الثلاثاء، 6 مارس 2018







تلخيص رواية:
ذاكرة الجسد: أحلام مستغانمي.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.


ما زلت أذكر قولك ذات يوم : الحب هو ما حدث بيننا, والأدب هو كل ما لم يحدث. يمكنني اليوم, بعد ما انتهى كل شيء أن أقول : هنيئاً للأدب على فجيعتنا إذن فما أكبر مساحة ما لم يحدث. إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب. وهنيئاً للحب أيضاً, فما أجمل الذي حدث بيننا, ما أجمل الذي لم يحدث, وما أجمل الذي لن يحدث .
ارتشفت قهوتك المُرة, بمتعة مشبوهة هذه المرة. شعرت أنني على وشك أن أعثر على جملة أولى, أبدأ بها هذا الكتاب. جملة قد تكون تلقائية. تتزاحم الجمل في ذهني. كل تلك التي لم تتوقعيها. وتمطر الذاكرة فجأة, فأبتلع قهوتي على عجل وأشرع نافذتي لأهرب منك إلى السماء الخريفية.. إلى الشجر والجسور والمارة. ها هي ذي قسنطينة, وها هو كل شيء أنتِ. كيف أنتَ... يسألني جار ويمضي للصلاة. فيجيب لساني بكلمات مقتضبة: كيف أنا ؟ أنا ما فعلتهِ بي سيدتي.. فكيف أنتِ ؟

25 اكتوبر 1988. عناوين كبرى, كثير من الدم, وقليل من الحياء. هناك جرائد تبيعك نفس الأكاذيب بطريقة أقل ذكاء كل مرة, وهنالك أخرى, تبيعك تذكرة للهروب من الوطن. آخر مرة استوقفتني فيها صحيفة جزائرية, كان ذلك منذ شهرين تقريباً. عندما كنت أتصفح عن طريق المصادفة, فاجأتني صورتكِ على نصف صفحة بأكملها, مرفقة بحوار صحفي بمناسبة صدور كتاب جديد لكِ. أي موعد عجيب كان موعدنا ذلك اليوم! كيف لم أتوقع بعد تلك السنوات أن تحجزي لي موعداً على ورق بين صفحتين, في مجلة لا أقرأها عادة. إنه قانون الحماقات, أليس كذلك؟ أن أشتري مصادفة مجلة لم أتعود شرائها, فقط لأقلب حياتي رأساً على عقب وأين العجب؟ كيف عدتِ, وقد كاد الجرح أن يلتئم. أتوقف طويلاً عند عينيك. أبحث فيهما عن ذكرى هزيمتي الأولى أمامك. متى كتبت ذلك الكتاب, أقبل زواجك أم بعده ؟ أقبل رحيل زياد أم بعده؟ أكتبته عني أم كتبته عنه؟

الكتابة ما بعد الخمسين لأول مرة... شيء شهواني وجنوني شبيه بعودة المراهقة. شيء مثير وأحمق. سأعتبر إذن ما كتبته للآن, مجرد استعداد للكتابة فقط, وربما غداً أبدأ بالكتابة حقاً. غداً ستكون قد مرت 34 سنة على انطلاق الرصاصة الأولى لحرب التحرير, ويكون قد مر على وجودي هنا ثلاثة أسابيع. بين أول رصاصة, وآخر رصاصة, تغيرت الصدور, تغيرت الأهداف...وتغير الوطن. يستيقظ الماضي الليلة داخلي.. مربكاً. يستدرجني إلى دهاليز الذاكرة. في الحروب ليس الذين يموتون هم التعساء دائماً, إن الأتعس هم اولئك الذين يتركونهم خلفهم ثكالى, يتامى, ومعطوبي أحلام. اكتشفتُ هذه الحقيقة باكراً, شهيداً بعد آخر, وقصة بعد أخرى.. واكتشفت بالمناسبة نفسها, أنني ربما كنت الوحيد الذي لم يترك خلفه سوى قبر طري لأم ماتت مرضاً وقهراً, وأخ فريد يصغرني بسنوات, وأب مشغول بمطالب عروسه الصغيرة .
كانت الثورة تدخل في عامها الثاني, ويُتمي يدخل شهره الثالث, ولم أعد أذكر الآن بالتحديد, في أية لحظة أخذ الوطن ملامح الأمومة, وأعطاني ما لم أتوقع من الحنان الغامض, والإنتماء التطرف له. ربما كان لاختفاء "سي الطاهر" من حيّنا منذ بضعة أشهر, دور في حسم القضية, واستعجالي في أخذ القرار المفاجيء. فلم يكن يخفى على أحد أنه انتقل إلى مكان سري في الجبال المحيطة بقسنطينة ليؤسس من هناك مع آخرين الخلية الأولى للكفاح المسلح. كانت الهيبة لا تفارق وجه "سي الطاهر", ولا تلك الإبتسامة الغامضة. في سجن "الكديا" كان موعدي النضالي الأول مع "سي الطاهر". وكان هو الذي استدرجني إلى الثورة يوماً بعد آخر. كانت مصادفة وجودي مع "سي طاهر" في الزنزانة ذاتها شيء أسطوري بحد ذاته, وتجربة نضالية ظلت تلاحقني لسنوات بكل تفاصيلها .

سنة 1955 التحقت بالجبهة. كنت في عامي الخامس والعشرين. أذكر أن استقبال "سي الطاهر" لي فاجأني وقتها. ظلّ يتأملني قبل أن يحتضنني بشوق وكأنه كان ينتظرني. وكان "سي الطاهر" بعد أكثر من معركة ناجحة اشتركت فيها, قد بدأ تدريجياً يعتمد عليّ في المهمات الصعبة. ورفعني بعد سنتين إلى رتبة ملازم لأتمكن من إدارة بعض المعارك وحدي. وجاءت تلك المعركة الضارية لتقلب يوماً كل شيء.. لقد فقدنا ستة مجاهدين, وكنت فيها أنا من عداد الجرحى بعدما اخترقت ذراعي اليسرى رصاصتان. ولم يكن العلاج بالنسبة لي سوى بتر ذراعي اليسرى, لاستحالة استئصال الرصاصتين. وبعدها ودعني "سي الطاهر", وعلمتُ من نبرته أني قد لا أعود إلى الجبهة مرة ثانية. جاء يتفقدني قبل سفري بساعة, ووضع ورقة صغيرة في جيبي وبعض الأوراق النقدية وقال لي: وضعت في جيبك عنوان العائلة وشيئاً من الدراهم في تونس, إذهب لزيارتهم وسلم الدراهم إلى (أمّا) لتشتري به هدية للصغيرة, لقد اخترت لها هذا الإسم... سجّلها في دار البلدية وقبّلها عني... وسلّم كثيراً على (أمّا). كانت تلك أول مرة سمعت فيها اسمك. دهشت فقد كان بإمكان "سي الطاهر" أن يطير وأن يهرب ليومين إلى تونس, أكان حبه للإنضباط هو الذي خلق عنده شعور بالقلق بعد ميلادك, وهو يكتشف عاجزاً أنه أب منذ شهور لطفلة لم يمنحها اسماً ! ولكن بعد ذلك أصبح يزور أهله زيارات خاطفة. لقد غيّرته الأبوة المتأخرة, التي جاءت رمزاً جاهزاً لمستقبل أجمل... معجزة صغيرة للأمل .. كانت أنتِ.

عندما أتحدث عنكِ.. عمن تراني أتحدث ؟ أعن طفلة كانت تحبو يوماً عند قدمي.. أم عن صبية قلبت بعد خمس وعشرين سنة حياتي .. "حياة".. سأدعوك هكذا..ليس هذا اسمك على كل حال. إنه أحد أسمائك فقط. هل أقرأ كتابك لأعرف كيف تحولتْ تلك الطفلة الصغيرة إلى امرأة؟ أنتِ التي تعلقتِ بي لتكتشفي ما تجهلينه.. وأنا الذي تعلقتُ بكِ لأنسى ما كنت أعرفه..أكان ممكناً لحبنا أن يدوم؟ كان "سي طاهر" طرفاً ثالثاً في قصتنا. كان والدك رفيقاً فوق العادة.. وقائداً فوق العادة. وسؤالك الدائم يعيد لإسمه هيبته حياً وشهيداً؟ ويبقى صدى سؤالك ماثلاً : حدِّثني عنه. سأحدثك عنه يا حبيبتي, سأحدثك عن "سي الطاهر", فوحده تاريخ الشهداء قابل للكتابة. مات "سي الطاهر" على عتبات الإستقلال. هو رجل أعطى الجزائر كل شيء ولم تعطه حتى فرصة أن يرى ابنه يمشي إلى جواره.. أو يراكِ أنتِ طبيبة أو أستاذة كما كان يحلم. كانت آخر مرة رأيته فيها, في يناير سنة 1960. وكان حضر ليشهد أهم حدث في حياته, ليتعرف على مولوده الثاني "ناصر". واستشهد "سي الطاهر" بعد بضعة أشهر دون أن يتمكن من رؤية ابنه مرة ثانية . كان ناصر ينهي شهره الثامن, وأنت تدخلين عامك الخامس.

كان لا بد أن أكتب من أجلك هذا الكتاب, سأحدثك عن كل الذين أحبوك لأسباب مختلفة. سأحدثك عن زياد, سأحدثك عن تلك المدينة التي كانت طرفاً في حبنا, وانتهى فيها مشهد خرابنا الجميل. وأين أنا في قائمة عشقك وضحاياكِ؟
كان يوم لقاءنا يوماً للدهشة. يومها كنتُ أنا الرسام, وكنتِ أنتِ زائرة فضولية على أكثر من صعيد. كنت رجلاً تستوقفه الوجوه, وبرغم ذلك, لست من الحماقة لأقول إنني أحببتك من النظرة الأولى. يمكنني أن أقول إنني أحببتك, ما قبل النظرة الأولى. مددتِ نحوي يدكِ مُصافحة وقلت بحرارة: كنت أريد أن أهنئك على هذا المعرض. مددت يدي إليكِ دون أن أرفع عيني تماماً عن معصمك المزين بالسوار. عادت ذاكرتي إلى الوراء, إلى معصم (أمّا) الذي لم يفارقه هذا السوار قط. تأملت السوار وعادت ذاكرتي ثلاثين سنة. كنت تتأملين ذراعي الناقصة, وأتأمل سواراً بيدك. لم تكوني جميلة ذلك الجمال الذي يبهر, ذلك الجمال الذي يخيف ويربك. كنت فتاة عادية, ولكن بتفاصيل غير عادية. عندما قدّمت لي نفسك انتفضت لسماع الإسم , رحت أتأملك مرة أخرى . ها أنا اليوم أحد كبار الرسامين الجزائريين, وربما كنت أكبرهم على الإطلاق, كما تشهد بذلك أقوال النقاد الغربيين. كنت أشعر برغبة في الجلوس إليك.. في التحدث والإستماع إليكِ. تكاد ترتعش ذراعي الوحيدة وهي تقاوم رغبة جامحة لاحتضانك. كيف أشرح لك أنني كنت مشتاقاً إليك دون أن أدري , أنني كنت أنتظرك دون أن أصدق ذلك ؟ سألتني: متى ينتهي المعرض؟ فقلت: في 25 نيسان.. أي بعد عشرة أيام. فصحتِ: عظيم.. سأجد فرصة للعودة مرة أخرى. وغادرتِ القاعة مثلما جئت, وسواء رأيتك أو لم أرك بعد اليوم, فقد أحببتك.. وانتهى الأمر .

في اليوم التالي, سعدت وأنا أرى "كاترين" وهي تدخل القاعة. كانت كاترين تسكن في الضاحية الجنوبية لباريس. كانت تحب أن تلتقي بي ولكنها كانت تخجل أن يراها بعض معارفها وهي مع رجل عربي, يكبرها بعشر سنوات, وينقصها بذراع ! قالت كاترين بصوت أعلى من العادة: برافو خالد, رائع كل هذا.. أيها العزيز. تعجبت منها, كانت تريد أن يعرف الآخرون أنها صديقتي أو حبيبتي. ما الذي غيّر سلوكها فجأة, هل منظر ذلك الحشد من الشخصيات الفنية والصحافيين الذين حضروا الإفتتاح..أم أنها اكتشفت هنا في هذا المكان, أنها كانت منذ سنتين تضاجع عبقرياً دون أن تدري. اكتشفت لحظتها, أنني خلال الخمسة والعشرين سنة التي عشتها بذراع واحدة, لم يحدث أنني نسيت عاهتي إلا في قاعات العرض.

صباح الإثنين, لبست بدلتي الأجمل لموعدنا المحتمل. كنت أول من يطأ القاعة. اتجهتُ نحو لوحتي الصغيرة "حنين" أتفقدها وكأنني أتفقدك. قلت: صباح الخير قسنطينة.. كيف أنتَ يا جسري المعلق ؟ كان صوتٌ داخلي يذكّرني أنك ستأتين. حاولت أن أنشغل بلقاءات وتفاصيل كثيرة, وحاولت أن أنسى أنني هنا لانتظارك. وفجأة فُتح الباب ليدخل منه "سي الشريف"! أخ "سي الطاهر". نهضتُ إليه مسلّماً وأنا أخفي عنه دهشتي. قال لي: عاش من شافك! وسلّم عليّ بحرارة. وبعد ساعات سعدت وأنا أتخلص من "سي الشريف" وصديقه "سي مصطفى". أردت أن أنتهي منهما بسرعة خشية أن تأتي في تلك اللحظة ولكنك لم تأتي. من أين هجمتْ عليّ كل تلك الكآبة؟ ماذا لو انتهى المعرض ولن تعودي؟ وما كدت في اليوم التالي أدخل القاعة حتى رأيتك تدخلين. كنت تتقدمين نحوي, وكان الزمن يتوقف انبهاراً بك. قلتِ معتذرة: أنا لم أحضر البارحة, لأني سمعت عمي يتحدث لشخص على الهاتف ويتفق معه على زيارتك, ففضلت أن أؤجل زيارتي لك إلى اليوم حتى لا ألتقي بهما. فقلتُ لك : يسعدني أنني انتظرتك يوماً آخر, إن الأشياء التي نريدها تأتي متأخرة دائماً! قلتِ: أتدري أنني أعرف الكثير عنكَ؟ وجئت لأنك قد تكون يقيني المحتمل! فقلت: أنا أكره الإحتمالات.. ولذا أجزم أنني سأكون يقينك. وضحكنا كثيراً. قلتِ: كنت أود التعرف إليك. لقد كانت جدتي تحدثني أحياناً عنك عندما تذكر أبي. فقلت: وكيف حالها ؟ فقلتِ: توفيت منذ أربع سنوات, وبعد وفاتها انتقلتْ أمي لتعيش في العاصمة مع أخي ناصر. وجئت أنا إلى باريس لمتابعة دراستي. سألتها : أترسمين ؟ فقالت: لا أنا أكتب قصصاً وروايات!؟ لقد صدرت لي أول رواية منذ سنتين. انتهى موعدنا الأول عند الظهر. وكان عندي إحساس ما أنني سأراك مرة أخرى .

كان حبك قدري وربما كان حتفي. كان لقاؤنا يتكرر كل يوم تقريباً, كنا نلتقي في تلك القاعة نفسها في ساعات مختلفة من النهار. كنت أتساءل كل مرة وأنا أودعك: ترانا نرتكب أكبر الحماقات ويزداد تعلقنا ببعض كل يوم. وربما لأنني كنت أكبر منك سناً, كنت أشعر أنني أتحمل وحدي مسؤولية ذلك الوضع العاطفي الشاذ وانحدارنا السريع والمفجع نحو الحب.   تراني كنت أخون الماضي, وأنا أتفرد بك في جلسة شبه بريئة, في قاعة تؤثثها اللوحات والذاكرة ؟ تراني أخون أعز من عرفت من رجال, وأكثرهم نخوة ومروءة ؟ تراني سأخون "سي الطاهر" قائدي ورفيقي وصديق عمر بأكمله, فأدنس ذكراه وأسرق منه زهرة عمره الوحيدة.. ووصيته الأخيرة؟ كنا نكتشف بصمت أننا نتكامل بطريقة مخيفة. كنتِ فارغة كإسفنجة, وكنت أنا عميقاً ومثقلاً  كبحر. قلتُ لك يوماً: هل يسعدك أن أناديك "حياة" ؟ فقلتِ متعجبة : لماذا, ألا يعجبك إسمي الحقيقي ؟ فقلتُ: أحب أن أسميك "حياة" لأنني قد أكون الوحيد مع والدتك الذي يعرف اليوم هذا الإسم. أريد أن يكون بيننا ككلمة سر, ليذكرك بعلاقتنا الإستثنائية, وبأنك أيضاً.. طفلتي بطريقة ما. وفي تلك اللحظة قصصت عليك قصة يومي الأخير في الجبهة, ذلك اليوم الذي لفظ فيه "سي الطاهر" إسمك أمامي لأول مرة, وهو يودعني. أذكر ذلك اليوم الذي وقفتُ فيه لأول مرة أدق باب بيتكم في شارع التوفيق بتونس. وما كدت أجلس أرضاً في الغرفة المطلة على وسط الدار حتى ظهرتِ أنتِ في طرف الغرفة صغيرة كدمية, لحظتها شعرت بهول ما حل بي وأنا أمد نحوك يدي الفريدة في محاولة للإمساك بكِ. فضممتك إليّ, ورحتُ أقبّلك, نيابة عن "سي الطاهر", ونسيت يومها أن أقبّلك نيابة عني. نيابة عن الرجل الذي سأتحول إليه على يدك بعد ربع قرن. قلتُ: لمّا دخلتِ هذه القاعة, دخلتْ قسنطينة معك.. دخلتْ في طلتك.. في مشيتك .. في لهجتك.. وفي سوار كنت تلبسينه. قلتِ: إذا شئت سألبس السوار ذلك من أجلك.. أيسعدك هذا؟ واكتشفتُ يومها قدرتي على ترويضك, وعلى السيطرة على نارك المحرقة. وقررت في سري أن أحولك إلى مدينة شاهقة.. شامخة, عريقة.. عميقة, لن يطأها الأقزام ولا القراصنة. حكمتُ عليكِ أن تكوني قسنطينة ما.. وكنت أحكم على نفسي بالجنون !
قلتِ لي يوماً: فيك شيء من زوربا. شيء من قامته, من سمرته, وشعره الفوضوي المنسق. أتدري أنه الرجل الذي أثّر أكثر في حياتي؟ يعجبني جنونه وتصرفاته غير المتوقعة. كنت أريد أن أحب رجلاً كهذا.. أو أكتب رواية كهذه. فقلتُ لكِ ساخراً: يسعدني أن تجدي شيئاً من الشبه بيني وبينه, فقد تحققين الأمنيتين معاً. فقلتِ: معك أريد أن أحقق إحدى الأمنيتين فقط. لن أكتب عنك شيئاً لأني لا أريد قتلك, أنا سعيدة بك.. نحن نكتب الروايات لنقتل الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبثاً علينا, نحن نكتب لننتهي منهم. سألتكُ بعد أن قرأتُ كتابك: هل مرّ هذا الرجل بحياتك حقاً؟ قلتِ وأنت تعبثين بأعصابي: المهم أنه مات بعد هذا الكتاب. كان في أعماقي شعور ما بأن تلك القصة كانت قصتك, وأن ذلك الرجل قد مر بحياتك.. وربما بجسدك أيضاً.

كان لا بد لمعرضي أن ينتهي, لننتبه أننا نعرف بعضنا منذ أسبوعين فقط , وليس منذ أشهر كما كان يبدو لنا. وانتهت عطلتك الجامعية مع نهاية معرضي تقريباً. وها نحن محاصران بكل مستحيلات الزمان والمكان. اتفقنا على أن تطلبيني هاتفياً, وأن نتفق على برنامج جديد. وخلال تلك الفترة جلستُ إلى لوحاتي, كنت سعيداً وأنا أرسم, كنت أشعر أنني أرسمك أنتِ لا غير. أنت بكل تناقضك. أرسم نسخة أخرى عنك أكثر نضجاً.. أكثر تعاريج. ونسخة أخرى من لوحة أخرى كبرت معك. كنت أرسم تلك اللوحة بشهية مدهشة للرسم. بل وربما بشهوة ورغبة سرية ما.. فهل بدأت شهوتك تتسلل يومها إلى فرشاتي, دون أن أدري ؟!
في اليوم التالي, فاجأني صوتك في الساعة التاسعة تماماً. قلتُ لك إني رسمتك فقلتِ: أأنت مجنون؟ تريد أن تحولني إلى لوحة تدور بها القاعات من مدينة إلى أخرى, يتفرج عليها كل من يعرفني؟! تريد أن تقنع عمي وتقنع الآخرين أنك رسمتني بعدما صادفتني مرة على رصيف, إننا لا نرسم سوى ما يثيرنا.. أو ما نحبه.. هذا معروف! فقلت : لنفترض إذن أنني أحبك! فقلتِ : لنفترض إذن.. أنني لم أسمع! والتقينا مرة أخرى في أحد مقاهي باريس مجاوراً تماماً لعنوان بيتي. كنا نلتقي هناك في أوقاتٍ مختلفة من النهار, وحسب ساعات دراستك وبرنامج أعمالي. كنت أتدحرج يوماً بعد آخر نحو هاوية حبك, أصطدم بالحجارة والصخور, وكل ما في طريقي من مستحيلات. ولكنني كنت أحبـك. وقتها لم أكن أجرؤ على أن أحلم بأكثر من هذا. متى بدأ جنوني بك؟ ترى أفي ذلك اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرة؟ أم في ذلك اليوم الذي انفردت بك فيه لأول مرة؟ أم في ذلك اليوم الذي قرأتك فيه لأول مرة؟ ترى يوم ضحكت أو يوم بكيت. أعندما تحدثتِ أم عندما صمتِّ. كنت كل مرة أفاجأ بامرأة أخرى داخلك. لم تكوني امرأة .. كنت مدينة , مدينة بنساءٍ متناقضات. مختلفات في أعمارهن وفي ملامحهن. نساء من قبل جيل أمي إلى أيامك أنتِ. نساء كلهن أنتِ. كنت أشهد تحولك التدريجي إلى مدينة تسكنني منذ الأزل. كنت رجلاً عاشقاً بجنون, رسام بتطرف, وحماقة رسام, وربما كان هذا أكثر ما كنت تحبينه في حبي .

سألتِني مرة : لماذا جئت إلى فرنسا ؟ فقلتُ لكِ: أكره الجلوس على القمم التي يسهل السقوط منها. لقد كنت بعد الإستقلال أهرب من المناصب السياسية التي عُرضت عليّ, بينما كان الجميع يلهثون للوصول إليها. كنت أحلم بمنصب في الظل. لذا عندما عُينت كمسؤول عن النشر والمطبوعات في الجزائر, شعرت أنني خلقت لذلك المنصب. كنت أعيش بالكتب ومع الكتب. وجئت إلى فرنسا لأنني ذات يوم قررت أن أخرج من الرداءة, من تلك الكتب الساذجة التي كنت مضطراً إلى قراءتها ونشرها بإسم الأدب والثقافة, ليلتهمها شعب جائع إلى العلم. كنت أشعر بالخجل وأنا أدعو أحدهم إلى مكتبي لإقناعه بحذف فكرة أو رأي كنت أشاركه فيه. ذات يوم, زارني زياد.. ذلك الشاعر الفلسطيني. وكنت قد اتصلت به لأطلب منه حذف أو تغيير بعض الكلمات التي جاءت في ديوانه. لم أنس نظرته ذلك اليوم. قال لي بنظرة مهينة: لا تبتر قصائدي سيدي.. رد لي ديواني, سأنشره في بيروت. شعرت أني على وشك أن أصفعه. ولكن ما الذي شفع له عندي تلك اللحظة ؟ ترى هويته الفلسطينية, أو تلك الشجاعة التي لم يواجهني بها كاتب قبله. حينها قلت له متحدياً: سأنشره لك حرفياً. سبّب لي ديوانه بعض المتاعب, ولكن لقائي به كان منعطفاً في حياتي. اكتشفت بعدها أن قصص الصداقة القوية, كقصص الحب العنيفة, كثيراً ما تبدأ بالمواجهة والاستفزاز واختبار القوى. بعدها أصبح زياد تدريجياً صديقي الوحيد الذي أرتاح إليه حقاً. كان زياد يطلق الرصاص على كل شيء حوله.. بعدما لم يعد يثق في شيء! آخ .. كم كان زياد مدهشاً ! لماذا كنت أحدثك عنه بتلك الحماسة, وبتلك الشاعرية؟ كنت أريد التقرب إليك به, وأقنعك من خلاله أن لي قرابة سابقة بالكتاب والشعراء, فأكبر بذلك في عينيك؟ في ذلك اليوم, وضعتِ قبلة على خدي. وقلتِ بلهجة جزائرية : (خالد .. انحبك) وتوقف كل شيء لحظتها حولي, وتوقف عمري على شفتيك. وكان يمكن وقتها أن أحتضنك, أو أقبلك. سألتُك: لماذا اليوم بالذات؟ أجبتِ: لأنني اليوم أحترمك أكثر. لم أتوقع أن تكون تخليت عن كل شيء هناك, لكي تبدأ من الصفر هنا. يومها عرضتُ عليك بشيء من التردد, أن تزوري مرسمي, فصحت بفرح طفلة : اوه.. رائع يسعدني حقاً أن أزوره.

وفي اليوم التالي زرتيني. أخيراً سأجلس إلى جوارك, وليس مقابلاً لك. ها أنت تدخلين في فستان أبيض, يسبقك عطرك إلى الطابق العاشر. على تلك الأريكة جلستِ. قلت لك وأنا أريك اللوحات: أتذكرين يوم قلتُ لك لقد سهرت البارحة لأرسمك. اتهمتني بالجنون وخفت أن أكون قد فضحت ملامحك. لا تخافي, لن أرسمك أبداً ولن يعرف أحد أنك عبرت حياتي ذات يوم. إن للفرشاة شهامة أيضاً. أنت مدينة.. ولست امرأة, وكلما رسمت قسنطينة رسمتك أنت, ووحدك ستعرفين هذا. فقلتِ مشيرة للوحة: إذن هذه.. أنا ! فقلتُ لك : ربما لم تكوني أنتِ, ولكن هكذا أراك, فيك شيء من تعاريج هذه المدينة, من شموخها, من مخاطرها, من أنوثتها وإغرائها السري ودوارها. فقلتِ: ربما كنتَ في النهاية على حق, ولكنني كنت أفضل لو رسمتني أنا وليس هذا الجسر. إن أي امرأة تتعرف على رسام, تحلم في سرها أن يخلّدها, أن يرسمها هي.. لا أن يرسم مدينتها. إنها النرجسية !!! فقلتُ: إذا كان هذا ما تريدين.. سأرسمك. فأجبتني بصوت فيه خجل: شرط ألا تضع عليها توقيعك إذا أمكن. قلتِ وأنت تغادرين المرسم: أتدري أننا لن نلتقي لمدة شهرين؟ سأسافر الأسبوع القادم إلى الجزائر.. سأشتاق إليك كثيراً. أعتقد أننا سنتعذب بعض الشيء.. إنه فراقنا الأول. سنبقى على اتصال. كان الحزن يهجم عليّ فجأة, وأنا واقف هكذا في ذلك الممر أتأملك بذهولِ من لا يصدق. وكنت قريبة مني حد الإلتصاق. رفعتِ وجهك نحوي. كنت أريد أن أقول لك شيئاً لم أعد أذكره, ولكن كانت شفتاي قد سبقتاني فقبّلتك. وكانت ذراعي الوحيدة تحيط بك كحزام. انتفضتِ قليلاً بين يدي ثم استسلمتِ. كان لا بد أن يحدث هذا, أكان يمكن أن أصمد طويلاً في وجه أنوثتك ؟ ها هي سنواتي الخمسون تلتهم شفتيك. عرضت عليك فنجان قهوة في محاولة أخيرة لاستبقائك. قلتِ وأنت ترتبين مظهرك: أفضّل شيئاً بارداً. تركتك في الصالون وذهبت إلى المطبخ. تعمدت ألا أستعجل في العودة. وعندما عدت, كنتِ أمام المكتبة تلقين نظرة على عناوين الكتب. حينها قلتِ: أليس هذا الديوان لصديقك الشاعر الذي حدثتني عنه؟ هل إسمه زياد الخليل ؟ أيمكن أن أستعيره ؟ فقلتُ: طبعاً, إنها فكرة جيدة. ذهبتِ ذلك اليوم بعد ما وضعتِ قبلتين على خدي, ووعدتني بلقاء قريب. ولم يعد ممكناً بعد قبلتنا أن نتصافح. وكيف لم أشعر بعدها بأي إحساس بالندم, بأي خجل تجاه ذكرى "سي الطاهر"؟ لا.. لم يكن في قلبي سوى الحب. كنت ممتلئاً بالعشق, بالشهوة, بالجنون.
كان لرحيلك مذاق الفجيعة الأولى. والوحدة التي أحالتني في أيامٍ إلى مرتبة يتيمة على جدار. واستغرقتُ برسمك يا امرأة على شاكلة وطن. امنحيني فرصة بطولة أخرى. أنت جنوني السري, ومحاولتي السرية للإنقلاب على المنطق. ما الذي أوصلني إلى الجنون ؟ أدري أنني قضيت شهرين وسط تقلبات نفسية متناقضة. سأعترف لك اليوم, بعد كل تلك السنوات, أنني وصلت معك يوماً إلى ذلك الحد المخيف من اللاعقل .
مر أكثر من أسبوع قبل أن يأتي صوتك ذات صباح ..فاختصرت عذابي في بضع كلمات وقلت لك : إنني متعب.. جد متعب.. كيف لم تتصلي بي حتى الآن ؟ فقلتِ: يجب أن تعذرني. الحياة هنا مزعجة وصعبة. إن الواحد لا يخلو لنفسه في هذه المدينة ولو لحظة. أتدري.. أنت على حق. إن أجمل ما في قسنطينة, جسورها لا غير. لقد ذكرتك وأنا أعبرها.. ربما بدأت أحبها .

في الشهر الأخير من الصيف, كنت ما أزال أتوقع رسالة منك, ولكن فاجأتني رسالة من زياد. كانت آخر رسالة لزياد تعود لما يقارب السنة. هذه المرة كان يريد أن يخبرني أنه قد يحضر إلى باريس بداية أيلول, وأنه ينتظر جواباً سريعاً مني ليتأكد من وجودي في باريس في هذه الفترة. فاجأتني رسالته.. وأسعدتني وأدهشتني .
كنا على أبواب أيلول. وكنت سعيداً أو ربما في حالة ترقب للسعادة. ستعودين أخيراً.. كنت أنتظر الخريف كما لم أنتظره من قبل. ستعودين لي.. يا معطفي الشتوي.. يا طمأنينة العمر المتعب. أنتظر عودتك لنتحدث أخيراً بصدق مطلق. ماذا تريدين مني بالتحديد ؟ ومن أكون أنا بالنسبة إليك ؟ وما إسم قصتنا هذه ؟ كنت أنتظر الأمان. وجئتِ, زوبعة صادفت زوبعة أخرى, إسمها زياد.. وكانت الأعاصير .

لم يتغير زياد منذ آخر مرة رأيته فيها, منذ خمس سنوات بباريس. ربما أصبح أكثر امتلاءاً, أكثر رجولة مع العمر. ما زال شعره مرتباً بفوضوية مهذبة. ها هو ذا.. كما تركته, محاطاً بأشياءه الصغيرة ومحملاً بالذاكرة, ومرتدياً سرواله الجينز نفسه, كأنه هويته الأخرى. كان زياد يشبه المدن التي مر بها. فيه شيء من غزة, من عمان.. من بيروت وموسكو.. ومن الجزائر وأثينا. كان يشبه كل من أحب. جاء زياد.. واستيقظ البيت الذي ظل مغلقاً لشهرين في وجه الآخرين, حتى في وجه كاترين نفسها. قلت له يوماً: سنتغدّى غداً مع صديقة كاتبة.. لا بد أن أعرّفك عليها. وعلى الهاتف قلتُ لكِ : تعالي غداً للغداء في ذلك المطعم نفسه.. فأنا أحمل لك مفاجأة لا تتوقعينها .

التقيتما إذن. ما زلت أذكر ذلك اليوم.. وصلتِ متأخرة بعض الشيء, ودخلتِ.. كان زياد يحدثني عن شيء ما عندما صمت فجأة, وتوقفتْ عيناه عليك وهو يراك تجتازين باب المطعم. ثم قدِمتِ وسلّمت علينا, وبدأنا بالحديث. كان زياد مُدهِشاً وشاعراً في كل شيء. كان الحديث يدور بينكما فقط, وأنني لم أقل كلمة واحدة منذ قدومك. لم تكوني الأجمل, كنت الأشهى. وربما كان زياد يشبهك أيضاً.. اكتشفت ذلك مع مرور الأيام, وأنا أنظر إليكما وأنتما تتحدثان أمامي كل مرة. وكانت فكرة تشابهكما تزعجني. ترى بدأت الغيرة تتسلل إليّ اللحظة. كنت أحب زياد.. كنت مبهوراً به. كنت أشعر أنه يسرق مني كلمات الحزن, وكلمات الوطن, وكلمات الحب أيضاً.. كان زياد لساني, وكنت أنا يده كما كان يحلو له أن يقول. وكنت أشعر في تلك اللحظة.. أنكِ أصبحتِ قلبنا .. معاً !
كان يجب أن أتوقع كل الذي حدث. فهل كان يمكن أن أوقف انجرافكما بعد ذلك ؟ كنت اكتشف بحماقة أنني صنعت قصتكما بيدي. كيف يمكن أن أضع أمامك رجل يصغرني باثنتي عشرة سنة, ويفوقني حضوراً وإغراءاً. تحول حبنا من عشق ثنائي عنيف إلى حب مثلث الأطراف كل زواياه متساوية, ومن لعبة شطرنج يحكمها لاعبان متقابلان, إلى لعبة طاولة نجلس حولها الثلاثة. كان واضحاً أن زياد يشعر أنني أحبك بطريقة أو بأخرى. ولكنه لم يكن يعي جذور ذلك الحب ومداه. ولذا كان ينساق إلى حبك دون تفكير ودون شعور بالذنب. ونسيت في زحمة غيرتي, حتى الأسباب التي جاء من أجلها زياد إلى باريس, ولقاءاته.. وهواجسه الأخرى. ثم جاء ذلك السفر الذي كدت أنساه. ربما كانت تلك أكثر تجاربي ألماً على الإطلاق. فقد كان عليّ أن أترككما عشرة أيام كاملة معاً في مدينة واحدة. هل سيخونني زياد؟ كنت قد بدأت أعتب عليه, وربما أحقد عليه. ونسيت في جنون غيرتي, أنني لم أفعل شيئاً غير ذلك معك, أنا الذي تنكرت أيضاً "لسي الطاهر", لرجل كان يوماً قائدي, وكان يوماً صديقي.. لرجل أودعك عندي وصية ذات يوم ومات شهيداً. من منا الأكثر خيانة إذن؟ هو الذي قد يضع أحلامه ورغباته حيز التنفيذ.. أم أنا الذي لم أنفذها لأنني لم أجد فرصة لذلك ؟ أنا الذي أنام وأصحو معك من شهور, واغتصبكِ حتى في غفوتي.. أم هو الذي ستكونين له بإرادتك ؟
وعندما عدت إلى باريس, كان في الحلق غصة لازمتني طوال تلك الأيام, وأفسدت عليّ متعة نجاح ذلك المعرض هناك في غرناطة. استقبلني زياد بشوق. (أكان حقاً سعيداً بعودتي؟). رحت أبحث في ملامح زياد عن فرح ما, عن سعادة ما أجد فيها الحجة القاطعة على أنكِ كنتِ له. ولكن لم يبدُ على وجهه أي شعور خاص, غير القلق. فجأة حدثني عنك قال: لقد طلبت منها أن تأتي غداً لنتناول معاً غدائنا الأخير.. لأنني سأسافر الأحد. وكان غداؤنا وجبة صمت مربك تتخلله أحياناً أحاديث مفتعلة, كنتِ تخترعينها أنت بفطرة نسائية لترطيب الجو.. وربما للمراوغة. ولكن عبثاً. كان هناك شيء من البلور قد انكسر بيننا. ولم يعد هناك من أمل لترميمه. كنتُ أراكِ طوال وجبة الغداء تلتهمينه بنظراتك ولا تأكلين شيئاً سواه. وكان هو يتحاشى نظراتك, ربما مراعاة لي. كنت أدري أن قلبك أصبح منحازاً إليه. وربما جسدك أيضاً. ولكنني كنت أثق بمنطق الأيام. وأعتقد أنك في النهاية ستعودين إليّ, لأنه لن يكون هناك سواي.

رحل زياد. كنت سعيداً ولكن بمرارة غامضة. ولكن لا بد أن أعترف أن سعادتي كانت تفوق حزني, وأنني كنت أشعر أنني أستعيدك وأنا أستعيد ذلك البيت الفارغ منه. في البدء.. كنت أتوقع هاتفك. وكان يأتي مرة كل أسبوع, ثم كل أسبوعين, ثم نادراً, قبل أن ينقطع نهائياً.

ما زلت أذكر ذلك اليوم من فبراير, عندما جاء صوت "سي الشريف" على الهاتف, ليدعوني إلى العشاء في منزله. أعترف أنني كنت سعيداً ومرتبكاً بفرحي. في اليوم التالي, حملت لوحتي كهدية وذهبت إلى العشاء. كنت أتوقع أن تكون تلك الدعوة عائلية, أو على الأقل موعداً نادراً لي مع الوطن. ولكن الوطن كان غائباً عن السهرة. كانت سهرة في فرنسا.. نتحدث فيها بالفرنسية.. عن مشاريع سيتم معظمها عن طريق جهات أجنبية.. بتمويل من الجزائر.. فهل حصلنا على استقلالنا فعلاً؟!
لم يأت هاتفك حتى ليشكرني على تلك اللوحة, أو حتى على تلك الزيارة, وذلك الموعد المتعمد الذي حضرته وتغيبتِ عنه. أذكر أني لعَنتكِ.. وحقدت عليك آنذاك, وشعرت بشيء من المرارة المجاورة للبكاء.. أنا الذي لم أبك حتى يوم بترت ذراعي. رحت أحاول أن أنساك وأنسى قطيعتك.. وأنسى حتى وجودك معي في المدينة نفسها. ولكنني لم أنجح في نسيانكِ أبداً. لم أكن أفعل شيئاً سوى التوحد معكِ في كل شيء دون علمي. كنتِ في النهاية كالوطن. كان كل شيء يؤدي إليك .

كان لبداية صيف 82 طعم المرارة الغامضة. وكنت أعيش بين خبرين : خبر صمتك المتواصل, وخبر الفجائع العربية. فقد جاء اجتياح إسرائيل المفاجيء لبيروت في ذلك الصيف, وإقامتها في عاصمة عربية لعدة أسابيع.. على مرأى من أكثر من حاكم.. وأكثر من مليون عربي.. جاء لينزل بي عدة طوابق في سلم اليأس. عاد زياد إلى الذاكرة, ورحت أتساءل فجأة أين يمكن أن يكون في هذه الأيام ؟ منذ رحل لم تصلني منه سوى رسالة واحدة قصيرة, يشكرني فيها على ضيافتي.

مات زياد.. وها هو خبر نعيه يقفز مصادفة من مربع صغير في جريدة إلى العين.. ثم إلى القلب.. فيتوقف الزمن. يتكور النبأ غصة في حلقي, فلا أصرخ.. ولا أبكي. أصاب بشلل الذهول فقط, وصاعقة الفجيعة. بكيته ذلك المساء. لقد مات شاعراً كما أراد.. وذات صيف كما أراد. مقاتلاً في معركة ما كما أراد أيضاً. لقد هزمني حتى بموته .
رحل زياد إذن.. وإذا بحقيبته السوداء المنسية في ركن خزانته, منذ عدة شهور, تغطي على كل أثاث البيت, وتصبح أثاثي الوحيد, حتى أنني لا أرى غيرها. كان لا بد أن أفتح تلك الحقيبة. فتحتها والقيت نظرة أولى على ما فيها. وإذا بالموت والحياة يهجمان عليّ معاً, وأنا أرى ثيابه أمامي, ألمس كنزته الصوفية الرمادية, وجاكيته الجلدي الأسود الذي تعودت أن أراه به.. ها أنا معه ودونه..أمام بقاياه. بين الثياب قميص حريري سماوي اللون, ما زال في غلافه اللامع الشفاف.. لم يفتح بعد. أستنتج دون جهد أنه هدية منك. وفجأة تقع يدي على روايتك أسفل الحقيبة. فأصاب بهزة أولى. ما عدا روايتك لم أجد سوى بطاقة المترو الخاصة به. أنظر إلى البطاقة ولكن صورته تستوقفني.. مربكة صور الموتى. كم كان وسيماً ذلك الرجل. تلك الوسامة الغامضة التي لا تفسير لها. وأفهم مرة أخرى أن تكوني أحببته. لقد أحببتُه قبلك بطريقة أخرى. وضعت يدي على بقايا أشعاره, وقررت أن أنشر هذه الكتابات في مجموعة شعرية, قد أسميها "الأشجار" المهم.. أن تصدر هذه الخواطر الأخيرة لزياد. أن أمنحه عمراً آخر لا صيف فيه.. فهكذا ينتقم الشعراء دائماً من القدر الذي يطاردهم كما يطارد الصيف الفراشات .. إنهم يتحولون إلى دواوين شعر. فمن يقتل الكلمات ؟

ما زلت أذكر ذلك السبت العجيب.. عندما رن الهاتف ذلك المساء. كان "سي الشريف" على الخط بحرارة وشوق أسعداني في البداية, وأخرجاني من رتابة صمتي الليلي ووحدته. كنت أستبشر به خيراً. إنه يحمل دائماً احتمال لقاء بك بطريقة أو بأخرى. راح سي الشريف يعتذر عن انقطاعه عني بسبب مشاغله.. قبل أن يقول: أتدري لما طلبتك الليلة ؟ إنني قررت أن أصحبك معي إلى قسنطينة.. لقد أهديتني لوحة عن قسنطينة وأنا سأهديك سفرة إليها لحضور عرس إبنة أخي الطاهر !! شعرت فجأة أن صوتي انفصل عن جسدي, وأنني عاجز عن أن أجيب بكلمة واحدة. أيمكن للكلمات أن تنزل صاعقة على شخص بهذه الطريقة ؟  أجبته وأنا أبحث عن مخرج لتوتري: الحقيقة أنني لست مستعداً نفسياً بعد لزيارة كهذه. قال: أنت لن تجد ظروفاً أحسن من هذه للعودة. ثم ألا يسعدك حضور زواج إبنة "سي الطاهر"؟ إنها ابنتك أيضاً. كنت أقف على الحد الفاصل بين الضحك والبكاء..لقد عرفتها طفلة..لا, لم تكن ابنتي, كان يمكن أن تكون زوجتي.. كان يمكن أن تكون لي. فسألته : لمن ستكون ؟ فقال : لقد أعطيتها ل (سي ... ) لقد سهرت معه المرة الماضية أعتقد أنه رجل طيب برغم ما يقال عنه. "رجل طيب!" إنه رجل الصفقات السرية والواجهات الأمامية. رجل العسكر.. ورجل المستقبل. فقدت فجأة شهية الكلام. أخرستني الصدمات المتتالية فقلت: كل شيء مبروك. فرد "سي الشريف": الله يهنيك.. ويبارك فيك.. إذن سنراك.. سنسافر بعد عشرة أيام فالزواج سيكون في 15 يوليو.. اطلبني هاتفياً كي نتفق على تفاصيل سفرك ..
انتهت المكالمة, وبدأت مرحلة جديدة من حياتي. بدأ عمري الآخر الذي أعلنت يومها رسمياً خروجك منه. ولكن .. هل خرجت حقاً ؟ كرهتك ذلك اليوم بشراسة لم أكن عرفتها من قبل. انقلبتْ عواطفي مرة واحدة إلى عاطفة جديدة, فيها مزيج من المرارة والغيرة والحقد.. وربما الإحتقار أيضاً.

جاء صوتك يوم الإثنين هكذا دون مقدمات. دون أية نبرة حزن أو فرح مميزة.. دون ارتباك ولا أي خجل واضح. ورحت تتحدثين إليّ, قلتِ: لقد سمعت عمي يتحدث إليك أمس على الهاتف, وتعجبت أن تكون قبلت المجيء إلى قسنطينة. لقد أسعدني ذلك كثيراً, فأنا أريد أن تحضر إلى هذا العرس.. من الضروري أن تحضر, سأكون تعيسة لو تغيبت عن المجيء. لقد أحببتُ هذه المدينة من أجلكَ.. وأحببتكَ. فقلتُ لك : وهو ؟ فقلتِ: إنه قدرٌ جاهز. فقلتُ: ولكن لماذا هو.. كيف يمكن أن تمرِّغي إسم والدك في مزبلة كهذه..أنتِ لست امرأة فقط, أنت وطن, أفلا يهمك ما سيكتبه التاريخ يوماً؟ أجبتِ بشيء من السخرية: التاريخ لم يعد يكتب شيئاً. إنه يمحو فقط! سألتك: ماذا الذي  تريدينه مني الآن ؟ فقلتِ: أريدك.. خالد.. أتدري أنني أحببتك.. واشتهيتك حد الجنون.. ولكنني قررت أن أشفى منك.. كانت علاقة حبنا علاقة مرضية. قلتُ: أريد أن أراكِ. صحتِ: لا.. لم يعد لقاؤنا ممكناً الآن.. يجب أن نبحث عن نهاية أقل وجعاً لقصتنا. فلتكن قسنطينة لقاءنا وفراقنا معاً.. فلا داعي لمزيد من العذاب .

ها نحن نسافر أخيراً معاً أنا وأنت.. نأخذ طائرة واحدة لأول مرة. ولكن ليس للرحلة نفسها.. ولا للإتجاه نفسه. ها هي قسنطينة إذن.. فهل هذا هو الوطن ؟ كيف أنت يا أميمة.. واشك؟ أشرعي بابك واحضنيني.. موجعة تلك الغربة.. موجعة هذه العودة. وهل كان حسان, أخي الصغير, غير تلك المدينة. هنا ولد, وهنا تربى ودرس, وهنا أصبح مدرّساً. وكأن حسان قرر أن يتحمل بمفرده مسؤولية عدم اندثار إسم العائلة, بعدما يئس من تزويجي. لقد عشت في الواقع بعيداً عن حسان, حسان الذي كنت أدرك جوعه للحنان ويتمه المبكر.. وتعلقه العاطفي بي. تراه لهذا تزوج باكراً على عجل, وراح يكثر من الأولاد ليحيط نفسه بعائلة حرم منها في طفولته.

لم أنم ليلتها حتى ساعة متقدمة من الصباح. وما كدت أغفو حتى أيقظني أصغر أولاد حسان, الذي راح يبكي .. في كل يوم كنت أقضيه في تلك المدينة, كنت أتورط أكثر في ذاكرتها, فرُحت أبحث في سهراتي مع حسان, التي تمتد أحياناً حتى ساعة متأخرة من الليل, عن وصفة أخرى للنسيان. وكان لوجودي في ذلك البيت العائلي, تأثير على نفسيتي في تلك الأيام. وربما كان سندي السري الذي لم أتوقعه. سألت حسان ذات يوم : هل لك أصدقاء هنا تلتقي بهم ؟ فقال: لي أصدقاء وسأعرّفك على ناصر إبن "سي طاهر".. من المؤكد أنه سيأتي بعد غد لحضور زواج أخته. لقد أصبح رجلاً, وهو يتردد عليّ منذ بضعة أشهر, منذ قرر الإستقرار في قسنطينة.

تساءلت ليلتها وأنا في فراشي عن ذنوبي. حاولت أن ألخصها, أن أحصرها.. فلم أجدها أكبر من ذنوب غيري, بل وجدتها أقل بدرجات.. لم أكن مجرماً.. ولا مقامراً.. ولا كافراً.. ولا كاذباً.. ولا سكّيراً.. ولا خائناً.. لم تكن لي زوجة ولا سرير شرعي استبدلت به آخر. خمسون سنة من الوحدة. وجئتِ أنتِ.. أكبر ذنوبي على الإطلاق كنتِ أنتِ. المرأة الوحيدة التي لم أمتلكها, والذنب الوحيد الذي لم أقترفه حقاً. كان لحبك طعم المحرمات والمقدسات التي يجب تجنبها. ولهذا ربما كنت أحبك وأعدل عن حبك.. أكثر من مرة في اليوم. وبالتطرف نفسه كل مرة. غداً تبدأ طقوس أفراحك.. وينتهي ذلك الزمن الذي سرقناه من الزمن. أجمل الأحلام إذن سيدتي في انتظار غدك. ولتصبح على خير.. أيها الحزن !
غداً سيكون عرسكِ إذن.. وعبثاً أحاول أن أنسى ذلك, وأمشي في شوارع قسنطينة, يسلّمني زقاق إلى آخر.. وذاكرة إلى أخرى. لستِ لي.. أدري أنهم يعدّونك الآن لليلة حبك القادمة. يعدّون جسدك لرجل آخر ليس أنا. بينما أهيم أنا على جرحي لأنسى الذي يحدث هناك. كانت كل الطرق تؤدي إليك, حتى تلك التي سلكتها للنسيان, والتي كنت تتربصين لي فيها. (أمّا).. لماذا قادتني قدماي إليها ذلك اليوم بالذات, في ليلة عرسك بالذات؟ أرحت أزورها فقط.. أم رحت أدفن جوارها امرأة أخرى توهمتها يوماً أمي؟ هذا الحجر الرخامي الذي أقف عنده أرحم بي منكِ. لو بكيت الآن أمامه.. لأجهش بدوره بالبكاء.

كان ترقّب حسان وزوجته للعرس, واستعداداتهما الدائمة له, يجعلني أستمع لهما أحياناً, وكأنني أستمع إلى أطفال يتحدثون عن سيرك سيحل بالمدينة. وكنت لذلك أشفق عليهما.. وأعذرهما. كان كل شيء استثنائياً في ذلك اليوم. كنت أشعر برغبة في البقاء في سريري في ذلك الصباح, وعدم مغادرته قبل الظهر, استعداداً للسهر والمتاعب الأخرى التي تنتظرني في ذلك اليوم. هل سأجرؤ حقاً على استحضارك اليوم.. في هذه اللحظة التي كنت أدري أنك كنت تتجمّلين فيها استعداداً لرجل آخر؟ كنت أشعر برغبة في امتلاكك, قبل أن أفتقدك. فبعد اليوم لن تكوني لي. رميت فجأة بالغطاء, واتجهت نحو النافذة وأشرعتها وكأنني أفتحها ليخرج طيفك منها إلى الأبد, ويدخل النور إلى تلك الغرفة. هل خرج طيفك حقاً من غرفتي, وهرب من تلك النافذة؟ لا أدري!
كانت الأفكار الرمادية تتوالد في ذهني في ذلك الصباح. والغيظ يملؤني تدريجياً كلما تقدمت الساعة واقترب وقت قدوم حسان وناصر لمرافقتي إلى ذلك البيت, لأحضر عرسك. وكان غيظي وخيبتي قد شلا يدي ومنعاني حتى من أن أحلق ذقني أو أستعد لذلك الفرح المأتم .

في تلك اللحظة المتقدمة من اليأس, دق فجأة الهاتف, وكان حسان. قال لي: قد أتأخر عليك بعض الوقت. هناك مشكل صغير يجب أن أحله. تصور أن ناصر لا يريد أن يحضر عرس أخته, إنه ضد هذا الزواج.. ولا يريد أن يلتقي بالضيوف ولا بالعريس.. ولا حتى بعمه! فسألته: أين هو الآن ؟ فقال: لقد تركته في المسجد. ولأول مرة ضحكت من قلبي. وقلت بصوت عالٍ: رائع ناصر. لقد ملأني موقف ناصر غبطة, وشعرت أن هناك شخصاً آخر يقف معي ضد الزواج, ولكن على طريقته.. فَحْلٌ ناصر, جدير بأن يكون إبن "سي الطاهر". سيتغيب عن فرحك كل الذين كنتِ فرحتهم. سي الطاهر وزياد .. وناصر أيضاً.

في ذلك الصباح, كانت الخمرة ملجئي الوحيد, لأنسى خيبتي معك. ورحت أشرب ذلك الصباح نخب زياد و"سي الطاهر".. ونخب قسنطينة. في الواقع, لم تكن الخمرة هوايتي. كانت مشروب فرحي وحزني المتطرف. ولذا ارتبطتْ بكِ وبتقلباتك الجنونية. وحده أمرُ ناصر يعنيني الآن, أخيك الذي يُصلّي في هذه اللحظة في أحد مساجد هذه المدينة, لينسى مثلي, أنهم سيتناوبون على وليمتك الليلة. وعندما جاء حسان سألته عن سبب مقاطعة ناصر لهذا العرس. فقال: إنه على خلاف مع عمه. فهو يعتقد أن عمه استفاد كثيراً من إسم "سي الطاهر". وهذا العرس لا هدف له غير أسباب وُصوليّة ومطامع سياسية محض.. فهو ضد اختيار عمه لهذا العريس السيء الصيت سياسياً وأخلاقياً. فالجميع يتحدث عن العمولات التي يتقاضاها في صفقاته المختلفة.. وعن حساباته في الخارج.. وعن عشيقاته الجزائريات.. والأجنبيات. إضافة إلى كون هذا الزواج زواجه الثاني, وأن له أولاداً يقارب عمرهم عمر عروسه الجديدة .

لعرسك لبست بدلتي السوداء, لأواجه بصمت ثوبك الأبيض, المرشوش باللآليء والزهور, والذي يقال إنه أعد لك خصيصاً في دار أزياء فرنسية. وكنتُ أنيقاً. فللحزن أناقته أيضاً. سلّمتُ على العريس الذي يقبلني بشوق صديق قديم. أحاول أن أنسى أنني أتحدث لزوجك, لرجل يتحدث إليّ مجاملة على عجل, وهو يفكر ربما في اللحظة التي سينفرد فيها بكِ في آخر الليل. أتلهى بالنظر إلى الحاضرين. وتطلّين ... أراك لأول مرة, بعد كل أشهر الغيبة تلك, تمُرّين كنجمة هاربة. تسيرين وسط الزغاريد ودقات البندير. اكتفيتُ بتأملك, في دوركِ الأخير .

وها هو عرسك الذي دعوتني إليه. إنه سيرك لا مكان فيه إلا للمهرجين, ولمن يحترفون الألعاب البهلوانية.. والقفز على المراحل.. والقفز على القيم. فكم كان ناصر محقاً عندما لم يحضر إلى هذا الكرنفال! في هذه الساعة المتأخرة من الألم, أعترف أنني ما زلت أحبها.. وأنها لي. أتحدى أصحاب البطون المنتفخة.. وأولئك أصحاب النجوم التي لا تعد أن يحبوها مثلي. لأنني وحدي أحبها دون مقابل. في هذه اللحظة, لا أريد لهذه المدينة أن تكون أكثر من رصاصة رحمة . ولذا أتقبل تلك الزغاريد التي انطلقت في ساعة متقدمة من الفجر, لتبارك قميصك الملطخ ببراءتك, كآخر طلقة نارية تطلقها في وجهي هذه المدينة. ما الذي يؤلمني الأكثر هذه الليلة.. أن أدري أنني ظلمت زياداً بظني, وأنه مات دون أن يتمتع بكِ, وأنه في النهاية كان هو الأجدر بك الليلة ؟ عزائي اليوم, أنك من بين كل الخيبات .. كنتِ خيبتي الأجمل .

في اليوم التالي للعرس, قال حسان فجأة : إن سي الشريف يدعونا غداً للغداء عنده. قلت له بصوت غائب: غداً سأعود إلى باريس. قال حسان: والله سي الشريف ناس ملاح.. ما زال برغم منصبه وفياً لصداقتنا القديمة. مسكين حسان, مسكين أخي. أكان من السذاجة بحيث يجهل أن ذلك العرس هو صفقة لا غير, وأن سي الشريف لا بد أن يتلقى شيئاً ما مقابله. اتصلتُ لأعتذر من سي الشريف. ولكن سي الشريف راح يرحب بي.. ويحرجني بلطفه وقال : تعال إذن وتغدَّ معنا اليوم..المهم أن نراك قبل أن تسافر.. ثم يمكنك أن تقدم هديتك بنفسك للعروسين قبل أن يسافرا هذا المساء . لم يكن هناك من مخرج. وجدت نفسي مرة أخرى, أواجه قدري معك. ها أنا مرة أخرى ألبس بدلتي السوداء نفسها, أحمل لوحة توقّفتِ أمامها يوماً وكانت سبب كل ما حل بي بعد ذلك. وأذهب مع حسان إلى الغداء. كنتُ أعيش لحظات حبكِ الأخيرة, ولم يكن يهمني إلا أن أراكِ وأن أنتهي منك في الوقت نفسه. وجئتِ.. أكثر اللحظات وجعاً, أكثر اللحظات جنوناً, أكثر اللحظات سخرية, كانت تلك التي وقفت فيها لأسلم عليكِ, وأضع على وجنتيك قبلتين بريئتين, وأنا أهنئك بالزواج. كم كان يلزمني من القوة, من الصبر, ومن التمثيل, لأوهم الآخرين أنني لم ألتق بك قبل اليوم, سوى مرة عابرة, وأنكِ لم تكوني المرأة التي قلبت حياتي رأساً على عقب ؟ وكم كنتِ مُدهشة أنتِ في تمثيلك .
ما الذي كنت تريدينه ذلك المساء؟ عندما جاء هاتفك فجأة ليخرجني من دوامة أفكاري وأحاسيسي المتناقضة ؟ سألتك: ألم تسافري بعد؟ قلتِ: سنسافر بعد ساعة.. أردتُ أن أشكرك على اللوحة. قلتُ لك: أنا لم أهبك شيئاً..لقد أعدت لك لوحة كانت جاهزة لكِ منذ خمس وعشرين سنة..إنها هدية قدرنا الذي تقاطع يوماً. وأما أنا فلي هدية أخرى سأقدمها لك ذات يوم. قلتِ: ماذا ستهديني؟ قلت: سأهبك كتاباً. سأكتب من أجلك رواية. قلتِ: خالد.. أحبك.. أتدري هذا؟ ولم أدرِ ما قلته بعدها قبل أن أضع السماعة, ونفترق لعدة سنوات .

افترقنا إذن .. الذين قالوا الحب وحده لا يموت, أخطأوا..إنه يموت كما يولد.. في الخراب الجميل فقط! فيا خرابي الجميل سلاماً. لقد كان خرابك الأجمل سيدتي. مرت ست سنوات على ذلك السفر. على ذلك اللقاء, ذلك الوداع. حاولت خلالها أن ألملم جرحي وأنسى. حاولت أن أعيد الزمان إلى الوراء, دون حقد ولا غفران أيضاً. حاولت فقط أن أتعامل معك ومع الوطن بعشق أقل, واخترت اللامبالاة عاطفة واحدة نحوكما .
ستقولين لماذا كتبت لي هذا الكتاب؟ وسأجيبك أنني قررت أن أدفنك في كتاب لا غير. ستقول إشاعة ما إن هذا الكتاب لك. أؤكد لك سيدتي تلك الإشاعة. لحظة تنتهين من قراءة هذا الكتاب.. فهناك أشياء لم أقلها لك بعد.  إقرإي هذا الكتاب.. و احرقي ما في خزانتك من كتب لأنصاف الكُتّاب, وأنصاف الرجال, وأنصاف العشاق. من الجرح وحده يولد الأدب. كنت أعتقد أنني دفعت لهذا القدر الأحمق ما فيه الكفاية, وأنه حان لي بعد هذا العمر, وتلك السنوات التي تلت فجيعة زياد, وفجيعة زواجك, أن أرتاح أخيراً. فكيف عاد القدر اليوم ليأخذ مني أخي, أخي الذي لم يكن لموته من منطق. لا كان في جبهة, ولا كان في ساحة قتال ليموت ميتة سي الطاهر, وميتة زياد, رمياً بالرصاص.. أيضاً.

ذات يوم من أكتوبر 88 , جاء خبر موته هكذا كصاعقة يحملها خط هاتفي مشوش, وصوت زوجته الذي تخفيه الدموع. كان حسان قد ذهب إلى العاصمة ليقابل "فلاناً" من قبل "فلان" آخر.. وكان مقرراً أن تحل قضيته, بعد عدة سنوات من الوساطات والتدخلات, ويغادر نهائياً سلك التعليم, لينتقل إلى العاصمة ويعيّن موظفاً في مؤسسة إعلامية. ولكن القدر هو الذي حسم "ملفه" هذه المرة. وبين "فلان" و"فلان" مات حسان, خطأ برصاصة خاطئة, على رصيف الحلم. فالحلم ليس في متناول الجميع يا أخي.. كان عليك ألا تحلم !
ها هي ذي قسنطينة مرة أخرى.. تلك الأم الطاغية التي تتربص بأولادها, والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو جثة. لا حسان سيغادرها إلى العاصمة ولا أنا سأقدر على الهرب منها بعد اليوم.. ها نحن نعود إليها معاً.. أحدنا في تابوت.. والآخر أشلاء رجل .
على يد الفرنسيين مات سي الطاهر.. وعلى يد الإسرائليين مات زياد.. وها هو حسان يموت على يد الجزائريين اليوم. فأين تضع كل هؤلاء.. في خانة ضحايا التاريخ, أم في خانة الشهداء ؟ وما إسم الموت عندما يكون بخنجر عربي!
في الصباح طلبتُ كاترين. ولما جاءت سألتها : كاترين هل تحبين الجسور؟ قالت: لا أدري.. أنا لم أسأل نفسي سؤالاً كهذا قبل اليوم. قلت: لا يهم , كل هذه اللوحات لك. فصاحت : أأنت مجنون ؟ كيف تهبني كل هذه اللوحات ؟ إنها مدينتك .. قد تحن إليها يوماً. قلت : لم يعد هناك من ضرورة للحنين بعد اليوم, أنا عائد إليها .
ها أنا أصبحت إذن الإبن الشرعي لهذه المدينة التي جاءت بي مكرهاً مرتين. مرة لأحضر عرسك.. ومرة لأدفن أخي. فما الفرق بين الإثنين ؟ لقد مات أخي في الواقع مثلما متّ أنا منذ ذلك العرس. قتلتنا أحلامنا .

                                             النهاية.





إرسال تعليق