الأربعاء، 18 سبتمبر 2019







تلخيص رواية:  
في النهاية يأتي الموت: أجاثا كريستي. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان. 

وقفت رينيسنب تنظر إلى النيل، وسمعت من بعيد صوت أخويها يحموس وسوبك يتناقشان حول السدود وحاجتها إلى تدعيم وتثبيت في بعض الأماكن. كان يحموس الإبن الأكبر في العائلة، وأثناء غياب والده في الولايات الشمالية كانت أمور المزارع في يده. أخذت رينيسنب تتذكر زوجها الشاب خاي الذي مات بعد ثمانية أعوام من زواجهما، ها هي الآن عادت إلى بيت أهلها أرملة مع ابنتها تيتي. 

دخلت رينيسنب إلى البيت وتناهت إلى مسامعها الأصوات القديمة المألوفة: أصوات ساتيبي وكيت تتجادلان كعادتهما. ساتيبي هي زوجة يحموس المستبدة والقاسية، وحادة اللسان، أما كيت فهي زوجة سوبك الوسيم المرح، وكان صوتها هادئاً وعنيداً. 

جرت استعدادات كبيرة لاستقبال الوالد إمحوتب. تم طبخ العديد من أرغفة الخبز في المطبخ. وشُوي البط، وانتشرت رائحة الشومر والثوم والتوابل. وقبل الليل وصل إمحوتب إلى الشاطيء وأخذ يلوح بيده إلى العائلة. وركضت رينيسنب إلى أبيها وطوقت عنقه بإكليلٍ من الزهور. 

وبعد أن انتهت التحيات وطقوس اللقاء وخفتت الأصوات، قال إمحوتب: اشتقت إليكِ يا أمي إيزا، وإليكَ يا عزيزي يحموس، ويا إبني سوبك، ويا إبني آيبي. واشتقت إلى ابنتي رينسينب، وإلى ابنتيَّ ساتيبي وكيت، وإلى مدبرة المنزل المخلصة حينيت. وسعيد أيضاً لرؤية حوري... مساعدي القدير. المهم لديّ بعض الأخبار لكم. كما تعلمون، فقد كنت رجلاً وحيداً لسنواتٍ عدة. فزوجتاي أم يحموس وأم آيبي قد ماتتا، واليوم سأقدم لكم جاريتي نوفريت. ستكون أختاً لكما يا ساتيبي ويا كيت، وستحبونها لأجلي. كانت نوفريت امرأة جميلة ومغرورة في التاسعة عشرة من عمرها. 

 ذهب إمحوتب للسلام على أمه إيزا. فقالت له أمه: لقد سمعت أنك عدت ولكن ليس وحيداً؟ قال إمحوتب: هل من غير المألوف أن يحضر الرجل جاريته إلى بيته؟ قالت إيزا: بل إنه مألوف تماماً، فالرجال عادة ما يكونون حمقى. فزوجتك ستسبب مشكلات في البيت. وتذكر يا إبني أن أوصال النساء الجميلة تجعل من الرجال حمقى، وعجباً كيف يتحولون في طرفة عين إلى أحجار عقيقٍ فقدت لونها. ثم شحب لون إيزا وقالت: في النهاية يأتي الموت، كهيئة الحلم، قليلاً، تافهاً! 

قالت ساتيبي لزوجها يحموس: هل تحدثت مع والدك في أمر الشراكة؟ قال يحموس: لم يكن الوقت ملائماً. قالت ساتيبي: إنك تخاف من والدك! أنت جبان كالنعجة، أنت ضعيفٌ أمامه ولن تقف في وجهه. قال يحموس: لقد بدأتُ بالحديث معه ولكننا قوطعنا من قبل نوفريت. فقالت ساتيبي: من الواضح أنها سيئة السلوك والتربية، فهي لا تحترم أحد منا . وسننتظر فرصتنا أنا وكيت عندما يسافر والدك ثانية إلى عزباته في الشمال.

 في اليوم التالي جلس إمحوتب مع مساعده حوري للتباحث في شؤون العمل. قال حوري: عندما تكون غائباً يجب أن يكون هنا شخص له سلطة حقيقية. يجب أن تُعيّن أحداً من أبنائك شريكاً لك بصك قانوني. فقال إمحوتب: من تقترح من أبنائي؟ سوبك قوي ولكنه متمرد، ولا أستطيع الثقة به لأنه متهور. ويحموس مطيع ولكنه ضعيف، وآيبي صغير، وأتمنى لو كان أكبر قليلاً. فقال حوري: إن ابنك الأكبر، يحموس، مطيع محب. ومن الخطورة أن تسلم السلطة لفتى صغير. 

كانت رينيسنب تتمشى على الشاطيء بلا هدف عندما سمعت صراخاً وجلبة وأناساً يركضون نحو المرسى. كان هناك قارب وعليه فتى وسيم. قال هذا الفتى إنه قادم من ممفيس في الشمال ويعمل كاتباً في أملاك إمحوتب واسمه كاميني. كان هذا الشاب قد كشف تزويراً في حسابات العمل، لذا أراد أن يحضر شخصياً من ممفيس كي يخبر السيد بالأمر. فأعد إمحوتب ترتيباتٍ سريعة للمغادرة. حينها قالت نوفريت: لن تغيب طويلاً؟ فقال إمحوتب: ثلاثة أشهر وربما أربعة. ولكني أمرت يحموس وكل أبنائي أن يقدموا الرعاية والإهتمام لك. قالت نوفريت: بمن يمكنني أن أثق تماماً؟ قال إمحوتب: يمكنك أن تثقي بحوري؛ إنه ساعدي الأيمن في كل شيء، وأيضاً كاميني، وسآمره أن يضع نفسه تحت خدمتك، فإنْ كانت لديك أي شكوى فسيكتبها ويرسلها لي. 

اعتادت رينيسنب أن تذهب إلى الضريح يومياً. وفي أحد الأيام وجدت حوري هناك لوحده. قالت رينيسنب: إنني خائفة من الذي يحدث الآن في المنزل. لقد أتى الشر من الخارج! وأنا أعلم من أتى به، إنه نوفريت. فالمشاكل تبدأ بتأثير الأشياء التي تقولها. رأت رينيسنب سوبك يتكلم إلى نوفريت ثم تركها وانضم إليهم. قال سوبك: أتمنى لو أن تمساحاً يلتهم هذه المرأة! لقد كان والدي غبياً حين اتخذها جارية له. لقد أهانتني. إنها كالأفعى... أود أن أقتلها. 

 حلمت رينيسنب حلماً رأت فيه أفعى تتحول إلى كائن حيّ هو نوفريت. وفي الصباح قادتها رجلاها إلى النيل. رأت نوفريت هناك تحدق إلى القوارب. مشت رينيسنب ببطيء باتجاه نوفريت حتى أصبحت بجانبها. قالت لها: هل يختلف هذا المكان عن المكان الذي أتيت منه؟ لا بد أن هذا المكان ممل لك هنا؟ فقالت نوفريت: والدي تاجر في ممفيس، والجو هناك حافل بالتسلية والمرح. المكان هنا ميت، لا شيء سوى الحراثة والحصاد والرعي. فقالت رينيسنب: أنت تكرهيننا جميعاً. أنا أعرف السبب. لم نكن لطفاء معك. هل من الممكن أن نكون أختين معاً؟ فقالت نوفريت: إذهبي، أنتم جميعاً أغبياء. ثم دارت نوفريت وركضت باتجاه المنزل وتبعتها رينيسنب ببطء. وما أن دخلت نوفريت إلى البيت حتى جاءت إحدى بنات كيت الصغيرات تركض عبر الممر تلحق بالكرة، فدفعت نوفريت الفتاة دفعة قوية جعلت الفتاة تنبطح على الأرض. وأخذت الفتاة تنتحب فركضت إليها رينيسنب ورفعتها وهي تقول بغضب لنوفريت: يجب أن تكوني أكثر لطفاً بالأطفال. لقد جرحت ذقن الطفلة. حينها جاءت كيت تركض، وقالت لنوفريت: أنت شيطان وأفعى. ثم رفعت كيت يدها ولطمت نوفريت على وجهها. فهتفت رينيسنب: كيت لا ينبغي أن تفعلي هذا. فقالت نوفريت: شكراً كيت! ثم ذهبتْ نوفريت إلى داخل المنزل. 

طلبت نوفريت على الفور من كاميني أن يكتب رسالة بما جرى إلى السيد. فتمنّع كاميني في البداية، فهددته نوفريت. فقال كاميني: سوف أفعل ما تطلبين يا نوفريت، ولكني أظنك سوف تندمين. فقالت: هل تهددني يا كاميني؟ فقال: بل أحذرك! 

جاءت الرسالة سريعة كالسهم. نظر يحموس وسوبك وآيبي إلى بعضهم البعض مذهولين لا يكادون يصدقون ما يقرؤه حوري: ألم أخبر يحموس أنني أحمّله المسؤولية إن أصاب جاريتي أي سوء؟ إنكم أعدائي وأنا عدوكم، ولن أعيش معكم في بيت واحد ما دمتم لم تحترموا نوفريت. لم تعودوا أبنائي من دمي، لقد سببتم الأذى لجاريتي، وسوف أطردكم من منزلي، ولن أعيلكم بعد الآن. حوري العزيز، أرجو أن تحضّر صكاً قانونياً لتشاركني جاريتي نوفريت كل أملاكي كزوجة، ولن أشرك يحموس أو سوبك معي. وأما آيبي فهذه الرسالة تحذير له. 

حينها صاح سوبك بغضب: ماذا سمع والدي؟ من كان يحمل الأخبار الكاذبة إليه؟ لقد سحرته تلك الأفعى. قال يحموس: هذا أمر لا يُصدّق. وصرخ آيبي: والدي مجنون! لقد خضع لهذه المرأة وانقلب علينا. سمعوا ضحكة ساخرة. كانت ساتيبي واقفة تنظر إليهم، وقالت: أنتم لستم رجالاً. يحموس ليس رجلاً وأنا أعرفه ،ولكن أنت يا سوبك، أليس لديك حل؟ سكينٌ تُغرس في قلبها ولن تستطيع تلك الفتاة إيذاءنا بعد ذلك.. فقال يحموس: لن يسامحنا والدي أبداً! حينها قالت كيت: إن ما تقوله ساتيبي صحيح. هل ستجلسون هنا دون أن تفعلوا شيئاً؟ إن لم تفعلوا شيئاً فسأفعل أنا. ثم خرجت هي وساتيبي. حينها نهض سوبك وهو يقول: سوف أفعل شيئاً ما، وسوف أستمتع بفعله! 

خرجت رينيسنب على الفور إلى نوفريت وقالت: يجب أن تكوني حذرة... يجب أن تحمي نفسك جيداً! فقالت نوفريت: إذن فقد بدأت الكلاب بالنباح! والدك سينتقم لي إن قام أحد بإيذائي. لقد كانوا يلعبون لعبتي طول الوقت. فقالت رينيسنب: لقد خططت لكل شيء يا نوفريت. أظن أنك شريرة. 

أمضت رينيسنب ظهر ذلك اليوم تلعب مع الأطفال. ولما دخلت المنزل لم تجد أحداً فيه. فسألت حينيت عن أهل البيت وعن نوفريت فقالت حينيت: لا أعلم مكانهم، أما نوفريت فقد ذهبت إلى الضريح. حينها ذهبت رينيسنب إلى الضريح، وكانت ساعة الغروب على وشك البدء. قابلت، في الطريق، ساتيبي وكانت مضطربة جداً. طلبت منها ساتيبي أن تعود معها إلى المنزل، ولكن رينيسنب أصرت على الذهاب إلى الضريح. وهناك وجدت نوفريت ممددة على وجهها وجسمها مكسر وملتوٍ وعيناها كانتا مفتوحتين. فقالت ساتيبي التي كانت خلفها: لا بد أنها وقعت! 

جلس إمحوتب قبالة أمه إيزا قائلاً بغضب: كلهم يروون نفس القصة. ولكني قلق أن يكون هذا الشيء حصل كردة فعل على خطابي. لقد كتبتُ الخطاب في ساعة غضب وكانت عائلتي تحتاج إلى أن تتعلم درساً قاسياً. إن الجميع يقول إن موت نوفريت كان حادثاً. 


انتهت مراسم دفن نوفريت، وتُليت التعاويذ، وأغلق باب القبر عليها. مضت رينيسنب إلى جدتها إيزا وقالت: إن ساتيبي تغيرت جداً فهي خانعة للغاية. فقالت إيزا: أتمنى أن يكون يحموس قد عقل أخيراً وأوسعها ضرباً، فهذا ما تحتاجه؛ فهي من النوع من النساء الذي يستمتع بذلك ولا بد أن يحموس بخنوعه وضعفه كان تجربة كبيرة بالنسبة إليها. 

جلست رينيسنب بالقرب من البحيرة. كان الإضطراب والغموض يلف عقلها ونفسها. جاء حوري وجلس بالقرب منها وقال: فيم تفكرين؟ قالت: في زوجي خاي. ثم سألته: ماذا يحدث للمرء عندما يموت. قال حوري: لا أعلم. إسألي أحد الكهنة. ثم مشيا سوية إلى المنزل. شاهدا يحموس وساتيبي ينزلان عائدين من الضريح. كانا يهبطان من الممر العلوي. وأدركت رينيسنب فجأة أنهما يقتربان من البقعة التي سقطت منها نوفريت، وكانت ساتيبي متقدمة ويحموس يمشي خلفها بقليل. وفجأة استدارت ساتيبي لتكلم يحموس. وفجأة تصلبت في مكانها وتجمدت وهي تحدق إلى الممر خلف يحموس، وارتفعت ذراعها كانها قد رأت منظراً فظيعاً أو لكي تحمي نفسها من ضربة. وصرخت بشيء ما، ثم تعثرت وتمايلت، ثم أسرع يحموس نحوها... وسُمعت صرخة رعب، واندفعت نحو الهاوية متجهة نحو الصخور تحتها. 

راقبت رينيسنب سقوطها بدهشة... كانت ساتيبي مستلقية جثة مكشرة كما كانت نوفريت من قبل! أسرعت رينيسنب نحو ساتيبي، وكان يحموس يجري عبر الممر. وصلت رينيسنب إليها. كانت ساتيبي ترتعش وشفتاها تتحركان. وأتى صوت المرأة المحتضرة تقول: نوفريت!! 

 قالت رينيسنب لحوري: أيمكن أن تكون ساتيبي هي من قتلت نوفريت؟! لقد كنت واثقة أن سوبك هو من فعلها لأنه قال إنه سيفعل شيئاً. 

عاد الجميع إلى البيت من المحكمة، وتم تصديق صك مشاركة يحموس وسابك لأبيهم في ممتلكاته. وتم استثناء آيبي لصغر سنه. وقال إمحوتب ليحموس: يجب أن تنسى حزنك على ما فقدت يا بني، ولتفكر فقط في الأيام الجيدة القادمة، فليس في الحياة سعة لحزن طويل. ثم شرب سوبك ويحموس وإمحوتب وحوري الشراب. ثم جلس يحموس وسوبك في الشرفة يشربان ويتحدثان. وفجأة شعر يحموس بالألم، وبدأ يعرق. وكذلك تصلبت ذراع سوبك وانحنى جسده إلى الأمام بتأثير موجة من الألم، وشهق: يحموس، أنا أيضاً... انحنى يحموس إلى الأمام، وخرجت منه صيحة مكبوتة. كان سوبك يتلوى من الألم وهو يصيح: النجدة! حينها أسرعت حينيت نحو الأخوين اللذين كانا يصرخان من الألم. 

أخذ إمحوتب يذرع المكان جيئة وذهاباً في قاعة المنزل. سألته رينيسنب: ماذا قال الطبيب يا أبي؟ فقال إمحوتب: ربما ينجو يحموس، أما سوبك... 

 توفي عند الفجر سوبك حيث لم يستطع الطبيب إنقاذه، بينما تم إنقاذ يحموس الذي كان قد شرب كمية قليلة من الشراب المسموم. قال الطبيب: سيشفى ابنك يحموس يا إمحوتب، إنه ما زال ضعيفاً ولكن زال خطر السم. فقال إمحوتب للطبيب: لا أحد يجرؤ أن يضع السم لأبنائي، هذا مستحيل! قال الخادم عندي قصة أريد أن تسمعها. طلب إمحوتب من خادمه أن يأتيه بالراعي. جاء راعي الحقول وكان قليل العقل بطيء الفهم فقال: كنت ألحق البارحة بالحمار اللعين الذي عبر أمام بوابة الفناء الكبيرة، ونظرت من البوابة إلى المنزل، لم يكن أحد في الشرفة ولكن كان هناك طاولة عليها إناء شراب. ثم أتت امرأة خرجت من البيت وجاءت إلى الشرفة، مشت إلى إناء الشراب ومدت يديها فوقه ثم... ثم عادت إلى المنزل. ثم رأيت سيدي يحموس يدخل إلى الفناء. 

في الصباح استدعت الجدة إيزا حفيدها آيبي وقالت له: هذا المنزل يمر بفترة حداد، فجثة أخيك سوبك لا تزال بين أيدي المحنطين. ورغم ذلك فإن وجهك مرح كأنك في يوم احتفال! فقال آيبي: أنا لست منافقاً يا إيزا، فأنا وسوبك لم نكن على وفاق. 

بدت إيزا مسرورة عندما دخلت عليها رينيسنب ومعها حوري. قالت إيزا: أريد أن أتمشى حتى البحيرة. فمشت إيزا ورينيسنب وحوري نحو البحيرة. فقالت إيزا: ما يقال هنا يجب ألا يعرفه سوى نحن الثلاثة. إنني أثق بك يا حوري، ورينيسنب هي أعز أحفادي عليّ. يجب ألا يلحق بها أي ضرر يا حوري. فقال حوري: لن يلحق بها ضرر يا إيزا. فقالت إيزا: لنتحدث بكل صراحة. لنفترض أن نوفريت قتلتها ساتيبي، وأن ساتيبي تخيلت نوفريت بعد مرور بعض الوقت وعند البقعة ذاتها، وبسبب خوفها وقعت وماتت. ولكن لنأتِ إلى افتراضٍ آخر، وهو أن شخصاً ما أراد أن يقتل اثنين من أبناء إمحوتب، فمن يكون هذا الشخص؟! أنا أعتقد أن الراعي الذي قال إنه رأى امرأة تضع سماً في النبيذ قد تم تلقينه هذه القصة. فالفتى أبله إلى الحد الذي لم يدرك فيه الهدف من القصة التي أغرِي أو ارتشي ليقولها. قال حوري: فأنت تظنين أنه يوجد بين ظهرانينا من يدس السم؟ قالت إيزا: نعم. وإني أرى في تسميم يحموس وسوبك فائدة لشخص واحد وهو آيبي! ولكن كل هذه شكوك. 

في اليوم التالي تم العثور على آيبي في البحيرة ممدداً وقد فتح ذراعيه ورجليه ووجهه إلى الأسفل في الماء، حيث أمسكت يد برأسه في الماء حتى اختنق ومات!!! جلس إمحوتب شارد الذهن، يبدو كأنه كبر سنوات عدة... رجل عجوز محطم تبدو عليه ملامح الفجيعة والدهشة! قال إمحوتب لنفسه بصوت مسموع: لا بد أن كل هذا الذي يحدث هو لعنة نوفريت، تلك الفتاة الملعونة وجمالها... أتمنى لو أنني لم أرها! دخلتْ عليه إيزا وقالت: دعك من هذه الخرافات، كيف تفعل روح فتاة ميتة كل هذا الشر؟ إن اليد التي أغرقت آيبي يد حية لا ميتة، وكذلك اليد التي وضعت السم في شراب يحموس وسوبك. إن لديك عدواً يا إمحوتب؛ نعم، عدواً في هذا المنزل. فقال إمحوتب: كيف يكون في هذا المنزل عدو ولا نعرفه؟ فقالت إيزا: الشر مخفي داخل القلوب ولا يظهر على الوجه يا إمحوتب. =تقدم كاميني لخطبة رينيسنب. ولما شاورها والدها بالأمر وافقت بدون تردد. ولما ذهبتْ رينيسنب إلى الشاطيء وجدت كاميني يلاعب ابنتها تيتي. سألها كاميني إن كانت قد وافقت على الزواج منه فأجابته بالإيجاب. فقال لها كاميني: إنني منذ أن وصلتُ إلى هنا ورأيتك أحببتك؟ إنني منذ تلك اللحظة لم أفكر في أحد سواك، أنا أحبك يا رينيسنب وأنت تحبينني، وهذا هو المهم. 

أفاقت إيزا من نومها يراودها شعور غريب بالبرد؛ كانت قدماها ويداها متخدرة ميتة وكأن الإنقباض يتسلل إلى جسمها كله مُخدِّراً عقلها شالّاً إرادتها مُخففاً ضربات قلبها! قالت في نفسها: هذا هو الموت! موت غريب... موت غير مُتوقع... لا علامات تحذير! ثم فكرت : أهكذا تموت العجائز؟ وفي الصباح ركضت الخادمة خائفة في المنزل وهي تصيح أن سيدتها العجوز توفيت في نومها! 

كان وجه إمحوتب حزيناً لكنه غير متشكك، وقال إن أمه ماتت ميتة طبيعية بسبب كبر السن. اجتمع حوري مع رينيسنب وقال: أعتقد إن إيزا قد قُتلت، ولكن لا أعلم كيف. فقالت رينيسنب: ولكنها كانت حذرة دائماً. فقال حوري: أعتقد أن في الأمر سحراً وروحاً شريرة. فقال حوري: تظنين هذا لأنه أسهل شيء يمكننا تصديقه. ولكن إيزا قبل أن تموت قالت لي إنها تشك في شخص ولكنها لم تذكر لي أسماء. حينها قاطعت رينيسنب كلام حوري وقالت: سوف أتزوج كاميني. إنهم يظنون أن ذلك أفضل شيء. فقال حوري: أعلم. 
كان اليوم التالي هو يوم الإحتفال بالقمر الجديد. مر اليوم بطيئاً على رينيسنب. كانت قلقة تروح وتجيء من الشرفة وإليها، ثم إلى البحيرة، ثم تعود مرة أخرى إلى المنزل. وبينما هي جالسة في الشرفة، جاءت الخادمة حينيت وقالت لها: لديّ رسالة لك من حوري. إنه يطلب منك الصعود إلى الضريح قبل ساعة من غروب الشمس. حينها نهضت رينيسنب بفخر، وقد أحست بالشباب والثقة والحيوية الفائقة، بينما ذهبت حينيت إلى غرفة الملاءات لترتيبها. شعرت حينيت بحركة خلفها، ولما أدارت رأسها ألقِيَتْ عليها ملاءة كبيرة كتمت فمها وأنفها، ولُفت يدٌ حولها ولم تتركها إلا جثة هامدة. 

 جلست رينيسنب في المكان الذي طلب منها حوري أن تجلس فيه، عند مدخل الضريح. ولما طال انتظارها تساءلت في نفسها: لماذا لم يأتِ؟ ثم نهضتْ ونظرتْ حولها، ثم بدأت تنزل عبر الممر إلى الوادي في الأسفل. وكان الجو هادئاً وجميلاً. وفكرتْ: ما الذي أخّر حوري؟ فجأة سمعت أصوات أقدام تلحق بها عبر الممر. خفق قلبها بقوة من الخوف، ولكنها استجمعت شجاعتها وأدارت رأسها وهي تمشي. ثم شعرت بموجة من الإرتياح؛ فقد كان يحموس هو الذي يلحق بها. فقالت له: يحموس، أنا سعيدة لأنه أنت! 

 كان يحموس يقترب منها بسرعة، ولكنه لم يكن هذا هو يحموس الذي تعرفه، الأخ اللطيف الحنون... كانت عيناه تلمعان بشدة، وكانت يداه محنيتين قليلاً أمام جسده وأصابعه متقوسة كالمخالب. كان ينظر إليها وكانت نظرة عينيه واضحة تماماً، نظرة رجل مارس القتل من قبل ويوشك على أن يقتل مرة أخرى. 

يحموس... العدو الذي لا يرحم هو يحموس! خلف قناع الرقة والعطف الذي يلبسه هذا! فصرخت صرخة بائسة: يحموس!!! لكن نداءها كان بلا طائل؛ إذ ضحك يحموس ضحكة قصيرة شريرة، ثم اقترب منها أكثر ويداه القاسيتان بمخالبها تلتويان كأنهما تتوقان لأن تمسكا بعنقها. وفجأة سمعت صوتاً، صوتاً موسيقياً خافتاً ذا رنة. توقف يحموس، تمايل، ثم انطرح على الأرض عند قدميها وهو يصرخ صرخة مرتفعة. فحدقت إلى الأسفل في نصل السهم الذي اخترق ظهر يحموس! ثم نظرت إلى الحافة حيث كان يقف حوري والقوس ما زال على كتفه. 

أخذت رينيسنب تكرر اسم يحموس وقد شلتها الصدمة. اقترب حوري منها ووضع ذراعه حولها وقادها عبر الممر إلى المنزل. قال حوري: يحموس، كان هو الفاعل. فقالت رينيسنب: ولكن كيف؟ لقد كاد أن يموت من السم؟ فقال حوري: لا، لم يخاطر إلى هذا الحد؛ كان حذراً في كمية الشراب التي شربها. لقد تناول كمية تكفي أن تجعله مريضاً، وقد بالغ في آلامه وعرف أن هذه الطريقة التي تبعد الشكوك عنه. 

قال حوري: لقد قلتُ لكِ يا رينيسنب إن قدوم نوفريت جذب معه الشر. ولكن لم يكن ذلك صحيحاً؛ فقد كان الشر موجوداً بالأساس مخفياً في قلوب أفراد العائلة. وقدوم نوفريت أخرج هذا الشر من مخبئه. لقد هاجمتْ نوفريت الرجال الثلاثة في العائلة في رجولتهم؛ فجرحت مشاعر سوبك باحتقاره ووصفه بالغبي، وأثارت غضب آيبي بمعاملته كطفل شرس ليس فيه شيء من الرجولة، وأرت يحموس أنه أقل من رجل في نظرها! لذا عندما التقى يحموس بنوفريت عند الممر أراد أن يريها أنه قوي فدفعها إلى الأسفل. وساتيبي رأت ما جرى، وبقيت خائفة لا تعرف ما الذي ستفعله، ولذلك حاولتْ إبعادكِ عندما أتيتِ إلى هناك. قالت رينيسنب: متى علمتَ كل هذا يا حوري؟ فقال حوري: لقد علمتُ كل هذا من تصرفات ساتيبي؛ فقد كانت تتجول وهي تشعر بخوف واضح ومميت من شخص ما أو شيء ما، وقد أصبحتُ مقتنعاً بعد فترة أنها خائفة من يحموس. ولما كانت ساتيبي تتجول مع يحموس عند الضريح رأت ما رأيتِه أنت اليوم؛ رأت في وجه الرجل الذي تعيش معه نية رميها كما رمى نوفريت. ومن خوفها ابتعدت عنه فوقعت، ولما لفظت إسم نوفريت كانت تحاول أن تخبرك بأن يحموس قتل نوفريت! صمت حوري ثم أكمل: وبعدها راح يحموس للراعي وأخبره بقصة المرأة التي تضع السم في الشراب، ولم تكن هناك امرأة في الأساس بل كان هو من دس السم، ولكن الراعي كان قليل العقل وأبله فروى لنا ما رواه له يحموس. ثم قام يحموس بأعطاء الراعي دواءاً ضمِن أنه لن يستيقظ بعده أبداً. إن يحموس كان يتوق إلى العنف الذي لم يكن قادراً على تحقيقه طوال حياته. وأظن أن قتله لنوفريت أعطاه شعوراً بالقوة. لقد قتل سوبك لأنه أوسم منه وقتل آيبي لأنه أذكى منه وقتل إيزا لأنها شكّت فيه. إن القلب يا رينيسنب إذا انفتح للشر فإن الشر يزدهر فيه مثل زهرة الخشخاش بين الذرة. لقد جن يحموس وأراد أن يقتل كل من حوله. فقالت: إذاً أنت لم تبعث لي برسالة؟ فقال: أبداً، ولكني لحقتك إلى هنا لأني أحبك وأريد حمايتك، لقد أحببتك يا رينيسنب وأنت طفلة، أحببت وجهك الهاديء، ولا زلتُ أحبك. ويمكنك الآن أن تقرري إن كنت تريدين أن تكوني معي أم مع كاميني؟ قالت رينيسنب: لقد اخترت يا حوري؛ سوف أمضي حياتي معك في السراء والضراء حتى يأتينا الموت. 



                                            النهاية.