الخميس، 22 فبراير 2018






تلخيص رواية
اغتصاب ولكن تحت سقف واحد: دعاء عبد الرحمن
إعداد وإشراف: رجاء حمدان
اعتدل جاسر في جلسته في اهتمام وهو يتفحص ملامح ابنه الأصغر ثم قال في هدوء: بتقول إيه يا علي. فقال علي في تلعثم : بقول عاوز أتقدم لأحلام بنت خالتي. وقف الأب وهو ينظر إليه نظرات غاضبة وهو يقول: أحلام بنت سميحة؟! وهيّ دي بقى الزوجة الصالحة اللي انت بتتمناها؟ فقال علي: يا بابا والله أحلام بنت كويسة... وخالتي سميحة اتغيرت. هتف جاسر بعنف: بأمارة أمك اللي قطعت أختها بسبب تصرفاتها وموصياني قبل ما تموت أنه محدش منكم يفكر في بنتها مجرد تفكير.
لم يستطع الأب كتمان ثورة الغضب التي نشبت في صدره أكثر من ذلك, أمسك الهاتف وضغط على عدة أرقام ثم وضع سماعة الهاتف على أذنه .. تكلم إلى ولده الأكبر وكأنه يصرخ : أيوه يا حسين, تعال عندي هنا حالاً وهات معاك أخوك إبراهيم ...مش عاوز أسئلة... أنا مستنيكو.
أغلق الهاتف في حدة وكأنه قبض قلب ابنه علي في يديه عوضاً عن سماعة الهاتف, فبدأ جبين علي يتصبب عرقاً وأحمرّ وجهه, وتمنى لو أنه لم يكن أعرب عن رغبته في الزواج من أحلام. وقف الأب بين أبناؤه الثلاثة وتوجه بالحديث إلى ولده حسين قائلاً : شايف يا حسين أخوك عاوز يتجوز مين ؟ نظر حسين إلى علي نظرة عتاب ثم أعاد النظر إلى والده مرة أخرى ولم يتكلم. فهم الأب من نظرتة تلك أنه كان على علم بالأمر من قبل, فصرخ غاضباً: يعنى عارف ومخبي عليّا يا حسين.. ما تتكلم. قال حسين في ارتباك: يا بابا والله أنا حاولت معاه كتير.. لكن واضح أنه متمسك بيها أوي. قال علي: بصراحة أنا بحبها ومش هتجوز غيرها.. جيت آخد موافقتك علشان مبقاش عملت حاجة من وراك. أنهى عبارته وغادر بنزق وغضب.

حسين, حسين. أفاق حسين من ذكرياته على صوت زوجته عفاف وهي تقول : ده أنا بقالي ساعة بنده عليك وأنت ولا أنت هنا...إيه كل ده سرحان؟ تنهد حسين تنهيدة طويلة ونظر إلى زوجته قائلاً: افتكرت أبويا الله يرحمه.. لما اتصل بينا وجابنا على ملا وشنا لمّا علي قاله أنه سيتزوج من أحلام. فقالت عفاف: ياه.. ده انت روحت لبعيد أوي...فوق العشرين سنة. قال في حزن: الله يرحمه مش لو كان سمع كلامنا من الأول كان زمانه... عفاف مقاطعة: استغفر ربك يا حسين ده قدر ونصيب, ربنا كاتبله يتجوزها ويخلف منها تلات عيال. لمعت عينيه في عزيمة وأصرار وهو يقول: هلاقيهم يا عفاف لازم ألاقيهم ..علي الله يرحمه وصّاني أدوّر عليهم وأجبهم هنا وسطنا فى بيت العيلة.. ومن ساعتها وأنا بدوِّر عليهم وإن شاء الله هلاقيهم قريب..أنا خلاص قربت أوصلّهم.
نادت عفاف على ابنتها فرحة وقالت: تعالي ساعديني, أبوكي وأخواتك زمانهم جايين من الشركة. لوّحت فرحة بيديها في ضجر وهي تقول: ما هي لو جات على بابا حبيبي وأخواتي كنا قلنا ماشي, لكن إنتِ يا ماما عزمت معاهم عمي إبراهيم ومراته وولاده, أنا عارفة ليه كلنا ساكنين في بيت واحد كده... إحنا في دور وعمنا في دور, لا وكمان سايبين الدور اللي فوقينا فاضي علشان ولاد عمي علي اللي لسه منعرفلهمش طريق أصلاً.
نقل عبد الرحمن بعض البيانات في ورقة خاصه وترك صديقه وانطلق عائداً إلى الشركة. وصل إلى مقر الشركة وصعد إلى أبيه حسين في سرعة، دخل إلى مكتب هند, خطيبته, وهو يقول في عجلة من أمره : هند بابا جوه مش كده. وقفت هند وعلى وجهها علامات الإستنكار من أسلوبه, فهو لم يلق حتى عليها السلام, وقبل أن تتفوه بكلمة تركها وتوجه للمكتب وطرق ودخل. كان يتوقع أن يجد أبيه بمفرده ولكنه وجد عمه إبراهيم وولده وليد ورأى أخيه يوسف يقف بجوار أبيه, قال عبد الرحمن: عندي ليك حتة مفاجأة بمليون جنيه. أجابه حسين ببطء : إحنا اللي عندنا مفاجأة بعشرة مليون مش مليون واحدة. مرات عمك علي بعتتلنا جواب. هند جبتهولي وقالتلي إنها لقيته في صندوق البريد اللي في مدخل الشركة وطبعاً بما أنه مكتوب عليه خاص وإسمي فمحدش فتحه غيري. فقال عبد الرحمن:  ما هى دي المفجأة بتاعتي..أنا لقيت اسمها في كشوف المطار. جات أول امبارح ومشيت امبارح بالليل.. يعني باتت ليلة واحدة..وأكيد هي أو حد تبعها اللي حط الجواب ده في الصندوق. حينها فتح الخطاب وقرأ ما فيه بصوت يكاد يكون مسموعاً: " ازيك يا حسين.. أنا أحلام مرات أخوك علي الله يرحمه.. قصدي طليقته..أنا عارفة أنك هتستغرب وعارفة أنك مكنتش متوقع أني أبعتلك بعد السنين دي كلها.. ومعرفش إذا كنت هتفرح بالجواب ده ولا هتقطعه وترميه في الزبالة.. أنا مش هفتح القديم, أنا بعتلك الجواب ده علشان ولاد أخوك.. إيمان وإيهاب ومريم.. يا ترى فاكرهم ولا لاء. بلاش تخلي القديم يقف بينك وبين ولاد أخوك اللي من لحمكم ودمكم.
ماهو مش معقول تبقوا أنتوا عايشين في العز وولاد أخوك بيشتغلوا علشان يعرفوا يأكّلوا  نفسهم علشان مش عايزين جوز أمهم يصرف عليهم.. الولاد في مصر ومبقاش في داعي أني أخبيهم تاني, همّا خلاص كبروا ويقدروا يحددوا همّا عاوزين إيه ...أنا هديك عنوانهم وأنا متأكدة إنك لما تروح وتشوفهم عايشين ازاي ضميرك مش هيسمحلك تتخلى عنهم".
كانت مريم تلف حجابها أمام المرآة, قالت لإختها إيمان : أنا خارجة مع سلمى صاحبتي هنتمشى شوية. قالت إيمان: استني نتغدى مع بعض مع إيهاب. قالت مريم بمزاح وهي تضحك : اتغدوا أنتوا بقى, إنتوا مشايخ زي بعض .. أنا هتغدى مع سلمى بره. نظرت لها إيمان بضيق وهي تقول : من ساعة ما عرفتي البنت وأنتي طريقة لبسك اتغيرت, حتى طريقة كلامك مبقتش زي زمان. فقالت مريم : غلطانة يا إيمان.. مش سلمى هي السبب. أنتي ناسية أنا في كلية سياحة وفنادق يعني لازم لبسي يبقى شيك زي صحباتي وإلا هيقولوا عليّا معقدة.. وبعدين أنا مش أي حد, أنا مريم علي جاسر, عارفة عيلة جاسر ولّا مبتسمعيش عنهم. فقالت إيمان: من إمتى النغمة دي.. واحنا من إمتى بنقول إحنا من عيلة جاسر؟ خدنا منها إيه يعني غير الغربة في بلدنا. فقالت مريم, وهي تأخذ حقيبتها وتتجه لباب الشقه:  بكرة هناخد وهناخد كتير, وهتقولي مريم قالت. خرجت, وأغلقت الباب خلفها, وتركت إيمان سابحة في تصرفاتها وطريقة كلامها الجديدة على مسامعها. وبعد دقائق طرق الباب فظنت إيمان أن مريم عادت مرة أخرى, فتحت الباب وهي تقول : نسيتي إيــ  .....   وتوقفت فجأة عن الكلام, وهي تنظر إلى الرجل الواقف أمامها مبتسماً بحنان, وقالت: مين حضرتك؟
كان يتفرس في ملامحها بحنان ثم قال بهدوء: أنتِ إيمان مش كده؟ قالت: أيوا.. مين حضرتك؟ فقال حسين: أنا عمك يا بنتي. نظرت له بذهول ودهشة وقالت: عمي مين؟ قال في حنان: عمك حسين يا بنتي... حسين جاسر. وجدها تنظر إليه بدهشة فقال: إيه مش هتقوليلي اتفضل يا عمي. أفسحت له الطريق وهي ما زالت واجمة.  توترت إيمان بشدة وترددت كثيراً ولكنها اكتفت بأن تمد يدها بالمصافحة فقط, فهو بالنسبة لها رجل غريب لا تذكره, وليس لديه ذكريات في عقلها, كل ما كانت تحمله له هو حديث أمها عنه. سمعت إيمان صوت مفتاح المنزل يدور في الباب. فُتح الباب ودخل شاب في العشرينيات من عمره, يحمل نفس ملامح أباه ونفس وسامته مع فارق العمر. وقف إيهاب ينظر إلى الرجل الغريب الذي وجده في منزله في دهشة, وقبل أن يتكلم وقف الحاج حسين ولمعت عيناه بالدموع وهو يتقدم نحو إيهاب فاتحاً له ذراعيه ويقول: ما شاء الله.. كبرت يابني وبقيت نسخة من أبوك. نظر إيهاب لإخته إيمان التي ما لبثت أن قالت: عمى حسين يا إيهاب .
انطلق وليد بالسيارة, ومعه إبن عمه يوسف, حتى وصل إلى طريق  كورنيش النيل, ومنه دخل مع يوسف إلى إحدى السفن العائمة الكبيرة. جلسا إلى إحدى الطاولات, وضحكا سوياً بشكل طفولي. التفتت لهما فتاة في أوائل العشرينيات وتفحصتهما قليلاً ثم التفتت إلى صديقتها التي تجلس معها على نفس الطاولة وقالت: شايفه ولاد العز شكلهم إيه يا مريم. قالت مريم بصوت هامس: بصي قدامك يا سلمى, كده هياخدوا بالهم إنك باصة عليهم, ميصحش كده. همست سلمى بميوعة: طب ما هو ده اللي أنا عايزاه. تناول وليد قهوته وما زال يرمق سلمى بنظرات جريئة وهي تختلس النظر إليه من وقت لآخر وكأنها تراسله, فقال ليوسف: شكلي دخلت دماغها يا يوسف. قال يوسف: يابني إنضف بقى.. إنت عمرك ما تبص لواحدة نضيفة أبداً. ضحك وليد وقال: ما هي لو نضيفة مش هبصلها يا عم يوسف ولّا إيه؟ لا,لا, بس البت اللي معاها حطه حجاب على شعرها وشكلها كده واحدة كان نفسها تبقى محترمة. ألقى عليها يوسف نظرة سريعة قبل أن يغادر وقد احتلت وجهه علامات الإزدراء والتقزز.
جمع الحاج حسين عائلته وعائلة أخيه إبراهيم وقص عليهم ما حدث في مقابلته مع أولاد أخيه علي, إيهاب وإيمان, وما هو ردّ فعلهما تجاه عرضه الذي عرضه عليهما لينتقلوا للعيش معهم. وبمجرد أن انتهى من حديثه  قال عبد الرحمن: ورفضوا ليه يا بابا؟ فقال حسين : والله يابني ده شيء طبيعي بعد الفكرة الغلط اللي كانوا واخدينها عننا. بس بعد محاولاتي قالوا إنهم عايزين فرصة يفكّروا .
مرت ثلاثة أيام لم تنقطع فيهم اتصالات الحاج حسين بأبناء أخيه, واستمرت أيضاً إتصالاتٌ مستمرة من فرحة ووفاء, بنات الحاج حسين وابراهيم, لـ مريم وإيمان لوصل حلقات الود بينهم. كما واظب عبد الرحمن التواصل مع إيهاب فقد شعر عبد الرحمن بأن إيهاب رجل يعتمد عليه. كانت مشاعر إيهاب وإيمان متوترة بعض الشيء, فهم مقدمون على شيء مجهول لا يعرفونه, سيعيشون في كنف أسرة لم يألفوها من قبل ولا يعرفوا عنها الكثير. نعم ستكون لهم خصوصية, ولهم طابق بمفردهم ولكن سيكون هناك احتكاك كبير ومعايشة, ولكن ليس هذا فقط ما يخشونه, ولكنهم أيضاً متخبطون بين ما يعرفون من أمهم عن هذه العائلة, وبين ما رأوه من ألفة واهتمام وود وحرص وطيبة تظهر بتلقائية في عيون عمهم حسين وإبراهيم. أما مشاعر مريم لم تكن تختلف كثيراً, ولكن مع كثير من النشوة لانتقالها للمستوى التي كانت ترنو إليه منذ زمن, ولم يكن له سبيل. فأخيراً سينتقلون لمنزل آل جاسر. وقفت أمام المرآة وسرحت في كلام أمها: صدقيني يا مريم هي دي الطريقة الوحيدة اللي هنقدر نرجع بيها أملاك أبوكي اللي أخدوها منه بالنصب والإحتيال.. والنصب ميرجعش غير بالنصب..  واسمعي سيبك من ولاد عمك إبراهيم, ركزي على ولاد عمك حسين هو الكل في الكل, وأكيد ولاده برضه هيبقوا الكل في الكل وده اللي احنا عايزينه..وبما أن عبدالرحمن طلع خاطب يبقى مفيش غير يوسف .. أنا جبتلك كل المعلومات اللي هتحتاجيها .. الكلام ده ميطلعش برانا إحنا الإتنين فاهماني يا مريم !
وفي اليوم التالي مباشرة اتصل إيهاب على عمه حسين وأخبره أنهم موافقون على عرضه بالإنتقال للعيش معهم, لتبدأ حياة جديدة وعلاقات جديدة ومعاملات لم تكن في الحسبان. كانت دهشة الأخوة الثلاثة بالغة حينما رأوا الطابق الخاص بهم وشاهدوا ما أعده لهم أعمامهم فيه, لا ينقصه شىيء. الشقق بها جميع الكماليات والأثاث الفاخر مما زاد انبهار مريم بصفة خاصة. وفي بيت حسين تعرفت العائلة على أبناء علي, تلاقت نظرات يوسف بمريم, عرفها وعرفته فقال باقتضاب : أهلاً وسهلاً وحمد الله على السلامة. عاد يوسف أدراجه إلى المكتب مصدوماً ومتعجباً, كيف تكون هذه أخت إيهاب الذي أعجب برجولته الواضحة في أقواله وتصرفاته منذ لحظات. لم تقلّ صدمة وليد عن صدمة يوسف حينما رأى مريم وتعرف إليها وتعرفت إليه هي الأخرى, وجلس الجميع حول مائدة الغداء. ابتسم الجميع برغم أن بداخل  كل واحد فيهم مشاعر مختلفة ما بين سعادة ونشوة وحذر وخجل...وبغض.
في نهاية اليوم صعد الأخوة الثلاثة إلى شقتهم الخاصة بهم, وذهب إيهاب للنوم باكراً كي يستيقظ لعمله صباحاً, وجلستْ إيمان ومريم في الشرفة يحتسيان الشاي ويتحدثان, وفجأة قالت مريم: تعرفي يا إيمان إن عبد الرحمن خاطب السكرتيرة بتاعتهم. إزاي واحد زي ده يتجوز السكرتيرة بتاعته, وازاى عمي يوافق على كده أصلاً. فقالت إيمان بابتسامة: أهلاً يا مريم .. إنتِ لسه ما كملتيش يوم وليلة هنا.. هتبدأي تتكبري على الناس من أولها, وبعدين الإنسان بدينه وأخلاقه مش بفلوسه.
وفي مساء اليوم التالي جلست إيمان ومريم في شرفة شقتهم, فجاءهم الحاج حسين وعرض على إيمان أن تعمل كمديرة لمكتب يوسف, فرفضت إيمان قائلة: أنا ماليش في شغلكم ده, أنا دارسة شريعة وبدرّس بمدرسة قريبة. ردت مريم بسرعة قائلة : ينفع أنا يا عمي؟ نظر لها بدهشة وقال: بس إنتِ لسه بتدرسي يا مريم, هتوفِّقي ازاي بين الشغل والدراسة. فقالت مريم بشغف: سبني أجرب علشان خاطري. هز كتفيه قائلاً باستسلام : خلاص زي ما تحبي .
دخل إيهاب من بوابة الحديقة عائداً إلى المنزل بعد أداء صلاة الفجر. وأثناء سيره شاهد فرحة أعدت أدوات الرسم الخاصة بها وبدأت في رسم منظر شروق الشمس. اتخذت فرحة موقعاً مميزاً وهي تضع لمساتها الفنية لأشعة الشمس وهي تنتشر وتتخلل بين أغصان الشجر, وبين أحواض الزهور. وبتناغم بين الألوان, وباستخدام دقيق لدرجاتها, جسدت خيوط الضوء وهي تتسلل غير مبالية من خلف خيوط الظلام لتتكون لوحة فنية رائعة تشعر معها بالدفيء. لم يشعر إيهاب بنفسه إلا وهو واقف يتأمل هذه اللوحة الفنية المعبرة قائلاً: الله ! تفاجأت فرحة بوجوده في هذا الوقت واستدارت في سرعة كادت أن توقعها هي وأدواتها. تراجع هو خطوة إلى الوراء وهو يشير لها أن تهدأ قليلاً وهو يقول: أنا آسف, والله مقصدتش أخضك كده. وتبادلا أطراف الحديث. كانت مريم تقف في الشرفه تراقب هذا الحديث بابتسامة مرسومة على شفتيها .
خطت مريم أول خطواتها داخل مكتب الحاج حسين وهي منبهرة بما ترى من إمكانيات, فلم تكن تتوقع أن تكون الشركة بكل هذه الضخامة. رحبت بها هند بشدة وأدخلتها داخل مكتب الحاج حسين الذي ارتسمت علامات السرور على وجهه وأشار لها بالجلوس. اتصل على يوسف وطلب منه أن يأتي إليه في الحال. بعد لحظات, طرق يوسف الباب ودخل وأغلق الباب خلفه وهو ينظر إلى مريم متعجباً من وجودها في هذا التوقيت المبكر. أعلمه أبوه بأن مريم ستكون المديرة الجديدة لمكتبه, كان يوسف يشعر بالحنق والغضب ولكنه لم يستطع الرفض بعد تلك النظرة من أبيه. وفي يوم الجمعة تناول الجميع طعام الغداء في شقة الحاج حسين. وكان واضحاً بأن هناك سوء تفاهم ما بين يوسف ومريم, وأن كل واحد منهما يشكو طريقة تعامل الآخر معه, مما اضطر الحاج حسين للتدخل, وتبديد الخلاف فيما بينهما.
في اليوم التالي, كان يوم الصدام الحقيقي في الشركة بين يوسف ومريم وبين هند وعبدالرحمن. دخلت مريم على يوسف وهي معها بعض الملفات, وجدته واضعاً سماعات الهاتف في أذنيه ومغمض العينين وفي استرخاء شديد. خطت نحوه ببطء وتناولت مج النسكافية من أمامه ثم قذفته على الأرض بقوة, فزع يوسف ونزع السماعات من أذنيه وصرخ فيها: في إيه ! فقالت: ولا حاجة..الملف خبط في المج وقّعه على الأرض, طب أجيلك بعدين تكون الخضة راحت. خرجت وأغلقت الباب خلفها, فقال لنفسه: البت دي مش هتجيبها البر معايا..ماشي يا مريم واحدة بواحدة والبادي أظلم.
راح عبدالرحمن لهند ولكنه وجد باب مكتبها مغلق, فتح الباب ببطء ليطمئن عليها, ولكنه سمعها تتحدث في الهاتف .. استمع لما تقول .. كادت عيناه أن تخرج من مكانهما, وكاد وجهه أن ينفجر غضباً وبغضاً من هول ما يسمع. وقف دقائق يستمع ويستمع, وعندما أنهت مكالمتها ذهب إلى المصعد وهبط إلى الأسفل واستقل سيارته دون أن يتحرك بها. استند برأسه إلى ظهر المقعد وأغلق عينيه وهو لا يكاد يصدق ما سمع. لا يعلم كم مر عليه من الوقت وهو في هذا الوضع. وأخيراً سمع طرقات على زجاج سيارته, فتح عينيه والتفت فوجد والده ينظر إليه بدهشة. فتح السيارة وجلس بجانبه وقال له: مالك يا عبد الرحمن قاعد كده ليه يابني ؟ فقال عبدالرحمن : هحكيلك كل حاجة يا بابا, وقص عليه ما سمع من هند وهي تتحدث في الهاتف, وأنها تنقل أخبار العائلة إلى أحلام, والدة إيهاب وإيمان ومريم. ربَّت والده على كتفه بقوة وقال بعزم:  إجمد يا عبد الرحمن, الدنيا فيها ناس كتير بالشكل ده يابني. وبعد أن دخل حسين إلى مكتبه استدعى هند وواجهها بحقيقة تصرفاتها, فاعترفت بذلك, وتم نقلها إلى مكان آخر في الشركة.
وفي البيت أخبر حسين زوجته عفاف بأن أحلام كانت تستخدم هند لكي تعرف أخبار العائلة, وأخبار يوسف كي تقربه من مريم. تنهدت عفاف وقالت بألم : يا عيني عليك يا عبدالرحمن ده كان بيحبها أوي, بس يعني ازاي أحلام بتخطط تقرب يوسف من مريم وأنت معندكش مانع ؟ فقال حسين: إنتي عارفة يا عفاف إني عاوز ولاد أخويا يفضلوا في حضني, علشان كده بقولك أنا معنديش مانع, المهم عندي أن مريم تحب يوسف, مش تبقى عاوزه تتجوزوا علشان تنفذ خطة أمها وخلاص. أما هند فهي بتشتغل معانا من زمن, ومعها أسرار كتير عن شغلنا, لو طردتها هتقول عليا وعلى أعدائي. أنا قلتلها تسيب عبد الرحمن شهرين تلاتة على ما يهدى..أكون أنا غيرت حاجات كتير في الشغل وساعتها تبقى المعلومات اللي هي تعرفها قديمة ومالهاش لازمة.
وفي اليوم التالي عادت إيمان من عملها وقت الظهيرة, وعبرت الحديقة بخطوات واسعة, وقبل أن تصل للداخل لفت نظرها وجود عبد الرحمن في ركن بعيد نسبياً يقف أمام حوض معين من أحواض الزهور. تعجبتْ إيمان فهي لم تعتاد على وجود عبد الرحمن في البيت في مثل هذا الوقت, فمن المفترض أن يكون في العمل. وقفت متأملة للحوض الذي يتأمله. كان عبد الرحمن يقف أمام تلك الزهرة الرائعة, نعم هذه الزهرة كانت هند معجبة بها وهمت أن تقطفها, ولكنه طلب منها أن تتركها على أن يسميها بإسمها, وبالفعل كان يُسمي تلك الزهرة "هند ". وضع أطراف أصابعه على تلك الزهرة فظنت إيمان أنه يتحسسها ويلامس شذاها, ولكنها تفاجأت به يقطفها في عنف ويرمي بها بغضب خلف ظهره بقوة. استدار لينظر إلى موقع السقوط, فلم يلاحظ وجود إيمان رغم اقترابها من الزهرة, فنظر إلى الزهرة بغضب أكبر, وخطى إليها بسرعة ليدوسها بقدميه, وقبل أن يقوم بدهسها بلحظة التقطتها  إيمان في سرعة ووقفت تنظر له بصمت متسائل .. فقال في غضب : إرمي الوردة دي على الأرض, إنتي بتدخّلي في اللي ملكيش فيه ليه. كانت نظراته حادة جداً والغضب يطلّ من عينيه, فعلمت أنه ليس في حالته الطبيعية, فتراجعتْ للخلف خوفاً من أيِّ تطاول من الممكن أن يحدث, ثم استدارت وخطت خطوات سريعة أقرب إلى الجري للداخل. صعدت في سرعة إلى شقتها, دخلت غرفتها وألقت نفسها على الفراش وظلت تبكي وقلبها يخفق بشدة.  شعرت بأنها في بيت غريب عنها من السهل أن تطرد منه في أي وقت. نهضت وكفكفت دموعها وجمعت ملابسها في شنطة صغيرة. هبطت إلى الأسفل وخرجت للخارج في سرعة دون أن يلاحظها أحد.. وعادت من حيث أتت. لاحظت عفاف عدم تواجد إيمان في العمارة, فقالت لابنها عبد الرحمن: إيمان خدت هدومها ومشيت, ياترى إيه اللي حصل خلّاها تعمل كده. طأطأ رأسه وقص عليها ما حدث بينهما في الحديقة .. نظرت له مؤنبة, واتصلت بحسين لتعلمه بما جرى.
وهناك في بيت إيمان, فتحت الباب فوجدت عمها حسين أمامها .. أخذها بين ذراعيه فبكت.. ربت على ظهرها في حنان وجلس بجوارها وقال: حقك عليّا يابنتي متزعليش. قالت وهي تبكي : لا يا عمي أنت مغلطش فيّا بالعكس أنت كان نفسك تلمّنا حواليك, لكن الظاهر أنه إحنا مش مرغوب فينا. حاول معها كثيراً ولكنها لم تتراجع فأضطر أن يسمح لها بالبقاء يومين لا أكثر. انضم إيهاب ومريم إلى إيمان في شقتهم القديمة, وقررت مريم عدم العودة للعمل.
وبعد يومين وأمام مدرسة البنات, كانت إيمان تخرج من بوابة المدرسة بصحبة صديقاتها, وما هي إلا خطوات قليلة حتى تفاجأت بعبد الرحمن يقف أمام باب المدرسة مستنداً إلى سيارته ينتظرها. وقفت للحظة ثم صرفت نظرها عنه في ضيق وهمت أن تذهب في الإتجاه الآخر, ولكنه خطى نحوها خطوات سريعة ووقف أمامها قائلاً بحرج: ممكن كلمة يا إيمان لو سمحتي. بصي يا إيمان, بدون مقدمات كده ... أنا آسف. والله ما انتي المقصودة ..غصب عني كنت غضبان أوي ومشوفتش قدامي .. جات فيكي يا بنت عمي ..سامحيني. قالت: إنت مش غلطان, أنا مش لازم أدخّل في اللي ماليش فيه. ممكن أمشي. قال:  أنا مش هسيبك تمشي غير لما تسامحيني .. خلاص هاجي بالليل  تكونوا جهزتوا نفسكوا علشان أخدكوا على البيت. قالت: خليها بعد يومين.
دخلت مريم غرفتها لتتحدث إلى والدتها. كانت مريم تجيبها بفتور وعدم حماس. فقالت أحلام : مالك يا مريم بتكلميني كده كأنك مضايقة. سبتي الشغل ليه. فقالت مريم : أنا سبت الشغل عند يوسف علشان المحاضرات, مينفعش أغيب أكتر من كده. قالت أحلام بعصبية: يابنتي امتحانات إيه وزفت إيه, اللي انتي بتعمليه أهم من مليون شهادة وكلية.. ويا ستي لما تبقي تتجوزيه إبقي ارجعي كملي دراستك تاني. أجابتها مريم بضيق شديد: يا ماما من فضلك كفاية بقى, الموضوع ده بقى يتعبلي أعصابي .. مين ده اللي يتجوزني, ده حتى مش طايق يشوف وشي. ثم قطعت مريم الإتصال وجلست على فراشها وهي تبكي بشدة. دخلت إيمان الغرفة فوجدتها  في هذه الحالة من البكاء المتواصل هرولت إليها في جزع قائلة: مالك يا مريم فيكي إيه.. كنتي بتكلمي مين. ارتمت مريم في حضن أختها في انهيار شديد وظلت تبكي وهي تقص عليها ما دار بينها وبين أمها وماذا كانت تريد منها فعله .. اتسعت عيني إيمان  في ذهول ثم قالت: دي بدل ما تقولك خدي بالك من نفسك واتعاملي مع الرجالة بحدود, تقوم تقولك علّقيه بيكي وخاليه يتجوزك. قالت مريم: بس أنا معملتش حاجة.. أنا أه صحيح حاولت في الأول, بس بعد كده لما اتعاملت مع عمي حسين وولاده ومراته بصراحة حبيتهم, ونسيت اللي ماما طلبته مني كله, وبقيت أتعامل عادي والدليل على كده أني سبت الشغل مع يوسف. في اليوم التالي دخل إيهاب قائلاً بحماس: عبد الرحمن ويوسف فلقوني اتصالات من الصبح, ومسبونيش إلا لما وافقت يجوا يأخدونا بعربياتهم دلوقتي, يالا بقى قوموا البسوا واجهزوا على ما أدخل آخد دش, زمانهم على وصول .
وبعد ساعات كانت فرحة تقف مع والدتها في شرفة غرفتها المطلة على الحديقة في انتظار إيهاب, فلقد مضت عليها الأيام السابقة كئيبة, ويكفي أنها كانت خالية من وجود إيهاب. صعد الجميع إلى شقة الحاج حسين الذي ما إن وقعت عينيه عليهم حتى ابتسم بترحاب. اجتمعت الأسرة في غرفة المعيشة وأقبلت فرحة متشوقة بملامح خجلة, نظرت إلى إيهاب نظرة خاطفة  بخجل وشوق وألقت عليه التحية, واحتضنت كل من إيمان ومريم بلهفة كبيرة .
خطت إيمان بخطوات بطيئة تنظر إلى مبنى الشركة الضخم. استقبلها عمها حسين وعلى وجهه ابتسامة كبيرة ومرحبة بها وقال: نورتي الشركة يا إيمان. ثم ما لبث أن انضم إليهما عمها إبراهيم. شردت قليلاً وهي تنظر إليهما لا تعلم كيف تبدأ حديثها بعد هذا الترحيب الكبير, ماذا ستقول, وأخيراً حسمت أمرها قائلة: عمي, أنا عارفة أن الموضوع اللي أنا جايه فيه مينفعش اتكلم فيه في الشغل, لكن مكنتش عاوزة حد من البيت يسمعنا. تبادل حسين وإبراهيم النظرات المتسائلة فتابعت في تردد : بعد إذن حضرتك يا عمي أنا عاوزه أعرف الحقيقة منكم ... أيه اللي حصل زمان خلّى أمي تطلق وتهرب بينا وتختفي عنكم, وهل فعلاً بابا الله يرحمه كان ليه فلوس عندكم ولّا لاء؟ قال الحاج حسين: أبوكي الله يرحمه أخد كل فلوسه وعمل تخارج من الشركة لما كانت لسه صغيرة, وأخد نصيبه منها كله. وكل هذا بمستندات مُوقعة, ما عدا أرض البيت فلكم نصيب منها. يعني يا بنتي إنتوا عايشين في ملككوا مش ضيوف عندنا. قالت إيمان: يا عمي إحنا اتعذبنا أوي.. إحنا عشنا في بلدنا زي الغُرُب بنخاف نقول إسمنا الرباعي, بنخاف نجيب إسم عيلة جاسر على لسانا ... ماما كانت محسسانا إنكوا لو عرفتوا طريقنا هتقتلونا.. وكانت مفهمانا أن إنتوا السبب في طلاقها من بابا الله يرحمه, واحنا كنا عايشين مع جوز أم بنكرهه, ومكنش لينا مكان تاني نروحه, علشان كده أنا وأخواتي مكنش لنا غير بعض. كنا بنتحاما في بعض لحد ما ربنا منَّ علينا واحنا في ثانوي وجالهم شغل بره, ومحدش فينا رضي يسافر معاهم, وقعدنا هنا مع بعض نذاكر ونعتمد على نفسنا ونشتغل كمان, علشان مكناش عاوزين قرش من جوز أمنا. فقال لها عمها إبراهيم: يابنتي الحكاية قديمة أوي.. من ساعة ما كانت جدتك في مشاكل بينها وبين أختها سميحة أم أمك لدرجه أنهم قطعوا بعض.. المشاكل دي كانت بتكبر لدرجة أن جدتك وصّت أن محدش من ولادها يتجوز بنتها أحلام  ..أمك يعني. لكن بقى أبوكي حبّها وصمم يتجوزها بدون رغبة جدك ..جدك ساعتها غضب عليه وقاطعه لأنه خالف وصية أمه الله يرحمها. وفضلت العلاقات مقطوعة بين أبوكي وجدك, لكن إحنا كنا بنسأل عنه وبنعرف أخباره. وبعد جدك ما مات دخلنا شركة مع بعض..أبوكي فِضل معانا لحد ما أمك فِضْلت وراه لحد ما سحب نصيبه من الشركة. وكانت بتفهِّمه أننا بنسرقه, ومع الأسف كان بيصدقها من كتر ما كان بيحبها. وبعد ما أخذ نصيبه أبتدت أمك تدخِّله في مشاريع خسرانه وهو ماشي وراها لحد ما خسر كل فلوسه. وأبوكي كان مريض, من وهو صغير, كان عنده مشكلة كده في القلب, طبعاً مستحملش الخسارة الكبيرة دي ودخل المستشفى, وساعتها أمك مكنتش بتزوره خالص, لأننا كنا موجودين دايماً معاه, وهي كانت بتخاف تواجهنا لأنها عارفة أنها السبب, وأنها هي اللي وقعت بينا وبينه. في الوقت ده أبوكي وصانا عليكوا وأننا لازم نراعيكوا ونضمكوا لحضننا ونربيكوا وسط ولادنا وإحنا عاهدناه على كده. بعدها أمك راحتله المستشفى, وهو قالها بوصِيّتوا لينا, اتخانقت معاه وصممت أنه يطلقها وهو تعبان كده. أبوكي كان مضايق منها حاسس أنها دمرتله حياته فراح مطلقها, ومات في نفس اليوم. وأمك خافت أننا ناخدكوا منها هربت وأخدتكوا معاها, وضحكت علينا عن طريق البواب, وفهّمتنا أنها هربت على المطار. وطبعاً خدتكوا بعيد عننا واحنا كل ده بندور عليكوا بره مصر وعن طريق المطار والكشوفات بتاعة المسافرين. ولم نعرف طريقكم إلا حين بعتتلنا جواب تعرفنا طريقكوا.
خرجت إيمان من الشركة بين مشاعرها المتخبطة المختلطة, وكأن مشاعرها ريشة في مهب الريح. نعم هي سعيدة أنها علمت أنها تعيش في ملك أبيها وليست كضيفة عند أعمامها. ونعم قد شعرت بصدق مشاعر الحنان من أعمامها رغم تأكدها أنهم لم يصرحا بكل شيء. ونعم قد عرفت حكاية زواج أمها بأبيها, وطبيعة هذا الزواج, رغم علمها بأنه كان زواج قائم على الطمع من أمها والثقة العمياء المفرطة من أبيها, ولكنها ارتاحت قليلاً. كانت تود أن تصر على معرفة كل شىيء كانت تود أن تصرح بشكوكها تجاه والدتها ولكنها تذكرت قول الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم). فأبت إلا الصمت.
كانت مريم  تجلس على الأرجوحة الكبيرة في جانبٍ من جوانب الحديقة بالقرب من أحواض الزهور. كان يظهر عليها علامات الأسى الواضحة وهي تستعيد ما قصته عليها إيمان ليلة أمس عن ما دار بينها وبين أعمامها في الشركة ... هي لا تكذب ما سمعته من إيمان لحظة واحدة فلقد عاشت مع أمها وخبرت ذلك جيداً منها, وعاشت أيضاً مع أعمامها وتعاملت معهم فترة كافية تجعلها تجيد الحكم عليهم, وبمقارنة بسيطة تخسر أمها دائماً.
كانت مريم غارقة في بحر من الأفكار لدرجة أنها لم تشعر باقتراب أحدهم منها من الخلف, ووضع كفيه على عينيها في صمت, اختلج قلبها بشدة تصورت أنه يوسف, لا تعلم لماذا تمنت هذا مع علمها أن يوسف مستحيل أن يفعل ذلك معها, وخصوصاً أن العلاقة بينهم متوترة هذه الأيام. لقد كان وليد. وجاء يوسف في هذه اللحظة وانسحب وليد, وطلب منها يوسف بألا تتمادى مع وليد.. كانت إيمان تتابع ما يحدث من شرفتها فنادت على مريم التى نظرت للأعلى فأشارت لها بالصعود, وطلبت منها ألا تسمح لوليد أن يأخذ عليها للدرجة دي.
مضت الأيام سريعاً وإيمان تستعد للسفر, كهدية من ابن عمها عبد الرحمن لحفظها القرآن الكريم,  لأداء العمرة بصحبة الحاج حسين وزوجته عفاف. وكانت المفاجأه أن عبد الرحمن أيضاً سيذهب معهم لأداء العمرة, فلقد كان يحتاج إلى مثل هذا الجو الروحاني ليخفف عنه ما يشعر به بعد أن فسخ خطوبته بهند, وليتقرب أكثر إلى الله بطاعة مثل هذه. وبعد السفر بعدة أيام جاءت سلمى لزيارة مريم مرة أخرى, ولكنها كانت على حريتها في المنزل أكثر من المرة السابقة, فكانت تتحرك بحرية, ولكن مريم لم تكن على طبيعتها معها, فقد بدأت تشعر مريم  بأن سلمى تسبب لها الكثير من الأذى دون أن تعلم, وخصوصاً نظرات الغضب التي تراها في عيون يوسف كلما رآها بصحبتها. كانت بداخلها تعلم أنه على حق ولكنها كانت تكابر دائماً بعناد شديد.
وعندما حان وقت انصراف سلمى, صافحتها مريم عند باب الشقة وتركتها تنزل لوحدها. كان وليد في الإنتظار في الأسفل. جذبها من يدها وأخذها وليد إلى شقة بجانب المصعد تستعمل للتخزين. وبعد ساعة كانت تعدل من مظهرها, وتعيد شعرها إلى هيئته, وتقول بدلع وهي تنظر إلى وليد: على فكره بقى إنت متوحش. كان يوسف عائداً من الحديقة ومتجهاً إلى المصعد عندما رأى سلمى وهي تهندم شعرها ووليد وهو يلمسها بطريقة معينة بمزاح, يخرجان من الشقة. بمجرد أن رأته اصفر وجهها وقالت في خوف : يوسف. لم يستطع يوسف أن يتحمل كل هذه القذارة التى رآها فلم يتمالك نفسه وصفعها على وجهها وطردها من المنزل فأسرعت تركض للخارج. وتشاجر مع وليد وهدده أنه سيبلغ والده وعمه عن أفعاله هذه, وأنه ينجّس المنزل بتلك الأساليب الحقيرة.
رأي وليد في عيون يوسف أنه سيوفي بتهديده فأراد أن يقطع عليه الطريق فتوجه له قائلاً  بتحذير : إنت لو قلت حاجة يبقى مش هتفضحني أنا وبس... لا ده انت كمان هتفضح بنت عمك. أمسكه يوسف من ملابسه بغضب قائلاً : تقصد إيه ؟ نظر له وليد نظرة الواثق قائلاً : أقصد إن سلمى مش أول واحدة تدخل الشقة دي يا يوسف, وخليني ساكت أحسن. حينها بدأت تغلي دماء يوسف في عروقه غيرة على ابنة عمه، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يلتمس لها عذراً, كل الشواهد ضدها ...من وجهة نظره! لقد نجح وليد في زرع بذور الشك في أعماق قلبه. قرر أن ينتظر والده حتى يعود من أداء العمرة ثم يخبره بما رآه وسمعه من وليد.
نظر الحاج حسين إلى عبد الرحمن, الذي يجلس على المقعد بجواره أثناء عودتهم من العمرة, قائلاً بابتسامة: عمرة مقبولة يابني إن شاء الله. إيه رأيك بإيمان يا عبدالرحمن؟ أحسها زوجة مناسبة ليك. فقال عبدالرحمن : بس أنا بحس أنها عندي زى أختي فرحة كده مش أكتر. قال له والده: ده بس علشان مافيش بينكم معاملة. لكن لما تبقى خطيبتك المسافة بينكم هتقرب أكتر. فقال عبد الرحمن: خلاص يا بابا أوعدك هفكر في الموضوع ده وأرد على حضرتك قريباً .
كان الجميع يتجهز, ويتم وضع اللمسات الأخيرة على ديكور الحديقة الجديد, لاستقبال الوافدين من العمرة, حتى سمعوا صوت أبواق سيارة يوسف تنطلق متتالية وكأنه في زفاف. ذهب الجميع إلى بوابة الحديقة في سعادة, وقد كانت سعادة مريم لا توصف حينما رأت أختها إيمان تهبط من السيارة وقد زاد نور وجهها أكثر وأكثر, وزاد جمالها دون وضع أي من أدوات الزينة عليه, نعم إنه نور الطاعة يزداد بها. أسرعتْ إليها بخطوات قريبة إلى الركض, وسكنت مريم في حضن أختها وكأنها أمها عادت إليها بعد غياب. مسحت إيمان على رأس مريم وهي تنظر إلى إيهاب بشوق كبير. أقبل عليها إيهاب وحاول انتزاعها من مريم ولكنه لم يستطع, كانت متشبثة بها بقوة فاضطر لاحتضانهما معاً, وقبّل رأس أخته بحنان وشوق بالغ. جلست مريم وإيهاب في غرفة المعيشة بجوار إيمان في شقتهم, وهي تحكي لهم تفاصيل رحلتها الروحانية الجميلة, وهما يستمعان في انتباه والإبتسامة مرسومة على شفتيهما إلى أن قال إيهاب: الله يا إيمان... شوقتيني أروح عمرة... إن شاء الله أروح قريب أول ما أخلص تشطيب العمارة اللي عمي أداني شغلها ويبقى معايا مبلغ محترم هسافر على طول. رمقته إيمان بنظرة متفحصة وهي تقول: طب إيه رأيك طالما المبلغ حلو كده قبل ما تطلع العمرة تخطب فرحة. ابتسمت مريم وهي تنظر إلى إيهاب الذي ابتسم بدوره. وبعد يومين, تكلم الحاج حسين مع عبد الرحمن بشأن زواجه من إيمان. فقال عبد الرحمن باستسلام لأبوه: خلاص يا بابا حضرتك اعمل اللي شايفه صح ، أنا هتجوز إيمان. وزادت سعادة الحاج حسين عندما رأى على وجه ابنته فرحة علامات الرضى بطلب إيهاب للزواج !
أطلقت أصوات الزغاريد في بيت آل جاسر بعد تحديد ميعاد العقدين معاً في آن واحد ويوم واحد بعد عشرة أيام. كانت العائلة كلها في سعادة غامرة إلا أثنين فقط, وليد ووالدته التي كانت تأكل الغيرة قلبها لكرهها لأولاد أحلام كما تقول دائماً, ولأنها كانت تريد عبد الرحمن لابنتها وفاء. أما وليد فقد أظهر عكس ما يبطن تماماً فهو بارع في هذا. وكانت هناك من تستمع للخبر وتقفز فرحاً وسعادة وهي تقول في الهاتف: ألف مبروك يا حبيبتي ليكي أنتي وأخوكي.. إنتي عارفة يا إيمان أنا الود ودي أنزلك مخصوص, بس أعمامك واخدين مني موقف, وخايفة حضوري يبوظ الفرح وأبقى أنا سبب تعاستكم يا بنتي..أنا هتصل على إيهاب وأباركله بنفسي.. مع السلامة يا نورعيني.
و جاء يوم إعلان الخطوبة. ارتدت إيمان فستاناً بسيطاً ورقيقاً من اللون الفضي المطعم بالخرز والكريستالات الملونة الصغيرة, ووضعت القليل من الزينة, وكان حجابها من نفس لون الفستان والتي تتميز ببساطتها. في حين أصرت فرحة على ارتداء فستان منفوش من اللون الذهبي الفاتح يغلب عليه الخرز اللامع. كانت تريد أن تبدو كسندريلا في فستانها. وتم عقد قران فرحة وإيهاب أولاً, ثم تولى الحاج ابراهيم الولاية عن إيمان, وتم عقد قرانها على عبد الرحمن.
كانت استعدادات مهولة تجري على قدم وساق في منزل آل جاسر, ليخرج حفل الزواج في أبهى صورة. قام عبد الرحمن بحجز قاعة كبيرة في فندق معروف, وتمت مراسم حفلة الزواج على أكمل وجه, وحان وقت السفر لقضاء رحلة شهر العسل. ركب كل عروسين في سيارتهما الخاصة, وهمت مريم بالركوب في سيارة إيمان وعبد الرحمن ولكن سلمى جذبتها معها في سيارتها, وقالت لها: تعالي نتمشى شوية بالعربية وأروحك البيت. وقبل أن تنطلق بالسيارة فتح الباب الخلفي للسيارة شابين, وانطلقت سلمى بسيارتها مسرعة قبل أن يلاحظها أحد, ولكنها لم تغيب عن نظر يوسف ووليد, فقد كانا ينظران من بعيد لما يحدث. وما لبث أن قال وليد ليوسف: شفت يا عم..أهي غارت من اختها, قالت اشمعنى أنا معملش ليلة دخلتي النهاردة. خذ هذه السجارة واشربها. استقل يوسف سيارته وعيناه تلاحق سراب سيارة سلمى, وغضب شديد يجتاحه وقد أضمر شيئاً في نفسه.
وبعد ساعتين رجعت مريم إلى البيت. وجدت بوابة الحديقة مفتوحاً والمكان مظلماً جداً. تحسست الجدران في بطء لعلها تجد طريقها إلى مفتاح الكهرباء, وبعد ثوان سمعت صوت باب الشقة الكائنة في الدور الأرضي والتي يستخدمونها كمخزن.. توترت وتحركت في سرعة بحثاً عن مفتاح الكهرباء وهي تقول بخوف: مين..مين؟ وأخيراً سمعت صوته وهو يقول: تعالي يا مريم متخافيش.. ده أنا. وضعت مريم يدها على صدرها وهي تُهديء روعها وتقول: أوف... رعبتني بتعمل إيه عندك. قال: بصلح الكهربا..تعالي نوريلي بالتلفون. تقدمت نحو مصدر الصوت حتى وجدته, وشرعت في إخراج الهاتف ولكنه جذبها داخل الشقة وأغلق الباب بقدمه في عنف. وبعد لحظات من المقاومة والصراخ المتقطع والعنف والإستجداء والإصرار... ارتطمت رأسها بأحد قطع الأثاث المركونة, ووقعت فوق بعض قطع الزجاج المحطم على الأرض مغشياً عليها.. وسالت دمائها في لحظة غدر دون أدنى مقاومة.
رجع الجميع من المطار ولم يجدوا حسين في الشقة. ولما نام الجميع نزل الحاج حسين للبحث عن حسين. سمع صوت تأوهات متألمة تأتي من خلف باب الشقة بجوار المصعد. وحين دخل حسين إلى الشقة نزلت صفعة مدوية على وجه يوسف جعلته يرتطم بالجدار بقوة. لم يكن يشعر يوسف بقوة الصفعة بقدر ما كان يشعر بالتجمد والذهول التام, ويقف بصعوبة وهو ينظر إلى أبيه الذي كان يلف عباءته حول جسد مريم العاري, وهي متشبثة به في قوة وهي تبكي وتتأوه بألم. كانت عينيّ الحاج حسين مشتعلة تفيض بالدموع كالحمم المتأججة من انفجار بركان. كان خامداً وهو يزأر فيه هاتفاً: حسابك معايا مش دلوقتي يا كلب.
كانت تمشي معه مستندةً على يديه وكأنه يحملها حتى أدخلها شقتها ومنها إلى غرفة نومها. وضعها في فراشها وهي تتألم بضعف, وظل بجوارها حتى استغرقت في النوم. ذهب حسين إلى غرفة ابنه يوسف وصفعه مرة أخرى وقال له بلهجة غاضبة: إعمل حسابك.. كتب كتابك على بنت عمك بعد يومين.. وإياك وحذاري أي مخلوق على وجه الأرض يعرفوا باللي حصل ولا حتى أمك...
قضى الحاج حسين الساعات السابقة نائماً على المقعد بجوار فراش مريم. ولكنه استيقظ على همهماتها المتألمة وهي تستيقظ أو تستعيد وعيها ببطء.. أيهما أصح. وبمجرد أن فتحت عينيها حتى استعادت ذكرى الإمس فصرخت وهي تمسك بغطائها وتتشبث به. اقترب منها حسين مطمئناً ومسح على شعرها واحتضنها وهو يقول: إهدي يا بنتي, أنا جنبك وأنت في بيتك. قومي يا بنتي ادخلي الحمام.. المية الدافية هتهديكي شوية. دخلت الحمام, ونظرت تحت قدميها فوجدت المياه التي تغادر جسدها تتلون بلون دماءها, فأغمضت عينيها وبدأت تبكي. مؤلمة هي الطعنة التي تأتي من أقرب الناس إليك. تذكرت صراخها وهي تتوسل له أن يتركها وكأنها تصرخ في صنم لا يسمع. تذكرت استجدائها وهي تقول له" سيبني يا يوسف أبوس إيدك ده أنا بنت عمك. كانت تشعر به وكأنه آلة حديدية بلا روح. ثم كانت الدفعة القوية التي أفقدتها وعيها. وبعد أن خرجت من الحمام, قال لها حسين: أنا هجبلك حقك وأكتر.. لكن قبل كل ده ..لازم الأول يكتب كتابك. بكت وقالت: كمان..عاوز تجوزهولي يا عمي, عاوز تجوزني اللي دبحني. قال : أنا مش هجوزهولك علشان أكافئه, أنا هعمل كده علشان الستر يا بنتي. لو شايفة يا بنتي أن كده حقك ضاع وعاوزه تبلغي عنه بلغي..وأنا هشهد معاكي. أشارت برأسها نفياً.
تفاجأ الجميع بعودة عبد الرحمن وإيهاب وإيمان وفرحة. قبّل عبد الرحمن كف أمه وأبيه الذي سأله بدهشة:  إيه اللي جابكوا دلوقتي يا عبد الرحمن. قال عبد الرحمن: مقدرناش نستنى لما عرفنا إن يوسف تعبان. وليد كلمنا وقالنا إنه تعبان أوي. دخل ثلاثتهم إلى غرفة يوسف ليطمئنوا عليه, وطلعت إيمان إلى عند مريم. قال يوسف: إنتوا إيه اللي جابكوا من شهر العسل. قال إيهاب: شهر عسل إيه. إنت أهم من أي حاجة تانية. شعر يوسف بكلمات إيهاب تمزق قلبه وتكوي عروقه, لعن نفسه وهو يستمع لكلماته الصادقة, كاد أن يهتف " تركتها بيننا لنحميها فغدرت بها في غيابك كأي كلب مسعور يتجول في الطرقات لينهش الأعراض". فقال لإيهاب: أنا عاوزك في موضوع مهم, أنا عاوز أتجوز مريم. ابتسم إيهاب وقال: أنا مش هلاقي لأختي أحسن منك يا يوسف.. بس لازم آخد رأيها الأول ورأي عمي كمان.
اندفعت مريم بين أحضان إيمان وبكت بشدة وهي تتشبث بها بقوة. شعرت إيمان بالقلق على أختها فربتت على ظهرها وبدأتا بالحديث عندما قاطعها طرقات إيهاب المنغمة على الباب. نهضت إيمان وفتحت الباب لإيهاب فدخل مبتسماً وبمجرد أن رأى مريم  قال : يوسف طلبك مني دلوقتي. أطرقت مريم رأسها, وأغمضت عينيها, وأضاءت صورته في عقلها وهو يدفعها للخلف فانتفضت بدون وعي منها. قررت مريم حسم الأمر, فجميعهم لا يعلمون ما حدث, وهذه الزيجة لن تكون إلا للستر فقط, ويوسف في كل الأحوال مضطر إلى الزواج منها, فوقفت وهي تقول بخفوت: أنا موافقة.
كانت العلاقة ما بين عبد الرحمن وإيمان متوترة, فهي لا تشعر بأي أحاسيس من طرف عبد الرحمن تجاهها, وتشعر بأنه تزوجها ارضاءاً لأبيه حسين. في الليل انفجرت إيمان في عبدالرحمن قائلة :  أنت باستسلامك لكلام أبيك ظلمتني معاك, كنت قلتلي وأنا اللي كنت رفضت نهائي.. وساعتها مكنش هيزعل منك. حاول مراضاتها وقال لها: أنا والله كنت معجب بيكي وبأخلاقك وعلشان كده اتجوزتك. قالت: مافيش داعي تجبر خاطري بالكلام ده, هنعيش زي ما احنا كده فترة وبعدين ..وبعدين ننفصل. ثم توجهت لغرفتها وأغلقت بابها ووقفت خلفه تبكي بصمت. بعد فترة هدأت توضأت وقضت ليلتها في الصلاة والدعاء تشكو بثها وحزنها إلى الله السميع العليم. وقضى هو ليلته على الأريكة ينام تارة ويتقلب تارة ويفكر طويلاً ويقرر ثم يتردد. وفي المساء قال لها: أنا مش مصدقك, أنا متأكد أنك بتحبيني وعايزة تعيشي معايا. سيطر عليها الإنفعال وهي تقول بعناد: أنا قررت وخلاص.. وكلامي ده مفيهوش راجعة يا عبد الرحمن. بادلها نفس النبرة العنيدة قائلاً: قرارك ده تبليه وتشربي ميته, إنتي مراتي وهتفضلي مراتي لحد ما أموت, فاهمة ولا لاء .
وقف يوسف أمام مرآته يرتدي حلته السوداء وهو شارد الذهن مشتت الأفكار, يشعر برهبة خفية من لقائها. كيف سينظر إلى عينيها, كيف سيواجهها عندما يخلو بها, ماذا سيقول, وكيف سيبدأ, هل يبدأ بالإعتذار أم يقبل يديها ورأسها لتسامحه. انطلقت الزغاريد معلنة ارتباط جديد في الأسرة ولكنه من نوع خاص جداً. لم يترك الحاج حسين مريم أبداً, ظل بجوارها يربت على يدها ويطمئنها, وكان يوسف يجلس بجوارها من الطرف الآخر ولكن بعيد عنها نسبياً. لم تنظر له أبداً, وما زالت ترسم ابتسامة باردة على شفتيها كأنها صورة مجسمة بلا روح. وبمجرد ما خلت به, في الحديقة, شعرت بكمية حقد وغل لا مثيل لها. قالت له: إن شاء الله ربنا ينتقم منك يا حقير. أشاح بوجهه بعيداً عنها وهو يحاول كتم غيظه والسيطرة على انفعالاته, فهو يلتمس لها العذر في كل ما تقول وتفعل, ما فعله ليس بهيناً, فما جدوى الإعتذار في مقابل الجريمة التي ارتكبها, فقرر أن لا يرد عليها. استفزها صمته فقالت: لاء, وأخويا بيباركلك. فاكرك بني آدم. قال بعصبية: بطلي تستفزيني..أنا ماسك أعصابي بالعافية. قالت بسخرية: ده على أساس أنك عندك دم زي البني آدميين. فقال لها: شوفي نفسك قبل ما تتهميني بالحقارة.. على الأقل أنا عملت كده وأنا شارب مخدرات تِغيِّب عقل بلد أدّاني اياها وليد, لكن أنتِ كنتِ بتعملي اللي بتعمليه مع وليد ومع غيره وأنتِ عارفة أنتي بتعملي إيه كويس. ردت عليه ومشاعر الكره الشديد تنتابها: منك لله يا... مصمم تشوه سمعتي, ما كفّاش اللي عملته فيّا. قال: اقعدي مع نفسك وإنتِ تعرفي أن سمعتك كانت متشوهة لوحدها.
استقل يوسف سيارته وقادها بلا هدف, بعدما طرده أبوه حسين من الشركة. عاد إلى البيت فوجد فرحة ومريم على وشك الخروج إلى الجامعة. طلبت منه فرحة أن يوصلهما. نظر إلى مريم فتفاجأ بشكلها الجديد, ملابسها مختلفة كثيراً, واسعة ومحتشمة, ولا تفصل جسدها كما كانت ترتدي من قبل, نظر إلى وجهها, الحجاب طويل يغطي صدرها, لم تصبغ وجهها بأي ألوان .
جلس وليد أمام أبيه وهو يقول: - يا بابا الكلام ده مالوش لازمة.. البنت عاجباني وهاخطبها خلاص. فقال والده إبراهيم: إنت ناسي دي تبقى مين.. دي أخت هند اللي ابن عمك فسخ خطوبته منها, والله أعلم عمل كده ليه. فقال وليد ببرود: ميهمنيش .. وبعدين أنا قلت هاخطبها هو أنا قلت هتجوزها. لو طلعت كويسة نكمل..طلعت غير كده يبقى خلاص. أنا خلاص دخلت بيتهم وقعدت مع أمها وحددنا معاد كمان يومين. قام وليد ووالده إبراهيم ة وأمه فاطمة وأخته وفاء بزيارة بيت علا وتم التوافق على الخطبة. وفي البيت قال وليد : أنا عرفت أن عبدالرحمن فسخ خطوبته بهند لأنها كانت جاسوسة لأحلام مرات عمي! وكانوا بيخططوا سوا. حينها قالت فاطمة بتفكير:  الموضوع ده لازم ولاد حسين يعرفوه حالاً. صعدت فاطمة إلى شقة فرحة وطرقت الباب, فتحت لها فرحة مُرحبة بها وأدخلتها وهي متعجبة. جلست فاطمة وبدأت في سرد ما جاءت لأجله. وعندما غادرت فاطمة هوت فرحة إلى مقعدها وجلست تفكر "معقولة إيهاب اتجوزني علشان أمه هي اللي خططت لكده مش علشان بيحبني .. يعني إيهاب مبيحبنيش وبيخدعني". وعندما رجع إيهاب من عمله لم تكن صدمته أقل من صدمة فرحة. التفت إليها بحنق قائلاً : إنتِ مُصدقة أني اتجوزتك علشان أمي هي اللي قالتلي أعمل كده؟ كانت الصدمة شديدة على فرحة فلم تنبسّ بكلمة أو تعبير بل بقيت حائرة وأكمل إيهاب: إجابتك وصلت يا هانم .. وعلشان أثبتلك بقى أنك لسه معرفتنيش..جوازة مريم ويوسف مش هتكمل, وأنا هاخد أخواتي وأمشي من هنا وورقتك هتوصلك قريب. اتصلت فرحة بأخيها يوسف وأخبرته بما حصل. حاول يوسف التوفيق بين إيهاب وفرحة, إلا أن إيهاب أصر على موقفه وغادر إلى بيته القديم.  
لحقت إيمان ومريم إيهاب إلى بيتهم القديم. وما هي إلا فترة قصيرة حتى جاءت أمهم أحلام. جلست أحلام بين أولادها الثلاثة. نظر إيهاب إلى مريم قائلاً بحنق: طبعاً كلمتيها وحكتيلها التفاصيل. قالت أحلام بغضب: أنا اللي كلمتها. وبعد حديث بين الأبناء غادر إيهاب البيت وانفردت أحلام بمريم وقالت لها : فهِّميني معنى الكلام اللي سمعته في التليفون ده, يعنى إيه يوسف وافق يستر عليكي, أنتي إيه اللي حصلك بالضبط, عمل فيكي إيه إبن حسين.
جلستْ مريم على طرف الفراش وهي تبكي وقالت بصوت متقطع: مش هو اللي عمل يا ماما.. إنتي اللي عملتي.. إنتي معلمتنيش ازاي أحافظ على نفسي فكان من السهل أي حد ينهشني .. من صغري وأنتي بتجبيلي لبس مكشوف لما خلتيني فقدت حيائي وبقى كشف جسمي شيء عادي. انهارت أحلام على المقعد وهي تقول: أنا كنت بحبك وعاوزاكي تبقي مبسوطة وزيك زي أصحابك. قوليلي مين اللي عمل فيكي كده.. يوسف ولّا مين. هزت رأسها نفياً وقالت: يوسف معملش حاجة.. يوسف هو اللي ستر عليا ووافق يتجوزني. حينها بكت أحلام لأول مرة بحياتها بمرارة شديدة وهي تتذكر ما كانت تنوي فعله وما كانت تخطط له لتأخذ مال ليس من حقها من حسين وأخيه..... وفى نفس الوقت يستر هو ابنتها بكل شهامة ورجولة.
اختلت أحلام بنفسها في غرفة إيهاب وهي تبكي على حالها, وما وصلت إليه مريم بسبب سوء تربيتها, وبسبب إهمالها لهم جميعاً. لماذا ظلت تلك السنين العجاف تكذب وتنمي فيهم كره أعمامهم بالباطل, وهي تعلم أن كلامها غير صحيح. هل هو داعي الإنتقام الذى كان يسيطر عليها أم هو غبائها الذي أوقف عقلها في لحظة من اللحظات.
لم تكن تعلم مريم لماذا برأت يوسف, ولكن ما علمته هو أنها أرادت أن تلقن أمها درساً قاسياً يجعلها تعيد التفكير في حياتها ككل لعلها تفيق مما هي فيه, لعلها تصلح نفسها وقد قاربت على الخمسين من عمرها, وبدأ الشيب يتسلل إلى خصلات شعرها ويزحف إليه ببطء, ولكن الدرس لم يكن لأحلام وحدها لقد لقنت نفسها أيضاً دون أن تقصد نفس الدرس.
وفي المساء وبعد صلاة العشاء بقليل طرق الحاج حسين بابهم وبصحبته أبناؤه جميعاً "عبد الرحمن", "يوسف", و"فرحة". لم يكن إيهاب قد عاد من الخارج بعد. استقبلتهم إيمان ومريم, وكاد عبد الرحمن أن يعانق زوجته ولكنه تماسك أمام أبيه وأخوته وصافحها بحرارة, ولكنه لم يستطع أن يترك يدها طواعية, ولكنها سحبت يدها بهدوء وأقبلت على فرحة وعمها. خرجت أحلام إليهم, وقف حسين وهو ينظر إليها وكأنه قد عادت به السنوات في لحظة واحدة, وكأن تلك اللحظات لم يمر عليها سوى شهور قليلة. قطعت هي صمته قائلة بترحاب: أهلاً وسهلاً يا حاج نورت. أومأ برأسه في وقار: أهلاً وسهلاً.. حمد لله على السلامة. لم يتحدث حسين معها كثيراً ولكنه شعر بتغير قد طرأ عليها, نظرتها بها الكثير من الإمتنان, هذه ليست أحلام المتجبرة, وكأنها قد كسرت غطرستها فجأة, هل هو تقدم العمر أم شيئاً آخر. تملكت الدهشة من يوسف عندما سمع مريم تناديه وتقول له بارتباك: لو سمحت يا يوسف عاوزاك لحظة. خرج إليها ووقف أمامها متسائلاً, فقالت في خفوت وبملامح هادئة: أنا بعفيك من جوازك مني .. أنا خلاص بقى معايا قسيمة جواز ولما تطلقني هيبقى معايا قسيمة طلاق وكل واحد فينا يبدأ حياته صح ..أعتقد أنك فهمتني. مسح على رأسه وقال في توتر بالغ: بس أنا مش هطلق. في هذه اللحظة فتح إيهاب بمفتاحه ودخل. تفاجأ بيوسف ومريم في ردهة المنزل. حاول يوسف أن يبتسم وهو يصافحه بحرارة, ثم طرق الباب المفتوح إلى عمه وأمه ودخل إليهما, رحب به عمه وعانقه وعاتبه, ثم ربت حسين على كتفه قائلاً: أنا عذرك يابني بس مراتك ملهاش ذنب, دي برضة لسه صغيرة وأتفاجأت زى ما يوسف قالك, كان لازم تديها فرصة تتكلم مش تمشي كده. حتى يا سيدى لو غلطت سامحها ده ربنا بيسامح مش من أول غلطة كده تسيب البيت وتمشي. قالت أمه أحلام: مرات عمك فاطمة حطت السم في ودن مراتك وخلتها متلخبطة زي ما حطت السم في وداني من سنين وخلتني أخدكوا واهرب. فهَّمتني أن أعمامك هيخدوا ولادي مني ومش هيخلوني أشوفكم مدى الحياة, وأدّتني فلوس أهرب بيها منهم وأنا صدقتها بمنتهى الغباء. 
أطرق إيهاب برأسه متفهماً "نعم هو يعلم أنها تحبه بل تعشقه "...لاحظت أحلام بوادر الإقتناع على وجهه فقالت بسرعة: مراتك في أوضتك جوه ادخلّها ...عاوزه تتكلم معاك, إديها فرصة تتكلم براحتها. دخل إيهاب الغرفة, تماسك وهو يحاول أن يرسم ملامح الجدية أمام فرحة, ولكنه لم ينجح بشكل كبير, بل لم ينجح على الإطلاق. ابتسم لها وفتح ذراعيه لها وهو يقول بحب: إنتي وحشتيني أوي. بعد دقائق خرج إليهم إيهاب وفرحة ويظهر على وجوههم البهجة. نظر الحاج حسين إلى أحلام قائلاً: خلاص يا أم إيهاب زي ما اتفقنا الفرح في معاده يوم الخميس إن شاء الله. غادر الجميع كل إلى بيته وبقيت إيمان ومريم عند أمهما في البيت.
في البيت, أخرج حسين هاتفه وأعطاه ليوسف قائلاً: الرسالة دي مريم بعتتهالي واحنا راجعين في السكة.. اقرأها. أخذ يوسف هاتف والده وقرأ رسالتها "أنا فهّمت ماما اللي حصلي.. بس مقولتلهاش مين اللي عمل كده فيّا ..وفهّمتها أنك ضغطت على يوسف علشان يستر عليّا ويتجوزني وهو وافق شهامة منه". ظل يوسف يقرأها مرات ومرات وهو غير مصدق .
وفي مساء يوم الخميس كانت الحديقة تتلألأ في زينتها الجديدة بلمسات جمالية وضعها إيهاب وفرحة بذوق عال وإحساس فنان. كان الجو العام يبعث على البهجة, وشاركت الطبيعة في تزينه بنسمات عليلة وعبير الورود المتسلل إليها ليجعل النسمات تتحول إلى شذى رائع يأخذ بالألباب, ويبعث على الإسترخاء, ويحلو استنشاقه ببطء وكأنه سحر. ومرة أخرى يتكرر نفس المشهد, ويوسف يقف أمام مراته يرتدي حلته الأنيقة السوداء, ولكن كانت تعلو شفتيه ابتسامة لا يستطيع تفسيرها, متعجباً من السعادة التي يشعر بها برغم أنه يعلم أن هذا الزواج ما هو إلا غطاء شرعي لما حدث بينهما. وكانت عيني هند تراقب عبد الرحمن وتتبعه كظله, بعدما جاءت كضيفة للزفاف هي وأختها علا, وكان وليد يهمس لعلا أن تصعد معه الآن ليريها شقتهما, فوافقت ولكنها اصطحبت معها أختها ووالدتها. وما إن خرجوا إلى الحديقة حيث حفل الزواج حتى وقعت عيناه على سلمى التي تنتظرهم عند المدخل وعينيها يتطاير منها الشرر, أسرعت إليه وصاحت في حدة: بقى دي أخرتها يا وليد.. بقى أعمل علشانك كل ده وفي الآخر تروح تخطب واحدة تانية.. أنا هاروح أقول ليوسف كل خططك. تقدمت علا منهما وقالت: في حاجة؟ قالت سلمى: وأنتِ مالك. فأخذها وليد على طرف وصفعها. فقالت : ماشي يا وليد والله لاروح أحكي ليوسف وأقوله أنك كنت بتفتري على مريم, وهقوله أنك قصدت تديله حبوب علشان يتخدر وميحسش هو بيعمل إيه, وأنك اتفقت معايا أني آخد مريم شقة مفروشة مع الشابين اللي معايا, وأفهّم مريم أن ده بيتي, وأن دول ولاد خالتي, وكنت عارف أنه هيراقبها, وكان كل هدفك أنك تفضحه. فقال لها بخوف: لو عاوزه تروحي تحكي روحي..ميهمنيش..لكن لو طلعتي عاقلة هنفضل مع بعض..فلوس وفسح وكل اللي انتِ عرفتيني علشانه..ها قولتي إيه؟ فكرت سلمى قليلاً ثم غادرت بسيارتها.
جلست هند وعلا وهما يلتقطان أنفاسهما بصعوبة, وقالت هند: سمعتي يا علا. أومأت برأسها ووضعت أصبعها على فمها وهي تقول لهند: ولا كأنك سمعتي حاجة. زي ما اتفقنا قبل كده أي معلومة تعرفيها تحوشيها لحد ما ييجي وقتها. أما بخصوص هدفه من خطوبتنا.. أنا هاخاليه يندم ويقع في شر أعماله. تحرك الجميع وسط تبريكات الأهل والمدعوين وتقديم التهاني, وعانقت أحلام يوسف ومريم عناقاً طويلاً وودعتهم فهي ستسافر وتعود من حيث جاءت. وكذلك فإن إيمان وعبد الرحمن, وإيهاب وفرحة, سيغادران مع يوسف ومريم لقضاء شهر العسل. وبعد ساعات مرهقة من السفر دخل أخيراً كل زوجين إلى جناحهما الخاص. أسرعت إيمان إلى شرفة جناحها الكبيرة لتنظر إلى المنظر البديع, فلحقها عبد الرحمن ولف ذراعه حولها قائلاً: أنا جبتك هنا مخصوص علشان تعرفي تستمتعي براحتك.
كانت مريم جالسة على طرف فراشها تنظر حولها, وتدور عينيها في الجناح الخاص بهما حتى دخل يوسف وأغلق بابه ووقف ينظر إليها ويتأملها حتى شعرت بالإضطراب أكثر, وراودها شعورها بالخوف تجاهه مرة أخرى, فأغلقت عينيها وهي تحاول أن تهديء من روعها. فقال: الأوضة دي ليها مفتاح لو حابة تقفلي على نفسك وأنا هانام على الكنبة بره قدام التلفزيون, لو احتاجتي حاجة نادي عليا. لم يتلق منها أي إجابة فخرج وأغلق الباب خلفه. لم تتمالك نفسها كثيراً فلقد كان الإرهاق أكبر من أى مقاومة فاستسلمت للنوم سريعاً ...وكذلك هو استسلم للنوم على الأريكة في الخارج.
وفي الصباح طرق يوسف عليها الباب وقال: من فضلك افتحي الباب لازم نتكلم. ولما فتحت الباب قال: أنا قلتلك من الأول إن مفيش شىيء هيتغير, لكن لو سمحتي جاوبيني إيه اللي حصل ليلتها ؟ ردت انفعاله بانفعال مماثل وهي تقول: حاضر هحكيلك اللي حصل علشان متفتحش الموضوع ده تاني. لما ركبت مع سلمى قالتلي هنروح نتمشى بالعربية شوية..قلتلها لا هنروح نوصلهم للمطار ولكنها أقنعتني بالتمشي معها. وبمجرد ما ركبت, وقبل ما تطلع بالعربية, لقيت ولاد خالتها ركبوا معانا, وقبل ما أعترض كانت هي طلعت. ولما عاتبتها قالتلي إنها هتوصلهم البيت علشان مامتها طلبت من خالتها تبعتلها أمانة معاهم وبعدين نروح أنا وهي نتمشى بالعربية زي ما كنا متفقين.
روحنا البيت واتصلت بمامتها مردتش مرة والتانية مردتش ...ولاد خالتها قالولها هنطلع نشوفها ..طلعوا واحنا استنينا في العربية, وبعد شوية نزلوا.. قالولها إن مامتها عاوزاها ضروري وتقريباً كده كانت تعبانة. اتحايلت عليا أطلع معاها خمس دقايق تشوف مامتها وتنزل توصلني تاني... طلعنا ودخلت هي لمامتها اوضتها هي وولاد خالتها, وبعدين خرجت وقعدت معايا وسابتهم جوه معاها, وقالتلي إن مامتها مكنتش لاقية الدوا بتاعها وهي ادتهولها, وطلبت مني أستنى شوية لحد ما تطمن على مامتها وتوصلني البيت...بس هو ده اللي حصل.
كانت مريم تقف في الشرفة تتابع أصوات البحر المختلطة بحفيف النخيل وقد جلس يوسف يشاهد التلفاز ويلقي عليها نظرة من حين للآخر حتى سمع طرقات خفيفة على الباب, استدارت مريم في مكانها واتجهت للداخل في سعادة وهي تسمع صوت إيهاب وفرحة التي أقبلت وعانقتها وقبلتها على وجنتها وهي تقول: وحشتيني أوى يا مريم بقالي يومين مشوفتكيش. جلست مريم بجوار مسند الأريكة الصغيرة, وجلس يوسف بجوارها ملتصقاً بها, ولف ذراعه حول كتفها وضمها إليه بخفة حتى شعرت أنها التصقت بصدره وهو يقول مداعباً موجهاً حديثه لفرحة: وإنتِ بقى يا معزة أخبارك إيه ؟عقدت فرحة يدها أمام صدرها بغضب طفولي وهي تهتف: مش هتبطل تقولي يا معزة ماشي يا يوسف. انتصر لها إيهاب قائلاً: - متزعليش يا حبيبتي هو يقصد المعزة اللي قعده جنبه. صاح به يوسف وهو يضم مريم أكثر: نعم يا خويا.. ده أنا مراتي دي قمر منور الدنيا كلها. وفجأة طرق الباب فنهض يوسف سريعاً متوجهاً للباب, لا تعلم مريم لماذا شعرت بالفراغ بعد أن تركها يوسف من ضمته, وكانت تود لو أنه بقي. ولكن بعد أن عاد بأكواب العصير كانت تتبعه بنظرها وتتوقع أن يعود إلى جلسته الأولى وخفقات قلبها تسابق خطواته, ولكنه لم يفعل, جلس بعيداً عنها ولكن على نفس الأريكة, كادت أن تشعر بخيبة أمل ولكن قطبت جبينها وهي تحث نفسها على ترك هذه الأفكار الغريبة. بعد أن خرج إيهاب وفرحة, أغلق يوسف الباب خلفهم واستدار إلى مريم ليجدها ما زالت جالسة في مكانها, وشاردة في أفكارها المتصارعة. وفجأة هبت العاصفة, وقفت مريم في اضطراب وانفعال وقالت بارتباك: أنت ازاي تحضني كده ..هه إزاي.. إنت بتستغل أنهم قاعدين يعني وعارف إني مش هقدر أتكلم. مش طايقاك, إنت فاهم ولا لاء.
حاول يوسف أن يكذب الشعور الذي راوده من نظراتها الزائغة وارتباكها, ولكن انفعالها وتلعثمها جعله يقترب منها ببطء وهي تصيح بكلماته الغير مترابطة وهي تتحاشى النظر إليه, وهو يتفحصها بنظراته بعمق. انتبهت إلى قربه منها فأسرعت إلى غرفتها الداخلية وأوصدت الباب بسرعة. دخلت فراشها وضمت ساقيها بيديها  وأخذت تقول لنفسها : فوقي يا مريم فوقي متنسيش هو عمل فيكي إيه. ما هذا الشعور الغريب الذي يدور بين الكره والحنين.
جلست علا أمام وليد في مكتبه وهي تقول: يا حبيبي ما أنا أثبتلك إني بثق فيك, عاوز إيه تاني. قال باستنكار: بأمارة إيه.. بأمارة ما جبتي معاكي أختك وأمك. فقالت له: أنت عاوز إيه مني بالظبط .. قلتلي تعالي شوفي الشقة وافقت وشفتها خلاص, وأي تعديل هتعمله أنا موافقة عليه ..عاوز إيه تاني. شعر وليد بالضيق, فهو أصلاً لا يحبها, وإنما خطبها لهدف معين في رأسه, وهي لا تعطيه فرصة لتحقيق هذا الهدف, فنظر لها وقال بجمود: خلاص براحتك وكويس إني عرفت أننا مش متفقين من دلوقتي بدل ما كنا نتجوز وبعدين نطلق, اعتبري الخطوبة اتفسخت. حينها انهارت أحلام علا ووافقت على الذهاب مع وليد إلى الشقة. وعند مدخل الشقة أسقطت علا حقيبتها لتصدر ضجة, فجذبها وليد إلى الداخل وبدأ بتقبيلها ثم بدأ بفك أزرار سترتها, حينها بدأت تصرخ وخرجت بسرعة إلى خارج الشقة. وجدت فاطمة وفاء في الخارج أمامها. نظرت إلى فاطمة وقالت: يرضيكي يا طنط إبنك يبهدلني. طردتها فاطمة وقالت: ما أشوفش وجهك هنا تاني. ذهبت إلى الشركة, دخلت مكتب الحاج حسين وبدأت في سرد كل ما رأته وسمعته يوم زفاف مريم ويوسف بين سلمى ووليد !
شعر يوسف بالقلق عندما أعلن هاتفه عن اتصال من أبيه, فرفع الهاتف وقص عليه والده ما حدث بالتفاصيل. اتسعت عيناه في دهشة وذهول وهو يردد: أنا مش قادر أستوعب. ثم أردف بأسى : مفتكرش يا بابا أن مريم ممكن تسامحني ومعاها حق.. دي لسه بتخاف مني لحد دلوقتي ونايمة في الأوضة اللي جوى وقافلة على نفسها بالمفتاح.. وأنا والله مش زعلان منها.. أنا بس مش عاوزها تبقى خايفة مني كده. ثم اتصل حسين بمريم وقص عليها أيضاً ما حدث.
وضعت مريم هاتفها جانباً وهي غير مصدقة لما سمعت من عمها ..تمتمت في خفوت: ليه يا سلمى.. أنا آذيتك في إيه علشان تشوهي صورتي وتتفقي مع وليد عليا.. ده انتِ كنتي صاحبتي الوحيدة وكنت بثق فيكي وماشية وراكي وأنا مغمضة.. ليه تعملي فيّا كده.
فتحت الباب وخرجت في اندفاع. كان يوسف يجلس على الأريكة الخارجية. وقفت أمامه في ذهول وصرخت به: ليه عملتوا فيا كده ..أنا عملت فيكوا إيه..صاحبتي وإبن عمي يشوهوا سمعتي, وأنت تصدقهم, ويخططوا علشان يخلوك تستفرد بيا وأنت متخدر, وتعملّهم اللي هما عاوزينه وتضيع مستقبلي ..ليه عملتوا فيّا كده ليه؟! وفجأة بدأت في ضرب صدره, فتركها تضربه وأغمض عينيه وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة. انهارت مريم تماماً ولم تتحمل قدماها أكثر من هذا. خارت قواها بشكل كامل وهي تسقط بين يديه.. حملها بين ذراعيه وأدخلها غرفتها وسدحها على فراشها ...ظل ينظر إليها ويتفحصها, لم يكن يعلم هل هي فاقدة الوعي أم أن طاقتها نفذت ولا تقدر على الحراك. جلس بجوارها لا يدري ماذا يفعل..شعر أن أنفاسها انتظمت وأخذت تتنفس في هدوء فعلم أنها ذهبت في نوم عميق.
استيقظت مريم على صوت بكاءه وشهقاته المتلاحقة, قال لها: إنتي معاكي حق في كل كلمة قلتيها ..وماليش أي عذر, ولو عندي عذر هيبقى أقبح من ذنبي.. بس أنا الغيرة كانت هتقتلني يا مريم .. يا مريم إنتي كنتي أول حب في حياتي وأنا ماليش خبرة غير في شغلي وبس.. فجأة لقيت نفسي بحبك وفي نفس الوقت مش راضي عن تصرفاتك ولا عن لبسك..وليد حس باللي جوايا وعلشان كده استغله لصالحه علشان يشككني فيكي..ولما ذهبت مع سلمى بالسيارة, طلعت وراكوا بالعربية وأنا كل هدفي إني أعرف إنتِ رايحة فين.. ولما كلمت البواب اتجننت لما عرفت أنها شقة مفروشة.. ساعتها قررت أنى أطلعك من حياتي تماماً وأنساكي بس بعد ما انتقم لقلبي منك.. لكن صدقيني عمري ما فكرت أني هعمل فيكي كده.. أكتر حاجة فكرت فيها أني أطفي النور وأرعبك.. لكن معرفتش أسيطر على حاجه بعد ما شديتك لحضني.. فجأة لقيت نفسي خارج سيطرتي وابتدت دماغي تلف أكتر وأفقد تركيزي واحدة واحدة. كانت تستمع له بدموعها المنهمرة على وجنتها وهي ضامة ساقيها, وكأنه فصل قلبها شطرين بسكين كلماته التي كانت تشعر بصدقها.
في اليوم التالي جلس يوسف أمام أبيه وأطرق رأسه بينما كان حسين يسأله : إزاي تعمل كده, إزاي تطلقها من غير ما تقولي. تابع يوسف بحزن شديد: هي اللي أصرت يا بابا.. كانت حالتها صعبة ومكنش ينفع أقولها لاء..لكن أنا اشترطت عليها إنه محدش يعرف بحكاية الطلاق دي لحد ما نقولك الأول وهي وافقت. زفر والده وهو يستعيد جلسته الأولى خلف مكتبه وهو يقول: أستغفر الله العظيم يا رب ..كل ما أحلها تتعقد. خرج حسين إلى مريم في غرفتها وقال بهدوء: شرع ربنا يابنتي بيقول إن الست اللي بتطلق طلاق رجعي تفضل قاعدة في بيت جوزها لحد فترة العدة ما تخلص. يعني تقعد بلبس البيت عادي جداً وتتزين عادي وتكلمه ويكلمها وكأنه زوجها لكن بدون جماع. قالت مريم في شرود: بس يا عمي أنا طلبت الطلاق علشان مش عاوزه أعيش معاه في مكان واحد.. يبقى أنا كده عملت إيه. تدخّل يوسف بشكل حاسم قائلاً: متقلقيش يا مريم.. إنتِ في كل الأحوال مش هتشوفيني تاني. أنا وعدتك أني أخدلك حقك من اللي ظلمك وأولهم أنا..وأنا هوفي بوعدي ليكي. ثم تركهم يوسف وخرج مسرعاً يهبط الدرج بسرعة .
وفي الصباح, هاتف الحاج حسين مريم وهو في طريقه إليها وأمرها أن تبدل ملابسها بسرعة وتهبط للأسفل وتنتظره في الجراج. حاولت أن تعرف مريم ماذا حدث, ولماذا يريدها, ولكنه قال باقتضاب: لما أشوفك هقولك. أبدلت مريم ملابسها في عجلة وذهبت لتنتظر عمها بالجراج, ولم يتأخر كثيراً. استقلت سيارته وبمجرد أن أخذت مكانها بجواره حتى قالت: خير يا عمي في إيه. انطلق بسيارته وهو يقول: يوسف راح النيابة قدم بلاغ في نفسه واعترف فيه أنه اعتدى عليكي. شهقت مريم وهي تضع يدها على فمها وتنظر له بذهول وقالت: وحبسوه. هز رأسه نفياً وهو يقول: لا, وكيل النيابة مرضيش يقفل المحضر إلا لما اتصل بيّا, وكتّر خيره مرضيش يبعتلك عسكري ولا أمين شرطة يستدعيكي علشان تقولي أقوالك وسابني آجي آخدك بشكل ودي.
وقفت مريم أمام وكيل النيابة فرفع يوسف رأسه ولم يجرؤ على رفع نظره إليها. قال وكيل النيابة: الأستاذ يوسف قدم بلاغ بيعترف أنه قام بالإعتداء عليكي ..إيه أقوالك. قالت مريم: محصلش يا فندم. هتف يوسف صائحاً: لاء حصل, وأنا معترف ومش هتنازل عن البلاغ, وأقوالها مالهاش أيِّ لازمة. نظر له وكيل النيابة بحدة قائلاً: إنت هتعرّفني شغلي ولّا إيه. ثم التف إلى مريم قائلاً: يعني إنتي بتنفي الواقعة. أومأت برأسها في جدية وهي تقول بثقة: أيوا يا فندم بنفيها.. الكلام ده محصلش. عادوا إلى البيت, وما إن نزل يوسف من السيارة حتى رأى وليد, فهجم عليه وأخذ يكيل له اللكمات. قام حسين بالإمساك به وأخذه ومريم إلى شقتهم. علم إبراهيم بما عمله إبنه وليد فقام بطرده من البيت والشركة.
كان الجميع في الفندق يحضرون حفلة زواج وفاء. شعرت مريم بآلام في بطنها مما استدعى أن يأخذها يوسف إلى طبيبة نسائية قرب الفندق. هناك فحصتها الطبيبة بعد أن طلبت من يوسف الخروج من غرفة العيادة. ولما خرجت من الغرفة قالت الطبيبة الظاهر بأنها أكلت طعاماً ملوثاً وأخرجته. رجع يوسف ومريم إلى البيت ولما وصلا إلى المنزل, دخل يوسف بالسيارة في هدوء وهو ينظر يمنة ويسرة وهو يقول: هو نور الجراج مطفي ليه. شعرت مريم بخوف يدب في أوصالها, ويقشعر له بدنها وهي تتذكر يوم الحادثة والظلام الذي كان يحيط بها. قالت في فزع: مش عارفة. شعر يوسف بها وبصوتها المرتجف خوفاً فحاول طمأنتها قائلاً:  خليكي في العربية لحد ما انزل أشوف في إيه. تشبثت بذراعه قائلة: لا متسبنيش لوحدي. إنت هتسوق في الظلمه كده ازاي. ابتسم قائلاً: هنور كشافات العربية لحد ما اركن وبعدين أنزل أشوف سكينة الكهربا. قالت :طيب ماشي.
زحف بالسيارة قليلاً داخل الجراج إلى أن وضعها جانباً ثم ترجل من السيارة, وما هي إلا ثوان حتى سمعت صيحة مكتومة لا تحمل سوى الألم: آآآآآآآه . ارتدعت بقوة وهي تصرخ: يوسف. لم تلق جواباً وهي ترى على ضوء السيارة ظلاً يركض خارج الجراج. ظلت تصرخ: يوسف... يوسف رد عليّا. لم تستطع أن تنتظر أكثر من هذا, خوفها عليه غلب فزعها من الظلام, ترجلت من السيارة ببطء شديد وتعلو شهقاتها من شدة البكاء خوفاً وفزعاً وترقباً, وعندما دارت حول السيارة سمعت صوت تأوهاته المكتومة, رأته يزحف بجوار السيارة في اتجاهها وخُيل لها أن قميصه قد تلطخ بالدماء. اقتربت منه وجلست إلى الأرض بجواره وهي تهتف: يوسف..مالك؟ حاولت أن تساعده على النهوض ولكنها لم تستطع, وفجأة أقتربت أضواء كثيرة في طريقها للدخول إلى الجراج. وقفت تنظر إلى السيارات القادمة فتبين لها أنها سيارات أخواتها وعمها, فأخرجت كل ما في صدرها من خوف وفزع كانت تكتمه في صرخاتها وهي تصيح بهم : الحـقونا...الحـقونا. توقفت السيارات وترجل منها الجميع في فزع باتجاه الصوت. أول من وصلا إليها كان إيهاب وعبد الرحمن, أسرع عبد الرحمن بالإتصال بالإسعاف. وما هي إلا ثوان حتى كانت سيارات الإسعاف والنجدة تحيط بمنزل آل جاسر.
وقف الجميع في الممر المؤدي إلى غرفة العمليات التي يرقد يوسف داخلها. اختلطت مشاعرهم بين الحيرة والتساءل والفزع والخوف والألم والحزن. كانت مريم تجلس على الأرض بجوار غرفة العمليات وهي ضامة ساقيها إلى صدرها وتستند رأسها إلى الحائط  وقلبها يتمزق لوعة عليه, تسكب دمعها وهي تتمتم بتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في خفوت: يا رب نجيه... يا رب أنا مسمحاه على أي حاجة يا رب نجيه يا رب... يا رب علشان خاطري. رفعت رأسها فوجدت عمها حسين أمامها. نظر إليها في ضعف ورجاء قائلاً: سامحيه يا مريم سامحيه علشان ربنا يسامحه. قالت في خفوت: أسامحه على إيه يا عمي.. يوسف معمليش حاجة يوسف ملمسنيش !!
التف الجميع حول فراش يوسف في غرفته داخل المشفى وهم يستمعون إلى الطبيب الذي يتكلم بابتسامه مطمئنة: الحمد لله.. الجرح مكنش عميق بدرجة خطيرة..مش محتاجين نقعّده في العناية المركزة بعد العملية.
فتح يوسف عينيه بضعف. كانت الصورة مشوشة أمامه غير واضحة المعالم بعد, فقال بصوت ضعيف وكأنه يهذي: مريم... إنتِ هنا؟
اقتربت منه وربتت على كفه بهدوء قائلة: حمد لله على السلامة.
بحث يوسف عن وجه أبيه بين الوجوه الدامعة فوجده مصوباً بصره إليه في لهفة وابتسامة حزينة. تعلقت أنظارهما ببعضهما البعض. شعر يوسف أنه أحب تلك الطعنة لِمَا رآه أخيراً من عطف أبيه الذي كان يفتقده, فلقد كانت لها الفضل عليه أن يرى الحنان في عيني أبيه, كان ينظر إلى عينيه ينتظر كلماته الحنونة, فقال حسين: حمد لله على سلامتك يابني.  وليد هو اللي عمل كده صح؟
قالت فرحة بسرعة: والحمد لله ربنا انتقملك منه في ساعتها والأسانسير وقع بيه.
اتسعت عيناه بذهول وقالت بدهشة كبيرة: إيه ...أسانسير إيه.. وحصلّه إيه؟
أجابه عبد الرحمن: أسانسير البيت عندنا يا يوسف.
تدخل إيهاب قائلاً: نفسي أعرف كان طالع البيت يعمل إيه.. اللي يعمل عملته دي كان المفروض يهرب طالما محدش شافه.. إيه اللي خلاه يطلع البيت مش عارف.
وفي المساء, خرج الجميع من المستشفى وبقيت مريم إلى جانب يوسف. قال لها : قرّبي الكرسي بتاعك من السرير.
نهضت واقفة, ووضعت مقعدها بجواره وجلست, فقال وهو ينظر لعينيها بعمق: مروحتيش ليه.
تجنبت النظر إليه وهي تقول: المفروض إني أنا أكون معاك.
قال بسرعة: الكلام ده لو انتي مراتي.. لكن إنتي اللي طلبتي الطلاق.
نظرت له بتحد قائلة: وإنت مصدقت وطلقتني.
ابتسم من طريقتها الطفولية في الحديث. نظر لها قائلاً: ده أنا كنت متمسك بيكي لآخر لحظة..وأهو ربنا خدلك حقك..وفي نفس الظروف..يوم فرح..وبالليل والدنيا ضلمة.
قبض على يدها بضعف وهو يتأملها وقال ببطء: مريم...لو رديتك...هتحسي إني رجعتك غصب عنك؟ إنتِ عندك استعداد تكملي حياتك معايا وتنسي اللي فات؟
صمتت ولم تجبه, كانت تشعر أن قلبها سيقفز من صدرها من فرط الإنفعال والإضطراب والخجل, حاولت أن تهرب من حصار عينيه ولكنها لم تستطع, كانت نظراته تحيط بها من كل اتجاه, تحتويها بل وتفصلها عمن حولها. أمسك يدها وجذبها إليه برفق, فشعرت بأنفاسه تلفح وجهها وهي تحاول الإعتدال, ولكنه لم يسمح لها وأستنشق عبيرها وقال بصوت رخيم: أنا رجعتك لعصمتي يا مريم.
وفي مساء اليوم التالي, كان يوسف يخطو خطواته الواهنة بعض الشيء داخل بيته, وعبد الرحمن يساعده إلى الصعود إلى فراشه والجميع ملتف حوله في سعادة مرحبين بعودته لمنزله سليماً معافى. 
في صباح اليوم التالي, تلاقت عينيهما فقال بهمس: بحبك.
كان يتوقع أن تشيح بوجهها وتتركه وتذهب كالعادة كلما قالها, ولكن هذه المرة وقفت مريم تنظر إليه وقالت بنظرة لم يفهم معناها: من إمتى؟
قال يوسف بخفوت: والله ما أنا عارف من إمتى.. أنا فجأة كده لقيتني بغِيِر عليكي من كل حاجة, وكان نفسي أوي تسمعي كلامي وتغيري تصرفاتك.
ساعتها بدت على وجهها ملامح ساخرة وهي تقول: ليه مكلمتنيش بود وقولتلي إنك مش راضي عن تصرفاتي بدل ما كنت بتتخانق وتزعق وتتريق أحياناً.
دمعت دمعة في عينيها فمسحها بأنامله وقال بحب: كنت غلطان سامحيني.. أنا كنت سيء الظن لأبعد الحدود معاكي ... لكن عاوزك تعرفي أنى مكنتش مبسوط يعني وأنا بكتم في نفسي كده.. أنا كنت بتعذب يا مريم .. وعذابي وصل للمنتهى ولأبعد حد في يوم الحادثة.. لدرجة أني أخدت الحبوب دي والسجاير من غير تفكير وكأني مُنوم وفاقد للسيطرة على نفسي.. لغيت عقلي ... سامحيني يا حبيبتي.
سألته عن يوم الحادثة وعن الذي حصل. فقال: صدقيني لو قلتلك إني مش فاكر حاجة خالص .. كل اللي فاكره إني حضنتك وإنتِ بتقاوميني.. وفجأه لقيتك أتخبطي في الحيطة ووقعتي على الأرض.. كنت بحاول أشيل عنك الهدوم.. وبعدين بدأت أشيل هدومي وفجأة حسيت أني صنم.. عقلي أتجمد وقلبي أبتدى ينبض ببطء شديد.. حاولت بعدها أفتكر أي تفاصيل مافتكرتش حاجة أبداً, صدقيني. وبدأ في البكاء.
فقالت :- مصدقاك يا يوسف..عارف ليه.. لأنك ملمستنيش .. معملتليش حاجة أبداً.
توقف عن البكاء فجأة وكأن الدنيا قد توقفت فجأة عن الدوران وسكت الكون, التفت إليها بذهول وقطب جبينه قائلاً: يعني إيه ؟
أفلتت دمعتين من عينيها وقالت: فاكر لما تعبت مرة ووديتني لدكتورة النسا, والدكتورة طلّعتك برة, وقتها قالتلي الدكتورة أن احتمال الدوخة والقيء بسبب الحمل فخلينا نتأكد.. طبعاً أنا كنت هموت.. وافقت على طول.. وبعد الفحص قالتلي أومال بتقولي عليه جوزك ازاي, ليه خلتيني أعمل فحص الحمل وانتي لسا بنت بنوت ! ساعتها روحت في دنيا تانية.. مبقتش عارفة أضحك ولا أعيط.. أصرخ ولا أعمل إيه مش عارفة.. لقيت دموعي نازلة زي المطر. فقال يوسف في هذيان: يعني إيه.. أومال ده حصل ازاي. ازاي ..
قالت من بين دموعها: أكيد أغمي عليك.. وإلا مكانش عمي لما دخل بعد الفجر لقاك جمبي.. وطبعاً كانت رجلي غرقانة دم علشان لما وقعت على الأزاز أتجرحت جامد, والموقف مكنش يحتمل تفسير تاني.
قفز المشهد في عقله مرة أخرى .. لقد تذكر فجأة لحظة سقوطه وكأنها حلم بعيد من مشهد قديم.. نعم لقد سقط وهو يشرع في نزع ملابسه .. عندها كان يترنح بقوة.. ولا بد وأنه قد  سقط غائباً عن  الوعي بعدها. نسي ألمه وجرحه الذي لم يندمل بعد, وحملها بين ذراعيه وطاف بها وهو يهتف تارة ويصرخ تارة أخرى, ويبكي بضحكات, ويضحك بدموع, واختلطت دموعه بدمعها وهو ما زال يهتف: مش مصدق... مش مصدق يا مريم.. مش مصدق.
أنزلها إلى الأرض برفق هاتفاً بسعادة: بابا... بابا لازم يعرف.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بمكر: وإنت فاكر أنه لسه مايعرفش.. أنا قلتله وأنت في العمليات.. وهو كمان مكنش مصدق زيك كده.
وبعد مرور شهرين, كان موعد اللقاء الأسري المعتاد حول مائدة الطعام الكبيرة, قالت مريم: يوسف, ناولني البسكوت المملح اللي جنبك.
فقال يوسف: مريم.. مكنش حمل ده.. كل شوية بسكوت بسكوت.. إنتِ حامل في عيل في الحضانة ولّا إيه.
فقالت: كده يا يوسف.. ده أنت حتى امبارح زعلتني ومرضتش تشيلني.
فقال يوسف: إولدي إنتي بالسلامة يا حبيبتي وأنا أشيلك زي ما أنتِ عايزة.. أصل بصراحه معنديش غير عمود فقري واحد.
فقالت : قصدك إيه.. أنا تخنت يعني.
فقال:لا يا حبيبتي هو أنا أجرؤ أقول كده.
فقالت: طب هات البسكوت بقى.
                                 النهاية.




إرسال تعليق