكن لا بأس من المحاولة. إن الآنسة لاوسون كانت تتسلط على المرأة العجوز بواسطة الأرواح. سأله بوارو عن زيارته للآنسة أراندل لوحده. فقال الدكتور: كنت أمنّي النفس بالحصول على قرض، ولكني فشلت في مهمتي. فقالت بيلا: أحقاً ذهبتَ وحدك لتزور عمتي؟ فقال تانوا: ما أضعف ذاكرتك يا بيلا! لقد حدثتك بأمر هذه الزيارة... ولكني لم أمكث سوى نصف الساعة. 

عندما أنهينا تحرياتنا، وقابلنا أقارب الآنسة أراندل قال بوارو: إن الجميع مشتبهٌ بهم. إنني أخشى أن تقع جريمة قتلٍ أخرى... إن القاتل الآن هاديءٌ ساكن، كالحية النائمة، ولكن إذا أثارته تحرياتنا، فقد يتحرك، ويقتل. إنني أتوقع أن تكون هناك ضحية أخرى. 

عدنا إلى بيت بوارو. وجدنا شارل في انتظارنا. وكان يحمل إلينا خطاب تزكية للمحامي بيرفيس، الذي سنقابله لاحقاً. قال له بوارو: هل صحيح أنك هددت عمتك بأن تزيحها من الطريق؟ فقال شارل: سأصارحك بكل شيء... لقد طلبتُ من عمتي قرضاً ونحن في بيتها ولكنها رفضت. فقلت لها: إن كل أقاربك في فقرٍ مدقع، وهم يتطلعون إليك طامعين فيكِ، ولكنكِ ترفضين مساعدتهم، وهذه هي الطريقة التي يُعرّض بها الناس أنفسهم للقتل، فإذا أزاحك أحدهم من الطريق فلا تلومي إلا نفسك. ولكنها تطلعت إليّ ثم قالت: أهذا هو رأيك يا شارل؟ فقلت لها: نعم، ونصيحتي أن تبذلي لمن حولك شيئاً من مالك. فقالت لي: شكراً لك على هذه النصيحة يا شارل، ولكني أعرف كيف أحمي نفسي وأحافظ على حياتي. ولكني بعد هذا سرَقتُ من درجها خمسة جنيهات وثلاثة شلنات. لقد كنت في غاية الإفلاس وقلت إن هذا المبلغ التافه لن يؤثر في ثروة عمتي. سأله بوارو: هل من الممكن أن تَقْتل؟ فقال شارل: لا. أنا لا أقترف سوى الجرائم الخفيفة... كالنصب والإحتيال والتزوير... يجب أن تكون على يقين أنني لم أدس... توقف برهة ثم أكمل: لم أدس "الستركنين" في حساء عمتي. 

 قابلنا المحامي بيرفيس. أخبرنا بأن الآنسة إميلي أراندل طلبت منه أن يكتب لها وصيةً جديدة، وأنها كانت في كامل قواها العقلية عندما وقّعت الوصية الجديدة. رجع بوارو إلى فيلا ليتل جرين، وهناك سأل الخادمة إيلين عن الأدوية التي كانت إميلي تتناولها. فقالت إيلين: لقد كانت تتناول حبوباً بيضاء. وكذلك كبسولات جاءت بها الآنسة لاوسون، وكانت مرتاحة عليها. وقد جهّز لها الدكتور تانوا، زوج السيدة بيلا، دواءً بنفسه ولكنها لم تتناوله. سألها بوارو: ما هي أعراض المرض التي كانت تظهر على السيدة قبل وفاتها؟ فقالت: المغص.. واصفرار الوجه والعينين لاختلال الكبد وإصابته بالصفراء، ثم الهذيان. قابلنا بعد ذلك البستاني الذي أخبرنا بأنه يستعمل مبيداً للآفات الزراعية، وقد شاهدنا علبة المبيد وكانت شبه فارغة مع أن البستاني قال إنها كانت مليئة عندما سأله شارل عنها. 

انتقلنا بعدها لنحقق مع الصيدلي في الصيدلية القريبة من البيت. قال بوارو:هل تعرف الدكتور تانوا؟ فقال الصيدلي: إنني أعرفه... هذا الطبيب اليوناني... لقد جاء مرة وتولى بنفسه تركيب دواء للآنسة أراندل... والحق أنه كان دواء جديداً لم أعهده من قبل. كما أن زوجته اشترت مني مرة دواءً منوماً مزدوج المقدار... "الكلورال" فيما أذكر، وقد حذرتها من خطورته، ولكنها كانت تحمل تذكرةً من زوجها الدكتور تانوا. =طلبت الآنسة لاوسون من بوارو أن يلتقي بها في ليتل جرين. وهناك أخبرها بوارو بأن الخطاب الذي تلقاه من الآنسة أراندل كان بشأن الحادث الذي وقع لها. فالآنسة أراندل وقعت بسبب اصطدامها بالخيط الذي كان مشدوداً عبر البسطة، وليس بسبب كرة الكلب بوب. فقد وجدتُ مسماراً مدقوقاً في جدار السلم، وما زال جزءٌ من الخيط ملفوف عليه. فقالت الآنسة لاوسون: لقد تذكرت شيئاً هاماً؛ يوم عطلة البنوك... صحوت على صوت دقات خفيفة، وكان باب غرفتي موارباً، فنظرت إلى المرآة والتي تكشف السلم، فرأيت الآنسة تريزا منحنية على الأرض فوق الدرجة الثالثة، ثم ما لبثتْ أن نهضتْ واقفة وذهبتْ. فقال بوارو: أمتأكدةٌ أنت من أن التي رأيت صورتها في المرآة هي الآنسة تريزا؟ هل رأيتِ وجهها. فقالت لاوسون: إنني لم أر وجهها، ولكني رأيت روبها المنزلي الأخضر، وكان فوق صدرها الدبوس الفضي المحفور عليه الحرفان الأولان من اسمها: ت. أ. 

رجعنا إلى بيت بوارو في لندن. وهناك كان الدكتور تانوا ينتظرنا في البيت. فقال الدكتور: إن زوجتي، بيلا، اختلت أعصابها... إنها في حالة انهيارٍ عصبي، ولا أدري ما الذي دهاها. فقال بوارو: وما شأني أنا بهذا؟ فقال الدكتور: إنها تعتقد أنني أريد أن أقتلها. والآن لم أجدها في البيت لذا حضرتُ إليك لأرى إن كانت جاءت عندك. فقال بوارو: كلا، لم تأتِ لعندي. ولكن هل وصفتَ لزوجتك منوم الكلورال؟ فقال الدكتور: كان هذا منذ فترة طويلة، ولكنها لم تصرفه لأنها تكره الأدوية المنومة. 

بعد أن تناولنا الغداء، ذهبنا للقاء تريزا. قال لها: هل حدث إنك في ليلة عطلة البنوك، قبل وقوع الآنسة أرندال، كنتِ راكعةً فوق درجات السلم العليا، وذلك بعد منتصف الليل؟ فقالت تريزا: ولماذا بحق السماء أركع على درجات السلم؟ ولكن ما هدفك من وراء السؤال؟ فقال بوارو: لقد دق أحدهم مسماراً في الجدار عند رأس السلم، ودهنه بطلاء بني حتى يحاكي لون الجدار. وبالتالي يوم الثلاثاء مساءً ربط أحدهم خيطاً في المسمار ثم وصله مع سياج السلم عبر البسطة، فكانت النتيجة أنْ تعثرت الآنسة أراندل في الخيط، واختل توازنها، فتدحرجت على السلم إلى أسفله، وكادت تُدق عنقها. فقالت تريزا: ولكني طوال إقامتي عند عمتي كنت لا أغادر غرفتي أبداً حين آوي إلى الفراش. فقال بوارو: لقد شاهدتك الآنسة لاوسون، وعرفتك من الحرفين الأولين المحفورين على الدبوس الذي على روبك الأخضر. فقالت تريزا: إن الآنسة لاوسون إما كاذبة، أو أن بصرها خدعها. طلب منها بوارو أن تأتيه بالدبوس ليراه، ففعلت ذلك. 

قال لي بوارو بعد أن غادرنا بيت تريزا: المرآة تعكس الصورة مقلوبة، فالسيدة لاوسون قرأت على المرآة حرفين ت. أ. وأقسمت أنها تريزا أراندل. فهتفتُ في دهشة: يا إلهي، إذن فصاحبة الدبوس لم تكن تريزا أراندل وإنما امرأة أخرى يبدأ اسمها بالحرفين أ. ت. !!! ذهبنا إلى مسكن الآنسة لاوسون في لندن. وتفاجأنا بوجود السيدة بيلا تانوا عندها. وقد قررت بيلا أن تهجر زوجها. ولما قابلنا بيلا أخبرتنا بأن زوجها هو الذي قتل عمتها ولكنها تفتقر إلى الدليل، وتعتقد أنه قام بذلك يوم زارها وحده دون علمها. 

 في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي اتصلت بنا الآنسة لاوسون وقالت: لقد ماتت بيلا! لقد تناولت قدراً مضاعفاً من دواءٍ منوّم فماتت. حينها قال بوارو: لقد انتحرت! في الساعة الحادية عشرة صباحاً، كان خمسةٌ من أفراد الأسرة مجتمعين في فيللا ليتل جرين، وهيركيول بوارو يتصدر القاعة. كانت تريزا وشارل، والدكتور تانوا، والآنسة لاوسن، والدكتور دونالدسون خطيب الآنسة تريزا. 

 تنحنح بوارو ثم قال: لقد اجتمعنا هنا للتحقيق في وفاة الآنسة أراندل. كانت الظواهر تشير إلى أن الآنسة أرندال ماتت ميتة طبيعية، ولكنها كانت قد بعثت لي خطاباً بعد حادثة كرة الكلب التي تزعم العائلة أنها تعثرت بها. وهذا يدل أنها لم تمتْ ميتة طبيعية! لقد أدركتْ الآنسة أراندل أن هناك شخصاً يحاول أن يقتلها فبعثت لي بخطاب، وقررت تغيير وصيتها. كانت ترتاب في كل أفراد العائلة لذا حرمتهم من ميراثها. وفي الواقع فإن شكوكها اتجهت نحو شارل لأنه شاب مستهتر، لا يتورع عن عمل أي شيء من أجل المال. ولكن جرائم شارل تقتصر على أشياء تافهة مثل التزوير والإختلاس وإصدار شيك بلا رصيد، كما أن شارل علِمَ بأمر الوصية الجديدة، وعلِمَ بأنه لن يستفيد شيئاً من وفاة عمته، فلماذا يقتلها! 

 لقد استبعدتُ الخادمتين من دائرة الإشتباه، فعقليتهما لا تسمحان لهما بتدبير هذه الجريمة. وكذلك استبعدتُ الآنسة لاوسون لأنه ليس لها مصلحة في ذلك، بالإضافة أنها لم تكن تعرف شيئاً عن الوصية الجديدة. ثم اتجهتْ شكوكي إلى بيلا تانوا. وبدأت أحلل شخصيتها. فتبين لي أنها تكره زوجها؛ لأنه كان السبب في حياتها الحافلة بالملل، كما أنه أخذ مالها وخسره في المضاربات. وكان هناك بصيصُ أملٍ لكي تحيا حياة مترفة وهو موت عمتها وأن ترثها. وهكذا وثبتْ فكرة الجريمة إلى ذهنها. وبما أن زوجها طبيب، فقد كانت بيلا على درايةٍ بأنواع السموم. واختارت الفسفور لأن أعراض تناوله تشبه أعراض مرض عمتها وهو مرض الصفراء. ولكن قبل هذا حاولت أن تقتل عمتها عن طريق الخيط، ولكنها فشلت. وقد ذكرت لي الآنسة لاوسون أنها رأت الآنسة تريزا راكعة فوق درجات السلم، وأنها تعرفت عليها من الحرفين الأولين من اسمها المحفور على الدبوس المُثبّت بصدر روبها الأخضر. والحرفان اللذان رأتهما الآنسة لاوسون هما ت. أ. ولكن فاتها أن المرآة تعكس الصورة وتقلبها، فالحروف الأصلية هما أ . ت. فمن هي المرأة صاحبة الدبوس المحفور عليه الحرفان أ.ت؟! 

في الحقيقة أن بيلا هو اسم تدليلٍ ل أرابيلا، وبالتالي فإن الحرفين أ. ت. يرمزان لإسم بيلا الحقيقي وهو أرابيلا تانوا. ولما علمتْ السيدة بيلا أني أقوم بتحري هذه الجريمة، وعرفتْ بأني سأكشف عن اسم القاتل اليوم، خافت وأدركت أن سرها قد انكشف، فتناولت جرعة كبيرة من الكلورال، وماتت منتحرة لتتفادى دخول السجن. 



                                        النهاية.