السبت، 23 يونيو 2018







 تلخيص رواية:                                                     
الوصية المفقودة: أجاثا كريستي.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.



كانت المشكلة التي عرضتها الآنسة فيوليت مارشي تختلف تماماً عن المشكلات الروتينية المألوفة التي يعالجها صديقي بوارو. وكان بوارو قد تلقى من هذه الآنسة رسالة قصيرة، تطلب إليه فيها أن يحدد موعداً لمقابلتها. ورد عليها بوارو محدداً الساعة الحادية عشرة من صباج اليوم التالي موعداً للمقابلة. جاءت الفتاة في الموعد المحدد. كانت فتاة جميلة، طويلة القامة، ترتدي ثوباً بسيطاً ولكنه أنيق. قالت وهي تجلس على المقعد: إنني يتيمة. وكان أبي أحد أخوين ينتميان إلى أسرة من صغار المزارعين في ديفونشاير. فهاجر الأخ الأكبر أندريو إلى أستراليا، حيث استطاع أن يجمع ثروة طائلة، أما الأخ الأصغر، روجر (وهو أبي) فإنه لم يكن يميل إلى الزراعة، وعمل موظفاً في إحدى الشركات. ثم اقترن بوالدتي. وتوفي أبي وأنا في السادسة من عمري. ولحقت به أمي وأنا في الرابعة عشرة. فكفلني عمي الذي عاد مؤخراً من أستراليا واشترى له قصراً. وطلب مني أن أقيم معه فيه. وعاملني كما لو كنت ابنته.


كان عمي شديد التعصب في آرائه ضد تعليم المرأة، فشجر الخلاف بيني وبين عمي وخاصة عندما حصلت على منحة دراسية. قال لي صراحة إنه كان في نيته أن يُورثني كل ثروته الطائلة. ولكني إذا أصررت على آرائي السخيفة فإنه يحسن بي ألا أنتظر منه شيئاً. فأجبته في أدب بأنني مصرة على المضي في الطريق الذي رسمته لنفسي. وافترقنا.

حدث ذلك منذ تسعة أعوام، وخلال هذه الأعوام التسعة، كنت أقضي معه عطلة نهاية الأسبوع، وكانت العلاقة بيننا ودية للغاية. ثم حدث أن ساءت صحته في السنوات الثلاث الأخيرة، وتوفي الشهر الماضي. والغرض من زيارتي لك هذه، هي أن عمي قد ترك وصية غريبة.. تنص على أن يصبح القصر بكل محتوياته ملكاً لي بعد عام من وفاته، بشرط، كما قال حرفياً في وصيته : أن تبرهن إبنة أخي خلال هذا العام على ذكائها. فاذا ثبت بعد هذه الفترة أنني أنا أذكى منها فإن القصر وما فيه وكل ثروتي تؤول إلى المؤسسات الخيرية. فقال بوارو: هذا معناه أن عمك قد أخفى في قصره مبلغاً من المال، ومنحك عاماً تختبرين خلاله مواهبك وذكاءك للعثور على الشيء الذي أخفاه. فقالت: تماماً يا مسيو.. والتجائي إليك هو اعتراف مني بأنك أوفر مني موهبة وأشد ذكاء. حينها وضعتْ فيولت الوصية أمام بوارو، فقرأها ثم قال: لقد كُتبت الوصية في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 25 مارس منذ ثلاث سنوات. وتحديد الوقت بهذه الدقة يدعو إلى الإعتقاد بأن الشيء الذي يجب أن نبحث عنه هو وصية أخرى. وإذا كانت الوصية الأخرى كتبت بعد هذه الوصية فإنها تلغيها. لحسن الحظ فأنه ليس لدي ما يشغلني في الوقت الحاضر. لذلك سأسافر الليلة مع صديقي هاستنجز إلى قصر عمك .
وصلنا إلى قصر كرابتري ( قصر عم فيوليت) في ساعة متأخرة من الليل، وكان بيكر، البستاني، وزوجته قد تلقيا برقية من الآنسة فيوليت مارشي عن الغرض من زيارتنا. وفي الصباح، استدعى بوارو البستاني وزوجته. وهناك قالت زوجة البستاني: لقد وقّعنا على الوصية في حوالي الساعة الحادية عشرة. وبعد نحو ساعة ، دعانا مستر مارشي مرة أخرى، وقال لنا إنني أخطأت في كتابة الوصية الأولى وقد مزقتها.. فهل لكما أن توقّعا على هذه الوصية الجديدة؟ ووقّعنا على وصية جديدة. ثم أخذت تتحدث الخادمة عما حدث بعد ذلك ثم انصرفتْ. فقال بوارو : إن الرجل كتب وصية ثانية ثم أحضر عمالاً من بلايموث كما قالت زوجة البستاني لينشئوا مخبئاً يخفي فيه الوصية .
وفي بلايموث استطعنا العثور على شركة المقاولات والإستدلال على العاملين اللذين أرسلتهما الشركة إلى قصر كرابتري. قال العاملان إنهما أجريا بعض الترميمات في القصر، وانتزعا حجراً فوق مدفأة غرفة المكتب، وأنشآ مخبئاً سرياً. حينها عدنا إلى القصر، وقام بوارو بالضغط على الأحجار فوق المدفأة، إلا أن تحرك أحدها وكشف عن المخبأ. ولكنه وجد المخبأ خاوياً. فقال: لقد سبقنا أحدهم إلى هنا. وعندما فحصا المخبأ وجدت بقايا أوراق محترقة، وكان من الواضح أنها بقايا أوراق من نوع أوراق الوصايا. حينها تناول بوارو مفتاح الدرج الأوسط للمكتب، وانتزع الغلاف الذي كان مشدوداً إليه وفضه بعناية شديدة. وبسطه أمامه على المنضدة، ثم أشعل النار في المدفأة، ووضع الظرف فوق اللهب، وما هي إلا لحظة، حتى بدأت الكلمات تظهر. فقال بوارو : انظر يا صديقي. فنظرت.. وقرأت الكلمات الباهتة التي أظهرها اللهب على باطني الظرف.. كانت عبارة عن وصية كتبها المستر مارشي في الثانية عشر ظهر يوم 25 مارس، وفيها يوصي بكل ممتلكاته لإبنة أخيه الآنسة فيوليت. لقد كان الرجل بارعاً وكتب الوصية بالحبر السري. قال بوارو: لقد أثبتت الآنسة فيوليت ذكاءها وجدارتها حين وضعت القضية بين يدي، فاستحقت الثروة التي تركها عمها.

الجثة المهشمة. بدأ الماجور بورتر، الضابط السابق بالجيش الهندي، يتطلع إلى وجوه من حوله، وبدأ يقول: لم يذكروا تفاصيل وفاة جوردون كلود. إن منزله الفاخر يقع قريباً من منزلي في كامبدن هيل. كم هزتني تلك الصدمة. لقد كان انفجاراً عجيباً الذي دمر الطابق الأرضي. وكان في المنزل وقت الإنفجار ستة أشخاص: ثلاثة من الخدم، ثم جوردون كلود وزوجته روزالين وأخوها. ولم ينج سوى الزوجة وأخوها لأنه كان في فراشه في الطابق الأول. لقد علمت أن جوردون قد تزوج أرملة شابة تدعى مسز روزالين أندرهاي. والغريب في الأمر أني كنت تعرفت إلى زوجها الأول في نيجيريا. وقد مات بالحمى في بعض الأحراش. وعلى ذلك فقد تتلقى مسز جوردون كلود صدمة قاسية في يوم ما. وأقول إنها تستحقها فقد حطمت حياة أندرهاي بعدما تركته . تطلع بورتر إلى وجوه الحاضرين فكانت علامات الإستياء ظاهرة عليهم إلا على وجه هيركيول بوارو وزميله الشاب مستر ميلون. وفجأة استرعى انتباه الحاضرين في النادي صوت صحيفة تُطوى على عجل، وإذا برجل أشيب يغادر المكان. فقال ميلون: إنه جيرمي كلود، أخو جوردون كلود. إنه محام، وسوف يقاضيك عما تقوله. ثم تأبط مستر ميلون ذراع هيركيول بوارو وغادرا المكان. وكان ذلك في خريف 1944. وفي أواخر ربيع 1946 استقبل هيركيول بوارو زائرة مجهولة .

كان بوارو يجلس إلى مكتبه عندما تقدم منه خادمه جورج وقال: هناك سيدة تريد أن تراك يا سيدي. قال بوارو: دعها تدخل. كانت السيدة تبلغ الخمسين من عمرها وكانت مسز كلود. بعد أن جلست قالت: لقد أتيت إليك بإيعاز من الأرواح. لا بد أنك سمعت بإسم جوردون كلود الذي قتل في إحدى الغارات منذ أكثر من عام، مُخلفاً وراءه ثروة طائلة. وهو الأخ الأصغر لزوجي ليونيل كلود الذي يعمل طبيباً. إسمع يا مستر بوارو لقد تزوج جوردون، أخو زوجي، قبل وفاته بأسبوعين من أرملة شابة تدعى روزالين. مسز أندرهاي. مات زوجها الأول، روبرت أندرهاي، في أفريقيا. وقد حدث في مرتين أنْ تلقيت رسالة من روح ذكَرَ إسمه على أنه روبرت. وكانت الرسالة تقول: لم يمت. تصور يا مستر بوارو لو أعدنا روبرت إلى روزالين، كم ستكون سعادتها. حينها قال بوارو : إني آسف يا سيدتي جوابي هو بالنفي. وبقي بوارو بعد أن تركته غارقاً في أفكاره. ولم يمض خمسة أيام على هذه الزيارة حتى قرأ في إحدى صحف المساء خبر مقتل رجل يدعى "إينوك آردن" وفي قرية "وار مسلي فال" .

كانت "وار مسلي فال" لا تعدو قرية صغيرة. وفي ضواحيها كانت تقوم بعض البيوت الجميلة. وإلى أحد البيوت وهو "البيت الأبيض" عادت "لين مارشمونت" عام 1946 بعد تسريحها من الجيش. وفي صباح اليوم الثالث لوصول لين وقفتْ إلى النافذة تتطلع إلى الأشجار وتنعم بهواء الريف. سوف تتزوج من ابن عمها "رولي كلود" قريباً، وستحيا معه تلك الحياة الهادئة البعيدة عن الصخب. لقد كانت صدمة قاسية للين عندما علمت بموت خالها جوردون أثناء الغارة، فلقد كان خالها معقِدَ الأمل لجميع أفراد الأسرة بثروته الطائلة. لأخوه جيريمي وليونيل وأخته الأرملة أديلا مارشمونت. لقد كانت عائلة كلود تعيش سعيدة بحاضرها تتطلع إلى المستقبل الباسم حتى فوجئت بزواج جوردون كلود غير المنتظر. قالت لين لأمها أديلا: لم يكتب وصية بعد زواجه؟ فقالت مسز مارشمونت: كان يجب أن يكتب وصية عندما يعود إلى وطنه، ولكن القدر لم يمهله، فقد قتل في اليوم التالي لوصوله إلى لندن. وهكذا يؤول كل شيء إلى روزالين .
كان رولى كلود، خطيب لين، شاباً ضخم الجسم، عريض المنكبين، ويزن كل كلمة قبل قولها. قال للين بينما كانا يتحدثان: المال هو كل شيء هذه الأيام. الأجور مرتفعة، والعمال غير راغبين في العمل، وليس هناك من هو راض عن مجاله. لقد كان عمي جوردون يعلم ذلك، وكان ينوي أن يمد يد المساعدة لنا. والآن أرملته تذهب للندن لتنفق آلاف الجنيهات لشراء معطف من الفراء. فقالت لين : كيف تبدو أرملته يا رولى ؟ فقال : سوف ترينها الليلة في الحفلة التي يقيمها العم ليونيل والعمة كاثي. لست أظن أنها ذكية، ولكنها حذرة جداً. أما من ناحية الجمال، فلها عينان جميلتان، وبشرة صافية، وأعتقد أن هذا ما أثر في عمي جوردون، ولكنها سهلة الإنقياد لأخيها دافيد يصرَّفها كما يشاء. المهم يا لين، أظن أنه قد آن الأوان لنفكر في عقد القران. فقالت لين: كما تريد.
كانت حفلات العمة كاثي متشابهة تقريباً. وكانت الحفلة في تلك الليلة عائلية بمناسبة عودة لين إلى وطنها. وهناك تطلعت لين إلى روزالين، أرملة خالها جوردون كلود. لفقد كانت جميلة كما قال رولي. ثم نظرت إلى أخيها دافيد. كان دافيد شاباً نحيلاً فاحم الشعر أسود العينين. وفجأة ظهرت العمة كاثي لتعلن العشاء. وبدأ الجميع يدخلون إلى حجرة المائدة.. جيريمي وزوجته فرانسس، ثم ليونيل وزوجته كاثي، وأديلا، ثم لين  ورولي. وبعد العشاء تحدث كل من دافيد (أخو روزالين ) ولين فقال لها : أتتزوجين من ذلك الأحمق رولي ؟ فقالت في حدة : إنك لا تعرفه جيداً.. ولن تعرفه؟ فقال: ما رأيك في روزالين ؟ فقالت لين : إنها جميلة جذابة ولا تبدو سعيدة. فقال: إنك على حق. لقد كانت روزالين تهوى التمثيل منذ حداثتها، وتعرفت في شبابها على أحد موظفي الحكومة في نيجيريا فتزوجا. ولا أعتقد أنها كانت تحب زوجها، فعادت إلى مدينة الكاب، في جنوب أفريقيا، وسمحَ لها زوجها بذلك ولم يُطلقها. ولحسن حظها مات بالحمى، وحصلت روزالين على نصيب من ثروته. ثم أعلنت الحرب فاستقلت باخرة إلى أمريكا حيث التقت بجوردون كلود، وفي نيويورك تزوحا وعاشا سعيدين لمدة أسبوعين. ثم عادا إلى لندن حيث قتل جوردون في الغارة الجوية، تاركاً لها ثروته. وأنا الآن أقوم برعايتها، وسوف يجدني بالمرصاد له كل من يحاول أن يضايقها.

قالت روزالين وهي تتطلع إلى دافيد عبر مائدة الإفطار في بيتهما: متى نعود إلى لندن ؟ ونذهب إلى أمريكا ؟ فقال : ماذا يزعجك هنا في "وار مسلي فال". إني أشعر بلذة عظيمة وأنا أراقب آل كلود ونار الحقد تأكل قلوبهم، فلا تحرميني هذه اللذة. فقالت روزالين: إنه من الخبث أن يكره الإنسان إنساناً آخراً. لقد ظننت أنك ربما أردت البقاء هنا من أجل تلك الفتاة المُسرَّحة من الجيش لين. لقد كنت أراقبك وأنت تتحدث إليها في تلك الليلة. فقال دافيد: إن لين فتاة رولي.. ذلك الغبي، كما أنها ليست من النوع الذي يروقني. حينها خرج دافيد وجاءت الخادمة لتخبر روزالين أن مسز مارشمونت تريد مقابلتها .

جلست أديلا في حجرة الإستقبال. لقد كانت تفكر في الأيام الأخيرة أن تلجأ لروزالين لتقرضها بعض المال. كانت روزالين تبدو كطفلة، والطفولة وحدها هي التي استهوت رجلاً جاوز الستين كجوردون. قالت أديلا: هل يمكنك مساعدتي بالمال. لقد نفذ رصيدي في البنك، وقد اعتاد جوردون مساعدتي. فقالت روزالين : آه لم أكن أعرف. بالتأكيد، حسناً، سوف أسأل دايفيد. فقالت أديلا في يأس: ألا تستطيعين إعطائي شيكاً الآن. فقالت روزالين: نعم.. نعم! وقامت وكتبت لها شيكاً ب خمسمئة جنيه. وعندما عاد دايفيد إلى البيت وأخبرته روزالين بأمر الشيك غضب ثم قال : لا هبات لآل كلود يا روزالين. خرج دافيد غاضباً ويمم شطر قمة التل. رأى لين تغادر حقل رولي، فنزل إليها وقال : طاب صباحك , متى يكون القران من رولي ؟ فقالت: في يونيو. فقال دافيد : وهل تنوين إتمامه ؟ إنني مستعد لعمل أي شيء من أجلك يا لين. فقالت: إني أحب رولي. فقال دافيد: كم أتمنى لو أنكِ لم تاتِ إلى هذا المكان، لقد كنتُ سعيداً قبل مجيئك ! ثم شاهد دافيد فرانسس وهي تدخل إلى روزالين فقال: ماذا تريد فرانسس تلك أيضاً، لقد زارتنا أمك أديلا يا لين في الصباح لتطلب المال من روزالين فقالت لين : ماذا تظنون بنا !!! وانطلقت مسرعة نحو الحقل حيث يوجد رولي. طارت إليه كما يطير الحمام العائد إلى بيته. وضايقت دافيد هذه الحقيقة فأدار رأسه وعاد إلى البيت. وجد هناك فرانسس تطلب مالاً من روزالين. قال لفرانسس: ماذا تظنون روزالين يا آل كلود ؟ أتظنونها بقرة حلوباً؟ تأتون إليها وتمدون أيديكم، ومن خلفها تتهكمون عليها وتتمنون موتها. لقد سئمتكم حقاً. ولتعلموا أنكم لن تحصلوا على بنس واحد منا، فلتكفوا عن حضوركم وتوسلاتكم. حينها هبت فرانسس من مكانها، ثم قالت:  لقد أفصحتَ عما يختلج في نفسك يا دافيد. بينما همهمت روزالين: إني آسفة.. إني جد آسفة.

كان رولي كلود قد فرغ من إعداد الشاي لنفسه عندما سقط ظل امرأة على مائدة الطعام. كانت روزالين كلود، وكانت ترتدي ثوباً زاهي الألوان. قالت له : إنه لعصر جميل، وقد أتيت لأتريض. وقد ذهب دافيد إلى لندن. فقال رولي: هل تريدين مشاهدة الحقل ؟ فقالت: بالتأكيد. ومشيا بالحقل وتحدثا عنه. وبعد ساعة قالت: شكراً لك يا رولي. لقد تأخرت، وسوف يعود دافيد وسوف يتساءل أين أكون.. يجب أن أسرع. وخرجت وبقي رولي يتابعها بأنظاره وهي تسرع الخطى صوب بيتها. حينها مر رجل طويل القامة، برونزي البشرة، فقال لرولي: هل هذا الطريق يؤدي إلى "وار مسلي فال"؟ فرد عليه رولي وكان معتاداً على هذا السؤال: نعم، إتبع الطريق عبر الحقل التالي. ثم تطلع الرجل نحو التل، وكان هناك بيت كبير، فقال الرجل: من يقيم هناك ؟ أهي مسز كلود ؟ فقال رولي : نعم، مسز جوردون كلود .

ما إن وافت الساعة التاسعة والنصف حتى دخل رولي إلى قاعة الشراب في فندق ستاج. وبعد أن تبادل التحية مع الحاضرين، بقي يشاركهم الحديث عن الطقس والمحاصيل برهة، ثم اقترب من بياتريس التي تقوم بخدمة الزبائن، وسألها بصوت خافت: هل نزل عندك أحد الأغراب ؟ فقالت: نعم. لقد حضر في السادسة تقريباً، يمكن أن يكون هو؟ فقال لها: من هو ؟ فمدت أمامه مجلد الأسماء ووصلت إلى الأسم الأخير: إينوك آردن .. مدينة الكاب .. بريطاني .

هبطتْ روزالين في اليوم التالي لتتناول إفطارها، وهي ترتدي زي فلاحة. وما إن انتهت من الطعام، حتى وصل البريد. مرّ دافيد خلال الخطابات وفض أحدها وكان مكتوباً على الآلة الكاتبة: عزيزي دافيد هنتر .. لقد فضلت أن أكتب إليك على أن أكتب لأختك روزالين، خوفاً من أن أسبب لها صدمة. وبالإختصار، لدي أخبار عن كابتن روبرت أندرهاي. وإني الآن أقيم في فندق ستاج، وأرجو أن تمر بي مساءاً لنتحدث في الموضوع. إينوك آردن .. رفعت روزالين رأسها مبتسمة ولكن الإبتسامة غاضت من شفتيها، وقد شعرت بانزعاج وصاحت: دافيد.. ما الخبر؟ ناولها الخطاب فقرأته بسرعة ثم قالت: هل يعني هذا.. وماذا ستفعل يا دافيد؟ فقال لها: لا داعي للجزع يا روزالين. سوف أتدبر الأمر. إحزمي متاعك في الحال واذهبي إلى لندن. وابقي في شقتنا هناك حتى تسمعي مني.. أتفهمين؟ أوصل دافيد روزالين إلى محطة القطارات، ثم انطلق إلى قاعة فندق ستاج. كان المكان خالياً كالمعتاد. صعد إلى غرفة إينوك آردن. أخذ كل منهما يرقب الآخر في توثب وحذر. ثم قال إينوك : لقد كنت أعرف روبرت أندرهاي, ألم تلاحظ شيئاً مريباً في موت روبرت أندرهاي ؟ فقال دافيد: ماذا تعني بحق السماء ؟ فقال: إن أندرهاي كان رجلاً غريب الأطوار، ولنفرض أنه رأى أن يعُدّه الناس ميتاً وأشاع خبر موته واختفى ليظهر في مكان آخر على بعد ألف ميل مثلاً . إن أندرهاي رجل شهم، ولو علم أن زوجته تزوجت ثانية وورثت مبلغاً كبيراً من المال لما قبل ذلك، ولكنه الآن في حالة سيئة صحياً. وهو في حاجة إلى عناية خاصة. وهذا لسوء الحظ يتطلب مالاً كثيراً، وروبرت أندرهاي لا يملك الآن إلا ما يسد به رمقه. فهبّ دافيد من مكانه وقال: إذهب إلى الشيطان. إنك مبتز أموال لا أكثر ولا أقل وفهمت غايتك. فقال الآخر: حسناً، قل ما تريد. ألا تعتقد أن آل كلود يتلهفون على خبر كهذا؟ فإذا ثبت أن روبرت أندرهاي حي فستعود مسز جوردون كما كانت مسز أندرهاي وبالتالي فسوف تؤول كل ثروة جوردون إلى أقاربه حسب الوصية التي كتبها قبل زواجه. فقال دافيد: كم تطلب ؟ فقال الآخر بشراسة: عشرة آلاف جنيه. بقي دافيد صامتاً ثم قال : اتفقنا، ولكن يجب أن تعطينا فرصة، لندبر المبلغ. فقال الآخر: سوف تُحضِر إليَّ المبلغ هنا في التاسعة من مساء يوم الثلاثاء . فقال دافيد: حسناً، كما تريد. خرج دافيد من الحجرة وقد اسود وجهه غضباً. وبعد قليل خرجت بياتريس من الحجرة المجاورة لحجرة آردن وقد احمرّت وجنتاها ولمعت عيناها من الإنفعال .

فض رولي الخطاب الذي وصله وأخذ يقرأ محتوياته في ذهول، لقد كان الخطاب من بياتريس. وبعد قليل راح إلى فندق ستاج وجلس أمام بياتريس التي راحت تقول : إنك تعرف مستر آردن الذي حضرت بالأمس لتسألني عنه. ففي الليلة التالية لزيارتك حضر مستر دافيد هنتر ليسأل عنه أيضاً. ثم أخذت بياتريس تسرد عليه ما سمعته من حديث وهو في دهشة مما يسمع. شكرها رولي على اهتمامها ثم غادر المكان.
خرجت لين للترفيه ولتخلو إلى نفسها تفكر. جلست على جذع شجرة فوق منحدر أحد التلال وجلست تفكر هل هي حقاً تريد أن تتزوج من رولي ؟ لقد كانت تحب رولي فيما مضى.. قبل أن تلتحق بالجيش ولكن.. كل شيء قد تغير.. وهي نفسها قد تغيرت وأما رولي فقد كان كما تركته لم يتغير. وفجأة سمعت صوت أقدام تطأ الأعشاب خلفها.. وما هي إلا التفاتة حتى صاحت : دافيد ! حينها طوقها بذراعه وضمها إلى صدره وطبع على شفتيها قبلة حارة وقال : رولي كلود، ذلك الغبي. ثم أبعدها عنه وقال: سوف يفوتني القطار، أنا ذاهب إلى لندن، سأتصل بك تليفونياً عندما أصل. وبقيت ترقبه حتى اختفى عن ناظريها فتركت مكانها وهي تحس بقلبها يدق دقات غريبة لتعود أدراجها إلى المنزل. وبعد ساعات اتصل بها ليقول: إصغي إليّ يا لين , من الأفضل أن أرحل عن إنجلترا.. وهو أمر سهل. لقد كنت أريد البقاء في "وار مسلي فال" ولكن ما فائدة كل هذا ؟ إني لا أصلح لك. فأنت فتاة رائعة يا لين، أما أنا فشخص مُعوج وكنت كذلك دائماً. من الأفضل لك أن تتزوجي من رولي حيث تنعمين براحة البال.. أما أنا فما حولي إلا الشقاء. ثم قطع الإتصال .
كان المألوف في فندق ستاج بأن تقوم الخادمة بإيقاظ النزلاء في الأوقات التي يحددونها. وفي صباح يوم الأربعاء أخذت جلايدز تقوم بمهمتها فطرقت باب الحجرة رقم 5 ، ودخلت الحجرة وتقدمت بضع خطوات ثم توقفت.. فقد كان إينوك آردن نزيل الحجرة رقم 5 مُلقى على وجهه وسط الحجرة وقد تهشمت جمجمته. صرخت الفتاة ثم اندفعت خارجة من الحجرة وهي لا تزال تصرخ .

جلس المفتش سبنس غارقاً في التفكير، وفي يده الورقة التي دوَّن فيها المعلومات التي ألقتها بياتريس، وأمامه على المائدة ساعة يد تحطم زجاجها، ومشعلة ذهبية صغيرة تحمل حرفين، وإصبع أحمر شفاه في غلافه المذهب. طرق عليه الباب رولي فقال له المفتش: لقد ذهبتَ في الأمس لزيارة القتيل، لماذا ؟ فقال رولي: عندما أخبرتني بياتريس بما سمعتْ، أخذت أقلب الأمر في رأسي، فلو أن زوج مسز جوردون الأول لا يزال حياً فسوف تتغير الأمور بالنسبة لنا جميعاً. لذا قررت أن أذهب بنفسي وأقابل ذلك الرجل في فندق ستاج. وهناك قال لي الرجل كم تريد أن تدفع إذا قدمت لك أدلة قاطعة أن روبرت أندرهاي لم يمت في أفريقيا، وأنه لا يزال حياً ؟ فسألته ما الذي يدعونا لأن ندفع له شيئاً على الإطلاق.. فضحك وقال إن هناك من سيحضر الليلة ويدفع له مبلغاً محترماً مقابل أدلة قاطعة على أن روبرت أندرهاي قد مات. وبعدها عدت إلى منزلي وأنا مبلبل الفكر. كم أتمنى لو أنه لم يمت، وكم أتمنى لو أني عرفت كيف أتعامل معه. أرى أن دافيد هنتر قد ربح الجولة الأولى. فقال المفتش: علينا أن نسمع أقوال دافيد أولاً. كانت خطوة المفتش التالية هو أن قام بزيارة شقة مسز جوردون كلود في لندن، وهناك التقى بالمستر دافيد هنتر. قال له المفتش: لقد مات رجل في فندق ستاج في الليلة الماضية وربما قرأت الخبر في الصحف يا مستر هنتر. فهز دافيد رأسه نافياً قائلاً : كلا، لم ألاحظ هذا النبأ، ولكن ما علاقتنا نحن بهذا ؟ فقال المفتش: لقد قمت بزيارته مساء السبت الماضي. وأعتقد أن اسمه هو إينوك آردن، وكان ذلك الرجل صديقاً لروبرت أندرهاي وقد أخبرك يا مستر هنتر أن روبرت أندرهاي لا يزال حياً. فقال دافيد: هراء. فقال المفتش: أين كنت مساء أمس ما بين الساعة السابعة والحادية عشر. فقال دافيد: وماذا لو رفضت الإجابة. فقال المفتش: سوف تُستدعى للتحقيق يا مستر هنتر، وستجد نفسك مضطراً للإجابة عن كل الأسئلة. فقال دافيد هنتر: سأنتظر التحقيق إذاً، والآن لتذهب من هنا إلى الجحيم .

اصطحب المفتش روزالين ودافيد إلى المشرحة، لكي تلقي روزالين نظرة على الجثة. وهناك بقيت روزالين تتطلع إلى الرجل الذي كان يُسمِّي نفسه إينوك آردن بينما انتحى المفتش جانباً ليرقب الإنفعالات التي قد تبدو على وجهها. ثم قالت: ليرحمه الله، إني لم أره من قبل في حياتي، ولا أعلم من يكون .

طوى هيركيول بوارو الصحيفة. فلم تأت الصحيفة بذكر تفاصيل الحوادث، وكل ما ذكرته الصحيفة أن تهشم جمجمة القتيل كان نتيجة ضربات عنيفة متلاحقة، وأن التحقيق قد أجّل لمدة أسبوعين. كان من الممكن أن يمر الحادث دون اهتمام  لولا زيارة مسز ليونيل كلود الأخيرة  له حين أخبرته أن هناك روح روبرت تخبرها أنه لم يمت، وهو يكون زوج روزالين الأول والذى أشيع أنه مات فى الحمى. وكم ود بوارو في تلك اللحظة لو يتسنى له أن يعرف المزيد عن إينوك آردن الذي قتل في "وار مسلي فال". وتذكر أن صلته بالمفتش سبنس طفيفة، وتذكر أن صديقه الشاب ميلون يقطن في "وار مسلي هيث"، وأنه يعرف جيريمي كلود. وبينما كان يستعد للإتصال بميلون دخل خادمه ليعلن أن شخصاً يدعى مستر كلود يريد مقابلته. قال بوارو: حسناً يا مستر كلود، هل من خدمة أؤديها لك. كان رولي يرمق بوارو بشاربيه الطويلين وشعره الأشيب، وأخيراً، قال رولي في تثاقل: حضرت لأقول لك كل ما أعرفه عن جوردون كلود. لقد تزوج قبل وفاته ببضعة أسابيع من أرملة شخص يدعى روبرت أندرهاي. وكانت تعيش منذ وفاته في "وار مسلي فال" هي وأخ لها، وكنا نعتقد أن زوجها الأول مات بالحمى في أفريقيا، ولكن يبدو الآن أن هناك احتمالاً آخر. أعني قد يكون زوجها الأول على قيد الحياة. ثم أخذ رولي يقص عليه ما حدث عندما قابل إينوك آردن وزيارته له في فندق ستاج، والمناقشة التي سمعتها بياتريس. فقال بوراو: ماذا دعاك لأن تحضر إليّ يا مستر كلود ؟ فقال رولي: أريدك أن تعرف من يكون هذا الشخص، إينوك آردن ؟ فقال بوارو: ومن تظنه أنت يا مستر كلود ؟ أتعني أن إينوك آردن هو روبرت أندرهاي ؟ فقال رولي: قد يكون كذلك. أريد منك أن تجد شخصاً يعرف روبرت أندرهاي، لأني لا أستطيع أن أقوم بهذه المهمة، فأنا مزارع.. ولا أستطيع أن أترك أرضي. حينها عادت ذاكرة بوارو إلى الوراء سريعاً، إلى تلك الليلة في النادي، وإلى ذلك الثرثار الماجور بورتر. ثم هب بوارو واقفاً وهو يقول لرولي : أظن أني أستطيع مساعدتك. سنذهب لزيارة صديق قديم للكابتن روبرت أندرهاي. انتقلا إلى بيت الماجور بورتر، أحد الضباط المتقاعدين من الجيش، وهناك قال بوراو : أظنك قد قرأت في الصحف خبر موت رجل في "وار مسلي فال"؟ إنه يدعى إينوك آردن. وقد وجد في فندق ستاج وقد تهشم مؤخر رأسه. والآن لدي صورة هنا ولكنها ليست واضحة المعالم، ولكن ما نرجوه يا ماجور بورتر هو أن أعرف منك، هل رأيت هذا الرجل من قبل؟ فتناول الماجور الصورة، وكانت أحسن صورة التقطت للقتيل، ثم قال في انفعال : ليرحمني المولى. إنه أندرهاي ...روبرت أندرهاي !!!
أخذ رولي يسرد للين كيف أن روزالين عندما عرضت عليها الجثة أنكرت أنها رأته من قبل، وكيف أن الأمر كاد ينتهي عند هذا الحد لولا همته، ولكنه اتصل بالبوليس السري الخاص هيركيول بوارو، وعرفوا أن القتيل هو نفسه روبرت أندرهاي. ثم قال لها : لقد انتصرنا على هذين المحتالين دافيد هنتر وأخته روزالين. وسوف تعود ثروة جوردون إلينا، وتُوزع حسب الوصية التي كتبها قبل زواجه منها. وليرجعا، كل من هنتر وأخته، من حيث أتيا. ولكن هذه ليست غلطة روزالين، فيجب أن نتعاون معها ونعطيها مبلغاً محترماً تعيش منه. فقالت لين: إنك تميل إليها ؟ وماذا عن دافيد ؟ فقال: إن روزالين فتاة لطيفة، أما دافيد فليذهب إلى الجحيم .

قال دافيد وهو يضع يديه على كتفي روزالين: سوف يكون كل شيء على ما يرام، وكل ما أطلبه منك يا روزالين هو ألا تغيِّري أقوالك، وأن تُصري على أن القتيل ليس زوجك روبرت أندرهاي. فقالت روزالين: لقد كنا مخطئين منذ البداية.. لقد أخذنا أموالاً لا حق لنا فيها. إن الله يعاقبنا على ما اقترفنا. فقال دافيد : هل تريدين يا روزالين أن أعلق في حبل المشنقة. فلو أنك اعترفت أن القتيل قد يكون أندرهاي، فإنك تضعين حبل المشنقة حول عنقي. قالت روزالين: سأفعل ما تطلب يا دافيد. فقال دافيد: إنك فتاة عظيمة، وعندما ينتهي كل شيء سوف نرحل إلى جنوب فرنسا أو أمريكا. وإلى وقتها ابتسمي للحياة، وتذكري أن هناك أوقاتاً سعيدة تنتظرنا! والآن يجب أن نذهب  لمتابعة التحقيق. ثم شعر بنظرات روزالين مُركزة عليه، فشعر فيما يدور في خلدها فقال في رفق: إني لم أقتله يا روزالين، وإني أقسم لك على ذلك !!
وصلت روزالين ودافيد إلى قاعة جلسة التحقيق حيث جلس مستر بيمارش القاضي وإلى جواره المفتش سبنس وعن بعد بوارو وعائلة كلود: جيريمي كلود وزوجته، وليونيل كلود وزوجته، ثم رولي كلود، ثم مسز مارشمونت ولين، أما الماجور بورتر فقد جلس وحده وهو بادي عليه القلق. وبدأ التحقيق مع دافيد فقال المحقق: هل يمكن أن تخبرنا أين كنت مساء الثلاثاء يا مستر هنتر ؟ فقال دافيد: تحر ذلك بنفسك. فقال القاضي: إن هذا جواب أحمق وغير لائق يا مستر هنتر. ها تتعرف على هذه يا مستر هنتر. ومال دافيد إلى الأمام وأمسك بالمشعلة الذهبية، التي وجدت في حجرة القتيل، وقال: إنها تخصني ! ولكني فقدتها. كانت معي صباح يوم الجمعة الماضي. وبعد ذلك تم سؤال الماجور بورتر عن جثة القتيل، فأفاد بأنها جثة روبرت أندرهاي. حينها طلب المفتش روزالين. وسألها القاضي: لقد شاهدت جثة القتيل، وقد قررت أن الجثة لرجل مجهول منك تماماً، ولقد سمعت أقوال الماجور بورتر، فهل تريدين أن تغيري أو تعدلي أقوالك. فقالت روزالين: كلا. سألها القاضي: أما زلت تصرين على أن الجثة ليست لزوجك. فقالت: إن الجثة ليست جثة زوجي.. إنها جثة رجل لم أره من قبل في حياتي. لعل الماجور بورتر مخطيء. إني مستعدة لأن أحلف اليمين على أنها ليست جثة زوجي بل جثة رجل مجهول عني تماماً. وبعد مضي ثلاثة أرباع الساعة، خرج المحلفون من حجرة التداول، ليعلنوا إدانة دافيد هنتر، بتهمة القتل العمد.

غادر بوارو مقر البوليس وهو مقطب الجبين وأخذ يسير حتى وصل إلى سوق القرية. وجد نفسه يتقدم صوب كنيسة الروم الكاثوليك. جثا خلف أحد المقاعد وقطع عليه عبادته صوت بكاء مكتوم، فأدار رأسه ليقع بصره على سيدة في ثوب أسود جاثية وهي تبكي. ثم أخذت طريقها نحو الباب، وفي الحال اتسعت عينا بوارو دهشة، إنها روزالين كلود. فلحق بها وقال: هل أستطيع مساعدتك يا سيدتي ؟ ولم تبد عليها الدهشة، بل أجابت في بساطة طفلة حزينة : لقد أخذوا دافيد.. وهأنا وحيدة.. إنهم يقولون إنه قَتل، ولكنه لم يفعل، إنه لم يفعل. قال بوارو: دعيني أساعدك يا سيدتي. فحركت رأسها قائلة كلا. يجب أن أعترف بخطاياي. آه لو أستطيع أن أعترف. فقال بوارو: ولكنك كذبت فيما يتعلق بزوجك. أعني عن روبرت أندرهاي. إنه روبرت أندرهاي الذي قتل هنا، أليس كذلك؟ فاستدارت نحوه وقالت: أقول لك إنه لم يكن زوجي، إنه لا يشبهه في كثير أو قليل. ثم اندفعت خارجة من الكنيسة. وبعد قليل من التردد سار بوارو في شارع هاي حتى وصل إلى فندق ستاج. فرأى رولي ولين هناك فقالت له لين على حدة: لقد ألقوا القبض على دافيد ! ولكن هل تعتقد أنهم كانوا محقين في ذلك؟ حينها جاء رولي فتصلبت عضلات وجهها وقالت: إلى اللقاء يا مسيو بوارو.. وأرجو أن نلتقي ثانية. وبعد أن اتفق بوارو مع عاملة الفندق بياتريس على حجز غرفة له في الفندق، أخذ طريقه إلى منزل الدكتور ليونيل كلود. وهناك التقى بالسيدة كاثي قال لها: كنت أتحدث قبل قليل إلى مستر رولي ومس لين مارشمونت فعلمت أنهما سيعقدان قرانهما قريباً. فقالت العمة كاثي على الفور : إن لين فتاة ظريفة، وكذا رولي ولكنه غبي. أعني أنه قد يبدو كذلك لفتاة رأت الدنيا مثل لين. فدائرة تفكيره محدودة جداً. حينها دخل الدكتور ليونيل وتكلما بشأن جثة القتيل لبعض الوقت. ثم دخلت كاثي تحمل الطعام لزوجها. ولما لم يكن هناك مجال لاستمرار الحديث، استأذن بوارو في الإنصراف .

دخل بوارو فندق ستاج. ارتقى درجات السلم ولكن بدلاً من أن ينحرف إلى اليسار حيث حجرته رقم 11 انحرف إلى اليمين وأخذ يتقدم حتى وصل إلى باب الحجرة رقم 5 . فتح الباب ودخل. اتجه صوب النافذة. لقد كان من السهل أن يدخل شخص إلى الحجرة، ويخرج منها دون أن يراه أحد. انسحب بوارو بهدوء وتوجه إلى قاعة الفندق. كانت هناك سيدة عجوز. قالت العجوز: هذه الحجرة مُعدة لنزلاء الفندق فقط. فقال بوارو: وأنا من نزلاء الفندق. فقالت: يبدو أنك أجنبي ؟ فقال: نعم. فقالت: من رأيي أن تعودوا جميعاً من حيث أتيتم. لم يحاول بوارو أن يدخل معها في نقاش فآثر الصمت. وبعد قليل عادت السيدة تقول: لست أدري ماذا حل بهذا المكان. إني آتي إلى هنا كل عام أقضي شهراً، فقد مات زوجي ودفن هنا منذ ست عشرة سنة. وفي كل عام تسوء الخدمة ويسوء الطعام، ولكن أفضل شيء أنهم أقفلوا المطار القريب.. فقد كان أمراً مشيناً أن يحضر أولئك الطيارون الشبان إلى هنا وكل واحد يصحب فتاة.. آه من أولئك الفتيات، لست أدري ماذا حدث لأمهاتهن حتى يدعنهن يعشن هكذا. إن الفتيات مجنونات بالرجال. لقد رأيت إحدى الفتيات هنا منذ بضع ليال وهي تضع وشاحاً برتقالي اللون حول رأسها. ولكن ما كدت أحدجها بنظراتي حتى اختفت، وأحمد الله أنها ليست من نزلاء الفندق.. ولكني أتساءل ماذا كانت تفعل في حجرة نوم رجل ؟ فقال بوارو: أتقولين أنك رأيتها في حجرة نوم رجل ؟ فقالت العجوز: رأيتها بأم عيني تخرج من الغرفة رقم 5. قال بوارو: وفي أي يوم كان هذا يا سيدتي؟ فقالت العجوز: في اليوم السابق للجريمة الساعة العاشرة والربع مساءاً. فقال بوارو: وهل سمعت الرجل يتكلم ؟ فقالت: نعم، سمعته يصيح هيا اخرجي من هنا، لقد سئمت دعاباتك. وعندما انتهت العجوز من الكلام، اندفعت خارجة من الحجرة. حينها اندفع بوارو إلى المفتش سبنس وقص عليه ما حدث. فقال المفتش: بالفعل كان لدينا احتمال وجود امرأة. فلقد عثرنا على أصبع أحمر شفاه في الحجرة، ولكننا لم نكتشف عليه آثار بصمات. وأجرينا التحريات اللازمة، واتضح أن روزالين تستعمل هذا النوع من أحمر الشفاه، وكذا لين مارشمونت. وأما فرانسس كلود ومسز مارشمونت فلا تستعملان هذا اللون. وأما بياتريس فيبدو أنها لا تستعمل نوعاً ثميناً كهذا. ويبدو أن هناك امرأة أخرى، كان روبرت أندرهاي يعرفها في "وار مسلي فال"، وهي التي كانت معه في العاشرة والربع من مساء الثلاثاء؟ فقال بوارو : وهكذا يسقط كل اتهام ضد دافيد هنتر.

ورغم تأخر الوقت كانت لا تزال أمام بوارو زيارة أخرى، إلى منزل جيريمي كلود حيث قاده الخادم إلى حجرة المكتب. فقال بوراو: لقد حضرت إليك يا مستر كلود لأسألك ما إذا  كنت واثقاً من أن أخاك لم يترك وصية، أعني بعد زواجه. فقال جيريمي: لست أظن أن شيئاً كهذا قد خطر بباله. ولو حدث هذا فلا بد أن الوصية قد أتلفت من جراء الإنفجار. فقال بوارو: ولكن الإنسان يجب أن يتحرى.. من القائمين بمراقبة الغارات، فهل تخولني سلطة عمل ذلك؟ فقال جيريمي: أجل، بالتأكيد. إنه لجميل منك أن تهتم بهذا الأمر. ولكني لا أعتقد أنك ستلاقي نجاحاً بمهمتك هذه.. وأظنك ستعود إلى لندن. حينها ضاقت حدقتا بوار. وقال يحدث نفسه : ما لهم جميعاً يريدون إبعادي وإعادتي إلى لندن! حينها استأذن بوارو وانصرف عائداً إلى لندن !

وكان أول شيء عمله بوارو عند وصوله إلى لندن أن اتصل بأحد الموظفين ليستفسر منه عن حادثة مقتل جوردون كلود أثناء الغارة على لندن. أخذ بوارو أسماء وعناوين أقارب الخدم الثلاثة الذين قتلوا بالغارة، وهو يقول لنفسه: من المحتمل أن يكونوا قد ذكروا شيئاً مهماً لأقاربهم على سبيل الثرثرة يفيدني فيما أنا بصدده. وكانت خطوة بوارو التالية أن أخذ طريقه إلى مسكن الماجور بورتر، فقد تذكر أنه كان مراقباً للغارات أثناء الحرب. ولكن ما كاد أن ينحني في شارع بيت الماجور حتى أدهشه وجود أحد رجال البوليس خارج المنزل. وحين سأله عما يجري قال: لقد أطلق السيد الرصاص على نفسه !! وحين استفسر من المفتش، قال المفتش: إنه انتحار. صعد بوارو إلى طابق الماجور بورتر، ثم دخل إلى المكتب حيث كان بورتر جالساً في المقعد الكبير ذي المساند وقد تدلى رأسه إلى الأمام، وذراعه اليمنى ممتدة بجواره صوب أرض الحجرة. وفوق السجادة على امتداد ذراعه استقر المسدس. شعر بوارو أن في الأمر شيئاً، فقد كان غريباً على شخص مثل بورتر أن ينتحر .

وصل بوارو إلى فندق ستاج بعد الثامنة فوجد كلمة من فرانسس كلود تدعوه فيها لمقابلتها، فترك الفندق في الحال. ووجدها تنتظره في حجرة الجلوس، قفالت له : يجب أن تعرف كل شيء. لقد بدأت متاعبنا بعد وفاة جوردون إذ وجد زوجي نفسه في مأزق حرج. وكان بحاجة إلى المال. ورأيت أن أنقذ زوجي فتوجهت إلى روزالين أطلب قرضاً. ولكن أخاها دايفيد رفض في وقاحة، فخرجت من البيت وقد بدأت خيوط فكرة تتجمع في رأسي. فقد تذكرت القصة التي رواها لي زوجي وكان قد سمعها في النادي. وأظنك كنت موجوداً في النادي ليلتها فلا داعي لإعادتها. ورأيت أن هناك احتمالاً أن يعود زوج روزالين الأول وفي هذه الحالة تُحرم من الإرث الذي آل إليها. فسعيت إلى إبن عمي تشارلس، وعرضت عليه الأمر وهو كما رأيت ابتزاز أموال بالتهديد، وكنا مطمئنين إلى أن هناك احتمالاً كبيراً في أن لا يصل الخبر إلى البوليس، فدافيد هنتر ليس من الأشخاص الذين يلجأون للبوليس. وأفلحت الخطة، وساعد في نجاحها سفر روزالين إلى لندن، فما كان تشارلس ليجرؤ على التلميح بإنه روبرت أندرهاي لو أنها بقيت هنا.. ووقع دافيد في الفخ.. فوافق على إحضار المبلغ في التاسعة من مساء يوم الثلاثاء. ولكن كان علينا أن نعرف أن دافيد شخص خطر. فها قد قتل تشارلس ولولاي لكان الآن حياً. فقال بوارو: ولكنك لم تدعِ الفرصة تمر فأغريت الماجور بورتر على التعرف على ابن عمك على أنه روبرت أندرهاي. فقالت في حدة : أقسم لك بأني لم أفعل شيئاً من هذا. وأعترف لك بأني ذهلت عندما صرح الماجور بأن تشارلس هو روبرت أندرهاي، ولم أستطع أن أفهم شيئاً، فلا بد أن أحداً أغرى الماجور لكي يعلن ما قاله. فقال بوارو : وهل تعرفين يا مسز كلود أن الماجور بورتر أطلق على نفسه الرصاص عصر اليوم؟ فصاحت: كلا. فقال بوارو: لقد كان في قرارة نفسه شريفاً. أحس بوارو بومضة ارتياح تبدو عليها، ثم قالت: وهكذا نعود من حيث بدأنا.
في صباح اليوم التالي أخبر بوارو المفتش سبنس عن الأسم الحقيقي لإينوك آردن، ثم قال: والآن ما هو موقفكم من دافيد هنتر ؟ فقال سبنس: ليس أمامنا إلا أن نطلق سراحه.. فقد كان مع آردن في تلك الليلة امرأة، وليس هذا استناداً لأقوال العجوز فقط، فقد رآها أحد المارة تنزل من الفندق إلى حجرة التليفون خارج مكتب البريد. ولم ير أحد سيارة في تلك الليلة سوى سيارة الدكتور كلود.. فقد ذهب ليعود مريضاً في طريقا ميدلنجهام .

وما كاد بوارو يغادر مقر البوليس حتى التقى بالعمة كاثي، فتوجهت إليه وقالت: إني لجد آسفة من أجل الماجور بورتر. إنه رجل مسكين. نحن في الحياة أموات وفي الموت أحياء. ثم اندفعت كاثي لتقف في الطابور أمام بائع الحلوى، بينما استمر بوارو في سيره في شارع هاي، فقد كان يرغب في التحدث إلى لين مارشمونت. انحنى بوارو آخذا طريقه إلى البيت الأبيض. كانت حديقة البيت جميلة بأزهارها تتوسطها شجرة تفاح كبيرة، وتحت الشجرة أريكة خشبية تجلس عليها لين. قفزت في اضطراب حين حياها بوارو وقالت: إني لسعيدة بوجودك. وجودك هنا يعني أنك غير مقتنع أن دافيد هنتر هو الجاني. فقال لها: رجال البوليس أصبحوا غير مقتنعين بأدلة الإتهام القائمة ضده. فقالت: ومن تعتقد أنه أقدم على هذا العمل ؟ فقال بوارو ببطء: لقد كانت هناك امرأة في فندق ستاج في تلك الليلة. فصاحت لين : لست أفهم شيئاً. فقال: ولكني أعرف أشياء كثيرة، وسمعت الكثير عن متاعبك ومتاعب أمك مثلاً. فقالت لين: وأظنك سمعت أشياء عني أنا و رولي ودافيد. إنها مسألة صعبة يا مسيو بوارو. فقال بوارو: ما سمعته، هو أنكِ عندما سافرت لم تكوني مرتاحة إلى خطبتك، وأنك، وقد عدت ثانية، ما زلت غير مرتاحة إلى تلك الخطبة. فقالت لين: إنك شيطان في معرفة الأشياء يا مسيو بوارو. أتعتقد أني أحب دافيد ؟ الحقيقة أن هناك شيئاً فيه يجعلني أخافه، وهناك شيء آخر يجذبني إليه. فقال بوارو: الآن أخبريني هل اتصلتْ بك العمة كاثي، زوجة عمك الطبيب، تليفونياً ليلة الجريمة. فقالت: أجل. لقد اتصلت بي لتتحدث إلي عن أخطاء حسابية ارتكبتها. فقال بوارو: وهل اتصلت بك من منزلها ؟ فقالت: كلا، فقد كان بآلة تليفونها خلل، فخرجت لتتحدث إليّ من كشك تليفون مجاور. قال بوارو: أكان ذلك في العاشرة وعشر دقائق. قالت: حوالي ذلك. فقال: ولم تكن تلك المكالمة الوحيدة التي تلقيتها ذلك المساء. فقالت: كلا، لقد اتصل بي دافيد من لندن.. وقال لي إنه سيسافر بعيداً ويختفي من حياتي، وبأنه ليس أهلاً لي. وإني أتمنى الآن أن يذهب بعيداً. حينها سنتعلم كيف نقف على أقدامنا، ونكف عن تمني السوء لروزالين. فقال بوارو: تمني السوء. قالت: أجل. ألا ترى أننا جميعناً نتمنى موتها ! أليس مريعاً أن يتمنى الإنسان موت شخص لم يقترف جرماً في حقه ! ها هي تقيم وحدها في بيتها في "فاروبانك" إنها تبدو كالشبح والخوف يكاد يقضي عليها. ومع ذلك فإنها لا تسمح لنا بمساعدتها، ولا تريد أن تتصل بنا، ولست ألومها على ذلك. أعتقد أنها مريضة من كثرة التفكير والخوف. لقد حاولت مساعدتها ولكني أعتقد أنها تكرهني، ولكن رولي الوحيد فينا الذي تحبه، فقد حمل إليها بعض البيض والزبد من حقله وشكرته وأخبرته أنه دائماً عطوفاً عليها. وفي الواقع هو شخص عطوف. حينها هب بوارو واقفاً وقال: هيا بنا يا آنستي لنذهب إلى فاروبانك، إلى بيت روزالين .
وهناك في البيت، وفوق فراش وثير رقدت روزالين وكأنها تغط في النوم. كانت تبدو كطفلة حزينة. رفع بوارو يتحسس نبضها، كانت يدها باردة كالثلج. وقال في هدوء: لقد مضى على موتها بعض الوقت، وقد ماتت أثناء نومها ! صاحت الخادمة: وماذا نفعل الآن. قال بوارو: من كان طبيبها؟ فقالت لين: عمي ليونيل. فقال بوارو للخادمة : إذهبي واستدعي الدكتور ليونيل. حينها فُتح الباب بعنف وكان دافيد. انحنى نحو الجثة الهامدة وقال : روزا! روزالين. وتحسس يدها ثم استدار ليواجه لين وشرر الغضب يتطاير من عينيه قائلاً : إذاً فقد قتلتموها ؟ لقد تخلصتم مني بتهمة ملفقة وتعاونتم جميعاً لتزيحوها من طريقكم! لقد قتلتموها, لقد كنتم تجرُون خلف المال وها قد حصلتم عليه! سوف تصبحون أثرياء أيها القتلة! فقالت لين: أقسم لك يا دافيد أننا لم نفعل شيئاً كهذا. فلانت نظراته قليلاً ثم قال: ربما لم تكوني أنت يا لين .

قال سبنس وهو يجلس في حجرته أمام بوارو: أعتقد أنها الجانية، من الغريب أننا وجهنا كل اهتمامنا لتحري حركات دافيد وسكناته ولكننا لم نفكر لحظة واحدة فيها هي. لا بد أنها هاجمت آردن وهي في حالة غيظ. فقال بوارو: أريد أن أعرف ما هو ذلك السفوف الذي كان في الصندوق بجوار فراش روزالين ؟ فقال المفتش: إنه غير ضار.. وهو عبارة عن مسحوق بروميد لإراحة الأعصاب، وصفه لها الدكتور ليونيل كلود. أما السم الذي ماتت به روزالين فلم يصلنا تقرير الطبي بعد، ولكن ليس من شك أن الوفاة حدثت نتيجة تعاطي كمية كبيرة من المورفين. فقال بوارو: القضية معقدة جداً، لأن لدينا نوعين مختلفين من الجرائم، فلا بد من وجود مجرمين مختلفين، وكان من جراء الجريمتين أن مات ثلاثة أشخاص. فهناك انتحار وحادث عرضي وجريمة قتل واحدة. فمقتل تشارلس ترنتون أو على الأصح إينوك آردن حادث عرضي، أي لم تكن هناك نية مبيتة للقتل. أما في حالة مسز روزالين جوردون فالمجرم كان متمالكاً قواه وارتكب جريمته عن قصد. ثم هب بوارو وغادر الحجرة. انتقل بوارو إلى منزل الدكتور ليونيل كلود ففتحت الباب مسز كلود فقال لها : أريد أن أسألك.. منذ متى تعود زوجك الإدمان على المورفين ؟ فانفجرت العمة كاثي باكية وقالت : يا إلهي.. ما كنت أود أن يعرف أحد.. لقد بدأ ذلك خلال الحرب. فقال لها: هدِّئي من روعك. والآن في الليلة التي اتصلتِ فيها بلين مارشمونت من كشك التليفون خارج مكتب البريد، هل التقيت بأحد في الميدان؟ فقالت: كلا، ولكني اقترضت من امرأة كانت تخرج من الكشك نفسه بنسين. فقال: وكيف كانت تبدو تلك المرأة ؟ فقالت: إن منظرها كان أقرب إلى الممثلات، وكانت تلف رأسها بوشاح برتقالي اللون. ولكن الغريب أنني واثقة تمام الثقة أني قابلتها من قبل، فقد كان وجهها مألوفاً. فقال لها: شكراً لك يا مسز كلود .

كانت الشمس على وشك المغيب عندما خرجت لين من منزلها واعتزمت أمراً. تطلعت إلى البيت تودعه.. فإن العيش مع دافيد معناه التغرب. حقاً فالعيش معه مغامرة قد تفلح وقد تقود الخسران. فلقد قال لها منذ بضع ساعات: كنت أنوي أن أخرج من حياتك، وقد كنت أحمقاً عندما خطر ببالي أن في استطاعتي أن أخلفك ورائي. وسوف نذهب إلى لندن ونتزوج بعقد مدني، ولن أدعك لتُغيِّري رأيك. لذا قررت لين أن تخبر رولي بنفسها. وقفت أمام رولي في بيته وقالت بهدوء: سوف أتزوج دافيد هنتر. فقال لها : لماذا ؟ فقالت: لأني أحبه. فقال: أنتِ تخجلين أن تكوني زوجتي. ثم أخذ يقترب منها وبدأت الدماء تندفع إلى رأسه. ثم قال : لقد خسرت كل شيء. لقد كانت حياتي جحيماً، وعُدْتي لتزيدي نار الجحيم استعاراً. ولكنه لن ينالك، أتسمعين ؟ فلن تكوني لأحد غيري. حينها قامت لين من مكانها وأخذت تتراجع إلى الخلف وقد تملكها الرعب. فلم يعد الرجل إنساناً بل حيواناً شرساً. فقال لها: لقد قتلتُ شخصين، فهل تظنين أني أتورع عن قتل ثالث ؟! وأمسك بها ودلف يديه حول عنقها. وتقلصت يداه حول عنقها، وأخذت الحجرة تدور حولها وشعرت بالدنيا تظلم في عينيها، ثم أحست بالإختناق. وفجأة سمع رولي صوت شخص يسعل. وتوقف رولي وتراخت قبضته وهوت لين إلى الأرض. وفي داخل المطبخ وقف بوارو وقال: أرجو ألا يكون في دخولي هكذا ما يضايقك؟ فقال رولي في صوتٍ خاوٍ: لقد وصلت في الوقت المناسب !!

قال بوارو وهو يحاول أن يزيل جو التوتر: هل الغلاية على النار ؟ فقال رولي : إنها على النار. فقال بوارو: أرى أن تصنع لنا شيئاً من القهوة أو أن الشاي أسهل ؟ فأطاعه رولي، بينما مد بوارو منديلاً نظيفاً للين. فشكرته بصوت متحشرج. ثم أخذ رولي يقول: لا أظنك تفهم ما حدث, لقد حاولت أن أخنق لين.. لقد قتلت شخصين، وكنت على وشك ارتكاب الجريمة الثالثة لولا وصولك. فقال بوارو: دعنا نشرب قهوتنا ولا نتحدث عن الموتى، فهو أمر يضايق الآنسة لين. قال رولي: هل تعرف إني قتلت تشارلس ترنتون ؟ فقال بوارو: نعم، لقد عرفت ذلك منذ مدة. حينها فُتح الباب بشدة في تلك اللحظة، وتقدم دافيد هنتر داخلاً وهو يقول : لين إنكِ لم تخبريني.. ماذا أصاب عنقك ؟! حينها قام رولي وأحضر قدحاً من القهوة، وقدمه لدافيد قائلاً : هيا اجلس، سنجلس هنا، وسوف ننصت للمحاضرة التي يلقيها بوارو عن الجريمة .

فقال بوارو: ما هو الدافع لارتكاب الجريمة؟ هذا هو السؤال الذي وجهته لنفسي. فكرت في عائلة كلود. فكان لكل فرد حياته الخاصة، وكانوا آمنين، ويشعرون بالحماية طالما بقي جوردون كلود بجوارهم. ولم يعرف أحد منهم مكامن الضعف فيه إلا حينما رُفعت عنهم الحماية، ووجدوا أنفسهم مضطرين لمواجهة الحياة. ولم يكن يحول بينهم وبين استمرار حياة الإطمئنان غير روزالين كلود. لقد كانت فكرة موتها تمر برأسهم جميعاً. أنتَ يا رولي هل فكرتَ في قتلها ؟ فقال: نعم، وكان ذلك في اليوم الذي حضرت فيه إلى حقلي. وقد مر ذلك بخاطري، وأنا أتناول المشعلة من يدها لأشعل لها سيجارتها. فقال بوارو: وهكذا أصبحت المشعلة في حيازتك. ولم تقتلها لأن الجريمة لم تكن من النوع الذي يوافقك. فما قتلت ذلك الرجل إلا وأنت في شدة الغضب. فقال رولي: يا إلهي، لقد أهويت بيدي على فكه فتراجع إلى الخلف ووقع واصطدم رأسه بحافة قاعدة المدفأة. ولم أستطع أن أصدق عندما وجدته قد مات. فما حصل هو أنه ليلتها ذهبت إلى فندق ستاج، فأخبرتني بياتريس بما سمعته من حديث، فذهبت إلى عمي جيرمي لأستطلع رأيه كمحام، ولكني شاهدت صورة في البيت، صورة إبن عم زوجته فرانسس، وتبينت وجه الشبه الكبير بين الصورة وبين الرجل، وخيل إليّ أن جيريمي وفرانسس قد أرسلا أحد أقاربها ليتحايل ثلاثتهم على ابتزاز المال من روزالين.  فشعرت بالخطر، وعدت إلى الفندق واتهمت الرجل بالزيف، واعترف لي بذلك. فشعرت بأن عائلتي كانت تخونني فضربته ووقع على الأرض كما ذكرت. وكانت المشعلة هي التي غيرت كل شيء، فقد وقعت من جيبي ورأيت الحرفين "د.ه." فكانت المشعلة لدافيد وليست لروزالين. وضعت المشعلة وهربت، وأنا واثق بأن التهمة ستوجه إلى دافيد. فقال دافيد: شكراً لك. فقال بوارو: ثم حضرتَ إليَّ، ومثّلتَ أمامي فصلاً كوميدياً، وطلبت إليّ أن أبحث عن شاهد يعرف أندرهاي. وعندما ذهبنا إلى الماجور بورتر، قدم لي بورتر سيجارة بينما قال لك: إنك لا تدخن. فأنّى له أن يعرف أنك لا تدخن؟ حينها فهمت المغزى من ذلك وأنك كنت تعرف الماجور بورتر من قبل. فقال رولي : كتب لي بورتر يقول إنه لا يستطيع الإستمرار. فذهبت إليه لأقنعه ولكني وجدته قد فارق الحياة. فشعرت وكأني أنا الذي قتلته. لقد كنت بحاجة إلى المال لأحصل على لين، وكنت أريد أن يشنق دافيد. ولكن، فجأة سقط الإتهام عن هنتر لوجود امرأة مع آردن في ساعة متأخرة من ذلك المساء.. ولست أفهم أية امرأة، فكيف يتسنى لامرأة أن تكون هناك تتحدث إلى آردن بعد أن مات. فقال بوارو: لم تكن هناك امرأة. سأقص عليك قصة يا دافيد.. لقد وصلتَ يا دافيد إلى الفندق بنية الدفع لا بنية القتل.. ورأيت الرجل على الأرض جثة هامدة.. فتبينت أنك في خطر. وبينما كنت تهرب التقيت بمس مارشمونت وفي تلك اللحظة تبينت أنه من المحال أن تلحق بالقطار. وبعدها عدت إلى فاروبانك وأخذت وشاح أختك وأصبع أحمر الشفاه وجمّلت نفسك وعدتَ إلى الفندق وأظهرت نفسك للسيدة العجوز، ثم صعدتَ إلى الحجرة رقم 5 ، وعندما سمِعتَ السيدة العجوز تصعد السلم خرجت إلى الشرفة. ثم أسرعت في التراجع إلى الحجرة لتقول: أرى من الأفضل أن تخرجي من هنا. كانت الصعوبة في القضية يا دافيد الدافع، فقد كان لديك أنت وأختك دافع لقتل آردن، كما كان لكل فرد من أفراد عائلة كلود دافع لقتل روزالين. كان قتل روزالين جريمة مُحكمة مُدبَّرة فقد استبُدلتْ إحدى ورقات سفوف البروميد المنومة بأخرى تحتوي مورفيناً. قال دافيد: إنك لا تعني.. أن ليونيل كلود؟ فقال بوارو: كلا.. كان جميع أفراد عائلة كلود لديهم الدافع لقتل روزالين ومع ذلك فلم يقتلها أحدهم. لقد كانت القضية منذ البداية مبنية على الخطأ. لقد قُتلت روزالين بيد الشخص الذي كان يضره موتها. أنت الذي قتلتها يا مستر هنتر. فصاح دافيد قائلاً: أنا؟ ولم بحق السماء أقتل أختي؟ قال بوارو: لأنها لم تكن أختك.. فقد قُتلتْ روزالين كلود أثناء الغارة على لندن منذ سنتين.. وأما المرأة التي قتلتَها فهي خادم إيرلندية صغيرة تدعى إيلين كوريجان، وقد وصلتني صورتها من إيرلندة اليوم. حينها اختطف دافيد الصورة بسرعة من يد بوارو وقفز نحو الباب واختفى. وخرج رولي في غضب وراءه.. وبقي بوارو ولين وحدهما. صاحت لين: إنها ليست الحقيقة! فقال بوارو: إنها الحقيقة. روزالين ماتتْ أثناء الغارة، ولم ينج من الإنفجار إلا دافيد وهذه الفتاة. وكان بين دافيد والخادمة الشابة حب سابق يجعله واثقاً من أن في إمكانه جعلها تفعل ما تريد. كان انتهازياً فلم يدع فرصة الإثراء تفلت من بين يديه، فتصنّع التعرف على الفتاة بعد الغارة على أنها أخته. وكان أن أغراها لكي ترضى أن تقوم بالدور الذي اختاره لها. لذا عندما علم بوجود إينوك آردن في القرية أسرع بإرسال الفتاة إلى لندن قبل أن تتمكن من رؤية الرجل. فلو كان الرجل أندرهاي فلا يجب أن يكتشف أن روزالين لم تكن روزالين. وفجأة قُتل مُبتز الأموال الغريب، وتعرّف عليه بورتر على أنه أندرهاي. فوجد دافيد نفسه في مأزق! وزاد الطين بلة أن الفتاة بدأ ضميرها يعذبها. ولا بد أنها كانت ستعترف إن عاجلاً أو آجلاً. وكان دافيد قد وقع في حبكٍ فقرر أن يُنهي متاعبه. يجب أن تموت إيلين. فدس لها المورفين في الدواء الذي وصفه لها الدكتور كلود. حينها فتح المفتش سبنس الباب وقال لبوارو: كل شيء على ما يرام، وقد قبضنا عليه.
كان ذلك في صباح يوم الأحد عندما استجاب رولي كلود لطرقة على باب كوخه فوجد لين تنتظر في الخارج. لقد كانت آتية من الكنيسة وكانت ترتدي قبعتها، فخلعتها قائلة : ها أنا أعود إلى منزلي يا رولي. مقامي هنا معك. وقد كنت حمقاء لأني لم أعرف ذلك من قبل. فقال لها : أنتِ لا تدرين عم تتحدثين يا لين. فقد حاولتُ أن أقتلك. فقالت: كنتَ تبدو أليفاً، وديعاً، فشعرت أن الحياة معك سوف تكون مملة، وشعرت بميل نحو دافيد لأنه كان خطراً جذاباً.. وبصراحة.. لأنه يعرف النساء جيداً. ولكنك عندما قبضت بيدك على عنقي وقلت إنه إن لم تنلني فلن ينالني أحد غيرك. لقد عرفت في تلك اللحظة أني امرأتك! فقال : محال يا لين فقد قتلت رجلين. فقالت: هراء، إنه قتل عن غير عمد، ولا أظن أنك ستذهب إلى السجن. فلو كان هذا سيحدث لكان البوليس قد أرسل في طلبك منذ مدة. فبوارو ليس من رجال البوليس، ورجال البوليس يعتقدون أن دافيد قتل آردن كما قتل روزالين، وطالما هم يعتقدون أنه هو الذي أقدم على تلك الجريمة فلن يبحثوا عن شخص آخر. فقال : ولكن ذلك الشخص بوارو .. فقالت لين: لقد أخبر بوارو المفتشَ بأن الأمر كان حادثاً عارضاً، وقد بلغني أن المفتش ضحك لذلك كثيراً، ورأيي أن بوارو لن يخبر أحداً قط، وإنه لشخص لطيف. فقال: كلا يا لين.. لن أدعك تخاطرين بمستقبلك، أعني أنك لن تكوني في أمان. فقالت لين : ربما لا.. ولكن كما ترى يا رولي فإني أحبك، وقد مرت بك أوقات عصيبة، كما أنه لا يهمني كثيراً أن أكون في أمان ..
                                            


                                                النهاية.

 





إرسال تعليق