الاثنين، 29 يوليو 2019


تلخيص رواية: 
 جريمة في الصحراء: أجاثا كريستي. 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.





ولهذا كله يجب أن تُقتل! 

 سمع هيركيول بوارو هذه العبارة وهو يطبق على مصراعي النافذة كي يغلقها.. وتوقف لثواني ثم هز كتفيه، وأغلق النافذة. ولكن هذه كلمات عجيبة! وأعجب من ذلك أن تصل إلى أذنيه، في أول ليلة له بمدينة القدس. 

كان صاحب الصوت هو ريموند بونتون.. شاب في نحو الخامسة والعشرين من عمره ، وكان يقف إلى نافذة الحجرة المجاورة لحجرة بوارو بفندق الملك سليمان في مدينة القدس. وكانت تقف إلى جواره شقيقته كارول، وهي شابة في نحو الثالثة والعشرين من عمرها. فقال ريموند: إن زوجة الأب لا يمكن أن تكون يوماً أماً.. مهما تظاهرتْ بذلك. فقالت كارول: إنني أعتقد أن موتها بات ضرورة لا بد منها. فقال ريموند: لا بد أن يكون قاتلنا واحداً منا، إننا لا نستيطع أن نعتمد على أخانا لينوكس أو زوجته نادين في قتلها، ولا نستطيع أيضاً الإعتماد على أختنا الصغرى جيني. 

وقفت الآنسة سارة كنج – الطبيبة الحديثة التخرج – بجانب مائدة الكتابة في قاعة المكتبة في فندق الملك سليمان في القدس. كان جبينها مقطباً والقلق والتوتر يبدو في عينيها . انضم إلى طاولتها الدكتور تيودور جيرار، أشهر طبيب للأمراض العصبية. وفي تلك اللحظة دخلت جماعة إلى القاعة. فسألها الطبيب هل تعرفينهم؟. قالت سارة: إنهم أسرة بونتون: الأم، والأبن الأكبر وزوجته، ثم إبن أصغر، وأخت، وأخت صغرى. إنهم لا يتكلمون مع أحد، ولا يستطيع أحدهم إن يفعل أي شيئ إلا بأمر المرأة العجوز. سألها: هل تحدثت إليهم؟ فقالت سارة: تكلمت مع الشاب، الإبن الأصغر، في القطار حيث كان يمشي في الممرات.وقد لاحظت أن وجهه يحمر بشدة، ولأبسط سبب. ثم غادرت سارة إلى حجرتها، وجلست أمام مرآتها تمشط شعرها وتفكر في حياتها. كانت لتوها قد خرجت من أزمة أليمة عاطفية ،ففي الشهر السابق ، فسخت خطوبتها، مع طبيب شاب يكبرها بأربعة أعوام. وكان السبب في فسخ الخطوبة إدراكها في النهاية أن كلاً منهما له شخصية قوية. 

بعد مغادرة سارة، ظل الدكتور جيرار جالساً في مكانه بالمكتبة يفكر في أسرة بونتون. وإذا رجلاً يدخل المكتبة ويتوجه نحو أسرة بونتون. وبعد حديث قليل مع العائلة، غادرت العائلة إلى غرفها، وبقي الرجل لوحده. دنا جيرار من الرجل، صديق عائلة بونتون، وتعارفا. فقال جيرار: يبدو أن عائلة بونتون أسرة ،متفانية ،متماسكة، في علاقاتهم ببعضهم البعض. فقال الرجل، وكان يدعى "كوب": إنهم يدورون في فلك العجوز. في الواقع إن زوجة لينوكس بونتون، وتدعى نادين، هي صديقة قديمة لي، كنت أعرفها قبل زواجها. كان المرحوم المستر بونتون، رجل الأعمال المشهور، قد تزوج مرتين. فقد ماتت زوجته الأولى، تاركة له إبنه لينوكس في سن العاشرة، وإبنه ريموند في الخامسة من عمره، ووأبنته كارول في الثالثة من عمرها. وكانت زوجته مسز بونتون الثانية هذه، جميلة عندما تزوجها المستر بونتون، أي منذ قرابة العشرين عام. وقد كانت معروفة بقوة شخصيتها ، وذكاءها الحاد. وقد أنجبت منه إبنتها جيني. تلك الفتاة الرقيقة الناعمة ذات الشعر الذهبي. ولما مات المستر بونتون كرّست الأم حياتها لتربية الأولاد.. وكانت النتيجة أنهم نشأوا.. متوتري الأعصاب، ضعاف الشخصية. وقد ترك مستر بونتون وراءه ثروة ضخمة طائلة، وأوصى بها كلها لزوجته، على أن يتقاسما الأبناء هذه الثروة بعد وفاتها بالتساوي. 

كانت تقف سارة كنج في صحن المسجد الأقصى، وتتأمل بإعجاب شديد وإندهاش روعة بناءه. كانت أسرة بونتون تزور المكان، وكانت كارول تقف في مؤخرة المجموعة. اقتربت كارول من سارة وقالت: يجب أن أعتذر لك عن موقف أخي ريموند الامس ، لقد كان خائفاً من الحديث معكِ. إن أمي لاتحبنا أن نختلط بأحد خارج نطاق الأسرة، ولكني أعرف أن أخي ريموند يحب أن يتعرف بكِ. فأمي قبل زواجها من أبي، في الواقع إنها ليست أمي وإنما زوجة أبي فقط، كانت تعمل سجّانة في سجن في نيويورك، وكان أبي مديراً لهذا السجن قبل أن يتزوجها ويستقيل ويعمل بالأعمال الحرة. ومنذ أن تزوجها أبي وهي تعاملنا كما يعامل السجان المسجونين، فنحن لا نعرف الحرية. ثم تلفتت كارول وراءها وقالت: يجب أن أذهب حالاً وبسرعة. قالت لها سارة: تعالي لزيارتي فأنا في الغرفة رقم 319. 

عند منتصف الليل، جاءت كارول إلى غرفة سارة. بدأت كارول في الكلام وقالت: هل تتخيلين أننا لم نذهب في حياتنا إلى المدرسة! لقد كان المدرسون الخصوصيون يأتون الى البيت ويعلّموننا. قالت سارة: طالما أنتم غير سعداء في العيش مع هذه الأم، فلماذا لا تنفصلون عنها؟ قالت كارول: كيف يمكننا ذلك؟ فنحن لا ندري أي نذهب وماذا نفعل خارج البيت. إنني ياسارة أكره تلك المرأة ، وكذلك أخي ريموند، أما أخي الاخر لينوكس فلا يستطيع أن ينطق بكلمة أمامها.. إنه يعيش وكأنه في حلم، وزوجته نادين تشعر بالقلق حياله. فقالت سارة: يجب أن أقدمكم جميعاً إلى الدكتور جيرار كي يرى حالتكم هذه. =انتقلت سارة إلى جيرار وقالت له آخر ما توصلت إليه عن عائلة بونتون، وأنهت حديثها قائلة: ولكني فشلت في محاولتي لمساعدتهم، وسوف يرحلون من الفندق اليوم ولا أعرف إلى أين. 

كانت عائلة بونتون توشك على الرحيل عندما نزلت سارة إلى بهو الفندق. لمحت سارة السيدة بونتون جالسة في مقعد، وملتفة بمعطف كبير في انتظار البدء بالرحيل. أحست باشمئزاز غريب وهي تنظر إلى تلك المرأة التي بدت لها كرمز للقسوة وللشر. تقدمت سارة منها وقالت: طاب يومك يا مسز بونتون. أرجو أن تكوني قد استمتعت بالرحلة. نظرت إليها العجوز ثم أشاحت بوجهها عنها دون أن تتكلم. قالت سارة: إنك تعاملينني بخشونة لا مبرر لها. إنك تمنعيني من صداقة كارول و ريموند ، ألا تدركين أن هذه الافعال ماهي إلا محاولة صبيانية حمقاء؟ إنك تريدين أن تجعلي من نفسك صنماً يُعبد، ولكنك في الواقع إنسانة جديرة بالرثاء وبالشفقة ، حاولي أن تستمدي سعادتكِ من إسعاد الذين حولك. فوجهت السيدة بونتون نظرها إلى سارة وقالت: إنني لا أنسى أبداً! تذكري هذا! إنني لا أنسى أبداً، لا أنسى أبداً تصرفاً، ولاوجهاً ولا إسماً ! فقالت سارة: يا لك من عجوز بائسة. 
كان ذلك الصباح هو الموعد المحدد لبدء الرحلة إلى مدينة البترا. وقد رأتْ سارة، عندما نزلت لتستقل العربة المأجورة، الليدي وستولم، وهي شخصية مميزة ومعروفة في الوسط السياسي في إنجلترا، التي سترافقهم في الرحلة. ثم أقبلت الآنسة آمبل بيرس، وهي آنسة في منتصف العمر متوسطة الجمال. وانطلق الجميع في الرحلة. بعد عدة ساعات وصلت السيارة بهم قرية عين موسى حيث كان من المقرر أن يتركوها ليستأنفوا الرحلة على ظهور الجياد. واقتيدت الجياد بركابها عبر القرية إلى ممر صخري. وعندما اقتربوا من المعسكر الذي سوف يقضون الليل فيه، خفق قلب سارة بعنف عندما شاهدت السيدة بونتون هناك في بترا!!! 

 استراحت سارة في خيمتها لبعض الوقت ، ثم هبطت إلى حديقة الإستراحة. وفجأة رفعت سارة رأسها قليلا والتفتت ورأت ريموندأمامها . فتقدم إليها وهو لا يصدق عينيه، ومسك يديها بين يديه وقال: أنت هنا حقاً! إنني أحبك! منذ أن رأيتك أول مرة في القطار، وأريدك أن تتأكدي أن سبب تصرفاتي غير اللائقة نحوك كانت خارجة عن إرادتي. ثم غادر ريموند المكان بعد أن قبّل يدها. 

وفي اليوم التالي، خرجت سارة مع مجموعتها لمشاهدة الأماكن الأثرية. وانضم إليهم المستر جيفرسون كوب. وفيما كانت تتأمل سارة الآثار، أقبل الدكتور جيرار إليها وقال لها: يبدو أن هناك شيئاً هاماً يشغل بالك. فقالت سارة: إنني أحياناً أفكر بأن الموت يكون قد يكون حلاً لمشكلات كثيرة.. وأن فكرة الفداء لها ما يبررها.. إن التضحية بشخص قد تكون ضرورية لحياة أشخاص آخرين . 

بعد الانتهاء من تناول طعام الغداء، خرج الجميع في نزهة قصيرة للسير في المنطقة، وانفصلت سارة مع ريموند عن الجماعة واستراحا في بقعة ظليلة. وبعد حديث طويل، قال ريموند: علي أن أعود الآن. يجب أن أسرع علي ان أقوم بعمل ما. فإذا قمت به، فسوف أثبت شجاعتي.. فإما أن أفعل هذا الآن.. أو أبقى عبداً إلى الأبد. ثم استدار ومضى مسرعاً نحو المعسكر. حينها خافت سارة قليلاً.. وشعرت أن عبارات ريموند فيها إصرار الإنسان الذي ينوي القيام بعمل متهور وطائش. 

رجعت سارة إلى المعسكر الذي يقيم فيه السياح. وعندما حان موعد العشاء، ذهبت سارة إلى طاولة العشاء. كان الجميع يجلسون حول طاولة العشاء فيما عدا مسز بونتون والدكتور جيرار. وفجأة حدثت ضجة غريبة أسرع خلالها رجلان من العرب إلى الدليل محمود، فاضطرب هو الاخر بشدة وأسرع في طريقه إلى مسز بونتون. لحقته سارة لترى ما الذي يحدث. فقال محمود: إن السيدة بونتون لا تتحرك! قامت سارة بفحصها وتبين لها أنها قد ماتت. 
أرسل الكولونيل كاربري، حكمدار مدينة عمان، في طلب هيركيول بوارو إلى مدينة بترا للمساعدة في التحقيقات. كان أول شخص أدلى بشهادته هو الدكتور جيرار الذي قال: لقد كنت أعاني من نوبة الملاريا، ولما رجعت إلى خيمتي بحثت عن المحقن ولكني لم أجده، فاضطررت في حينها إلى أخذ كمية من أقراص الكينين وتناولها عوضا عن الابرة . سأل بوارو الكولونيل من هو آخر شخص تكلم معها وهي على قيد الحياة . فقال الكولونيل: إنه ريموند، وكان ذلك في الساعة السادسة إلا عشر دقائق. وقد اكتُشفت الوفاة في الساعة السادسة والنصف. ثم أكمل الدكتور جيرار كلامه قائلاً: فى صباح اليوم التاليى حينما استيقظت ، وجدت المحقن على طاولة الزينة، ولكني متأكد أنه لم يكن موجوداً في مساء اليوم السابق. ولقد لاحظت علامة موجودة على معصم السيدة بونتون، تشبه تماما العلامة التي تحدثها وخزة إبرة المحقن.. ولقد قالت ابنتها كارول إن هذه العلامة من وخزة دبوس. 

نظرت سارة كنج بنظرات فاحصة على هيركيول بوارو. بينما قال هو: إننا نريد أن نعرف الحقيقة بشأن هذا الموضوع؟ هل تعتقدين يا مس كنج أن وفاة مسز بونتون طبيعية ؟ فقالت سارة: أن هناك مشقة وتعب كبيرللوصول إلى بترا، ولا شك بأن هذه المشقة يتضاعف تأثيرها على امرأة مريضة بالقلب وعجوز. قال بوارو: إذاً أنت تعتقدين أن وفاتها كانت طبيعية! ...ولكنك لا تعرفين بعض الحقائق.. لقد سرقت كمية من عقار الديجيتوكسين من حقيبة أدوية الدكتور جيرار. فقالت سارة: إني أعتقد يا سيد بوارو أن أسرة بونتون تعذبوا كثيراً في حياة الأم ، وليس من الإنسانية أن نزيد عذابهم بهذه الإجراءات والشكوك . فقال بوارو: يا آنسة كنج ..اريد ان اخبرك انه أياً كان أمر الضحية... سواء أكانت شيطانا أم ملاكاً ، فإنني لا أوافق على أن تُقتل بيد فرد أو أفراد ليست لهم سلطة المحاكمة القانونية. والآن، دعينا نسمع منك ما جرى في ذلك اليوم الذي توفيت فيه مسز بونتون. 

قالت سارة: ذهبنا صباحاًرفي جولة ولم يكن معنا أحد من آل بونتون. وشاهدتهم في ساعة الغداء بحديقة الإستراحة، وكانت مسز بونتون في حالة جيدة ومعنويات طيبة. وبعد الغداء، ذهبنا في جولة أخرى مع كل أفراد أسرة بونتون عدا جيني الصغيرة، لأن أمها طلبت منها أن تأوي إلى فراشها لأنها متعبة. وبقيت الأم معها. ثم رجع الدكتور جيرار إلى خيمته، لأنه أحس باشتداد أعراض الحمى. وكان ذلك في حوالي الساعة الرابعة. وأكملنا نحن النزهة. كنت مع ريموند نتأمل المناظر الطبيعية والتاريخية وبعدها ذهب ريموند، وبقيت أنا برهة. ثم عدت إلى المعسكر وكانت الساعة السادسة. وأستطيع القول بأنها كانت ميتة قبل ساعة من فحصي لها. 

دخلت السيدة وستولم إلى غرفة بوارو، وكانت الآنسة آمبل بيرس خلفها. فقال لها بوارو: أرجو أن تذكري لنا ماذا فعلت، أوماذا رأيت بعد ظهر يوم الوفاة؟ فقالت: لقد رأينا، أنا والمس بيرس، نادين وهى تساعد مسز بونتون على الجلوس أمام الكهف قبل أن تمضي إلى الجولة. وبعدها أردتُ أن أتمشى أنا والآنسة بيرس، فاقترحتُ على الآنسة بيرس أن نمضي ونسألها إن كانت تريد شيئاً قبل أن نغادر المكان، ولكنها نظرت إلينا بتكبر وكأننا حشرات ولم ترد علينا بأكثر من غمغمة لم نفهمها . وخلال اليوم كانت معاملتها غليظة وقاسية مع ذلك العامل العربي. لقد شتمته ولكن الرجل لم يفهم شيئاً بالتأكيد. 
قال بوارو: من هو ذلك العامل؟ فقالت: إنه أحد عمال مكتب السياحة. على ما يبدو أنها أرسلته كي يأتي لها بشيء من خيمة ابنتها جينفرا، أو لعلها رأت ذلك العربي يخرج من خيمة جيني دون سبب واضح. كانت شديدة القسوة وغليظة معه حتى أنه ابتعد عنها في خوف وانطلق بعيداً. إنه رجل طويل يلبس عقالاً وسترة وبنطلوناً لونهما كاكي.. وكان بنطلونه ممزقاً وحزام الساق غير محكم على ساقيه. سألها بوارو: هل يمكنك أن تتعرفي عليه. فقالت: لا أعتقد، لأنني لم أر وجهه بوضوح. وبعد ذلك رأيت لينوكس يذهب إلى عند أمه، ومكث عندها لدقيقة أو دقيقتين، ثم خرج وذهب إلى كهفه ثم نزل إلى الإستراحة. وكذلك زوجته، فقد جلست تتحدث مع مسز بونتون، ثم نزلت إلى الإستراحة. وبعدها خرجنا كي نتمشى، وعندما رجعنا، في حوالي الساعة السادسة إلا ثلثاً، كانت السيدة بونتون جالسة في مكانها. =دخل بعدها لينوكس إلى غرفة بوارو. دخل لينوكس بخطوات ثابتة، ، رابط الجأش، مرفوع الراس ، أبعد ما يكون عن ذلك الرجل الضعيف المتهالك ، الخائف من سيطرة زوجة أبيه. فقال بوارو: هل لك أن تخبرني ما الذى حدث بعد ظهر يوم الوفاة؟ فقال لينوكس:أجل . لقد غادرنا جميعا المعسكر ما عدا وأختي الصغرى وزوجة أبي والتى اناديها بأمي . وبعدما عدت تحدثت مع زوجة أبي وكانت في حالة طيبة، ووقتها سألتني عن الوقت لأن ساعة يدها كانت قد توقفت. حينها أخذت الساعة منها وضبطتها لها على الوقت وأعدتها إلى وضعها في معصمها. وكان الوقت حينها الخامسة إلا خمساً وعشرين دقيقة. ثم عدت وذهبت إلى الإستراحة.. وشربت زجاجة ماء بالصودا، وقرأت مجلة سترداي إيفننج بوست. وقد جاءت زوجتي وانضمت إليّ بعد فترة. وبعدها لم أر أمي إلاوهي متوفاة. =نظر بوارو إلى نادين باهتمام وهي تدخل الغرفة بقامتها الطويلة. قال بوارو: أرجو في ساعات حزنكم هذه أن تغفري لي موقفي هذا. فقالت نادين: أظن أنه من الأفضل أن أكون صريحة معك يا سيد بوارو، وأرجو أن تعلم أننا لا نشعر بأي حزن على وفاة حماتي، السيدة بونتون، أو أن هذا هو شعوري أنا على الأقل. إن حياتي الزوجية لم تكن على خير ما يرام بسبب زوجة أبيه التي كانت مسيطرة عليه تماماً. وفي يوم ظهر وفاتها قررت أن أنفصل عن زوجي. ولقد أعلمت السيدة بونتون بذلك. وقد صُدمت وغضبت في وقت واحد، وانصرفتُ عنها ولم أجادلها. وعلى ما يبدو أن وفاتها ناتجة عن صدمتها تلك. ولقد أخبرت زوجي ذلك في حديقة الإستراحة، واضطرب كثيراً، ولم يتكلم كثيراً، ولعله كان يتوقع حدوث ذلك عاجلاً أو آجلاً. 

جاءت الآنسة كارول بعد ذلك إلى بوارو. نظر إليها بوارو باهتمام، ولاحظ اضطراب أصابعها وشحوب وجهها. قال لها: أرجو منك أن تخبريني بكل ما تعرفينه عما حدث بعد ظهر اليوم الذي حدثت فيه الوفاة؟ فقالت: لقد ذهبنا في نزهة.. وكنتُ معظم وقتي مع أخي ريموند أو مع المس كنج. ثم رجعنا إلى المعسكر، وأعتقد أن الساعة كانت كانت وقتها الخامسة وعشر دقائق. فرحت إلى أمي وتحدثت معها. قلت لها إن الجو حار جدا ً وإني سأستريح في خيمتي. فقالت بأنها ستبقى في مكانها. كان في حينها وجهها شديد الإحمرار. ثم مضيتُ إلى خيمتي، وبعدها لم أرها. سألها بوارو: ماذا كان شعورك عندما علمت بموتها؟ قالت: لقد كان نبأموتها صدمة شديدة . قال بوارو: أحقاً ذلك ! وماذا عن الحديث الذي دار بينك وبين أخيك ريموند في القدس؟ لقد سمعت حديثكما . دفنت كارول وجهها بين يديها وبكت ، وقالت: كنا في وقتها مجنونين، كنا في حالة نفسية سيئة. ولكننا لم ننفذ أقوالنا، وأظن أن أمنا قد توفيت وفاة طبيعية بسبب مرضها بالقلب، وليس لي أو لريموند أي يد في موتها. قدم بعدها ريموند إلى غرفة بوارو، ولاحظ بوارو الشبة الكبير بين ريموند وأخته كارول.. وكان الشاب عند دخوله واثق من نفسه ومتمالك الأعصاب. قال بوارو: هل تكلمتْ أختك معك؟ فقال ريموند:أجل . ومن حقك أن ترتاب في أمرنا بعد أن سمعت كلامنا في تلك الليلة. ولكني أؤكد لك أنني لم أقتلها. لقد تحدثت مع أمي قبل السادسة بقليل، وكانت على قيد الحياة. وبعد أن اغتسلتُ انضممتُ إلى الجميع في حديقة الإستراحة، وبقيت فيها حتى سمعنا نبأ وفاتها. 

كانت سارة تجلس على ربوة مشغولة الفكر، تقطف الأزهار القريبة منها. فأقبل الدكتور جيرار وجلس بجوارها . فقالت سارة: لماذا أثرتَ كل هذه المشاكل حول ضياع المحقن، ونقصان كمية عقار الديجتيوكسين. لقد كنتَ محموماً وربما أخطأتَ في تقديراتك. فقال جيرار: لا داعي لهذا القلق.. سوف ينجو أصدقاؤك، من آل بونتون، من العقاب. فقالت سارة: لقد كانت هذه المخلوقة رهيبة في حياتها.. ورهيبة في موتها.. وإني لأشعرالان أنها تستمتع بما يعانونه من أجلها. حينها انضم السيد بوارو إليهم وقال: هناك أمور ما زلت أجهلها، فمثلاً: لماذا قدمت السيدة بونتون مع أسرتها إلى هنا. فقال جيرار: لعله الملل. حينها قدمت الآنسة جيني. فقال لها بوارو: هلا تتكرمين بالمشي معي قليلاً يا آنسة؟ وبعد أن مشوا سوية قالت جيني: لا شك أنك جئت إلى هنا لحمايتي. فقال بوارو: وهل أنتِ في بالفعل في خطر؟ قالت: إنني أميرة ملكية متخفية، وإنهم يبغون قتلي يا سيد، ولكن الدكتور جيرار طيب القلب، إنه يحبني بكل جوارحه. فقال بوارو: يحبك؟؟؟ فقالت جيني: نعم. فقال بوارو: أين كنتِ يوم الوفاة؟ فقالت: كنت موجودة في خيمتي، ولكني لم أخرج منها خوفاً من أن يقتلوني. لقد أطل واحد منهم برأسه إلى داخل خيمتي، وكان متنكراً بملابس العرب.. وكان هذا الشيخ يريد أن يقتلني. 

 أثناء عودته إلى الفندق التقى بوارو بالآنسة بيرس، التي اندفعت نحوه تقول بحماس: علي أن أخبرك بما رأيت في اليوم التالي ليوم الوفاة. لقد استيقظت مبكراً ورأيت إحدى بنات آل بونتون، وأعتقد أنها كارول، رأيتها تلقي بشيء يلمع في الجدول. وعندما مشيت على ضفة الجدول بعد ذلك، شاهدت الآنسة كنج هناك.. ورأيت صندوقاً صغيراً معدنياً ، وأدركت أنه هو الذي ألقت به الآنسة كارول في الجدول. إنه صندوق معدني من النوع الذي يُحتفظ فيه بالمحقن الزجاجي، فتناولته لأرى ما فيه، وقد وجدت المحقن فيه سليماً غير مكسور.. وفجأة أتت الآنسة كنج وقالت إن المحقن هذا يخصها وإنها جاءت لتبحث عنه، ثم أخذته وانصرفت. 
أتم بوارو استعدادته وجاهزيته لمواجهة جميع الذين تدور حولهم شبهات ارتكاب الجريمة.. وقد جمّع جميع أفراد أسرة بونتون في جانب، وفي الجانب الآخر جلس الدكتور جيرار وسارة وكوب . وأمامهم جميعاً جلس الكولونيل كاربري. ثم أخذ بوارو يقول: أيها السادة والسيدات، إن كل شيء في وفاة مسز بونتون كان يدل على أنها وفاة طبيعية بالفعل .. الرحلة الشاقة وإجهاد السيدة بونتون، وكبر سنها ومرضها بالقلب. ولكن الدكتور جيرار بلّغ عن فقدان عقار شديد المفعول من حقيبة أدويته، وأن هناك محقناً أخذ في يوم الوفاة من حقيبته ثم أعيد إلى مكانه، كما لوحظ على معصم السيدة المتوفاة، علامة ناشئة من وخز إبرة محقن طبي. 

 على أية حال الوفاة لم تكن طبيعية. يوجد هناك حافزاً قوياً لارتكاب الجريمة، وهو المال. إن كل فرد من أفراد أسرة بونتون سوف يستفيد من موتها ويرث ثروة طائلة، هذا عدا عن تحررهم من طغيانها وسيطرتها . واتجهتْ أول شكوكي إلى السيد ريموند الذي سمعته ذات ليلة يدبر أمر قتلها. ولكنه في تلك الليلة كان في حالة من التوتر العصبي الشديد، كما كان وقتها قد وقع في شرك الحب مع الآنسة سارة. أما بالنسبة للآنسة كاورل فإنها مثل أخيها ريموند كانت تعاني من قسوة زوجة أبيها، وقد بلغت مثله أقصى درجات التمرد، ولذا اشتركت معه في خطة للقضاء عليها، ولكني سأفترض أنها بريئة. حينها قال ريموند: لا داعي لكل هذا الكلام الطويل يا سيد بوارو، إنني أعترف الآن أن زوجة أبي كانت ميتة بالفعل حين ذهبتُ لها في الساعة السادسة إلا عشر دقائق، وقد صُدمتُ حينها ، لأنني كنت أنوي أن أصارحها بأمر زواجي من سارة، ولكن حين رأيتها ميتة، ظننت أن كارول نفّذت الخطة، فلذلك التزمت الصمت. فقال بوارو: خبرني ما هي الخطة التي وضعتها للتخلص من زوجة أبيك؟ عليك مصارحتي بها إذا أردتَ مني تصديقك. فقال ريموند: كنت أنوى في الماضي قتلها بحقنها بمحقن فارغ إلا من الهواء. ولقد سرقت محقن نادين من حقيبتها. فقال بوارو: وهنا نكتشف الغموض الذي يلف ذلك المحقن الذي ألقت به كارول في جدول الماء . فلقد أخذه ريموند من أمتعة نادين في القدس، وأخذته كارول من خيمته عندما إعتقدت أن ريموند قد نفذ خطته وقتل زوجة أبيها، وعثرت عليه الآنسة بيرس على ضفة الجدول، وأخذته الآنسة سارة قائلة إنه ملكها. وأظنه الآن مع سارة. فقالت سارة: نعم. فقال بوارو : وفي النهاية تأكدتُ من القاتل حين سمعت السيدة بونتون تقول للآنسة سارة في بهو فندق بالقدس: إنني لا أنسى شيئاً أبداً، تذكري هذا. لا أنسى قط .لا أنسى تصرفاً، ولا إسماً، ولا وجهاً. ثم أكمل بوارو: لقد أخِذ جزءٌ من عقار الديجيتوكسين السام من حقيبة أدوية الدكتور جيرار، وأخذ منه محقن ثم أعيد. وتوجد هناك علامة وخز إبرة المحقن على يد معصم المتوفاة. وهنا يوجد احتمالان: إما أن يكون الدكتور جيرار لم يبحث بشكل جيد عن المحقن بسبب حالة الحمى التي كان يعاني منها ، أو أن القاتل سرق المحقن لأنه لم يتمكن من الوصول إلى زجاجة الدواء الخاصة بالضحية ليضع فيها السم، وهذا يعني أن القاتل خارج أسرة بونتون . 

سكت بوارو للحظة ثم أكمل: إنه بالتأكيد ليس السيد كوب لأن ليس له أي مصلحة في قتل السيدة بونتون، وليست الآنسة سارة أيضاً إطلاقاً، فهي آنسة مثقفة وطبيبة، ولا يمكن أن تفعل ذلك لكي تتزوج من ريموند، وليس الدكتور جيرار بطبيعة الحال لأنه كان محموماً، ولكنك يا سيد جيرار ربما قررت أن تتولى علاج جيني وإنقاذها من المصير الرهيب الذي كانت تنحدر إليه، وقررت التضحية بالأم العجوز لإنقاذ الملاك الطاهرة جيني. حينها قال الدكتور جيرار: يا لخيالك الواسع. وأكمل بوارو: عندما قالت السيدة بونتون إلى سارة عبارتها: إنني لا أنسى أبداً شيئاً. تذكري هذا، لا أنسى تصرفاً، ولا إسماً، ولا وجهاً. كانت تنظر إلى شخص قريب من المكان، لقد كانت تنظر إلى شخص آخر وراء سارة. أرادت أن يكون هناك ضحية جديدة تمارس عليها نزعتها المتسلطة الشديدة في الطغيان والسيطرة. فلهذا أرسلت عائلتها في نزهة في المنطقة كي تنفرد بالضحية الجديدة. 

أكمل بوارو: لقد رأتْ السيدتان الليدي وستولم ومس بيرس رجلاً عربياً يدخل إلى غرفة جيني، ومن المحتمل أن يكون العامل العربي دخل خيمة الطبيب، التي تجاور خيمة جيني. وكان من الصعب عليهما ن تتبيّنا وجهه، ولكن الليدي وستولم قالت إنها لاحظت بشدة عدم إحكام الحزام على ساقيه. أليس هذا مثيراً للتساؤل وعجيباً؟ فما دامت لم تستطع رؤية وجهه بسبب بعد المسافة، فكيف تستطيع رؤية حالة الحزام على ساقيه. لقد كانت هذه غلطة كما ترون. وهنا أريد أن أعلمكم أن الليدي وستولم هي من لبست ملابس العرب، واندفعت إلى خيمة جيرار، وأخذت المحقن والعقار من حقيبته، ومضت إلى خيمتها مرة ثانية. وعندما كانت العجوز غافية على مقعدها، ذهبت إليها وحقنتها بالعقار السام. =ولكن لماذا أرادت الليدي وستولم قتل السيدة بونتون؟ لقد كانت السيدة بونتون توجه عبارة "لن أنسى وجهاً، ولا إسماً، ولا تصرفاً " للليدي وستولم، التي كانت جالسة بجانب سارة. فالسيدة بونتون كانت سجّانة قبل زواجها، وقد تعرّف اللورد وستولم بزوجته هذه أثناء عودته بالباخرة من رحلته إلى أمريكا، ولقد كانت الليدي وستولم مجرمة في أمريكا أمضت بضع سنوات من عمرها في أحد السجون. ويمكنكم أن تتصوروا الفزع الرهيب الذي ملأ قلب الليدي وستولم حين وجدت نفسها أمام سجانتها السابقة. فكل حياتها أصبحت مهددة في يوم وليلة. ونحن لا نعرف السبب الذي سُجنت لأجله، وأيّاً كان السبب، فهو كفيل بنسف كل مكانة اجتماعية رفيعة وصلت إليها الليدي وستولم، إذا شاع أمره بين الناس. 
لقد كانت السيدة بونتون تستمد سعادتها من تعذيب ضحاياها. فطلبت السيدة بونتون من الليدي وستولم أن تراها في بترا، للإنفراد بها والتمتع بتعذيبها، فوافقت الليدي وستولم، وكان هدفها هي هو التخلص من السيدة بونتون. ولكنها ارتكبت خطأين: الأول: عندما وصفت العامل العربي بدقة، والثاني: عندما دخلت خيمة جيني في أول الأمر، وهي تحسبها خيمة الدكتور جيرار. وهذا ما يفسر حديث جيني عن الشيخ العربي الذي دخل غرفتها وأراد أن يختطفها كما توهمت. وما كاد بوارو يكمل حكايته حتى سمع الجميع دوي طلق ناري من الغرفة المجاورة. فقال بوارو وهو يبتسم بخبث: الليدي وستولم! 

صدرت صحف اليوم التالي في القدس ولندن تحمل النبأ التالي: 
"يؤسفنا أن نذيع خبر موت الليدي وستولم، عضو البرلمان الإنجليزي، أثر حادث أليم. حيث وجدت بحجرتها مصابة بطلق ناري والمسدس في يدها.. وقد اتضح أن المسدس انطلق أثناء تنظيفها إياه. وكانت الوفاة فورية". 

وبعد هذه الأحداث بخمس سنوات، كانت سارة وزوجها ريموند جالسين في مقصورة خاصة بمسرح لندن يشاهدان مسرحية هاملت. وأمسكت سارة بذراع ريموند حين صعدت إلى خشبة المسرح، الممثلة الذائعة الصيت جنيفرا بونتون، لتقوم بدور أوفيليا. وهمست سارة لزوجها: ستكون أعظم ممثلات عصرها. 

وفي ساعة متأخرة من تلك الليلة، في المطعم، قالت نادين لزوجها لينوكس: هل يمكن أن ندع طفلينا يشاهدان المسرحية في الحفلة المسائية ؟ فرفع لينوكس كأسه وقال: إلى الزوجين الجديدين.. السيد كوب وكارول. فقال ريموند: إن صاحبنا كوب يشعر بالخجل.. ألا ترون احمرار وجهه؟ وفجأة جاء بوارو وحيّاهم. فحيّوه وأفسحوا له مكاناً بينهم. ارتسمت على وجهه ابتسامة وقال لسارة: يبدو أن كل شيء على ما يرام مع أفراد أسرة بونتون. لقد أصبح زوجك ريموند مشهوراً بفضل كتبه. قالت سارة: إنه عبقري بلا شك. 



                                                   النهاية.