الخميس، 8 نوفمبر 2018




تلخيص رواية : 
خارطة الحب: أهداف سويف
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان.





 بدأت القصة بصندوق من الجلد قديم . قدمت الصحفية الأمريكية إيزابيل إلى شقة أمل ومعها ذلك الصندوق. قالت إن شقيق أمل قد أعطاها رقم الهاتف ، وطلب منها أن تتصل. تحدثت إيزابيل عن الصندوق:و كيف وجَدَتْه حين دخلت أمها إلى المستشفى. وجدت أوراقاً مكتوبة بالإنكليزية وأخرى بالعربية. نظر شقيق أمل في محتويات الصندوق واقترح أن تحضره إلى شقيقته أمل في القاهرة. 

 القاهرة في إبريل 1997 .. بعض الناس لديهم المقدرة على البكاء ، أما أنا فقد كنت أفزع حتى يصيبني الغثيان. حين كنت طفلة، ولم يكن لدي أصدقاء أطفال، كنت حينها أفكر بالموت. واليوم أفكر في النجوم. أنظر إلى النجوم وأتخيل شكل الكون. ثم أتراجع إلى المجرة ثم إلى كوكبنا. في الليلة الماضية، حلمت باني أسيرمرةً ثانية في البيت الذي شهد طفولة أبي: وتحت قدمي رخام صالة المدخل البارد، ومن فوق رأسي السقف العالي المزين من عروق الخشب المنقوش.

 هذه القصة ليست قصتي. هذه القصة وجدتها في صندوق جلدي قديم. صندوق جاء من لندن إلى القاهرة، ثم عاد وسكن في نيويورك قبل أن يجد طريقه ويعود مرة أخرى إلى القاهرة ويستقر على الأرض في غرفة معيشتي عام 1997. وهي قصة امرأتين: إيزابيل باركمان، الصحفية الأمريكية التي أأحضرت إليّ بالصندوق، وآنا ونتربورن، جدتها الإنجليزية ومالكة الصندوق أصلاً. أما دوري هنا فهو دور الراوية لقصة غرام أخيها. 

يوماً بعد يوم بدأنا ن أنا أمل وإيزابيل نُخرج ما في الصندوق. قرأت كلمات آنا مرات ومرات. كدت أحفظها عن ظهر قلب، وكأني أسمع صوتها وأراى صورتها . حدثتني إيزابيل عن بعض أجزاء من حكايتها. وكيف التقت بأخي هناك في نيويورك. تملكت مذكراتها تفكيري وأصبحت آنا ونتربورن وكأنها شخصية حقيقة في مخيلتي. أخذت أملأ الفراغات التى بين السطور ، وأتعرف على الأشخاص الذين تتحدث عنهم، أرسم خلفية لحياتها التي تعيشها هنا أمامي على صفحات المفكرة.

 لندن أكتوبر 1898 إلى مارس 1899 .. كان الضوء في الصور فريداً من نوعه لم تشهد آنا مثله من قبل، يجتذبها فتعود لتتأمله يوماً بعد يوم، وتراه منثوراً على السجاد، على الأرضيات، وعلى الحصر. تنظر آنا إلى خاتم الزواج الذهبي في يدها له بريق منطفيء على جلدها الشاحب.... 

 تقول آنا.. تغير . عليّ أن أقولها، إدوارد زوجي، تبدّل. سبعة أشهر وأنا أتتبع أخبار السودان، سبعة أشهر وأنا أتضرع إلى الله و أدعو له أن يعود سالماً،عاد والآن ، ولكني أكاد لا أعرفه،نحف وهزل جسده، وبدا أن الشحوب كامناً تحت بشرته. لقد استقال زوجي من القيادة في الحرب، ومن حينه ا زاد اضطرابه واعتكف في غرفته ورفض أن يسمح لي بالجلوس معه أو حتى أن أحضر له الشاي. مرت 8 أسابيع على عودته من السودان، ولم يتبدل به شيء، يجلس بالساعات الطويلة في حجرة مكتبه مشتت الذهن ضعيفاً. 

تقف آنا إلى جوار زوجها وتحاول ان تخف عنه . هي تعلم أنه لن يرحب بجلوسها بجانبه، ولكن الأمر ليس مجرد هواجس امرأة ، فالجميع يتعاطفون معها ويشعرون بالقلق عليه. تقول له آنا: حبيبي إدوارد هل ترغب بأي شي؟ أي شيء أحضره لك أو أفعله من أجلك؟ فيرد عليها إدوارد: أحتاج أن أرتاح قليلاً وأكون لوحدي الآن. 

يا للعار يا آنا، أتبكين على نفسك؟ الآن؟ في الوقت الذي هو في أمس الحاجة إلى كل تفكيرك؟ إلى كل مشاعرك وإهتمامك ؟ هو يحتاج إلى الراحة، ولا يجدها. لكن إدوارد لا يتكلم وأنا أشعر بالخوف. لم أجرؤ على بلورة الفكرة التي تراودني في كلمات واضحة لي ولكنني أخشى أننا في قبضة قوة شريرة؛ قوة لا تسمح لزوجي بأية حال أن يتغلب على هذا المرض الروحي المعقد ويعود إلى نفسه. كان زوجي في الحرب قد استرد السودان وأعاد الأمن و الإستقرار بها. إذاً فماذلك الشئ الذي يمرضه. أرغب بشدة أن أسأله ولكني أخاف. هو الآن شخصاً آخر لا يأكل سوى أبسط الحساء وبعض كسرات الخبز الجاف. أنا أعلم أن هناك مخاوف مرعبة و مفزعة، وأنها ترتبط بالمهمة التي كان مكفلاً فيها، والتي انتهت وخلصت في الأسبوع الماضي إلى توقيع اتفاقية السودان. يا رب، ويا سيدي المسيح، أصلّي لك دوما وأرجوك ً أن تحفظ عقل زوجي وروحه وتعيد عليه عافيته ، فقدأصبح هزيلاً ضعيفاً يحب الوحدة والإنعزال ولا يرغب أن يغادر غرفته. آه كم أتمنى لو أمي كانت ما زالت حية، كانتبالتاكيد سترشدني إلى طريق بسيط أنثوي أنفذ من خلاله إلى زوجي المسكين حبيس النفس.حتى أنه ليس لي صديقة مقربة أسر لها بهمومي وخوفي سوى كارولين بورك. بات الأمر يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وبدأت وطأة المرض تزداد اكثر واكثر على إدوارد، وأنا بدورى بت لا أجد رغبة في مغادرة البيت أيضاً. 

في العشرين من مارس 1899 توفي إدوارد ونتربورن. وأين تجد آنا لنفسها أي عزاء أو سلوى ؟ كانت هناك مراسم الجنازة . ثم التأبين والقداس التذكاري. وكان هناك الحزن والالم والتوجع ثم التساؤل والحسرة. لو أنها رزقت أطفالاً تُطيّب خاطرهم وتسري عنهم،..لم يترك زوجها مذكرات أوأي رسائل. 

 تقول آنا لنفسها: آه ..لو أنه مات راضياً، لو أنني نجحت وتمكنت في أن أجعله يصارحني بما يعانيه ويؤلمه . جزعت آنا من فكرة أن تخذل إدوارد في مماته كما خذلته في حياته، إذ أنه لا يخامرها شك أنها بالفعل قد خذلته ، فالرجل الفرح السعيد لا يغادر موطنه جرياً وراء الموت في الصحراء. لو عرفتْ كيف تحبه وتسعده لما ذهب إلى السودان.

 أضحيت أعرف آنا كما لو كانت أعز صديقاتي، أو أكثر. عرفت أسوأ وأجمل ما يجول بخاطرها. حياتها بالكامل كالكتاب المفتوح أمامي هنا في الصندوق العجيب الذي أحضرته إيزابيل. سألت إيزابيل: كم استغرقها ذلك الخواء والحزن بعد وفاة إدوارد ؟عشرة أشهر ؟ فقالت إيزابيل: كانت وقتها الحياة تسير أبطأ. 

نيويورك مارس 1997 .. كيف يغزونا الحب و يصيبنا هكذا فجأة ؟ بدون سابق إنذار؟ بدون استعداد؟ تحدثني إيزابيل عن أخي. ليست في حاجة لأن تشرح وتصف لي روعة الحيوية التي تنبعث منه كالشرار، وكيف يعزف البيانو، ثم يلتفت إلى الأوركسترا. إيزابيل غارقة وواقعة في غرامه وأنا لا ألومها، الأمر خارج عن إرادتها، هناك نساء كثير حدث لهن هذا ولا أعتقد أن حبه سبّب لهن أي أذى أو ضرراً. عندما إلتقته وتعرفتْ إليه لأول مرة ذهبتْ إيزابيل ياسمين غلى امها راكضة وقالت لها: أمي لقد التقيت بشخص، برجل أعجبني جداً وأظن أنه سوف يعجبك أنت أيضاً. إنه رجل مشهور. هو أكبر مني، أكبر مني بكثير، في الواقع لقد تعدى الخمسين، ولكن يبدو وكأنه في الأربعين من عمره . عيناه شديدتا السواد تلمعان كلؤلؤ. يتناثر بين خصلات شعره بعض الشيب. فقالت ياسمين: وجوناثان أيضاً، والدك، كان رجلاً. فقالت إيزابيل: لقد قابلت هذا الرجل في حفل عشاء. إنه مُطلّق وله أولاد كبار، قائد أوركسترا عالمي. يخيل لي أني وقعت في حبه. ولكني لا أعرف مدى شعوره ناحيتي. عندما أكون معه أحس به يركز انتباهه عليّ، أشعر بطاقة جميلة تسري بيننا، لكني لا أعلم إن كان يفكر فيّ وأنا لست معه. لا أعرف ماذا أفعل؟ 

بمصادفة غريبة عجيبة، وأرجو أن تكون فألاً حسنا في طالعها ، وصلنا إلى الإسكندرية في يوم وصول البطريرك الجديد للكنيسة الأرثوذكسية. وهناك إاتقيت و تعرفت على جيمس بارنجتون وقال إنه موفد من المعتمد البريطاني كي يصطحبني إلى القاهرة. كان لديّ انطباعات عدة و كثيرة جداً من هذا اليوم ـ يومي الأول هناـ وكلهاكانت تختلف عما كنت أتوقع. 

بدت الإسكندرية مدينة جميلة بهيجة، خرجتُ بمفردى أتمشى قليلاً على البحر، ولم أستقبلْ سوى الإبتسامات من الأهالي.

 وهكذا وصلت آنا إلى مصر، يسعدني أنها تحررت من كآبة الماضي الحزين. كان ذلك اليوم في 29 سبتمبر 1900 . وهو نفس اليوم الذي وصل فيه البطريرك فوتيوس إلى مقره في مدينة الإسكندرية. أراها في خيالي الآن: تجلس بطلتي أمام نافذة غرفتها في بنسيون الأرملة اليونانية، والوقت ليل، وشعرها الناعم منسدل على جيدها وكتفيها. 

أرفع رأسي وأنظر بتمعن إلى إيزابيل، تجلس مقابلتي إلى المائدة، أبوها متوفي وأمها كذلك في عداد الأموات، أنا وهي نتشارك في اليتم. أخاها أبضاً متوفي وأخي غائب لكنه حيّ. زواجها فشل، وأنا كذلك. أنا لي أولاد أما فلم تنجب ، وانا أبنائي ليسوا معي. لكنها هي في ريعان شبابها، في البداية، وأنا قد قاربت النهاية. 


القاهرة في 14 نوفمبر 1900. عزيزتي كارولين: مضى الآن على وصولي الى القاهرة قرابة الأسبوعين. أعجب ما في القاهرة هي زرقة سمائها : فهي زرقاء طوال النها بلا نقطة سحاب، ما أشد اختلافها عن سماء إنجلترا في نوفمبر. أتأمل أن أعرف شيئاً عن حياة أهل البلد هنا، وأقول لك الحق أنه ليس لدي أدنى فكرة عن كيفية تحقيق هذا الأمل، ولكن أشعر أنه من الغباء أن أقطع كل هذا المسافات كي آتي إلى مصر ولا أتعلم شيئاً. على كل حال أنا فعلاً أحس بجهلي بهذه البلاد، ولابد لي حالياً أن أعمل على تثقيف نفسي حتى يحين الوقت الذي يؤهلني لأن أكوّن رأياً مميزاوخاصاً في شؤونها. 

القاهرة، 25 يناير 1901 .. الوالد العزيز سير تشارلز. جلسنا تحت شجرة يقولون إنها قد أظلت العذراء في أثناء هروبها إلى مصر، وأعترف أنني قد تأثرت جداً بإيمان الدليل وهو يتحدث بوقار عن السيدة مريم وابنها يسوع المسيح.هنا تساعدني مسز بوتشر، وتعاملني بلطف، وهي سيدة لطيفة طيبة القلب وتعيش في مصر مع زوجها منذما يقارب العشرين عاماً، وتتحدث لغتهم. أخبرتني باهتمام وتعاطف عن ديانة قدماء مصر، وعناصر الشبه الملاحظة بينها وبين عقيدتنا المسيحية. أصبحت لدي رغبة كبيرة وملحة في تعلم اللغة العربية. قال لي دين بوتشر عن المعلقات، وإنها تعد أشهر قصائد الشعر العربي وعددها سبعة. عاودت زيارة الكنيسة مرات ومرات. ازدادت بشكل واضح معرفتي بالمكان وتعرفت على الشخصيات المصورة في الرسومات، واعتادت أذني الأنغام الشرقية في التراتيل القبطية، واعتاد أنفي رائحة البخور الشرقي، هنا في هذه البلاد لدي شعور عميق بالسلام، وأدعو الرب أن يدوم. 

مصر ، أم الحضارة، ، تَخلق نفسها في االأحلام عبر القرون. تحملنا جميعاً ، أبناءها: الذين يستمرون ويعملون من أجلها ويشكون كذلك منها، والذين يرحلون عنها وويعودون يشتاقون إليها ويلومونها بمرارة على مغادرتهم. وأنا، في غرفتي، وقد أضحيت في منتصف العمر، أقرأ ما كتبته آنا منذ مائة عام، أسجل ما كتبته بملاحظاتي ، وأعد شروحاتي لإيزابيل

 .آنا... 10 مارس 1901..بدأ يخالجني إعتقاد واقتناع بأن قدري، بشكل ما، مرتبط بمصر. وأن الفكرة قد تبلورت في ذهني بوضوح. فأثناء مرض إدوارد زوجي العزيز، وحين كنت أخرج اتمشى لساعة كل يوم في الهواء الطلق ، قادتني خطواتي فى إحدى المراتى إلى متحف ساوث كنزنجتون فوجدت تلك اللوحات الرائعة لفرديك لويس،و شعرت أن يداً إلهية تقودني اليها . وباتت تلك اللوحات لي وكأنها تدخل البهجة والسرور إلى قلبي. وحين جاء الوقت الذي بدا فيه من المناسب أن أقوم برحلة، فكان من الطبيعي أن تتجه أفكاري كلها إلى مصر ،عدا أنني أجلس الان هنا في غرفتي في فندق شبرد ويتملكني إحساس غريب بأنني لست في مصر بعد. 


هناك يوجد انقطاع في المفكرة. أرتبك ويشتد قلقي وأنا أبحث وأفتش في الأوراق، لا يمكن أن تختفي هكذا، تختفي من أمام بصري 74 يوماً. عدت للبحث في الصندوق: ولكن جائني إحساس ، لماذا أتوقع أن أجد القصة كاملة؟ لقد وجدني هذا الصندوق عبر قرن من الزمان، ولم أكن أعلم بوجوده، ولم أكن أفكر يوماً أو اتوقع أن لي قريبة هناك في الطرف الآخر من العالم. حتى إنني لم أعلم بوجود قريبة لي هي إيزابيل، والآن ها هي في القاهرة هنا غارقة لأذنيها في حب أخي. ما زلت أتشوق إلى بقية الحكاية. أفتش وأفتش وأخيراً وجدت الإنقطاع 

 آنا ...12 مارس 1901. بالي بإستمرار مشغول بالتفكير بأصدقائي، كانت ترعبني فكرة أن يشاع عني بان ليدي آنا التي خطفها العرب. بدأت جولتي السياحية اليوم كما بدأتها في مناسبات سابقة، خرجنا، أنا ومرافقي صابر، من منطقة الأزهر، واتجهنا إلى مقابر المماليك، وعندما هُوجمنا. كنت لحظتها أنوي الذهاب إلى سيناء وزيارة دير سانت كاترين. أنزلانا من عربتنا شابان مصريان كانا متشابهان في المظهروالشكل بشكل ملفت: كلاهما ، شاحب الوجه أسود العينين،نحيف الجسم و مقصوص الشارب. أكدوا لي أنهم ليسوا قطاع طرق وليسوا لصوصاً ، وأن دوافعهم سياسية بحتة ، وأنهم سوف يعيدون لي ممتلكاتي التي استولوا عليها بمجرد استجابة الحكومة المصرية لمطالبهم. لم أتبادل لأي حديث معهم. ولكني كنت أرغب أن أعرف المزيد عنهم. دفعني أحد الرجال إلى فناء واسع له ُسوّر.ثم وضعونا في غرفة متوسطة الحجم، يشغل الجزء الأكبر من مساحتها أكياس القمح والحبوب.

13 مارس 1901. نمنا الليل في هذا البيت، وعندما أفقت وجدت شالاً من الصوف يغطيني، لونه رمادي مشغول ببراعم وردية اللون منثورة في كل جزء منه. نظرت حولي فأبصرت سيدة ترقد على أريكة مثل التي قضيت عليها ليلتي.إنها لم تكن موجودة الليلة السابقة. لقد كنت وحدي الليلة الماضية. إنها امرأة مصرية تلبس قميصاً أبيضاً ناصعاً، وشعرها في لونه ولمعانه ينافس الغطاء الحريري ـ الذي كانت تضعه عليها ـ.ولون بشرتها كالكستناء المحمص على نار هادئة. لكن ماهي علاقتها بعملية اختطافي ؟ شرحتْ لي تلك المرأة أنه حُكم على عمها بالنفي، وزوجها حالياً في السجن، وهي تجلس الآن وحيدة. وان رجال زوجها اختطفوفني وحبسوني هنا كي يقوموا بالضغط على الحكومة المصرية. كانت تلك المرأة المصرية غاية بالجمال ،وكانت تصرفاتها و حركاتها وإشارتها مثال للأدب و للذوق ، ولها صوت منغم حلو ، طلبت لي إفطاراً من العسل والقشدة ، وقدمت لي الطعام. كان اسمها ليلى البارودي، وهي متزوجة من إبن خالها حسني الغمراوي منذ خمس سنين . ولديهما طفل في السنة الأولى من عمره إسمه أحمد. ومن ليلى، علمت أن المسؤولين عن اختطافي ينتمون إلى منظمة من الشباب الثوريين، وأنهم أرادوا الثأر لزوج ليلى الذي تم القبض عليه في مظاهرة سلمية بالقبض على شخص إنجليزي كرهينة للإفراج عن زميلهم.

 خرجتْ ليلى. وبعد لحظات قليلة ، رجعت ودخلت الغرفة بهدوء وقالت: أظن أن أخي قادم. سمعنا حركة أقدام وخطوات تقترب من الباب، فتحتْ ليلى الباب وقالت لي: آنا، هذا أخي شريف باشا البارودي. حينها التفتَ إليّ الرجل وقال بلهجة لطيفة ووديعة: سيدتي، أرجو أن تتقبلي خالص اعتذاري. فقلت: سيدي لستَ بحاجة للإعتذار، ففي بيتك لم ألق إلا العطف و الكرم. لاحظت من خلال كلامي مع شريف، أن الرجال الشرقيين بعد النظرة الأولى لايستمرون بالنظر إلى المرأة مباشرة. فقال لي الرجل: سأصحبك إلى الفندق بنفسي، ويمكنك التفكير هناك بإتخاذ الإجراء الذي ترينه مناسب وتفعلينه. قلت: لا داعي لذلك ، فانا لن أبلّغ عن الحادث! قال: إذن ستسمحين إليّ أن أصحبك إلى سيناء ذهاباً وعودة. لن تذهبي وتغادري البيت وحدك، سوف نغادر في الغد.

14 مارس 1901. في صباح اليوم التالي للإختطاف تم الإفراج عن حسني. خرج وهو يحمل فضل أخو ليلى، ويعترف بجميله، ووعد ليلى بأن يقوم بتوبيخ إبراهيم والآخرين ( الخاطفين) على مغامرتهم الطائشة. 

 كانت ليلى تعرف أخاها جيداً، فهذه هي طريقته القاطعة في الكلام، لكن ليس من عادته أن يتعهد برحلة فجائية عبر الصحراء مع سيدة أجنبية! وتساءلتْ: ترى هل أعجبته آنا ؟ لقد اعتادت ليلى كما اعتاد الجميع على فكرة أنه أعزب، فهو رجل يُفضل العيش بمفرده. كان دائماً يقول لإمه: أنا رجل لا أستطيع العيش مع امرأة لا تملك مفتاحاً لعقلي، ولا تشاركني اهتماماتي، ولا تهتم بما يحدث من مشاكل اليوم. أحتاج إلى شريكة تزيدني قوة ، أسكن إليها ، شريكة تحبني وأحبها. 

آنا تسأل شريف: متى حدث ذلك ؟ متى أدركت أنك قد وقعت في غرامي؟ فقال: منذ اللحظة الاولى التي رأيتك فيها، كنتِ تجلسين في تلك الغرفة وشعرك متهدل ينسدل على ظهرك. مخطوفة، محبوسة لم تغتسلي. حتى أنه لم يخطر ببالك أن ترتعدي أو تخافي. وعندما دخلتِ الفناء في اليوم التالي وكان أحمد يجلس في حضنك. وعندما رفعت برأسك ونظرتِ إليّ والشمس كانت تشع على وجهك حينها أبصرت عينيك ـ ما أجمل عينيك في لونهما البنفسجي ـ وتضرج وجهك وعنقك، حينها أخفضتِ بصرك وأخفيتِ وجهك في الطفل فلم أبصر إلا شعرك. فقلتُ في نفسي ما أجملها! إنها جميلة حقاً. 

توجهتا أمل الغمراوي وإيزابيل باركمان جنوباً إلى طريق الصعيد ليذهبا إلى "طواسي" في محافظة المنيا. وعندما وصلا إلى البيت، استقبلتهما امرأة ريفية لطيفه. قالت أمل: هذه إيزابيل خطيبة أخي. أعجبت إيزابيل بالبيت. كان هناك في كل مكان من البيت لوحات مائية وكلها من رسم آنا. ومع غروب الشمس، بدأت النسوة بالتوافد، وطلبن من أمل أن تتكلم مع المسؤولين في الحكومة لفتح المدرسة والوحدة الصحية. نامت إيزابيل في تلك الليلة في سرير ليلى البارودي، ومن خلال الناموسية التى تعرش فوفق السرير كانت ترى صورة شريف باشا البارودي. صورة لرجل معتد شامخ. وفي هذا الوجه رأت إيزابيل وجه عمر الغمراوي، لقد إشتاقت إليه؟ وتذكرت حين حدثته عن مذكراتٍ وجدتها لقريبة لها تدعى آنا. فلما قاما بفحص المذكرات سوية تبين لهما أنهما أهِل؟ فطلب منها أن تذهب إلى أخته أمل في القاهرة، وقال إنها سوف تساعدك في تفسير الألغاز المبهمه . قضت (أمل وإيزابيل)عدة أيام في الصعيد ثم رجعتا إلى القاهرة. 

آنا...15 مارس 1901: أنا الآن في صحراء سيناء، في رحلتي مع شريف ، كان كل ما يمر بي يشكل مفاجأة ، فلم يكن فيما قرأت من كتب ما يعدني لخوض هذه التجربة، ولا في كتابات الرحّالة،ولافي الدليل ولا حتى في زيارتي لتلك البقعة من الصحراء التي شهدتها في الجيزة. لم أبصر في حياتي مثل هذا الفضاء الشاسع الذي يمتد بلا نهاية ، الأرض والسماء والبحر يمتدوا بلا حدود، معاً في وحدة شاملة. أكتب في الخيمة التي جهزوها لراحتي وإن كنت في داخلي أحسد الرجال؛ فهم ينامون الليل في العراء تحت النجوم. ، اكتفيتُ بالنظر من خلال فتحات الخيمة فرأيت السماء تمتد بعيدا بعيدا ً، سوداء ، والنجوم منثورة ومبعثرة في أعداد غفيرة، فلو جاء منها المزيد لما وجدت ْلها مكاناً. كنا قد توقفنا في عرض الصحراء مرتين ، حيث توقف الرجال للصلاة، وارتفع صوت أحدهم وهو يقول الله أكبر. فقمت انا بدوري ورفعت إلى السماوات ابتهالاتي، وكانت الصلاة التي اندفعت إلى شفتي وتمتمت بها في صمت، دعاء بالسلام والسكينة في القلب و الفكر ، فقدا بدا لي أنني أقرب إليهما من أي وقت مضى.

 12 يوليو 1997. أتلهف للرؤية سيناء، وأرى عالم آنا. لذا أجريت عدة مكالمات هاتفية : تحدثت الى أصدقاء قدامى ، وعثرت على طارق عطية إبن صديق أبي، وذهبت للقاءه في مكتبه. حياني بلطف وقال لي: أمل ! لم تتغيري أبداً. ولكن طارق تغير. لا أتذكر بأنه كان شاباً وسيماً، ولكن هذا الجالس أمامي يبدو رجلاً وسيماً بالتأكيد، إنه طويل عريض الكتفين، شعره أسود قصير وعيناه عسليتان سريعتا الإنتباه، وواثق بنفسه وليس به أي إرتباك أو توتر. حدثته عن الوحدة الصحية والمدرسة في .... فرفع على الفور السماعة وتحدث مع المحافظ، وقال لي: الموضوع انتهى. سوف يقومون بفتح الوحدة الصحية الأسبوع القادم، ويمكن كذلك فتح المدرسة إذا وافقوا على أسماء المدرسين.

 قالت لي إيزابيل: أرغب برؤية بيت شريف باشا. البيت الذي يُروى في المذكرات. هل ما زال قائماً؟ قلت: نعم! فهو الآن أصبح متحفاً ا ويمكنك أن تذهبي إليه في أي وقت. ذهبنا. سحرني البيت. تسكعنا أنا وإيزابيل في المنطقة. إلى أن حل المساء، وأنهيت كل المطلوب مني. عدنا إلى بيتي. شعرت بلطافة الجو وانا في الروب المنزلي الواسع وأمسك في يدي كوب كبير من شراب المانجو المثلج. وعدت إلى قراءة المذكرات لأرى ما حصل لآنا ونتربورن وشريف باشا وهما يقطعان صحراء سيناء. 

آنا .... 16 مارس 1901. تستغرق طول المسافة إلى دير سانت كاترين ذهاباً وإياباً في سيناء أربعة عشر يوماً تقريباً. قطعنا منها مسافة لابأس بها ونحن راكبين في صمت ، وبدأ القلق والتوتر يساورني. حيث كنا نقطع سهلاً من الحصى لا يتغير شكله . كان المنظر قافراً وموحشاً. وشريف باشا لا يتحدث معي إلا في مرات قليلة، ولم يكن يكشف وجهه عن أي تعبير، وبقي سلوكه مهذب ومتحفظ. وعند الغروب نزلنا عند مجموعة من الرحّالة البدو في الصحراء. وقد أكرمونا الرجال بالخراف المشوية مع الأرز، وقهوة خفيفة لذيذة يصبّونها من أباريق طويلة. لم أستطع قضاء الليل مع النساء، بل جلست أنظر إليهن من بعيد بقوامهن النحيليرتدون ثياباً طويلة مطرزة، وعيونهم سوداء ترسل نظرات سريعة من فوق البراقع.

 19 مارس 1901. آه ليت بإمكاني الإستغناء تماماً عن النوم، أو ليت ساعات اليوم تكون اطول او يتضاعف عددها حتى أجد الوقت الكافي لأشاهد وأعيش كل ما يستوجب ملاحظتة والإحساس به ثم التأمل على مهل. في صباح اليوم التالي، مشينا أنا وشريف باشا خلال ممرطويل مذهل يطلق عليه إسم نقب حوا، وهو ممر ضيق ملتوى جوانبه شديدة الإنحدار فلا يمكن أن تمر منها الجمال،. لذا انفصلنا أنا وشريف باشا عن الركب وانطلقنا بجوادينا إلى الممر الضيق. كانت تلك هي المرة الأولى التي تتاح لي إمكانية الحديث مع شريف باشا بشكل منفرد، فصرت أعبّر له عن امتناني وشكري لكل ما فعله من أجلي. وعندما خرجنا من الممر، كانت جبال سيناء في مواجهتنا، وسرعان ما انضم إلينا الرجال الآخرون على جمالهم. 

  صعدنا إلى قمة جبل موسى،ما أروعها ، وزرت دير سانت كاترين. سألني: لماذا جئت إلى مصر؟ فقلت: اللوحات. حدثته عن اللوحات الشرقية في متحف ساوث كنزنغتون وما تركته من أثر في نفسي ، وعن عالم النور والألوان فيها. فجئت صاغية الى صوت روحى أبحث عن العالم الذي تجلى في المتحف.أنهينا الرحلة و أتممناها في نهاية شهر مارس، وعدت حيث كنت. كانت التجربة عظيمة هائلة إنها مختلفة تماماً عن أي تجربة مرت بحياتي، كانت آفاقها تتسع من الرحابة والعظمه والجلال بحيث أخشي أن ّالحديث عنها لن يُوفيها حقها. أبصرآنا أمامي وقد تغيرت واحتشدت بالحياة. إنها باتت في كل صباح تتوقع شيئاً جديداً وطيباً في يومها. يخيل لها أنها مقبلة على الوصول إلى قلب الأشياء والتحقق مما كان يراودها سابقاً. أخذت آنا تتردد على بيت ليلى البارودي بإستمرار ، وتعرفت هناك إلى عدد كبير من السيدات المصريات. كان تشعر أنها سعيدة، وأنه لايخطر في بالها أي فكرة للعودة إلى الوطن 

آنا ...13أبريل 1901. عزيزتي كارولين. الى الآن زرت بيت ليلى أكثر من مرتين ، وهو مُؤسس ومفروش بذوق جميل و بديع على الطراز الفرنسي، لكن إن سألت عن رأي فإن البيت القديم على الطراز العربي أجمل، وبطبيعته أكثر ملائمة للطقس هنا. ذهبت قبل عدة أيام هناك وتعرفت بوالدة ليلى، زينب هانم الغمراوي، هي سيدة وقورة وتبدو شامخة في الستين من عمرها. كانت لطيفة جداً ومرحة ولكن لم نتبادل الحديث ًمع بعضنا البعض لأنها لا تعرف الإنكليزية أو الفرنسية.

 30 إبريل 1901.والدي العزيز سير تشارلز. لم أعد أجد المتعة والتسلية في صحبة أصدقائي البريطانيين. مسز بوتشر ما زالت صديقتي المقربة ولكني لا أستطيع أن أبوح لها بمشاعري. 

  2 مايو. تمر الأيام هنا والسعادة التي تملكتني و شملتني في سيناء تقلصت. يقولون إن لهب وحر الصيف على الأبواب، لذا أفكر في العودة إلى إنجلترا. لقد أضحت ليلى عزيزة جداً عليّ، وكذلك الصغير أحمد ، ولم يعد يروقني مجتمع الإنجليز. دقات على باب بيت آنا. ورسالة تسلم ليدها. آنا تفض الخطاب وتقرأ .. القاهرة في 5 مايو .. سيدتي .. فهمت من شقيقتي أنك تنوين الرحيل والعودة إلى إنجلترا. بعد تفكير طويل قررت أن أكتب لك. لقد قمنا معاً برحلة جميلة وآمل أننا أصبحنا أصدقاء بما يكفي. باختصار شديد ،لاأريد أن أطيل عليك ..عزيزتي ليدي آنا.. لقد وقعت في حبك. ها قد قلتها أخيراً. لسنوات طويلة عدة كنت أعتقد أنه ليس مُقدراً لي أن ألفظ هذه الكلمات. كنت أتوقع أن تداهمني يوماً تلك المشاعر التي قرأت عنها الكثير، ولكن ذلك لم يحدث إلا اليوم. حاولت أن أقنع ذاتي أن الأمر مجرد وهم، فأنا حقاً لا أعرفك؛ بحق. قد تلاحظين أني تجنبت تماماً رؤيتك منذ عودتنا من الرحلة، لن أخبرك عن المشقة والثمن الذي تكفل به قلبي لأجل ذلك . لم تمر علي لحظة لم يهمس فيها قلبي بمكانك. حبيبتي آنا ـ فأنت بالفعل حبيبتي سواء أقبلت أو لم تقبلي ـ لن تريني متكبراً أومغروراً أو عجولاً لو استطعت أن أقول بحق إنني ملكك ... شريف البارودي

إنه يحبها! أجل انه يحبها !! يتراجع العالم بأسره من أمامها ولا مكان إلا لوجود فكرة واحدة: إنه يحبها. لم تخطيء مشاعرها في فهمه. وهي ليست غريبة الأطوار، ولم تكن عبئاً عليه، فقد كان يفكر فيها طوال وقته كما كانت تفكر فيه. فوق فراشها تدور المروحة وتبث نسمات لطيفة في حركة رقيقة. سينقضي الليل وسيشرق الصباح، وهو يحبها.

 مشغول البال يذرع شريف باشا الشرفة من أولها إلى آخرها ثم يعود. لماذا قُدّر له أن تكون المرأة التي تعُود به إلى التفكير في الحب وتملك لجام قلبه إنجليزية ؟ 

 تسترق خطواتها نحوه في لحظة غفلة، ترفع بصرها ووجهها الصادق على وشك أن يفتر عن ابتسامة سرور وهي تجلس قبالته على مائدة الإفطار. ترى ماذا سيكون شعوره لو أنها تقف الآن إلى جانبه ينظران معاً إلى الحديقة في الخارج ويحدثها عن مدرسة الفنون؟ لا بد أنها ستتبنى المشروع بكل حماس أجل فهي التي جاءت إلى مصر بسبب لوحة مصورة. ذهب شريف باشا إلى والده وقال: إني أفكر في الزواج. ابتسم الأب وقال: أجل ، الزواج نصف الدين. قال شريف: من امرأة إنجليزية. اختفت من وجه أبيه الإبتسامه . وقال العجوز: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". حينها انتقل شريف باشا إلى أمه وقال: إنني أفكر في ليدي آنا الإنجليزية. فقالت زينب هانم: هي التي اختارها قلبك؟ وأمامك جميع خيرة بنات البلد، أي واحدة منهن تتمناك زوجاً لها؟ فقال: نعم أعلم ذلك وتمنيت لو انها كانت مصرية، ولكنها هي التي دخلت قلبي وسكنت فيه. فقالت: ربنا يقدم اللي فيه الخير. قال شريف: هل أحدثها في الموضوع. قالت أمه: على بركة الله ، تحدث معها. 

أسند ت آنا رأسها إلى صدر شريف باشا، وأنفاسه في شعرها، سألته آنا: هل تعتقد أنه كان مكتوباً؟ فقال: لقاؤنا ؟ يتنفس عبق شعرها، ويتعجب كيف أن الحياة هكذا تتبدل لمجرد وجود هذه المرأة هنا، بين ذراعيه ؟ تقول آنا : نعم. هل تعتقد أن القدر كان معنا وحاول أن يجمعنا ؟ فيقول: لا مجال للشك. 

استقر رأي أمل على ما سوف تقوم بفعله. عندما تنتهي من قصة آنا سوف تغلق شقتها وتنتقل إلى طواسي. لفترة زمنية محدده وليس للأبد. فعليها الآن مسؤولية الأرض والناس الذين يعيشون فيها. هناك يمكنها أن تتعلم حديث الأرض أكثر وتحكي قصصها. 

آنا...القاهرة 6 مايو 1901 سيعقد زواجي بعد إسبوعين . أنظر إلى الكلمات وأقرأها ولا أكاد أصدق، ولكنها حقيقة. سوف يتم عقد زواجي بعد أسبوعين. ذهبت إلى بيت والدة شريف بناء على طلبه. رأيته هناك بكل تفاصيل مظهره ،شكله يطابق الصورة التي حفظتها تماماً في قلبي طوال الأسابيع الخمسة الماضية: حاجباه المعقودان كادا أن يلتقيا فوق العينين. عيناه الامعتان شديدتا السواد واللتان تبديان قلقاً في هذه اللحظة، الشعر الغزير الأسود الذي يخالطه بعض الشيب، ورأسه مرفوع. قال لي عندما رآني: إنك جميلة جداً سيدتي . قلت له : يسعدني جداً أن أتزوجك. حينها اقتربت منا ليلى وقالت: مبروك. ثم صعدنا إلى الأعلى وقبلتني زينب هانم.

 17 مايو 1901 .. اليوم خلعت خاتم إدوارد من إصبعي ووضعته هو والخاتم الذي أهديته له في كيس الجوخ، وودعت الماضي بقدر ماإستطت. أطلعتني ليلى على الترتيبات المنتظرة لللحفل! عقد الزواج في يوم والتصديق في اليوم التالي، أما في اليوم الثالث الزفاف . 

 18 مايو.. طلبتُ اليوم من ليلى أن تسأل شريف إذا كان من الإمكان أن نعيش مع والدته. أنا لم أر بيته ولكني علمت أنه مبني على الطراز الأوروبي كشأن البيوت الحديثة، ولكني أحب البيوت القديمه و تعلقي بها يزداد بعد كل ساعة أقضيها فيه.أعرف أن زينب هانم تتمنى بشدة أن يعود ابنها ليعيش معها تحت سقف واحد وإن كانت لم تقترح ذلك.

 23 مايو 1901... عقد زواجنا الشيخ محمد عبده صديق شريف باشا. وكتبوا العقد بالعربية والفرنسية. وأنا اوقع العقد رنت في الاجواء زغرودة عالية صادقة ،لم يفكر أحد ان يسكتها ،إن رأسي وقلبي يموجان بمشاعر و إحساسات مختلطة. ملأت الفرحة ليلى وزينب هانم حتى أنني فرحت إلى جانب فرحي الخاص أن أكون السبب في فرحتهما. وضع شريف دبلة الذهب في أصبعي وقبّل يدي. قال: يومان ونكون معاً. اهتز قلبي طرباً وفرحاً وكانه يهمُّ بالقفز خارجاً ليستقر في صدره هو.

 الليلة هي ليلة الحنة، في الواقع أني لم أضع حنة فييدي ولا قدمي لأن ليلى قالت إن هذا قد أصبح موضة قديمة، ولكن ما وقع على جسدي من دعك وتدليك وتلميع ونتف وغسل جعلني أحس بأن أطرافي وحدها كافية لإنارة قاعة احتفالات. كانت زينب هانم والخادمات يعددن وليمة الغد. وأحمد ومجموعة من الأطفال كانوا يختلسون حبات من الفواكهة ومن الزبيب والحلوى، ويرشقون الماء على كل من يمر قرب النافورة، فهم يدركون اليوم أنهم يستطيعون أن يلعبوا كما يشاءون ولن يعاقبهم أحد.

 آه.. كم أنا سعيدة! سعادة هائلة لاأستطيع وصفها ، سعادة تكبر وتعلو وتحتاج أن تنطلق في أنشودة تغمر العالم حولي، والحق أقول أيضاً أني لست متوحدة، فقد كنت أتمنى لو شاركني سعادتي اليوم أحد من أصدقائي القدامى، ربما كارولين.

 5 أغسطس 1997. اتخذت قراراً إيزابيل: أخي سيبادلها الحب. ولكن أخي عمر قال لي: لا أستطيع أن أدخل في علاقة معها، عمري لا يسمح، ولا أرغب تغيير طريقة حياتي. فقلت: إنها متعلقة جداً بك. فقال: وماذا مفروض علي أن أفعل؟ عمري 55 سنة، وقد خضت من قبل هذه التجربة، كانت تجربة مؤسفة.ولا أطيق ان أعود للشرح والتبرير مرة أخرى 

 تقول ليلى: في تلك الليلة، ليلة السادس من صفر 1319 ليلة الزفاف ، كانت آنا تبدو كملكة، كانت تتلألأ مضيئة وهي تتحرك بين المدعوات، وقد حباها الله بنعمته وفتح قلوب الحاضرات لكل كلمة كانت تصدرمنها أو حركة. كان فستان زفافها مرسلاً طويلاً، صدر مفتوح يكشف عن جمال جيدها وكتفيها، وفي ذراعيها زوجان من الأساور الذهبية السميكة هدية والدتي، وحول رقبتها وأذنيها إزينت بيواقيت زرقاء وماسات ثمينة أرسلها أخي في الصباح. ألبسناها ثوب العرس الأبيض ورفعنا شعرها الذهبي تاجاً ناعماً على رأسها وشبكنا فيه تاج العروس. ثم درنا حولها بالمبخرة وتلونا عليها الآيات والتعاويذ لحمايتها من عين الحسود. بعد منتصف الليل، سمعنا قرع الطبول وانطلاق الزغاريد. تنبئنا أن العريس صاعد إلينا ليأخذ عروسه. ظهر أخي لوحده في مدخل القاعة. لم أره في حياتي بمثل هذا الجمال والوسامة والرجولة. اتخذ مكانه في الكوشة، وعاد صوت الطبول إلى الإرتفاع. وبعد فترة وجيزة، قام أخي، ومد يده إلى آنا، وأخذ عروسه إلى مسكنها الجديد. 

 29 مايو 1901. خصصت لي زينب هانم صبية صغيرة إسمها حسناء لتقوم على خدمتي الشخصية؛ وهي فتاة لطيفة مطيعة لها وشم أزرق خفيف على ذقنها. قررنا أنا وشريف أن نؤجل شهر العسل لحين ، وفي الواقع والحقيقة أنني لست في حاجة للتغيير، فكل يوم أستيقظ على نسق جديد من الحياة يطيب لي ويسعدني: نصحو في الصباح ونتناول الإفطار معاً. يخرج زوجي لعمله وأنا أقضي الصباح مع زينب هانم،و أرقب ما تفعله. وعندما يعود زوجي إلى المنزل نتناول طعام الغداء مع الأسرة، ثم ننسحب إلى غرفنا للقيلولة.

 12 يوليو.صرت أتلقى دروساً في اللغة العريبة على يدي والد زوجي، اعتدت على زيارته لبضع الوقت كل يوم في مكتبه، كان يقرأ لي وأنا أقرأ بعده، وهكذا بدأت دروسنا. إنه رجل دمث. حدثني زوجي عن مشروع مدرسة الفنون الجميلة، وهو يرجو أن أشارك في التخطيط للمشروع. 

 نسير أنا وأخي في المدينة قليلاً. أقول له: حدثني عن إيزابيل. فقال: قضيت ليلتي الأخيرة معها في نيويورك. فقلت:! أخبرتني بذلك . ولكن أمها توفيت للتو. فقال أخي عمر: لقد أحببتها يوماً، وكنت على علاقة بها. فقلت: من؟ فقال: أم إيزابيل. فقلت: متى كنت على علاقة بها؟ إنها أكبر منك بكثير. فقال: منذ زمن بعيد، عام 62 بالتحديد، وقتها لم تبد كبيرة، ولم أفكر وقتها في فرق السن، كانت علاقة قصيرة جداً. 

تقول ليلى: أجزم بصدق وتأكيد أن أخي وجد الفرح والسعادة في زواجه، وعاشت آنا هنية بيننا في مودة ورحمة . ووفرت الصحبة لأمي والحب لإبني أحمد ، وأدخلت بعض البهجة لقلب أبي، وعن نفسي أصبحت آنا صديقتي المقرّبة؛ فقد كانت طيبة الخلق خالية من التكبر والبرود حتى كدنا ننسى أنها إنجليزية، لولا أنها كانت تستغرب من بعض الأشياء وتعجب من أشياء اعتدناها ، لقد جعلتنا ننظر بعين جديدة إلى ما حولنا، فنرى الأشياء بعينيها، ونرى فيها ما يسعدنا ويبهرنا.

 ذهبنا أنا وشريف إلى روما. كنا هناك كزائرين مجهولين لا يعرفنا أحد،. تمشينا في الشوارع، ودخلنا الكنائس، وأكلنا في مطاعم بعيدة عن الشوارع المطروقة. كانت أقل الأشياء تبهجنا و تسعدنا. كانت كل الأشياء مغامرات جديدة ولذيذة بالنسبة إلينا. ولكني كنت ألاحظ أن شريف لا يحب العيش مغترباً. فلوأنه عاش مغترباً لأصبح رجلاً بلا هدف، فهدفه وهمّه في الحياة هو مصر.

 10مايو 1905 .. زوجي نائم وأنا لا أستطيع الإستقرار والهدوء في الفراش بسبب الجنين. منذ أسابيع وأنا لا أقدر علي النوم إلا وانا جالسة أستند الوسادة كالمريض طال به المرض. إنه ثمن ضئيل أؤديه وأتحمله مقابل السعادة والبهجة التي حظينا بها بسبب هذا الطفل حتى قبل ولادته. أنا خائفة جداً من الولادة، ولا أستطيع أن اخفي ذلك. ولكن الحياة في هذا البيت الدافئ يرفرف عليها الود والسعادة بالرغم من القلق. 

21 مايو 1905حضرت الداية لزيارتي كثيراً هذه الأيام، وكلما وقع نظر زوجي عليّ يبادرني بالدعوة للقيام بالمشي في الحديقة أو الصعود إلى السطح. أراه ينظر إليّ وكأنه يتوجس من رأيي في استعدادات الولادة. ليس لدي أية خبرة بالولادة ولم أشهد في حياتي أي عملية وضع ، ولذا سوف أترك نفسي بين يدي زينب هانم وليلى، وأعتبر نفسي بين أيد خبيرة. 

تقول ليلى: وضعتْ آنا بسلام وسمينا الطفلة نور الحياة لأنها حقاً وبالفعل أتت بالنور إلى حياتنا. عندما توفي الشيخ محمد عبده بعد الولادة بثلاث أسابيع أعز أصدقاء اخي ، كانت نور الحياة هي عزاء أخي الوحيد. فكان يحملها بين ذراعيه ويتمشى بها في االغرفة ، ويحضر حمّامها ويلفها بحنان. 

آنا ..أكتوبر 1905 .. أنا مرتاحة وراضية. طفلتي تتحرك وتلعب على الوسادة بجانبي. أدس إصبعي في يد ابنتي المنقبضة ولا أستطيع مقاومة تقبيلها في كل لحظة ، نور الحياة، إنها نور حياتنا جميعاً. قال زوجي عندما يحين موسم الزرع سوف أزرع بعض الأشجار هنا من أجل نور الحياة. سأزرع حديقة كبيرة من أجلها، يكون فيها ظل ونافورة تلعب فيها عندما تشتد الحرارة. أنام وأنا أحلم به وبنور الحياة.

 باتت السياسة هنا تخيم على كل شيء، هل الموقف مشابه في إنجلترا ؟ لا أذكر في حياتنا أن السياسة كان لها كل هذا الحضور إلا في أيامي الأخيرة هناك، بسبب إدوارد. ولعل الحقيقة أني كنت وقتها صغيرة وغير مدركة لأهمية ألأحداث.

 14 يونيو 1906 ... يقول لي زوجي شريف إن جميع استفساراته تؤكد النفي لوجود خطط ثورة في أي فرع من فروع الحركة الوطنية، وليس من المتوقع أن يحدث أي شغب أو أي عنف هذا الصيف. وأنا أدعو وأتضرع الى الله أن يكون على حق. ليلة الأمس عندما صعد إلى طابقنا وجدني في غرفة نور. كانت الصغيرة نائمة.وقف ينظر إليها ويتأملها وابتسم لي وقال: أنظري، إنها تطير.

18 يونيو 1906 .. كانت هناك قوة عسكرية تستعرض قواتها في منطقة الدلتا وقد أقاموا معسكراتهم في المنوفية. رغب بعض الضباط في اصطياد الحمام.و بدءواإطلاق النار في الساعة الثانية بعد الظهر وأهل لبلدة و القرية يرقبونهم من الحقول و المنازل في كمد. بعدها بقليل شبت النار في حجرة خُزِّن فيها القمح لتوه. ولا أحد يعرف ويعلم كيف بدأ بالضبط الحريق. الفلاحون يقولون إنها طلقة كانت من بندقية أحد الضباط، والضباط يقولون إن الفلاحين قاموا بحرق قمحهم بأنفسهم، كإشارة متفق عليها لبدء الهجوم على الضباط. حينها توجه الضباط مسرعين إلى معسكراتهم. إلا أن أحد الضباط مات نتيجة ضربة شمس، فجرى أعتقال أعداد كبيره من الفلاحين.

27 يونيو 1906.. بدأت حالة عدم الإستقرار.وبدأت الحكومة بفرض العقوبات ،وبعد عدة أيام أعلنت الأحكام: الشنق لأربعة رجال: ويوسف سليم وسيد سالم و حسن محفوظ ومحمد زهران ، والمؤبد مع الأشغال الشاقة لاثنين:محمد عبد النبي و أحمد محفوظ ، و7 سنين مع الشغل ل6 رجال ، 15 سنة مع الأشغال الشاقة لأحمد السيسي، وخمسين جلدة لثمانية رجال.

 17 نوفمبر 1997.. اتصلت بي إيزابيل وأخبرتني إنها حامل. قالت لي: نحن نلتقي بإستمرار ، ولكن الحمل قد حصل من المرة الأولى، منذ 3 شهور. آسفة جداً لأني لم أخبرك من قبل ولكني كنت أريد التحقق والتأكد من الأمر. فقلت: خبر في غاية الدهشة إيزابيل! ولكن ماذا عن عمر؟ فقالت: لقد تضايق وانزعج جداً. سوف أعطيه مجال من الوقت ولن أضيق عليه، كما انني لم أقترح عليه ان نسكن معاً، أنا أنتظر أن يطلبني هو على الهاتف ،على راحته . 

وقع عمر في الفخ. كيف سيخبرأولاده الكبار؟ على الغالب أنه لم يحدّث إيزابيل بشئ عن علاقته بأمها ياسمين وإلا كانت أخبرتني. 

آنا ...زوجي يرفض بتاتاً الإنضمام إلى أي من الأحزاب ، ولا يعجبه تعلق الحزب الوطني بالدولة العثمانية.نقترب هذه الأيام من تحقيق مشروع مدرسة الفنون الجميلة، وقد عَيَّن الخديوي الأمير أحمد فؤاد رئيساً لمجلس الجامعة الأهلية في القاهرة ، ويعمل زوجي ويعقوب أرتين باشا في إعداد لائحة الجامعة. ليتني أقول:يكفي سياسة ، كفى سياسة إلى الأبد. ولكن أجدني أفكر أحياناً في الحياة في لندن وهنا. 

تجلس نور تهمهم على ركبة أبيها، وتجذب ساعته الذهبية وتحدق بها. شريف باشا ينظر الى ابنته ويتأملها متفكراً، يسود الصمت في المكان فترفع ليلى ببصرها الى أخيها وتقرأ أفكاره وتقول : ربنا يخليها ويحفظها لك وتشوفها عروس، وتسلمها بإيدك لأحمد .. فيقول شريف باشا: كيف تعرفين أنهما مكتوبان لبعضهما البعض ؟ ربما يلتقيان بأشخاص آخرين ويفضلان ذلك. فتقول: ألا ترى كم هما متجذبان ومتحابان ؟ لا يطيقان الفراق ليوم واحد.

15 أكتوبر 1909 ... اليوم هو أول أيام العيد والإحتفال والبهجة في كل مكان. عدنا لتونا من مشاهدة إفتتاح الجسر الجديد، وقد خرج جميع أهل القاهرة ليشاهدوه. وكما يحدث دائماً تتصاعد الهتافات : تحيا مصر ويحيا الإستقلال، مما ينعش الأمل في النفس ويبهجها.

 20 فبراير 1910 ... ما أتعس الأحداث التي تتالت علينا و أصابتنا هنا. فقدتْ مصر العديد من رجالها وفقْدهم شكل خسارة جسيمة. فبعد عدة أيام من اغتيال بطرس باشا، رئيس الوزراء،أصدر أمر بتكليف محمد سعيد باشا برئاسة الوزارة ولكنه رفض.كما أنه وصل إلى علمنا أن محمد فريد بك رفض الوزارة أيضاً. وفي العام التالي حكم عليه بالسجن مدة ستة أشهر، ثم نفي الى خارج البلاد وتوفي هناك في المنفى. وفي نفس الوقت كان زوجي شريف يعمل بلا كلل ضد قرار مدّ امتياز قناة السويس. وإنطلقت المظاهرات في القاهرة والإسكنرية لمنع قرار مد امتياز قناة السويس.

 22 يونيو 1910.. طلب مني شريف أن أوعِدَه بالعودة إلى إنجلترا وآخذ نور معي إذا وافته المنية قبل أن تكبر ابنته وتشب، حتى تستطيع أن تختار طريقاً تسير عليه ثابتة وفي أمان. قلت له هذا لن يحدث أبدا. ولكنه كان مصراً وجاداً في كلامه إذ قال إن حياتها هنا لن تكون بالسهلة إذا لم يكن هو بجانبها ييسرلها الطريق ويمهده. لم أجادله في الامر وقررت أن نذهب إلى المصيف، إلى أبوقير، بعيداً عن هم السياسة وكل ما يكدر حياتنا في القاهرة، وهناك سوف يفيده جو البحر وتنقشع عنه الأفكار السوداء. 

اتصلتْ بي إيزابيل وقالت لي: أنا في حاجة ملحة للحديث معك. لقد تسلمت آخر مجموعة من أوراق أمي، وقرأت رسائله فيها، رسائل عمر إلى أمي. كان واقعاً في حبها لقد كتبها منذ 35 سنة. فقلت: إيزابيل، أنت حبلى ، وفي حاجة إلى الهدوء والراحة. 

أبو قير، أغسطس 1910 ... عدنا إلى زمن الطفولة فلا جرائد ولا أخبار ولا حديث في السياسة، نسبح في البحر، ونتمشي على شاطئه ، ونشيد قصوراً من الرمال، ونجمع الأحجار والمحار التي صقلها البحر، ونركض وراء الكرة ونلعب الورق، ونعزف ونغني. اكتشفت، بعد خمس سنوات من الزواج، أن زوجي يمتلك صوتاً رائعاً وأنه شغوف بحبه الدراما؛ وإن كان يدفع عنه تلك التهمة بالتظاهر بالسخرية. 

أكتوبر 1910 ... عدنا من رحلة البحر وقد اسمرّت بشرتنا ،وتجدد نشاطنا واكتملت صحتنا. قضينا شهر رمضان بأكمله هناك. 

مضى على آنا ما يقارب العشر سنوات وهي مندمجة في حياتها المصرية. =تقول ليلى: هل كان بإمكاننا أن نعيش حياتنا ونتجاهل السياسة ؟ سلطات الإحتلال هي التي تقرر ما يمكن أن يزرعه الفلاح من محاصيل، وتقف في وجه كل مشروع صناعي أو منشأة . حَرَمتنا من صوتٍ لنا يتحدث باسمنا في البرلمان العثماني، وتُعطل تحرير نسائنا، وتحرم علينا أن نكبر ونبلغ سن الرشد. وفي نهاية المطاف في فلسطين أمامنا نذير واضح لما يمكن أن يحققه المشروع الإستعماري في نهاية المطاف: أن يسحب الأرض نفسها من تحت أقدام سكانها. هل كان من الممكن أن نتجاهل كل هذا؟ وأي مساحة كانت ستبقى لحياتنا؟ ومن الرجل الذي تسمح له كرامته أن يحصر نفسه في ذلك الحيز وتلك الدائرة ولا يسعى دوماً أن يوسع حدوده ؟ ومن هى المرأة التي تستطيع أن تقف مكانها ولا ترى واجبها في مساعدته ؟ 

 20 أكتوبر 1911 ... إنها نعمة من الله لاتقدر وسعادة لي في قدرتي و معرفتي أني إستطعت ان أ خففت عن زوجي بعض ما يعانيه، وأنه في أحلك الأوقات وأصعبها يلجأ إليّ ويجد عندي السلوى. ولكني اليوم أراه وقد أصيب بالقنوط والإحباط وضعف الأمل، لم يعد يقتنص الفرص والمناسبات ليعرض قضيته، قضية مصر، أمام الرأي العام. وعلى الرغم من أنني سأسر واسعد في حياة خاصة معه،ولكن لا مناص من شعوري بالحزن ليقيني أنه تنازل عن هدفه الأكبر في حياته.

 يوليو 1998 .. وصلتني رسالة من إيزابيل تقول فيها: أمل، يقول الأطباء إنه لا خطر او خوف على شريف من السفر، وسنحضر يوم 17 الى مصر ، إنه طفل غاية في الجمال وحبوب جداً ولا أستطيع الصبر قبل أن تريه . سأنزل في شقتك، لأن عمر يقول إنه سوف يبدأ جولة الحفلات الموسيقية. 

وصلت إيزابيل إلى مصر ، حدثتني كثيراً كيف أن عمر قد تبدل، حيث رافقها إلى المستشفى عند الولادة، وعندما أعطته الممرضة المولود وحمله بحنية بين ذراعيه ونظر إلى عينيه، رأيتْ تعبيراً جديداً على وجهه، وأدركت لحظتها أنه أصبح أسير شريف الصغير للأبد.

 31 أكتوبر 1911 .. نشرت صحيفة الأهرام مقالاً بقلم زوجي يعرض فيه تحليلاً بسيطاً للعلاقات بين الشرق والغرب كما يراها اليوم، وسوف تنشر ترجمة للمقال باللغة الإنجليزية والفرنسية، وأملي كبير أن يحدث المقال صدىً في الرأي العام .

 5 نوفمبر 1911 .. تقول ليلى: لم أعرف أبداً كيف عَلِمِتْ بالأمر . سمعتها تصيح عالياً قبل سماعي لصوت العجلات والصراخ والقرع المدوي على الباب. سمعت صرخة آنا، صرخة مهولة طويلة رنت في أرجاء البيت وبعثت رعدة قوية في أوصالي، وعندما سمعها أحمد جاء يركض من الحديقة. كانت تصرخ بالإنجليزية: لا، رأيتها تخرج من البيت كالعاصفة . كان هناك خبط ثقيل على الباب، جريت، وجدتها هناك تجذب الترابيس وتجر الباب الثقيل بكل قوتها . فتحنا الباب الخارجي فرأينا رجال يصيحون: الباشا، الباشا. حملوه إلى الداخل. أخي. شريف ،حمله ثلاثة رجال.

 لوهلة لم أفهم ما حدث، حتى تراجع عنه الرجال ورأيت بقع الدم متناثرة على ثيابهم فهرعت إلى أخي، جاءت نور تستطلع صياح أمها. رأت أباها راقداً على الديوان وعيناه مغمضتان ، ركضت إليه. قلت لها: بابا مجروح. فقالت نور: أبوسك ؟ بابا أبوس الجرح ليشفى؟ ففتح أخي عينيه وقال: يا حبيبتي بوسي خدي ، إذهبي والبسي ملابس نومك. جاء الطبيب وبدأ في إخراج الرصاصات. كانت به ثلاث رصاصات، اثنتان في البطن وواحدة في الظهر. وبعد أن أخرج الطبيب الرصاصات. حينها نظر أخي ل آنا فقالت له: أحبك. فقال: آنا إسمعي ، أريدك أن تتابعي وتعيشي حياتك. عليك أن تتحلي بالشجاعة الآن. من أجل نور. تذكري وعدي. لا أريد لها حياة المجاهدة. علميها ، أنشئيها لتكون مثلك. 

عن نفسي أنا أذكره ألف مرة في اليوم. أرى الشبه بينه وبين أحمد في لفتة رأسه، في نظرته إليّ، فأضمه إلى صدري وأحضنه وأقبله. لقد حزن طويلاً لموت خاله، وشق عليه فراق نور، وكثيراً ما يسألنا إن كان بإمكانه الذهاب للدراسة في انجلترا. آنا ترسل لنا كثيراً بأخبار نور، وهي تشغل نفسها بالرسم وبحديقتها وبالعناية بقريبها سير تشارلز. 

ويموت شريف باشا. وأمل، التي كانت تعلم النهاية مسبقاً، وأحبته كما أحبته أمه وزوجته وأخته ، تتفجع وتنتحب عليه بطاقة جديدة من الحزن. تقرأ آخر ما خطته آنا في مفكرتها وتعيد القراءة مرات ومرات. حاولت، حاولت مرات ومرات بصدق أن أخبرها. ولكنها لا تستطيع ـ أو لا تريد ـ أن تفهم وتتخلى عن الأمل. إنها تنتظره في كل لحظة. تضطر أخيراً أمل إلى إغلاق المذكرات. وترتب وتنسق الأوراق والقصاصات. تذهب إلى المقبرة وتزور مقبرة العائلة ، زيارة خاصة لقبر شريف باشا البارودي بالذات، ويقرأ هناك الشيخ المقيم سورة ياسين على روحه.

 القاهرة 21 أغسطس 1998.. يثبت عينيه في عيني أمل وهو يرضع، وجهه هادئ صبوح وعيناه مركزتان في عينيها. تحمل أمل شريف الصغير ثم تضعه، بعد أن ينام، بجوار أمه. تجلس أمل في غرفةالمعيشة. الصندوق البني قائم بجوار الحائط. المفكرات القديمة راقدة إلى المنضدة بعدما فضت أسرارها، وإلى جنبها الصفحات التي سجلت فيها أمل حكاية ليدي آنا وشريف باشا مرتبة في نظام. في الغرفة المجاورة إيزابيل مستغرقة في النوم. تحمل أمل شريف الصغير مرة أخرى وتضمه إلى صدرها. تربّت على ظهره، وتلصق خدها برأسه وتهمس: نام يا حبيبي ... 


                                            النهاية.    



إرسال تعليق