الخميس، 1 مارس 2018






تلخيص رواية
ثم رحل: محمد العزازي
إعداد وإشراف: رجاء حمدان


يترك الفراق ندبة ظاهرة على الوجه، وجرحاً غائراً في القلب لا يلتئم، وأنيناً يتعاظم في النفس يكاد يسمع حينما نتكلم، يخلق منا إنساناً فاقد الهوية والإنتماء حتى إلى نفسه، لكن لولا الفراق ما كان اللقاء، اللقاء الذي يبقى أثره في النفس حتى الموت، ويدفعنا للتمسك بالحياة وإن كانت مريرة، لنراها كجسر قصير يؤول بنا إلى لقاء آخر من نحب ، في مكان  آخر....
ويبقى السؤال المؤرق المهم:
كيف هي الحياة بعد الفراق؟ وهل تبقى بعده الحياة ذات معنى؟ هل يبقى الإنسان على حاله أم يَنتزع منه الفراق معنى وجوده؟
بحثت كثيراً عن الإجابة بين القلوب المكلومة, لكني لم أجدها. بعد الفراق أنت إنسان يائس حزين. بعد الفراق لن تحنو عليك الحياة فلا تستعطفها وترجوها أن تعطي لك ما لا تملك، فكل ما تملكه الحياة حينها هو المزيد من الأوهام الزائفة والآمال الزائلة والمسكنات التي لا طائل منها, فلا تحاول.


لكن, كيف يحب المرء آخر دون أن يراه؟ إنّ أصدق أنواع الحب هو حب الحب قبل البحث عن صاحبه، أن تعشق روحك وتبحث عنها، فهذا هو الحب المنزه عن الرغبات، أن تراه بقلبك قبل عينيك، أن تشعر بوجوده وإن كان بعيداً بعد الحياة عن الموت.
صمتت للحظات، ولمعت عيناها بعدما نظرت بعيداً سابحة بخيالها تلتقيه، عادت إلى وعيها مع سؤال صعب طرحه أحد الحاضرين: وهل تكتفي المرأة بهذا النوع من الحب دون لقاء أو اجتماع، وكيف ستكمل حياتها بهذه الطريقة؟ إنْ قُدر لكِ أن تكتبي جزءاً آخر للرواية هل تتوقعين لقاءهم؟ لمعت عيناها مرة أخرى وأبت الدموع أن تفارقهما، سكتت قليلاً ثم ردت وهي تصطنع بسمة مزيفة: لن يكون هناك جزء آخر من الرواية، لأنها حالة خاصة لن تتكرر، أما بالنسبة لسؤالك عن اللقاء..نعم، سيكون هناك لقاء عند الفراق وأتمنى أن يسمح القدر بلقاء بعده.
وكان السؤال:هل تقصدين بعد الموت؟
في هذه اللحظة، بعدما أوقعها السؤال في حيرة وحزن، اقترب منها أحد الأشخاص حاملاً باقة من الورود الجميلة معها رسالة مغلقة، أخذت منه الباقة وهي تبتسم وتشكره، وبالرغم من انتظار الجميع لإجابة السؤال، فتحت المظروف وكانت المفاجأة...
 ،،حبيبتي ، ليلى...
كنت أتمنى أن أكون حاضراً إلى جوارك في تلك اللحظة، وإن عجزتُ فلن تعجز كلماتي عن الحضور كي تراكِ وتلمس قلبك وتشاركك فرحتك. لم أرَ الحياة أبداً أثمن مما بدت عليه حينما أحببتك وكنتِ الأفق الذي أشرقت منه شمس الحب لتنير ظلمة لوّنت حياتي، لكن  للأسف تحرك النهار نحو نهايتة وأوشك النور على الإنسحاب، لا أدري إن كنت أستطيع أن أكتب إليك مجدداً أم لا. بعد الإنتهاء من الحفل سينتظر  المحامي ومعه الأوراق اللازمة لإنشاء دار نشر، سمِّها كما تشائين لكن كوني ناجحة، محبة، عاشقة، لا تستسلمي للوحدة أو اليأس، عيشي الحياة كما هي، لا تنتظري أن تعطيك شيئاً، اغتصبي منها كل لحظة سعادة ولا تأبهي فأنا إلى جوارك، في قلبك، أسكن الكلمات، أنظر إليكِ، أراقبك فلا تحزني. أراكي تبكين، لا تفسدين تلك اللحظة، كم يعني لي الكثير أن أشاركك نجاحك.        
يوسف،،

هو الطريق إلى المدينة الحزينة المتناهية الأسوار، هو من توحد مع الألم بقلب ممزق وروح معذبة ووجه محموم وجسد مصلوب، يحمل من المرارة والوجع والإخفاق والضياع ما يجعل حياته على حافة الهاوية المتلهفة لابتلاعه. هو يوسف، رجل قد تجاوز الأربعين من عمره بقليل، في الصباح والمساء، تحت سماء رمادية ملبدة بالغيوم، وأمام بحر هائج، يقف يوسف في ملابسه السوداء الحزينة في سكون واضعاً يديه في معطفه, يقف منكمشاً متقوقعاً داخل حزنه رافعاً رأسه إلى أعلى ناظراً إلى الأفق البعيد، ينظر في تحد كأنه ينتظر جواباً من الطبيعة على سؤال مستحيل: هل لمن رحل عن الحياة عودة؟ وإن انتظر العمر بأكمله لن يأتي له الجواب كما يريد.
على ربوة ترتفع قليلاً عن سطح الأرض وتبعد عن البحر مسافة لا تزيد عن مائة متر يقبع  بيته الأقرب لكوخ خشبي سقط من ماضٍ بعيد إلى حاضر فيه كبر الحجم والإرتفاع والبذخ والزينة الغير مبررة أهم ما يميزه، لهذا السبب كان البيت منعزلاً عن الناس وعن الواقع المحيط به، يبعد بضع كليومترات عن البلدة الصغيرة. كان البيت محاطاً بسور من الأشجار الصغيرة التي لا يزيد ارتفاعها عن المترين. أكثر ما يبهرك  في البيت الإتقان في ترتيب قطع الأثاث, واختيار الألوان, والمكتبة الصغيرة المعلقة على الحائط بجانب المدفأة والكتب التي تحويها...في هذا البيت الخيالي يسكن عاشق خيالي فوق العادة.

وسط سحابة دخان سيجارته وأوراقه المتناثرة يجلس على الأريكة المواجهة للمدفأة ويستند بساعديه على المنضدة ، وبعد تنهيدة طويلة كتب:( هل يوجد حب بلا ألم؟) انتظر بعض الوقت ينظر إلى ما كتب, وفي النهاية ألقى بقلمه على المنضدة مستسلماً لأنه وببساطة فقد الحب ولم يبق منه سوى ذكرى أليمة تزيد الجرح عمقاً. في دخان سيجارته رآها أمام عينيه تتمايل في رقة وحنان وتشير إليه بالإقتراب، قام من  مكانه يتتبع الدخان عله يقوده إليها لكنه لم يلبث حتى اختفى وانتهى معه أمله الزائف. بتثاقل وحركات بطيئة قام من مكانه، حاول الهروب من ذكرى تطارده لكنه لم يجد مفراً، كل شيء من حوله يذكره بها. أصابته الحيرة، وتسائل إلى أين يستطيع الهروب؟ كلما حاول الهروب منها عاد إليها، أين المفر؟ رحلت حبيبته ولن تعود.
لم تكن حبيبته وحسب، بل كانت بمثابة محور حياة يدور في فلكها طول الوقت، وبعدما رحلت بات هو وحياته يدوران في فلك ذكراها. تذكرها وهي تصنع له القهوة... كيف كان يقترب منها على غفلة منها من الخلف هامساً في أذنها: ( أحبك) ويطبع قبلة رقيقة على رقبتها الملساء الناعمة. كانت حينها تغمض عينيها وتميل برأسها الخلف محاولة النظر إليه، فتنسى ما تصنع ولا تنتبه إلا وقد انسكبت القهوة. كانت تعلم كم كان يحب أن تصنع له القهوة بيديها الناعمتين، لكنه كان يرى في قربها لذة تفوق لذة القهوة. أراد أن يتحدث إليها لكن على طريقته الخاصة، حمل فنجان القهوة متجها نحوالشرفة, شعر برغبة في الكتابة، تلك هي طريقته في تفريغ ما يحمل داخله، وبدأ في الكتابة.....
,، كم أفتقدِك يا حبيبتي، هل تتذكرين غضبك عندما كنت تسألينني: أتحبني أكثر أم القهوة؟
فلا أرد وأكتفي بابتسامة، كنتِ تقولين حينها: لن أصنعها  لك مجدداً إلا إذا أحببتني أكثر.

كنت أقتنص الفرصة للإقتراب منك أكثر، لأقبِّل راحتيك وكانتا أنعم من راحتي طفل، فتبتسمين وتقولين: لا تقلق يا صغيري سأصنعها لك ما دمتُ حية وإن أحببتها أكثر مني.
حبيبتي الآن قد رحلتِ، وبت بدونك لا أتذوق سوى مرارتها، هل تعودين؟،،
توقف عن الكتابة قليلاً. بدأ المطر في الهطول بغزارة، كان يرى فيه الأمل وقطراته تحمل شيئاً من السعادة، تذكرها... كم كانت تعشق المطر، وتعشق الإحتماء في طيات جسده، وتعشق دفء القرب منه.

عندما تغلق الحياة باباً يجب أن نكون في كامل استعدادنا لاستقبال أبواب أخرى جديدة لا تنتهي. كلمات قالها رجل سكنت الحكمة وخبرة الحياة قسمات وجهه، إنه رضوان صديقه الوحيد في البلدة، كان يبلغ خمسة وستون عاماً من العمر، ويملك من الخبرة الحياتية الكثير، كان الوحيد الذي يعلم حقيقة قصة هذا الرجل الحزين, وقد اعتاد يوسف زيارته في بيته القريب من البحر عندما تتكالب عليه الهموم وينفرد به الحزن. حينما وصل إلى منزله، وجده شارد الذهن، جالساً على أريكته الخشبية الكبيرة ممدداً قدميه على الطاولة من أمامه، ينظر إلى البحر مبتسماً لا يكترث بما حوله. ألقى عليه التحية, فقال رضوان ولم يزل ينظر إلى البحر: كن حذراً فالأحلام تتحقق يا صديقي.
أدار يوسف جسده بالكامل في اتجاه الرجل العجوز وسأله باهتمام: كيف تتحقق الأحلام؟
 قال رضوان: إنها تتحقق وحسب، لا أعلم كيف، لكن اختر حلمك بعناية، ربما يتحقق في وقت لا حاجة لك به أو يتحقق وأنت مشغول بحلم آخر فلا تدركه.
قال يوسف: وإذا كنت أحلم بعودة غائب هل يعود؟
قال رضوان: الأشخاص لا تعود, لكن الشعور يمكن أن يعود.
قال يوسف: الأمر ليس كما تقول، وأنت تعلم أنها رحلت ومعها  الشعور، فلا فائدة من الأحلام، فقط يمكنني أن أنتظر اليوم الذي أذهب إليها فيه، هذا كل ما في الأمر.
قال رضوان: إذا كنت ترى ذلك فهو قرارك، فالحلم قرار ودفعة مُحال، فلا تتعجل ياصديقي، إحلم بالشعور لأنه باق والأشخاص زائلون.

لاحت في الأفق من ناحية البحر بنت جميلة، تشق طريقها إليهم، يترقبان وصولها بلهفة حتى اقتربت، فألقت التحية في خفة ولياقة وسخرت من جلستهم التي لم تتغير.
قالت: أجمل مساء هذا الذي آتي فيه فأجدكما صامتين هكذا كالأزواج أمام التلفاز.
قال يوسف: وأنت دائماً تأتين وتكسرين الصمت بخفتك المعتادة أيتها القطة الصغيرة، كم أعشق هذه الإبتسامة التي تعيد إليَّ الأمل في أجمل أثوابه، أنت تختلفين تماماً عن والدك الذي يصدمني في كل مرة أجلس إليه فيها.

توردت وجنتيها خجلاً ولاذت بالصمت. فقال رضوان مبتسماً: هل أعجبك ما قاله عن والدك أيتها الشريرة، فعقاباً لك ستجهزين لنا العشاء اليوم ودون تذمر.
قالت: لا تذمر اليوم يا والدي، إنه يوسف زائرنا العزيز، ماذا تريد أن تأكل؟
قال يوسف: أي شيء سيفي بالغرض.

سارة إبنة رضوان الوحيدة، بقيت له بعد موت زوجته وباتت كل حياته، لم يكن يتمنى غيرها ولم يعمل إلا لإسعادها، فتاة جمالها أخاذ، تعمل في مطعم لتساعد والدها في تحمل أعباء الحياة الصعبة، الآن قد بلغت عامها العشرون، تملك وجهاً طفولياً وبشرة بيضاء داكنة وعيون زرقاء وشعر بني قصير يضفي على مظهرها الطفولي أنوثة مستترة. جلسا حول الطاولة الصغيرة منتظرين ما تصنعه لهم سارة الصغيرة. جاءت سارة بالطعام فقام يوسف بلهفة من مكانه ليساعدها في  وضع الآنية على الطاولة وهو يقول: ما أجمل الرائحة، كيف تستطعين فعل ذلك وأنت في مثل هذا العمر؟
انشغل الجميع بتناول الطعام، بينما انشغلت سارة بشيء آخر, كانت تسترق النظر إلى يوسف بين الحين والآخر، تتأمله بشراهة، كانت تراقبه كأنه بطل روايتها الأسطورية. انتهت الليلة، لكنها لم تنتهِ بالنسبة لها فقد امتدت في أعماقها وتمنت أن لا تنتهي أبداً.
تساءلت سارة:(لماذا كل هذه السعادة لمجرد تذكره؟ هل أحبته أم هو نوع من الإعجاب بشخصيته الوقورة الهادئة؟ وهل من الممكن أن يبادلها نفس الشعور؟) لم لا فهي تملك قدراً لا يستهان به من الجمال!.

اعتاد يوسف أن يرتاد نهاية كل أسبوع مقهى قريب من البحر على أطراف البلدة بعيداً عن الزحام. جلس بجوار الجدار الزجاجي الملاصق للشارع يتناول قهوته ويسبح في دخان سيجارته. وبالمصادفة رأته سارة شارد الذهن  منفصلاً عن الواقع حتى أنه لم يشعر بوجودها. وقفت من بعيد تراقبه وتبتسم لأفكارها المجنونة محاولة كبح رغبتها في الإقتراب منه أكثر، وكم ودت لو شاركته هذه اللحظات. بعد سيل من الأفكار قررت أن تذهب إليه, عبرت الشارع مسرعة كي تلحق به بعد أن خرج من المقهى وقد بدا شاحباً يترنح في مشيته ولا يقوى على الحركة، رآها يوسف بعد لحظات وهو يلتفت في تثاقل، نظر إليها وابتسم ، اقتربت منه وقالت له بصرامة: ما الذي أتى بك إلى هنا وأنت بهذه الحال؟ اقترب منها في ضعف ووضع يده اليمنى على كتفها وأمسكها بقوة وكأنه يتشبث بها هرباً من الغرق، ثم فقد القدرة والقوة وغاب عن الوعي فسقط على الأرض وسقطت هي بجواره، وضعت رأسه على صدرها. لم تكن تحلم يوماً أن تكون بهذا القرب منه، لكنها لم تحلم أيضاً أن تراه بهذه الحالة المزرية. التف حولهما بعض المارة محاولين مساعدتها, أوقف أحدهم تاكسي، وضعت رأسه على صدرها مرة أخرى وضمته بقوة وبكت وأخذته إلى بيته. وفي اللحظة التي لمس فيها النسيم جبينه وشم رائحة البحرعاد إليه بعضاً من وعيه وشيئاً من قوة استطاع بها أن يساعد نفسه، نظر إليها فرآى عينيها قد احمرت من كثرة الدموع. أدخلته سارة البيت. كانت هذه أول مرة تدخل فيها بيته الجميل، أول ما لفت انتباهها في البيت الصورة الجميلة  الموضوعة فوق المدفأة، وبعد عناء أجلسته على الأريكة المواجهة للمدفأة. وصل والدها رضوان بعد دقائق قليلة من اتصالها، اقترب منه ووضع يده على جبينه، وقال بتأثر: ماذا بك ياصديقي؟
رفع يوسف رأسه وأشار إليه بالجلوس، لم يقوَ حتى على الكلام، بينما وقفت سارة حائرة تراقب ما يحدث، هي لا تعرف عنه الكثير، كل ما كانت تعلمه أنه صديق والدها المقرب ليس أكثر. قلت لك مراراً أن تلتزم بما قاله الطبيب لك قالها رضوان وهو يرفع سماعة الهاتف ليتصل بالطبيب، فأمسك يوسف بيده وقال بكلمات متقطعة وصوت متحشرج: أخطأني الموت مرة أخرى.
قال رضوان: لماذا تقول هكذا، سأتصل بالطبيب وإن رفضت. ابتسم يوسف وقد استعاد جزءاً من عافيته واعتدل في جلسته الضعيفة وحاول أن يطمئنه على حاله, ونظر حوله بحثاً عن سارة: أين أنت أيتها الصغيرة؟ ماذا حدث، لا أتذكر شيئاً مما حدث. طلب رضوان من سارة أن تعود إلى البيت، أمسك يوسف بيديها بقوة وهو يقول لها بامتنان:  شكراً سارة على كل ما فعلتي، آسف إن كنت قد تسببت لك في بعض القلق، ولا تقلقي سأكون بخير. قامت سارة من مكانها وقد عادت إليها ابتسامتها الجميلة ، واشارت  إليه: إشهد يا أبي فقد وعدني أنه سيكون بخير، وإن خالف وعده سأحضر الطبيب حتى وإن رفض.

قال رضوان: الآن وقد أصبحنا بلا ثالث أخبرني يا صديقي ماذا حل بك كي تصير هكذا جسداً بلا روح؟
جلس يوسف على الوسادة الزرقاء بجانب المدفأة وقال وهو يصف ما بداخله: " في عقلي الباطن تسكن إرهاصات ودوامات تأخدني من أعلى إلى أسفل، خيالات ترسم لي عالماً أعشقه بقرب أناس طالما حلمت بقربهم.... فرغت الحياة من كل معنى، جفت من كل لون، أراها خطوط بيضاء تتلاشى على صفحة سوداء.
عندما عاد رضوان إلى البيت وجد سارة في انتظاره على شرفة البيت فبادرته بالسؤال عن يوسف: أبي ما بال يوسف؟ لماذا يتمنى الموت ويبحث عنه بهذه الطريقة؟ قال: إذاً هو يوسف مرة أخرى!
صمتت للحظات وأدارت وجهها خجلاً، وعندما بدأ في السرد انتبهت له بكل جوارحها. صدرت عن رضوان  أنة واهنة وقد لمعت عيناه وقال: رحلت من كانت عنده أغلى من الحياة، حبيبته, زوجته, التي عشقها عشقاً لا مثيل له ولا حتى في أكثر الكتب رومانسية، فمنذ رحلت وهو يعاني من رحيل روحه، بات مذبوحاً مصلوباً على جدران الألم ، انهارت حياته فأصبحت فريسة سهلة للموت.
لم يجد ما يفعله في هذه الليلة الحزينة سوى فنجان قهوة، حمله ومشى بتأن  متجهاً إلى أكثر الأماكن المحببة إلى قلبه, إلى الشرفة, حيث شهد على أكثر اللقاءات حباً وشوقاً معها، وبدأ يراقب رحيل القمر، شعر بروحها الملائكية تحوم حوله، شعر بقوة خفية من داخله تحركه وكأنها الدنيا تدفعه إلى شيء ما يجهله لكنه شعر بجماله، ومن فرط سعادته بهذا الشعور الغريب ارتدى معطفه بسرعة وخرج من البيت. وقف أمام البحر منتشياً ينظر إليه ويبتسم فهذا البحر لم يمل يوماً من لقاء العشاق على شاطئه. شعر برغبة ملحة في الإقتراب أكثر من البحر، رغم برودة الجو, خلع حذائه وشمر عن بنطاله وبدأ في الإقتراب، اصطدم بقدمه شيء صلب أيقظه من غفوته، فتح عينيه وبحث عن هذا الشيء وإذا بها زجاجة كبيرة, إنحنى بجسده يدفعه الفضول, التقطها وقد زاده ما بداخلها عجباً، وجد بداخلها ورقة. وصل إلى بيته ممتلئاً بالحيرة، أزال الغطاء المطاطي، وأخرج ورقة  ملفوفة باتقان، فتح الورقة، صعق من هول المفاجأة وعلى غير المتوقع فقد وجد رسالة مكتوبة باللغة العربية، بدأ في القراءة:
،،إلى من ستصله رسالتي...
 أكتب إليك من شاطيء البحر الأدرياتيكي بالبندقية, مدينة العشق والجمال ، أكتب الآن وأنا  أشعر كأن القدر يدفعني دفعاً إلى شيء ما، لا أعلم ماهيته! لكني أشعر أن به شيئاً سينقذني من عالم بلا قلب وحياة بلا حب.
عندما تصلك رسالتي لا أعلم متى وأين؟ لكني أعرف أنها ستصل, هكذا أخبرني قلبي, حينما تصلك تيقن أنك أنت من أحببت ولا أحد سواك. إنه الحب تذوب عنده الحدود واللغات وتبقى لغة العيون, وإن لم أكن أراك فقد رآك قلبي من قبل, سأنتظرك ما حييت وأنا على ثقة باللقاء مهما طال الزمن.
يمكنك مراسلتي على هذا العنوان ( 118 ساحة سان ماركو/ مقاطعة فينيسيا), إن وجدت في روحك ما يستحق المغامرة.
قضى الليلة في حيرة مما قرأ, هل ممكن أن يبحث أحد عن الحب لذاته دون أن يفكر في الشخص؟ بعد صراع طال مع نفسه, خط أول كلماته:
,, أيتها الباحثة عن الحب, أتعلمين ما هو الحب كي تبحثي عنه, إنك تبحثين عن معاناة لا تنتهي, فالحب دوماً مقترن بفراق, أمستعدة أنتِ لتتحملي جرحاً لا يلتئم, يزداد وجعه دون انقطاع, قبل أن تبحثي عنه إبحثي في نفسك عن قوة تطيق ألم الفراق وعين ترى الموت في قلب الحياة عندما تشتاقين إليه ولا تجدينه, إنكِ لا تبحثين سوى عن موت يسكن الحياة, موت ساكن مستكين لا حاجة لكِ لإيقاظه.,,  
بعد أيام من إرساله الرسالة تلقى الرد.
,,عزيزي...
لا أعلم عن الحب سوى كلمات تكتب أو تقال, لكني أحببته وتمنيت لو صار حقيقة, أراه كائناً في صمتي مرسوماً على صفحة البحر السوداء. أقف أمام البحر فأسمع صوتاً يناديني بلغة الموج أحبك سيدتي فهل تحبينني؟ لذا أبحث عنه بكل ما اوتيت من قوة وعزم على الوصول, أخبرني أيها المجهول أين هو الحب؟ وكيف أجده؟ أخبرني ما هو الحب؟
لماذا كل هذا الحزن في كلماتك, هل أحببت من قبل؟ ألم تلاحظ شيئاً في رسائلنا إلى الآن لم تعرف إسمي ولم تخبرني عن إسمك..أنا ليلى,,
أمسك القلم وبدأ في الكتابة:
,, عزيزتي ليلى...
تسألين عن الحب, الحب نظرة تتكلم وكلمات تتألم وحركات طفولية, فرحة جنونية, ابتسامة تذيب وقلوب تذاب.
الحب لحن يسمعه من له قلب وطن لكل غريب, الحب أسطورة يعيشها الأبطال, الحب سيدتي هو وهم الإنتظار, هو مغامرة ومقامرة كبرى, إذا أردت خوضها فعليك البحث عن معنى البقاء, الحب حلاوة تحمل في قلبها مرار, أنت حرة فلا تبحثي عن سجن دون فرار.

ماتت حبيبتي دون أن أستطيع مساعدتها, فارقت الواقع ولكنها سكنت خيالي, أتحدث إليها ولكنها لا تجيب, حتى أنني فكرت في الإنتقال إلى عالمها,...قبل أن أنسى إسمي يوسف,,
,, عزيزي يوسف..
إذا تذكرت شيئاً يدفعك إلى البكاء ورأيت الدنيا كأنها حلقة تلتف حول عنقك فأغمض عينيك وانظر إلى الأعلى ودع روحك تسبح دون قيد, أطلق العنان لخيالك, ستشعر حينها براحة مجهولة ودنيا لن تراها إلا بقلبك.
أتسمح لي في الرسالة القادمة أن أناديك: حبيبي؟ ,,
,, صديقتي ليلى...
لا أدري ماذا أقول؟ لكن ما يجب عليّ قوله هو أن العمر قد فات وقد سلب مني قلباً كان يعرف معنى الحب, أنا ذكرى إنسان يحيا على رفات الذكريات, ولا أدري إن كانت الحياة سترده حياً أم صريع الفراق, جميل هو إحساسك وعظيم هو خيالك, لكني أعيش في واقع مرير مليء بالآهات, رحل الحب وتركني مريضاً فقد الأمل في الشفاء.,,
,, حبيبي يوسف...
لا فائدة مما تقول, فقد حلمت بك ووجدتك بداخلي تنمو ومعك الحب, دون إرادة مني دفعني سيل من الحنين والشوق إلى البحث عنك، أخبرني الحب بوجودك، لا داعي للهروب لأني قدرك ولا أحد يستطيع الهروب من قدره، ليس أمامك سوى الإستسلام، من أعماق الروح خلق الحب الذي لن يموت أبداً، وإن كنت تظن أنه رحل مع من رحل فأنت مخطيء هو لم يرحل هو فقط أنتقل إلى جسدي وها أنا جئت إليك لأرده ، هذا هو الحب الذي تفتقده وأظن أنك فقدته إلى الأبد، ..ليلى
صديقتي ليلى....
أكتب إليك الآن وأنا جالس بشرفتي، ليس لدي خليل سوى حزني وسيجارتي التي لم تمل مني، غارق في بحر من الماضي مليء بالذكريات الموجعة، إنني أصر على الكتابة إليك، لا أدري ما السبب، ربما أردت أن أبوح بما في صدري، فالقلب لم يعد يطيق صبراً ولم يجد للكلام نفعاً فقررَ أن يقضي حياته عدواً في إثرها دون انقطاع، لم يكن يعلم أنه يخطو بسرعة نحو الموت، هذه هي حياتي ولا سبيل للفرار. هل تعلمين منذ بدأت في مراسلتك وأنا أشعر كأني غفوت غفوة قصيرة فوجدت نفسي بين حلمين ، حلم بعودة الروح إلى الجسد وآخر برحيلها، لكن إلى الآن لا أدري ماذا سيختار لي القدر.،،
،،حبيبي...
قد اختار القدر بالفعل، أنا من بعثها القدر ومعها الحب الذي غاب عنك طويلاً، أنا مطر جئت لأزيل عن عباءة قلبك الحزن والألم، دعني ولا تسأل كيف؟ فأنا أملك المفتاح وأملك من الحب ما يكفي العالم ملأ قلبه الحقد والكره.....رأيتك في أحلامي كثيراً، لكني عجزت عن تحديد ملامحك فأخبرني كيف هي ابتسامتك؟ كيف تبدو عند غضبك؟ هل زرتك  يوماً في  أحلامك؟ هل أيقظَتك دموعي في قلب ليل طويل وأنا أفكر كيف ألقاك؟ هل تعلم كم عانيت لأصل إليك وكيف تمكن مني الحب حتى صار يعشق أنيني، سأنتظرك وإن طال الإنتظار، وإن كانت الدنيا سلبتك قلبك فإليك قلبي يا أغلى من الحياة.،،
جلس في شرفته مشتت الذهن في بحر من التساؤلات، لقد مر اسبوعان على آخر رسالة تلقاها منها بعد كل هذا الشغف وهذا الإيمان بالحب لماذا الإنقطاع!، فقد كان صادقاً في كل كلمة كتبها, ولامبررلانقطاعها كل هذه الفترة مهما حدث. رأى رضوان قادماً من بعيد يشير إليه بإبتسامته المعهودة، سأله رضوان: كيف حالك يا صديقي؟ أجاب يوسف: كل شيء على ما يرام. نظر رضوان  إلى عينيه وهو يقول: لا تبدو هكذا، أتعلم أنك لا تستطيع إخفاء ما بداخلك، لكن هذه المرة أشعر بوجود دخيل جديد على شعورك.
بدأ يوسف في سرد ما حدث وكيف غرق في بحر من الحيرة, وكيف أنه عجز عن تفسير ما شعر به، كانت كل الإحتمالات قائمة في رأسه إلا أن يكون قد وقع في حبها. ابتسم رضوان ونظر إلى البحر وقال: أراك  يا صديقى وقد سلكت الطريق الصحيح في نسيان الماضي.

يوسف: لكني لم أنسَ شيئاً من الماضي، كل ما حدث أن الفضول دفعني إلى استكشاف ما وراء هذه السيدة الغريبة. ليس الأمر كما تظن.
رضوان: وما أدراك بما أظن؟ لا تقلق يا صديقي كل شيء سيكون على ما يرام، فقط أخبرني ماذا تريد أن تفعل ؟
يوسف: لا أدري...لا أملك سوى الإنتظار. هل ترى في اتصالي بامرأة أخرى خيانة لحبيبتي؟
تعجب رضوان من سؤاله السخيف وأجابه بنوع من السخرية : إن كنت ترى في الحياة خيانة، إن كنت غير مؤمن بوجودك فيمكن ألا تعشق سواها، لكن لا يمكنك أن توقف حياة أنت جزء منها، عليك احترام قوانينها ما دمت فيها، البحث عن السعادة يا صديقي هو أصدق أنواع الوفاء لمن تحب، فالحب يهب الحياة ولم يكن يوماً ليهب الموت.
وصلا إلى بيت رضوان دون أن يشعرا بالطريق، فأراد يوسف الإنصراف إلى بيته ولكن ظهور سارة أمامه بنظراتها ودلالها تطلب منه الدخول بعث في نفسه كثيراً من الحيوية والمرح وقال : أيتها القطة الصغيرة لا أملك إلا أن أطيع أوامرك وأبقى .
فقالت سارة: "امنحوني دقائق وسأكون في استقبالكما." دخلت إلى غرفتها وارتدت فستاناً أسود طويلاً ووضعت شالاً أبيض على كتفيها مما جعلها في هيئة ملائكية بوجه طفولي رائع الجمال، أرادت أن تصنع له شيئاً قبل أن تلاقيه فتذكرت كم يعشق القهوة. خرجت حاملة الفنجان وتمشي بخطى متعثرة حذرة من أن ينسكب منها شيئاً. اقتربت من يوسف ممسكة بالفنجان، أخذه منها وشكرها، ولم تزل هي أمامه تنظر إليه وكأنها تنتظر ما هو أكبر من الشكر والإمتنان حتى قالت له وقد تقصمت دور الطفلة الغاضبة: أهكذا تستقبل الناس دون أن تصافحهم؟
شعر يوسف ببعض الخجل، وقف متبسماً ومد يده ليصافحها. التقطت يده وأمسكتها كظمآن في صحراء قاحلة وقد وجد الماء بعد طول إنتظار، ودت  لو بقيت متمسكة بيده طول حياتها. تركت يده على مضض وقالت: لن أسمح اليوم بأي اعتراض أو عدم رضا عما صنعت، يجب أن تعترف بأني أفضل من صنعت لك قهوتك أبداً. في هذه اللحظات حضرت حبيبته، وتذكر أنها أفضل من صنعت له القهوة، لكنه ولأول مرة يعترف لنفسه أنه في بعض الأحيان يجب على المرء أن يتخلى عن الماضي ولو لبعض الوقت ليستمتع بما هو حاضر، فقال: أجل، أنت أفضل من صنع لي قهوة على الإطلاق، فلم أتذوق مثلها في حياتي.

 جلس في  شرفته ينظر إلى الورقة البيضاء دون حراك، أراد أن يكتب إليها رسالة، أراد أن يسألها عن سبب الغياب إلا أن الكلمات أبت أن تفارق حبر قلمه، يتساءل في نفسه عن سبب انجذابه إلى رسائلها، هو بالفعل كان انجذاب لكلمات أنقذته من سطوة الماضي وظلم نفسه التواقة إلى الموت، كلمات أعادته إلى الحياة، بعثت في نفسه شيئاً من الأمل، يحاول أن يتقبل فكرة الأمل دون التخلي عن واقعه أو نسيان ماضيه.
أمسك بقلمه وقرر أن يخط إليها آخر رسالة:
 ،،عزيزتي ليلى...
 اعذريني إن كنت أخطأت في فهم ما تشعرين به، اعذريني إن لم أشعر بقيمته، وبعد عذري الموصول وتمنياتي أن تقبلينه أريدك أن تعلمي أنك أصبتي قلبي بكلماتك وأعدتي إليَّ روحي، أعدتي إليَّ الأمل في الحياة من جديد، لا أعلم كيف أخبرك بشعوري، لكني على يقين أنك تشعرين بي الآن، تفهمين ما أريد قوله وإن عجزتْ كلماتي، إن كنت تبحثين عن الحب فأنا أبحث عن الحياة، فهل تدليني إليها كيف السبيل إلى العودة من جديد؟ وعدتيني أننا سنلتقي لكن كيف نلتقي وأنا لا أعلم أين أنت؟  لقد قررت أن أكسر جدار الحزن، قررت أن أصنع حلماً آخراً وأرسم عليه صورة جديدة للحياة صورة جديدة للحب دون وجه حتى أراكي ، فهل تساعديني؟،،
ذهبت سارة إليه دون تفكير، ساقها حبها إلى باب منزله في وقت مبكر من الصباح. صعدت الدرج في تأن، ،حتى وصلت عند الباب، نظرت إلى اليمين وجدت الشرفة خالية إلا من منفضة تعج بأعقاب السجائر وفنجان قهوة فارغ وأوراق متناثرة على الطاولة ، نظرت إلى الداخل لم ترَ شيئاً، كل شيء ساكنٌ من الواضح أنه لا زال نائماً، سمعت صوتاً يأتي من قريب: سيدتي, سيدتي. التفتت وهي غارقة في خوفها, وإذا بها ترى ساعي البريد حاملاً حقيبته الجلدية فوق كتفيه. قال: جئت لأسلم هذه الرسالة إلى السيد يوسف، هل هو موجود؟. فكرت للحظات ثم قالت: نعم, لكنه دخل لإحضار بعض الأغراض لأنه على وشك الرحيل. قال: إذاً يمكنك أن تسليمه إياها إن استطعت.
أخذت منه الرسالة ورحل الرجل, ولما غاب عن نظرها رفعت المظروف وإذا بها تصطدم بما كتب عليه من الخارج: {حبيبي  يوسف}. باتت عاجزة عن الحركة من هول المفاجأة، كانت هذه الكلمات ضربة قصمت ظهرها وأشعلت الغيرة بقلبها، تحكمت في عقلها وسيطرت على رد فعلها، أخفت الرسالة في طيات ملابسها وبدأت في الهرولة وكأنها تهرب من شيء، وصلت إلى المنزل تلتقط أنفاسها ويديها على قلبها، توقفت عن الحركة ولا زال القلب يرتجف خوفاً، جلست تنظر إلى الرسالة  تريد أن تفتحها ، كل ما كانت تخشاه هو رد فعله إن علم بالأمر، ستخسره إلى الأبد. وأخيراً أذعنت لصوت قلبها ودفع حبها، فتحت الرسالة والدموع تسيل من عينيها. بدأت القراءة ويديها ترتعشان وقلبها يرتجف خوفاً.
،،حبيبي يوسف..
اعذرني عن انقطاعي الطويل عنك، لكن كان هذا رغماً عني، لازمت الفراش جراء حادث كان على وشك إنهاء حياتي، لكني أشكر الظروف التي جعلتك تتفهم ما أشعر به وما أعنيه من كتاباتي، لن يمنعني من الكتابة إليك مجدداً سوى الموت، فالحب هو السبيل الوحيد للعودة مجدداً للحياة، وسأكون أنا دليلك، عندما تصلك رسالتي سأكون في طريقي إلى وطني المغرب، سأذهب لحضور حفل توقيع روايتي الأولى، وإن كتب لها النجاح ستكون أنت السبب الأول بعد الله في هذا، سأنتظرك لنعود إلى الحياة سوياً، العاشر من آذار سيكون تاريخ ميلادنا في فندق تروبيتال، لا تنسى سأنتظرك....،،
توقفت سارة عن القراءة وهي غارقة في دموعها، تملكتها الحيرة لا تدري ماذا ستفعل، هل تتركه لسواها دون أدنى مقاومة، قررت أن تنهي القصة التي لم تبدأ بعد عند هذا الحد، مزقت الرسالة وهي تمسح دموعها في تحد وإصرار، تحفز نفسها على التمسك بحلمها دون تفريط، قررت أن تقتحم حياته بقوة، لم يعد هناك ما تخشى من فقدانه، قررت أن تتخلى عن وجهها الطفولي وأن ترتدي وجهاً آخراً مفعماً بالأنوثة والحيوية.
كان يوسف ذو مستوى اجتماعي مرموق. كان ميسور الحال يملك من أسباب الرفاهية الكثير. أكثر ما بث في نفسها الثقة تواضعه في تعامله مع كل من حوله. عادت بذاكرتها إلى الوراء كيف كان ينظر إليها، كم كان حرصه الدائم على إرضائها، استعادت كل ما يحفزها إلى المضي قدماً في طريقها إليه. ارتدت ما رأته  يناسب سيدة ، نظرت إلى صورتها المنعكسة وكأنها تودع سارة القديمة، فاليوم قررت أنها ستكون إنسانة جديدة وستنزع من الدنيا ما أبت أن تعطيها إياه.
قبل وقت الغروب بقليل كانت تقف عند منزله وكانت تعلم كم كان يعشق هذا الوقت من اليوم، لكن ما كانت تجهله هو عشقه إلى الإختلاء بذاته في ذلك الوقت، كان جالساً في شرفة المنزل منهمكاً في القراءة حتى أنه لم يشعر بوجودها، وقفت للحظات أمام الباب تنظر إليه حتى انتبه بوجودها، قام يرحب بها ويدعوها إلى الدخول، رمقته بنظرة جادة على غير عادتها. قالت: لا, أنت من سيخرج.
قال: ما الأمر؟.
قالت: إن توقفت عن السؤال وأذعنت إلى الأمر ستعرف كل شيء.
خرج يوسف مسرعاً يرتدي معطفه وهو يفتح الباب قائلاً: ما بك أيتها الصغيرة؟
قالت: الصغيرة أتت لتخطفك من عزلتك.
قال: هل وراء أناقتك اليوم سبب أجهله؟
قالت: تعال معي وسأخبرك عن السبب، ولا مجال للإعتراض.
قال: لا اعتراض أفهم هذا، لكن هل تمهليني لحظات كي أرتدي شيئاً يليق بجمالك سيدتي؟ احمرت وجنتاها خجلاً وهي تنظر إلى الأرض.
تنتظره في الصالة جالسة على الأريكة الكبيرة المقابلة للمدفأة، تنظر إلى صورة حبيبته، تحاول أن تجري مقارنة فيما بينهم، تتحدث إلى نفسها في صمت وتقول: لم لا؟ فأنت الأخرى امرأة جميلة وتملكين من المشاعر ما يرق له الحجر، لكن لما لم يرق قلب هذا العنيد إلى الآن هل السبب في جرح قديم أم في حب جديد.  
خرج يوسف وقال مبتسماً: لم أجد أفضل من هذا ليتناسب مع جمالك.
قالت: دائما تغلبني بأناقة كلماتك، شكرا لك، والآن دعنا نذهب كي لا يفوتنا رؤية الغروب هل لا زلت تعشق رؤيته؟
قال: ومن لا يعشقه في صحبة أميرة مثلك.
قالت: دعك من هذا الكلام الجميل دعنا نسير على الأقدام، إن المكان قريب فقد اعتدت أن تذهب إليه سيراً.
اقتربت منه خلسة وتعلقت بذراعه، تظاهرت بأنها تحتمي به من برودة الجو، لم يظهر أي اعتراض على ما فعلت. وبعد دقائق وصلا إلى المكان المراد. إنه المكان الذي اعتاد أن يجلس به وحيداً بعدما رحلت زوجته، حاول أن يختار مكاناً آخراً غير الذي اعتاد أن يجلس فيه وحيداً، إلا أنها اختارت ذات الطاولة التي اعتاد أن يجلس عليها، وكأنها تدفعه إلى التفكير فيها، أرادته أن يراها بديلاً لماضيه بلا منافس. جلس وقد ظهرت على وجهه علامات الغضب، لاحظت هذا إلا أنها تجاهلت أي شعور سلبي ينحيها عن هدفها.
عجزت في البداية في إيجاد افتتاحية مناسبة لهذه الليلة، أشارت إلى النادل في غفلة منه، حضر النادل وفي أدب جم وجه الحديث إليه: قهوتك المعتادة أليس كذلك. أومأ برأسه مبتسماً، حوّل النادل نظره إلى سارة: وأنت يا سيدتي؟ فقالت سارة: مثله تماماً.
رحل النادل فقالت: لم أكن أعلم أنك مشهور في هذا المكان.
قال: هو المكان الوحيد تقريباً الذي أذهب إليه عندما أريد أن أخلو بنفسي.
قالت: أتقصد أني أفسد عليك خلوتك.
قال: لا, أنا لم أقل ذلك.
قالت: وهل في خلوتك تجلس مع امرأة أكثر مني جمالاً.
وهنا التفت إليها بكامل جسده قائلاً: ماذا تريدن مني أيتها الصغيرة؟
استجمعت شجاعتها وهي ترد عليه  بكل ثقة وإصرار: أريدك أنت.
ألقى بجسده قليلاً إلى الوراء مستنداً بيديه على الطاولة يعبث بقداحته. بدأ في إخراج سيجارة وقام بإشعالها، وبدأت تبحث عن كلمات تنقذها: أريدك أن تعود إلى ذاتك، أن تعود إلى الحياة من جديد، لا أقوى على رؤيتك في هذه الحالة. أخبرني أبي قصتك ولم أجد مبرراً لحزنك وهروبك الدائم من الحياة، يمكنك أن تحيا من جديد، في الحياة ما يستحق.
قال: تتحدثين كوالدك.
قالت: نعم، لأنها الحقيقة التي تهرب منها، عليك أن تواجهها وأن تبحث فيمن حولك، ستجد من يقودك إليها.
قال: الآن أنا أمام فيلسوفة كبيرة.
قالت: لا، أنت الآن أمام عاشقة كبيرة تعشق بلا حدود.
أصابته كلماتها بالدهشة، تأكد الآن مما كان يهرب من تصديقه. انتفض من مكانه مذعوراً وقد علت نبرة صوته قليلاً وهو يقول. دعينا نذهب الآن فالوقت قد تأخر، لربما ينتظرك رضوان قلقاً.
كان في غاية الغضب لما قالت, وبدأ يسير في صمت دون أن يلتفت إليها أو يوجه إليها حديث، تتساءل وهي تحاول اللحاق به: ماذا حدث لكل هذا؟ أنا لم أفعل شيئاً يجعلك هكذا؟ توقف عن الحركة ونظر إليها في غضب: نعم لم يحدث شيء ولن يحدث، فقط دعينا نواصل سيرنا. شعرت بخيبة أمل لا توصف أفقدتها الشعور بكل شيء حولها، وفجأة اكتشفت أنها أصبحت أمام المنزل. هرعت إلى باب المنزل ودخلت دون أن تودعه. جلس يوسف على المقعد خارج المنزل يلتقط أنفاسه ويفكر فيما حدث، وبعد لحظات من دخولها سمع صرخة عالية ملأت السكون ضجيجاً، نهض من مكانه مفزوعاً، ودخل البيت وهو يفتش بجنون عن مصدر الصوت، كانت غرفة رضوان، دخل مسرعاً ليجد سارة متعلقة بجسد أبيها وهي تبكي بشدة، وحين  رأى يوسف أشار إليه وقال: ها قد أتى يوسف لا تقلقي لن أتركك وحيدة.
اقترب منه يوسف وهو يسأله في لهفة: مالك يا صديقي بماذا تشعر؟
رضوان:  أنا بخير لم أشعر يوماً براحة  أكثر من اليوم لأني رأيتك إلى جوار ابنتي، فكما تعلم أنا لم أترك لها شيئاً تواجه به الدنيا لكني تركتك أنت.
اتجه يوسف إلى الباب مسرعاً وقال: سأذهب  لإحضار الطبيب. أشار إليه رضوان وبصوت ملأه الضعف قال: لا داعي من حضوره، قد لا يستطيع فعل شيء. انهارت سارة وعجزت إلا عن البكاء وهي تتعلق بوالدها وتقول منتحبة: لماذا تتركني الآن، فأنا في أشد الحاجة إليك.
قبض على يديها بقوة وهو ينظر إليها مبتسماً في ضعف: إنه العمر يا صغيرتي. أشار إلى يوسف بالإقتراب، فاقترب يوسف وجثى بركبتيه على الأرض، مد رضوان يديه فأمسك  بيد يوسف ووضعها على يديّ سارة وهو يقول بكلمات متقطعة: لم أترك لها بعد الله سواك.
بعدها غاب عن الوعي، كانت هذه آخر كلمات نطق بها لسانه، حاول يوسف مراراً أن يوقظه إلا أنه عجز. لم تجد سارة أحن من صدره كي يحتويها ويخفف عنها وقع الفاجعة، ألقت بنفسها في أحضانه وهي تتشبث به كالطفلة الصغيرة، تبكي وهو يحاول تمالك نفسه، احتضنها بشدة وهو يقول لها: كل شيء سيكون على ما يرام لا تقلقي.
باتت الحياة موحشة قاتمة أكثر مما كانت عليه من قبل، رحل صديقه وترك على عاتقه حملاً على حمله. ينظر إليها في حيرة, كيف لمثل هذه المسكينة أن تحيا بلا سند، كان كل ما تبقى لها من الحياة، كيف سيتعامل معها وقد تأكد دون مجال للشك كم كانت تعشقه. بدأ يفكر في صعوبة الأيام التي سيقبل عليها، كيف يتغلب عليها؟
بعدما انتهى من استقبال العزاء، جلس يُهديء من روع سارة حتى خلدت إلى النوم. وبعد تفكير طويل قرر أن يمكث هذه الليلة على المقعد الخشبي خارج المنزل حتى يتسنى له التفكير في الصباح فيما سيفعله مع سارة. فتح عينيه مع أول شعاع للشمس لمس جبينه ، نظر إلى البحر وأول ما اصطدم به نظره كانت سارة, مرتدية زياً أسوداً تقف دون حراك، اقترب منها، لم تشعر بوجوده حتى قال لها: كم من الصعب أن نفارق من نحب، ربما نتمنى الموت حينها لكننا نعود لنكتشف أنها سنة الحياة، وما من شيء باق في الحياة سوى وجه الله، سيأتي اليوم الذي نجتمع فيه بهم، هكذا علمني رضوان.
التفتت إليه وقد جفت دموعها من كثرة البكاء حتى تورمت عيناها، إقترب منها وضمها إليه بشدة وهو يقول وقد اختلطت الدموع بكلماته: لا تقلقي، فإن رحل رضوان  فإن يوسف لا زال موجوداً. انهارت سارة وهي تتشبث بمعطفه تحاول الإحتماء داخل جسده: أتعني ما قلت؟ ألن تتركني؟
لم يشغله في هذه الفترة سوى التفكير في هذه المسكينة، حتى أنه تناسى ليلى ولم يشغله تأخرها عليه في الرد، كل ما أراده في هذه الفترة أن يؤمن بعض الهدوء والسكينة لحياة سارة إعمالا بوصية والدها، والذي طالما كان إلى جواره في أكثر الأوقات صعوبة.
جلس إلى جوارها على الأريكة الخشبية خارج المنزل، إلا أن ابتسامتها الرائعة كانت قد اختفت ورحلت روحها المرحة، باتت صامتة معظم الوقت ، ودون أن ينظر إليها بدأ في الكلام:  أعلم أني تأخرت عليك كثيراً، لكني كنت أبحث عن طريقة أبقى بها إلى جوارك, أتمنى أن تتفهمي ما سأقول ولا تتسرعي في أخذ القرار، فكرتُ كثيراً فلم أجد سوى الزواج حلاً لهذه المشكلة. التفتت إليه وقد أشرق وجهها واختفى الشحوب. أكمل حديثه: هذا سيكون فقط كي أبقى إلى جوارك دون إنكار من المجتمع.
قالت: ماذا تقصد، لم أفهمك؟
قال: لن يتغير شيء في حياتنا القديمة إلا أننا سنعيش في بيت واحد، كل منا ستكون له حياته، أعلم أن في هذا ظلم على نفسك إلّا أني لم أجد سوى هذا الحل لهذه المشكلة.  قالها وهو ينظر إلى الأرض خجلاً مما يقول، إلا أنها وافقت دون تردد وإن كانت تعلم مدى صعوبة أن تكون أنت وشخص تحبه في مكان واحد ويفصل بينه وبينها مسافات كبيرة. نظرت إليه في استحياء وهي تقول في صوت حزين: أنا لم أثق في شخص بعد رضوان سواك، كما أنه كان يثق فيك. كانت هذه الكلمات كفيلة بأن تجعله ينفذ فكرته.
في أول ليلة لهم سوياً في منزل واحد بعدما أذيع الخبر في القرية وبعد استقبالهم للخبر بكل ترحاب، هاهي الآن تقف في منتصف الصالة  في منزله تنتظر قراره، ماذا سيفعل ؟ نظر إليها وهو يحاول إخفاء ما يشعر به من أسى وحزن، قال لها في صوت هامس: أتشعرين بالجوع؟
ردت عليه بإيماءة خفيفة تعرب عن عدم رغبتها في الطعام حتى قال لها: لكني أتضور جوعاً، فهل تساعديني على صنع شيء.
خلعت معطفها وهي تتجه إلى المطبخ وقد انتابها الحماس، لأنها مقدمة على أن تكون سيدة منزل حبيبها. التفتت إليه وهي تقول له عندما هم لمساعدتها: لا عليك, فقط حاول إشعال المدفأة فالبرد قارس هنا. أشعل المدفأة ثم تناول كتاباً  وجلس جلسته المفضلة إلى جوار المدفأة وتناسى وجود سارة، بدأ في القراءة دون أن يعيرها انتباهاً. اقتحمت عليه عزلته وهي تنادي عليه: الطعام جاهز أم نسيت أنك تتضور جوعاً.
لم يعد يوسف يطيق الإنتظار، فقد مر كثير من الوقت على آخر رسالة بعثها دون رد، عاتب نفسه كثيراً لأنه انغمس في أمل كاذب، سلبه القدر حبيبته  ثم أتت سارة فسلبته القدرة على لقاءها في خياله وكأنها صنعت حاجزاً بينه وبين ماضيه.
في وقت متأخر من الليل، جلس أمام المدفأة وحيداً وقد خلدت سارة إلى النوم، كانت تريد هذه الفتاة المسكينة أن تثبت له طوال الوقت أن وجودها في حياته قد أحدث تغييراً وإن كان صغيراً، تحولت حياته من فوضى مرتبة إلى نظام كل شيء فيه بميعاد، الطعام ، القراءة، التنزه، وحتى الجلوس في الشرفة قد خصصت له ميعاد كي لا يصيبه مكروه، فقد كانت حريصة عليه أكثر من حرصه على نفسه، تلك الأشياء التي جعلته يخشى أن يتعلق بها أو أن يعتاد عليها في حياته، وقبل أن تتحول سارة إلى عادة، قرر الهروب ليستطيع الحكم على الأمر، التقط الهاتف واتصل على الفندق الذي اعتاد ارتياده وحجز خمسة أيام، رأى في هذه المدة نقطة تحول في حياته.
 استيقظ في صباح هذا اليوم مبكراً، وقبل أن تستيقظ سارة أراد أن يفعل لها شيئاً يعبر به عن امتنان لما فعلت من أجل إسعاده في تلك الفترة. دخل المطبخ وبدأ في تحضير إفطار بسيط, ولأول مرة يصنع فنجاناً من القهوة منذ قدومها. أيقظها وأجلسها كأميرة على المقعد وهو يقول: هذا أقصى ما استطعت، فاعذريني سيدتي على هذا الطعام الفقير.
ردت عليه وهي تمسك بيديه ممتنة لما فعل: إنه أشهى طعام تناولته يوماً لأنك من صنعه.
أخبرها بعدما انتهت من طعامها: سأسافر اليوم إلى المغرب ولمدة خمسة أيام لإنهاء بعض الأعمال بالخارج. إنه أمر طاريء يا صغيرتي.
صعقت وتساءلت في صمت:( هل أرسلتْ له ليلى رسالة أخرى، وإن كان الأمر هكذا ماذا ستفعل؟) نظرت إليه نظرة استعطاف وهي تسأله: أيمكنني الذهاب معك؟
قال: لا داعي ، سأنهي عملي سريعاً، لا تقلقي.
قالت في توتر: لماذا المغرب؟
قال: لا خيار في العمل يا صغيرتي. سأعود في أسرع وقت.
تراجعت قليلاً عن موقفها بعدما هدأت وألقت بنفسها في أحضانه وهي تقول  في صوت هاديء: سأنتظرك فلا تتأخر، إعتني بنفسك جيداً.
كان يمشي في بهو الفندق بخطوات ثابتة متزنة وهامة مرفوعة. كان يتفحص المكان بإبتسامة بسيطة، يستعيد الذكريات الجميلة التي جمعته بحبيبته في هذا المكان. كانت تبتسم هنا وهي جالسة، تركض نحو المصعد وتجره بشدة كي تلحق به قبل أن يغلق أبوابه.
توقف المصعد عند الدور العاشر، خرج منه مسرعاً وبخطى عشوائية وحركات طفولية يمشي متجهاً إلى الغرفة (508) التي اعتاد أن يمكث بها برفقة حبيبته. بدأ في فتح الباب ببطء، وبحركات بطيئة تخلص من معطفه وألقاه على الأريكة  المقابلة للفراش. بدأ في خلع ملابسه وهو يتحرك  متجهاً إلى الحمام، وقف أمام المرآة والمياه تتقطر من على أطراف جسده المتداعي، وبين طرفة عين وانتباهها أصابه الذهول حينما رآها أمامه قد تصورت في صورته, شعر بلمسة يديها الدافئتين على جسده، فانتفض، أعاد نظره إلى المرآة من جديد ليرى صورته، لم تكن سوى سراب أو رسالة من روحها التي ترافقه كى تُهدّأ من روعه، روحها التي لم يشك لحظة في وجودها حوله معظم الوقت إن لم يكن كله.
فى الشرفة جلس يوسف ليلته. التقط علبة سجائره فأخرج منها واحدة وبخفة وضعها بين براثن شفتيه، أشعلها وهو يبتسم فقد كانت حبيبته تخطف السيجارة من فمه وتسرع هاربة منه  فيقوم بدوره يمسكها ويحتضنها  بقوة ثم يطبع قبلة على رقبتها الرقيقة وهي تبتعد قليلاً وتقول..أخبرتك مراراً أن لا تترك لحيتك هكذا وإلا لن أقبلك مجدداً أيها الصبي.
هكذا قضى ليلته الأولى في مدينة الحب القديمة المتداعية الأسوار في هدوء وسكينة وتصالح مع الذات...
جلس يوسف في انتظار الطعام في مطعم قديم في حي الأحباس، أكثر الأحياء عراقة وتاريخاً في الدار البيضاء "كازابلانكا" بالأمازغية. جلس على ذات الطاولة إلى جوار الجدار الزجاجي والتي اعتاد أن يجلس بها برفقة حبيبته. جلس في شرود تام، ينظر إلى الشمعة أمامه يراقب لهيبها كيف تتحرك، لم يكن يعلم أن هناك من يراقبه عن كثب باهتمام وشغف مثلما هو يفعل مع الشمعة، فتاة في الثلاثين من  عمرها يدفعك جمالها الأخاذ إلى الإقتراب منها، ولمس شعرها اللامع وبشرتها الذهنية الرقيقة كي تتأكد من وجودها وأنها شيئاً حقيقياً ليس من صنع الخيال.
ظلت تنظر إليه تراقبه. زاد تجاهله من فضولها وإصرارها في التعرف عليه والاقتراب منه واكتشاف السبب وراء الحزن الذي يسيل من عيونه السوداء، سيطر عليها  روح الكاتبة المغامرة, كانت ترى في هيئته وفي الهالة التي صنعها حوله فكرة لرواية جديدة، حتى أنها بدأت في التخطيط لاقتحام خلوته. أخرج سيجارة من العلبة  الكائنة أمامه وأخذ يبحث عن قداحته عندما  سمع طقطقة قداحة تقترب منه من الخلف، تحرك قليلاً إلى اليمين ليرى جمالاً لم يره من قبل، قام من مكانه تقديراً لهذا الجمال وامتناناً لمبادرتها في مساعدته،  وعلى الفور مال برأسه قليلاً ونجح في إشعال سيجارته, وفي سرعة حرر السيجارة من بين شفتيه وهو يكرر شكره وامتنانه لها، ردت عليه والفرحة العارمة تملأ وجهها الساحر الجميل: لا عليك  هل أنت مصري؟ قال: نعم.
قالت: هل أتيت إلى المغرب من أجل السياحة أم العمل؟
رد عليها وهو يشير إليها بالجلوس: سياحة.
ودون تردد سحبت المقعد الذي أمامه وجلست في هدوء، زاد الغضب  بداخله، ساد الصمت لبعض الوقت وهو يحاول أن يتغلب على غضبه الغير مبرر، فهو من دعاها إلى الجلوس, تمنى لو أنه لم يفكر في إشعال تلك السيجارة اللعينة، كانت هي تتحدث وهو يهرب بنظره إلى كل مكان عدا عيونها الساحرة. كانت تتكلم عن المنطقة وتاريخها منذ بداية الإستعمار إلى الآن. اكتشف أنه إلى الآن وبعد الحديث الممل معها لم يسألها عن اسمها فسألها دون تردد: لم تخبريني عن إسمك؟ استعارت إسم بطلة روايتها: أنا مريم، أعمل كاتبة.

فقال يوسف: الآن علمت من أين تأتين بهذا الكم الهائل من الكلمات .
غادر وهو يفكر بتلك الفتاة المجنونة، وماذا فعلت به وما سر ذلك الشعور الغريب بالنشوة التي بثته في نفسه، من أين أتى ذلك الشعور؟ دخل في صراع مع ذاته وهو لم يزل واقفاً أمام المطعم، مهنئاً  نفسه قليلاً على ذلك الشعور، كان يرى فيه خيانة لحبيبته ما كان يجب أن يحدث  حتى ولو كان مجرد إعجاب بشخصيتها وثقافتها. بدأ في المشي مسرعاً للخروج من هذا الحي. وقف للحظات ينظر إلى المقهى  القديم انتبه لصاحبة الصوت قبل أن ينظر  خلفه وهي تقول: هذا هو المقهى الذي أخبرتك عنه، ألم يكن يستحق ما قلت في وصفه؟
إنها هي مرة أخرى وقد دفعتها روح الكاتبة المغامرة إلى إنهاء طعامها على الفور، حتى أنها قامت حينما غادر المطعم حتى تستطيع تتبعه. ثم دعته لمكان على البحر وبعد إلحاح وافق. كان المكان في غاية الروعة. دعته إلى الجلوس وهي تنظر إليه سعيدة بقبوله دعوتها. شعرت بالنصر بعد أن نجحت في جعله يتحدث بعد تحفظه الطويل عن الكلام، شعر ببعض الضيق لأنه تذكر ما بذل من أجله الكثير في سبيل نسيانه، نهض من مكانه وقد عبس وجهه وهو يحاول رسم ابتسامة امتنان وشكر لتلك الدعوة، وحينما وجدت أنه لا مفر من رحيله ولا جدوى من محاولاتها المتكررة في إجباره على المكوث قالت: هل سنلتقي مجدداً؟
قال: إن كتب لنا القدر لقاءاً سنلتقي.

قالت: نعم، صدقت، القدر قادر على صنع المعجزات، أتمنى أن ألتقيك مجدداً وقد وجدت ما تبحث عنه. رد عليها بينما يلملم أغراضه: لا أعتقد.
أثار الفضول في نفسها الحماسة كي تكتشف أوراقه فقالت: أريد أن أطلعك على سر.
قال: حيلك لا تنتهي أيتها الكاتبة، ولكن قبل أن تخبريني يجب أن تعديني بأنك ستتركيني أرحل بعدها.

ضحكت ثم قالت: وهل أملك إجبارك على الجلوس؟
قال: نعم ، بهذه الضحكات أنت قادرة على فعل المستحيل، إذا ما هو السر؟
قالت: هو ليس سراً بالمعنى، لكنه شعور وأنت أول من أخبره إياه ولا تسألني عن السبب لأني لا أملك تفسيراً سوى رغبتي في ذلك.

ضحكت مرة أخرى وهي تسترد أنفاسها، تحاول الحفاظ على تركيزها وهي تقول : في كثير من الأحيان يحالفني شعور غريب بوجود شخص ما في هذه الدنيا على الجانب الآخر من شاطيء البحر يفعل كما أفعل، يفكر فيما أفكر فيه الآن، يتساءل عما يفعله الناس في هذا الوقت كما أتساءل، أبحث عنه وأفكر فيه كثيراً على يقين أنه هو الآخر يبحث عني ويفكر بي ويحلم بلقائي، وأنا على يقين أن الشعور أقوى من الكلمات، وسيأتي اليوم الذي أعبر فيه البحر كي ألقاه فأجعل العالم يتسع لي وله..
قال: أخبرتيني أنك ستخبريني عن سر، لا عن ما تشعرين به.
قالت له: السر هو أنني على موعد مع تحقيق ما أحلم به، قريباً سألتقي بالشخص الذي تحدثت عنه.

قال: أتمنى لكما لقاءاً سعيداً.
في قاعة المناسبات بالفندق تجلس ليلى على طاولة كبيرة في المقدمة ومن أمامها نسخ من روايتها الجديدة: (الحب المجهول)، وجاءها سؤال من احدى الحاضرات: ترى كيف تعشق المرأة رجلاً يعشق أخرى؟
فجاء جوابها في هدوء: " هي لم تعشق رجلا إنما عشقت طفلا فقد روحه، تائه في دنيا قاسية بلا أم، يمشي عارياً تحت المطر بلا غطاء، يبحث عن حضن دافيء، يبحث عن كلمات رقيقة تنسيه مرار الفراق، حاولت أن تكون له أماً وحبيبة إن أراد، لم تره لكن كلماته وصفت حزناً عميقاً وشيئاً غامضاً، هي لم تعشقه وحسب إنما عشقت عشقه الحزين ووفائه.

انتهت الندوة وهي لا زالت في مكانها، توقع على روايتها للحضور وبعدما خلت القاعة من الحضور بقيت هي جالسة في مكانها ولم تغادر، شعرت بخيبة أمل كبيرة رغم نجاحها وإقبال الكثير على روايتها الأولى. وبعدما تأكدت من عدم حضوره قررت الرحيل. تمشي في بهو الفندق عابسة الوجه وهي تفكر في كل الإحتمالات التي يمكن أن تمنعه من الحضور بعدما أبدى رغبته أن يكون بطل روايتها الواقعية، وفي أوج غيابها عن الواقع من حولها اصطدمت بأحدهم حتى أوقعت ما كانت تحمل بين يديها، نظرت إليه وتجمدت من المفاجأة، إنه يوسف مرة أخرى، قال لها مبتسما: من الواضح أنك من  معالم هذا البلد، لم تخبريني أنك مشهورة إلى هذا الحد.
قالت: لا, ليس الأمر كما تظن، كانت ندوة لمناقشة روايتي الأولى.
قال: إذاً إنه أنت سبب ما أرى من زحام وصخب في بهو الفندق الآن.
قالت: نعم فأنا مصدر أي إزعاج تصطدم به في هذا البلد.
لم تكن في حالتها الطبيعية، رآها صامتة حزينة فدعاها لتناول القهوة، شعر أن عليه رد دعوتها له بالأمس, ودون تتردد وافقت، سألها: أتريدن تناول شيء آخر سوى القهوة؟
ردت: لن تكون القهوة أكثر مراراً مما أشعر به الآن.
قال: لماذا أراك حزينة إلى هذا الحد؟
قالت: أتعلم، حينما يحلق الطير عالياً في السماء إنه لا يخشى السقوط لكن وإن سقط، يكتشف أنه ما عاد قادراً على الطيران مرة أخرى.
قال: أعلم أنك ماهرة في استخدام الكلمات لوصف أي شيء لكني لا أملك المهارة الكافية لفهم ما ترمين إليه.
تخلت عن الحزن الكائن على وجهها وابتسمت ابتسامة هادئة وهي تقول: لم أكن يوماً أتخيل وجود سبب يجعل المرء حزيناً أو فاقد الرغبة في الحياة كما اليوم، فمنذ التقيتك رأيتك غامضاً، حزيناً، شارداً، تكلمتَ كثيراً عن الفراق لكني لم أراه  سبباً كافياً لهذا الألم الذي يسكن عينيك وقتها، أما الآن وقد تجرعت القليل أشعر برغبة في الموت أو فقدان الذاكرة.
فقال يوسف: إذن حان الآن وقت الإعتراف، أخبريني إذاً ما سبب تقلب مزاجك اليوم؟
قالت: هل تتذكر عندما أخبرتك عن سر بالأمس؟ إنه لم يأتِ.
قال: ربما لا يستحق كل هذا الإهتمام منك .
قالت: لا..... إنه يستحق، ربما حدث شيء منعه من الحضور.
قال: وماذا يمنع شخصاً يحب من حضور أهم مناسبة في حياة حبيبته؟
قالت: هو لم  يخبرني بعد أنه يحبني، لكني أحببته كثيراً، مكثت سنوات أبحث عنه حتى وجدته، ربما كان معه اليوم مشكلة ما.

نظرت إليه وهي تردد: غريب ،غريب! أتعلم شيئاً، رأيت في عينيك حزن وألم وغموض كما رأيته منه. ربما تشبهه أيضاً.

قال: لا تقلقي عزيزتي، لا يمكن للمرء أن يقاوم امرأة تحبه بهذه الطريقة، سيحبك يوماً ما، لكن يجب عليك أن لا تضيعي الوقت بعيداً عنه ولو للحظات, فالحب دوماً  مقترن بفراق وحينما يأتي الفراق يجب أن تملكي كماً  هائلاً من الذكريات برفقته لتبقيك حية.
فقالت: جاء دورك أيها الحكيم, أخبرني عن الفراق في حياتك وهل الذكرى كانت سبباً في بقائك حياً حتى هذه اللحظة؟
قال: نعم كل مكان أذهب إليه أملك فيه ذكرى لها حتى أني لم أعد أرى سواها فى حياة.
وضع سيجارته في المنفضة وهو يحاول النهوض. أخذت نسخة من روايتها فتحتها وبدأت في الكتابة: إلى الرجل الحكيم الذي أهداني إلى الطريق، تحياتي وامتناني. أهدته إياه، وما إن أمسكه وقعت عينه على الإسم المكتوب على الغلاف(ليلى) التفت إليها ودون أن يسألها ردت عليه في ارتباك: لم أعتد أن أخبر أحداً إسمي الحقيقي وخصوصاً في أول لقاء بيننا حتى يمتد جسر الثقة بيني وبينه.
قال: لا عليك فالأسماء ما هي إلا عناوين أصحابها، ،سعدت بلقائك. انصرف يوسف وقد ذكّره هذا الإسم بالمرأة المجهولة صاحبة الرسائل.

باتت اللهفة والإشتياق، تشكل حياتها، وتسكن ملامحها الطفولية. كانت ترى الحياة من عينيه، كيف لهذه الطفلة المدللة أن تتقبل فكرة أن يعشق سواها، أهدت نفسها إليه دون أن يدري أو يبدي حتى تقبّله للهدية... ، تبقّى ساعتين على الموعد وهي في كامل حيرتها ماذا ترتدي؟ كيف تستقبله؟ وكيف تخفي الشوق الذي امتلكها؟
وقفت على حافة الشرفة  تنتظر الحبيب، تطمح في لحظة حب تجمعها به وإن فارقت الحياة بعدها. علا صوت النسيم وارتطامه بالأشجار ليعلن عن وصول الحبيب، يسير  في هدوء باتجاه المنزل، مسافة قصيرة حتى تتمكن من رؤية ملامحه بوضوح، فتحت الباب بسرعة ونادت: يوسف، يوسف. وصلت إليه لا يفصلها عنه سوى خطوات قليلة. تقدم في هدوء وما أن أصبح قبالتها حتى تعلقت به واحتضنته بشدة وهي تبكي، ضمها إليه وهو يقول: لماذا كل هذا أيتها الصغيرة, لماذا تبكين الآن؟ أنا هنا أيتها الطفلة العجولة. قالت وهي تنظر إليه عند الباب: ألا زلت تراني طفلة؟
قال: أنت أجمل طفلة رأيتها في حياتي، أنت ما تبقّى من حياتي.
جلس في الشرفة وحيداً بعدما طلب منها أن تصنع له فنجاناً من القهوة. أصابته سارة بالإرتباك، كيف يتعامل مع هذا الحب الدخيل على حياته دون رغبة منه، كيف سيكون مصير هذه الفتاة المسكينة التي لم تشعر يوماً منذ أن انتقلت للعيش معه بالسعادة، وكيف يهبها سعادة يبحث هو عنها ولم يجدها إلى الآن؟ ظل هكذا غارقاً في حالة من الصمت والسكون حتى وصلت سارة حاملة فنجان القهوة وعلى وجهها ابتسامة تأسر القلوب، جلست وكلها شوق، قامت بإشعال الشمعة وهي تقول: كم اشتاقَ إليك المكان.....حتى قهوتك اشتاقت إليك.

فقال لها: وهل تشتاق الأشياء مثلنا؟
ردت: إسأل هذه الوردة كم أنتظرتك وكم اشتاقت للمسة يديك، قلّبها بين  شفتيك لتعلم كم هي مشتاقة لدفء أنفاسك.
قال: وهل حقاً تشعرين بالسعادة؟
قالت: لما لا وأنت إلى جواري.
فقال لها في صوت هاديء وبكلمات متقطعة: أنت تعلمين أن ما نحن فيه لم يكن خياراً إنما كان فرضاً من القدر، أعلم أنه ليس من العدل أن ترضين بمثل هذه الحياة لكن من يعلم ربما يأتي الوقت وتتبدل الأحوال، اعذريني.
اقتربت منه في هدوء، وحطت يدها على كتفه وقالت: هون عليك، أنا لم أطلب منك شيئاً، ولم أشكو إليك حالي ولم أتمنى يوماً أن يتبدل شيء ، كل ما تمنيته وجدته في القرب منك ولن أطلب المزيد.

قال: لن يكون  كافياً، أنت تعلمين وأنا أعلم، لكن ما لا تعلمينه أني لن أكون كما تريدين.
فردت عليه: لكني سأبذل كل ما بوسعي حتى أكون كما تريد وإن كنت تريدني دمية لا تتحرك أو تصدر صوتاً، سأكون لكن لا تتخلى عني.
في طيات هذه الليلة الحزينة جلست تائهة تبحث عنه، تفتقده بشدة وهو أقرب ما يكون، لن تستسلم أبداً ، هكذا كانت تحفز نفسها، ستروض قلبها النابض وشوقها الهائج يقيناً منها أنه سيأتي اليوم الذي يحتويه قلبه ويطفيء نار الشوق في صدرها، ستتقبل مرارة الجفاء حتى تحظى بحلاوة اللقاء.
يرى الحياة في مشهد كئيب يقترب منه الحزن في تأن يصوب نحوه سهم الإنتظار، كانت ليلى هي الأمل الأخير في عودته إلى الحياة، أعطته الأمل في العثور على نفسه، هكذا كانت حالته حينما أعادت له ليلى بعض الأشياء القليلة التي تدفعه إلى تمسك بالحياة. شعر ببعض الضيق لما حدث أمس، حدّث نفسه كثيراً لامها على ما فعلتْ في تلك المسكينة سارة، تساءل لماذا يعاملها بتلك الطريقة الباردة وإلى متى ستبقى حياته هكذا ما بين الحنين إلى الماضي والهروب غير المبرر من الواقع والسعي وراء مستقبل مجهول. يبحث عن امرأة تجاهلته بعدما بثت في نفسه شعاعاً من الأمل، بالرغم من فشله في التواصل معها من جديد إلا أنه كان يشعر بقربها، ذلك الشعور الذي دفعه إلى تجاهل حب سارة المتزايد، لكنه تساءل كثيراً إن استطاع أن يتواصل مع ليلى من جديد واستطاعت أن تكمل ما بدأته وأن يصبح قادراً على مواصلة حياته أين ستكون سارة من هذه الحياة ؟ إنها  ستكون الخاسر الوحيد في هذه الرحلة، أصابته هذه الحقيقة المؤلمة بالإحباط من جديد جعلته يرى في الموت الحل الأمثل.

انقضت ثلاثة أسابيع على يوم حفل توقيع كتابها الأول. قضت تلك الفترة ما بين لقاء تلفزيوني أو حوار صحفي أو حفل توقيع، فقد نجحت روايتها الأولى نجاحاً منقطع النظير حتى أنها لم تجد الوقت كي تعود إلى حياتها الطبيعية. أتتها فكرة مجنونة وهي أن تكتب عن يوسف, ذلك الرجل وما قاله عن الحب: (الحب هو نسيان الحقيقة والهروب من الواقع إلى الخيال)، لكنها لا تعلم عنه الكثير، ذهبت إلى الفندق وقد دفعها فضول الكاتب كي تعرف أكثر عن ذلك الرجل الغامض لربما كان نواة لروايتها الجديدة، جلست في ذات المكان الذي جمعها به من قبل، وعندما أقبل عليها النادل سألته: هل تتذكرني؟
قال النادل: أجل سيدتي, كنت بصحبة السيد يوسف في المرة الأخيرة.
قالت: هل تستطيع أن تحدثني أكثر عن السيد يوسف.
قال النادل: للأسف سيدتي لا أعلم.
ذهبت ليلى إلى موظفة الإستقبال وسألتها عن يوسف، فقالت لها : كل ما أعرفه أنه كان يأتي كل عام بصحبة زوجته الجميلة، وكم كانا يبعثان السعادة في نفوس العاملين بالمكان، كانوا في غاية الحب والسعادة، لم أرَ من هم أكثر منهما تفهماً وحباً وإقبالاً على الحياة لكن..صمتت للحظات ثم قالت: لكنه وفي آخر مرة أتى إلى هنا, والتي كانت منذ أسابيع قليلة، أتى وحيداً وقد تحولت السعادة إلى حزن عميق وإقباله على الحياة تحول إلى رغبة ملحة في الموت.
سألت: لما هذا؟ هل تعلمين؟
قالت الموظفة: لقد علمت من أحد العاملين هنا والذي اعتاد أن يخدمه أنه أخبره برحيل زوجته.
تذكرت ليلى مقولته:( وما الأحزان سوى بحر يحتضننا حينما يرحل الحب).  وقد زادتها هذه القصة الحزينة إصراراً ورغبة ملحة في كتابة رواية جديدة. بدأت في كتابتها في نفس اليوم وعلى ذات الطاولة في الفندق، بدأت بخط عنوانها :( الحب والموت) استلهمت فكرة  الرواية مما سمعته عن عشق ذلك الرجل لزوجته وإخلاصه لها. قامت من المكان وهي تشعر بنشوة غريبة، سعادة غير مبررة وهي لمجرد أنها تكتب عن هذا الرجل.

قررت العودة إلى البندقية وكلها شوق بالبدء من جديد، ستبدأ في مراسلة حبيبها الذى لم تره بعد ولكنها تشعر به بكل كيانها .. لن تنظر إلى الوراء ولن يوقفها شيء ولو كان نجاحها المهني.
يسير على شاطيء البحر في هدوء وتأمل، ينظر إليه نظرة المنفلت من الواقع، يفتش في نفسه عنها، تلك المرأة المجهولة يستدعيها، يوجه لها رسائل بلا كلمات، يتخيل ملامح وجهها، ينظر إلى السماء. اقترب وقت الغروب ولا زال جالساً بصحبة البحر، قام من مكانه متكاسلاً ، سيعود إلى منزله ليصب مزيداً من التجاهل واللامبالاة تجاه سارة المسكينة. مرت الأيام حزينة صامتة ساكنة صعبة عليهما، يفر كلاهما من الآخر، يتجنبا الحديث معاً كي لا يؤذي أحدهما الآخر.. دخلت عليه وهي تبتسم على استحياء, وضعت فنجان القهوة على الطاولة دون أن تنظر إليه، انصرفت مباشرة وهو ينظر إليها يراقبها وهي تمشي بخطى حزينة منكسرة، يعاتب نفسه بشدة على ما سببه لها من ألم لكنه عجز عن إصلاح الأمر، عجز عن أن يشكرها على صنيعها واكتفى فقط بالنظر إليها. نادى عليها في صوت حنون: سارة. اقتربت منه في هدوء مد يديه في رقة ليمسك يديها, تلك اللمسة التي أذابت قلبها حتى سرت الرعشة في جميع أطرافها،أجلسها أمامه وهو يقول: لماذا تجلسين بعيداً عني؟ هل أنت غاضبة مني؟ قالت: لم أغضب منك يوماً, لكن كل ما في الأمر أني لم أرد أن أسبب لك أي نوع من الإزعاج.
قال: لماذا تقولين هذا؟ لم ولن تكوني يوماً مصدراً لازعاجي..
قالت سارة: سيأتي يوماً وتصبح الحياة كما نريد..أليس كذلك ؟
يوسف: كم كنت أتمنى أن أرى الحياة كما ترينها.
سارة: أهديك عيناي.

يوسف: وهل أستحق عينيك؟
سارة: وأكثر من هذا، فقط أعط مجالاً لقلبك كي يرى ما لا تراه عيناك.
ابتسم في سخرية وهو يتحدث إلى نفسه:( المشكلة كلها تكمن في قلبي فأنا لا أرى شيئاً إلا به، لهذا لا أراك ولم أشعر يوماً بحبك العظيم.)
وفي ليلة حالكة الظلمة استفاقت سارة تبحث عنه بجوارها ولم تجده، لم يكن  يوماً إلى جوارها لكنها كانت تشعر بأنفاسه تشاركها فراشها الحزين. جلست على حافة فراشها تلهث وراء شوقها تستدعيه بكل ما تملك من حبو, تستدعي أنوثة كادت أن تموت. فتحت باب غرفتها في هدوء, وصلت عند باب غرفته، فتحت الباب في هدوء حذر، اقتربت من فراشه, وقفت تراقبه حتى وصل الشوق مداه وملأتها الحاجة والرغبة في الإقتراب منه أكثر. وفي هدوء صعدت إلى الفراش في حذر، كانت تقترب منه حتى ألقت برأسها على ذراعه وطوقت جسده بذراعيها. حدث ما كانت تخشاه، فتح عينيه في تثاقل ليجدها نائمة على ذراعه. جلست على الفراش وهي تنظر إليه ولا تدري ماذا تفعل؟ نظر إليها في رقة وحنان وهو يبتسم وسألها في صوت متقطع ضعيف: سارة...هل حدث شيء؟
قالت: لا لم يحدث شيء، فقط شعرت بالبرد والخوف من صوت الرياح فجئت إلى هنا. اعذرني لأني أيقظتك.

يوسف: لاعليك. يمكنك قضاء الليلة هنا إن أردتي.
ألقت بجسدها إلى جواره، تقترب منه خلسة وكأنه لا يشعر حتى التصقت به وهي تنظر إليه وتقول في دلال: أشعر بالبرد. قال: هل تحتاجين إلى غطاء آخر؟ قالت: لا, أنا فقط أريد الإقتراب منك أكثر. وبرغم عدم اكتراثه بوجودها إلى جواره قررت أن تنعم بالدفء الذي طالما حلمت به دون أن ينحيها عن هدفها شيء، هذه الليلة أعطتها الأمل في اكتمال الحلم في نفسها, الطاقة الكافية لبلوغ غايتها.
وفي صباح اليوم التالي دق الباب ساعي البريد, أعطاه مظروفاً ومن شكله عرف أنه من ليلى. دخل الشرفة, فتح المظروف ,أخيراً بعثت ليلى برسالة:
 ،،حبيبي يوسف....
كم أشتاق إلى كلماتك وروعة شعورك، أجلس والبحر أمامي، سألته كثيراً عنك لكنه أبى أن يخبرني. بعثت لك كثيراً من الرسائل خلاله مع رجائي أن تصل إليك هل وصلت؟ تعجز كلماتي عن وصف ما أشعر به من شوق، وقد أبى قلمي إلا أن يكتب إليك وجسدي إلا أن يقتات على كلماتك وروحي إلا أن تشعر بك وبروحك، أسير في شوارع البندقية بخطى تائهة، أبحث عنك، عن ملامحك التي أجهلها، أكتب إليك من مقهى كوادري القريب من منزلي, كم اعتدت أن أجلس بهذا المقهى واعتدت أيضاً على سؤال صديقتي مونيكا التي تعمل به والتي تشاركني أيضاً منزلي: ( لما تجلسين دائماً وحيدة؟) ترى هل سيأتي اليوم الذي نجلس فيه سوياً على هذا المقهى معاً، وأخبر جميع  الأصدقاء أنك أنت من جلست طويلاً في انتظاره وحيدة، متى سأراك؟ هل يستجيب القدر ويجمعنا سوياً ولو ليوم واحد؟,,
بعد ساعات طويلة قضاها في قراءة الرسالة أفاق على صوت خطوات سارة فقال لها: هل انتهيتِ من صنع العشاء الفاخر الذي وعدتيني به ؟
سارة: نعم, جئت فقط لأخبرك أني ذاهبة لتبديل ملابسي كي تتناسب مع هذه الليلة الجميلة.
يوسف: لكنك جميلة في كل الأحوال.
سارة: أعلم ذلك، لكني أريد أن أكون الأجمل في ما تراهنَّ أو رأيتهن.
أغمض عينيه يفكر فيما ينتظره الليلة وما تنوي عليه هذه الفتاة، لم يمكث طويلاً على هذه الحالة حتى استفاق على حورية نزلت من السماء تشبه القمر في إطلالتها، نهض واقفاً ولم يزل ينظر إليها ولم تزل هي واقفة في صمت, تنتظر أن يتحدث, أن يثني على جمالها, لكنه ظل صامتاً. قالت: ألم يعجبك ما أرتديه، بإمكاني تبديله إن أردت.
يوسف: وهل هناك أجمل من هذا، كنت على الدوام أعلم أنك في غاية الجمال لكني لم أرك يوماً هكذا.

استقر في مقعده وهو ينظر إليها مبتسماً ليس سعادة بما فعلت أو احتفاءاً بجمالها لكنه كان يبتسم من غرابة القدر وسخرية أفعاله. قرر بعد ما خاض حرباً شرسة مع ذاته أن يترك نفسه الليلة للقدر ولرغبتها الجامحة في أن تكون إلى جواره، قال في نفسه: ( إنها ليلة.)
يوسف: جعلتيني اليوم فاقد الوعي والتركيز والتمييز، فقد أثبتي اليوم أني طفل عاجز عن التفكير أو التقرير ولم أنضج بعد، أنت من قهر الرجل بداخلي، لقد أحييت شعوراً ظننته مات دون عودة.
سارة: هل تخبرني عن هذا الشعور؟
يوسف: هل تخبريني أنت أيتها الجميلة عما تريدينه مني؟
سارة: كل ما أريده هو أن أبقى إلى جوارك. أريد منك أن تسمح لي وقتما تريد أن أقضي الليل إلى جوارك.
لكي ما تريدين لكن لا تنسي في بعض الأحيان أرغب في الإختلاء بنفسي. قالها رغماً عنه عندما انهارت مقاومته.

كانت أكبر من مقاومته وعناده ورفضه لتقبل الأمر الواقع... افترش الأرض وجلس على الوسادة يستند برأسه على الكنبة من خلفه مغمض العينين يحاول الهروب بروحه من الوقوع في بئر الحاجة. حورية من السماء هبطت لتستولي عليه عنوة رغماً عنه. انحنت في رقة وهي تحاول الجلوس إلى جواره تغزوه بكل قوتها دون رحمة أو شفقة، أسرت عينيه وأخمدت عقله عن التفكير وسلبت روحه التي  أوشكت على الهروب. اقتربت منه حتى أشعلت بجسده حرارة الرغبة, تعالت أصوات أنفاسهما وتسارعت وازدادت القبلات. اكتشفت أنوثتها وأحيت رجولته.

،،عزيزتي ليلى...
لا أدري من أين أبدأ حديثي أو كيف أرد على رسالتك الرقيقة وشوقك الذي يفوح من بين الكلمات، لكن يمكنني الإعتراف لك بشيء، لقد اشتقت إليك وإلى رسائلك بشدة، باتت حياتي معلقة بحروف كلماتك، تنتابني سعادة حينما تكتبين( حبيبي) ،هل أنا حقاً كذلك؟ لا تعرفين كيف باتت حياتي، لقد تغيرت كثيراً عن آخر مرة كتبت لك فيها، ولكني لم أستطع التخلص من لهفة الإنتظار لكلماتك، كل ما أشعر به الآن وبعيداً عما انتابني في بعدك واختفائك الذي دام فترة، أرغب في لقائك أكثر مما تريدين، يمكننا السفر سوياً والجلوس على المقهى الذي تحبين، يمكننا صنع حياة تليق بالحب...
،،حبيبي يوسف...
لا أفهم ماذا تقصد بغيابي واختفائى ، هل يمكن ألا تصل رسائلي إليك أو تفقد رسائلك طريقها إليّ؟ ....أنا في انتظارك حتى نرسم صورة جديدة للحياة، متى ستأتي؟...
،، ليلى..

كم أشتاق إلى مشاركتك الحياة ولو لليلة واحدة، أعلم أنك تتساءلين متى سآتي إليك؟ لا أعلم، لكن يمكنني أن أعدك بأنه في القريب العاجل، لن يطول انتظارك هذه المرة ، انتظريني في أي لحظة، ربما اليوم أو الغد أو الغد القريب، عليك فقط أن تتأهبي للزيارة، كم أشتاق إليك.،،
مرت ثلاث ليال على استلامها لهذه الرسالة وهي لا تقوى على الرد، كل ما فعلته هو الإنتظار وعدّ الثواني قبل الدقائق والساعات والليالي حتى تراه. في الليلة الرابعة حدث أمر لم يكن في تخيلها ، جاءها اتصال من دار النشر أخبرها المسؤول بأن عليها تجهيز نفسها للسفر خلال يومين متجهة إلى مصر لحضور حفل توقيع كتابها بالمعرض السنوي للكتاب بالقاهرة، صمتت للحظات لا تدري بماذا تجيب، هل ترفض الأمر؟ لكنها لا تستطيع، فهناك عقد بينها وبين الدار يلزمها بحضور المعارض التي تحددها الدار وإلا رجعت عليها بغرامة مالية. عجزت إلا أن توافق رغماً عنها، فحالتها المادية آنذاك كانت في غاية الضيق، لم تكن مستعدة بعد لمواجهة مثل هذا التحدي. أغلقت الهاتف وهي في غاية الحزن واليأس لا تدري ماذا تفعل، هل تخبره بهذا الأمر؟ تملكتها الحيرة وعجزت عن أخد القرار، نهضت فجأة من مكانها تضحك بهيستيريا وهي تردد: لماذا أنتظره إذا كنت أستطيع أن أذهب إليه!
لم تشعر سارة بهذه السعادة منذ رحيل والدها، ولم لا فقد حظيت بكل  ما حلمت به، تعيش بقرب من أحبت,عادت الروح إلى حياتها مرة أخرى. وبينما كانت منهمكة ومشغولة في تحضير الغداء كان يوسف منهمكاً في شيء آخر، يجلس في الشرفة ممسكاً بكتاب لكنه لا يقرأ، يفكر في حياته كيف ستكون يحاول الربط فيما بين حياته الواقعية وما بين خياله الذي يفصله عن الواقع بضع خطوات، كل ما كان يخشاه في مقابلة ليلى هو أن يكتشف أن الحب الذي شعر به لم يتعدّ أبداً الورقة البيضاء، حينها سيفقد حتى الشيء الذي يبث في نفسه السعادة. وما الحياة إلا مغامرة كبرى فهي بلا مخاطرة أو مقامرة لا معنى لها، وقرر أن يخوض التجربة ويتغلب على مخاوفه ...قرر الذهاب إليها !!!
جمعتهما المائدة اجتماع كئيب، ينظر إليها بين الحين والآخر مبتسماً ابتسامة باردة يعجز عن البوح بما يحمله صدره من اعتراف موجع، وكأنه عاد إلى سابق عهده معها.
سارة: ماذا بك ؟ أراك اليوم وقد أمتلكك القلق، هل هناك شيء تريد أن تخبرني به.
يوسف: لا شيء, هناك بعض المشاكل في العمل تستدعي وجودي.
سارة: الأهم في الأمر أنك بخير وكل ما عدا ذلك فهو هين. أنت أهم عندي من كل شيء، وسعادتي في أن تشعر أنت بالسعادة وتحقق كل ما تحلم به ولو كان الثمن حياتي لن أبخل بها عنك.

توقف عن تناول الطعام وهو يفكر في مدى تعقيد الأمر، قال بصوت خافت لنفسه: (لا بد وأن تخبرها  بالأمر مهما كان صعباً ). لكن حبها له ومدى تعلقها به هو ما جعله متردداً هكذا لا يقوى على إخبارها بالأمر، قال لها: أنتظرك في الشرفة لا تتأخري، أريد أن أتحدث معك قليلاً. جاءت سارة حاملة فنجان القهوة, طلب منها الجلوس فجلست أمامه وبعد فترة من الصمت، بدت الحيرة على حركة يديه المرتعشة وهو يحاول إشعال سيجارته، فقال: هل نال مني العمر حتى بت عاجزاً عن إشعال  سيجارتي دون عناء. أشعر أن العمر بلغ مداه وأشرف على الإنتهاء.
قالت: لم أرك يوماً تخشى من الموت هكذا.
قال: كنت دوماً أبحث عنه، أستدعيه بكل ما أملك من إصرار حتى قال لي رضوان ذات مرة أن الحب لا يرحل إنما الأشخاص فقط هم من يرحلون. أخبرني أيضاً أنه ربما أجد الحب في قلب آخر، ونصحني أن أقتنص الفرصة لأنها لا تعوض، كان والدك في غاية الحكمة.
قالت: نعم إنه كان في غاية الحكمة، كان يحسن الحكم على الأمور لكن أخبرني هل وجدت الحب؟
قال: لم أتأكد بعد إذا كان هو الحب الذي أبحث عنه.
 قالت: لا زلت تبحث عنه ؟ ألم تحاول أن تبحث عنه هنا أم أنك لا تراه موجوداً بالقرب منك، ألم تشعر يوماً كم أحببتك. أمسكت يديه برفق وهي تقول بصوت مختلط بالدموع: على الأقل لن تتخلى عني أليس كذلك؟ فأنت الحياة ومن دونك تختفي الروح.
يوسف: لن يحدث هذا أبداً.

سارة: لن أملّ يوماً من حبك ومن السعي وراء قلبك وإن رفضت هذا.
يوسف: سأسافر غداً. أفلتت يديها وهي ترد عليه في هدوء وعلى وجهها ترسم ابتسامة مغتصبة: وأنا سأنتظرك مهما نال مني الشوق وملني الصبر.
وصل إلى المطار قبل الإقلاع بأربع ساعات، إنه الشوق، يفعل ما هو أكثر بكثير، وقف ينظر في وجوه المارة يتلاعب بساعته ويتلاعب به الشوق, وفجأة اكتشف أنه يقف في  المكان الخطأ, في ( صالة الوصول)، حمل حقيبته وأشلاء شوقه المتناثر، وكانت المفاجأة حينما اصطدم بإحداهن، فأفقدها توازنها وأسقطت ما كانت تحمل من شدة التصادم، كلاهما كانا في عجلة من أمره. قال: ليلى؟ اكتشف أنها ذاتها السيدة التي تقابل معها في المغرب وتفاجأت هي الأخرى به. قالت: يوسف. قال: ماذا أتى بك إلى هنا؟
قالت: أنا هنا لحضور حفل توقيع لروايتي بمعرض الكتاب، وأنت أين ذاهب؟
قال: أنا ذاهب في رحلة عمل إلى إيطاليا.
ليلى: أوه، إنها في غاية الجمال ليتني أستطيع مرافقتك.
يوسف: ربما يجمعنا القدر من جديد هناك.
ليلى: ربما، ما رأيك في كتابي؟
يوسف: لم أقرأه بعد لكنه معي سأقرأه في الطريق.
ليلى: وستخبرني رأيك. سأمكث في القاهرة قرابة الأسبوع ربما تمكنا من اللقاء إذا رجعت سريعاً. اعذرني عليَّ الرحيل الآن، فهناك من ينتظرني في السيارة كي يقلني إلى الفندق. قال: لا عليك أنا أيضا يجب أن أذهب كي لا تفوتني الرحلة فهذه الرحلة هي أهم رحلة أقوم بها في حياتي. قالت: أنا أيضاً أرى أن هذه الرحلة هي أهم ما قمت به في حياتي. افترقا كل إلى طريقه يفكر فيما ينتظره.
وصل الفندق وهو في غاية الحماس ولم يتجاوز النهار منتصفه بعد، وبعدما وصل إلى غرفته وبعد تفكير طويل وجدال كبير مع نفسه قرر أن يقابلها دون أن يبدل ملابسه .
وقف أمام مقهى كوادري وهو في غاية الإرتباك لا يدري ما عليه فعله إلا أنه وفي النهاية جلس على طاولة خارج المقهى مطلة على الساحة الكبيرة. أتاه النادل وسأله بالإنجليزية: ماذا  تريد أن أقدم لك سيدي؟
يوسف: هل تعلم هنا امرأة إسمها فيرونيكا؟ قال النادل: نعم سيدي. قال يوسف: أيمكنك أن تخبرها أني أريد رؤيتها وسأخبرها عما أريد.
جاءت فيرونيكا في حيوية وإشراق وقالت: أمرك سيدي هل دعوتني؟
التفت إليها يوسف وهو في غاية الإنبهار من فرط جمالها، ونهض من جلسته احتراماً لها ولجمالها وهو يقول: لم تخبرني ليلى أنك جميلة إلى هذا الحد.
قالت: ليلى ؟ هل تعرف صديقتي ليلى؟
مد يده وهو يصاحفها وهو يقول: أنا يوسف.
قالت: يوسف, أنت الذي تجلس هنا في المقهى من أجله صديقتي وحيدة في انتظاره بالساعات كل يوم.

قال:  نعم أنا هو . تعالت ضحكتها وهي في غاية الفرح للقائه وهي تقول: قبل أي شيء يجب أن نحتفل بحبيب ليلى.
يوسف: هل أخبرتيني أولاً أين هي؟ كيف يمكنني أن أرى ليلى؟
قالت: لا أدري ماذا أقول لك، لكن ما أعلمه أنها غادرت  المدينة أمس. لكني أعتقد أنها لن تغيب طويلاً لأنها أخبرتني قبل أيام بقدومك في أي وقت. حزن يوسف كثيراً وكأن القدر يعانده، أراد أن يغادر إلا أنها أبت هذا وهي تقول: من يأتي إلى البندقية لا ينام باكراً، بل لا ينام على الإطلاق.
يوسف: موافق لكن على شرط. أريدك أن تخبريني عنها، عن حياتها ، أن تروي لي ما يحدث بينكم وماذا قالت عني.
فرونيكا: لكنها قالت عنك الكثير، هل تملك الوقت الكافي؟
يوسف: ما تبقى من عمري.
فيرونيكا: كانت قلباً نابضاً يعيش بيننا، بثت الحب والحيوية في كل من عرف قصتها وقصة عشقها الأسطورية. كانت دوماً تخبرنا أنها بانتظارك وأنك يوماً ستأتي مهما طال الزمن، وكنا نسخر من شعورها، لكنها كانت في غاية الإصرار والتحدي حتى أنها وعدت الجميع بحفلة كبيرة وقتما تأتي، لهذا حينما علم الجميع نظروا إليك يتهامسون لبعضهم بما قالت.
يوسف: هل أخبرتكِ عن هذه الحفلة كيف تفكر في إقامتها وماذا كانت ستفعل؟ قالت: نعم, كانت تفكر في أن تستأجر مقهى ألفريدو للاحتفال، تجمع فيه كل أصدقائها من بعد منتصف الليل حتى مطلع الفجر. وقالت إنها سترقص معك وتسكن بين أحضانك حتى تتورم قدماها ولا تقوى بعدها على الحركة.

استيقظ في اليوم التالي مبكراً، مبتسماً يُمنّي النفس بلقاء حبيبته اليوم، وقف عند موظفة الإستقبال وطلب منها أن تحجز له مقهى ألفريدو من بعد منتصف الليل حتى الفجر.
غادر الفندق، استوقفه محل صغير لبيع المجوهرات القديمة، دخل دون تردد   واشترى لها قلادة من الذهب الأبيض بوسطها أيقونة من الزمرد الأخضر القديم في غاية الجمال, وضعها له البائع في صندوق خشبي فاخر..

ساقته قدماه من فرط السعادة إلى مقهى كوادري. رأته فيرونيكا من بعيد، هرولت إليه في سعادة, سألها: ألم تتصل ليلى؟ قالت: لا لم تتصل، لكن لا تقلق فلا زال النهار طويلاً. فقال يوسف: نعم, لا زال النهار طويلاً. سألت: هل فعلتها ؟ قال: فعلت ماذا ؟ قالت: الحفلة. قال: نعم, كل شيء على ما يرام كما حلمت ليلى. قالت: يالك من مجنون. قال: نعم أنا مجنون ليلى. لا تنسي موعدنا بعد منتصف الليل، أخبري كل أصدقائها ومن تريدين فمقهى الفريدو كله اليوم ملك ليلى.
وصل مقهى الفريدو في تمام الساعة الثانية عشر بداية منتصف الليل، كان في غاية التأنق والتألق والجاذبية. كانت فيرونيكا تقف ومن حولها جمع كبير من الأصدقاء، وقف يصافح هذا ويبتسم لهذه حتى انتهى وانتهى الأمل، لم تأتِ ليلى، وحينما احتل الكل مكانه بقي هو واقفاً في ذهول، عادت إليه فيرونيكا وقد شعرت بحزنه فقالت له في تأثر: ستظل واقفاً هكذا؟ ألقى بجسده على المقعد كجثة هامدة إنتزعت منها الروح فجأة، قال: كنت أحلم برؤيتها.

فيرونيكا: ستراها، هذه القصة العظيمة لم ولن تنتهي بهذه الطريقة لا تقلق، دعنا نستمتع بهذه الليلة كما كانت تحلم ليلى. سستعاتبني كثيراً إن تركتك هكذا غارق في حزنك. قال: دعينا نرقص كما تمنت ليلى أن تفعل.
ودع فيرونيكا بكلمات قليلة: كم كنت سعيداً برفقتك فيرونيكا. قالت: ألن تقضي الليلة معنا. قال: لا أستطيع ، عليَّ الذهاب لترتيب نفسي للمغادرة. إن أتت ليلى أبلغيها حبي وأشواقي، أخبريها أننا سنلتقي قريباً ربما أسرع مما نتخيل.

أفرغت حقيبتها على الفراش، تفتش في أغراضها لكنها لم تجد ما تبحث عنه. كيف سترى يوسف وقد اكتشفت أنها فقدت الورقة المدون عليها عنوانه، تعجز عن التفكير، تعاتب نفسها كيف فقدتها ولماذا لم تحضر رسائله معها؟ لم تجد مفراً من الإتصال بفيرونيكا. اتصلت كثيراً بها في المقهى لكن فيرونيكا لم ترد سوى بعد عدة مرات. قالت: فيرونيكا؟ أنا ليلى. قالت فيرونيكا: أين أنت؟ قالت ليلى: لا يهم الآن كل ما أريده منك. قاطعتها فيرونيكا قبل أن تكمل طلبها وهي تقول: يوسف كان هنا. كان هنا بالأمس، كان في انتظارك. قالت ليلى: منذ متى وهو في البندقية، وهل لا زال عندك ؟ قالت فيرونيكا: منذ يومين وأعتقد أنه غادر اليوم صباحاً. قالت ليلى: لماذا لم تخبريني حينها. قالت فيرونيكا: كيف أخبرك وأنا لا أعرف مكانك, ولم تخبريني حتى الآن أين أنت؟ قالت ليلى: اعذريني كان أمراً طارئاً، أنا في القاهرة لحضور ندوة في معرض الكتاب. ثم بدأت فيرونيكا في سرد كل ما حدث حتى غادر. كانت تسمع وقلبها يأن وجعاً وحزناً. كانت تنتحب بحرقة حتى قالت لها فيرونيكا: أنت في القاهرة أليس كذلك ؟ إذاً يمكنك الذهاب إليه كما فعل. تمالكت أعصابها وتوقفت عن البكاء وهي تقول: لهذا أريدك أن تذهبي إلى غرفتي، هناك صندوق صغير في خزانة ملابسي به بعض رسائله، أريد منك أن تبعثي لي عنوانه لأني فقدت الورقة المكتوب عليها عنوانه.
انتفض قلبها فرحاً حينما رأته يدخل من باب المنزل يمشي في وقاره وهيبته المعتادة، أسرعت نحوه يدفعها شوقها وحبها إليه، احتضنها في رقة وحنان وهو يقول: لم يزد الأمر عن يومين.
ردت سارة: كأنهم  عامان.
تخلت عن دفء صدره وهي تنظر إلى عينيه وتقول: لماذا أراك حزيناً هكذا، ماذا حدث؟
قال: هل يمكن أن لا نتحدث في الأمر؟ دعيني أدخل أولاً فقد أرهقني طول الطريق إلى هنا.
جلس على الأريكة وجلست إلى جواره. قالت: هل نسيتني؟ قال: وكيف أنساك؟ قالت: لا عليك وإن لم تشتري لي شيئاً فقدومك اليوم أغلى هدية  لي في حياتي. لم يجد مفراً حتى يتخطى هذه العثرة أن يفتح حقيبته, وقبل أن يمد يده  مدت هي يدها حينما وقع نظرها على الصندوق الخشبي, أمسكته بيديها وهي تسأله فرحة: ماذا به؟ إنه صندوق جميل.
يوسف: يمكنك فتحه. انه لك !!!
جلس وحيداً في الشرفة يفكر فيما وصل إليه، إلى أن دخلت سارة عليه بعدما ارتدت القلادة فطوقته ذراعيها من الخلف بعدما طبعت قبلة رقيقة على رأسه وهي تقول في رقة: شكراً.

قال:على ماذا تشكريني؟ أنت من يستحق الشكر على كل ما قدمتِ من أجلي.
جلست أمامه وهي ممسكة بيديه لا تريد أن تتخلى عن لمسته, انتبهت له وهو يضع سيجارة في فمه وعلى وشك إشعالها، قالت له وهي تنهره في لين ورقة: إن كنت لا تخشى على نفسك فأنا أخشى عليها كثيراً.

قال: هل تخافي من موتي؟ قالت: لماذا تتكلم كثيراً عنه, يوسف لا أريد أن أخسرك. أتذكر ذلك اليوم. لقد أخبرني والدي بما تعاني, وأعطاني رقم الهاتف الخاص بطبيبك.
يوسف: أخبرك أيضاً بذلك، لم ينس شيئاً ذلك العجوز.

الساعة العاشرة صباحاً، المكان ...بهو فندق هيلتون القاهرة، يقف يوسف أمام موظف الإستقبال ينتظره كي يأتي له بمفتاح الغرفة، تقف إلى جواره مولية ظهرها تبحث  في حقيبتها عن شيء، وما هي إلا ثوان معدودة حتى التفت بعدما أخد المفتاح والتفتت هي الأخرى لتتحدث إلى الموظف، نظر إليها مبتسماً ونظرت إليه بابتسامتها الرائعة، كسرت حالة الصمت والسكون بسؤال محير: هل تتكرر الصدفة هكذا من  تلقاء نفسها دون سبب؟
فأجابها يوسف: ربما يملك القدر سبباً لهذه الصدفة لكننا نجهله.
ليلى: وهل نكتفي بالجهل؟ يجب أن نبحث عن سبب.
يوسف: كيف وجدت مصر؟ قالت: وجدتها جميلة كما قرأت عنها وإن عجز الكتاب عن وصفها، لكن هل تعلم أني لم أغادر الفندق إلا للذهاب إلى معرض الكتاب فقط، لم أذهب إلى مكان آخر.

قال: وهل يعقل هذا، سأفعل معك ما فعلتي معي في المغرب. لا يمكنك الهروب مني اليوم، سترين مصر كما لم ترينها من قبل.
تحت شمس الشتاء الدافئة تقف ليلى أمام الأهرامات في غاية الإنبهار، كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها عظمة الحضارة التي حيرت العالم أجمع، قالت وهي تشير إلى الأهرامات: إنه الحب من يصنع هذه العظمة ولا شيء سواه. امتد الحديث عن الحب حتى وصلوا سوية إلى شاطيء نهر النيل، أخذت من  طفلة تبيع الورود وردة، قربت الوردة من شفتيها وتمنت أمنية ثم أعطتها ليوسف وطلبت منه أن يفعل مثلها ويتمنى أمنية, فعل يوسف ذلك وهو يبتسم، أخذت منه الوردة وقذفتها في النهر وقالت له : ماذا تمنيت؟ يوسف: تمنيت أن ألتقي بحبيبتي.
 ليلى: هل قررتْ الصدفة أن تجعلنا لعبتها اليوم؟
يوسف: لا تخبريني أنك تمنيتِ نفس الأمنية.
ليلى: نعم هي الأمنية ذاتها.

 قال لها بعدما أمسك يدها وهو يشدها برقة: دعينا نغادر هذا المكان فالصدفة تطاردنا. لقد حجزت مكاناً على مركب عائم لتناول العشاء. أطاعت ليلى رغبته دون أن تتفوه بكلمة، لكنها شعرت بشيء غريب قد سرى في جسدها جراء لمسته، أفلتت يدها في خفة حينما اقتربا من السيارة وهي تقول لنفسها بصوت مسموع: إنها أكبر من مجرد صدفة.
دخل وهي إلى جواره ممسكة بيده، جلس وليلى أمامه يسترقان النظر إلى بعضهما بين الحين والآخر. وبعد فترة من الصمت قالت ليلى: غريبة الصدفة, كلما بحثنا عن سبب أتت الصدفة لتلقينا في حيرة أكبر. قال: أشعر وكأن رابطاً مجهولاً أو خيطاً رفيعاً يربط فيما بيننا، يربط ما بين شعورنا، وفكرنا، نظرتنا للأمور، وكأننا على سابق معرفة لا ندري. ردت عليه: هو نفسه الشعور الذي احتلني، ألقاني في حالة الإرتباك والتشوش حتى فقدت القدرة على التفكير والكلام. قال: أرأيتِ، حتى شعورنا بالأمر واحد. 
عندما انتهيا من تناول الطعام وهمّا بمغادرة المكان, وقفت ليلى ساكنة تنظر إليه بينما كان يرتدى معطفه، وعندما انتبه لنظراتها الغريبة ابتسم وهو يسألها: ماذا بك ؟ قالت: لا شيء. هل يمكننا الذهاب إلى الفندق  سيراً على الأقدام، إنه قريب من هنا إن لم يخونني التقدير.
وبعد ابتعادهما قليلاً عن المركب, اقتربت منه قليلاً حتى اصطدمت يدها بيده, لم تجد مفراً من الإذعان لرغبتها في احتضان يده. شعر بسعادة بالغة, التفت إليها وقال: لو كنت أملك الخيار في اختيار من أحب لاخترتك.

تابعا سيرهما في صمت وتسلمت منهما الأصابع أطراف الحديث وتبادل عبارات الحب والشوق. كانت اللمسة أقوى من الكلام ومن المنطق لتصديق ما يحدث، اعترفت أصابعها الدافئة الناعمة بحبها المجنون له، وردت عليها أصابعه القوية الحنونة بأنه في حاجة إليها. بدأ المطر بالسقوط, خلع معطفه الأسود ووضعه على جسدها، ظلت منكمشة تتستر بذراعه حتى وصلا أمام الفندق، وعندما همت بخلع المعطف مد يديه ووضعها على جسدها ممسكاً به وهو يقول: حينما نتقابل مرة أخرى أعيديه لي. سألته في لهفة : متى  نتقابل؟ قال: نترك الأمر للصدفة.

افترقنا وذهب كل منهما إلى غرفته وبقي السؤال بلا إجابة، هل يمكن أن تكون هي؟ هل يمكن أن يكون هو؟.
وقبيل مغادرته الفندق أعطى لموظف الإستقبال ورقة وأوصاه بتسليمها إليها. وصل إلى شركته التي انقطع عنها لمدة طويلة ، استقبلوه في حفاوة وفرحة بالغة، على الرغم من أنه مالك الشركة إلا أنه كان محبوباً من الجميع. توقف عند باب مكتبه والتفت ينظر إليهم وينظر المكان وكأنه أول مرة يراه أو لآخر مرة سيراه، وقبل أن يدخل إلى مكتبه أشار لهم بيديه وكأنهم يودعهم. دخل ومن ورائه مصطفى مدير الشركة حاملاً بعض الأوراق.

دام الإجتماع لأكثر من ساعتين، ناقشا كل ما يخص العمل وما يخطط له في الفترة المقبلة. شعر ببعض الإرهاق، وضع يديه على صدره لشعوره بضيق في التنفس، سأله مصطفى: هل بك شيء؟ أرى صحتك قد تداعت كثيراً. قال يوسف: لا تقلق إنه أمر عارض، أين المحامي؟ قال مصطفى: طلبته وهو الآن في طريقه إلى هنا. شعر ببعض التحسن فقام من مكانه، وقال: سأغادر، أخبر المحامي أن يأتي إلى منزلي. رافقه مصطفى إلى الباب وكان يمشي على مهل وفي ضعف. شعر بدوار عنيف، توقف واستند على الحائط، اقترب منه مصطفى يحاول أن يساعده، وفجأة عجزت أقدامه عن حمله فتهاوى جسده وارتطم بالأرض وفقد الوعي.
استفاق على نحيب وبكاء سارة الواقفة إلى جواره. قال الطبيب: عليه الراحة التامة, وعليه أيضاً الإمتناع عن التدخين وشرب القهوة. رد عليه يوسف ساخراً: لماذا لا تقول يمتنع عن الحياة وينتهي الأمر. قال الطبيب: إن لم تتبع أوامري ستمتنع عن الحياة بالفعل، لا مجال للتهاون، الأمر في غاية الخطورة.

غادر الطبيب ومن خلفه مصطفى وبقيت سارة تحاول  مساعدة يوسف على ارتداء ملابسه، تهون عليه الأمر وقد زاده كلام الطبيب ضيقاً وغضباً. وقف الطبيب يخبر مصطفى بخطورة الأمر: هذه المرة أخبره إن استمر على حالته لن يمكث طويلاً على قيد الحياة فحياته مرهونة بأفعاله، فقد تمكن منه المرض وبعد فترة وجيزة لن يتمكن من الحركة. سأله مصطفى في قلق: وماذا علينا أن نفعل؟ هل يمكننا علاجه في الخارج؟ قال الطبيب: لقد فات الأوان لهذا الأمر، كل ما يمكن فعله هو رعايته ومنعه من الإجهاد، مع التشديد على تناول علاجه في موعده دون تفريط.

قبل أن يغادر اقترب منه مصطفى وضمه بقوة وهو يقول: اعتني بنفسك يا صديقي، فكلنا في حاجة إليك. رد عليه يوسف في صوت ضعيف: لا تنس أن تبعث لي المحامي غداً دون تأخير.

 تلملم ليلى أغراضها، لم يتبق سوى ساعات قليلة لتغادر، حاولت الإتصال بفيرونيكا كثيراً إلا أنها عجزت عن التواصل معها حتى فقدت الأمل، تنعي  أملها وتترجى القدر أن يكون إلى جوارها. تمشي في بهو الفندق في ثقل، تجر حقيبتها، وما إن اقتربت من باب الفندق حتى سمعت صوتاً يناديها، وجدت موظف الإستقبال يشير لها من بعيد ويقول بصوت عال: آنسة ليلى، هناك من يريدك على الهاتف. شمت رائحة الأمل، تركت حقيبتها وتسارعت خطواتها متجهة إليه. التقطت سماعة الهاتف فرحة وهي تقول: فيرونيكا أين أنت؟ اتصلت بك كثيراً ! قالت فيرونيكا: اعذريني يا صديقتي فقد عانيت كثيراً كي أجد من يستطيع قراءة العربية. إنه معك كي يخبرك العنوان. دونت العنوان وأغلقت الهاتف دون أن تودع صديقتها. التفتت إلى الموظف تسأله وهي تعطيه الورقة: هل تساعدني في الوصول إلى ذلك العنوان. قال الموظف: مرسي مطروح، إنها تبعد كثيراً عن هنا. قالت ليلى: هل تخبرني كيفية الوصول إلى هناك. قال الموظف: هل يمكنك الإنتظار قليلاً كي أجد من يستطيع اصطحابك إلى هناك؟
وبعدما ابتعدت خطوات ، نادى عليها مجدداً، فعادت له وأعطاها ورقة مطوية وهو يقول: هذه الورقة تركها الأستاذ يوسف وأوصاني أن أعطيها لك، كدت أنسى اعذريني. فتحت الورقة وقرأت ما بها: أشعر باقتراب الصدفة التالية أو أتمناها، سأنتظرك. وبعد ساعة تقريباً أتى الموظف يخبرها أن هناك سيارة تنتظرها في الخارج لاصطحابها إلى وجهتها.
استيقظ يوسف اليوم مبكراً، كان في حالة إعياء شديد، تلون وجهه باللون الأصفر الباهت فبدا عليه الشحوب الشديد، قام من فراشه متثاقلاً يمشي ببطء، استند على كل شيء في طريقه حتى وصل إلى باب الغرفة، رأته سارة على هذه الحالة، أسرعت إليه وأمسكت بيده ووضعتها على كتفيها وهي تقول: ماذا بك ؟ هل تشعر بشيء ؟ قال: لا تقلقي، ربما بعض الألم جراء برودة الجو. أريد أن أجلس بالشرفة لقد اشتقت إلى قهوتك.. وصلا بعد معاناة إلى الشرفة فأجلسته وهي تلهث، نظر إليها وعيناه تلمع من فرط حزنه على حاله وهو يقول: آسف، فقد بت حملاً ثقيلاً. قالت سارة: ولو تطلب الأمر أن أحملك ما تبقى من عمري لفعلت، لكن الأمر لن يطول وستكون بخير. أجاب يوسف: نعم أشعر بذلك. أشعر بأن الأمر لن يطول. فهمت قصد كلامه، فبكت بشدة وهي تنهره وتقول: لا أريد أن أسمع منك هذا الكلام مرة أخرى.

 كان يشعر بدنو أجله، لم يكن الموت هو سبب حزنه لكن ما كان يؤلمه أن يحول بينه وبين ملاقاة حبيبته المجهولة. وقعت سارة في حالة صراع مع ضميرها وكانت تشعر أيضا بحزن دفين لا تجد له سبباً سوى الفراق، لماذا لا تحاول أن تساعده في آخر أيامه، لكن ماذا تفعل؟ هكذا كانت تتسائل، لو كانت تعلم مكانها لذهبت إليها وترجتها أن تأتي إليه.

جلست إلى جواره تساعده على تناول الإفطار، وتفكر كيف تخبره بالأمر؟ كل ما كانت تخشاه هو غضبه، وفجأة قالت: سأذهب لإحضار القهوة ، لكن... هناك أمر أريد التحدث فيه. قال: وما المشكلة؟ قالت: هل تعدني أن نتحدث في الأمر؟ قال: وما هو الأمر؟ وضعت القهوة وقالت: هل تخبرني عن حبيبتك؟ صمت يوسف وهو ينظر لها متعجباً من السؤال، حتى طمأنته وهي تقول: لا تقلق، لم ولن أغضب من شيء يسعدك، فقط أخبرني، أريد  أن أعرف وأريد أيضاً أن أخبرك بما أعرف. قال: وهل تعرفين شيئاً؟
قالت: القليل، لكن أخبرني أنت أولاً.

أخبرها عن كل ما حدث منذ اللحظة الأولى حتى الآن. حمل بعض الأوراق، وقام بإعطائها ما يحمله وهو يقول: هذه هي خطاباتها. نظرت إليه وهي تبتسم ابتسامة مغلفة بحزن وممزوجة بألم وهي تقول: هناك رسالة مفقودة. انتبه يوسف لما قالت واعتدل في جلسته وهو يسألها في تعجب: عن أي رسالة تتحدثين؟ قالت: ذات يوم قبل أن نتزوج كنت آتية لأراك، كنت أقف عند الباب فجاء ساعي البريد يحمل إليك خطاباً وطلب مني أن أسلمه لك، لكن حينما وقع نظري على إسمك مسبوقاً بحبيبي استشاط قلبي غضباً وتملكتني الغيرة، كنت أحبك ولا أرى شيئاً سواك، فتحته وبعدما قرأت ما فيه مزقته. اكتفى يوسف بالصمت والنظر إليها، اقتربت منه وجثت على ركبتيها بجواره وتعلقت بذراعه وهي تقول بكلمات مختلطة بالدموع: سامحني، ربما لو كان قد وصلك ذلك الخطاب لتغيرت الأمور، ربما لم تتزوجني وربما استطعت أن تلتقي بها وتقضي ما تبقى من حياتك في سعادة.

قام يوسف من مكانه ولا زال صامتاً، أمسك بيديها يساعدها على النهوض وهو يقول: لماذا كل هذا الحزن والندم، إن كان هناك من ظلم الآخر فهو أنا ولست أنت، يجب أن تعلمي أننا لا نملك حيلة في تدابير القدر وإن أوهمنا أنفسنا بأننا نخطط ونستطيع تسيير الأمور فذلك أيضاً من تدابير القدر. قالت: ألم تغضب مني؟ قال: وكيف أغضب ممن تحملتني وعشقتني كل هذا العشق دون مقابل. سألها: هل تتذكري محتوى تلك الرسالة. قالت: نعم. أخبرته أنها كانت دعوة لحضور حفل توقيع أول رواية لها في المغرب في فندق تروبيتال. تعالت ضحكاته وهو يقول: كانت هي، كانت هي. قفزت السعادة في قلبه, ولأول مرة منذ زمن طويل تدمع عيناه من فرط السعادة، سألته عن ما يقصد بكلمة (هي) لكنه عجز عن الإجابة. شعر وكأن شيئاً من قوة  بدأ يتسلل إلى جسده، لم يعد يشعر بالألم، قام من مكانه وهو يمشي في ثقة واتزان على عكس حالته منذ ساعات، وصل إلى الصالة فتح حقيبته وأخرج منها الكتاب وأعطاها إياه وهو يقول: هي ليلى. إقرأي ما على الكتاب. قالت: هل هي ذاتها ليلى التي أحبتك دون أن تراك؟ قال: نعم, قابلتها دون أن أدري أنها هي، قابلتها في فندق تروبيتال في المغرب وتحدثنا كثيراً.
بدأ في الضحك مرة أخرى وهو يردد: لكني لم أعلم  أنها هي. إنها هنا, التقينا كالعادة عن طريق الصدفة في القاهرة أول أمس، كنت أشعر أنها هي من أبحث عنها لكني لم أصل حينها إلى حد اليقين. قالت: إذاً الأمر الآن في غاية السهولة دعنا نذهب إليها الآن. قال: لا داعي فلم يتبق من الوقت الكثير.  كنت أحلم لقائها فالتقيتها دون أن أدري، سعيت وراء السعادة وأدركتها وأنا أجهل مصدرها، وجدت السكينة والهدوء معك في هذا المنزل ولا حاجة لي الآن لسواهما، وإن سمح لي القدر برؤيتها سأراها، دعينا من هذا الأمر.

شعر برغبة في الهروب وقد ضاق به الحاضر وعاد الماضي يحمل من القسوة والحزن الكثير، اتجه نحو الباب في خطى حزينة وفي صمت تام، وحينما وصل إليه أسرعت سارة وهي تقول: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: أريد أن أرى البحر، ربما أدركت لحظة الغروب قبل الغروب. وحينما فتح الباب مشرفاً بالرحيل, اصطدم نظره بالمحامي، رحب به ودعاه إلى الدخول وجاءت سارة مرحبة به, وكانت قد تعرفت به سابقاً. طلب منها يوسف أن تصنع لهما القهوة. اصطحبه يوسف إلى الشرفة كي يكون بعيداً عن مسمعها، وما إن جلسا حتى طلب منه أن يقوم بالترتيب لإنشاء مستشفى خيرياً كبيراً في القاهرة للأطفال، وأن يطلق عليها إسم زوجته الراحلة، وطلب منه أيضاً أن يخصص ربع أرباح الشركة السنوية للأعمال الخيرية، وما تبقى فيكون بإسم زوجته الحالية سارة. صمت لبعض الوقت ثم قال: أريد إنشاء دار للنشر  بإسم ليلى. قال المحامي: إسمح لي سيدي من هي ليلى؟ قال يوسف: أعذرني لم أفهم سؤالك. قال المحامي: أعني اسمها بالكامل كي أستطيع أن أتمم الأوراق. قال: لا أعلم ولم أفكر يوماً في سؤالها هذا السؤال. قال المحامي: لاعليك سيدي، فقط أعطني معلومات عنها وأنا سأتدبر الأمر.
أتت سارة ووضعت القهوة وغادرت حينما شعرت بسرية ما يدور، شكرها يوسف وحينما غادرت طلب من المحامي ورقة وقلماً. كتب رسالة ثم طوى الورقة عدة مرات وهو يقول: كل ما أعلمه الأن عنها أنها مرشحة لجائزة الرواية العربية بعد أيام في دبي، عن رواية (الحب المجهول). أريد منك أن تكون هناك ومعك باقة من أجمل الورود، أريدك أن تعطيها إياها مع الرسالة وترتب معها الأمر. قال المحامي: أمرك سيدي ،متى تريد مني أن أفعَل ذلك؟ قال: أريد أن تكتب كل ما قلت في وصية تُفعَل بعد موتي. ما عدا رحلتك إلى دبي يجب أن تكون في الموعد.

خرج يوسف ووقف خارج المنزل يتفحصه ويطيل النظر إلى كل جزء فيه، طالت وقفته أمام الجدار الزجاجي وهو ينظر إلى صورة حبيبته الكبيرة الكائنة فوق المدفأة، أطال النظر إليها مبتسماً وعيناه تلمع بالدمع، رفع يده عالياً وكأنه يودعها إلى حين، وبينما كان يمشي على الممر الخشبي جال بنظره إلى كل جزء في المكان، ينظر وكأنه يودعه، يودع كل ذكرى عاشها فيه. استدار برأسه ليرى البحر بدأ رحلته إليه بخطى بطيئة وحركات متثاقلة، ينظر إلى كل شيء من حوله، وصل بعدما انهكته قوة الرياح ونعومة الرمال، ابتسم حينما شعر بالمياة تداعب أقدامه. مضى خياله في أثرها، قفزت في خياله كل المشاهد التي جمعته بليلى في المغرب, على الطرقات وعلى شاطيء البحر, وجلستهم سوياً لتناول القهوة في الفندق, وحينما قابلها في المطار صدفة, وكيف أن اللقاء لم يطل ولم يجمعهما سوى كلمات قليلة مقتضبة، وكيف كان اللقاء سريعاً في القاهرة, وكيف كان شعوره عند أول لمسة من يدها. تنهد تنهيدة طويلة وأطلق من بعدها أنة واهنة وهو يتذكر كلامها عن الحب واللقاء حتى أنه قال بصوت عال يتحدى به صوت البحر: أين أنتِ، أين أنتِ؟

وصلت ليلى بعد طول معاناة. وقفت أمام الباب الخارجي للمنزل وقد تمكّن منها الإرتباك، لكن شوقها بلغ مداه عجزت معه عن التفكير، لا ترى أحداً لتسأله إن كان هذا منزل يوسف أم لا، وفجأة التفتت لترى البحر وكأنه يناديها يستدعيها بكل قوة، رأت شخصاً جالساً بالقرب منه, حدثتها روحها أن تذهب إليه وتتأكد من صحة المكان، فقد  كان المكان مهجوراً إلا من هذا المنزل. تركت حقيبتها عند الباب وانطلقت نحوه في ارتباك وكلما اقتربت منه خفق قلبها بشدة، اقتربت منه حتى باتت على بعد خطوات قليلة منه، اقتربت أكثر وهي تقول: اعذرني... لم تكمّل ما كانت تريد أن تقول وقد التفت إليها فرأت وجهه. نهض من مكانه فزعاً ينظر لها ولا يقوى على الكلام، تنظر له هي الأخرى في صمت مدهوشة من هول المفاجأة، وحينما تمالكت نفسها وأدركت الأمر، تأكد لها دون مجال للشك أنه هو، قالت له وهي تبتسم وتقول: جئت إليك كما وعدتك كي أخبرك أني ألتقت بحبيب عمري، كم هو وسيم وجذاب، إنه بالفعل يستحق كل ما عانيت وأكثر. قال: لم أكن أتخيل أن أراك مرة أخرى. قالت: هل تتذكر حينما أخبرتك في رسائلي إليك أننا سنلتقي.

قال: نعم أتذكر، لقد كتبتي حينها، سيجمعنا المكان، ذاته البحر وذاتها الرمال، سأخبرك حينها أن الحب لا يعرف المحال، ووحده يصنع المعجزات. 
ليلى: إنه يقيني بالحب وإيماني بعدل القدر هو ما دفعني للإنتظار وتصديق الأمر.
 رد عليها في صوت ضعيف: تحققت الأسطورة القديمة.
قالت: أتقصد الوردة. قال: نعم. ابتسمت وهي تقول: كنت أشعر بذلك لأن الحب وحده قادر على خلق كل تلك الصدف. قال: نعم هو الحب ولا شيء سواه. سألته وهي تقترب منه ببطء: هل صدقت شعورك أم أنك أدركت الأمر متأخراً. رد عليها وهو يقترب منها في بطء: شعرت بالأمر، صدق قلبي إلا أن عقلي أبى، حتى أدركت الحقيقة اليوم. قالت: أما أنا فشعرت وصدقت وجئت اليوم إلى هنا كي أثبت لعقلي أنه لم يكن لقلبي أن يكذب عليّ يوماً. وقف ساكناً دون حراك ينظر إليها في حزن وهو يقول: الأهم أننا أدركنا هذه اللحظة قبل الفراق الطويل. قالت: الفراق الطويل؟ قال: نعم, أشعر بالنهاية، وشعرت بقربها أكثر حينما رأيتك الآن. قالت: وهل ترحل حينما نلتقي، أنت من أخبرني أني لن ألتقي بحبيبي في البندقية إلا إن اصطحبته معي إلى هناك. ابتسم وهو يقول : ربما فات الأوان على ذلك. ردت ليلى: لا, لم يفت الوقت، لا زال هناك المزيد.

اقتربت أكثر وهي تقول: هل تسمح لي بالأقتراب منك ، أريد أن ألمسك وأشم رائحتك وأسمع نبض قلبك وهو يخبرني كم يحبني، أريدك أن تسمع لهفة قلبي وأن تحتوي شوقي وتخبره أنك قريب، أنك حقيقة لا خيال. ضمها إليه بقوة وهو يعبث بشعرها، يحاول أن يشم كل جزء منها، تتسارع دقات قلبه تتزاحم الكلمات على لسانه، يريد أن يقول لها كل شيء، ويخبرها بما يشعر لكنه يشعر بضيق الوقت حتى أنه بكى، قال لها بصوت مختلط بدموعه الحارقة الحزينة: هل يسمح العمر بأن أخبرك بكل ما أشعر به الآن، كم أود أن يحنو القدر ويسمح لي أن أعيش ما تبقى من حياتي إلى جوارك. تخلت عن حضنه حينما شعرت برغبة جارفة للنظر إليه، ولما رأت الدموع تسكن عينيه، شعرت بمدى وجعه وحزنه فبكت وهي تقول: لم لا يسمح؟ فقد عانينا كثيراً حتى نلتقي، حتى أسمعك وتسمعني، وإن لم يسمح فأرجوه أن لا يتركني وحيدة من دونك وأن يسمح لي بأن أكون إلى جوارك.

شعرت بجسده يترنح على وشك السقوط فحملته من بين ذراعيها لكنها لم تمكث طويلاً حتى خارت قواها فسقطا أرضاً. جلست إلى جواره ضمها إليه وهي تبكي وتقول: ماذا بك ؟ أخبرني كيف أساعدك؟ هل أساعدك في بلوغ المنزل ؟ قال: لا داعي، فما تبقى ليس بالكثير. قالت: ليتني أملك من القدرة كي أهبك ما تبقّى من عمري. فرد عليها: وإن فعلت أين نهرب من الفراق، فهو قدر محتوم لا مهرب منه إلا إليه. فقالت: أن أفارقك أنا أهون عليّ من رحيلك.
تشبثت بجسده فهزته هزاً عنيفاً وهي تقول: لا تتركني وحيدة. 
أجابها: لن تكوني وحيدة طالما الحب على قيد الحياة، ستذكريني مع كل رشفة من فنجان قهوة قليلة السكر.
ليلى: سأتذكرك طالما حييت لن أنساك أبداً.
 جاءت سارة وألقت ما بيديها حينما رأته على هذا النحو، هرولت باتجاهه ولم تعير من تجلس إلى جواره انتباهاً ولم تسأل أو تتسائل، جلست إلى جواره وهي تبكي وتنظر إليه، لم تستطع أن تفعل شيئاً سوى البكاء حزناً ووجعاً، مد يديه لها في ضعف فأمسكها وهو يقول مبتسماً: هذه ليلى قد سمح القدر أن أراها قبل الرحيل. سارة: لماذا تقول ذلك، ستكون على ما يرام. قال: لقد انتهى الأمر يا صغيرتي، شكراً لك على كل ما فعلت من أجلي ، شكراً لحبك الذي وهبتيني إياه دون مقابل، أعظم أنواع الحب ما كان بلا مقابل. حينها انهارت سارة في البكاء، ازداد نحيبها كلما نظرت له وهو في أوج ضعفه مع عجزها عن فعل شيء، أرادت أن تذهب لإحضار الطبيب فأمسك بيديها ونهض واقفاً مستجمعاً ما تبقى في جسده من قوة وهو يقول: لا داعي. وضع يديه مستنداً على أكتاف سارة الرقيقة وهو يبتسم في ضعف وينظر إلى ليلى وكانت تبكي دون توقف ويقول: هذه أمانتي أستودعها الله لا تتخلى عنها. نظرت له سارة والدموع تنهمر من عينيها دون صوت مع ابتسامة ضعيفة وهي تمسك القلادة بأطراف أصابعها وتقول: هل كانت لها؟ أجابها بإبتسامة ضعيفة مغتصبة ففهمت ما يقصده، قامت بإزالتها عن رقبتها في هدوء وأعطتها إياها وهي تقول: كان يتمنى أن يراها وهي تسكن صدرك. ردتها إليها ليلى وهي تقول على استحياء: لن أقبلها فهي لك. سارة: إنها لك، كان يراك حينما اشتراها، لا تحرميه من هذه اللحظة ولا تحرميني من فعل شيء أخير من أجله. مد يده في ضعف وأمسك بيد ليلى وهو يشير لها بعينه أن تقبلها، وفي النهاية أذعنت ليلى لطلبه وارتدتها. اقتربت سارة منه وقبلت رأسه وهي تقول: شكراً، أخيراً أعطيتني فرصة كي أحقق لك شيئاً كنت تحلم به. استعاد يوسف بعضاً من قوته فاعتدل قليلاً في وقفته واستقام ظهره، نظر لهما مبتسماً وهو يقول: هل تركتموني لبعض الوقت، سألحق بكما بعد قليل. تبدل حزنهما فرحة لتحسن حاله، ولما أرادت ليلى أن تمكث إلى جواره قال لها: لا تقلقي سأكون بخير، وكيف لا أكون في أحسن حال بعد رؤيتك، أشعر برغبة في فنجان قهوة. سألته سارة وهي تبتسم: أي منا تريدها أن تصنعها لك؟ نظر لهما في ضعف وهو يبتسم  ويقول: إذاً سأطمع في فنجانين. غادرتا المكان على أمل أن يلحق بهما وقد بدا عليه التحسن والتماسك، ظل يراقبهما وهما يسترقان النظر إليه  بين الحين والآخر حتى اختفيا عن نظره، فخارت قواه وبات عاجزاً عن الوقوف وألقى بجسده على الرمال وسلم لضعفه واستسلم للقدر ينتظر منه كلمة النهاية بكل رضا.


                                            النهاية.



إرسال تعليق