السبت، 24 أغسطس 2019


تلخيص رواية: 
 الضحية العاشرة و قصص أخرى: أجاثا كريستي. 
 إشراف وإعداد: رجاء حمدان.



الجريمة العاشرة 

 أسندتْ كتفها أليكس مارتن إلى الباب، ووقفت بثقل تراقب زوجها وهو يبتعد في طريقه إلى القرية. لم تكن أليكس ذات جمال بارع .. بل أنها لم تكن على الإطلاق جميلة . كان وجهها، وهو وجه امرأة قد تجاوز سن الشباب منذ سنوات عدة، كان يعلووجهها مسحة من الدعة والهدوء لم يعهدها زملاؤها في المكتب الذي كانت تشتغل فيه قبل زواجها. كانت أليكس قد تعلمت الكثير في مدرسة الحياة، وشقت طريقها للحياة في أوعر السبل . 

لقد تعرفت أليكس على الحب في وقت ما، وكان الطرف الآخر زميلاً لها في المكتب إسمه ديك وندفورد. وأحست المرأة بغريزتها أن ديك يحبها، إلا أنها تظاهرت بأنها لا تعرف. وكانت تريد أن تعترف بحبها له إلى أن دخل في حياتها فجأة جيرالد مارتن. كانت قد إلتقت به في منزل صديقة لها، فأحبها من النظرة الاولى حباً عنيفاً، ولم يمض بعدها أسبوع حتى طلب يدها. 

لم يخطر ببال أليكس أن هذا الحب الفجائي الجارف، وهذه الخطوبة السريعة سوف تشعلان غيرة ديك وندفورد على نحو ما حدث، فقد أتاها يوما ًوقال لها: لقد أحببتك منذ أن وقع بصري عليك.. وكنت أعتقد أنك تبادلينني نفس الشعور وتحبينني. فقالت: ذلك ما كنت أظنه أنا أيضاً. وهنا إستشاط وانفجر ديك غاضباً ، وهاج وماج وتوعد وهدد.. ثم عاد ولجأ إلى التوسل والرجاء .. ولما أحس بأن كل توسلاته قد ذهبت سُدى.. عاد من جديد إلى التهديد بقتل الرجل الذي استأثر بحبها وأخذ مكانه من قلبها . 

سرحت بخيالها وتذكرتْ لقاءها العاصف هذا بينها وبين ديك وهي واقفة بباب البيت تتبع زوجها ببصرها حتى اختفى. كانت قد تزوجت منذ شهر.. وكانت فرحة وسعيدة إلى أقصى حدود البهجة و السعادة. 
عادت أليكس إلى داخل البيت ، وفجأة رن جرس التليفون وكان ديك. قال لها: هل يمكن أن أحضر وأزوركما بعد العشاء هذه الليلة ؟ فجاوبته بحدة: كلا. لا يمكنك أن تأتي! وبعدها أغلقت الخط، وخرجت إلى الحديقة. شاهدت البستنجي وقد أتى يعمل في الحديقة، فسلم عليها وسألها متى ستعودين الى لندن. فأخبرته بأنها لاتنوي الذهاب إلى لندن، وسألته من أوحى إليك بفكرة ذهابي إلى لندن. فقال لها بأن جيرالد زوجها أخبره بأنكما سوف تذهبان إلى لندن. لم تناقش البستنجي باكثر من ذلك ، وسارت تتنقل وتتمشي في الحديقة فلاحظت وجود شئ ما بين الأشجار اقتربت أكثر فوجدت دفتراً صغيراً أسود اللون، التقطته، وعرفت أنه ذلك الدفتر الذي يكتب فيه زوجها مذكراته. فتحته، وأخذت تقلب صفحاته. كتب زوجها بتاريخ 14 من مايو: الزواج من أليكس، بكنيسة سانت بيتر، في الساعة الثانية والنصف. ومضت تقلب وتتصفح ورقات الدفتر إلى أن وصلت إلى تاريخ اليوم، وكان مكتوباً: الساعة التاسعة مساءً. ولم يكتب شئ غير ذلك. وتساءلت في حيرة : ترى ماذا كان في نية جيرالد أن يفعل في الساعة التاسعة مساء؟ 

 رجع جيرالد الى البيت قبيل موعد الغداء. أحست اليكس براحة عندما عرفت بأنه لم يقابل ديك. ثم سألته بانها قد وجدت دفتر مذكراته بين الاشجار وسألته عن الساعة التاسعة. فقال: في الواقع لقد قمت بتسجيل هذا الموعد كي يذكرني ببعض صور يجب علي أن أقوم بتحميضها.. وأريد منك أن تساعديني في هذه المهمة. كان جيرالد مارتن يهوى التصوير، وكانت لديه آلة تصوير قديمة. وقد تعود أن يقوم بتحميض الصور التي يلتقطها في حجرة قام بإعدادها في قبو البيت . قالت أليكس: إن اليوم كل شيء يزعجني، حتى البستاني العجوز جورج.. فاجأني بفكرة مضحكة وهي أننا سنرحل إلى لندن.. وقال لي إنكَ أنت من أخبرته بذلك. فسألها بحدة: أين قابلته؟ إنه عجوز أحمق وإنني لم أقل له أي شئ . فقالت أليكس: عليك الذهاب الآن إلى القبو لتحميض الأفلام فالساعة الآن أصبحت التاسعة وخمس دقائق. فأجابها في هدوء: لقد غيرت رأيي.. ولن أقوم بتحميض الأفلام الليلة. 
 بعد أيام عدة ، كانت أليكس تقوم بتنظيف غبار غرفة زوجها. وفجأة قررت فتح أدراج مكتبه لتتأكد إن كان يعرف نساءً غيرها أم لا. فلاحظت في أحد الأدراج قصاصات ورقية قديمة كانت من صحفٍ كلها تقريباً من صحف أمريكية يعود تاريخها إلى سبع سنوات مضت.. وكانت كلها تتحدث عن محاكمة رجل محتال يدعى تشارلز لومتر. وفهمت أليكس مما قرأته من القصصات ،بأن لومتر قد اتهم بقتل بعض النساء اللواتي وقعن في شباكه، وأن جثة إحدى النساء قد وجدت مدفونة في قبو منزله الذي استأجره. وقد حكمت المحكمة بسجنه عدة سنوات، ولكنه بعدها فر لومتر من السجن ولم يُقبض عليه أبداً. 

و في إحدى القصاصات وجدت اليكس صورة للمتهم ، أمعنت النظروحدقت فيها بشيء من الفضول.. كانت الصورة لرجل طويل اللحية.. وخيّل إليها أنها قد رأته من قبل ؟ وفجأة، أدركت أن الصورة تُذكّرها بوجه جيرالد.. له نفس العينين، ونفس الجبين! ووقع نظرها على العبارة التي كتبت تحت الصورة.. وفهمت من العبارة أن المتهم كان يسجل في دفتر مذكراته التواريخ بفتكه لضحاياه من النساء، وأن إحدى النساء عرفته وشهدت ضده، وقد تعرفت عليه وهو في قفص الإتهام من خلال ندبةٍ واضحة في رسغ يده اليسرى؟ وهنا ترنّحت أليكس وإهتزت الارض من تحت قدميها وسقطت القصاصات من يدها. لقد كانت هناك ندبة في رسغ يد جيرالد اليسرى!! 

دارت من حولها الدنيا . لقد أحست في قرارة نفسها وبلا شك بأن جيرالد مارتن وتشارلز لومتر هما شخص واحد. 
 كان ديك وندفورد هو أول شخص خطر في بالها وأرادت اللجوء إليه في طلب النجدة والغوث. وأحست بأنها سوف تكون الضحية العاشرة لهذا السفاح. عليها الآن وسريعاً أن تتحرك. فعليها في الحال أن تغادر المنزل قبل عودة جيرالد! 
أعادت ترتيب القصاصات كما كانت ووضعتها في مكانها وأغلقت الدرج. تناهى الى سمعها صوت صرير باب الحديقة.. فأدركت أن زوجها قد رجع. بذلت أقصى جهدها كي تبدو في حالتها الطبيعية، ولكنها أحست أنه ينظر إليها بين الفينة والأخرى من طرف عينيه. أعدت قهوتها وحملتها إلى الشرفة لشربها وقالت لزوجها بأنها ستتصل بالجزار كي يحجز لها قطعة من لحم العجول من الشواء. فأسرعت إلى التلفون واتصلت بديك وتظاهرت بأنها تتكلم مع الجزار وقالت: مرحباً، مسز أليكس مارتن تتكلم ، أريد غداً صباحاً أن تحضر لي رطلين من لحم العجول، إن الأمر هام ومستعجل جداً، إنها مسألة حياة أو موت، في الغد صباحاً.. بأسرع ما يمكن؟ 

لم ينتبه أو يلاحظ جيرالد شيئاً، أما ديك فإنه سوف يأتي إلى هنا، سواء فهم أو لم يفهم. وعندما أعلنت الساعة الثامنة والنصف قال جيرالد: لقد آن لنا الوقت كي نذهب إلى القبو لتحميض الأفلام؟ فقالت: إن الوقت ما زال مبكراً، فلننتظر حتى الساعة التاسعة؟ فقال: هيا هلمي يا أليكس، وإلا حملتك إلى القبو. فقالت: كلا! أريد أن أخبرك شيئاً. قال: هل تعترفين؟ قالت: نعم، أريد أن أعترف لك. 
أمسكت أليكس بقطعة القماش التى كانت تطرزها بين يديها . وحاولت ان تتظاهربالثبات و بالهدوء ، ولكن في داخلها كان عقلها يعمل بسرعة لتلفيق قصة تثير فضوله إلى أن تحضر النجدة. أكملت أليكس: لقد أخبرتك إنني عملت كاتبة اختزال طوال فترة 15 عاماً، ولكن تلك لم تكن الحقيقة فعلاً.. والحقيقة هي أنني قد انقطعت عن عملي مرتين.. المرة الأولى عندما التقيت رجلاً متقدم في السن، لكنه يملك ثروة صغيرة.. فأحبني، وطلب الزواج مني ، فوافقت وتزوجنا. وبعد الزواج، أقنعته بالتأمين على حياته لمصلحتي...إلا انني بعد فترة ضجرت منه ومللته ووضعت السم له في فنجان القهوة. قال جيرالد: كم كان مبلغ التأمين. قالت: نحو ألفين من الجنيهات، ولكني ضاربت به وخسرته. 

قالت كل ذلك أليكس بهدوء تام وثقة . لم يكن سبق لها وأن مثلت دوراً ، ولكنها كانت في تلك اللحظة تضاهي أعظم ممثلة كانت قد وقفت على خشبة المسرح؟ كانت بالفعل تعيش دور القاتلة ذات والقلب الأصم والضمير الميت ! 
ثم أكملت أليكس: وبعدها بعدة أشهر ، قابلتُ رجلاً آخر كان أكثر شباباً وأوفر مالاً من الزوج الأول، وكان شديد الوسامة والجاذبية ، فعقدنا قراننا دون ضجة وفي هدوء تام ، وكتب وصيته لصالحي. وقد قمت بإعداد القهوة له تماماً كما فعلت مع زوجي الأول. وقد ترك لي زوجي الثاني أربعة آلاف من الجنيهات. 
حينها فجأة إحتقن وجه جيرالد مارتن ، وفوجئت به ينظر إليها ويقول: القهوة. يا إلهي! القهوة.. لقد فهمت الآن لماذا كانت القهوة مُرّة مثل العلقم.. لقد وضعت لي السم في القهوة ؟ فارتجفت لحظتها أليكس وفتحت فمها كي تنفي التهمة عن نفسها، ولكنهاوجدت نفسها تقول : نعم.. لقد فعلتها ودسست السم في قهوتك، والسم الآن بدأ ينتشر ويسري في شرايينك. ثم هربت مندفعه إلى خارج البيت، لتسقط فاقدة الوعي ومنهارة بين ذراعي ديك وندروف. وكان بجانب ديك رجل شرطة، فطلب منه ديك أن يدخل إلى االبيت كي ينظر ما يحدث هناك . وعندما رجع الشرطي من الداخل، قال الشرطي: يوجد هناك رجلاً جالس على المقعد، وتوجد على وجهه علامات الخوف والفزع ويخيل إليّ أنه ميت! 

جريمة على الشاطيء 
إسترسل هيركيول بوارو ببصره إلى المياه الزرقاء التي تتألق تحت أشعة الشمس أثناء جلوسه على الرمال البيضاء القريبة من البحر . كان يلبس ثياباً بيضاء اللون أنيقة، ويضع فوق رأسه قبعة كبيرة عريضة.. كان واضحاً عليه وبشكل جلي أنه ينتمي إلى الجيل القديم الذي يؤمن بضرورة حجب الجسد عن أشعة الشمس، على عكس تماماً كانت الآنسة باميلا ليول التي كانت تجلس إلى جانبه ولا تكف عن الكلام. 
وكانت سوزان بليك تجلس الى جانبه الاخر ،وهي صديقة حميمة لباميلا ، مستلقية على منشفة كبيرة ووجهها إلى الأرض، وقد لوحت الشمس بشرتها بشدة ، وأكسبتها لوناً برونزياً جميلا ومتوازياً، جعل من صديقتها تختلس النظر إليها أكثر من مرة وبريق الغيرة في عينيها . 

قالت باميلا لصديقتها سوزان: لقد صدق حدسي بشأن المرأة التي شاهدناها بالأمس.. إنها هي فالنتين شانتري بشحمها ولحمها ، وقد عرفتها من الوهلة الأولى ، هي في الحقيقة رائعة. أما الزوجان اللذان أتيا إلى الفندق ليلة أمس فهما مسز ومستر جولد، والزوج غاية في الجمال والوسامة. 

وفجأة تنبهت باميلا لشئ وقالت : ها هي فالنتين شانتري. فشاهدوا امرأة طويلة القامة شديدة الإعتداد والثقة بنفسها والإحساس بجمالها. جلست المرأة على الرمال وأبرزت مفاتن جسدها. 
 كانت امرأة تبلغ من العمر التاسعة والثلاثين ، اشتهرت بثروتها الطائلة وعينيها الواسعتان الزرقاوتان وبنزواتها .. وبمغامراتها في الحب والزواج... لقد اتخذت لها عدداً لا يمكن حصره من العشاق وتزوجت خمس مرات . وكان آخر زوج لها هو ضابط في البحرية، إنه ذلك الشخص الصامت والعابس ، ذوو الفكين البارزين ، الذي أقبل يسعى خلفها. 
ثم جاء زوجان آخران هما مستر ومسز جولد. كانت مسز جولد تبدو امرأة ذات حجم صغير ، أشبه بالفأر، ولكنها لم تكن دميمة.. بل على العكس، كانت قسمات وجهها دقيقة ومتناسقة ، وذات بشرة صافية جميلة.. ولكن كان يوجد شيئاً ما في شخصها يوحي لك بأنها شديدة الخجل والإنطواء على ذاتها .. أما زوجها فكان في غاية الجمال والوسامة. كان طويل القامة ذوو أكتاف عريضة ، وكانت طريقته في الكلام تُوحي بأنه إنسان بسيط جداً ، بل إنه إنسان به شيء من الغباء. 
 نهضت ماركوري جولد إلى البحر، بينما تحركت فالنتين واستلقت على جنبها، ولم تحول عينها عن دغلاس جولد، ورسمت على شفتيها ابتسامة، فاحمرّ وجه دغلاس خجلاً وانتشر الإحمرار حتى وصل عنقه. ثم جاء دغلاس وإنضم إلى فالنتين وبدءا في الحديث مع بعضهما البعض إلا أن قدمت زوجته ماركوري وأخذته معها إلى البحر للسباحة. =حينها رسم بوارو باصبعه على الرمال مثلث فتمتمت سوزان قائلة: المثلث الخالد، الزوج والزوجة والعشيق، يبدو أنك كنتَ على حق يا مسيو بوارو، فإذا صح ذلك الأمر فإننا سوف نقضي في الأسابيع القليلة القادمة وقتاً ممتعا وحافلاً بالإثارة. 

خاب أمل بوارو في جزيرة رودس.. فقد جاء إلى الجزيرة طلباً للإستجمام وللراحة، والحصول على إجازة من القضايا . ولم يكن هناك من النزلاء في شهر اكتوبر سوى ، آل جولد، وآل شانترى وسوزان وباميلا والجنرال وأسرتان إيطاليتان أخريتان. ولكنه قال لنفسه: لا بد أنني مصاب بتلبك في المعدة حتى أتصور أموراً لا وجود لها. 

وذات صباح، نزل بوارو من حجرته ليجد مسز جولد تحيك بإبرتها في شرفة الفندق.. وعندما اقترب منها خيل إليه كأنه رآها تخفي منديلها بسرعة. كانت عيناها جافتين لادموع فيها ، ولكن كان يوجد فيهما بريق يثير الشك والريبة. وعندما أبصرته سلمت عليه وقالت: هذا يوم جميل. إنني ودغلاس سعيدان ومبتهجان إلى أقصى حد، لقد تزوجنا منذ خمس سنوات مضت ، ولكننا ما زلنا وكأننا في بداية حياتنا الزوجية. فقال بوارو: ألا تريدين السباحة اليوم ؟؟ وهل ذهب زوجك إلى الشاطيء؟ فقالت:لا .. لقد اتفقنا على القيام بجولة اليوم في المدينة وزيارة معالمها القديمة.. ولكني تأخرت في ارتداء ملابسي قليلاً.. فذهب زوجي مع مسز شانتري من دوني. فقال بوارو: وأين الكابتن شانتري؟ فقالت: إنه مع باميلا على الشاطيء. ثم نهضتْ ودخلت الفندق. بعد مضي ثلاثة أيام، أراد بوارو الذهاب إلى قمة الجبل في الجزيرة، فاستقل سيارة انطلقت به في طريقٍ دائري يتدرج في الصعود، إلى أن توقفت في النهاية أمام مطعم على أعلى القمة. نزل بوارو من السيارة، وراح يتمشى وتوغل في الغابة حتى وصل بقعة تطل على البحر. خلع معطفه وجلس. ولكن لم تمض عليه بضع دقائق قليلة حتى أبصرامرأة ضئيلة الجسم ترتدي معطفاً رمادياً وتركض نحوه. 
كانت هذه المرأة هي ماركوري جولد. كانت تبكي وترتجف . هتفت: مسيو بوارو، أرجوك أن تساعدني لو سمحت ، إنني امرأة تائهة وشقية لا أعلم ماذا يجب علي أن أفعل. فقال بوارو: هل تريدين نصيحتي يا سيدتي؟ فقالت: نعم أرجوك . فقال بوارو: غادري على الفور هذه الجزيرة ، وقبل أن يفوت الأوان! فقالت بهلع : ولكن لماذا؟ إنك تخيفني؟ فقال: هذه هي نصيحتي لك الآن ، إذا كنت تضعين وزناً لحياتك! 
قالت: إنك حقيقة تخيفني؟ ثم أخفت وجهها بين كفيها وقالت: ولكني لا أقدر ..لا أستطيع.. لن يوافق دغلاس ، فتلك المرأة لن تدعه يرحل، لقد سيطرتْ عليه بالفعل جسداً وروحاً ، إنه مولع ومفتون بها؟ ولقد كفَّ عن التفكير فيّ، ويريدني أن أتركه وأطلّقه، ولكني خائفة، فتلك المرأة يوم أمس كشفت لزوحي عن كدمات موجودة على ذراعها، وقالت إن زوجها يؤذيها ويضربها. يا إلهي! ماذا أفعل؟ كيف سينتهي كل هذا! فقال بوارو: لقد أخبرتك ، غادري قبل فوات الأوان هذه الجزيرة . 
كان يجلس هركيول بوارو بصحبة باميلا على الشاطيء.. حين قالت له : إن المثلث الأبدي يبدو أنه يزداد قوة، لقد شاهدتهم ليلة أمس، كان أحد الرجلين يجلس إلى يسارها والآخر إلى يمينها ، وكل منهما ينظر للآخر والشرر يتطاير من أعينهما .. وقد أسرف السيد شانتري في الشراب، ولكن جولد كان يبدو مهذباً، ماذا تعتقد سيحدث؟ فقال بوارو: إني خائف ومشفق ، لقد نصحت مسز جولد بمغادرة المكان قبل فوات الآوان. قالت باميلا: ولكني لا أظن أن الأمر يمكن أن يتطور إلى .. جريمة قتل. أليست الجريمة هو ما يدور بخلدك؟ فقال بوارو : إن الجريمة تدور بخلد أحد الناس يا آنسة، إنني واثق من هذا. 
كانت الأحداث السريعة التي توالت ليلة 29 أكتوبر واضحة. فقد بدأ قبل العشاء شجارساخن بين رجلين.. جولد وشانتري... وبعد العشاء.. تم الصلح بينهما، ولم يعلم أحد كيف تم. وبعد ذلك،قام الجميع و شرب الويسكي. وفجأة، بدأت تتراخى فالنتين في مقعدها.. ووضعت يدها على قلبها وقد تحول لون شفتاها الحمراوتين إلى زرقة قاتمة. قالت: أشعر بإحساس غريب.. هذا الشراب له طعم غريب. فقال السيد شانتري للسيد جولد: إنك أحضرت هذا القدح كي أشربه.. فماذا وضعت فيه بحق الجحيم؟ كانت في هذا الاثناء تنزلق فالنتين من مقعدها، وتقع على الأرض. فصرخ أحد الرجال: استدعوا طبيباً، بسرعة! ولكن فالنتين شانتري أسلمت الروح بعد خمس دقائق فقط . 

 في اليوم التالي جاءت باميلا إلى بوارو وقالت: كان يترتب عليك أن تمنع وقوع هذه الجريمة البشعة ، كان من الممكن منعها بطريقة أو بأخرى. قال بوارو: كيف ذلك ؟ قالت: كان بإستطاعتك أن تحذر الضحية والقاتل. لقد ألقى البوليس على الفور القبض على دغلاس جولدى . وقد سمعت أنهم وجدوا كمية السم المتبقية في ردائه، يا له من شخص أبله غبي. العاشق يضع السم في كاس الزوج، فتتناول الزوجة الشراب بدلاً من زوجها وتموت. تخيل تلك اللحظة المرعبة التي استدار فيها دغلاس جولد ليجد نفسه أنه قد قتل المرأة التي يحبها!! 
 قال بوارو: فكرت في نصح فالنتين في مغادرة الجزيرة، ولكنها لم تكن لتصدق ما كنت سأقوله لها، لقد كانت على قدر من الغباء كبير . فقالت باميلا : ولكني لا أظن أنه ستكون هناك فائدة من مغادرتها الجزيرة، لأنه كان سيتبعها. فقال بوارو: من الذي سيتبعها ؟ قالت باميلا: دغلاس جولد؟ فقال بوارو: كلا لاأظن ذلك يا آنسة، أنتِ لم تفهمي الموقف على حقيقته، لو أن فالنتين شانتري غادرت الجزيرة لذهب معها زوجها ، وحينها سوف تقع الجريمة في مكان آخر. قالت: إنني لا أفهمك؟ قال بوارو: أعني بذلك أن جريمة قتل فالنتين شانتري كانت بيد طوني شانتري زوجها . 
أكمل بوارو: لقد تم قتلها تحت سمعك وبصرك، فبعد أن جلب دغلاس كأس الويسكي لطوني، وضع طوني شانتري السم في الكاس خفية، وعندما أتت زوجته قدّم الكاس لزوجته في أدب فتجرعته. وبينما نحن منشغلين بالمرأة المسكينة، وضع ما تبقى من المادة السامة في جيب دغلاس. لقد كان يضمر شانتري التخلص من زوجته منذ وقت طويل ، فقد كان ينفر منها ويمقتها بشدة، وقد لاحظت ذلك الامر ، فمنذ البداية اقترن بها من أجل مالها، أما الآن فأنه صار يرغب أن يقترن بامرأة أخرى، ولذلك خطط للتخلص من فالنتين مع الإحتفاظ بأموالها؟ 
فقالت باميلا بإستغراب : امرأة أخرى؟ّ! فقال بوارو: نعم.. امرأة أخرى هي ماركوري جولد الضئيلة الجسم.. كان هو ذلك المثلث الأبدي الذي فهمتِه أنتِ على غيرواقعه و حقيقته. إن ماركوري امرأة داهية وماهرة كثيراً. إن شانتري ومسز جولد في غاية الداهية والبراعة، وقد خططا منذ البداية للقاء هنا وارتكاب الجريمة. إن ماركوري امرأة ماكرة جهنمية، وشيطان مريد.. 
قالت باميلا: لقد قام البوليس بالقبض على زوجها دغلاس. قال بوارو: هذا صحيح.. ولكن جاء دوري، فأدليت للشرطة بإفادتي. صحيح أنني لم أشاهد طونيوهو يضع السم في الكاس الذي قدمه لزوجته، ولكني رأيته وهو يضع بقية السم في جيب دغلاس. لقد قام البوليس بالتحقيق مع شانتري مرة أخرى، فحاول في البداية الإنكار ، ثم انهار بعد عدة أسئلة. ولقد أطلقوا سراح دغلاس. فقالت باميلا: وزوجته ماركوري؟ فقال بوارو: لقد حذرتها.. كانت تلك فرصتها الوحيدة لتجنب الجريمة. طلبت إليها أن تغادر الجزيرة على الفور إذا كانت تقيم وزناً لحياتها.. ولكنها آثرت البقاء.

 الزائر الغريب 


توقفتْ سيارة فخمة بباب مكتب جيمس هاكر سمسار العقارات بمدينة إيفي كورنر ، تدل الرموز الموجوده على لوحتها على أنها من نيويورك. ولم يكن هاركر بحاجة للنظر في لوحة السيارة كي يعرف أن صاحبها ليس من أهل المدينة، فقد كانت السيارة غاية في الفخامة وفارهة، وكان صاحبها بديناً قصير القامة ،ولم يسبق من قبل أن رآه هاركر . نظر السمسار الى سكرتيرته وقال : ها قد أقبل إلينا زبون يا هيلين. دخل الزبون المكتب وقال: إسمي ادكار بيري، وفي واقع الأمر إنني قد شاهدت بيتاً على مشارف المدينة، وأريد أن معرفة شيئاً عنه، إنه بيت قديم وأظن أنه مهجور؟ وقد رأيت عليه لوحة مكتوب عليها أنه معروض للبيع. فقال هاركر: أتت السيدة فلورنس غريم منذ خمس سنوات عقب وفاة ابنها وطلبت مني التوسط في بيع منزلها ، وطلبت مبلغ خمسة وسبعين ألف دولار، وفي حقيقة الأمر إن البيت لا يساوي أكثر من عشرة آلاف دولار. فسأله مستر بيري: لماذا هي تطلب هذا المبلغ الباهظ الثمن لمنزلٍ متداعٍ؟ فقال هاكر: ربما هي تفعل ذلك لأسباب عاطفية. فقال بيري: دعني أتصل مع مسز غريم وأتفاوض على البيع معها، فلعلي تمكنت من إقناعها بخفض السعر. فقال هاكر: لاأظن ذلك ! سوف تضيع وقتك سدى.. إنني أحاول مهعا في ذلك الامر منذ خمسة أعوام، ولكني سوف أعلمها بقدومك. 

اجتاز مستر بيري شوارع المدينة ليصل إلى منزل أحلامه. طرق باب المنزل، ففتحته سيدة بدينة الجسم وقصيرة القامة. قالت: لا بد أنك مستر بيري.. لقد أخبرني مستر هاكر بقدومك. أدخلته إلى المنزل وقالت له: إذا كان لديك شئ تريد قوله يا مستر بيري فقله على الفور. فقال بيري: في الحقيقية يا سيدتي هي أنني أريد أن أتحدث معك. إنني رجل أعمال، وأعزب.. وقد كافحت في حياتي طويلاً وإستطعت ان أجمع ثروة لا بأس بها، وقد آن الآوان لي أن أستريح، ومهما كان ثمن هذا االمنزل خيالي، و سوف أدفع ما تطلبين. 

حينها قامت العجوز وأحضرت له شراب الليمون وقالت وهي تجلس باسترخاء : لقد امتلكت أسرتي هذا البيت منذ سنة 1802، وجميع أفراد الأسرة قد وُلدوا في هذا البيت بإستثناء إبني ميشيل . لقد ولدت إبني ميشيل في أحدى المستشفيات، وقد توفي زوجي وكان عمر ميشيل تسع سنوات ، وضاق بنا الحال كثيراً حتى اضطررت إلى مزاولة مهنة الحياكة. وافتقدَ ميشيل أباه، فما أن تخرج من الجامعة، حتى رحل إلى نيويورك رغماً عن إرادتي، ولا بد أنه هناك قد نجح في عمله ، لأنه كان يرسل لي نقوداً بشكل منتظم ، ولكني لم أره منذ تسعة أعوام! وقد آلمني جداً فراقه.. ولكن الذي ألمني وأحزني أكثر أنه حين عاد، كان في مأزق.. فقد رجع يحمل بيده حقيبة سوداء صغيرة.. وفي الصباح.. طلب منى أن أغادر لبضع ساعات البيت ، ولم يخبرني لماذا، وعندما عدت إلى البيت بعد عدة ساعات لاحظت بأن حقيبته قد اختفت. 

 سألها مستر بيري: وكيف تفسرين ذلك الشئ ؟ قالت: لم أعرف في حينها على الفور، ولكني عرفت فيما بعد كل شيء، فهناك شخص جاء إلى المنزل، وسمعت صوته العالي في غرفة ميشيل، فالتصقت بباب الغرفة كي أعرف مايجري ، فسمعت صيحات تهديد تأتي من داخل الغرفة، وفجأة، دوى صوت طلق ناري، فدخلت على الفور إلى الغرفة، ورأيت إحدى النوافذ مفتوحة، الزائر المجهول قد اختفى ، بينما إبني ميشيل كان ملقى على الأرض جثة هامدة. 
وقال رجال البوليس أن إبنى ميشيل والشخص الآخر اشتركا في السطو على أحد البنوك، وأنهم قاما بسرقة بضعة آلاف من الدولارات وأن ميشيل أراد الإحتفاظ بالمبلغ لنفسه، فجاءالى هنا مع الحقيبة التي بها المال ، وطلب مني أن أغادر المنزل حتى يخفي الحقيبة هنا، وحين جاء شريكه للمطالبة بنصيبه من المال ، ولم يجد المال.. أطلق رصاصة على ميشيل أردته قتيلاً على الفور. وهذا هو السبب الذي جعلني أحدد ثمن هذا البيت ب 75 ألف دولار.. كنت أعلم أن قاتل ولدي سوف يعود في يوم ما وسيحاول شراء هذا المنزل بأي ثمن، للبحث فيه عن الحقيبة.. وأصبحتْ كل مهمتي وأمنيتى أن أنتظر بفارغ الصبر، حتى يأتي هذا الشخص الذي يُبدي استعداده لشراء هذا المنزل القديم والمتداعي بالثمن الباهظ الذي حددته. قالت كل ذلك وهي تنظر إلى بيري وتعلو شفتيها ابتسامة ساخرة ماكرة. 

حينها بدأ بيري بصره يزيغ ويترنح في مقعده ، وحين حاول إعادة كاس الليمون إلى مكانه لم يستطع ذلك. وقال: يا إلهي! ما أشد مرارة هذا االشراب ! وكانت هى تلك آخر كلمة نطقها مستر بيري قبل أن يقتله الشراب المسموم. 

  المد والجزر

 مع هدوء الرياح بدأت الأمواج تهدأ بالتدريج، وسكنت حركة الماء لفترة قصيرة، وسيعقب الامر حتماً ارتفاع المد. وزحف الماء مرة أخرى من الخليج إلى النهر، ومن النهر إلى المنخفض أمام بيت راي جارفن الذي أوشك أن ينتهى بناؤه. وهبت رياح خفيفة تماوج معها أعواد العشب الكثيف في المراعي المترامية التي تشغل نحو نصف ميل مربع شرقي النهر. 
 أسند لويد ريد يديه على الحاجز الخشبي عند نهاية الجسر الخشبي القائم فوق المنخفض بين ضفة النهر وباب البيت الجديد وأطل على الشخص الذي في القارب وقال: كيف وجدت الأعمدة الخشبية يا راي؟ فقال راي: لا بد من عمل دعم للقوائم الخشبية حتى لا ينهار الجسر. وفجأة جاء دوى صوت كطلقة المدفع، وشاهد راي جارفنأتربة و شظايا الخشب العفن تتساقط من حوله، وكان رد ة الفعل الغريزي هي محاولة الخروج من تحت الجسر، فتنحى وألقى بنفسه جانباً.. ولكنه سقط على وجهه. وأدرك على الفور أن الجسر ينهار. وفجأة اصطدم شيء ثقيل بقدمه اليمنى. كانت إحدى الكتل الحديدية قد وقعت فوق قدمه. قال لريد: لقد تهشمتْ قدمي.. ارفع عن قدمي هذه الكتلة! فقال ريد في دهشة: أرفعها؟ إن عرضها 25 سنتميتراً، وأنت تعلم أني أعاني من آلام الظهر! 

كان جارفن يعلم حقاً أن لويد يعاني من آلام الظهر. الجميع كانوا يعلمون، كانت آلام الظهر هي سبب شهرته، فقد ألقى بنفسه بالمظلة من طائرته المحترقة أثناء الحرب فسقط في بحر المانش. كذلك كانت آلام الظهر هي مصدر رزقه الوحيد.. فقد قرروا له من حينها معاشاً شهرياً أسوة بغيره من المحاربين الذين تضرروا وأصيبوافي المعارك إصابة أعجزتهم عن العمل. 

 حينها قال جارفن: عليك أن تذهب في طلب النجدة على الفور ، يكفي رجلان قويان لرفع هذه الكتلة عن قدمي، إنني يارجل في جحيم من الألم. ذهب لويد لطلب المساعدة. كان المد قد بدأ يرتفع حتى وصل إلى ركبتي جارفن. لقد مرت الآن حوالي ثلاثون دقيقة على رحيل ريد؟ كان ريد لا يحفل بالوقت، ولا يمكن الإعتماد عليه. كان ريد بوهيمياً في حياته، مهملاً في عمله، عاطلاً عن الطموح، ولا ينظر إلى أبعد من اللحظة التي يعيش فيها. 

 أخذ جارفن يتذكر ما وقع منذ أسابيع قليلة. حينها كان جارفن يجلس في مكتبه، ودخلت عليه مارى زوجته ، وتذكر جارفن كيف كان يجلس ريد ساكناً في أحد المقاعد وراح يصغي بإهتمام إلى ماري وهي تتكلم في حماسة عن البيت الجديد والأثاث الذي ستشتريه . ولما غادرتْ ماري المكتب قال ريد: أنك سعيد الحظ يا راي، فلديك زوجة رائعة، وعمل ممتع ناجح، ورصيد ضخم في البنك ومنزل رائع ؟ إنني أغبطك يا رجل! 

نظر جارفن إلى ساعته. لقد غادر ريد منذ خمس وأربعين دقيقة، وارتفع المد خلالها بسرعة رهيبة حتى وصل الماء إلى فخذيه. ولكن عندما انتصف النهار وزاد ارتفاع الماء، حينها حدث جارفن نفسه: إن ريد لن يعود إلى هنا، إنه سوف يتركني هنا حتى أموت!! لا بد أن هذه هي الفرصة التي ينتظرها ريد ولم يخطط لها. وفجأة، استولى عليه شعور بالعجز واليأس! فضرب جارفن الماء بقوة بقبضة يده 

 أخذ يفكر جارفن ويقول في نفسه : آه.. لو أستطيع أن أراه لمرة أخرى وأنظر إلى عينيه؟ إن نظرة واحدة تكفي لمعرفة دخيلة نفسه! إن المدّ سوف يصل بعد ساعة إلى أنفه. أخرج المطواة من جيبه. وفتح نصل المطواة، ومر عليه بأصبعه.. إنه حاد جداً! آه.. ليته يستطيع قطع قدمه. وفي تلك اللحظة ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة. لقد خطرت على باله فكرة! ثم انفجر ضاحكاً. 
وفجأة تناهى الى سمعه من بعيد صوت سيارة، ثم ظهرت السيارة، واقتربت.. كان يقودها فورمان وقد جلس لويد ريد ورأسه معصوب بضمادة بيضاء إلى جانبه.. بينما جلس الدكتور ساندرز وجوليان ميسون في المقعد الخلفي. وقفت السيارة، وبسرعة وثب منها الرجال الأربعة. لم يكن راي موجوداً حيث تركه ريد. قال ريد: لقد جئنا بعد فوات الأوان. عندها سمعوا صوتاً يقول: هالو. فرأوا جارفن ممدداً على حافة المنخفض ويسند بظهره إلى القارب. قال جارفن: لماذا تأخرت يا ريد؟ قال ريد: لقد كنت أمشي مسرعاً في الطريق وخرجت عن الشارع واصطدمتُ بشجرة وأغمي علي، ولا أعلم كم من الوقت بقيت فاقد االوعي . حينها قال جارفن: لقد خطرت لي فكرة. ففكرت في القارب الذي كان بجانبي مربوطاً. كان القارب مشدوداً إلى الجسر بحبل، فتمكنت من مد يدي بالمطواة إليه وقطعت الحبل. وربطت الحبل بكتلة الحديد القابعة فوق قدمي، فلما ارتفع المد، ارتفع القارب ورفع الكتلة معه. 
قال الطبيب: أظن أنه من الأفضل أن ننقلك من هنا على النقالة. بقي جارفين ينظر إلى ريد.. كانت الجريمة واضحة في عيني هذا الأخير، بينما قال جارفن في نفسه: ما الفائدة الآن من اتهامه ، أليس من الأفضل أن أتركه لضميره؟ سوف تلازمه عقدة الذنب إلى أن يموت!

المدير 

على الرغم من أن لقب أرنولد فوستر، زوج أختي، هو مساعد رئيس مجلس إدارة بنك فوستر، إلا أنه يشغل أكبر منصب في الفرع المحلي للبنك. وقد كانت صلتي به قبل أن تموت أختي، كأفضل ما تكون الصلات بين الأصهار.. فهيأ لي وظيفة في البنك، وأقرضني ما أحتاج إليه من مال، وقام مرة بسداد بضع مئات من الدولارات ظهرت عجزاً في عهدتي. ولكنه لم يطردني. ونسي الموضوع تماماً، إلا أن وقعت في المحظور مرة أخرى. ففصلني عن الفور من العمل، وأمهلني أربعاً وعشرين ساعة لأرد المبلغ، وإلا اتهمني بالإختلاس، فاضطررت أن أقترض المبلغ بالربا الفاحش. 

ويبدو أنه بفصلي من العمل قد أحسن ، لأنني تمكنت من إيجاد وظيفة أفضل، عن طريق هاري كونتز، صاحب مكتب المراهنات الذي كان سبباً في إقدامي على الإختلاس أكثر من مرة . أرسلني كونتز إلى جو وارتز.. صاحب شركة للنقل تخصصت هذه الشركة في اختطاف سيارات النقل والإستلاء على ما فيها من بضائع .. وكان وارتز بحاجة إلى سائق سيارة، فاشتغلت عنده مقابل مائتي دولار في الأسبوع، واستمر عملي عنده مدة عامين، إلى أن ضبط البوليس سيارة وارتز مشحونة وممتلئة بالبضائع المسروقة، ومن حسن الحظ أنني لم أكن في ذلك الوقت بين الذين قبض عليهم من رجال وارتز.. فلم ينلني أكثر من أنني خسرت الوظيفة. 

ولم أوفق إلى عمل آخر بعدها ، وبت على وشك الإفلاس حين تفابلت مصادفة بأرنولد. كان ذلك أول لقاء بيننا منذ أن فصلني. رأيته في المشرب مع امرأة فاتنة سمراء في الثلاثين من عمرها. قال لي: كيف حالك يا ملفن؟ ثم قدمني وعرّفني إلى المرأة السمراء وقال: هذه مس تينا كروفورد، تنيا هذا ملفن هول صهري. 

وبعد أن غادرا الاثنين المكان لحقتهما بسيارتي. رأيت أرنولد ينزل أمام مبنى هو مقر نادي الثلاثين. كنت أعرف أن الطابق الأول منه يضم ملهى و مطعم ، والطابق الثاني يدار بالخلسة كناد للمقامرة. بعد بضعة دقائق، دخلت إلى المبنى. كان المكان يغص بالناس، طفت بالمكان ولكني لم أجد أثراً لأرنولد وتينا، ومن الواضح أن أرنولد صعد إلى الطابق الثاني. 
في اليوم التالي، ذهبت إلى أرنولد في العمل وقلت له: إنني فكرت في أنه يجب أن ننهي كل ما بيننا من قطيعة وجفاء فنحن أقارب على كل حال! فقال: إنني لااحقد عليك يا ملفن، ولكن ليس بإمكاني أن أقدم لك أي وظائف بعد الآن، ولكنى إن كنت في حاجة إلى توصية فاطلبها بسرعة.. لأن غداً سوف يكون آخر يوم عمل لي هنا.. فقد إننقلت إلى فرع البنك في ليفريت.. لقد أصيب مدير الفرع بأزمة قلبية، وتوفي على إثرها منذ بضعة أيام، فقرر مدير مجلس الإدارة أن أحل محله. فقلت له: يبدو إليّ أنك لست سعيداً بهذا القرار. ولكن لا بد أن يكون لك أصدقاء وصحبة في البنك هناك. قال: لم يسبق لي أن رأيت أحداً من موظفي البنك، كما أني لا أعرف أحداً في المدينة. وهنا جاء لي خاطر عجيب. قلت له: أتمنى لك التوفيق يا أرنولد، لقد كان من حسن حظي وسعادتي أن أراك قبل رحيلك. 
غادرت البنك وجلست بالقرب من النهر أبلور خطتي. إن من حق مدير البنك أن يعرف سر فتح الخزنة.. وأن يحتفظ بمفاتيح للبنك نفسه، فإن نفذت خطتي، فإنني أستطيع الإستيلاء على مبلغ ضخم والفرار به قبل أن تُكتشف السرقة. 
 في يوم الجمعة صباحاً ، ذهبت إلى أحد المتاجر واشتريتُ بعض من الحبال و ثقلين من الحديد ، ووضعتهم في حقيبة السيارة. ذهبت إلى بيت أرنولد، بعد انتهاء آخر يوم له في البنك. قرعت جرس الباب، وبعد قليل جاء وفتح لي الباب. دخلت وأغلق خلفي الباب . كان، لحسن الحظ، لوحده في المنزل. اقتربت منه وأنا أبتسم، وفجأة ضربته على عنقه بكل ما أملك من قوة، وسددت على أنفه ضربة أخرى إلى أن خمدت أنفاسه. أخرجت من جيب أرنولد حافظة النقود ووضعتها في جيبي. ثم تسللت من أحد الأبواب الجانبية إلى الخارج. 

رجعت إلى المنزل قبيل منتصف الليل. وجدت جثة أرنولد حيث تركتها، فجردتها من الثياب ثم وضعت ثقلين الحديديين إلى إحدى ساقي وذراعي الجثة، ومن ثم سحبت الجثة إلى صندوق السيارة ووضعتها فيه، وكذلك حقائب أرنولد، ومضيت إلى النهر. أوقفت سيارتي فوق الجسر، وألقيت بالجثة من فوق حاجز الجسر. كانت الساعة وقتها قد تجاوزت الواحدة صباحاً ثم عدت إلى منزلي وأويت إلى فراشي. 
وفي صباح اليوم التالي، أمضيت معظم وقتي وانا أقلد إمضاء أرنولد كما رأيته مسجلاً في رخصة القيادة، ثم وضعت ثيابي في الحقيبة، وأخبرت صاحبة الشقة عن اعتزامي إخلاءها. 
استعرضتُ خطتي وأخطارها المحتملة. سوف أنتقل إلى بنك ليفريت على أنني أرنولد. ولكن ماذا لو قابلت موظفاً يعرفني أو يعرف أرنولد. لا يمكن، لأن أرنولد قال لي إن لا أحد يعرفه هناك. 
في محطة القطارات، وجدت ستيلا مارشال رئيسة قسم الحسابات في انتظاري. كانت إمرأة نشيطة عانس تناهز الأربعين.. ولم تندهش حين رأتني، رغم أن أرنولد كان في الخامسة والأربعين عاماً، وأنا في الرابعة والثلاثين، فأخبرتها بأنني مصاب بالبرد، ولست على استعداد للذهاب إلى البنك اليوم، فاصطحبتني إلى الفندق. 

 وفي اليوم التالي، وصلتُ إلى البنك الساعة التاسعة صباحاً، فقام مستر بيرك لاستقبالي. وبعد أن دلني على مكتبي، طاف بي في أرجاء البنك ليعرفني على البنك بشكل سريع ، ثم سلمني مفاتيح المبنى، وأرقام فتح الخزنة. لذا تبلورت الخطة تماماً في ذهني، سوف أقوم بعملية السرقة يوم الجمعة حيث لن تكتشف السرقة إلا يوم الإثنين حين يفتح البنك أبوابه بعد عطلة نهاية الأسبوع. 
بعدها قمت بالإتصال تليفونياً بالمطار وحجزت رحلة بإسمي الحقيقي. وفي منتصف الليلة الموعودة لتنفيذ السرقة، ذهبت إلى البنك ودخلت من الباب الخلفي والحقيبة الجلدية في يدي. وغادرت البنك بعد ها بربع ساعة والحقيبة مليئة بالنقود بما يقارب مائتي ألف دولار. و على الفور ذهبت إلى غرفتي في الفندق. أمضيت حتى الصباح في عد وإحصاء النقود. وما إن أغلقت الحقيبة حتى سمعت طرقاً متتالياً على الباب! أخفيت الحقيبة وفتحت الباب ورأيت أمامي رجلين لا أعرفهما. سألني أحدهما: هل أنت مستر أرنولد سترونج؟ فقلت: نعم. دخلا الغرفة وأخرج الرجل بطاقته الشخصية وقال: هل كنت تعتقد أنك تستطيع الإفلات يا مستر سترونج؟ فلولا المائة ألف التي اختلستها مؤخراً لما استطاع رئيس الحسابات أن يكتشف المائة ألف الأولى.. لعلك لم تكن تتوقع أن اختلاس المائة ألف دولار الثانية من أحد حساب العملاء بمقتضى شيك يحمل توقيعاً مزوراً سوف يُكتشف بهذه السرعة. ولكن من سوء حظك أن العميل طلب بياناً للكشف عن رصيده وتم اكتشاف أنك قمت بالإختلاس بما يقارب مائتي ألف دولار. 

اندهشتُ بشدة حينها! إذاً أنا لست المختلس لأموال بنك فوستر؟ لا عجب أن أرنولد كان مستاءاً لنقله من البنك؟ ولا شك أن زيارته لنادي الثلاثين لم تكن الأولى. حينها تمتمت للشرطي: الحقيقة أني لست أرنولد سترونج.. أنا ملفين هول شقيق زوجته! فقال الرجل ساخراً وهو يضع الأصفاد في يدي: أحقاً؟ أين أرنولد سترونج إذاً؟ فقلت لنفسي: آه .. هذه قصة أخرى! 

                                النهاية.