الأحد، 6 مايو 2018


تلخيص رواية: 
 الغيرة القاتلة: أجاثا كريستي. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

 


وقفتْ آن برنتيس على الرصيف في انتظار القطار ، في محطة فيكتوريا ، وأخذت تلوح بيديها .. وسار القطار وهو يزمجر ويطلق صفارات ثابتة متلاحقة مستمرة ! ثم ابتعد القطار واختفى معه وجه سارة الصغيرة ، واستدارت آن بحركة بطيئة فوق الرصيف نحو باب الخروج.. و الوجع الكبير يأخذ بمجامع قلبها . 

سارة الصغيرة الغالية .. كم ستحن اليها في غيبتها .. صحيح أنها لن تغيب أكثر من ثلاثة أسابيعز، ولكن كيف تمضي هذه الام الحنونة هذه المدة الطويلة بدون سارة ؟ ثلاثة أسابيع ولن يكون في البيت إلا آن برنتيس و مدبرة المنزل المخلصة أديث .. امرأتان في خريف العمر . 

سارت آن وهي تحاول أن تتغلب على اوجاع قلبها : سوف أفتقد سارة جداً ، ولكني سوف أنعم بالسلام و الهدوء لمدة ثلاثة أسابيع .. وفضلاً عن ذلك ، فإن أديث ستتمتع بشيء من الراحة هي الاخرى ، مع أن أديث تحب سارة بشكل كبير وتعتبرها سارة أمها الثانية . فكرت آن : ولكن ماذا أريد؟ لقد تمتعت بكل شيء طيلة عمري و حياتي .. تمتعت بالحب والسعادة مع باتريك ، وأنجبنا ابنتنا الغالية سارة ، وحصلت على كل ما ارغب فيه من الحياة .. والآن .. انقضى كل شيء .. الآن سوف تكمل سارة الحياة حيث توقفتُ أنا .. سوف تتزوج وتنجب أطفالاً ، وسوف يصير لي احفاد ! ما أجمل هذه الحياة .. ولكن الخوف الغريب البارد ما زال يقبض على جماع قلبها .. لو أن باتريك لم يمت ! لقد مات منذ مدة طويلة للغاية ، كانت سارة لا تزال في الثالثة من عمرها . ومرة ثانية عاود آن الشعور المخيف البارد . الشعور بالوحدة المطلقة . قالت في راسها : لقد حان الوقت الذي يجب أن تستقل فيه سارة بذاتها .

 بلغت آن الواحدة والأربعين من عمرها ، لم تكن تقاوم الأعوام الطويلة . لم تكن تستعين ب الثياب و لا ب المساحيق , ولكنها كانت تشعر بينها وبين ذاتها أنها ليست امرأة في منتصف العمر . ما اجمل أن تكون المرأة أماً . إنه شيء مثل أن ترى ذاتها تولد من جديد ، وتنمو من جديد ، وتستكشف الدنيا لمرة ثانية في الحياة الواحدة . في هذه اللحظات وهي تحدث ذاتها وجدت آن نفسها أمام سيارة تاكسي . قالت لذاتها : أين أذهب الآن ؟ ثم تذكرت أنها على موعد مع جيمس جرانت .. جيمس العطوف العزيز . لقد قال لها في ليلة البارحة : سوف تشعرين بفراغ بعد فراق سارة ، تعالي نقضي أمسية رائعة ! إن صداقة خمسة وعشرين سنة مع جيمس تقضي عليها أن تصغي لثرثرته السخيفة التي يجد لذة وهو يحكيها . ولكنها قبل ذلك ستتناول الغداء مع رفيقتها لورا . 

كانت الساعة الواحدة وأربعة عشر دقيقة عندما وصلت الى منزل لورا . كانت السيدة لورا امرأة في الرابعة والستين من عمرها ، وكان لها مظهر الإنسانة التي تعرف أن لها شخصية كبيرة في الحياة . قالت لورا : إذاً سافرتْ سارة إلى سويسرا ؟ كم ستظل هناك ؟ فقالت آن : ثلاثة أسابيع ، ولكني احس باني وحيدة بعض الشيء . هل شعرت قط بأنك وحيدة يا لورا ؟ فقالت : طبعاً .. لقد جاءني هذا الاحساس للمرة الاولى وأنا في السادسة والعشرين , لقد أدهشني هذا الشعور و جعلني اشعر بالخوف على غير عادتي ، ولكني سلمت به ، لا يجب أن ننكر الحقيقة على الاطلاق . 

رجعتْ آن إلى المنزل . استقبلتها أديث في حجرة الإستقبال وقالت لها : طلبك الكولونيل جيمس جرانت حتى يخبرك بأن موعدك معه في الثامنة مساء . ثم خرجت أديث من الغرفة ، بينما بقيت آن وأغمضت عينيها واسترخت لبعض الوقت ! 
 في المساء وصلت آن إلى المطعم لتجد الكولونيل جالساً في بار المطعم ينتظرها وعلى ملامحه دلائل اللهفة و القلق . أسرع يُحييها في سرور صادق. كان الكولونيل جرانت رجلاً متناسق الأعضاء طويل القامة ، وله حركات رجال الجيش المحسوبة بدقة ، ويكلل رأسه شعر حليق رمادي اللون .. فقال : لماذا لم يحضر الباقون حتى هذا الوقت ؟ فقالت آن : من الباقون ؟ فقال : آل مسينجهام . وأيضاً جينيفر جراهم ، إنها ابنة عمي ، وأيضاً ريتشارد كولدفيلد . وفجأة قال : ها قد جاء آل ماسينجهام .
 كانت مسز ماسينجهام امرأة نحيلة الجسد ، وبشرتها مليئة بالبثور . وكان مستر ماسينجهام رجلاً قصير القامة ، لا يكاد من يجلس معه يحس بوجوده إلا إذا تكلم . ثم حضرت جنيفر ومعها كولدفيلد . كانت جينفر في الخامسة والثلاثين من عمرها ، ولها وجه مثل وجه الحصان . أما ريتشارد كولدفيلد، فكان رجلاً في منتصف العمر ، وله بشرة اعطتها الشمس لونا مميزا . جلس ريتشارد بالقرب من آن فشرعت من باب اللباقة تجاذبه الحديث وقالت : ما هو رأيك في انجلترا بعد هذه المدة الطويلة من الغياب ؟ فقال إن الأمر في البداية كان صعباً للغاية ، وأن كل شيء قد تغير عما كان يعرفه عليه قبل الحرب . ولكنه الآن يبحث عن عمل مناسب . ثم ابتسم وقال : عندي ثروة لا بأس بها ، وإذا لم أوفق إلى وظيفة فإنني قد ابتاع مزرعة في الريف و قد اشتغل في زراعة الخضراوات والدواجن . فقالت آن : عندي اصحاب عملوا في تربية الدواجن ثم انصرفوا عنها ، يبدو أن الدواجن تتعرض للأمراض على الدوام . فقال : إني أكره الناس الذين يمضون حياتهم و هم يشكوا و يبكوا ، ملوحين أمام الحياة بسوء حظهم . فقالت : إني أعرف شاباً من هذا النوع .. إنه صاحب ابنتي المقرب ، وهو لا يحدثنا عن شيء إلا عن فشله في الحياة . فقال الكولونيل جرانت : من تقصدين ؟ جيرالد ليولد ؟ إنه لن ينجح في شيء طيلة حياته ؟ قال ريتشارد : إذن فلك ابنة شابة ؟ فقالت : نعم . إبنتي في التاسعة عشر. سألها جيمس جرانت: هل هذا الصباح سافرت ابنتك ؟ فقالت : نعم يا جيمس . سألها: هل رافقها جيرالد في رحلتها ؟ فقالت : لا .. لقد ذهب إلى مزرعة عمه ! فقال : حمداً لله.. على كل حال لن تراه فترة ثلاثة أسابيع . قالت: لا اظن ان العلاقة التي تربطها بجيرالد علاقة جادة . 

فتحت آن عينيها في صباح اليوم الذي يليه وللوهلة الأولى لم تعلم أين هي . عند ذلك تنبهت حواسها و عرفت أنها كانت تحلم .. كانت تحلم بأنها عادت شابة صغيرة في بيت عائلتها . وحتى بعد استيقاظها كانت آن لا تزال تحت تأثير ذلك الخيال الجميل . لقد كان حلماً جعلها سعيدة للغاية ، ترك في نفسها ما يشبه الاسى و اللوعة . دخلت اديث الى الحجرة وأزاحت الستائر وقالت : لقد نمت جيداً هذه الليلة ، هناك ضباب في الأفق . إفطارك جاهز، سوف اجهزه لك في الحال ؟ غادرت أديث الحجرة ، ثم عادت حاملة الإفطار قائلة : تناوليه على مهل ، وتمتعي بالاسترخاء و الكسل في الفراش ، وحلقي مع أفكارك الجميلة في هذه العطلة ؟ 
 كانت آن تُحدث نفسها في بعض الأوقات : أنه قد يحدث مكروهاً لابنتي ، ولكني لن أتدخل إلا إذا احسست بأنها في حاجة إليّ .. لن أشعر على الاطلاق بسيطرتي أو بتدخلي في امورها الخاصة . ثم حدث المكروه .. ذلك الشاب المزعج جيري ليولد الذي نجح في أن يحظى بلفت انتباه ابنتها . عبثاً حاولت أن تفصل بينهما .. والآن .. ها هي ابنتها بعيدة عن ذلك الكابوس الذي يجري بقدمين جيري .. ومن المؤكد أنها ستقابل شباناً أفضل منه ألف مرة . 
بعد لحظات دخلت أديث إلى الحجرة و راسها ملفوف بمنديل ، وعلى وجهها تلك العلامات التي تكون على وجه كاهنة تقوم بطقوس مخيفة وثنية قائلة : أتتناولي طعامك في الخارج ، أليس كذلك ؟ وسوف أنتهز أنا هذه الفرصة حتى اقوم بناظيف البيت باكمله . فقالت آن : حسناً يا أديث ، سوف أخرج . ثم انسحبت الخادمة من الحجرة حتى تبدا الهجوم الكبير و المرتقب على الأثاث والسجاجيد وشرعت آن تستعد للخروج . 

عثرت آن أثناء تسكعها في المخازن على طقم صيني جميل للسوفلية فاشترته . ثم ذهبت الى متجر الاثاث الزراعي ، كانت تريد أن تشتري بعض الأصص لغرفة الإستقبال . وفجأة اتاها صوت من الخلف : صباح الخير يا مسز برنتيس . استدارت لتجد ريتشارد كولدفيلد يقف من بعيد ينظر إليها . قال : ما أجمل أن اراك مصادفة .. لقد كنت أفكر فيك لتوي ، فقد لمت ذاتي لأني لم أسألك عنوانك ليلة البارحة . فقالت آن : سوف أكون سعيدة اذا ما زرتني في البيت . مشى معها نحو باب الخروج ، وفجأة سألها : ترى هل في إمكاني أن أدعوك لناكل غدائنا سوية هذا اليوم ؟ فقالت: يسعدني أن أقبل دعوتك ، والواقع أنني ممنوعة من الرجوع إلى بيتي في هذا الوقت . فقال : ممنوعة ؟ فقالت : نعم .. إن خادمتي تنظف البيت هذا اليوم بمناسبة فصل الربيع ، وقد منعتني من ان ارجع الى البيت قبل حلول الليل . فقال في سذاجة : وكيف تسمحين لها أن تعاملك هكذا ؟ فقالت : أوه ، إن أديث صديقتي و خادمتي , إنها معي منذ وقت كنت طفلة . ثم وقف الإثنان أمام نافورة مياه و اخذا يتطلعان ال الطيور المائية وهي تسبح في الماء بكل سرور . كان ريتشارد شخصاً وديعا اليفا ، وتحدث الإثنان وضحكا ، وشعر كل منهما بأنه لا غنى له عن الشخص الاخر . 
سألت لورا : هل مسز برنتيس (آن ) في البيت الان ؟ فأجابتها أديث التي فتحت لها الباب : ليست موجودة في هذا الوقت ، ولكنها لن تغيب لمدة طويلة ، فدخلت لورا إلى المنزل وقالت : سوف أنتظرها ربع ساعة لا أكثر ، فقد مضت أيام كثيرة لم اقابلها فيها . تناولت لورا كتاباً وأخذت تدقق فيه ، وما هي إلا دقائق حتى سمعت صوت المفتاح يدور في ثقب الباب الخارجي ، ثم سمعت صوت الباب يشرع ، وترامى إليها صوت شخصين يتكلمان بصورة مرحة . صوت آن برنتيس وصوت رجل . دخلت آن برنتيس الى الحجرة ، وخلفها ريتشارد كولدفيلد . فوجئت آن برؤية ضيفتها ، فارتبكت لدقيقة ، ثم تمالكت نفسها وعرّفتها على ريتشارد كولدفيلد . تحدثا في مواضيع عديدة ، ثم دخلت أديث إلى الحجرة التي يجلس فيها ريتشارد ولورا وآن وقالت : ها هو خطاب سارة يا سيدتي . وخرجت بعد أن وضعت الخطاب على اقرب طاولة . حينها شرب ريتشارد كولدفيلد فنجان الشاي على وجه السرعة ثم استأذن في الإنصراف ! 
 تمتمت آن بعد خروجه للورا وقالت : إنه إنسان لطيف للغاية ، فقد انصرف كي يمنحنا الفرصة حتى نتحدث سوية . ولكن لورا لم ترد عليها فوراً ، كانت تنظر إليها و تدقق في ملامح وجهها ، وتعاين في دهشة ذاك التغيير الرائع الذي ألمّ برفيقتها . كانت ملامح آن الوادعة الرضية قد تحولت إلى جمال يفتن الاعين . فقد عرفت لورا ذاك التغيير في نساء أخريات ، وكانت تفهم سببه .. إنه الحب ! قالت آن : ريتشارد صديقي ، عرفته منذ عشرة أيام فقط ، تقابلنا للمرة الاولى في عشاء جيمس جرانت . فقالت لورا مغيرة مجرى الحديث : ما هي أخبار ابنتك ؟ فقالت آن : إنها تقضي وقتاً جميلا جدا . هذا الخطاب من ابنتي ..هل تسمحين لي بان اقراه ؟ قالت لورا : طبعاً يا عزيزتي . ففتحت آن الخطاب وقرأته : ماما الحبيبة .. الثلج هنا رائع جدا . الجميع يقولون إن هذا هو افضل موسم انزلاق عرفته سويسرا . احس بميل نحو أحد المدربين ، ولكن من المؤسف أنه لم يتجاوب لأنه متعود على أن تحس البنات نحوه بميل أثناء تدريبه لهن . لقد تعلمت أن أرقص الفالس فوق الثلوج اخيرا .. ما هي أحوالك يا ماما العزيزة ؟ أرجو أن تتمتعي بوقتك مع كل اصحابك . إلى اللقاء قريباً . إبنتك المحبة سارة . 
 قالت لورا: يبدو أن ابنتك تنعم بوقتا رائعا في سفرتها .. وأنت يا آن ؟ فركت آن يديها و هي مرتبكة .. وقالت : ريتشارد عرض عليّ الزواج اليوم ، و لقد وافقت على عرضه . فقالت لورا : أليس هذا قراراً سريعاً جداً ؟ فقالت آن : يبدو لك هذا الموضوع سخيفا ، ولكني في الحقيقة مغرمة به بشكل كبير . قالت لورا : تقبلي تهاني الصادقة . قالت آن : لا أعتقد أن سارة سوف تمانع في الزواج ، أليس كذلك ؟ فقالت لورا : يجب أن تعلم ابنتك خبر نيتك في الزواج قبل عودتها من سويسرا , بذلك يكون لها الوقت الذي يجعلها تتعود على هذا التغيير الحديث الذي سيطرا على حياتها . فقالت آن : أرجو ألا تستاء من زواجي . فقالت لورا : إذا استاءت ابنتك دعيها تستاء ، ستتغلب على استياءها بشكل سريع ففي النهاية .. إنها تحبك . 
 وفي المساء كانت لورا تجلس مع رفيق لها في أحد المطاعم ، وكان الصديق يتكلم و يثرثر بكل حماش عندما لاحظ شرودها . فسألها : ما الذي يزعجك ؟ فقالت : كنت أفكر في أم وابنتها . فقال: أم ظالمة ؟ فقالت : بل بنت ظالمة.. وصل في اليوم الذي يليه خطابين إلى منزل آن . كان أحدهما من لورا . فقررت آن ان تتكلم معها عبر الهاتف ، فرفعت السماعة وطلبتها وقالت لها : لقد استلمت خطابك في هذه الدقيقة ! سيسعدني أن أحصل على لوحة بريشة بيكاسو، سأضعها أمام مكتبي مباشرة .. أوه لورا .. لقد كنت غبية . تصوري أني كتبت مكتوبا طويلا لسارة ذكرت لها فيه كل شيء عن الزواج ، ولكن الخطاب رجع لي ، لأني كتبت العنوان ونسيت أن أكتب إسم سارة . ماذا أفعل الآن وسارة سوف ترجع الى البيت بعد غد دون أن تعلم شيئاً عن نيتي في الزواج . سأضطر أن أشرح لها كل شيء دفعة واحدة . أشعر بحرج كبير .. في الواقع لا اعرف كيف ابدا في شرح الموضوع ! 
كان ريتشارد كولدفيلد يعيش أحلى أيام عمره . كان يشعر بأنه رجل مستقر و فرح . وبأن حياته قد استقرت إلى مرفأ هادئ و امين اخيرا . كان قد استوعب مهام وظيفته الجديدة في شركة أخوان هيلنر , و احس أنه ليس بالإمكان ان يكون أفضل مما هو كائن , وظيفة مربحة و مريحة ، ورئيس عمل صديق ، ومستقبل تحتل صدارته المرأة التي يعشقها والتي ينوي أن يتزوجها . كانت برنتيس تلاحظ أن ريتشارد قد تغير بشكل كبير عما عرفته في اول لقاء لهما ، فقد أصبح أكثر إنسانية ، وأكثر ثقة في ذاته ، وأكثر قدرة على التصادق . 
سار ريتشارد في الشارع وهو يصفر لحناً يملئ ارجاء الطريق بالمرح . ثم دلف إلى محلٍ لبيع الورود ، وخرج منه وهو يحمل باقة جميلة من الزهور! وصل إلى بيت آن . دق جرس الباب وفتحت له أديث ، وأدخلته إلى حجرة الاستقبال . استقبلته آن وقالت له : هذه مفاجأة ، لم أكن أنتظرك هذا اليوم ، إن سارة ستصل بعد مدة قصيرة ! قال : حقاً ؟ لقد نسيت هذا الامر . كان ريتشارد قد نسي حقاً موعد وصول سارة ، فقد كانت آن قد اتفقت معه على أن تظل لوحدها مع ابنتها سارة يوم وصولها على أن يزورهما في اليوم الذي يليه ويتناول الغداء معهما . فقال لها : أنا آسف حقاً يا عزيزتي ، فقد نسيت الموعد تماما . فقالت آن : إسمع يا ريتشارد .. لا تذهب الى بيتك .. إبق حتى ارجع من المحطة وتناول معنا الشاي ، اظن أن هذه أفضل طريقة ، والآن يجب أن اسرع حتى اصل الى المحطة . ثم هرعت آن إلى الباب وخرجت ... 

أثناء خروج آن اصطدم طرف فستانها بأناء زهور التيوليب ، فأوقع بعض الزهور على ارضية الحديقة . فقامت أديث بارجاع الورود إلى المزهرية وقالت : إن زهور التيوليب هي الزهور المحببة الى قلب سارة . فقال ريتشارد لأديث : يبدو أن هذا البيت يدور كله في فلك الآنسة سارة ! فقالت أديث بصوت مجرد من الاحساس : إنها فتاة رائعة في الواقع، إنها شقية كثيرة الحركة ، ومعتادة أن تترك كل اشيائها و ثيابها مبعثرة في كل مكان . إنها تثير جنوني ، وأنا أنظف ورائها ، ولكني أعبدها رغم كل شيء .. لا يملك كل من يتعرف عليها إلا أن يعبدها .. إنها جذابة ، وهذه هبة الطبيعة لا حيلة لأحد فيها . فقال ريتشادر محاولاً أن يكسب اجيث الى طرفه : لقد مضى عليك عهد كبير جدا وأنت مع آن ، أليس كذلك ؟ فقالت : أكثر من عشرين سنة ، فقد التحقت بخدمة والدتها قبل أن تتزوج مستر برنتيس الراحل ، فليرحمه الله ، كان سيداً محترما للغاية . وفجأة رن جرس الباب ، ثم رن الجرس بدون انقطاع .. فقالت أديث : أنا اعرف من يدق الجرس بهذه الطريقة ؟ وفتحت الباب فصاح صوت بنت : أديث ، أين ماما ؟ ثم ركضت سارة و دخلت الى حجرة الاستقبال .. كانت فتاة جميلة سمراء ، وكانت مفعمة بالحيوية و الشباب لدرجة أثارت دهشة ريتشارد . 
 كان ريتشارد قد رأى صوراً فوتوغرافية لسارة من قبل ان يراها حقيقة ، ولكن الصور تعكس الشكل ، ولا تعكس الروح . كان يتخيل ان سارة نسخة شابة من والدتها ، ولكنها كانت شخصاً مختلف بشكل كبير .. كانت كتلة من الانوثة و الشباي ، كان مجرد وجودها يضفي على المكان روحاً مرحة نشيطة ! عرّفها ريتشارد عن نفسه قائلاً : أنا ريتشارد كولدفيلد . صافحته بكل ادب . ثم صاحت سارة : جيري أين أنت ؟ فدخل إلى الحجرة شاب ذو وجه جميل وهو يحمل حقيبة سفر في يده . حينها قالت لريتشارد : إنه جيري ليولد يا مستر ... فقال ريتشارد : سوف اخرج الان , أرجو أن تقولي ل مسز برنتيس بأني سأحافظ على موعد الغد . صعدت سارة إلى حجرتها ، ثم رجعت سارة إلى حجرة الجلوس وهي تحيط حول جسمها روباً منزلياً فاتنا أظهر قدها الرشيق . فقال لها جيري : من هذا الرجل ؟ فقالت : لم أره في كل حياتي على الاطلاق ، لا بد أنه واحد من المعجبين بوالدتي ! ثم أكملت : لقد كان لطفا و ذوقا منك يا جيري أن تحضر لمقابلتي في المحطة ، إني آسفة لأني لم أكتب لك من سويسرا . وفجأة فتحت آن باب البيت ، وأسرعت إلى الداخل وهي تصيح : ابنتي.. حبيبتي ثم احتضنت الام ابنتها حضنا دافئا حاراً . تنبهت آن إلى وجود جيري ، فتظاهرت بالسرور لمقابلته ، ولو أنها كانت ترجو أن تكون ابنتها قد نسيته اثناء سفرها . قال جيري : لا بد أن أنصرف الآن ، وداعاً يا سارة . فصحبته سارة إلى باب الشقة ثم ودعها و مضى خارجا . 

 رجعت سارة الى حجرة الإستقبال ، قالت : والآن يا ماما . حدثيني بما كنت تعملين أثناء غيابي في سويسرا .. هل كنت تخرجين مع الكولونيل جرانت ؟ قالت آن في تردد : لا.. نعم.. بعض الشيء ! قالت سارة : هناك شيء.. هيا.. قولي لي ماذا تخفين عني . فأمسكت آن بيد ابنتها وقالت : عزيزتي سارة ، يجب أن تتأكدي ان كل شيء سيطل على ما هو عليه . فقالت سارة : اظن يا ماما أنت تحاولين ان تبدين لطيفة و انت تقولين لي بأنك على وشك الزواج ؟ فقالت الأم : كيف خمنت ؟ فقالت سارة : لم يكن صعباً عليّ ان اكتشف هذا . هل تتصورين أن زواجك سوف يزعجني ؟ قالت آن: هذا حقاً ما تخيلته .. ألا يزعجك زواجي ؟ قالت سارة : لا يضايقني على الاطلاق , أعتقد أن ما تفعلينه هو عين الصواب ، من حقك أن تتمتعي قبل أن يفوت الوقت بك , أنت الآن تعبرين ما يسمونه بالسنوات الخطرة ، وأنا أعلم أن أخلاقك لا تسمح لك بعلاقة غير قانونية ! كما أنك لا تزالين جميلة ، وأنا مندهشة لأنك لم تتزوجي حتى هذا الوقت . من هو الشخص المحظوظ ؟ دعيني أخمن من هو ، لا بد أنه الكولونيل جرانت ؟ فقالت الأم في كل سكينة و هدوء : ليس الكولونيل جرانت يا ابنتي ، إنه ريتشارد كولدفيلد . فقالت سارة : ماما ليس ذلك الرجل الذي كان يجلس هنا قبل مجيئك بحق السماء . أومأت الأم برأسها دون أن ترج على ابنتها ! فقالت سارة : ماما ، إنه ثقيل الظل ! أنا لا اقدر ان اتخيل أنك تحبينه ! فقالت الأم : ولكنك رأيت ريتشارد ل لحظات معدودة فقط ، وأنا واثقة أنك ستعجبين به عندما تتعرفين اليه عن قرب . فقالت سارة : لك ما تشائين يا ماما .. (إنها جنازتك أنت) . صمتت الأم وابنتها لدقائق . وأخيراً قالت سارة : في الحقيقة يا أمي أنت في حاجة إلى من يرعاك و يهتم فيك ويرشدك في الحياة . ما كدت أتركك ثلاثة أسابيع حتى رميت بذاتك في هذه الحماقة . صاحت الأم في استياء كبير : سارة.. هذا قول قاس جداً ! فقالت سارة : إني أحبك جدا ، ولا أريدك أن ترتكبي اي سخافة من أي نوع .. وذاك الرجل هل هو غير متزوج ، أم مطلق أم أرمل ؟ فقالت الأم : لقد فقد ريتشارد زوجته منذ اعوام طويبة , ماتت وهي تضع طفلها الأول، ومات الطفل أيضاً. قالت سارة: متى تنويان الزواج ؟ فقالت آن : في بحر ثلاثة أسابيع. على العموم ريتشارد سيتغدى معنا غداً.. أرجوك سارة أن تكوني لطيفة معه. فقالت سارة : طبعاً يا ماما . 

جلست سارة وجيري في مكان ساكن و هادئ . فقالت سارة : جيري .. ماما ستتزوج في وقت قريب من ريتشارد ذلك الرجل الكريه . فقال جيري : بدا لي شخصاً طبيعيا . أليست هي خير من يحكم على هذا الامر من اي انسان اخر ؟ فقالت : ذلك الرجل لا يستحق ماما على الاطلاق . أنا أعرف الحياة أكثر مما تعرفها هي . فقال جيري : أنت لا تقدرين أن تقطعي بأن ذاك الرجل لا يلائم امك . أنت لم تبادليه أكثر من كلمتين ، أليس من الجائز أن سبب سخطك عليه هو أنك غرت منها بعض الشيء ؟ فصاحت سارة : أنا لست صاحبة طبيعة غيورة ، كل ما يهمني هو أن أحافظ على هناء امي و سعادتها . أمي ضعيفة الشخصية ، سهلة الاقناع و الانقياد لاي شخص . أراد جيري أن يغير الموضوع فقال : أنا أفكر بان استقيل من العمل من مكتب عمي ، لم يعد في مقدوري ان اتحمل , إنه مكتب لعين . فقالت سارة : وإذا تركت هذا المكتب يا جيري ، فماذا تقدر أن تفعل ؟ فقال بثقة غريبة : سوف أجد عملاً يلائم قدراتي و مواهبي . وأنا أفكر في ان اهاجر إلى أي مكان يكون فيه الناس أكثر إنسانية . فصمت الإثنان . ثم قالت سارة : هل عندك رأسمال ؟ فقال : ولا بنس . أنت تعلمين الامر جيدا . وبعد برهة تمتم وقال إنه سوف يتنازل و يمنح عمه فرصة اخرى حتى يصلح المواضيع فيما بينهم . فصفقت سارة لهذا القرار ثم قالت : أعتقد أن يحسن أن ارجع الى المنزل الآن . فقال جيري : حسناً ، ولكن تفهمي موقف أمك يا سارة، إذا كانت ترغب في ان تتزوج من ذلك الشخص ، وتعتقد أنها ستكون هنيئة معه فهذا هو المهم . وعلى العموم فستتزوجين يوماً ما ! فقال : نعم . يوماً ما ربما ، لست متحمسة الى هذا الامر الان ! ولكن سحابة من عواطف الشباب الدافئة حلّقت فوقهما وأفعمت وجدانيهما بشعور سعيد و دافئ . 
احست آن بارتياح عميق أثناء تناول الغداء في اليوم الذي يليه . كانت سارة تتصرف بشكل رائع ، وكانت تتبادل اطراف الحديث مع ريتشارد بشكل اعتيادي . وشعرت آن بالفخر لأن هذه الشابة الساحرة ابنتها . إلا أنه كان هناك شيء واحد ينكد على ان صفو هذه الجلسة .. فقد كان ريتشارد يتصرف في توتر و ارتباك ، وكان يحاول أن يبدو طبيعياً ، ولكن محاولاته هذه كانت تزيد في ارتباكه ، ورغماً عنه كان يبدو متعاظما مغرورا . وكانت آن تتالم لحالته لأنها تعرف بشكل جيد أنه إنسان طيب بسيط . وبعد انتهاء الغداء وجلوس الثلاثة حتى يحتسوا قهوتهم ، تظاهرت آن برغبتها في أن تتحدث بالهاتف المحمول ، وتركت الأثنين معاً . كانت تأمل أن يتمكن ريتشارد وسارة من ان يصلا الى تفاهم فيما بينهما ، بدون وجودها . قال ريتشارد : إسمعي أيتها الشابة , أريدك أن تعلمي أني أفهم مشاعرك جيداً ..لقد كنت تسكنين مع والدتك دون وجود شخص غريب ، ومن الطبيعي أنك تكرهين أي شخص غريب يدخل فيما بينكما ، ومن الطبيعي أن تحسي بغصة وبشيء من الغيرة . قالت سارة : تأكد إني لا أشعر بشيء من ذلك قط ؟ أكمل حديثه و هو يقول : لا أريد منك أن تحبيني لمجرد أني سوف اصير زوج والدتك , المهم أن تفكري في سعادة أمك . فقالت سارة : هذا ما أفكر فيه بالفعل . فقال : شباب هذا الجيل مليء بالأنانية ، ولا يفكرون إلا في ذواتهم .. يجب أن تفكري في سعادة أمك .. من حق أمك أن تحيا هي الاخرى ، ومن حقها أن تكون سعيدة . فقالت سارة على غير المتوقع : أوافقك بكل عقلي على ما تقول . وفي هذه اللحظة دخلت آن إلى الحجرة , وخرجت سارة . قال ريتشارد : لقد قررت ابنتك أن تمقتني الى نهاية عمرها . فقالت آن : أنت تدرك طبعاً أن هذا الزواج جاء مفاجأة لها .. وابنتي في الواقع شابة نقية القلب كريمة العواطف . لم يجب ريتشارد بشيء .. وكان رأيه أن سارة فتاة سيئة الأخلاق ، ولكنه لم يجرؤ أن يبوح برأيه لوالدتها .. 

وصلت سارة إلى حجرتها وعيناها مغرورقتان بالدموع بسبب كبر التعب النفسي الذي بذلته أثناء حديثها مع ريتشارد . دخلت أديث وبنظرة واحدة علمت ان سارة فيها شيء غير طبيعي . صاحت سارة : إنه رجل فظ و لا يطاق .. كيف تقدر ماما أن تحب ذاك الشخص ؟ لقد انهار كل شيء .. لن يرجع أي شيء كما كان . دعيني لوحدي يا أديث . خرجت أديث وأغلقت الباب من ورائها . أما سارة فدفنت رأسها في فراشها و اخذت تبكي في حرقة كأنها طفلة صغيرة . كان الأسى يملؤها و يمزق قلبها اربا اربا ، وبكت وهي تتأوه : أوه .. ماما ... ماما ! 
 جلست لورا مقابل صاحبتها آن في ارتياح .. ثم قالت : كيف تسير الامور معك ؟ فقالت آن : أخشى أن ابنتي قد صارت عنيدة و صعبة الاقناع بعض الشيء ! أنا لا أنام جيداً يا لورا وأصاب بنوبات صداع من وقت للثاني ! أنت لا تتصوري مدى العذاب الذي اعانيه في ايامي , ما تمر لحظة يتقابل بها ريتشارد وابنتي حتى يبدا بينهما الشجار . فقالت لورا : إن ابنتك غيورة و هذا واضح بالطبع . فقالت آن : أعتقد أن ذلك هو السبب .. ولكن المفاجأة الحقيقية هي تصرفات ريتشارد هو الاخر ، إنه يغار من ابنتي . أنا أعيش في جحيم يا لورا . قالت لورا : ما الموعد الذي وضعتموه لاتمام مراسم الزواج ؟ فقالت آن : الثالث عشر من الشهر الثالث في السنة ، اي ما يقارب بعد اسبوعين . في هذه اللحظة سمعت الصديقتان صوت الباب الخارجي وهو يفتح ثم صوت سارة السريعة و هي تاتي باتجاههما . دخلت سارة الى الحجرة وسلمت على لورا . نهضت آن وخرجت من الحجرة بحجة شيء تريد أن تفعله . فقالت لورا لسارة : لقد كانت أمك تبكي قبل ان تدخلي الى الحجرة . لماذا تعملين على تعاسة أمك يا سارة ؟ فقالت سارة : ولكني لا أعمل على تعاستها .. أنا لا أفعل شيئاً على الإطلاق . قالت لورا : أنت تتشاجرين مع ريتشارد على الدوام كلما تلاقيتم ، أليس كذلك ؟ قالت سارة : هذا الشخص كريه لا يطاق .. وأعتقد أن ماما ستكتشف ذلك عاجلاً أم آجلاً . فقالت لورا : لا يجب أن تخططي لحياة الآخرين بدلاً منهم يا عزيزتي . خذي حذرك يا سارة من أن تكوني السبب في أن تُقدم أمك على شيء تندم عليه طوال عمرها و حياتها . وقبل أن تجيب سارة بشيء دخلت أديث الى الحجرة وقالت : لقد حضر مستر ليولد . قفزت سارة وقالت : جيري تعال هذه هي لورا . فقالت لورا : اهلا و سهلا بك يا جيري , سأترككما معاً وأذهب للبحث عن والدتك يا سارة .
 وما إن خرجت لورا من الحجرة حتى صاح جيري قائلاً : سوف أغادر انجلترا يا سارة . قالت سارة : متى ؟ وإلى أين ؟ فقال جيري : إلى جنوب إفريقيا في الخميس القادم،. سأزرع البرتقال ، معيَ رفيقان ثانيان ، وأنا واثق من أننا سوف نمضي اوقاتا سعيدة و ممتعة هناك . لقد ضقت ذرعاً بهذا البلد الذي يكرهني وأنا أبادله كرهاً بكره . فقالت سارة : وماذا عن عمك ؟ فقال : منذ فترة ليست بالقصيرة و نحن لا نتكلم مع بعضنا البعض ، أما زوجته لينا فقد كانت لطيفة معي ، وأعطتني مبلغاً من النقود . فقالت سارة : سأفتقدك كثيراً جيري . قال : اظن انك ستنسيني بعد فترة . فاقتربت سارة من جيري وقبلته قائلة : لن أنساك , كنت أرجو لو أنك لم تكن ستغادر بهذه السرعة من هنا ، كان يسعدني أن أجدك بجانبي نتبادل الاراء و الأفكار . سألها : كيف حال ريتشارد كولدفيلد ؟ فقالت : نحن لا نكف عن مضايقة بعضنا البعض . فقال جيري : أعتقد أنكِ غيورة يا سارة . فنظرت إليه في حنق قائلة : إذا كان هذا رأيك فيجدر بك أن تغادر البيت الآن . 

دخلتْ لورا إلى آن وقالت : لقد جاء شاب لزيارة سارة إسمه جيري . فقالت آن : إن ابنتي تعشقه , إنه شاب غير جدير بالحب غير انه فاشل , إنه لم ينجح في أي شيء ولا يريد أن يفعل شيئاً يضعه على الطريق الصحيح . وأعتقد أنه لن ينجح في حياته على الإطلاق . فقالت لورا : هذه هي العادة ، الفتاة الناجحة و الجميلة تُغرم بالشاب الفاشل السيء الطالع . أعترف أني وجدت ذلك الشاب جذاباً بشكل كبير ! فقالت آن : حتى أنت يا لورا؟ فقالت لورا : أنا أيضاً أنثى أحمل في قلبي ضعف الأنثى أمام الذكر الجميل . والآن طبت مساء يا حبيبتي . وصل ريتشارد إلى شقة آن في الثامنة مساء . كان على موعد للعشاء مع آن ، أما سارة فكانت مدعوة للرقض و العشاء خارج البيت هذه الليلة . وعندما دخل ريتشارد وجد سارة تجلس في حجرة الاستقبال تصبغ أظافرها . فقال لها : لقد قابلت صديقك الشاب جيري ليولد هذه الليلة ، وقد قال لي انه سينتقل إلى جنوب إفريقيا . فقالت : نعم .. سيسافر الخميس القادم . فقال متفلسفاً : جنوب أفريقيا ليست بالمكان الذي سينجح فيه شاب لا يحب العمل . فقالت : جيري شاب ذو عزيمة قوية إذا كان لا بد من استعمال هذا التعبير . فقال : ما عيب هذا التعبير! فقالت وهي توجه عينيها بعينيه : إنه تعبير مقزز , هذا كل ما هناك . فاحمر وجه ريتشارد وقال : من المؤسف أن والدتك لم تحسن تربيتك ! نظرتْ إليه بكل هدوء . ثم ابتسمت وقالت : هل أسأت الأدب .. انا حقا اسفة . فقال : أين أمك ؟ فأجابت : إنها تلبس ملابسها ، ستكون هنا بعد لحظات . ثم أخرجت مرآة من حقيبتها وأخذت ترى وجهها فيها . كان قد سبق لها إتمام عملية التزيين قبل حضور ريتشارد ، ولكنها كانت تعيد التزين مرة اخرى الان .. لأنها تعرف ان ذلك يزعج ريتشارد .. وكانت تعلم أنه يكره أن يرى امرأة تتزين أمام الآخرين . 

 البقية في الجزء الثاني