الأحد، 22 يوليو 2018






تلخيص رواية:
أنقذني: غيوم ميسو.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

إنه صباح من صباحات كانون الثاني/ يناير بخليج نيويورك, ساعة زحف النهار على الليل. في أقل من دقيقة سيضاء الطابق الأخير من عمارة صغيرة بالحي. في هذه الأثناء تستمتع شابة فرنسية تدعى جولييت بومان بالثواني الثلاث الأخيرة من النوم .
لما رن الجرس، أرسلت جولييت ذراعها بشكل عشوائي نحو منضدة السرير فطوحت بالمنبه على الأرض موقفة بذلك فوراً صفارته المزعجة. خرجت من فراشها وهي تفرك عينيها. قامت مسرعة والتقطت نظارتها التي كانت تبغضها، لكن قصر نظرها يضطرها إليها. عكست لها مجموعة من المرايا صورة امرأة في الثامنة والعشرين من عمرها، بشعر متوسط الطول ونظرة لعوب.


أدارت جولييت زرّ المذياع: واصلت العاصفة الثلجية زحفها لتصيب نيويورك وبوسطن. هكذا استيقظت مانهاتن هذا الصباح تحت طبقة سميكة من الثلج شلت حركة السير وأبطأت من إيقاع الحياة في المدينة. شعرت جولييت بقشعريرة وهي تنصت لهذه الأخبار. عليها أن تتناول شيئاً بسرعة لكي تتدفأ. كانت الفرنسية الشابة مفعمة بالحنين لعلمها بأنها ستترك مانهاتن قبل نهاية الأسبوع. ولم يكن هذا بالقرار اليسير. فقد كان عليها أن تخضع للأمر الواقع. فبعد أن حصلت على الماجستير بالأقسام التحضيرية الأدبية من السوربون دون أن تنقطع عن التمثيل في نوادي المسرح الجامعي. وواصلت اجتياز اختبارات أداء الممثلين، وشاركت في التمثيل بثلاث وصلات إشهارية, إلا أن كل هذه الجهود لم تثمر شيئاً. اختارت السفر إلى نيويورك وكلها أمل أن تجد لها موقعاً في برودواي، لكن كل اختبارات الأداء التي اجتازتها لم تسفر إلا عن أدوار صغيرة في مسرحيات تجريبية. واتخذت قرار العودة إلى فرنسا. ذلك أن كولين (زميلتها في الشقة) ستترك الشقة لتقيم مع صديقها، ولم تعد لها الشجاعة ولا الرغبة في البحث عن امرأة أخرى تقتسم معها إيجار الشقه. لبست ثيابها وانطلقت إلى عملها كنادلة في إحدى المقاهي.

على بعد كيلومترات من هناك، عبرت سيارة لاند روفر رباعية الدفع موقف سيارات مقبرة بروكلين هيل الخالي. وعلى ركن الواقية الأمامية الأيمن، تكشف بطاقة عن هوية السائق: الدكتور سام غالواي, شارع مستشفى ماتيوس. رُكنت السيارة قرب المدخل، وترجل منها شخص في الثلاثين من العمر. كان الجو بارداً. خطا بضع خطوات باتجاه المدخل. كان يواظب على زيارة المقبرة مرة في الأسبوع صباحاً قبل الإلتحاق بالعمل بالمستشفى. إنها الوسيلة الوحيدة ليستمر معها. كانت مقبرة شاسعة كثيرة التلال أشبه ما تكون بالحديقة. بعد قطع ثلاثمائة متر، وصل إلى قبر زوجته. كان الثلج قد غطى الشاهد، فكشف سام عن الإسم : فيديركا غالواي. رغم أن فيديركا ماتت قبل سنة، فهو ما زال يكلّمها كما لو كانت لا تزال حية.

كان سام طبيب أطفال ماهراً ورحيماً بمرضاه. تخصّص سام في مجال الطب النفسي، ويعالج الصدمات النفسية التي يتعرض لها بعض الأطفال. كانت قصة علاقته بفيديريكا بالغة التعقيد. تعارفا منذ المراهقة. ولكن في الشهور التي سبقت موتها، كثيراً ما كانت تلجأ إلى عالم الرسم والصمت. وبذلك زاد التباعد بينهما. إلى أن حل ذلك المساء المشؤوم الذي فتح الطبيب الشاب فيه باب البيت ليكتشف أن زوجته قررت مغادرة تلك الحياة التي لم تعد قادرة على احتمالها. شعر سام بحالة من الخدر. لم تصدر عن زوجته أي علامات واضحة توحي أنها مقدمة على الإنتحار، بل كانت تبدو هادئة. كان الشعور بالذنب الذي ينهشه يمنعه من أن يسلّم بوفاتها. لم تترك له كلمة وداع ولا تفسيراً. قرر سام أن يعود أدراجه إلى السيارة، ولكنه ما كاد يخطو بضع خطوات حتى رجع على عقبيه. قال لها: كنت أرغب منذ زمن طويل أن أقول لك شيئاً يا فيديريكا. شيء لم أبح لك به قط.. لم أبح به لأحد. لم يكن الأمر يتعلق بخيانة زوجية ولا بمشكله بينهما ولا بقضية مالية. كان الأمر يتعلق بشيء آخر. أمر أخطر بكثير. اعترف لها أخيراً بما كان يعتصر قلبه منذ سنوات. حين فرغ من بوحه، شعر بالسلوى. ثم قال: كل ما أتمناه هو أن تكوني لا تزالين ثابتة على حبي.

بينما كانت تلبي طلب زبونها، مضت جولييت تنظر إلى الثلج المتساقط من خلال الزجاج. أنهت عملها وهمت بالمغادرة عندما ناداها رجل أشيب. كانت تعرف هذا الزبون، فقد كان يتردد على المقهى أحياناً، ولا سيما في وقت متأخر من المساء. قال لها الرجل الأشيب: جئت لتوديعك يا جولييت فقالت: كيف علمت بالأمر ! فقال: سمعت بالأمر. إجلسي لحظة. ترددت ثم أخيراً جلست قبالته. قال: ليست حياتك فاشلة بخلاف ما ترددينه كل صباح أمام المرآة. حينها جفلت جولييت مصعوقة. قالت: كيف عرفت هذا ! فقال: الحياة في هذه المدينة صعبة إلا أنك امرأة طيبة, إعتني بنفسك. ثم قام وغادر. صاحت به وكان عليها أن تستوقفه دون أن تعرف السبب. جرت خلفه، إلا أنه كان قد غادر المقهى. وحين رجعت جولييت إلى البيت، كانت كولين مرافقتها فى الشقه  قد تركت لها رسالة تعلمها بأنها ستمضي عطلة نهاية الأسبوع مع خطيبها. صعدت جولييت إلى غرفة كولين، ولبست ملابس صديقتها، وتناولت وشاحها وخرجت في ذلك الليل المشرق وقد عقدت العزم على الإستمتاع بساعاتها الأخيرة في مانهاتن. ذهبت إلى تايمز سكوير، المكان الأكثر حيوية في مانهاتن. رغبت الشابة الفرنسية في أن تستمتع لآخر مرة بهذا المزيج الأخاذ من الطاقة والسحر. كانت في قرارة نفسها تعشق هذه المدينة. كانت تشعر بنفسها هنا أنها حية. صحيح أن المكان حاشد، ولكن المرء لا يشعر فيه بالوحدة على الأقل .

غادر الدكتور سام باحة المستشفى, والتحق بسيارته. وضع سام يده على المقود، وترك المحرك مشغلا. كان متعباً هذا المساء. تقدم صاعداً في شارع برودواي. أطلق موسيقى جاز قديمة, وراح يستمتع بأنغام الساكسوفون وسط الضجة. تحسس الرسم الذي قدمته له المريضة الطفلة أنجيلا قبل قليل. فتح الورقة فاكتشف على ظهرها زمرة من الرموز السرية التي لم ينتبه لها من قبل: دوائر ومثلثات ونجوم متداخلة. ما معنى هذه الرموز الغريبة ؟ لم يلحظ سام الشابة التي تعبر الطريق أمامه إلا في آخر لحظة ! انحرف بسرعة إلى اليمين.
تسمّرت جولييت في مكانها. كادت السيارة تدهسها, فشعرت لأول مرة في حياتها بالموت يحوم من حولها. توقفت السيارة فوق الرصيف. كان عدم دوسها لأحد المارة معجزة. قفز من السيارة باتجاهها وقال لها: أنا طبيب وأستطيع أن أفحصك. فقالت: لا بأس، ليس بي شيء. أمسك سام بذراعها ليساعدها على القيام، فرفعت رأسها إليه وقالت له: أنا بخير. فقال لها: هلا قبلتِ دعوتي لشرب كأس عسى يُهدّيء من روعك ؟ انتظريني في بهو هذا الفندق، سأعود بعد أن أركن السيارة في موقف الفندق. إسمي الدكتور سام غالواي. حدقت جولييت فيه واجتاحتها رغبة في نيل إعجابه، فقالت: تشرفنا, أنا جولييت بومان, محامية .

جلسا في الحانة ذات المنظر البانورامي في الطابق الأخير من فندق الماريوت. لاحظت جولييت على ضوء الشمعة قسمات سام المتعبة وعينيه الملونين بالأخضر والأزرق. ولكن هذا لا يمنع أنه لطيف. أعجَبَ سام بُعدَ جولييت عن التكلف، فهي بسيطة وطبيعية، ولكنتها الأجنبية فاتنة. وكلما نظر إليها شعر بما يشبه بصعقة كهربائية طفيفة. قالت جولييت لنفسها: أكان سيدعوني إلى المقهى لو أنني أخبرته بكوني نادلة ؟ بعد حوالي ساعة من الحديث، استأذنت جولييت للذهاب إلى الحمام. انتبه سام لمّا بقي بمفرده إلى أنه كان في غاية الإرتباك. قال لنفسه: هذه المرأة خطيرة. عيناها  تلتمعان. يشي وجهها بتعبير صادق جعله ينجذب إليها. لم يكن مستعداً بعد. أغلقت جولييت على نفسها باب المرحاض. قالت لنفسها: ماذا جرى لي ؟ لا يمكن أن تسقط في غرام شخص في غضون ثلاثة أرباع الساعة ! ولكن هذا الرجل، سام غالواي، لم يكن كالآخرين. ذلك أنهما بمجرد ما شرعا في الحديث، أحست بحرقة كبيرة في داخلها. كانت جولييت تصارع للسيطرة على مشاعرها. ثم كانت ثمة كذبة، والعلاقة التي تنطلق من كذبة لا يمكن أن تكون حميدة العواقب .

خرجت جولييت من الحمام وجلست من جديد أمامه. أمسك سام بمرفقها وقال: ألديك صديق ؟ فقالت: ربما، وأنت ؟ فقال: ليس لدي صديق ! لعلك فهمت قصدي. ولكني في الواقع متزوج !!
لم يتبادلا كلمة واحدة ولا حتى نظرة خلال خروجهما من المقهى. استدارت جولييت وانطلقت نحو أقرب مدخل نفق مترو. لن تقبل أبداً بالإرتباط برجل متزوج: إنها قاعدة لا تقبل الإستثناء. حينها قال لها سام: أنا آسف لكون هذه السهرة انتهت بهذا النحو السيء. إنني أجدك حقاً لطيفة، ولم أشعر منذ زمن بعيد بالراحة مع شخص مثلما شعرت معك. فقالت: أنا متأكدة أن زوجتك ستسر بمعرفة ذلك! فقال سام: ما يستحق أن نحفل به هو الحاضر وحده. قالت: وماذا تقترح؟ قال: أقترح عليك ليلة واحدة ونهاراً واحداً مع الإلتزام بشرطين اثنين: لا تعلّق ولا أسئلة عن زوجتي. فهي غير موجودة بمانهاتن خلال عطلة نهاية الأسبوع هذه. فقالت له: أغرب عن وجهي ! آذته هذه الكلمات، فانصرف وقد ملأه الحزن. نظرت إليه وهو يبتعد وتنبهت فجأة إلى أنها لا تعرف شيئاً عن محل إقامته. فانطلقت إلى المستشفى التي يعمل بها كما أخبرها، واستطاعت أن تحصل على عنوان سام.

كانت جولييت ترتعش من البرد والتوجس، وكان قلبها يخفق بشكل غير مسبوق. عثرت على بيته وفتح لها سام الباب. نظرت في عينيه واستسلمت للّحظة الحاضرة وقد انتشت بثمالة المجهول لأنها كانت تدرك أن الثواني الأولى في العلاقة هي الأجمل عادة، وهي التي لا تُنسى أبداً. سحبها سام إلى الداخل وأغلق الباب دون أن يتوقف عن تقبيلها. سمع خفقان قلبه الشديد في صدره وكذا ضجة تنفسه. شعر بنفسه ضائعاً، خارج ذاته، ذاهلاً كما لو أن رجلاً آخر صار يتحكم في جسده، ولكنه كان يشعر الآن في ذاته أكثر من أي وقت مضى 

كانت قد مضت دقائق على شعور جولييت بمحاولة شعاع شمس النفاذ تحت جفنيها. قفزت جولييت من مكانها. لقد نامت نوم الرضّع. أخذها سام إلى مقهى فرنسي صغير. ثم تنزها في أزقة غرينيتش فيلاج، وتسكعا بواشنطن سكواير، ثم تناولا غداءهما على أحد مقاعد سنترال بارك. أغرم سام بحيوية جولييت ومرحها. فهي مقبلة، بخلافه، على الحياة. لا أحد منهما يؤمن بالقدر. كلاهما لا يؤمنان إلا بالصدفة التي أتقنت صنعاً هذه المرة على غير عادتها. لم يناما ليلة السبت إلى الأحد. كان لديهما كلام كثير يتبادلانه, وحب كثير. أحست منه بالقوة والوثوق اللذين طالما افتقدتهما. واستشعر هو فيها حرية ولطفا لطالما أعوزاه. أدركت جولييت أن لحظات السعادة هذه ليست ملكاً لها تماماً، لأنها ليست جولييت بومان المحامية، ولكن لا أهمية لكل ذلك .

تساءلت جولييت وهي في التاكسي الذي يقلها إلى المطار: لماذا وافقت على مجيء سام وهى تعلم أنها لا تتحمل مشهد الوداع. في مقهى المطار جلس سام إلى جانبها وقال: إن عدت إلى نيويورك فقاطعته جولييت قائلة: هكذا إذاً، إذا عدتِ إلى نيويورك، وإذا لم تكن زوجتك موجودة، وإذا رغبتِ في أن تتسلي قليلاً، سيكون من اللطيف أن نلتقي. قال: ليس هذا قصدي. قامت جولييت وغادرت الكافتيريا، واتجهت نحو بوابة السفر. دخلت إلى الطائرة ولم تكن لها رغبة إلا لترك الطائرة وللحاق بسام، ولكنها كانت تدرك أن ذلك غير منطقي، وأنها مجرد أزمة عاطفية تؤشر على أنها فعلاً دخلت سن الرشد. قالت لنفسها إنه كان من الأجدر لها أن تبقى بعيدة عن الحب. خرج سام من المطار، ولكن شدته قوة غريبة في مكانه. كلا، لن يترك هذه الفرصة تفلت. لو رحلت جولييت الآن، سيندم على ذلك طول حياته. عاد أدراجه كالبرق. بلغ بهو المطار ولكن لا أثر لجولييت. دنا من النوافذ الزجاجية ورأى الطائرة وهي تقلع، وظل سام يتأملها لوقت طويل إلى أن اختفت في الأفق .

ضبطت ماري بومان (أم جولييت) منبهها على الساعة الخامسة صباحاً. ستحط الطائرة التي تقل ابنتها على الساعة السادسة وخمس وثلاثين دقيقة، وهي لا ترغب في التأخرعن الموعد. ركبت ماري سيارتها وتوجهت إلى المطار لملاقاة ابنتها. شغلت مذياع السيارة : قناة أوروبا الأولى، صباح الخير، تشير الساعة إلى السادسة والنصف صباحاً, إليكم عناوين النشرة: كارثة جوية رهيبة في سماء المحيط الأطلسي. دخلت ماري بومان إلى المطار مرتعشة ومحمومة كما لو دخلت إلى مجزرة. ساورها لبرهة أمل يائس. ماذا لو أن جولييت ركبت الطائرة الموالية. توجهت ماري بالدعاء للرب والقدر والصدفة .

تقول الأخبار: ما زلنا نجهل رسمياً ما إذا كان الأمر يتعلق بحادثة أم بعمل إرهابي. فقد تلقت الجزيرة مكالمة من مجهول ينتمي إلى جماعة إرهابية غير معروفة يؤكد فيها وضعه قنبلة على متن الطائرة، ولكن هذا الإدعاء ينبغي أن يؤخذ بحذر شديد، وقد اعترفت السلطات أن هذه المكالمة ليست لها أي مصداقية. ومن ناحية أخرى فإن شرطة نيويورك بصدد التحقيق مع مشتبه به لم يكشف عن هويته بعد. وحسب بعض المصادر، فقد غادرت شابة الطائرة على حين غرة قبل دقائق من إقلاعها. دخل المفتش فرانك إلى الغرفة الصغيرة المجاورة لقاعة التحقيقات. ومن خلال المرآة العاكسة شاهد امرأة شابة جالسة على  مقعد. كانت مكبلة اليدين. كانت تنظر في الفراغ وهي لا تفهم ما يحصل لها. كانت تدعى جولييت بومان. كانت قد غادرت الطائرة المحطمة قبيل إقلاعها. بعد تدقيق بسيط أملته الإجراءات الأمنية، تحول ذلك التدقيق إلى توقيف. وأبدت مقاومة شرسة أثناء التحقيق. وأفضى فحص جواز سفر جولييت إلى الكشف عن تزوير تاريخ التأشيرة، إذ عمدت الآنسة إلى محوه وتعديله. وبالتالي جرى اعتقالها على ذمة التحقيق. قال لها المحقق: لماذا غادرت الطائرة قبيل إقلاعها ؟ فقالت: أنا حية، أنا حية !!
بقي سام في بيته مصعوقاً بالحزن والشعور بالذنب تماماً كما حدث له قبل سنة. لقد قرأ خبر الطائرة المحطمة. فالمرأتان اللتان أحبهما لقيتا حتفهما، وذلك بسبب خطئه. قرر الخروج للنزهة في الهواء الطلق حتى لا يجن من اجترار آلامه. دخل إلى ملاعب كرة السلة وجلس على أحد المقاعد. اقتربت منه امرأة سمراء، ترتدي سروال جينز وسترة جلدية. قال لها: الشرطة ؟! قالت: أجل. فقد كان يملك حاسة سادسة تمكنه من التعرف عليهم. قالت وهي تظهر شارتها: إسمي غريس كوستيللو. لقد جئت للقائك يا دكتور. تبدو مهموماً. قال: إنني متعب، وأنا مضطر للإنصراف. قالت له الشرطية غريس: إنه من الصعب أن يفقد المرء شخصاً عزيزاً, إسمع يا دكتور، لدي خبران لك، أحدهما طيب والآخر سيء. الخبر الطيب هو أن صديقتك حية. فقال سام: أي صديقة؟ قالت: صديقتك جولييت لم تكن على متن الطائرة. ثم أخرجت من جيبها مقالاً صحفياً: فتاة فرنسية معتقلة احتياطياً بعد تحطم طائرة الرحلة 714 . كانت الجريدة تحمل على نحو غير مفهوم تاريخ اليوم التالي. قال سام: أهي مزحة؟ لماذا تحمل الجريدة تاريخ الغد؟ قالت: ليست مزحة: جولييت حية! ثم أكملت: أما الخبر السيء هو أنها لن تعيش إلا لبضعة أيام . حينها انصرف سام من أمام المرأة التي تهذي وانطلق إلى مركز الشرطة. وهناك التقى بالمفتش. قال له المفتش: جولييت بومان معتقلة احتياطياً. حكى له سام بإيجاز كيف التقى بجولييت، وأنه لم يفارقها خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية. قال المفتش: إذا كنت فهمت جيداً، فالآنسة بومان غادرت الطائرة باستعجال لتلحق بك. فقال سام: الأمر كذلك. سأله المفتش: كيف علمت بأن الآنسة بومان لم تلق حتفها في الحادثة؟ حينها تردد سام، ولكن الحدس دفعه إلى عدم الإشارة إلى تدخل غريس كوستيللو الشرطية. وعوضاً عن ذلك قال سام : أنصحك باحترام القانون، فجولييت محامية، وستعرف كيف تدافع عن نفسها. فقال المفتش: من هي المحامية ؟ فقال سام: جولييت بومان. فقال المفتش: جولييت بومان ليست محامية, هي نادلة في مقهى ..
راح سام يذرع ردهة الشرطة منزعجاً. تحدث إلى المحامي المكلف بتقديم المساعدة لجولييت. ثم تقدم إلى مكتب الشرطية غاليستا وطلب منها بعض المعلومات عن شرطية تدعى غريس كوستيللو. قالت له : لا أستطيع. وعندما ألح عليها، أجرت عدة مكالمات هاتفية ثم قطبت حاجبيها وعادت أخيراً تسأل سام بغضب: أتسخر مني ؟ إن كوستيللو ماتت منذ عشر سنوات !!!!!
غادر سام مفوضية الشرطة مشوش الذهن, حائراً. أخرج من جيبه الفاكس الذي أخذه من الشرطية غاليستا بخصوص غريس, والذي يتحدث بأنه  قد عثر على مفتشة الشرطة غريس كوستيللو مقتولة برصاصة في الرأس داخل سيارتها. ولا تزال أسباب مقتلها مجهولة. كان المقال مصحوباً بصورتين فوتوغرافيتين لغريس، وكانت الصورتان واضحتين نسبياً مما مكّن سام من ملاحظة أنها المرأة نفسها التي لقيها قبل ساعات. إنها امرأة من المفروض أنها ماتت منذ عقد. حينها توقفت سيارة شرطة إلى جانب سام وترجل منها ضابط يدعى مارك روتيللي. قال الضابط: لقد تم إعلامي بأنك تسأل عن غريس كوستيللو. أتظن أنها لا تزال حية ؟ فقال سام مؤكداً بعد أن صعد إلى سيارة الشرطة: إنها لا تزال حية. ولكن إلى أين نحن ذاهبان ؟ أخذه الضابط إلى مقهى. وطلب من سام أن يخبره بما يعرفه عن غريس. حينها قص سام كل  حكايته منذ أن التقى بجولييت حتى ظهرت له غريس مروراً بتحطم الطائرة. فقال له الشرطي: أنا زميلها لمدة عشر سنوات. كنا صديقين. ولكن لقد أصابتها رصاصة ملعونة منذ عشر سنوات فجّرت جمجمتها! قال سام: لعلها لم تمت. فثار روتيللي وقال: عندما قُتلت غريس، أنا من استدعيتُ  للتعرف على جثتها! رأيت وجهها، وبكيت وأنا أحمل جسدها بين ذراعي! كانت هي قطعاً. فقال سام: من قتل غريس ؟ هز الضابط رأسه وقال: لا نعلم. لم أعثر على خيط يمكن أن يوصلني إلى القاتل أبداً. ولكن إن كان ما تقوله صحيحاً يا سام، فهناك شخص ينتحل شخصيتها. وينبغي أن أكشفه، والآن إلى اللقاء يا دكتور. وبينما كان الرجلان مستغرقين في الحديث، لم يلحظ أيٌّ منهما طيفاً كان مختبئاً في الجانب الآخر من الشارع بحيث لم يفته شيء مما دار بينهما.

دخل سام إلى بيته، فأحس بتيار هوائي في المنزل. لمح طيفاً ميزه في زرقة الليل. طيف امرأة فارعة  الطول ورشيقة، جالسة على حافة النافذة: إنها غريس كوستيللو. قال: كيف دخلت إلى بيتي؟ قالت: ليس بالأمر المعقّد. قال: سأنادي الشرطة. فقالت له: أنا هي الشرطة. لا أقصد إخافتك يا دكتور، كل ما أريد هو أن أتحدث إليك عن جولييت. فقال لها : كيف عرفت أنها نزلت من الطائرة ؟ فقالت: أتؤمن بالحياة الأخرى يا دكتور؟ كان من المفروض أن تكون جولييت قد اختفت في هذه الحادثة وماتت، وقد أوفِدْتُ لتصحيح هذا الخطأ. أنا مبعوثة يا دكتور، وتتمثل مهمّتي في استرجاع جولييت. فقال: إلى أين. فقالت: إلى هناك، إلى الأعلى. فقال: إذا كنت قد فهمت فأنت موظفة مكلفة بتدبير شؤون الموت هناك في الآخرة ؟ فقالت: أفهم أنه من الصعب تقبل الأمر. فقال لها: إذا احتجت إلى مساعدة نفسية يمكنك زيارتي في أثناء عملي بالمستشفى. فقالت: إنني أهزأ بتعاطفك: لقد مت ودُفنت منذ عشر سنوات. فقال: إذا كان الأمر كذلك فاخرجي من بيتي! قالت: وهو كذلك، سنلتقي من جديد يا غالواي، سنلتقي. حينها تخطت غريس حائط النافذة، وهمت بالقفز، ولكنها توقفت وقالت: كدت أنسى: لا داعي لأن تقلق: زوجتك لا تزال تحبك !!! حتى بعد الذى بُحت لها به بالمقبرة ذلك الصباح !! حينها ظل سام مصعوقاً وصاح: منذ متى تتجسسين عليّ ؟ ولكن غريس كانت قد اختفت .
كان سام يجلس في مكتبه في المستشفى حين دخلت عليه غريس فجأة وقالت: ألا زلت لا تصدقني ؟ فقال: كيف لي أن أصدقك ؟ حينها شغّلت غريس حاسوبها المتنقل، وارتبطت بالشبكة العنكبوتية، وفتحت صفحة من موقع يومية إخبارية : النيويورك بوست : حادثة عربة كوابل متحركة (التيليفريك). في الثانية عشرة والنصف من زوال اليوم، سقطت إحدى عربات روزفلت آيلند المعلقة في النهر وعلى متنها شخصان على الأقل. لم يفهم سام المراد. فقالت غريس مُوضحة: سيقع حادث يوم السبت المقبل، وسنكون أنا وجولييت في العربة لمّا ستنفصل. قال: لماذا تقصين عليّ كل هذا؟ فقالت: لأنني أطمع في مساعدتك. ستقع الحادثة في غضون أربعة أيام على الساعة الثانية عشرة والنصف. وجولييت تثق بك، فتدبر أمرك لكي تجعلها تركب العربة، ولكن لا ترافقها. قال: أنت مخبولة وخطيرة. فتحت غريس الباب وقالت: أطلب منك للمرة الأخيرة يا دكتور أن تساعدني: صدقني وساعدني. هذا في مصلحتنا معاً. قالت ذلك واختفت بسرعة البرق.
خرجت غريس من المستشفى، وهي تشعر بالأمن بما أن لا أحد يعرفها. هي تعلم أن هناك مخاطرة، ذلك أن زملاءها السابقين يمكن أن يلمحوها في كل لحظة، لكن حتى لو حدث ذلك فسيظنون أنهم رأوا امرأة تشبهها. فتشت في جيوبها فعثرت على محفظتها سليمة ومحتواها كما كان قبل عشر سنوات. ولأول مرة منذ عودتها، تجرأت على النظر إلى صورة ابنتها الصغيرة، فاعترتها قشعريرة مفاجئة. شعرت غريس بالدموع تترقرق في عينها، ولكنها مسحتها بسرعة. لا ينبغي لها أن تنهار، وليس من حقها أن تنساق وراء عواطفها. لقد أوفدوها للقيام بمهمة، وقد اختاروها لصلابتها ويقظتها وانضباطها. وقع اختيارهم عليها لأنها كانت شرطية، والشرطة  مفطورون على الطاعة. أعادت صورة ابنتها إلى المحفظة قاطعة وعداً على نفسها بألا تعيد النظر إليها. منذ رجوعها كانت تشعر بأنها خرجت من غيبوبة طويلة. احتفظت ذاكرتها بكل شيء ما عدا الأيام القليلة التي سبقت موتها. لم تعد تذكر من قتلها ولا كيف قُتلت، ولكن هناك سؤال يشغل بالها: أين هي ابنتها جودي الآن وكيف صارت ؟
عاد سام إلى مكتبه بعد انتهاء خدمته. أخذ ينظر إلى رسومات الطفلة آنجيلا التي ماتت اليوم. لقد سبق ورأى علامات على الرسم الأول لها، وها هي العلامات تتكرر على الرسوم هذه أيضاً. ماذا لو كانت شفرة ؟ علق الرسومات العشرين على لوحة الفلين، فتشكلت له لوحة كبيرة. كانت لوحة تجريدية رائعة. نظر من زاوية محددة للرسوم المضمومة على بعضها البعض. بدا له أنها تحمل رسالة. بعض الحروف تكوّن جملة بسيطة، ولكن تداعياتها مقلقة: غريس تقول الحقيقة!!
لما فتحت جودي كوستيللو عينيها، وهي فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، وجدت فراشها مبللاً. كانت محمومة. كانت جودي بحاجة إلى المخدرات. تشعر بالألم في كل جسدها. فبعد أن توفت أمها، وكانت شديدة التعلق بها، أودعوها في البداية لدى عائلة مضيفة، ولكنها كانت تشعر بعدم الأمان. فعادت إلى بيتها وبدأت باستنشاق المذيبات كالهروين، والحشيش، والأقراص... ولم تعد تعيش إلا من أجل هذا. بدت لها المخدرات مُخلّصاً من المعاناة التي تعيشها. كان عزاؤها الوحيد هو أن أمها لن تراها قط على هذه الحال. مما لا شك فيه أنها ماتت وهي تعتقد أن مستقبلاً زاهراً ينتظر ابنتها. حياة مليئة بالحب والسعادة. الواقع أن ميزة موت الوالدين الوحيدة هو أن المرء غير مهدد بتخييب أملهما.

كانت جولييت جالسة في زنزانتها على الفراش مسندة ظهرها إلى الجدار وقد دفنت وجهها بين راحتيها. اعترفت جولييت بأنها زورت تاريخ تأشيرتها، ولكن هذا لا يجعل منها إرهابية. لم تقم بذلك إلا من أجل رجل, رجل عاملها بطريقة مختلفة، رجل أشعرها بأنها مختلفة وذكية وغالية. ولو اقتضى الأمر أن تقترف الخطأ نفسه من جديد لفعلت.
في جوف ليل نيويورك بحي هاريلم، دخلت غريس إلى ردهة البناية الإدراية, الذي تحفظ فيه ملفات التشريح الطبي. كانت البناية هادئة تماماً. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً بقليل. قالت لشرطي كان يتثاءب خلف مكتب الإستقبال: مساء الخير. قال: مرحباً. يا له من برد في الخارج! قدمت له بطاقتها وشارتها وقالت: لو منحتني قهوة لن أرفضها. ابتعد الشرطي عن مكتبه لجلب القهوة، فاغتنمت غريس الفرصة لتتسلل إلى حاسوبه ووضعت إسمها. ظهر لها على الشاشة رقم ملفها. ولما عاد الشرطي طلبت منه الملف. أخذت الملف وصارت تقرأ في ملابسات القضية لعلها تتذكر ما حدث لها. يقول التقرير إنهم عثروا على جثتها في سيارتها الخاصة مركونة في زقاق صغير غير بعيد عن جسر مانهاتن. ورغم قدرتها على التحمل، لم تستطع الصمود أمام هذا الشعور السريالي الذي ينتاب المرء وهو يشاهد جثته. فقد قُتلت بطلق ناري في الرأس. شاهدت في التقرير أن عينات دمها تحتوي على آثار مخدر الكوكايين في جسدها. حينها صعب عليها تحمل الصدمة، فهي لم تتناول المخدرات قط! قامت مصعوقة وأعادت الملف، وخرجت .

عُرضت جولييت بومان على محكمة كوينز. وبما أن الشرطة لم تستطع أن تثبت تورط الشابة الفرنسية في حادثة الطائرة، تنازلت المحكمة عن كل التهم الموجهة إليها، وحكم عليها بكفالة فقط، مبلغ 1500 دولار. تم إطلاق سراحها في انتظار عرضها على لجنة خاصة قبل ترحيلها. كانت كولين قد جاءت للقائها، وخرجتا معاً إلى شقتهما. وهناك قالت لها كولين: لقد التقيت بسام في مبنى الشرطة، حين علمت بالأمر، وأظن أن هذا الرجل حريص عليك. فقالت جولييت: إنه طبيب ومتزوج... ولا أظن أنه يمكن أن يحبني كما أنا حقيقة. فردت كولين وهي تمد لها آلة التسجيل الصغيرة: وأنا أظن خلاف ذلك. حينها خرجت كولين. ضغطت جولييت على زر التشغيل، فتردد صوت سام في الغرفة: عزيزتي جولييت... أرجو أن تنصتي لكلامي... أعلم أن الأيام الأخيرة كانت في غاية القساوة، وصدقيني إن قلت لك إنني لم أكفّ لحظة عن التفكير فيك. علاقتنا كانت قائمة على مجرد كذبة. لأنني كذبت عليك: كنت متزوجاً ولم أعد، لأن زوجتي توفيت منذ سنة. كانت تُدعى فيديريكا, وقد عرفتها منذ الطفولة. نشأنا في الحي نفسه ببروكلين. لم أعرف والديّ، وجدتي هي من ربتني. أنا طبيب وهي رسّامة، وعشنا في شقة فاخرة. كنت أتصور بأننا تخلصنا من الوضع البائس الذي كنا نعيشه في الصغر إلى أن حل ذلك المساء الرهيب. كان منتصف كانون الأول. كانت فيديريكا تنتظر مولوداً وهو ما غمرني بالبهجة. لأول مرة بدا لي المستقبل هادئاً وزاهراً. عدت من عملي تلك الليلة، وكان الباب مفتوحاً، فناديت عليها ولكنها لم تجب. دفعت باب الحمام لأكتشف ما لا أستطيع وصفه. كان الجدار والبلاط ملطخين بالدم، وجثة فيديريكا مستلقية في ماء يميل لونه إلى الحمرة. لقد انتحرت زوجتي وهي حامل. كان انكفائها على نفسها يزداد يوماً بعد يوم. لم تتحرر من ماضيها في الحي الفقير، وفقدت الرغبة في الكفاح في الحياة، وانتحرت وهي حامل. خلال الشهور التي تلت الحادثة، ما عاد يعنيني شيء. لم يعد لي أمل في شيء، وصرت أعيش كروبوت. إلى أن أتيتِ. أعلم أنني كذبت عليك، وقد ندمت على ذلك. أعلم كذلك أنك لست محامية، ولكن لا تظني أن هذا الأمر ضايقني, بالعكس. نادلة أو ممثلة، الأمر عندي سيان.... أطفأت جولييت آلة التسجيل وقد ترقرقت عيناها بالدموع. لبست ملابسها وغادرت الشقة. لحقت بسام في المستشفى. أخذها إلى يخت صديق له، وهناك راحا يتذوقان صامتين متعة كونهما معاً، واستسلما لانفلات هذه اللحظة.

في اليوم التالي ركن سام سيارته بمحاذاة الرصيف. لقد مضت على مغادرته منطقة "بيد ستوي" عشر سنوات. كان عليه أن يلتقي أحدهم. شخص سبق وأن لجأ إليه في الماضي لمّا شعر أنه عاجز عن إعطاء معنى الأشياء. جلس سام في الكنيسة متذكراً الصيف الذي انقلبت فيه حياته رأساً على عقب. إنها السنة التي أكمل فيها كل من سام وفيديريكا التاسعة عشرة. فقد التحق حينها سام بمدرسة الطب، أما فيديريكا فكانت قد أنهت تكوينها في أحد مدارس البستنه. وكانت تتاجر بين الفينة والأخرى بالمخدرات، حتى تتمكن من شراء ما تحتاجه أمها من مخدرات ودواء، ولا سيما أن صحتها كانت تتدهور. وفي هذه السنة ظهر داستفاس في حياتهما. كان ذلك المهرب العنيف يسيطر على الحي، وكان يضع عينه على فيديريكا منذ فترة. وحينها فكر في استعمالها كوسيلة لتهريب الكوكايين للولايات المتحدة. ووقعت فيديريكا بين أيدي المهربين وأصبحت وسيلة لتهريب عدة عمليات. وبعدها قررت فيديريكا ترك التهريب ولجأت إلى سام.

قطع تفكير سام صوت صديقه شايك قائلاً: مرحباً يا سام. لم يلتقِ الرجلان منذ عشرة أعوام. كان شايك قد أصبح قساً، وكان قديماً الصديق القريب لسام. أخذ سام يقص على شايك ما حدث له منذ عشر سنوات انتهاءاً بقصة جولييت والموفدة غريس. وبعد أن انتهى قال شايك: ما قلت لي مقلق، لكن عليك ألا تخضع لابتزاز هذه الموفدة المزعومة. عليك أن تحمي المرأة التي تحب يا سام. وبعد ساعات انتهى اللقاء بين الصديقين. ثم أخذ سام يتجول في الحي وطرح على نفسه سؤالاً: ماذا كان سيقع لو أنه لم يذهب للقاء داستفاس بسلاح في جيب سترته ؟ ثم أأنقذ فيديريكا حقاً في ذلك المساء ؟ أم أنه لم يعمل إلا على تأجيل نهاية لا مفر منها؟.

كانت غريس تتجول في شوارع إيست فيلاج وقد وضعت حقيبتها على ظهرها. كان البرد قارساً. أما جودي فمشت في الشارع باتجاه الحديقة. تأكدتُ من خلو الشارع من رجال الشرطة. فعندما ترغب في النشل، تستهدف السياح على وجه الخصوص. رمقتْ جودي امرأة ترتدي سترة جلدية كانت تدير لها ظهرها، ذات قوام رياضي ويبدو أنها لا تزال شابة. شعرتْ غريس بذراعها الأيسر يُسحب إلى الأمام بعنف كأنه انخلع، وفقدت التوازن وسقطت على الأرض. لم تبصر من المعتدي ولكنها فتاة. انطلقت غريس في أثرها وأصبحت على  مقربة منها. حينها هتف صوت رجولي: ها هي ! فأدرات جودي رأسها قليلاً لتلمح شرطيين يلاحقانها. لما التقت نظرات غريس بعيني سارقتها، شعرت بقشعريرة تسري في كل أوصالها. حينها صاحت غريس: جودي !! توقفت الفتاة فجأة كما لو أنها أصيبت بصعقة كهربائية. هذا الصوت وهذا الوجه... وقفت المرأتان وجهاً لوجه مشلولتين ومعقودتي اللسان. فقالت جودي بصوت متقطع : مامـ..! حينها اقترب الشرطيان فضربت غريس الشرطي الأول وصاحت: إصعدي إلى عربة المترو يا جودي ! وبينما كان المترو يتحرك، ألصقت جودي وجهها بزجاج النافذة لترى الشرطيين يسحبان أمها عبر السلم. حينها صاحت غريس مظهرة هويتها: أنا شرطية والفتاة تلك مخبرتي. هيا يا رجال صححا غلطتكما وأوصلاني إلى مستشفى ماتيوس.
أتصل شايك بسام وسأله عن إسم الموفدة. قال له سام إن اسمها هو غريس كوستيللو. شكره شايك وأغلق السماعة بسرعة. ردد شايك: غريس كوستيللو !! إنه الأسم الذي كان يخشى سماعه ولكن كيف يمكن ذلك !! شعر شايك بدقات قلبه تتسارع وأحس بضيق في التنفس! عليه أن يخبر سام ؟ فكر في الأمر ولكنه لم يستطع أن يحسم الأمر.
ذهبت جولييت إلى المركز الصحي لإجراء الفحوصات اللازمة لتمديد تأشيرة إقامتها. وبعد انتهاء الفحوصات، جلست في قاعة الإنتظار في انتظار النتائج. وبعد نصف ساعة أخذتها الممرضة إلى الطبيب ليطلعها على نتائج الفحوصات. قالت للطبيب: أنا عاشقة, لا تقل لي أنني سأموت قريباً. فقال الطبيب: كلا بالعكس. إننا نقوم باختبار الحمل لكل مريضاتنا، وأنت حامل يا آنسة بومان !!
فتحت غريس باب مكتب سام في المستشفى وقالت له: أنا بحاجة إلى مساعدتك. أريد أن تساعدني بأن أعثر على ابنتي. لقد رأيتها منذ قليل، ورأيت فيها تلك المسحة الحزينة التي تُرى في عيون المدمنين على المخدرات. وقصت عليه ظروف لقائها العابر مع جودي. وقالت له: أريدك أن تعثر على ابنتي يا سام وتكلّمها. قال: ماذا سأقول لها ؟ ولماذا أنا ؟ فقالت: لأنك طبيب وهي بحاجة إلى العلاج. ثم ليس لي أحد سواك يا سام. ولأنني ميتة فلا  يحق لي أن أساعدها. خرج كل من سام وغريس من المستشفى إلى الشارع العام. اتصل سام بروتيللي ليعلم منه أخبار جودي ومكانها، فأخبره بروتيللي بأنه لا يعلم مكانها.

بينما كانت جولييت تتمشى وهي لا تزال تحت وقع مفاجأة الحمل، رأت سام وغريس يدخلان إلى أحد المقاهي. وقفت جولييت بجانب زجاج  المقهي الذي دخله سام وغريس. اتصلت به وقالت: أين أنت ؟ فقال سام: في المستشفى. فصرخت : أنت تكذب !! وضربت واجهة المقهى. حينها انتفض زبائن المقهى، وكذلك سام، وراحوا ينظرون إلى النافذة الزجاجية. كانت جولييت واقفة هناك خلف الزجاج. نظر إليها سام مشدوهاً، فقالت: لم أعد أثق بك. ثم لوحت لسيارة أجرة، ركبتها وانطلقت بها.
استطاع سام أن يحصل على عنوان إقامة جودي عن طريق زميل له في المهنة يدعى أليكس ستيبل. انطلق هو وغريس إلى المكان، ثم لاحظ أن غريس تحاول أن تمده بسلاحها. فقال لها سام: أكره الأسلحة. آخر مرة استعملت فيها السلاح، قتلت شخصاً. فقالت: متى كان ذلك ؟ فقال: كان ذلك قبل عشر سنوات في الحي الذي نشأت فيه. كان هناك شخص يدعى داستفاس. كانت فيديريكا مدينة له بالمال. فذهبت لتسوية أمر فيديريكا معه. عندما دخلت إلى بيته رأيته يتشاجر مع رجل آخر. ارتفعت حدة الكلام بين الرجلين، فأخرج داستفاس سلاحه على الرجل. رفعت سلاحي لردعه. كان التوتر على أشده. أغلقت عيني، وانطلقت الرصاصة. لم أعد أذكر إن كنت قد ضغطت على الزناد حقاً أم لا. كل ما أعلمه أنني لما فتحت عيني، لم يكن داستفاس هو من قُتل، بل الرجل الآخر. ذلك أن داستفاس احتمى به. هذه الحادثة دمرت حياتي بمعنى الكلمة، لذا لا أرغب في سلاحك.

وصل سام وغريس إلى عنوان جودي. دق سام على الباب ففتحت له الباب فتاة ذات عيون جريئة ملطخة بالماسكارا. وبعد الإستجواب قالت الفتاة: إن جودي تتردد هذه الأيام على مزودنا بالمخدرات وإسمه سيروس. ثم أعطت الفتاة عنوان سيروس لسام. انتقلوا إلى سيروس، فأنكر معرفته بجودي، ثم اعترف في النهاية، تحت تهديد السلاح، بأنه سلمها لمجرم آخر يدعى "العقاب". وحينما وصلوا إلى مكان الرجل الثاني، جرى عراك بينهم، واستطاع العقاب أن يطلق الرصاص على غريس فسقطت أرضاً. صرخ سام : كلا! تعارك سام والعقاب بالأيدي واستطاع العقاب أن يضرب سام ويطرحه أرضاً. فتح سام عينيه مستجمعاً ما بقي لديه من قوة. وتبين لأول مرة بوضوح وجه خصمه: إنه كلارانس ستيرلنغ !! حينها قال كلارانس: ها ها ها غالواي !! حينها قام سام من مكانه، وتسارعت الذكريات في ذهنه. فهو لم ير ستيرلينغ إلا مرة واحدة فقط قبل عشر سنوات. إنه القاتل المحترف الذي أجرّه فيما بعد للتخلص من داستفاس. لم يعرف أحد يوماً أن سام كان وراء مقتله، بما في ذلك الأب باويل وفيديريكا. كان ذلك قراره هو، ومسؤوليته. حينها اقترب كلارانس من الطبيب وأطلق الرصاص عليه. شعر سام بكتفه ينفجر وتطاير الدم على وجهه. حينها قدمت الشرطة إلى المكان وقضت على كلارانس وأنقذتْ جودي .

مستشفى سان جيرمان الثامنة وست وأربعون دقيقة صباحاً. أنهت الطبيبة الشابة تضميد كتف سام الذي ارتدى منامة المستشفى. حينها دخل الضابط ليأخذ أقوال سام فمنعته الطبيبة من ذلك. توسل سام إلى الطبيبة أن يخرج فقال لها: عليّ لقاء امرأة ! فقالت: أتظن أنها ستجدك جذاباً بعكازتيك وضمادتك تلك ؟ من تكون هذه المرأة ؟ فقال: إنها امرأة فرنسية. ثم توجه سام ببطء نحو الباب وشكر الطبيبة. كان يريد أن يطمئن على الفتاة جودي قبل أن يلتحق بجولييت. مرّ على غرفة جودي حيث كانت تنام نوماً مضطرباً، وبجوار سريرها وقف روتيللي. اطمأن على الفتاة وذهب إلى جولييت.
كانت جولييت تذرع الشقة مبلبلة الفكر. لامت نفسها بشدة على انخداعها بالحب رغم علمها بمصائده وأوهامه. انطلق سام بالتاكسي. وضع يده على جبينه ولاحظ أنه محموم. كان منهكاً, ذلك أن هذا اليوم كان من أكثر أيام حياته رعباً. فقد تأثر بعمق لموت غريس ولم يستطع أن يستوعب ما وقع له. جلستْ جولييت على الأريكة مرتدية سترة سام. لاحظت أن هناك ورقة منكمشة في أحد الجيوب. فتحتها بتلهف: كانت نسخة من مقال صحفي يحكي واقعة تعود لعشرة أعوام خلت. قضية مقتل مفتشة الشرطة غريس كوستيللو. نظرتْ إلى الصور المصاحبة للمقال وتعرفت على الفتاة، إنها المرأة التي لقيتها اليوم بصحبة سام. حينها وصل سام إلى البيت. ولما رأته يسير على عكازتين، تحول كل الغضب الذي كانت تشعر به إلى قلق.  سألته عن المرأة التي كانت معه في المقهى. قال: إنها مفتشة شرطة سابقة طلبت مني مساعدتها لإيجاد ابنتها. قال: ولكنها ماتت! قال: كلا، لم تمت إلا اليوم. ألتمس منك أن تثقي بي، وأؤكد لك أن هذه المرأة ليست عشيقتي. حينها قالت جولييت: أنا حامل ! كان ذلك اليوم الأعظم في حياة سام، فغلبته دموع الفرح، ومع ذلك عليه ربما ألا يبالغ في الفرح، لأنه لا يثق في السعادة. حينها رن جرس البيت فذهب ليرى من وكانت غريس !! مستحيل !! لقد أبصر جثتها وقد اخترقتها وابل من الرصاص وهي ممددة أرضاً! قالت غريس: لقد كنت ألبس سترة واقية من الرصاص. آسفة ! لقد سبق لي أن أخطرتك بأنني سأبقى هنا حتى أنهي مهمتي، وإنني لن أعود إلا وجولييت معي. والموعد بعد غد في عربة الكوابل المتحركة ! وقبل أن تختفي قالت: وددت لو أنني لن أعود يا سام، وددت لو أن الأمور تنتهي على نحو مخالف.

في الصباح التالي، التقت غريس بسام في حديقة باتري. استقلا العبارة إلى جزيرة ستاتن. بقيا جنباً إلى جنب صامتين وهما يرتشفان المشروب الساخن ونظراتهما تائهة في الأفق الأزرق الصافي. حينها قالت غريس: لو رفضتُ أنا إنجاز المهمة سيبعثون غيري لتنفيذها. قال سام: أكره فكرة القضاء والقدر هذه، وقد ناضلت كل حياتي لكي لا أكون محكوماً بحتمية القدر. إسمعي يا غريس، إذا لم يكن بد من أن تعودي بأحدهم، فخذيني أنا! خذيني معك على متن عربة الكوابل بدل جولييت. ظلت غريس صامتة لبضع ثوانٍ ثم فقالت: ما دمت أنت من تريد ذلك، لا أمانع ! نلتقي غداً على الساعة الواحدة ظهراً بعربة كوابل روزفلت آيلند. سوف أتصل بك.

كانت جولييت متألقة من السعادة, تجوب ممرات المتاجر الكبرى بخفة مع سام, مفتونة بأسرّة الأطفال ولعبهم وألبستهم. ورغم ما يعانيه  سام  من غم واضطراب، إلا أنه كان يحاول التظاهر بعكس ذلك أمام جولييت. فهو  سيغادر هذا العالم غداً وهو ما كان يرعبه، ولكنه لم يندم على العرض الذي اقترحه على غريس. لقد قضى سام سنوات وهو يحلم بإنشاء أسرة. كان يتوق لأن يكون له أولاد حتى يُرسّخ وجوده في هذا العالم. كان يطمح، في هذا العالم اللاإنساني، إلى أن يبني علاقات متينة، ولكن الأمور لا تسير على هذا النحو. فهو سيختفي يوم غد, وستعود جولييت إلى بلدها. حينها راودته فكرة مفاجئة: لماذا لا يتزوج جولييت قبل موته ؟ بهذا الشكل سيعترف رسمياً بإبنه. ولكن إجراءات الزواج تتطلب أياماً. ذهب سام إلى البنك وقام بإجراءات التأمين على الحياة بمبلغ (750000 دولار) وعلى أن المستفيد من العقد هو جولييت بومان. وبالتالي فقد ضمن لجولييت وإبنه مستقبلهما المادي .

ارتقى مارك روتيللي طابقي عمارة صغيرة من الطوب البني. فتح باب شقته ولكنه لم يشعل النور فوراً. لم يكن روتيللي قد عاد إلى بيته منذ يومين. كان يشعر بأنه على ما يرام طالما أن العمل يُشغله. وبينما كان يهم بالدخول إلى غرفته، سمع صوت خطوات وراءه، ثم صوت: مرحباً ماركو ! استدار وقد اعتراه الذهول من نبرة الصوت الذي كلمه. كانت غريس واقفة على بعد ثلاثة أمتار منه، كانت متألقة وهادئة تماماً. طوقته بذراعيها، فطاوعها. ظلا متعانقين لفترة طويلة. فقال لها: لقد اشتقت إليك كثيراً. فقالت: وأنا أيضاً. قال: لقد عدت أخيراً قالت: نعم، ولكني لن أمكث طويلاً. ثم شرحت غريس قصتها كاملة. ورغم أن القصة تقوض كل المعالم التي يرتكز عليها، إلا أن مارك أدرك أن غريس صادقة. ثم فجأة قالت غريس وقد مدت لمارك حزمة من الورق: ألا تجد أنه غريباً أن يُكتشف آثارٌ للهروين في دمي بعد موتي ! من أين أتت ؟ فأنا لم أكن أتناول المخدرات. فقال روتيللي: ألا تذكرين ؟ لما قتلوك كنت تحاولين اختراق عصابة تجار مخدرات. فقالت: أوه نعم ! لا داعي لإفساد هذه السهرة يا ماركو. خذني لنتعشى في مكان ما. سألها: ألا تستطيعين البقاء لفترة أطول؟ قالت: كلا يا ماركو. عليك أن تسلم بالواقع، وتقبل به نهائياً. وفي اليوم التالي، استيقظ روتيللي وكانت غريس قد اختفت من جانبه، وهو يعلم أنها لن تعود أبداً.

رفع سام عينيه نحو الساعة الجدارية قلقاً أمام هذه الدقائق التي تنقضي بسرعة. أهي النهاية قد حلت إذاً ؟ ماذا رأى من الحياة ؟ لا شيء ذا بال. فكّر في البلدان التي لم يزرها، وفي الصفحات التي لم يقلّبها بعد، وفي كل المشاريع التي أجّلها. ولكنه كان يرغب في أن يزور صديقه "شايك باول" لآخر مرة .

لم يتفاجأ شايك عندما رأى سام يترجل من سيارة الأجرة. وبقدر ما كان ينتظر زيارته من يومين بالقدر الذى كان يهابها. قال سام: إنني خائف يا شايك لأنني سأموت ! فقال شايك: إسمع يا سام، إننى لم أقل لك كل شيء في المرة السابقة,. غريس كوستيللو ! لقد سبق لي وأن التقيتها منذ عشرة أعوام. لقد اعتقدتَ أنت يا سام، خلال تبادل إطلاق النار مع داستفاس، بأنكَ قتلتَ أحد زبائنه. أليس كذلك؟ فرد سام: نعم. قال شايك: ولكنه لم يكن رجلاً يا سام. بعد فرار داستفاس وصلتُ أنا إلى المكان، لأن فيديريكا قلقتْ عليك، وأخبرَتني عبر الهاتف. قال سام: لقد طلبتَ مني أن أهرب بسيارتك، فانصعت لأمرك. قال شايك: ذلك ما كان ينبغي أن تفعل. فما كان ينبغي أن تُسجن يا سام , كان من اللازم أن تُنهي دراستك، وهي أولوية لك ولنا جميعاً. حينها ظللتُ بمفردي في تلك الحجرة. كان عليَّ التخلص من الجثة. حينها اقتربتُ من الجثة، كانت جثة امرأة. لم يكن معها أوراق، لكنني عثرت على مفتاح سيارتها. حملت جثتها إلى سيارتها، وانتقلت بها بعيداً من هنا حتى أضمن ألا يصلوا إليك أبداً. ولم أتعرّفُ عليها إلا بعد يومين بينما كنت أقرأ الجريدة: كانت تدعى غريس كوستيللو، وهي من الشرطة. واستنتجتُ أنها كانت تشتغل عملية، وكانت تود اختراق شبكات المخدرات لتسقط أفرادها في يد الشرطة. كان سام تحت تأثير الصدمة عندما تذكر أن موعده مع غريس قد اقترب. قال لشايك: ينبغي أن أنصرف, سأذهب للقاء غريس .

كانت اعترافات شايك قد زلزلته، ولكنها وضّحت له أيضاً بعض الأمور: فهو من قتل غريس، وعليه أن يموت بدوره. فقد فهم أخيراً أن عليه أن يؤدي ثمن الجريمة التي ارتكب. فغريس عادت لتنتقم منه، وهو أمر يبدو منطقياً. اتصل بغريس وقال لها: كنت تعلمين أن الأمور ستنتهي على هذا النحو. قالت: عم تتحدث؟ قال: كل تلك الحكاية التي نسجتِها حول جولييت لم تكن سوى ذريعة، وسيلة لكي تجذبيني إليكِ. كُفّي عن التمثيل يا غريس، فالشخص الذي أطلق عليك النار قبل عشر سنوات هو أنا. كنتُ أرغبُ في إصابة داستفاس لكي أنقذك، لكنني أخطأته. أنا آسف يا غريس! حينها تسارعت أنفاسها، وامتزجت بالنحيب. لم تقل شيئاً ثم انقطعت المكالمة.

أخذ يفكر سام في ما آلت إليه الأمور، وتذكر أن موعده مع غريس في تمام الساعة الواحدة. ولكنه تذكر أيضاً أنه عندما أرته حادثة وقوع التلفريك كانت في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف !! إن جولييت الآن في خطر! تذكر أن جولييت الآن مع صديقتها كولين، فذهب بسرعة الريح إلى كولين. قالت له كولين: لقد ذهبت جولييت مع امرأة يبدو أنها تعرفها وذهبتا معاً. فقال سام: كيف هي المرأة ؟ فقالت: سمراء في حوالي الخامسة والثلاثين من عمرها ترتدي سترة جلدية .... إنها غريس! لقد تأكدتْ مخاوفه: لقد جاءت غريس تبحث عن جولييت لكي تأخذها معها. انتقل إلى عربة الكوابل في المدينة. كانت الساعة 12:29 . كانت ثمة عربة أخيرة تتأهب للإنطلاق في الأجواء , استطاع سام أن يُميز طيف راكبتين فصاح: جولييت ! غريس ! لكن الأوان كان قد فات، إذ بدأت العربة في الإرتفاع. تملكه شعور بالعجز فراح يراقب العربة وهي ترتفع. كان قلبه يتقافز في صدره. الساعة 12:30 نفخت هبة ريح عاتية هزت العربة وأفقدتها توازنها، مزيحة إياها عن سكة الكوابل التي تحملها لتطوح بها على برج أسلاك في الأسفل، محدثة ضجة صاخبة. تطاير الشرر، وانطفأ النور داخل العربة، وبدت لبرهة وكأنها توقفت تماماً، لكن عصفة ريح جديدة حركتها وألقت بها في النهر .

كان الثلج الذي يتساقط بلا انقطاع يخنق المدينة تحت رداء البياض الناصع. وهام سام على وجهه في الشوارع مسحوقاً تحت وزر الندم والشعور بالذنب. لقد أخفق للمرة الثانية في إنقاذ المرأة التي يحب. فكر في رسوم آنجيلا لما تراءى له ذلك التحضير: غريس تقول الحقيقة. فعلاً، لقد قالت غريس الحقيقة, لن تعود إلا مصحوبة بجولييت، وهذا ما وقع. انهار على الثلج على بعد أمتار من بيته ولم يحاول النهوض، وصار أقرب إلى الموت منه للحياة. بقي مستلقياً طويلاً... إلى أن أبصرها في الطرف الآخر من الشارع، شفافة وخيالية. جولييت. خطت بضع خطوات، ثم رآها تجري نحوه في صمت. كان الأمر كما لو أن السماء بعثت له ملاكاً لينتزعه من عذاباته .

بعد مرور يوم. بعد أربع وعشرين ساعة من الجو العاصف، زالت العاصفة بالسرعة نفسها التي حلت بها. وبدأت الحياة تسري من جديد في كل مدينة نيويورك. هناك في الغرفة 606 كان يرقد سام، مستلقياً على السرير في مستشفى سان ماتيوس ورجله مُثبتة في طبقة من الجبس، وكتفه محاط بطبقة سميكة من الضمادات، وإلى جواره تكومت جولييت تراقب أبسط حركاته وسكناته. ولما فتح سام عينيه أخيراً، لمح جولييت إلى جواره تبتسم له. انتصب جالساً متردداً بين الأمل واليأس، غير قادر على فهم ما يقع له. فقال لها: ألم تكوني في العربة ذات الكوابل؟ فحركت جولييت رأسها بالنفي. شعر سام بالإرتياح. ولكن إذا كانت غريس قد عادت من غير جولييت، فمن كان يرافقها إذن؟ وجاء الجواب عبر الأثير قائلاً: على أثر حادثة أمس المأساوية، فقد تم إجراء الإصلاحات الضرورية في العربات. وما زال الغطاسون يجوبون النهر بحثاً عن الجثتين، ولكن دون نتيحة. ولكن لم يعثر المحققون إلا على شارتي شرطة، إحداهما للضابط مارك روتيللي، والثانية لمفتشة ماتت منذ عشرة أعوام ..
لم يستطع سام إخفاء ألمه. لقد اختار روتيللي الموت برفقة غريس تعبيراً منه على تعلقه بها. حينها قالت جولييت: يتعلق الأمر بغريس كوستيللو، أليس كذلك ؟ قال سام: كيف عرفت ذلك؟ قالت: لأنها زارتني لدى كولين، وتركت لك هذا. أخذ سام الرسالة من بين يدي جولييت : سام .. لمّا شاءت الأقدار أن نلتقي للمرة الأولى قبل عشر سنوات، انتهى لقاؤنا بمأساة رهيبة، ولكنك لم تكن مسؤولاً عن ذلك. والتقينا للمرة الثانية وصرنا صديقين. لم أعد واثقة من المعنى العميق لمهمتي. أكانوا يرغبون فعلاً في أن أعود بجولييت أم أنهم بعثوني لأنقذ ابنتي وأتصالح معك؟ كل ما أعرفه هو أنني لن أحرمك من المرأة التي تحب. بالمقابل توجد في إحدى غرف المستشفى الذي تشتغل به مراهقة في الخامسة عشرة من عمرها قست عليها الحياة. وهي أعز ما لديّ في الكون، وهي بحاجة إلى مساعدتك وثقتك. أرجو أن تستمر في العناية بها. لقد آن الأوان لكي أنصرف .. غريس .
                                              

                                      النهاية.




إرسال تعليق