الأحد، 6 مايو 2018









تلخيص رواية:
الغيرة القاتلة: أجاثا كريستي.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

وقفتْ آن برنتيس على رصيف القطار، في محطة فيكتوريا، وأخذت تلوح بيديها.. وسار القطار وهو يزمجر ويطلق صفارات ثابتة متتابعة! ثم ابتعد القطار واختفى معه وجه سارة الصغيرة، واستدارت آن ببطء فوق الرصيف نحو باب الخروج.. والألم العميق يأخذ بمجامع قلبها .


سارة الصغيرة الغالية .. كم ستشتاق إليها.. صحيح أنها لن تغيب أكثر من ثلاثة أسابيع، ولكن كيف تقضي الأم المحبة هذه المدة الطويلة بدون سارة؟ ثلاثة أسابيع ولن يكون في المنزل إلا آن برنتيس وخادمتها المخلصة أديث.. امرأتان في خريف العمر .
سارت آن وهي تحاول أن تتغلب على خطرات قلبها: سوف أفتقد سارة جداً، ولكني سوف أنعم بالهدوء والسلام لمدة ثلاثة أسابيع.. وفضلاً عن ذلك، فإن أديث ستتمتع بشيء من الراحة أيضاً، مع أن أديث تحب سارة كثيراً وتعتبرها سارة أمها الثانية. فكرت آن : ولكن ماذا أريد؟ لقد تمتعت بكل شيء في حياتي.. تمتعت بالحب والسعادة مع باتريك، وأنجبنا طفلتنا الغالية سارة، وحصلت على كل ما أريده من الحياة.. والآن.. انقضى كل شيء.. الآن سوف تتابع سارة الحياة حيث توقفتُ أنا.. سوف تتزوج وتنجب أطفالاً، وسوف أصبح جدة! ما أجمل هذه الصورة.. ولكن الخوف البارد الغريب ما زال يقبض على جماع قلبها .. لو أن باتريك لم يمت! لقد مات منذ زمن بعيد جداً، كانت سارة لا تزال في الثالثة من عمرها. ومرة أخرى عاود آن الشعور المخيف البارد. الشعور بالوحدة المطلقة. قالت لنفسها : لقد حان الوقت الذي يجب أن تستقل فيه سارة بنفسها .

بلغت آن الواحدة والأربعين من عمرها، لم تكن تقاوم السنين. لم تكن تستعين بالمساحيق ولا الثياب, ولكنها كانت تشعر بينها وبين نفسها أنها ليست امرأة في منتصف العمر. ما أبدع أن تكون المرأة أماً. إنه شيء مثل أن ترى نفسها تولد من جديد، وتنمو من جديد، وتستكشف الدنيا من جديد. في هذه اللحظات وهي تحدث نفسها وجدت آن نفسها أمام سيارة تاكسي. قالت لنفسها: أين أذهب الآن ؟ ثم تذكرت أنها على موعد مع جيمس جرانت.. جيمس العزيز العطوف. لقد قال لها بالأمس: سوف تشعرين بفراغ بعد فراق سارة، تعالي نقضي أمسية بديعة! إن صداقة خمسة وعشرين عاماً مع جيمس تقضي عليها أن تصغي لحكاياته الساذجة التي يجد لذة وهو يحكيها. ولكنها قبل ذلك ستتناول الغداء مع صديقتها لورا .

كانت الساعة الواحدة وأربعة عشر دقيقة عندما وصلت إلى بيت لورا. كانت السيدة لورا امرأة في الرابعة والستين، وكان لها مظهر الإنسانة التي تعرف أن لها شخصية هامة في المجتمع. قالت لورا: إذاً سافرتْ سارة إلى سويسرا ؟ كم ستبقى هناك ؟ فقالت آن: ثلاثة أسابيع، ولكني أشعر أني وحيدة. هل شعرت قط بأنك وحيدة يا لورا ؟ فقالت : طبعاً.. لقد جاءني هذا الشعور أول مرة وأنا في السادسة والعشرين, لقد أدهشني هذا الشعور وملأني بالرعب، ولكني سلمت به، لا يجب أن ننكر الحقيقة أبداً .
رجعتْ آن إلى البيت. استقبلتها أديث في حجرة الإستقبال وقالت لها : طلبك الكولونيل جيمس جرانت ليذكّرك بأن موعدك معه في الثامنة مساء. ثم خرجت أديث من الحجرة، بينما بقيت آن وأغمضت عينيها واسترخت قليلاً !
في المساء وصلت آن إلى المطعم لتجد الكولونيل جالساً ينتظرها في بار المطعم وعلى ملامحه دلائل القلق واللهفة. أسرع يُحييها في سرور صادق. كان الكولونيل جرانت رجلاً طويل القامة متناسق الأعضاء، وله حركات رجال الجيش المنتظمة، ويكلل رأسه شعر رمادي حليق.. فقال: لماذا لم يحضر الباقون حتى الآن ؟ فقالت آن: من الباقون ؟ فقال: آل مسينجهام. وأيضاً جينيفر جراهم، إنها ابنة عمي، وأيضاً ريتشارد كولدفيلد. وفجأة قال: ها قد أقبل آل ماسينجهام .

كانت مسز ماسينجهام امرأة جافة العود، وبشرتها مليئة بالبثور. وكان مستر ماسينجهام رجلاً قصير القامة، لا يكاد المرء يشعر بوجوده إلا إذا تكلم. ثم حضرت جنيفر ومعها كولدفيلد. كانت جينفر في الخامسة والثلاثين من عمرها، ولها وجه مثل وجه الحصان. أما ريتشارد كولدفيلد، فكان رجلاً في منتصف العمر، وله بشرة لوحتها الشمس. جلس ريتشارد بجانب آن فشرعت من باب اللباقة تجاذبه الحديث وقالت: ما هو رأيك في انجلترا بعد الغيبة الطويلة ؟ فقال إن الأمر كان صعباً للغاية في البداية، وأن كل شيء قد تغير عما كان يعرفه عليه قبل الحرب. ولكنه الآن يبحث عن وظيفة. ثم ابتسم وقال : عندي ثروة لا بأس بها، وإذا لم أوفق إلى وظيفة فإنني قد أشتري مزرعة في الريف وأعمل في زراعة الخضراوات والدواجن. فقالت آن: عندي أصدقاء جربوا الدواجن ثم انصرفوا عنها، يبدو أن الدواجن تتعرض للأمراض دائماً. فقال: إني أكره الناس الذين يمضون حياتهم شاكين باكين، ملوحين أمام الحياة بسوء حظهم. فقالت: إني أعرف شاباً من هذا النوع.. إنه صديق لابنتي، وهو لا يحدثنا عن شيء إلا عن فشله في الحياة. فقال الكولونيل جرانت: من تقصدين ؟ جيرالد ليولد ؟ إنه لن ينجح في شيء قط ؟ قال ريتشارد : إذن فلك ابنة شابة ؟ فقالت: نعم. إبنتي في التاسعة عشر. سألها جيمس جرانت: هل سافرت ابنتك هذا الصباح؟ فقالت: نعم يا جيمس. سألها: هل صحبها جيرالد في رحلتها ؟ فقالت: لا.. لقد ذهب إلى مزرعة عمه! فقال: حمداً لله.. على كل حال لن تراه لمدة ثلاثة أسابيع. قالت: لا أعتقد أن علاقتها بجيرالد علاقة جادة .

فتحت آن عينيها في الصباح التالي وللوهلة الأولى لم تعرف أين هي. عند ذلك تنبهت حواسها وأدركت أنها كانت تحلم.. كانت تحلم بأنها عادت شابة صغيرة في منزل أسرتها. وحتى بعد استيقاظها كانت آن لا تزال تحت تأثير ذلك الحلم. لقد كان حلماً سعيداً، ترك في نفسها ما يشبه اللوعة والأسى. دخلت أديث الغرفة وأزاحت الستائر وقالت : لقد نمت جيداً هذه الليلة، هناك ضباب في الأفق. إفطارك جاهز، سوف أحضره لك؟ غادرت أديث الغرفة، ثم عادت حاملة الإفطار قائلة: تناوليه على مهل، وتمتعي بالكسل والإسترخاء في السرير، وحلقي مع أفكارك السعيدة في هذه العطلة؟
كانت آن تُحدث نفسها أحياناً: أنه قد يحدث مكروهاً لابنتي، ولكني لن أتدخل إلا إذا شعرتُ بأنها في حاجة إليّ.. لن أشعر قط بسيطرتي أو بتدخلي بشؤونها. ثم حدث المكروه.. ذلك الشاب المزعج جيري ليولد الذي نجح في أن يحظى باهتمام ابنتها. عبثاً حاولت أن تفصل بينهما.. والآن.. ها هي ابنتها بعيدة عن ذلك الكابوس الحي جيري.. ومن المؤكد أنها ستقابل شباناً أفضل منه ألف مرة .

بعد لحظات دخلت أديث إلى الغرفة ورأسها معصوب بمنديل، وعلى وجهها تلك العلامات التي تكون على وجه كاهنة تقوم بطقوس وثنية مخيفة قائلة: أتتناولي طعامك في الخارج، أليس كذلك ؟ وسوف أنتهز أنا هذه الفرصة للقيام بنتظيف شامل للمنزل. فقالت آن : حسناً يا أديث، سوف أخرج. ثم انسحبت الخادمة من الغرفة لتبدأ هجومها المرتقب على الأثاث والسجاجيد وشرعت آن تستعد للخروج .
عثرت آن أثناء تجوالها في المخازن على طقم صيني جميل للسوفلية فاشترته. ثم ذهبت لمتجر الأدوات الزراعية، كانت تريد أن تشتري بعض الأصص لغرفة الإستقبال. وفجأة جاءها صوت من الخلف : صباح الخير يا مسز برنتيس. استدارت لتجد ريتشارد كولدفيلد واقفاً ينظر إليها. قال: ما أجمل أن أقابلك صدفة.. لقد كنت أفكر فيك لتوي، فقد لمت نفسي لأني لم أسألك عنوانك ليلة الأمس. فقالت آن: سوف أكون سعيدة بزيارتك. مشى معها نحو باب الخروج، وفجأة سألها: ترى هل في إمكاني أن أدعوك لتناول الغداء معي ؟ فقالت: يسعدني أن أقبل دعوتك، والواقع أنني ممنوعة من العودة إلى منزلي اليوم. فقال: ممنوعة ؟ فقالت: نعم.. إن خادمتي تنظف المنزل اليوم بمناسبة فصل الربيع، وقد منعتني من العودة قبل المساء. فقال في سذاجة: وكيف تسمحين لها أن تعاملك هكذا ؟ فقالت: أوه، إن أديث خادمتي وصديقتي, إنها معي منذ وقت كنت طفلة. ثم وقف الإثنان أمام نافورة مياه وأخذا يرقبان الطيور المائية وهي تسبح في الماء بغبطة. كان ريتشارد شخصاً أليفاً وديعاً، وتحدث الإثنان وضحكا، وشعر كل منهما بأنه لا غنى له عن الآخر .

سألت لورا: هل مسز برنتيس (آن ) موجودة ؟ فأجابتها أديث التي فتحت لها الباب: ليست موجودة الآن، ولكنها لن تغيب طويلاً، فدخلت لورا إلى البيت وقالت: سوف أنتظرها ربع ساعة لا أكثر، فقد مضت أيام كثيرة لم أرها فيها. تناولت لورا كتاباً وأخذت تتفحصه، وما هي إلا دقائق حتى سمعت صوت المفتاح يدور في ثقب الباب الخارجي، ثم سمعت صوت الباب يُفتح، وترامى إليها صوت شخصين يتحدثان في مرح. صوت آن برنتيس وصوت رجل. دخلت آن برنتيس الغرفة، وخلفها ريتشارد كولدفيلد. فوجئت آن برؤية ضيفتها، فارتبكت لحظة، ثم تمالكت نفسها وعرّفتها على ريتشارد كولدفيلد. تحدثا في أمور شتى، ثم دخلت أديث إلى الغرفة التي يجلس فيها ريتشارد ولورا وآن وقالت : ها هو خطاب سارة يا سيدتي. وخرجت بعد أن وضعت الخطاب على المنضدة. حينها شرب ريتشارد كولدفيلد فنجان الشاي بسرعة ثم استأذن في الإنصراف!

تمتمت آن بعد خروجه للورا وقالت : إنه إنسان لبق، فقد انصرف كي يمنحنا الفرصة للحديث. ولكن لورا لم ترد عليها فوراً، كانت تنظر إليها بإمعان، وتعاين في دهشة ذاك التغيير الرائع الذي ألمّ بصديقتها . كانت ملامح آن الرضية الوادعة قد تحولت إلى جمال ساحر. فقد عرفت لورا ذاك التغيير في نساء أخريات، وكانت تفهم مغزاه .. إنه الحب! قالت آن: ريتشارد صديقي، عرفته منذ عشرة أيام فقط، قابلته أول مرة في عشاء جيمس جرانت. فقالت لورا مغيرة الحديث: ما هي أخبار ابنتك ؟ فقالت آن: إنها تقضي وقتاً رائعاً. هذا الخطاب من ابنتي..هل تسمحين لي بقراءته؟ قالت لورا: طبعاً يا عزيزتي. ففتحت آن الخطاب وقرأته : ماما الحبيبة.. الثلج مدهش هنا . الجميع يقولون إن هذا هو أحسن موسم انزلاق عرفته سويسرا. أشعر بميل نحو أحد المدربين، ولكن من المؤسف أنه لم يتجاوب لأنه متعود على أن تشعر الفتيات نحوه بميل أثناء تدريبه لهن. لقد تعلمت أخيراً أن أرقص الفالس فوق الثلوج.. ما هي أحوالك يا ماما العزيزة ؟ أرجو أن تتمتعي بوقتك مع كل أصدقائك. إلى اللقاء قريباً . إبنتك المحبة  سارة.
قالت لورا: يبدو أن ابنتك تنعم بوقتها جيداً.. وأنت يا آن ؟ فركت آن يديها في عصبية.. وقالت: ريتشارد عرض عليّ الزواج اليوم، ووافقت. فقالت لورا : أليس هذا قراراً سريعاً جداً ؟ فقالت آن : يبدو لك الأمر صبيانياً، ولكني في الحقيقة مغرمة به كثيراً. قالت لورا: تقبلي تهاني المخلصة. قالت آن: لا أعتقد أن سارة سوف تمانع في الزواج، أليس كذلك؟ فقالت لورا: يجب أن تعلم ابنتك الخبر السعيد قبل عودتها من سويسرا, بذلك يكون لها الوقت الذي يجعلها تتعود على هذا التغيير الجديد. فقالت آن: أرجو ألا تستاء من زواجي. فقالت لورا : إذا استاءت ابنتك دعيها تستاء، ستتغلب على استياءها سريعاً.. إنها تحبك .

وفي المساء كانت لورا تجلس مع صديق لها في أحد المطاعم، وكان الصديق يتحدث بحماس عندما لاحظ شرودها. فسألها : ما الذي يزعجك ؟ فقالت : كنت أفكر في أم وابنتها. فقال: أم طاغية ؟ فقالت: بل بنت طاغية..
وصل في اليوم التالي خطابين إلى بيت آن. كان أحدهما من لورا. فقررت آن مكالمتها تليفونياً، فرفعت السماعة وطلبتها وقالت لها : لقد استلمت خطابك الآن! سيسعدني أن أحصل على لوحة بريشة بيكاسو، سأضعها أمام مكتبي مباشرة .. أوه لورا.. لقد كنت حمقاء. تصوري أني كتبت خطاباً لسارة ذكرت لها فيه كل شيء عن الزواج، ولكن الخطاب عاد لي، لأني كتبت العنوان ونسيت أن أكتب إسم سارة . ماذا أفعل الآن وسارة ستعود إلى المنزل بعد غد دون أن تعلم شيئاً عن اعتزامي الزواج. سأضطر أن أشرح لها كل شيء دفعة واحدة. أشعر بحرج شديد.. في الواقع لا أدري كيف أبدأ !
كان ريتشارد كولدفيلد يعيش أحلى أيام حياته. كان يشعر بأنه رجل سعيد. وبأن حياته قد استقرت أخيراً إلى مرفأ أمين هاديء . كان قد استوعب مهام وظيفته الجديدة في شركة أخوان هيلنر, وشعر أنه ليس بالإمكان أفضل مما هو كائن, وظيفة مريحة مربحة، ورئيس عمل صديق، ومستقبل تحتل صدارته المرأة التي يحبها والتي ينوي أن يتزوجها. كانت برنتيس تلاحظ أن ريتشارد قد تغير كثيراً عما عرفته، فقد أصبح أكثر إنسانية، وأكثر ثقة في نفسه، وأكثر قدرة على التصادق .

سار ريتشارد في الشارع وهو يصفر لحناً مرحاً. ثم دلف إلى محلٍ للزهور، وخرج منه وهو يحمل باقة جميلة من الزهور! وصل إلى منزل آن. دق جرس الباب وفتحت له أديث، وأدخلته إلى داخل الشقة. استقبلته آن وقالت له: هذه مفاجأة، لم أكن أنتظرك اليوم، إن سارة ستصل اليوم! قال: حقاً؟ فقد نسيت. كان ريتشارد قد نسي حقاً موعد وصول سارة، فقد كانت آن قد اتفقت معه على أن تبقى بمفردها مع ابنتها يوم وصولها على أن يزورهما في اليوم التالي ويتناول الغداء معهما. فقال لها : أنا آسف حقاً يا عزيزتي، فقد نسيت تماماً الموعد. فقالت آن: إسمع يا ريتشارد.. لا تنصرف.. إبق حتى أعود وتناول معنا الشاي، أعتقد أن هذه أفضل طريقة، والآن يجب أن أجري إلى المحطة . ثم هرعت آن إلى الباب وخرجت ...
أثناء خروج آن اصطدم طرف ثوبها بأناء زهور التيوليب، فأوقع بعض الزهور على الأرض. فقامت أديث بإعادة الزهور إلى المزهرية وقالت: إن زهور التيوليب هي الزهور المفضلة عند الآنسة سارة. فقال ريتشارد لأديث: يبدو أن هذا المنزل يدور كله في فلك الآنسة سارة! فقالت أديث بصوت مجرد من العاطفة : إنها فتاة مدهشة في الواقع، إنها شقية كثيرة الحركة، ومعتادة أن تترك كل ثيابها وأشيائها مبعثرة في كل مكان. إنها تثير جنوني، وأنا أنظف خلفها، ولكني أعبدها رغم كل شيء.. لا يملك كل من يعرفها إلا أن يعبدها.. إنها جذابة، وهذه هبة الطبيعة لا حيلة لأحد فيها. فقال ريتشادر محاولاً أن يكسب ود أديث: لقد مضى عليك عهد بعيد وأنت مع آن، أليس كذلك ؟ فقالت: أكثر من عشرين عاماً، فقد التحقت بخدمة أمها قبل أن تتزوج مستر برنتيس الراحل، فليرحمه الله، كان سيداً مهذباً. وفجأة رن جرس الباب، ثم رن الجرس بدون انقطاع.. فقالت أديث: أنا أعلم من يدق الجرس بهذه الطريقة؟ وفتحت الباب فصاح صوت فتاة : أديث، أين ماما؟ ثم دخلت سارة إلى الغرفة.. كانت فتاة جميلة سمراء، وكانت مفعمة بالشباب والحيوية لدرجة أثارت دهشة ريتشارد .

كان ريتشارد قد رأى صوراً فوتوغرافية لسارة من قبل، ولكن الصور تعكس الشكل، ولا تعكس الروح. كان يتصور سارة نسخة شابة من أمها، ولكنها كانت شخصاً مختلف تماماً.. كانت كتلة من الشباب والأنوثة، كان مجرد وجودها يضفي على المكان روحاً غريبة! عرّفها ريتشارد عن نفسه قائلاً: أنا ريتشارد كولدفيلد. صافحته بأدب. ثم صاحت سارة : جيري أين أنت ؟ فدخل إلى الغرفة شاب ذو وجه جميل وهو يحمل حقيبة سفر في يده. حينها قالت لريتشارد: إنه جيري ليولد يا مستر... فقال ريتشارد: سوف أنصرف, أرجو أن تبلغي مسز برنتيس بأني سأحافظ على موعد الغد .
صعدت سارة إلى غرفتها، ثم عادت سارة إلى غرفة الجلوس وهي تحيط حول جسمها روباً منزلياً أنيقاً أظهر قدها الرشيق. فقال لها جيري: من هذا الرجل ؟ فقالت : لم أره قط في حياتي، لا بد أنه واحد من المعجبين بماما! ثم أكملت: لقد كان لطيفاً منك يا جيري أن تحضر لمقابلتي في المحطة، إني آسفة لأني لم أكتب لك من سويسرا. وفجأة فتحت آن باب الشقة، وأسرعت إلى الداخل وهي تهتف: ابنتي.. حبيبتي ثم تعانقت الأم والإبنة عناقاً حاراً . تنبهت آن إلى وجود جيري، فتظاهرت بالسرور لرؤيته، ولو أنها كانت ترجو أن تكون ابنتها قد نسيته تماماً. قال جيري: لا بد أن أنصرف الآن، وداعاً يا سارة. فصحبته سارة إلى باب الشقة ثم افترقا.

عادت سارة إلى غرفة الإستقبال، قالت: والآن يا ماما. حدثيني بما كنت تفعلين أثناء غيابي في سويسرا.. هل كنت تخرجين مع الكولونيل جرانت؟ قالت آن في تردد: لا.. نعم.. تقريباً! قالت سارة: هناك شيء.. هيا.. أخبريني. فأمسكت آن بيد ابنتها وقالت : عزيزتي سارة، يجب أن تتأكدي أنه سيبقى كل شيء على ما هو. فقالت سارة : أعتقد يا ماما أنت تحاولين التلطف في إخباري بأنك على وشك الزواج ؟ فقالت الأم : كيف خمنت ؟ فقالت سارة : لم يكن صعباً عليّ اكتشاف ذلك. هل تتصورين أن زواجك يضايقني ؟ قالت آن: هذا حقاً ما تصورته.. ألا يضايقك زواجي؟ قالت سارة: لا يضايقني البتة , أعتقد أن ما تفعلينه هو عين الصواب، من حقك أن تتمتعي قبل أن يفوت الأوان, أنت الآن تعبرين ما يسمونه بالسنوات الخطرة، وأنا أعلم أن أخلاقك لا تسمح لك بعلاقة غير شرعية! كما أنك لا تزالين جميلة، وأنا مندهشة لأنك لم تتزوجي حتى الآن. من هو الشخص المحظوظ؟ دعيني أخمن من هو، لا بد أنه الكولونيل جرانت ؟ فقالت الأم في هدوء : ليس الكولونيل جرانت يا ابنتي، إنه ريتشارد كولدفيلد. فقالت سارة : ماما ليس ذلك الرجل الذي كان هنا بحق السماء. أومأت الأم برأسها دون أن تجيب! فقالت سارة: ماما، إنه ثقيل الظل! أنا لا أستطيع أن أتصور أنك تحبينه! فقالت الأم : ولكنك رأيت ريتشارد لحظة فقط، وأنا واثقة أنك ستعجبين به عندما تعرفينه أكثر. فقالت سارة: لك ما تشائين يا ماما.. (إنها جنازتك أنت) . صمتت الأم وابنتها لحظات. وأخيراً قالت سارة: في الحقيقة يا أمي أنت في حاجة إلى من يهتم بشؤونك ويرشدك في الحياة. ما كدت أتركك ثلاثة أسابيع حتى ألقيت بنفسك في هذه الحماقة. صاحت الأم في استياء شديد: سارة.. هذا قول قاس جداً! فقالت سارة: إني أحبك كثيراً، ولا أريدك أن ترتكبي حماقة من أي نوع.. وذاك الرجل هل هو أعزب، أم مطلق أم أرمل؟ فقالت الأم : لقد فقد ريتشارد زوجته منذ سنوات , ماتت وهي تضع طفلها الأول، ومات الطفل أيضاً. قالت سارة: متى تنويان الزواج ؟ فقالت آن : في بحر ثلاثة أسابيع. على العموم ريتشارد سيتغدى معنا غداً.. أرجوك سارة أن تكوني لطيفة معه. فقالت سارة : طبعاً يا ماما .

جلست سارة وجيري في مكان هاديء. فقالت سارة : جيري.. ماما ستتزوج قريباً من ريتشارد ذلك الرجل المقيت. فقال جيري: بدا لي شخصاً عادياً. أليست هي خير من يحكم على هذا؟ فقالت: ذلك الرجل غير جدير بماما. أنا أعرف الحياة أكثر مما تعرفها هي. فقال جيري: أنت لا تستطيعين أن تقطعي بأن ذاك الرجل لا يناسب والدتك. أنت لم تبادليه أكثر من كلمتين، أليس من الجائز أن سبب سخطك عليه هو أنك غيورة؟ فصاحت سارة : أنا لست صاحبة طبيعة غيورة، كل ما يهمني هو أن أحافظ على سعادة أمي وهنائها . أمي ضعيفة الشخصية ، سهلة الإنقياد. أراد جيري أن يغير الموضوع فقال : أنا أفكر بالإستقالة من العمل من مكتب عمي، لم أعد أستطيع أن أتحمل, إنه مكتب لعين. فقالت سارة : وإذا تركت هذا المكتب يا جيري، فماذا تستطيع أن تفعل ؟ فقال بثقة غريبة : سوف أجد عملاً يناسب مواهبي. وأنا أفكر في الهجرة إلى أي مكان يكون فيه الناس أكثر إنسانية. فصمت الإثنان. ثم قالت سارة : هل عندك رأسمال؟ فقال : ولا بنس. أنت تعرفين هذا جيداً. وبعد برهة تمتم وقال إنه سوف يتنازل ويعطي عمه فرصة لإصلاح الأمور. فصفقت سارة لهذا القرار ثم قالت: أعتقد أن يحسن أن أعود إلى البيت الآن. فقال جيري : حسناً، ولكن تفهمي موقف أمك يا سارة، إذا كانت تريد ذلك الشخص، وتعتقد أنها ستسعد معه فهذا هو المهم. وعلى العموم فستتزوجين يوماً ما! فقال : نعم . يوماً ما ربما ، لست متلهفة الآن ! ولكن سحابة من عواطف الشباب الحارة حلّقت فوقهما وأفعمت وجدانيهما بشعور دافيء سعيد .

شعرت آن بارتياح عميق أثناء تناول الغداء في اليوم التالي. كانت سارة تتصرف بشكل بديع، وكانت تتحدث مع ريتشارد بشكل طبيعي. وشعرت آن بالفخر لأن هذه الشابة الجميلة ابنتها. إلا أنه كان هناك شيء واحد ينغص صفو آن .. فقد كان ريتشارد يتصرف في عصبية، وكان يحاول أن يبدو طبيعياً، ولكن محاولاته هذه كانت تزيد في عصبيته، ورغماً عنه كان يبدو مغروراً متعاظماً. وكانت آن تتالم لحالته لأنها تعلم جيداً أنه إنسان طيب بسيط . وبعد انتهاء الغداء وجلوس الثلاثة لشرب القهوة، تظاهرت آن برغبتها في أن تتكلم بالتليفون، وتركت الأثنين معاً. كانت تأمل أن يتمكن ريتشارد وسارة من الوصول إلى تفاهم، بدون وجودها. قال ريتشارد: إسمعي أيتها الشابة, أريدك أن تعرفي أني أفهم مشاعرك جيداً..لقد كنت تعيشين مع أمك دون وجود شخص غريب، ومن الطبيعي أنك تكرهين أي شخص غريب يدخل بينكما، ومن الطبيعي أن تشعري بمرارة وبشيء من الغيرة. قالت سارة: تأكد إني لا أشعر بشيء من ذلك قط؟ أكمل كلامه قائلاً: لا أريد منك أن تحبيني لمجرد أني سوف أصبح زوج أمك, المهم أن تفكري في سعادة أمك. فقالت سارة : هذا ما أفكر فيه فعلاً. فقال : شباب هذا الجيل مليء بالأنانية، ولا يفكرون إلا في أنفسهم.. يجب أن تفكري في سعادة أمك.. من حق أمك أن تعيش، ومن حقها أن تكون سعيدة. فقالت سارة على غير المتوقع : أوافقك تماماً على ما تقول. وفي هذه اللحظة دخلت آن إلى الغرفة, وخرجت سارة. قال ريتشارد: لقد قررت ابنتك أن تكرهني. فقالت آن : أنت تدرك طبعاً أن هذا الزواج جاء مفاجأة لها.. وابنتي في الواقع شابة كريمة العواطف نقية القلب. لم يجب ريتشارد بشيء.. وكان رأيه أن سارة فتاة بشعة الأخلاق، ولكنه لم يجرؤ أن يبوح برأيه لأمها ..

وصلت سارة إلى غرفتها وعيناها مغرورقتان بالدموع لفرط الجهد النفسي الذي بذلته أثناء حديثها مع ريتشارد. دخلت أديث وبنظرة واحدة أدركت حالتها. صاحت سارة : إنه رجل فظ ومقيت.. كيف تستطيع ماما أن تحب ذاك الشخص ؟ لقد انهار كل شيء.. لن يعود أي شيء كما كان. دعيني بمفردي يا أديث. خرجت أديث وأغلقت الباب خلفها. أما سارة فدفنت رأسها في السرير وانخرطت تبكي في حرقة كأنها طفلة صغيرة . كان الأسى يملؤها ويمزق جوانحها، وبكت وهي تتأوه : أوه .. ماما ... ماما !
جلست لورا أمام صديقتها آن في ارتياح.. ثم قالت: كيف تجري الأحوال؟ فقالت آن : أخشى أن ابنتي قد أصبحت صعبة المراس كثيراً! أنا لا أنام جيداً يا لورا وأصاب بنوبات صداع من وقت لآخر! أنت لا تتصوري مدى العذاب الذي أقاسيه, ما تمر لحظة يتقابل بها ريتشارد وابنتي حتى يدب الخلاف بينهما. فقالت لورا : إن ابنتك غيورة طبعاً. فقالت آن: أعتقد أن ذلك هو السبب.. ولكن المفاجأة الحقيقية هي تصرفات ريتشارد أيضاً، إنه يغار من ابنتي. أنا أعيش في جحيم يا لورا. قالت لورا : ما الموعد الذي حددتماه للزواج ؟ فقالت آن : الثالث عشر من مارس، بعد أسبوعين. في هذه اللحظة سمعت الصديقتان صوت الباب الخارجي وهو يفتح ثم صوت سارة السريعة قادمة نحوهما. دخلت سارة الغرفة وسلمت على لورا. نهضت آن وخرجت من الغرفة بحجة شيء تريد أن تفعله. فقالت لورا لسارة : لقد كانت أمك تبكي منذ قليل. لماذا تعملين على تعاسة أمك يا سارة ؟ فقالت سارة : ولكني لا أعمل على تعاستها.. أنا لا أفعل شيئاً على الإطلاق. قالت لورا: أنت تتشاجرين مع ريتشارد، أليس كذلك؟ قالت سارة: هذا الشخص مقيت.. وأعتقد أن ماما ستكتشف ذلك عاجلاً أم آجلاً. فقالت لورا: لا يجب أن تخططي لحياة الآخرين بدلاً منهم يا عزيزتي. خذي حذرك يا سارة من أن تسببي في أن تُقدم أمك على شيء تندم عليه طوال حياتها. وقبل أن تجيب سارة بشيء دخلت أديث الغرفة وقالت: لقد حضر مستر ليولد. قفزت سارة وقالت: جيري تعال هذه هي لورا. فقالت لورا : أهلاً بك , سأترككما معاً وأذهب للبحث عن أمك يا سارة .
وما إن خرجت لورا من الغرفة حتى صاح جيري قائلاً : سوف أغادر انجلترا يا سارة. قالت سارة: متى؟ وإلى أين؟ فقال جيري: الخميس القادم، إلى جنوب إفريقيا. سأزرع البرتقال، معيَ زميلان آخران، وأنا واثق من أننا سوف نقضي وقتاً ممتعاً. لقد ضقت ذرعاً بهذا البلد الذي يكرهني وأنا أبادله كرهاً بكره. فقالت سارة: وماذا عن عمك ؟ فقال : نحن متخاصمان منذ فترة، أما زوجته لينا فقد كانت لطيفة معي، وأعطتني مبلغاً من المال. فقالت سارة : سأفتقدك كثيراً جيري. قال : أعتقد أنك ستنسيني بعد فترة.  فاقتربت سارة من جيري وقبلته قائلة: لن أنساك , كنت أرجو لو أنك لم تكن ترحل بهذه السرعة، كان يسعدني أن أجدك بجانبي نتبادل الأفكار والآراء. سألها : كيف حال ريتشارد كولدفيلد ؟ فقالت : نحن لا نكف عن الشجار. فقال جيري : أعتقد أنكِ غيورة يا سارة. فنظرت إليه في حنق قائلة : إذا كان هذا رأيك فيجدر بك أن تنصرف الآن .
دخلتْ لورا إلى آن وقالت : لقد جاء شاب لزيارة سارة إسمه جيري. فقالت آن : إن ابنتي تحبه, إنه شاب فاشل, إنه لم ينجح في أي شيء ولا يريد أن يفعل شيئاً جاداً. وأعتقد أنه لن ينجح في حياته على الإطلاق. فقالت لورا : هذه هي العادة، الفتاة الجميلة الناجحة تُغرم بالشاب الفاشل السيء الطالع. أعترف أني وجدت ذلك الشاب جذاباً للغاية! فقالت آن: حتى أنت يا لورا؟ فقالت لورا : أنا أيضاً أنثى أحمل في نفسي ضعف الأنثى أمام الذكر الجميل. والآن طبت مساء يا عزيزتي.

وصل ريتشارد إلى شقة آن في الثامنة مساء. كان على موعد للعشاء مع آن، أما سارة فكانت مدعوة للعشاء والرقص خارج المنزل. وعندما دخل ريتشارد وجد سارة جالسة في غرفة الإستقبال تصبغ أظافرها. فقال لها: لقد قابلت صديقك الشاب جيري ليولد هذا المساء، وقد أخبرني أنه سيذهب إلى جنوب إفريقيا. فقالت: نعم.. سيسافر الخميس القادم. فقال متفلسفاً: جنوب أفريقيا ليست بالمكان الذي يصلح لشاب لا يحب العمل. فقالت: جيري شاب ذو عزم إذا كان لا بد من استعمال هذا التعبير. فقال: ما عيب هذا التعبير! فقالت وهي ترفع وجهها إليه: إنه تعبير مقزز, هذا كل ما هناك. فاحتقن وجه ريتشارد وقال : من المؤسف أن أمك لم تحسن تربيتك! نظرتْ إليه في هدوء. ثم ابتسمت وقالت : هل أسأت الأدب.. أنا آسفة حقاً. فقال : أين أمك ؟ فأجابت : إنها ترتدي ثيابها، ستكون هنا بعد دقائق. ثم أخرجت مرآة من حقيبتها وأخذت ترى وجهها فيها. كان قد سبق لها إتمام زينتها قبل حضور ريتشارد، ولكنها كانت تعيد التزين الآن.. لأنها تعلم أن ذلك يضايق ريتشارد.. وكانت تعلم أنه يكره أن يرى امرأة تتزين أمام الآخرين .
البقية في الجزء الثاني












إرسال تعليق