الأربعاء، 14 فبراير 2018

تلخيص رواية

 جنين :2002: أنور حامد 

إعداد وإشراف: رجاء حمدان







كنت مقتنعة أن والدي اقوى انسان على وجه الارض ! أقوى من مدير مدرستنا, أقوى حتى من المصارع الضخم الذي كنا نراه على شاشات التلفزة . وحين ضرب الجنود باب بيتنا القديم المتهالك في المخيم , قفزت من فراشي, ثم رأيت أبي خارجاً من حجرته , فعاد الإطمئنان إلى قلبي . أبي أقوى انسان في هذا العالم , وسيريهم ! ثم, سمعته يتحدث إليهم , كان صوته يرتعش , ثم تختنق كلمات أبي , أبي يبكي !! أقوى انسان في العالم , يبكي !! والطفلة ذات التسع أعوام تنكمش وتنكمش حتى يبتلعها كيان آخر. أبي ليس قوياً , بل هو أضعف انسان في العالم ! الآن لم أعد طفلة يا أبي , لكني أحتاجك , أحتاجك كما أنت , مغلوباً على أمرك , لأني وحيدة في مواجهة كل الامور هذه . حتى جدتي لم تعد معي. أنت وأمي تركتماني في عهدتها حين سافرتما إلى عمان حتى تحضرا حفل زفاف عمتي . أخذتما حمودة ووفاء وأنا بقيت مع جدتي لأن عليّ الكثير من الواجبات الدراسية , فالإمتحانات على الأبواب . أبي , أين أنتم ؟ هل سأراكم ؟ أم تعبر النافذة رصاصة ثانية , ولا تخطئني هذه المرة؟ 

 تلك كانت اول صفحة و أول ضياع , بيد أنها لم تكن أول مازق . المأزق الأول كان قبل سنوات من عثوري على كراستها مملوءة بدمائها , وفي داخلها يوميات وخواطر كتبتها في أثناء حصار المخيم , مخيم جنين . أريج الشايب هي كابوس أيامي و لياليّ المعذبة , وشبح يطارد أمسياتي , وقصة سأنقلها لكل هذا العالم , فهل هناك أمل أن يتعلم شيئاً من يوميات أريح الشايب ؟ لا أعتقد هذا , ولكني سأرويها على أي حال . كنت فضولياً بطبعي و اسئلتي كثيرة . أقيم في يافا مع أسرتي , في منزل قديم مبني على الطراز العربي . لم يقل لي أحد كيف صار هذا البيت ملكنا, ولمن هو أصلاً , لا في البيت و لا في المدرسة . وبدا لي تفسير أن بيتنا لعائلة غادرت إلى لبنان لأنهم لم يرغبوا في أن يقيموا مع اليهود في مدينة واحدة , تفسيراً مقنعاً . 

 جاءت المواجهة بأسرع مما تصورت في الحقيقة . وصلتني الدعوة للإلتحاق بالجيش , جيش الدفاع الإسرائيلي , حتى نحمي الوطن ! إيماني بالوطن وحقنا بالوجود هنا كان شيئا بديهيا , بالنسبة لي . ومع أن الأسئلة عن العرب قد بدأت تلعب بما كنت اعتبره من المسلمات , إلا أنني لم أتخذ موقفاً محدداً بعد. لا مفر, سألتحق بإحدى الثكنات العسكرية في الشمال , بالقرب من الحدود اللبنانية . جميع الرفاق و الاصحاب الذين سيلتحقون بالجيش سيلتقون هذا المساء في مطعم "العجوز والبحر" على شاطيء يافا . وفي نهاية الليلة غادرنا المطعم بعد منتصف الليل. تفرقنا كل في اتجاه .. وبقيت صديقتي شوشانا معي و مشينا لفترة على الشاطيء ثم ودعتها. حين ضممتها همست في أذني : لماذا ولدنا هنا ؟ لم ارد عليها . ولم أكن أملك إجابة. هذا السؤال تحديداً لم يخطر من قبل ببالي . لم يكن بين الأسئلة الكثيرة التي اعتدت أن أطرحها بين فترة وأخرى . 

 التحقتُ بالثكنة. الطبيعة هنا لا تختلف عنها في شمالي إسرائيل . فالطبيعة لا شأن لها بالسياسة . مرت اول الايام في سلام . ثم بدأت العمليات الإنتحارية في إسرائيل , وبصراحة موقفي منها كموقف أي إسرائيلي. إنهم يقتلوننا بدون تمييز , وهذا القتل لم أجد له اي تفسير او مبرر . ولسوء الحظ فقد أنهيت عمليات التدريب وأنا الآن معد حتى أشارك في أي عملية عسكرية آتية . يا ربي, ماذا أعمل ؟ لا أريد أن أوقف الفلسطينيين على الحواجز , لا أريد ان افتش المسنين و الاطفال وإيقاف نساء حوامل . 

وصدرت الأوامر بان نكون على أهبة الإستعداد . لا, ليست العملية الكبيرة التي يعدوننا من أجلها منذ أسابيع . هي عملية روتينية حتى نقوم باعتقال إرهابيين في إحدى القرى القريبة من طولكرم . الأوامر كانت تأتينا عبر أجهزة اللاسلكي . كنت أنا ضمن المجموعة التي ستخلع باب المنزل بأعقاب الرشاشات . أعصابي كانت متوترة للغاية , فهذه أول عملية أشارك فيها . كان جميع من في القرية يغطون في النوم . الناس يغطون في أحلامهم , ربما يحلمون بأشياء جميلة , لكننا سنوقظهم بعد قليل على كابوس . نحن الآن نقترب من المكان الهدف . كنا نعرف مكان البيت على وجه التقريب . توزعنا حسب الأوامر التي وصلتنا . حين اقتربنا من المنزل قفز أفراد من المركبات وركضوا باتجاه البيت . كسرنا الباب بمنتهى السهولة . بدأ قائد المجموعة يصرخ باللغة العربية : سلموا أنفسكم. سمعنا عويل نساء وصراخ أطفال . وبدأنا ننبش محتويات الحجرات , الفراش, الأسرّة, ولم نبق شيئاً . ولم يكن هناك أحد من المطلوبين , ولكنا أخذنا رجلاً كبيراً في السن من بيته . غادرنا ومعنا الغنيمة : إرهابي فوق السبعين , يرتعد من الخوف , وترضىكنا خلفنا صراخ اطفال و عويل نساء . هل هؤلاء هم من يروّعون دولتنا القوية ؟!! 

وحصل بعد أيام ما كنت أخافه . اتخذ القرار باجتياح الضفة. كنت في غاية التوتر , فدروي القتالي هذه المرة سيكون وجهاً لوجه مع الفلسطينيين . ما أصعب التأهب و الانتظار . لم ننتظر طويلاً على أي حال , جاءت التعليمات أن وجهتنا ستكون جنين, مخيم جنين بالتحديد . قيل لنا إنه بؤرة الإرهاب في الضفة. المطلوب منا احتلال المخيم و تطهيره , وإلقاء القبض على الإرهابيين أو التخلص منهم و قتلهم . جاءت الإشارة أخيراً, وانطلقنا. صرنا على مشارف المخيم , وحاصرناه . أخذنا مواقعنا عند أحد المداخل و أخذنا ننتظر . 

 كان يفترض أن أكون متوتراً, لكن الأدرينالين و الشعور بأنني جزء من جماعة قوية ومدججة بالسلاح, جعلني لا أحس بالكثير من الخوف و القلق . وجاءت ساعة الصفر. في السادسة والربع صباحاً انطلقنا نحو الهدف , لم تذن الشمس قد اشرقت بعد . وفجأة لمحت طفلين يخرجان من أحد الأزقة. أطلق عليهم زملائي وابلاً من النيران , أما أنا فصرخت: إنهم أطفال ! فوبخني قائد المجموعة وقال: أسكت أيها الاحمق ! هؤلاء مقاتلون ! خلال دقائق تأكد ما قاله . فجأة صرخ صوت من أحد الأزقة : الله أكبر ! ويبدو أنها كانت كلمة السر , فقد فتحت علينا أبواب الجحيم . سقط اثنان منا. وانطلق منا الرصاص دون أي وجهة محددة . فتركنا المكان ووصلنا إلى مكان التجمع عند بوابة المخيم . قمنا بمحاولات عديدة حتى ندخل و نقتحم المخيم , ولكن لم ننجح. خسرنا حتى الآن سبعة من الجنود وجرح أحد عشر. صدر القرار بأن يبدا القصف . كانت النيران تنهمر علينا من كل جهة. هذه هي الحرب . الحرب شيء بشع ولا مجال باي حال من الاحوال تجميله , هي فعل غير إنساني أصلاً . ما فاجأني هو مقاومة المخيم . من أين حصل هؤلاء على كل هذه الأسلحة ؟ المهم مضى على وجودنا هنا أسبوع باكمله . قصفنا فيه المخيم قصفاً متواصلاً , والمقاومة بدأت شيئا فشيئا تخف , لكنها لم تنقطع. لا اعلم في الحقيقة لماذا لا تصدر الأوامر بالإقتحام . فالجنود بدأوا يتململون. فجأة بدأت الجرافات تدير محركاتها. يا إلهي ! هل سنقوم بجرف المخيم ؟! 

 صدرت الأوامر لمجموعة من عشرة أفراد , كنت واحد منهم , بالتوغل في المخيم تحت أجنحة الليل , لاستطلاع أزقته . المهمة غير سهلة و خطيرة للغايو , ومحفوفة بالمخاطر . تحركنا في الثانية فجراً. كنا نريد أن نصل إلى حارة الحواشين , لأنها نقطة مركزية في المخيم , والسيطرة عليها تعني السيطرة على معظم أنحاء المخيم . طبعاً لم يكن مطلوباً منا السيطرة عليها , مجرد دراستها فقط . انطلقنا بكل هدوء ، الأزقة مظلمة, والبيوت مظلمة, ونحن الآن في وسط المخيم تقريبا . حارة الحواشين لم تعد بعيدة عنا, هي الآن على مرمى حجر. وقفنا قليلاً و قمنا بالإنتظار قليلا . بدأ قلبي يدق بعنف. فجأة سقط بين رجليّ جسم لم اجري ماهيته , قفزت برعب ودخلت أحد الأزقة ثم وقع انفجار . كان ستة من رفاقنا قد علقوا وسط الساحة . وانطلقت صيحات تشق الليل : الله أكبر الله أكبر. كثفنا إطلاق النار. أصيب من رفاقي اثنان وفارقا الحياة , وبقي الستة محاصرون بين أهالي المخيم . وصل الجنود الأربعة إلى مدخل الساحة . جنديان حيان يسحبان جنديين ميتين . حملت واحد منهما , وحمل رفيق آخر الجندي القتيل الثاني وبدأنا عملية الإنسحاب. سمح لنا القائد بالنوم 4 ساعات. كنت منهكاً فغططت في نوم عميق . حين أيقظونا لاحظت أن القوات في حالة إستنفار غير طبيعية . 

نعم, نحن مقدمون على تجريف المخيم . هكذا صدرت التعليمات و الأوامر لنا . وبالفعل أظننا دمرنا الكثير من بيوت المخيم. تلك البيوت التي تحتضن بعضها تنهار بالجملة بقذيفة واحدة . بدأت الدبابات بالتحرك شيئا فشيئا ونحن خلفها. كانت النساء تصرخ وتلطم على وجوهها . لغتي العربية لم تسعفني في فهم كل ما يصرخن و يتفوهن به . وفي عدة بيوت وجدنا قتلى و جرحى . سُمح للصليب الأحمر بالدخول لإخلاء الجرحى . ألقينا القبض على بعض المسلحين الجرحى . 

دخلنا أحد البيوت في وسط المخيم . كان خالياً من السكان لكن محتوياته لفتت انتباهي : أقنعة, ملابس غريبة ملونة تنتمي إلى عصور أخرى . هل كان هذا مسرحاً ؟! هنا ؟ لم يكن يخطر بأي حال من الأحوال في بالي أن سكان المخيم يمارسون نشاطات كهذه . كنت قد وجدت بعض الصور. لقطات تمثيلية . وضعت الصور في جيبي وخرجت مسرعاً. جاءت الجرافة لتهدم المسرح على كل ما فيه من ذكريات و صور للحظات لا يشوبها الإرهاب. منذ تلك الدقيقة بدأت أدخل البيوت بوعي مختلف , وأرى محتوياتها بعيون ثانية . بدأت ألاحظ المواعين و الاطباق , فناجين القهوة , دفاتر المدرسة !! 

دخلنا بيتا في أحد أطراف المخيم . كان بابه مفتوحاً وقد ارتمى عند مدخله شابان مسلحان . كانا ميتين . دخلت و انا متوتر . ليس هناك أحد على ما يبدو. أردت ان اغاجر البيت على وجه السرعة , ثم فجأة تنبهت إلى رائحة قوية تنبعث من إحدى الحجرات , رائحة جسد متحلل . فتحت باب الحجرة وألقيت نظرة . كانت هناك سيدة كبيرة في السن , ملقاة على الأرض , ميتة. فتحت باب حجرة ثانية ثم أطلقت صرخة. لماذا ؟ كانت هناك فتاة صغيرة شابة , ملقاة على الأرض . إقتربت منها . كانت تبدو أصغر مني بعدة سنوات . ربما كانت طالبة مدرسة , أو قد تكون على أعتاب حياتها الجامعية . ما يهم الآن ؟ هي لم تعد اي شيء . ألقيت نظرة على مكونات الحجرة . دخلت المطبخ . رأيت طبقاً صغيراً فيه مربى المشمش . شعرت بالجوع . فغمست أصبعي في الطبق ولحسته . كان لذيذاً. غمست أصبعي مرة ثانية , أحسست بشعور عجيب , أنا الآن شاركت سكان هذا البيت في أكلهم . لا, ليس بالضبط, فأنا جئت بدون دعوة, رغما عنهم . رجعت الى الحجرة , تأملت وجه الفتاة الذي يلفه سكون الكون . لاحظت أنها تقبض بيدها على شيء . كانت تمسك بكراسة مدرسية . انتزعتها منها بلطف . حاولت قراءة ما فيه و لم اكن قادرا على أن أقرأ الكلمات المكتوبة . بدأت أتبين بعض النصوص. غير معقول ! يا إلهي؟ هذه الفتاة كانت تكتب مذكراتها و يومياتها ! في أثناء القصف. داهمتني رغبة قوية بالبكاء . حشرت الكراسة في جيب معطفي , وقلت للجندي من جانبي : ساعدني على إخراج الفتاة من هنا , هناك سيدة عجوز أيضاً في الحجرة المجاورة . أحسست كأن هؤلاء يختلفون عن الذين مررت بجثثهم . لهم ملامح لم اكن قادرا على رؤيتها , وقصص لم أقرأها بعد, لكني سأفعل . سأترجم ما كتبته هذه البنت , أريد أن أعرف من هي. بماذا كانت تحلم ؟ كيف كانت تحيا و تعيش ؟ أريد أن أعرف من قتلتْ رصاصاتنا . أشك أن هذه الصبية تسللت يوماً إلى مدننا بحزام ناسف , ولكنها منذ اللحظة تسللت إلى كل حياتي . 

انتهت معركة المخيم ولكنا بقينا فيه . قالوا لنا إن هذه بؤرة إرهاب . أراهن أن رفاقي في الوحدة لم يكونوا يتصورون أن في المخيم نساء و أطفال . لا يمكن أن يكونوا فكروا أن في هذه المنازل الفقيرة البسيطة تعيش عائلات تستيقظ في الصباح وتتناول وجبتها حول مائدة واحدة , أطفال يذهبون إلى المدارس وآباء إلى اشغالهم . طعم مربى المشمش الذي تذوقته في ذلك البيت يلسعني الآن. آه يا رأسي . منذ عدت والصداع يفتك بي. لم تُجْدِ معه المسكنات بأنواعها . 

 مكثنا في المخيم لأسبوعين بعد استسلام آخر مسلح , وكانت فترة خدمتي قد انتهت فطلبت أن أخذ فترة من الراحة , و رجعت على وجه السرعة الى أسرتي في يافا. شهقت والدتي من الفرحة حين رأتني , وصرخت : إلياهو , عاد ديفيد . رجع سالماً . فهرع والدي و قام باحتضاني . أما أنا فكنت في عالم آخر .

 في اليوم التالي لعودتي إلتقيت بليلى , زميلة دراستي السابقة , أمها يهودية وأبوها عربي . تتحدث العبرية و العربية بالمستوى نفسه . سأطلب منها أن تترجم لي ما في الكراسة التي عثرت عليها في المخيم . كلما أخرجت الكراسة من حقيبتي ورأيت بقع الدم على الغلاف الورقي أحسست ببشاعة ما اقترفناه . التقينا أنا وليلى في "مقهى يافا". طلبتُ من النادل مربى المشمش , وضعته مقابلي على الطاولة, وغمست أصبعي فيه ولحسته بتلذذ . أخرجت الكراسة من حقيبتي , وقلت لها : أريدك أن تترجمي لي هذه الكراسة , وسأدفع لك ما ترغبين به في المقابل . ثم أخرجت الصور التي حصلت عليها في مسرح المخيم , وقلت لها: أريد أن أعرف من هؤلاء . قالت: هذه المرأة ليست عربية . ربما كانت ناشطة أوروبية. الشاب كذلك . ووعدتني أن تحصل على معلومات و تفاصيل أكثر عنهم . منحني هذا شيئاً من الأمل. أريد أن أعرف ما أستطيع معرفته . لا أدري إن كان في عمري متسع لمعرفة كل ما حرصت على معرفته . لقد كنت مغيباً. كنا مغيبين ! 
إتصلت بي ليلى بعد أيام, وقالت بشأن الصور : المرأة التي في الصورة يسارية يهودية إسمها آرنا, كانت تنشط مع أطفال المخيم قبل المعارك. والشاب الذي معها هو ابنها إسمه جوليانو . هو مخرج مسرحي أو مخرج أفلام على ما أعتقد . حينها صرخت من مقدار السعادة التي اجتاحتني : ليلى أنت رائعة. ولكن أريد أن أصل إلى آرنا وجوليانو . فقالت ليلى : لن يكون هذا بالشيء الصعب . أحسست بالتفاؤل, لاول مرة منذ عودتي من جنين أحس بشعور إيجابي . 

وبالفعل رتبتْ لي ليلى لقاء مع جوليانو في الناصرة . سافرت إلى هناك والفضول يكاد يمزقني . لمحت شخصاً يشبه صاحب الصورة التي أحتفظ بها في جيبي . فلوحتُ له, وقلت : مرحباً أنا ديفيد . مد يده حتى يسلم علي وقال: أنا جوليانو. من أين تعرف من انا ؟ أخرجت الصورة وقلت له: من هذه الصورة. حصلت عليها من مخيم جنين . أنت على علاقة بأهل المخيم كما هو واضح . وهنا بدأت أقص على جوليانو تطور مأزقي من أول سؤال طرحته على أبي عن ملكية بيتنا إلى أن عثرت على تلك الكراسة المضرجة بالدماء التي أرقناها. وحين انتهيت قال : صحوة ضمير إذن . فقلت له: أريدك أن تعاونني في شيء . أريد أن أقيم علاقة مع أهل المخيم. فقال لي: أعطني مهلة حتى افكر في الامر . أعطيته رقم هاتفي , وأحسست بفرح غير طبيعي , ووددت أن أعانقه ولكني لم أفعل . لم يستغرق الأمر ليلى أكثر من أسبوع. كنت قد قلت لها لا أريد ترجمة أدبية , أريد فقط أن أعلم ما هو مضمون ما كتبت تلك الفتاة التي اتضح أن اسمها أريج. إسمها أريج الشايب , وماتت وهي تتحضر و تستعد لامتحانات الثانوية العامة وتحلم بأشياء كبيرة . كيف جعلونا نرى الفلسطينيين شيئاً مجرداً لا ملامح له على الإطلاق , لا عواطف سوى كراهية اليهودي . بدأت بتصفح مذكرات اريج و يومياتها . شدتني إلى حد بعيد, ووضعتني تلك الفتاة في جو حياتها الصغيرة . أريج, يا أريج, دمك في رقبتي أنا شخصياً . لم تكن رصاصتي هي التي قتلتك ولكن تواطؤي . أنا أكرهني وأكره كل شيء يخصني , عائلتي, بلدي القائم على ركام حياة الآخرين . كنت أستطيع أن أعمل شيئاً مغايرا لو كانت لدي ذرة من الشجاعة والقدرة على الحسم . فات الأوان الآن .. فات الآوان .. 

يوميات الحصار .. أريج الشايب   
لم أدخل السجن في أي مرحلة من مراحلي العمرية , رغم كوني فلسطينية, وابنة مخيم , إذن أنا أنتمي إلى القلة المحظوظة من الفلسطينيين. لو كنت قضيت بضعة شهور في سجن إسرائيلي لتعلمت الكثير من المهارات , في كيفية قضاء الوقت وأنا محصورة في بيت مغلق . أخي هاني, حين سُجن صنع لي أقراطاً جميلة .....bummm إنه صوت انفجار ثاني , ربما في مدخل المخيم , وصوت زخات رصاص لا تتوقف البتة , لكن الصوت بعيد بعض الشيء . دخلت إلى المطبخ لأجلب كأساً من الماء الى جدتي , ولكن أغمي عليّ بفعل الإنفجار الذي لا بد أنه وقع في مكان ما بالقرب من هنا . وحين نهضت توجهت إلى جدتي , ناديتها لكنها لم ترد علي ابدا . هل عادت للنوم ؟ صرخت أكثر وهززتها , ولكن لا حياة ولا اي فائدة من مناداتها . عيناها شاخصتان , لكنها في مكان ثاني . هل عيون الموتى تبقى مفتوحة ؟ ماذا أعمل الآن يا ربي ؟! نظرتُ إليها وفكرت في ما آلت إليه. أنا الآن وحيدة في منزل ليس فيه سوى جدتي الميتة, وأصوات الانفجارات و الرصاص في الخارج تصم الآذان. ثم فجأة أحسست بهدوء غير طبيعي . قمت بأكثر من محاولة حتى اعيدها الى فراشها . لم أفلح, فهي أثقل مني بكثير. غطيتها بغطاء , وغطيت وجهها أيضاً , فأنا الآن واثقة أنها ميتة, ثم بدأت أعد لمواجهة الواقع الجديد , و انا وحدي ... 

أنا خائفة, خائفة جداً. لا أريد أن أموت, أخاف من الموت. أريد أن أبقى هنا مع عائلتي و صديقاتي . يا الله, أين هي اسرتي الان ؟ أين وفاء وهاني ومحمد ؟ أين أمي وأبي ؟ ومتى يأتون حتى ياخذونني الى منزلنا ؟ أين هاني ؟ هو مع الشباب , لم يذهب مع أهلي إلى عمان , هل هو في أمان ؟ أنا خائفة أن أموت دون أن أرى اسرتي للمرة الأخيرة . وخائفة من جدتي . كلما نظرت إليها أحس أني أنظر إلى شبح . أحكمت إغلاق باب حجرة جدتي . أحسست بشيء من الامان , وبدأت بقراءة سورة ياسين. أحس الآن بجوع كبير , أكلت آخر ما تبقى من الخبز . ولكني لن أموت جوعاً, فمطبخ جدتي عامر. حين تصل الأسعار إلى الحضيض تشتري جدتي كل شيء: مشمش, عنب, سفرجل وتصنع منها مربيات, و تقوم بصنع الكبيس من الفقوس و الخيار , والمقدوس من الفلفل و الباذنجان . رفوف مطبخها عامرة بالمرطبانات المليئة بالمخللات و المربيات , لن أموت جوعاً إذن. تحسست مربى المشمش من أحد الرفوف. أخذت المرطبان معي إلى الحجرة وبدأت أنتشل أنصاف ثمار المشمش بيدي و أدسها في فمي . ثم عدت إلى فراشي , أغمضت عيني وحاولت النوم. لم يكن ذلك بالشيء السهل علي , ولكني غفوت . 

كان أول ما عملته حين أفقت أن توجهت إلى حجرة جدتي , فتحت الباب وقلبي يدق. كانت هناك كما تركتها , وعيناها ما زالتا مفتوحتين , ومنظرهما يخيفني كثيرا . وانفجرت بالبكاء مرة ثانية . أغمضت عينيها ثم خرجت إلى المطبخ . لقد اشتقت لإسرتي كثيرا , أبي وأمي ووفاء ومحمد وهاني. أحسست برغبة في ان أتحدث اليهم . 

لم أعد أخاف من جدتي , أعني شبح جدتي . أصبح وجودها لا يثير بي الخوف . والأغرب من ذلك أني بدأت أتعود على أصوات الرصاص و الانفجارات في الخارج , ولم تعد تثير بي الرعب كما في البداية . إهتديت إلى أفكار لقتل الصمت من حولي . سأحاور كل الأشخاص في حياتي : أمي, أبي, وفاء, حمودة, أبناء وبنات عمتي شذى, المدرسين والمدرسات. وعارف. من هو عارف؟ عارف حبيب القلب . كانت بداية علاقتنا غير مسبوقة . هو وحيد والدته وقرة عينها , تخاف عليه حتى من هب النسيم . وحين اندلعت الإنتفاضة كان عارف ملتزماً بنصيحة والدته : "إمشي الزيق الزيق يما". لذلك اعتقد الشباب في المخيم أنه عميل . فأشبعوه ضربا و ركلا ثم اكتشفوا أنه بريء, فقدموا لأمه كوفية فلسطينية . عارف جارنا, وقد كبرنا سوية . هو أكبر مني بثلاث اعوام . في البداية كان مسالماً بشكل غير طبيعي , لم يكن يتعارك مع أحد إلا مرة واحدة وكانت بسببي . تلك الليلة لم أنم بسهولة. رأيته في حلمي أكثر جمالا , رأيته يمسك بيدي ويجري بي الى مكان بعيد . وحين فتحت عيني في الصباح كان قلبي يرقص جذلاً . هل وقعت في الحب ؟ وكيف لي أن اعلم ؟ لم يحدث أن جربت ذلك من قبل. كل ما أعرفه أن يومي أصبح له مذاق مختلف , أصبحت أصفف شعرى باهتمام و عناية اكثر من ذي قبل , وقررت شراء ملابس داخلية جديدة , غير تلك البائسة التي تشتريها لي أمي. تعزز شعوري أكثر بأني فتاة , وأصبح في حياتي سر أنثوي آخر , جميل, ليس كذلك الذي يداهمني كل أربعة أسابيع . 

إلى متى سيستمر هذا الوضع ؟ عليّ ان اقتصد بعض الشيء في الاستهلاك . أنا آكل وجبة واحدة ولا اعتقد انني أستطيع التقنين أكثر من ذلك. المقاومة خفت, ولكنها لم تتوقف نهائياً . فليكن, الآن سأعد شوربة العدس . 

أفقت اليوم على صوت انفجار كبير جدا . فتحت عيني مرعوبة. خفت أن يحدث انفجار ثاني وتدخل الشظايا من الشبابيك . خطرت ببالي فكرة. إذا حجبت زجاج النوافذ بقطع أثاث , هل يمنع هذا الشظايا من ان تدخل الى البيت ؟ ممكن. نهضت من فراشي وبدأت أحاول زحزحة خزانة الثياب . يجب أن أفرغها من محتوياتها. رأيت ملابس جدتي فبدأتُ أبكي. أحسست الآن أن جدتي ليست شبحاً كما توهمت في الأيام الفائتة . هي جدتي الطيبة التي كانت تعمل أطيب "كلاج" في الدنيا . دخلت إلى حجرتها . يا ربي, ما هذه الرائحة ؟ ناديتها مرة ثانية , ولم تجب. فارتميت فوقها وأجهشت بالبكاء. لا أريد أن أستوعب أنها الآن جسم بلا حياة, كأي قطعة أثاث, كالسرير والطاولة والخزانة. هل يعقل هذا ؟ كيف تُمحى حياتنا هكذا وتصير ضرباً من اللاشيء ؟ حبيبتي يا جدتي ! وتابعتُ النشيج . 

أفرغت الخزانة من كل ما فيها من ملابس, أدراج و رفوف , ثم قمت بجرها ووضعتها أمام الشباك . اندفعت نحو حجة جدتي , احتضنتها وبقيت أبكي فوقها إلى أن غفوت . استيقظت على أصوات القصف المزعجة و العالية , كالعادة. الغرفة كانت مظلمة. نهضت و ذهبت إلى الحمام, اغتسلت, ودخلت المطبخ لإعداد كوب شاي بالميرمية . أنا أفضل من يصنع الشاي بالميرمية . هذه الجملة سمعتها من عارف . ربما قصد أن يتغزل بي, على طريقته الخجولة . عارف, أين أنت الآن يا حبيبي؟ أنت هش , ربما أكثر من أعرفهم هشاشة , ولكن وجودك بالقرب مني و الى جانبي كان سيجعلني قوية. كنت سأحتضن هشاشتك وأحس بالشجاعة و القوة , لماذا لست معي ؟ لماذا ؟

 أصبح القصف شبه متواصل. عاد لي كل توتري و قلقي و خوفي . ليست أصوات القصف وحدها التي تخيفني , بل صراخ أشخاص ربما أصيبوا أو قتلوا في الجوار البعيد او القريب . انقطع الماء, ولكن لدي ما يكفي في الأوعية التي ملأتها . إلى متى سيستمر هذا الحال . يا ربي, لماذا؟ لماذا لم أولد في مكان ثاني ؟ لماذا لم أولد في بلد ليس فيه أي من هذا ؟ غير معقول أختي وفاء , في العاشرة من عمرها, وهي تجيد استخدام الكلاشنيكوف . وأخي هاني أكبر مني بعامين لكنه قضى ما مجموعه سنة في السجون الإسرائيلية, وهو الآن مع المقاتلين في أحد أزقة المخيم . أخي حبيبي, هل أنت على قيد الحياة يا ترى ؟ لم يكن أخي هاني ينام في البيت معظم الليالي, واعتقل قبل الإمتحانات بشهور . وخرج قبل الإمتحانات بأسبوعين . نظرت إليه بعيون ملؤها الحزن وقلت له : إوعدني بإشي. إبتسم وقال لي: اللي بدك اياه. فقلت: تستشهدش. فربت على يدي وقال : بوعدك. لكني لم آخذ وعده على محمل الجد . كيف يستطيع فلسطيني, إبن مخيم , أن يفي بوعد كهذا ؟ يا لي من فتاة غبية ! وكأن الأمر متوقف عليه! وكأن أحداً استشاره إن كان يريد أن يولد في بلد محتل , لعائلة مهجرة, في مخيم توصد منازله أبوابها كل ليلة على اليأس, وتفتحها كل صباح على الحزن . 

سمعت صوت عارف في الجوار. هاجمني إحساس بوحدة كبيرة . مللت من البكاء, ما أغرب هذا الإحساس ! إذن حمل عارف السلاح. مع أي تنظيم هو يا ترى ؟ لا أهمية لذلك الآن . لا مكان للأسئلة حين نكون في مرمى نيرانهم , هم لا يميزون بيننا , هم يروننا هدفاً واحداً لوناً واحداً, , وعلينا أن نقف الآن أمامهم صفاً واحداً . آه, لو طرق بابي ! لو رأيت عينيه الحزينتين ..لو .. لو احتضنني . 

 اليوم هو عيد ميلادي السابع عشر. في العام الفائت صادف يوم مولدي أيضاً ظروفاً مشابهة نوعا ما, كان منع التجول مفروضاً على المخيم, وهذا ما يحدث بشكل كثير هنا , ولكننا لا نكترث له. يوم عيد ميلادي كانت الدوريات الإسرائيلية تجوب أزقة المخيم , وتعلن في مكبرات الصوت حظر التجوال . لم أشتر كعكة عيد الميلاد, لكن امي كانت قد أعدت المناقيش بالزعتر والسمبوسك والصفيحة ومعجنات أخرى . أين أنت الآن يا أمي ؟ .. اليوم أتممت عامي السابع عشر , كل سنة وأنا سالمة. الآن أدركت معنى هذه العبارة: كل سنة وأنتي سالمة ! هل سأسلم فعلاً ؟ هل سأعيش لأحتفل بعيد ميلادي الاتي ؟ =اشتقت الى حجرتي . أفتقد سريري وأوراقي و ثيابي . لم أحضر معي الكثير من الملابس حين جئت للإقامة عند جدتي , كان يفترض أن أقيم هنا بضعة أيام , لحين رجوع اسرتي من عمان . أفتقد عائلتي أيضاً. هذا يوم الحنين. أحن إلى كل شيء. هل هذا فأل سيء ؟ هل يعني أن النهاية تقترب ؟ لم أكن أؤمن يوماً بالاساطير و الخزعبلات , أما الآن فلم أعد أؤمن بشيء. كيف لي أن أرى في هذا العالم غير العبث ونحن نُترك هنا لنموت تحت الأنقاض ولا يكترث أحد في هذا العالم الواسع لما نحن فيه ؟ بوم بوم بوم ! إنفجارات متلاحقة. 

 طرقٌ على الباب وصوتٌ لم أسمعه من قبل : يا جماعة افتحوا ! في حدا هون ؟ ماذا أفعل الآن ؟ لا بد أنّ أحد الشباب الان جريح . ابتعدتْ الأصوات تدريجياً, ثم اختفتْ. شعرت بالذنب الكبير , لكن هذا الشعور لم يدم طويلاً. لا شيء يدوم في هذه الاحوال . حتى موت جدتي تعودت عليه. حتى موتي أنا بدأت أتصالح مع إمكانيته . أنا لا أؤمن بالمعجزات . لا بد أن تخترق المنزل في اي دقيقة قذيفة . لم أعد أكترث كثيراً. لا أعرف ماذا يجري في الخارج , ناهيك عن ما يجري في العالم الكبير . هل يجتمع مجلس الأمن ؟ الجامعة العربية ؟ وزراء الخارجية العرب ؟ ثم ماذا ؟ يتناولون وجبة دسمة ثم يغادر كل منهم إلى حياته المستقرة . طز! اللعنة على هذا العالم! .. بوم .. قذيقة ثانية في الجوار. لماذا لا ينهار البيت فوق رأسي ؟ تعبت من الإنتظار ! تعبت ! يا رب قذيفة ثالثة ! يا رب رصاصة طائشة . تعبت ! تعبت ! 

 الوقت يطحنني . أتممت السابعة عشرة لتوي لكن وقتي ينفذ . نحن هنا لا نخضع لدورة الحياة الطبيعية كما بقية خلق الله : طفولة , مراهقة وبلوغ , شباب, كهولة, شيخوخة. طفولتنا مميزة و فردية , فضاؤنا محدود. لا مجال لحياة خاصة حتى في منزلنا . وفي غياب الباربي الباهظة الثمن تصنع شقيقتي وفاء دمى باستخدام الازرار و قطع الثياب القديمة البالية . فالألعاب تعوض , وغيابها ربما لم يحدث ضرراً بالغاً في طفولتنا, ولكن ما أمقته هو عسكرة حياتنا منذ سن صغيرة بعض الشيء . 

خفتت أصوات الرصاص, لكن حدة القصف لم تهدا على الاطلاق . هذه ليست بادرة جيدة , لأنها تعني أن المقاومة تموت والإجتياح بات وشيكا . ماذا سيفعلون بنا ؟ فكرة الموت ما عادت تسبب لي أي احساس بالياس . وصلت إلى حالة غريبة من اللامبالاة و التسليم . كل ما يشغلني الآن هو كيف أجعل الساعات الثقيلة تنقضي . يلا حان وقت اللعب, سألعب "بيت بيوت". 

أفقت في الصباح على رائحة قوية تزكم أنفي تاتي من حجرة جدتي . يا ربي ماذا أفعل ؟ وضعت عليها كل مكعبات الثلج التي وجدتها في الفريزر, لكنها ذابت في غضون ساعات قليلة . ستي ! كانت رائحتك أزكى من المسك ! ستي ! تعبت يا ستي . الرائحة لم تعد تطاق . القصف أصبح مخيفا , والمقاومة توقفت تقريباً . المخيم أصبح مفعولاً به الآن . سمعت فجأة صوت: ستي , ستي, أريج افتحي ! يا ربي هذا صوت اخي هاني ! كاد قلبي يقفز من مكانه. قال هاني : إفتحي يختي بسرعة . إحنا مكشوفين . قلت: هاني الباب مسكر بالمفتاح , رايح أدور عليه . قال: أسرعي. ركضت إلى الداخل كمن اصابه المس , بحثت في كل الأماكن المحتملة. لا أثر لمفتاح المنزل . وفجأة فتح الباب. خلعوه, واندفع أخي مع ثلاثة من المسلحين . حينها عانقته وأمطرته بالقبلات. حينها قلت له ما جرى مع جدتي . فقال للشباب : لازم نطلّع ستي من هون. فقال أحد رفاقه : تعال نستكشف المنطقة قبل ما نخرج , إحنا قراب من مدخل المخيم ما بصير نجازف هيك. وخرج هاني و اصحابه , وصعد اثنان إلى السطح. وسمعت بعدها صرختين عاليتين و إطلاق نار كثيفاً , ثم ارتطام أجساد بأرض الشارع. فاندفعت نحو الباب كالمجنونة. ماتوا جميعهم لم يبق أحد, وبقيت هنا بمفردي . أحسست بتعب لا أستطيع وصفه . نظرت إلى كراستي التي أكتب فيها , كانت ملقاة على الأرض كجثة . ما أكثر الجثث ! كل ما حولي جثث . جثتان على السطح , وجثة في حجرة جدتي , وجثتان أمام البيت, وأنا الوحيدة الحية . يا ربي لو أموت لو أمووووووت 


.................... أجريتُ اتصالاتٍ ببعض المجلات و الجرائد , سألتهم إنْ كانوا معنيين بنشر ولو أجزاء من يوميات أريج , ضحكوا عليّ . من يريد أن يقرأ قصة حب ساذجة ولكن في غاية الشفافية بين فتاة مراهقة من مخيم جنين وشاب خارج عن قوانين مجتمعه ؟ من يريد أن يسمع أصواتاً غير تلك التي اعتادها ؟ لا فائدة ! نحن نغوص في الوحل نذبحهم , ثم يذبحوننا ثم نذبحهم , ولا يتوقف أي منا. اتصلتْ بي شوشانا في هذا الصباح , كانت تريد أن نلتقي ولكني اختلقت حججا كثيرة حتى لا التقي بها . بكت وهي تقول لي: أنا في صفك يا ديفيد, وأريد أن اعاونك قليلا . أعطني فرصة لأساعدك. أصبحت قاسياً جداً في تعاملي مع أبناء قومي , حتى ابي و امي . الآن هدفي هو نشر يوميات أريج لا غير . صوت أريج يجب أن يخرج إلى العالم. لم يتصل جوليانو , وأخشى ألا يتصل , لا بد أنه شك في موضوعي . أريد العودة إلى المخيم حيث تركت بصماتي القاتلة , أريد التكفير, أريد تتبع خطى أريج الشايب. صرت مسكوناً بها . 



أخيراً اتصل بي جوليانو ودعاني إلى لقاء ثاني . علمت منه بعد لقائنا أن المسرح الذي كان في المخيم , كانت السيدة أرنا امه هي من أسسته كمشروع للأطفال , بهدف مساعدة الأطفال على التغلب على المشاكل و الصدمات النفسية. الصدمات التي يسببها الإحتلال . نحن. أخبرت جوليانو بأن مشروع أمه قد صار أنقاضاً. أخبرني جوليانو أنه يريد أن يقوم بزيارة استطلاعية للمخيم . فقلت: هل في مقدوري مرافقتك الى هناك ؟ فتأمل بي وقال لي : هل سيثق بك أهل المخيم ؟ فعلاً , لماذا يثق بي من كنت أطلق عليهم النار قبل أسابيع قليلة ؟ بدأت اشعر بالكابة . ثم قال جوليانو: على كل حال سنحاول . تعال معي, انت من ستقود المركبة , وسأقدمك على أنك صديقي وسائقي . ستقابل هناك آثار ما صنعته يداك وأيدي رفاقك . هززت رأسي. إن قبلني أهل المخيم سيعاونني هذا كثيرا على التصالح مع نفسي , وإن لفظوني أكون نلت عقابي .


  جاء اليوم الموعود. يوم الإنطلاق إلى جنين . غني عن القول أنني لم أنم لحظة واحدة في ذلك المساء . كنت أحس بوحدة رهيبة . قرأت يوميات أريج مرة ثانية . كانت تكتب وأنا كنت أطلق الرصاص على كل شيء يتحرك, وأحياناً على لا شيء . أريج تحيا في بلد محتل , تقيد فيه حركتها, وحتى أنفاسها, لكنها تحلم , وفي حلمها توسع حدود فضائها . هي الحرة وأنا السجين . سجين الأنماط والأوامر العسكرية والأفكار المبتذلة . قالت لي أمي في الصباح : ديفيد, ما الذي يشغلك يا ابني ؟ فقلت: لا شيء. قالت: حاول أن تغير الجو من حولك سافر , لو رغبت في ذلك . قلت: هذا ما سأفعله . قالت: ربما إيلات أفضل مكان في هذا الوقت من السنة . حينها قلت: أنا ذاهب إلى جنين . شهقت من الصدمة, وضربت على صدرها وقالت: عند العرب ؟! فقلت: عند العرب . بانت الصدمة في عيونها وانفجرت بالبكاء. وفهم والدي من والدتي كل القصة فقال لي : إذا خرجت من الباب الآن فلا تعد ! لا أريد رؤيتك هنا مرة ثانية . لم أجب, بل توجهت إلى الباب, و تركت المكان . 

 سألني جوليانو ونحن في الطريق: بماذا تحس الان ؟ فقلت: شعور مجرم عائد إلى مسرح الجريمة. بدأ الألم يتفاقم داخل قلبي , كلما اقتربت مع جوليانو إلى المخيم. سأتحدث هناك مع أشخاص , لا مع إرهابيين . هم أصدقاء جول يانو, لهم ملامح و اسماء , ضحكات وأحاديث وذكريات معه. كان كلام جوليانو يشعرني بشيء من الرضا , وكأنه يخلصني من شعوري القاتل بالذنب . دخلنا المخيم , وبدأت دقات قلبي تتسارع بشكل مجنون , وأحسست بضيق في التنفس . وصلنا وسط المخيمو, نزلنا من السيارة. بدأ الأطفال يتجمعون حول جوليانو و يتكلمون معه . تركناهم وتابعنا سيرنا إلى المسرح. صعدنا الدرج وسط الركام . تحولت شقة الأستوديو إلى أنقاض . خرج جوليانو إلى النافذة ,ثم جاء صوته فجأة: سنعيد بناء كل شيء . كان صوته مختلفاً هذه المرة, فيه تصميم كبير و حياة . ابتسمتُ رغماً عن المشاعر المدمرة التي كانت تملا صدري . فقلت: نعم, سنعيد بناء كل شيء. أرجو أن تقبلني في فريقك , أريد أن أعيد بناء بعض ما دمرت . هل تقبلني معكم , جوليانو ؟ سأنام في هذا المكان . سنزيل الركام ونعيد ترميم المكان . فربّت على كتفي ثم تركني على أن يعود بعد بضع ساعات . فخلعت سترتي و بدات على الفور بالعمل . 

عاد جوليانو بعد قرابة ساعتين ومعه مجموعة من الصبية . عملنا لمدة ثلاث ساعات , ثم جاءت أمرأة شابة بصينية عليها بعض الأطعمة . تناولنا الغداء. أكلت بشهية غير معتادة . لا أدري إن كان الطعام بهذه اللذة, أم أنني بدأت أجد ذاتب . كان طعاماً بسيطاً : بيضاً مقلياً, بندورة مقلية وبطاطا مقلية. كان الطعام لذيذاً بلا اي شك . ونمت في المكان. 

وفي الصباح أيقظنا الفتية , أحضروا لنا الشاي الساخن وإفطاراً مكوناً من الفلافل الطازج و الحمص . أكثر من مرة داهمتني رغبة بالبكاء , قبل أسابيع كنت أطلق النار هنا, والآن عدت ضيفاً يحظى بواجب الضيافة العربية. أي فظاعة هذه ؟! كنت اشعر بارتباك شديد بلا اي شك . من هم بالنسبة لي؟ أعدائي الذين جئنا إلى هنا قبل أسابيع لاصطيادهم؟ ومن أنا بالنسبة لهم؟ ضيف يكرمونه . زرنا دار اسرة علاء. رحبوا بنا بحرارة. و اخذت ام علاء تحدثنا ظ عن كيفية استشهاد ابنها علاء. بدأت أفكر وأتأمل , واتخذت قراري. سأغادر من هناة, ولن ارجع على الاطلاق . سأخوض معركتي وحيداً, في عزلة , أو على الأقل بعيداً عن مسرح الجريمة . 

على مشارف تل أبيت بدأت أرجع إلى أناي. رجعت إبن المدينة, إبن الدولة, إبن الثقافة التي أنتجت كل الاجتياحات و الحروب . قرعت جرس بيتنا وانتظرت , ولم أسمع صوت امي . فتح لي أبي الباب بوجه متجهم وقال: لماذا عدت الى هنا ؟ عد إلى العرب, أصدقاؤك . حينها ادرت ظهري دون كلمة واحدة وأجهشت بالبكاء . حضرتني وجوه النساء و الفتية في المخيم, ثم وجه جوليانو , لكني لن ارجع اليهم . نظرت إلى وجوه الناس من حولي وأنا أحتسي البيرة في البار . احسست بالغربة . اتصلت بشوشانا . وبعد عدة اتصالات ردت على الهاتف . كان حديثها معي غير طبيعيا و باردا , فقلت لها: آسف لاني ازعجتك . مساؤك سعيد. أغلقَتِ الخط دون أن ترد. أين مكاني إذن ؟ لم أجده في جنين بين العرب ولا أجده هنا وسط اليهود تركت البار . لا توجد هناك وجهة محددة أقصدها . تسكعت مترنحاً في الشوارع , ثم وجدت نفسي على الشاطيء. جلست وأضفت آخر خواطري إلى اليوميات التي قمت بكتابتها منذ فترة. في حقيبتي الآن يوميات لشخصين : أريج الشايب وديفيد أشكنازي . كانت أضواء المدينة تنعكس على صفحة شاطئ البحر . خلعت حذائي, ثم خلعت كل ثيابي , لن يلفظني البحر كما لفظني كل الناس من قبل . ألقيت بنفسي بين أمواجه . تابعت السباحة مبتعداً عن الشاطيء باتجاه المكان المجهول . بدأت عضلاتي ترتخي , شعرت بشيء من الاعياء . لا أدري إن كنت سأثق بامرأة بعد أن خذلتني شوشانا بهذه البشاعة في أصعب لحظاتي . كنت اعتقد انها تحبني . كل ما أريده هو الراحة . أريد أن أرتاح .. أن أرتاح ....... أن أرتا..... 

 وجدتُ مكالمة من ديفيد حين استيقظت هذا الصباح . حاولت الإتصال به لكت هاتفه كان مغلقاً . اتصلت بأمه , فقالت لي بصوت بائس حزين إنه عاد مساء أمس إلى المنزل وإن والده طرده. أحسست بالقلق . اتصلت بالشرطة, لا خبر عنه. ثم اتصلت بقسم الحوادث في مسشفى قريب من مكان بيته . فقالوا لي: عثر على جثته في الصباح ملقاة على الشاطيء . يبدو أنه توغل بعيداً في البحر وهو في حالة من السكر و غياب الوعي , وغرق . أطلقت صرخة عالية . لم أصدق. لم أكن رفيقته , ولكني أحسست به قريباً بشكل مفاجيء في آخر لقاء لنا , بعد أن ترجمت له يوميات تلك الفتاة من جنين. كشفت الغطاء عن وجهه في المستشفى . لم تكن ملامحه مستقرة او مطمئنة . أخذ عذابه وتمزقه إلى العالم الآخر . انفجرت بالبكاء, وخرجت. أخذت مقتنياته و غادرت . 

اليوم أحسست أنني قمت بواجبي تجاهك يا صديقي . أخيراً وافق مدير إحدى دور النشر على أن يقرأ اليوميات , يوميات أريج ويومياتك . كلماتك وكلماتها لن تضيع في المجهول . كل ما يحز في نفسي أنك ذهبت وفي حلقك غصة وفي روحك مرارة , كل الناس تخلوا عنك. لا, ليس الجميع , ديفيد , ليس الجميع يا صديقي ... 


                                           النهاية.