السبت، 6 يوليو 2019



تلخيص رواية: 
 بريدا: باولو كويلو. 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.





 بادرَتْ: أريد أن أتعلم السحر. حملق المجوسي فيها بإستغراب . كانت ترتدي جينزا قديماً وقميصاً عادياً، وفي عينيها تلك النظرة الثاقبة المتحدية التي تعتلي الوجوه الخجلة. فكّرَ: لا بد أنني أبلغ من العمر ضعف عمرها .. قالت: إسمي بريدا. فقال لها : لماذا ترغبين تعلم السحر؟ فقالت: لأنه ربما قد يوصلني إلى إجاباتٍ عن تساؤلاتي حول الدنيا. 

أشار إليها المجوسي كي تتبعه. مضيا يسيران عبر الغابة، كان الصمت يلازمهما الا من بعض كلمات . اجتازا مراراً دروباً دائرية، يسيران في البقعة نفسها عدة مرات. إعتقدت بريدا احتمال ، أنه يمتحنها. كانت مصرة على اجتياز التجربة حتى النهاية. فهي قد اجتازت مسافة طويلة تُعلق أمل كبير على لقاء المجوسي. لقد توجب عليها أن الإستيقاظ باكراً لتبدأ رحلة تستغرق أربع ساعات حتى تصل بعدها إلى القرية، فتسأل عن مكان وجود هذا المجوسي. وبعد أسئلة كثيرة وعناء طويل، أخبرها أحدهم أنه قد يكون في أي موضع من الغابة، ولكنه حذرها من أن المجوسي قد سبق له وحاول إغواء إحدى فتيات القرية. 

كانا يتوغلان داخل الغابة صعوداً. الى أن وصلا أخيراً وبلغا قمة تلة، بعد أن عبرا الغابة بأكملها. حينها قال المجوسي: سأطرح عليك سؤالاً مهماً ، وعليك التزام الصراحة القصوى في الإجابة عليه ... لنفترض أنني بدأتُ بتعليمك ما أعرفه وأرشدتك إلى الخبايا لعالمي ، وجاء يوم، قصدت فيه وسط البلدة لشراء بعض الحاجيات والأطعمة، وهناك قابلت حبك المنتظر في وسط الشارع... فيتوجه نحوك، ويستدرجكما الحب. تثابرين على الدورس معي، خلال النهار، أعلمك حكمة الكون، وأثناء الليل، يعلمك هو حكمة الحب. ثم يأتي يوم، لا يعود فيه بإمكان هاتين الحكمتين التعايش معاً ، فيجب عليك أن تختاري. فكرت بريدا ونظرت بعيداً، ثم قالت: لا أرى أن بحثي في الروحانيات وإكتشافي ما أسعى اليه يمكن أن يناقض سعادتي الشخصية. ولكن إن حدث هذا، سوف أتخلى عن كل شيء. حينها قال المجوسي: قلت الحقيقة. سأكون مُعلماً لك. ثم تفرّس المجوسي وتامل في وجه الفتاة. تمنى من ملئ قلبه أن تفهم تعاليمه، فهي ستكون رفيقة روحه، وإن لم تكن قد أدركت هى ذلك بعد ، وإن تكن لا تزال شابة نضرة يسحرها هذا العالم، بما فيه من أشياء وبشر. 

عبر الظلام الكثيف ، تتبعت بنظرها بريدا طيف المجوسي وهو يتراجع نحو الغابة. كان الخوف والرعب يتملكها جراء بقائها وحيدة هناك، لكنها حاولت جاهدة الإحتفاظ بهدوئها. إن ذاك هو درسها الأول. قالت بريدا لنفسها: قَبِلني ورضي بي تلميذة له، ولا يمكنني أن أخيّب ظنه. لعله وجد بي شيئاً ما يثير اهتمامه. ثم فكرت بريدا: ربما كانت الوحدة التي يعيشها هي ما جعلته أكثر جنوناً وتهوراً . فجأة علا صوت ثقيل في الجوار. قفزت بريدا من مكانها. ثم فكرت في ضرورة أن تتمالك وتسيطر على نفسها. راحت تحدث نفسها: إن لديّ إيماني. إيماني بالله القدير وبملاكي الحارس الذي قادني إلى هنا، وهو يلازمني مع كل خطوة أخطوها. أحست بوجود ملاكها الحارس وفكرت، في سرها، أن عليها فعلياً الأيمان به. ينبغي أن تثق به، وهذه الثقة هي ما تسمى بالإيمان. لم يتمكن أحد من فهم الإيمان يوماً، لكنها الان ، ها هي تختبره، تخوض غماره في أحلك الليالي. حينها إطمئنت وأرخت بجسدها على الصخرة، وغطتْ في نوم عميق ساكن . 

 حين إستيقظت بريدا كان النهار قد حل ، والشمس قد ملأت بأشعتها الذهبية كل شيء من حولها . بالرغم من يقينها من أنها لن تجده،حاولت البحث عن المجوسي في كل مكان ، لا بد من أنه يجول في الغابة من شرقها لغربها الآن . حينها نظرت إلى ساعتها بريدا وأدركت أن النهار سيمضي عليها بسرعة . كان يجب عليها اللحاق بالباص والسفر لأربع ساعات، والتفكير في حجة مقنعة تخبر حبيبها بها . فمن المؤكد أنه لن يستطيع ان يصدق قصة إمضائها ليلة كاملة بمفردها في الغابة. حينها كانت عينا المجوسي تراقب الفتاة وهي تتوارى خلف الغابات. لقد أصغى إلى مخاوفها وقلقها ، وأنصت إلى نحيبها طوال الليل. وقد راودته رغبة أن يحضنها وينتزعها من ذعرها ويشعرها بالأمان ، ولكن أسعده أنه لم يفعل ذلك . وشعر بالفخر والزهو لأن تلك الفتاة هي رفيقة روحه. 

في وسط مدينة دبلين، هناك مكتبة متخصصة في أمورومسائل السحر والتنجيم. سألت مالك المكتبة إن كان يعرف شخصاً يستطيع أن يعلمها طريق السحر. ناولها قصاصة من الورق مكتوب عليها رقم هاتف وإسم "ويكا". كان على بريدا الإنتظار لمدة أسبوع لتنال موافقة ويكا على زيارتها. أمسكت ويكا بأوراق التارو وخلطتها وقالت لبريدا: يجب أن تفكري في رفيق روحك. ومن دون معرفة فلسفة رفيق الروح، لا يمكننا استيعاب انتقال المعرفة عبر الزمن. سألتها بريدا: وكيف أعرف رفيق روحي. فقال ويكا: من خلال بقعة ضوء تعلو كتف رفيق روحك اليسرى. تأملي الأوراق، وهي كفيلة بتعليمك كل ما تحتاجين. 
 طوال أسبوع كامل، كانت بريدا تكرس نصف ساعة يومياً لتتأمل أوراق التارو، في محاولة لفك رموز أحرفها الخفية. وفي كل مرة كانت توزع فيها الأوراق، كانت في سرها تكرر وتقول أن الأمر لا يمكن أن يكون بهذه البساطة والسهولة . لم تكن لتبارح فكرة شق الروح ذهن بريدا. مرةً حدثت نفسها بشيء من الدعابة وهو أن لقاء النصف الآخر منها هو أمر لا وجود له سوى في حكايات الخيال. قضت بريدا إسبوعاً وفكرة شق الروح تستحوذ عليها كلياً، تملكها شعور مخيف ومرعب: ماذا إذا أنها اختارت الرجل الخطأ؟ وعندما أفاق في الليلة الثامنة للقيام بجلسة التأمل في أوراق التارو، قررت أن تدعو صديقها لتناول العشاء خارج البيت . 
 على مهل تناولا عشاءهما . كان يداعب لورنس شعر بريدا، فقالت له كونه أستاذ فيزياء: لورنس، هل من المنطق والممكن فيزيائياً أن تكون ذرات جسدي قد كونت جسم شخص عاش من قبلي؟ فصمت لورنس للبرهة ثم قال: نعم هذا ممكن. أصغت بريدا وكانت أفكارها تسرح في مكان آخر. جل ما أرادت معرفته ورغبت به هو إن كان هذا الرجل الذي يحضنها بحنان غامر، قد شكل يوماً جزءاً منها. وعلى صوت الموسيقى همست بريدا: أحبك يا لورنس. كانت بريدا مفعمة بأمل أن يكون في هذا الشاب العارف شعاع النجوم، بعض من الشخص الذي كانته يوماً. 

 بقي يومين أمام بريدا قبل أن تلتقي بويكا، السيدة العالمة بالسحر. كانت تعرف بريدا أنها قد بذلت قصارى جهدها كي تتعلم أسرارورموز أوراق التارو، ولكن رفضت الأوراق أن تتكشف عن أسرارها. حينها أتي على مخيلتها صورة المجوسي، فربما تمكن من مساعدتها. ولكنها كانت قد قطعت عهداً على نفسها ألا تعود إليه، إلا إذا كان في جعبتها معرفة وعلم للسحر تكفيها لمواجهة المجوسي من جديد. 

بعد يومين، جلست ويكا أمام بريدا، فقالت ويكا: طريق السحر ـ كما درب الحياة ـ لا تُفضي ولا تؤدي إلا إلى الغموض، وستبقى كذلك إلى الأبد. فالتعلم يعني الإطلاع والإحتكاك بعالم لا نعرف عنه شيئاً. كي نتعلم، ينبغي علينا أن نتحلى بالتواضع. أما عن أوراق التارو التي لم تتمكني من فهمها، ففي كل مرة يا بريدا وزعت فيها تلك الأوراق، فقد كان قد تولد لديك تصور مسبق عما سيحدث. ولكن لم تسمحي لها بأن تخبرك قصتها، بل إنك حاولت أنت أن تجعليها تؤكد لك ما ظننت أنك تعرفينه. 

 عند بلوغ العصر، كانت كل من بريدا وويكا قد بلغتا جبالا تبعد حوالي 15 ميلاً جنوبي دبلن. وحين وصلتا إلى الغابة، قالت ويكا لبريدا: اطلبي الإذن يا بريدا لولوج الغابة، فأرواح الغابات كالأرواح الطيبة تحبذ العادات التي تنم عن ذوق رفيع. فطلبت بريدا الإذن. وفجأة بدا لها أن الحياة قد دبت فجأة في الغابة التي لم تكن، حتى اللحظة، سوى غابة عادية. ثم جلستا إلى جانب صخرة وبدأت ويكا تتكلم: أخبرتك أن أحد أعظم أسرار السحر هو: شق الروح. إن حياة المرء كلها على سطح هذا الكوكب ، تُلخّص بالبحث عن توأم روحه. ويمكن أحدنا الإدعاء أنه يسعى وراء المال أو الحكمة أو السلطة، ولكن أياً من تلك الأشياء لا يهم. فكل ما يحققه المرءمن نجاحات وحاجيات يظل ناقصاً إذا فشل في إيجاد نصفه الآخر. أمرت ويكا بريدا بالإستلقاء. فاستلقت وتراخت بريدا ومدت رجليها. فوقها كانت زرقة السماء تتوهج صافية. فقالت لها ويكا: خوضي في البحث والتفحص عن موهبتك. لن أتمكن من مرافقتك اليوم ولكن لا تخافي. فكلما أدركتِ سر نفسك فهمتِ العالم من حولك، ودنوت من نصفك الآخر. 

أفاقت على قطرات الماء وهي تتصبب فوق وجهها. راودها حلم غريب وغير مفهوم . سمعت صوتاً يقول : هل أنت علي ما يرام يا لوني؟ ولكنها لم تكن بخير. لم تكن لديها رغبة في الكلام، لأنها أرادت نسيان ذلك الحلم. قبل أن تفتح عينيها كان المطر قد توقف عن الهطول. نادت برفق: تالبو. كم مضى من الوقت؟ فغمرها تالبو بذراعيه وقال: ثلاثة أيام مرت وأنت نائمة .كان تالبو زوجها محارباً مرتزقاً. قدم حينما قدم مرتزقة آخرين، وقال أحدهم لتالبو: سيدي إن الكهنة يعمدون إلى جمعنا. قال آخر: لقد جُنّدنا كي نحارب، لا حتى نموت. فقال تالبو: قدّم الفرنسيون إلينا شروط الإستسلام. سوف نستمر في الحرب. فقالت لوني: لا أرجوك يا تالبو، دعنا نذهب من هنا. تملّك لوني فجأة سخط على الحياة فقالت: قد لا نلتقي مجدداً، وأريدك أن تعلم بأنني أحببتك طوال حياتي. أحببتك حتى قبل أن ألتقيك. فأنت جزء مني! 
 سمعت صوتاً يقول لها: بريدا استيقظي! فتحت عينيها ورأت ويكا. سألتها ويكا: ما هي موهبتك ؟ فقالت بريدا: كنت امرأة واقعة في غرام .... فقاطعتها ويكا وقالت: أنت جزء من تلك المرأة التي تتحدثين عنها، أما الآن فيجب علينا المغادرة. قطعا رحلة العودة الطويلة. لم تُعلق طوال الطريق ويكا على تجربة بريدا سوى عندما جلستا مجدداً على الأريكتين المعتادتين، فقالت ويكا: لا تحاولي أن تجدي تفسير لعواطفك. عيشي كل تجربة بجوارحك كلها، واحتفظي بما شعرت بأنه هبة ونعمة من الله. حينها إنتصبت بريدا وقالت: لماذا تضيّعين وقتك معي؟ ولِمَ تريدين تعليمي؟ فقالت ويكا: لأن الحكمة تُملي عليّ أن أفعل ذلك. لأنك تنتمين إلى نفس الجنس ونفس المجموعة التي ننتمي إليها أنا وأصدقائي. أنت تنتمين إلى جنس السحرة. أنت ساحرة!!!!!. 

على مدى أسبوع كاملاً، ثابرت بريدا بهمة على الإستيقاظ سريعاً، وكَدّت في عملها في المكتب الذي تعمل به، وحازت على ثناء ومديح مديرها . وكلما راودتها فكرة حول لقائها بالمجوسي في الغابة، أو إحدى الساحرات في المدينة، كانت تكدّ وتثابر في العمل أكثر وأكثر. وفي أحد الأيام حين التقت بلورنس، ذهبا إلى شقتها. وهناك قال لها: أخبريني بكل شيء. وسوف أحترم إلى أي قرار تتخذينه، حتى لو قلت أنك التقيت بشخص آخر، وأنَّ جلستنا هذه هي جلسة وداعيه . أنت بت مختلفة عن نفسك هذه الأيام. جلست مقابله ، وحدثته بالكامل ، بكل ما حصل منذ لقائها بالمجوسي في الغابة. استمع لورنس إليها بصمت تام. ثم أحست بعدها بأنها منهارة ومتعبة. كانت في حاجة شديدة إلى الخلود إلى الفراش. فالنوم هو المملكة السحرية الوحيدة التي يمكنها دخولها بحرية. 

في الصباح مشت بريدا بعضاً من الوقت في الجبال المشجرة قبل أن تعثر على المجوسي. كان يجلس على صخرة بالقرب من قمة الجبل، متأملاً وادي الغرب. فسألته وهي تدنو منه: هل هو الله إله الجمال فحسب؟ وإذا صح ذلك الكلام ، فماذا الأماكن القبيحة والأشخاص البشعين في هذا العالم؟ لم يردّ عليها المجوسي بجواب بل قال: إجلسي ووحاولي ان تمتّعي بغروب الشمس. وعندما جلستْ بريدا تتأمل الغروب، أدركت وقتها أن ما تحارب من أجله في حياتها، هو بالضبط ما تقوم بفعله الآن، أي القدرة على الجلوس يوماً ما لتتأمل مثل هذا المشهد. جلسا بصمت يشاهدان ويتابعان غروب الشمس إلى أن اختفى آخر شعاع من أشعتها. 
 شعر المجوسي وهما يهبطان عائدين من الجبل، كم أنه محظوظ لوجود بريدا إلى جانبه. قال المجوسي لها: لنذهب إلى بيتي. سأحضر بعض الشاي، ويمكنك هناك أن تحدثيني عن المسائل المهمة حقاً في حياتك. ترددت قليلاً بريدا. فهو رجل جذاب كثيراً، وهي امرأة أكثر جاذبية. وخشيت أن تضع الليلة حدّاً لتلمذتها. ولكنها عادت قالت من جديد في سرها: عليّ أن أركب وأتحدى المخاطر. 

يقطن المجوسي خارج القرية على مسافة بعيدة بعض الشيء. ولكن بيته بدا مريحاً كبيت ويكا. سألته: لماذا تهدر وقتك معي؟ فقال المجوسي في نفسه : (لأنك توأم روحي)، ولكنه أجابها :لأنني بحاجة لمن أتحدث معه. فسألته بريدا: كيف أجد توأم روحي؟ فكاد يفلت منه القول ويقول: (((إنه معك هنا تماماً) ))إلا أنه قال لها: إن هذا الشئ هو ما يبحث عنه كل من على هذه الأرض. لقد صنعت حكمة الشمس إشارة في العالم، هي بريق خاص بالعين، يراه كل واحد فينا، فيعرف أن الشخص هو توأم روحه. وهنا قالت: يجب أن أذهب. 
انتظر المجوسي إلى أن هبطت بريدا الدرج وغادردت . جلس عند عتبة الباب، وراح يفكر في بريدا. تمكن من رؤيتها في الباص، كان فوق كتفها الأيسرهالة الضوء : هالة الضوء الذي بإمكانه وحده أن يراه لأنه توأم روحها. وفكر أيضاً، ببعضٍ من الخشية، في أنها واقعة في الحب. ثم جلس وقتاً طويلاً يتأمل الليل، ويفكر في بريدا. أخذ يقول في خاطره : سوف تكتشفين بنفسك أن ليس في الحب من مخاطر . فمنذ آلاف وآلاف السنين والناس يبحث بعضهم عن بعض، و كل منهم يجد شق روحه. ولكنه أدرك فجأة أنه قد يكون مخطئاً، توجد دوماً مخاطرة واحدة: وهي أن يلتقي شخص واحداً بأكثر من توأم روح في التجسد ذاته، كما جرى خلال آلاف السنين من قبل. 

 خلال الشهرين التاليين عملت ويكا ، على تلقين بريدا أول مباديء السحر الغامضة التي يمكن للنساء ان يتعلمنها أسرع من الرجال. وطلبت إليها ويكا أن تُولي انتباهها لصوت العالم الدائم. وقالت لها إنه أينما كنت يمكن سماعه سماعه . فهو ضجيج لا يتوقف أبداً، موجود في السماء وعلى قمم الجبال هناك ، وفي قعر المحيط وفي المدن. ويجب على أي ساحرة أن تدرك وتعلم هذا جيداً، لكونه جزءاً مهماً من هذه الرحلة. ولكن بريدا لم تكن وتهتم لسماع أصوات، بل أرادت من كل هذا أن تجد توأم روحها، ولكنها لم تقل هذا لويكا. 
شرعتا، كل من ويكا وبريدا، في الذهاب، مرة في الأسبوع، إلى الغابة حيث هناك تعلمت بريدا أسرار الأعشاب. فكل شيء موجود في العالم، بالنسبة لويكا، يحمل توقيع الله، وخصوصا النبات. كما علّمت ويكا بريدا الرقص. أخبرتها بأنه يجب عليها أن تتعلم كيفية تحريك جسدها على صوت العالم، تلك الذبذبة الدائمة الوجود. 
وفي أحد أيام زيارات الغابة، أتت ويكا على فسحة خالية من الأشجار. كانت النار مشتعلة في المكان. وبدأت الكثير من النساء بالتوافد على المكان بعد أن دعتهن ويكا. ثم راحت ويكا تقول: في مثل هذا اليوم من كل سنة، تجتمع ساحرات العالم للصلاة. ونحن بحسب الحكمة ، نتجمع في يوم القمر التاسع من السنة حول النار، التي شكلت حيوات شقيقاتنا المضطهدات وموتهن. وبدأن جميعهن بالصلوات. 

التقت بريدا بالمجوسي في نفس المكان الذي التقت به من قبل. أمضيا فترة بعد الظهر وهما يمشيان عبر الغابة المكسوة بالثلج. تكلما عن النباتات، والمنظر الطبيعي الخلاب الذي يشاهدانه. وأخذ الإحساس بالخوف والوجل والشعور بالتوتر الذي طالما انتاب بريدا وهي مع المجوسي يتلاشى شيئاً فشيئاً، فقد بات هذا الرجل الغامض الذي إلى جانبها جزءاً من عالمها. قال لها المجوسي: نحن نقيم علاقتنا بالعالم من خلال حواسنا الخمس. والإنغماس في عالم السحروخباياه يعني اكتشاف حواس غير معروفة أخرى . 

 عادت بريدا إلى بيتها، ومرة أخرى جلست تفكر في المجوسي .أرادت أن تخبره بما تتعلمه من ويكا، ولكنها تعرف في داخلها أن هذه ليست إلا ذريعة. فما كانت ترغبه فعلاً هو أن يدعوها إلى الذهاب في رحلة جديدة للتجول في الغابة. وهي متيقنة من أنه سيسر لرؤيتها. فكرت في داخلها وهي تحاول أن تنزع المجوسي من رأسها، ولكنها عبثاً ما تحاوله. هي لم تشأ الإستمرار في أن تعجب فيه. فهي امرأة تحب وتألف أعراض الوقوع في الحب ، والان عليها أن تتفاداه مهما يكن الثمن. فقد أحبت لورنس، وترغب أن تستمرالامور على ما هي عليه. لقد تغير عالمها أكثر ما يجب!!!!!. 
في تلك الليلة أمضت بريدا ساعات وساعات ، تستمع وتصغي الى صوت الموسيقى، وهي مأخوذة كلياً بمعجزة أنها حية. أنهت أداء شعائرها، وصلّت صلاة عرفان. ثم رغيت في تقديم الشكر لأول شخص علّمها السحر، ولم يحاول أن يشرح لها عن معاني الكون، بل عوضاً عن ذلك جعلها تقضي الليل بطوله في غابة مظلمة. هي لا تخشى الوقوع في حبه. فقد رأت في عيني لورنس أموراً جلية عن الجانب الخفي والغامض لروحها، واتضحت وتكشفت لها الأمور تماماً في ما يتعلق بحبه. 

قالت للمجوسي وهما يهمان بالجلوس: في تلك الليلة الوحيدة المظلمة التي تركتني فيها وحدي في الغابة، أخذت على نفسي عهداً بالعودة، إما أن أتي لأشكرك، وإما لأمطرك بلعناتي. والآن، ها انا قد جئت لأشكرك لأنك علمتني أن الحياة فعل إيمان، وأنني جديرة بالبحث، وقد ألهمني ذلك الأمر كثيراً في الإهتداء إلى أن اسلك الطريق التي اخترتها. ثم شربا نبيذاً وواصلا الحديث والشرب. سعدت بريدا لشعورها بأنها تحظى باهتمامه. لا بد من أنه مستوحش كثيراً فهو شخص وحيد . نسيت، مع إنهائهما الزجاجة الثانية، أنها هنا قد جاءت لشكر الرجل الجالس أمامها . فقالت له: أخبرني عن الساحرة ويكا وعن علاقتك بها. فقال: إنها مسألة حب في عمر الشباب. فوجئت واندهشت بريدا لسماعها هذا. سألته: لماذا افترقتما؟ فقال: لقد افترقنا عندما تعلمنا أموراً عن توائم الروح. أخذ المجوسي ينظر ويتامل إلى الشابة قبالته وقال لها: هيا لنذهب. خرجا من الحانة، ومشيا إلى محطة الحافلات. قالت إنها تشعر بتعب وبتوعك، ولم تصعد إلى الحافلة.ثم قالت: لا أريد المغادرة، لأنني لم أشكرك كما يجدر بي أن أفعل. سارا عبر القرية الخالية، كانت النوافذ معتمة وأنوار الشوارع مضاءة. ، فقالت بريدا أنا مخمورة حد الإنتشاء، كان عليها ان ترى في محفظتها إذا كانت تحمل ما يكفي لدفع إيجار تاكسي العودة. ولكن لحظتها رأت الضوء في عيني المجوسي، ذلك الضوء الذي ينبئها ويخبرها بأنه توأم روحها !! إنها في الحادية والعشرين من عمرها ، إلا أنها تعلم بالفعل أن من الممكن لتوأمي روحين أن يلتقيا في التجسد ذاته، لكن النتيجة الحتمية لهذا التجسد هي الألم والعذاب. حينها نظرت إلى المجوسي وقالت: لن أعود إلى البيت ، سأبقى هنا. أبرقت عينا المجوسي، إذ تحول ما كان أملاً إلى يقين. 
واصلا السير، راقب المجوسي لون هالة بريدا يتغير عدة مرات، وأمل أنها تسلك وتسير الطريق الصحيحة. شاهدت بريدا هالة النور تعلو كتفه اليسرى. تبادلا كل من بريدا والمجوسي الإعتراف بالحب. وها هما، مثل أي زوجين آخرين في مثل هذه الظروف، مرتبكان من تبادل النظرات والصمت . استمرا على هذه الوتيرة، إلى أن كسر المجوسي الصمت وقال: عليك أن تعودي إلى دبلن. فوافقت بريدا رغماًعنها. فكم بات من الصعب التخلي عن توأم الروح حين العثور عليه. تصورته يعود إلى المنزل وحيداً، يتساءل متى ستعود مرة اخرى . وهي ستقفل راجعة، لأن قلبها يطلب إليها ذلك برغم أن تحمّل وحدة الغابة أصعب مما هو في المدن. 
سألت بريدا أمها عندما عادت إلى البيت: هل سبق وأن وقعت في حب رجلين معاً يا أمي؟ فقالت أمها: نعم، سبق لي ذلك . كان والدك هو حبي الأكبروالأول . وأنا لا أزال سعيدة معه. عندما قابلت والدك، رأيت في عينيه بريقاً خاصاً، كما لو أنني التقيت، بعد طول انتظار، بالشخص الذي رغبت كثيراً في أن تجمعني به الأقدار . وتزوجنا. وفي أحد الأيام قررت أن أذهب للصلاة في الكنيسة. ولكنني عندما وصلت التقيت رجلاً كان يجلس هناك وبدا ضائعاً كلياً، فتوجهت اليه وتحدثت معه . وعرفت فيما بعد أنه عالم آثار. وبعد محادثات عديده بيني وبين هذا الرجل، أمكنني أن أرى في عينيه رغبته فيّ بقوة، فشعرت وكأنني عدت شابة من جديد. ولكنه غادر بعد عدة أيام، ولكنني ما زلت أفكر فيه في كثير من الأحيان . أود لو أعرف مكانه، ومع ذلك فإني لم أكف لحظة قط عن حب والدك، ولو ليوم واحد. 

صعدت بريدا الدرج ووقفت خارج الكنيسة، ثم دخلت وأخذت تقول: ربي، جميعنا موجودون على الأرض لركوب مخاطر تلك الليلة الظلماء. أخاف الموت، وأخشى أكثر من أن تذهب حياتي هدراً. أخاف أن يُلزمنا الحب بأمور تتجاوز إدراكنا. صحيح أنه يُشعّ نوراً وضّاءاً على درجة كبرى من التألق، ولكن الظلال التي يطرحها ترعبني. أدركتْ بريدا فجأة أنها تصلي. وذلك الإله الصامت، البسيط، ينظر إليها. ثم وجدت نفسها تنتحب بصمت، برغم أنها لم تعرف السبب. سار كل من لورنس وبريدا إلى الغابة حتى بلغا الفسحة. وهناك امتلأ المكان الفسيح بالرجال والنساء من جميع الأعمار. كان اليوم هناك احتفالٌ للساحرات. وأصرت بريدا أن تصحب لورنس معها. شعر لورنس بالراحة. كان الأمر أشبه بنزهة. وحين حل الليل، تم إيقاد النار في منتصف الفسحة. وتحلق عدد من الناس حول لورنس كونه أستاذ فيزياء، وقد أخذ يخبرهم عن النجوم القديمة ومعجزات الفيزياء. حينها تركت بريدا المجموعة وسارت عبر الغابة. ثم أخذت ترى الجمع من بعيد، إلى أن رأت المجوسي قادم إلى الإحتفال فركضت إليه. حين وصلتْ بريدا إلى المجوسي قالت له: أريد أن أعرّفك على لورنس. فسلّم عليه ثم ذهب المجوسي ليرى شخصاً يعرفه. فارتاحت بريدا بعض الشيء، لأن حدسها النسائي أنبأها بأنه من الأفضل ألا يقضي هو ولورنس الكثير من الوقت معاً، فقد يصبحان صديقين. ومن الأفضل لرجلين يحبان المرأة ذاتها، أن يكره أحدهما الآخر. أخذ الجميع بالرقص، وكذلك فعلت بريدا ولورنس وويكا. وبعد مضي ساعات عدة شعر لورنس بالضجر، وشعرت بريدا بالحر الشديد فخلعت قميصها ثم بقية ملابسها ووقفت عارية، و أحست اكثرمن أي وقت مضى في حياتها أنها أكثر حرية ، فليس لما تفعله من سبب. هي تفعل ذلك لأن العري هو الطريقة الوحيدة أمامها الآن لإظهار مدى حرية روحها، ولا يهم وجود أناس آخرون. وكذلك فعلت بعدها كل النساء وتعرت . 

لاحظ الرجال أن النساء حول النار عاريات، فصفقوا وأمسكوا بأيديهم وغنوا، وأحياناً بجموح واحياناً بلطافه .أحسوا جميعهم أنهم في حضرة وجود قوة عظيمة، قوة مقدسة وغامضة ، تفوق الحد، قوة لن يجرؤ أي آدمي على تحدّيها. شاهد المجوسي بريدا مستلقيه على الأرض. وحاول التركيز في هالتها. ولكنه رجل والرجل ينظر دائماً إلى جسد المرأة. ولحظتها أدرك أن مهمته مع توأم روحه قد انتهت. حينها امسكت ويكا الخنجر بيدها ورسمت بحركة بالهواء ، حلقة غير منظورة في الهواء، رسمت فيها النجمة الخماسية السحرية، وهي رمز العناصر الخمسة التي تعمل وتفعل في الجنس البشري. وأصبح بإمكان النساء المستلقيات على الأرض الآن أن يتصلن من خلالها بعالم النور. ثم قالت ويكا: أغمضن أعينكن أيتها النساء. ثم قامت ويكا وهي ممسكة بخنجرها الحركات الشعائرية فوق رأس كل منهن. ثم قالت: افتحن الآن أعين أرواحكن. 

فتحت بريدا عيني روحها، وإذا بها في صحراء ممتده على مرمى البصر . وجدت رجلاً يقف قربها. قال الرجل: أهلاً وسهلاً بك. لقد وجدتِ طريقك، وقلة هم الناس الذين يمتلكون الشجاعة للقيام بذلك، لأنهم في غالب امرهم يفضلون اتباع طريق غير طريقهم. يختارون عدم رؤية الموهبة الممنوحة والمعطاة لهم. أما أنت فقد قبلتِ بموهبتك، ولقاؤك معها هو لقاؤك مع العالم. فقالت بريدا: أرغب في عيش حياتي كالآخرين، أريد أن ارتكب الأخطاء، أن أكون أنانية، وأن أتمتع بنواقصي. فابتسم المعلم وقال: إن الحياة تتعلق بارتكاب الأخطاء، فالخطأ هو اللذى يجعل العالم يتحرك فلا تخافي من ارتكاب الأخطاء. موهبتك هي أداة الله. لقد تم قبولك، ولتكن طريقك طريق سلام في زمن السلم، ومعركة في أيام المعارك، فلا تخلطي أبداً بينهما . ثم قامت ويكا بإلباسها أحد الأثواب. 

 عادت الى وعيها بريدا لتتذكر كل شيء: الضجيج، الرقص ،التصفيق، والغيبوبة الذهنية. بدا لبريدا أن هناك ألواناً غريبة تظهروتحيط بالجميع، وشعرت أن الأشياء والأمور ملتبسة عليها بعض الشيء، وهي التي عشقت وأحبت العالم كما كان من قبل. فقالت ويكا: إن ما ترينه الآن هو حقل الطاقة، أو الهاله كما نسميها، وهي تحيط بكل فرد. وهذه هي الخطوة الأولى في طريق الأسرار. وسوف يتلاشى هذا الإحساس عما قريب . ولكنني سأعلمكن لاحقاً كيف توقظنه من جديد. ثم صمتت قليلاً وأكملت: أما الن فقد انتهت مراسم الحفل. 
توجهت بريدا نحو لورنس وقالت له: يمكننا المغادرة الآن . تعرفْ بريدا أنها باتت ساحرة الآن ، فقد لُقنت أعمال السحر، وقد عادت إلى حيث يجب أن تكون. ومن هذه الليلة فصاعداً ستصبح المعرفة والحكمة هما الأمرين الأكثر أهمية في حياتها. أما لورنس فقد لاحظ أن يديه ترتجفان بعض الشيء. فقد انقضت الليلة ولم يفهم شيئاً مما دار فيها. وكل ما عرفه أنه دخل في حالة من الغيبوبة الذهنية. مشى لورنس خارجاً سابقاً بريدا، بينما سارت بريدا إلى المجوسي، وقالت له: نحن في الطريق ذاتها، فلنسلكها معاً. فقال المجوسي: ولكنك لا تحبينني. فقالت: بل أحبك. أنا لا أعرف مدى بُعد حبي لك، لكنني أحبك. أنت توأم روحي. فقال لها: خليلك ينتظرك، وأنا أبارك حبكما. ما علّمَتني الغابة إياه يا بريدا هو أنك لن تكوني لي أبداً، لذلك لن أخسرك أبداً. لقد كنتِ أملي وهدفي في أيام وحدتي، ويقيني في أيام إيماني. لقد كرّستُ ذاتي وأنا أعرف أن توأم روحي سوف تأتي في يوم من الأيام لتتعلم عندي. وشكّلتْ معرفتي لوجودك سببي الوحيد لاستمراري في الحياة. ثم أتيت أنت، وفهمتُ الأمر كله. أتيتِ لتحرريني من العبودية التي أوجدتها لنفسي، ولتخبريني بأنني حرّ في العودة إلى العالم وأموره. وسأتذكر الآن، وإلى الأبد، أن الحب حرية. 

  من بعيد نادى لورنس على بريدا. فقال المجوسي: إذهبي يا صغيرتي، سأذكرك دوماً، وستذكرينني كما سنتذكر هذه الأمسية دوماً . نادى لورنس على بريدا مجدداً. فقال المجوسي: إمضي بسلام، وإمسحي تلك الدموع، أو قولي له إن دخان النار دخل في عينيك. ولا تنسني أبداً. 


                                              النهاية.


التالي
هذه أحدث تدوينة

إرسال تعليق