الأربعاء، 14 فبراير 2018






تلخيص رواية
جنين :2002: أنور حامد
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

كنت مقتنعة أن أبي أقوى واحد في الدنيا! أقوى من مدير مدرستنا, أقوى حتى من المصارع الضخم الذي كنا نراه على التلفزيون. وحين ضرب الجنود باب منزلنا المتهالك في المخيم, قفزت من فراشي, ثم رأيت أبي خارجاً من غرفته, فعاد الإطمئنان إلى قلبي. أبي أقوى واحد في الدنيا, وسيريهم ! ثم, سمعته يتحدث إليهم, كان صوته يرتجف, ثم تختنق كلمات أبي, أبي يبكي !! أقوى واحد في الدنيا, يبكي !! والطفلة ذات السنوات التسع تنكمش وتنكمش حتى يبتلعها كيان آخر. أبي ليس قوياً, بل هو أضعف واحد في الدنيا! الآن لم أعد طفلة يا أبي, لكني أحتاجك, أحتاجك كما أنت, مغلوباً على أمرك, لأني وحيدة في مواجهة كل هذا. حتى جدتي لم تعد معي. أنت وأمي تركتماني في عهدتها حين سافرتما إلى عمان لحضور زفاف عمتي. أخذتما حمودة ووفاء وأنا بقيت مع جدتي لأن عليّ واجبات دراسية كثيرة, فالإمتحانات على الأبواب. أبي, أين أنتم ؟ هل سأراكم ؟ أم تعبر النافذة رصاصة أخرى, ولا تخطئني هذه المرة؟
تلك كانت الصفحة الأولى والضياع الأول, بيد أنها لو تكن المأزق الأول. المأزق الأول كان قبل سنوات من عثوري على كراستها مضرجة بدمائها, وفي داخلها يوميات وخواطر كتبتها في أثناء حصار المخيم, مخيم جنين. أريج الشايب هي كابوس لياليَّ المعذبة, وشبح يطارد أمسياتي, وقصة سأنقلها للعالم, فهل هناك أمل أن يتعلم شيئاً من يوميات أريح الشايب ؟ لا أظن, ولكني سأرويها على أي حال .


كنت فضولياً بطبعي وكثير الأسئلة. أقيم في يافا مع عائلتي, في منزل قديم مبني على الطراز العربي. لم يقل لي أحد كيف أصبح هذا المنزل ملكنا, ولمن هو أصلاً, لا في المدرسة ولا في البيت. وبدا لي تفسير أن بيتنا لعائلة غادرت إلى لبنان لأنهم لا يريدوا أن يقيموا مع اليهود في مدينة واحدة, تفسيراً مقنعاً .

جاءت المواجهة بأسرع مما توقعت. وصلتني الدعوة للإلتحاق بالجيش, جيش الدفاع الإسرائيلي, لحماية الوطن ! إيماني بالوطن وحقنا بالوجود هنا كان بديهياً, بالنسبة لي. ومع أن الأسئلة عن العرب قد بدأت تلعب بمسلماتي, إلا أنني لم أتخذ موقفاً محدداً بعد. لا مفر, سألتحق بإحدى الثكنات في الشمال, بالقرب من الحدود اللبنانية. جميع الأصدقاء الذين سيلتحقون بالجيش سيلتقون هذا المساء في مطعم "العجوز والبحر" على شاطيء يافا. وفي نهاية السهرة غادرنا المطعم بعد منتصف الليل. تفرقنا كل في اتجاه.. وبقيت صديقتي شوشانا معي وتمشينا قليلاً على الشاطيء ثم ودعتها. حين ضممتها همست في أذني: لماذا ولدنا هنا ؟ لم أجبها. ولم أكن أملك إجابة. هذا السؤال تحديداً لم يخطر ببالي من قبل. لم يكن بين الأسئلة الكثيرة التي اعتدت أن أطرحها بين فترة وأخرى .

التحقتُ بالثكنة. الطبيعة هنا لا تختلف عنها في شمالي إسرائيل. فالطبيعة لا شأن لها بالسياسة. مرت الأيام الأولى بسلام. ثم بدأت العمليات الإنتحارية في إسرائيل, وبصراحة موقفي منها كموقف أي إسرائيلي. إنهم يقتلوننا بدون تمييز, وهذا القتل لم أجد له مبرراً. ولسوء الحظ فقد أنهيت عمليات التدريب وأنا الآن معد للمشاركة في أي عملية عسكرية قادمة. يا ربي, ماذا أعمل؟ لا أريد أن أوقف الفلسطينيين على الحواجز, لا أريد تفتيش الأطفال والمسنين وإيقاف نساء حوامل .

وصدرت الأوامر بالإستعداد. لا, ليست العملية الكبيرة التي يعدوننا من أجلها منذ أسابيع. هي عملية روتينية لاعتقال إرهابيين في إحدى القرى القريبة من طولكرم. الأوامر كانت تأتينا عبر أجهزة اللاسلكي. كنت أنا ضمن المجموعة التي ستخلع باب البيت بأعقاب الرشاشات. أعصابي كانت مشدودة, فهذه أول عملية أشارك فيها. كان جميع من في القرية نائم. الناس يغطون في أحلامهم, ربما يحلمون بأشياء جميلة, لكننا سنوقظهم بعد قليل على كابوس. نحن الآن نقترب من الهدف. كنا نعرف مكان البيت على وجه التقريب. توزعنا حسب الخطة. حين اقتربنا من المنزل قفز أفراد من المركبات وركضوا باتجاه المنزل. كسرنا الباب بمنتهى السهولة. بدأ قائد المجموعة بالصراخ بالعربية: سلموا أنفسكم. سمعنا عويل نساء وصراخ أطفال. وبدأنا ننبش محتويات الغرف, الفراش, الأسرّة, ولم نبق شيئاً. ولم يكن هناك أحد من المطلوبين, ولكنا أخذنا عجوزاً من البيت. غادرنا ومعنا الغنيمة : إرهابي فوق السبعين, يرتعد من الخوف, وتركنا خلفنا عويل نساء وصراخ أطفال. هل هؤلاء هم من يروّعون دولتنا العتيدة؟!!

وحصل بعد أيام ما كنت أخشاه. اتخذ القرار باجتياح الضفة. كنت في غاية التوتر, فدروي القتالي هذه المرة سيكون وجهاً لوجه مع الفلسطينيين. ما أصعب الإنتظار والتأهب. لم ننتظر طويلاً على أي حال, جاءت التعليمات أن وجهتنا ستكون جنين, مخيم جنين تحديداً. قيل لنا إنه بؤرة الإرهاب في الضفة. المطلوب منا احتلال المخيم وتطهيره, وإلقاء القبض على الإرهابيين أو قتلهم. جاءت الإشارة أخيراً, وانطلقنا. صرنا على مشارف المخيم, وحاصرناه. أخذنا مواقعنا عند أحد المداخل وانتظرنا.
كان يفترض أن أكون متوتراً, لكن الأدرينالين والإحساس بالإنتماء إلى جماعة قوية ومدججة بالسلاح, جعلني لا أحس بالكثير من التوتر. وجاءت ساعة الصفر. في السادسة والربع صباحاً انطلقنا نحو الهدف, لم يكن الفجر قد انبلج بعد. وفجأة لمحت طفلين ينسلان من أحد الأزقة. أطلق عليهم زملائي وابلاً من النيران, أما أنا فصرخت: إنهم أطفال ! فوبخني قائد المجموعة وقال: أسكت أيها الغبي! هؤلاء مقاتلون ! خلال لحظات تأكد ما قاله. فجأة صرخ صوت من أحد الأزقة: الله أكبر ! ويبدو أنها كانت كلمة السر, فقد فتحت علينا أبواب الجحيم. سقط اثنان منا. وانطلق منا الرصاص دون هدف. فتركنا المكان ووصلنا إلى مكان التجمع عند مدخل المخيم. قمنا بمحاولات أخرى لدخول المخيم, ولكن لم ننجح. خسرنا حتى الآن سبعة من الجنود وجرح أحد عشر. صدر القرار بالقصف. كانت النيران تنهمر علينا من كل جهة. هذه هي الحرب. الحرب شيء بشع ولا مجال لتجميله, هي فعل غير إنساني أصلاً. ما فاجأني هو مقاومة المخيم . من أين حصل هؤلاء على كل هذه الأسلحة ؟ المهم مضى على وجودنا هنا أسبوع كامل. قصفنا فيه المخيم قصفاً متواصلاً, والمقاومة بدأت تخف, لكنها لم تنقطع. لا أدري لماذا لا تصدر الأوامر بالإقتحام. فالجنود بدأوا يتململون. فجأة بدأت الجرافات تدير محركاتها. يا إلهي ! هل سنجرف المخيم ؟!

صدرت الأوامر لمجموعة من عشرة أفراد, كنت أحدهم, بالتوغل في المخيم تحت جنح الظلام, لاستطلاع أزقته. المهمة خطيرة, ومحفوفة بالمخاطر. تحركنا في الثانية فجراً. كنا نريد أن نصل إلى حارة الحواشين, لأنها نقطة استيراتيجية, والسيطرة عليها تعني السيطرة على معظم أنحاء المخيم. طبعاً لم يكن مطلوباً منا السيطرة عليها, مجرد دراستها فقط. انطلقنا بصمت، الأزقة مظلمة, والبيوت مظلمة, ونحن الآن داخل المخيم. حارة الحواشين لم تعد بعيدة عنا, هي الآن على مرمى حجر. وقفنا قليلاً وانتظرنا. بدأ قلبي يدق بعنف. فجأة سقط بين رجليّ جسم غريب, قفزت برعب ودخلت أحد الأزقة ثم وقع انفجار. كان ستة من رفاقنا قد علقوا وسط الساحة. وانطلقت صرخات تشق الليل : الله أكبر الله أكبر. كثفنا إطلاق النار. أصيب من رفاقي اثنان وفارقا الحياة, وبقي الستة محاصرون بين أهالي المخيم. وصل الجنود الأربعة إلى مدخل الساحة. جنديان حيان يسحبان جنديين ميتين. حملت أحدهما, وحمل رفيق آخر الجندي القتيل الآخر وبدأنا عملية الإنسحاب. سمح لنا القائد بالنوم 4 ساعات. كنت منهكاً فغططت في نوم عميق. حين أيقظونا لاحظت أن القوات في حالة استنفار.

نعم, نحن مقدمون على تجريف المخيم. هكذا صدرت الأوامر. وبالفعل أظننا دمرنا الكثير من منازل المخيم. تلك البيوت التي تحتضن بعضها  تنهار بالجملة بقذيفة واحدة. بدأت الدبابات بالتقدم ونحن خلفها. كانت النساء تصرخ وتلطم وجوهها. لغتي العربية لم تسعفني في فهم كل ما ينحن به. وفي عدة بيوت وجدنا جرحى وقتلى. سُمح للصليب الأحمر بالدخول لإخلاء الجرحى. ألقينا القبض على بعض المسلحين الجرحى.
دخلنا أحد المنازل في وسط المخيم. كان خالياً من السكان لكن محتوياته لفتت انتباهي: أقنعة, ملابس ملونة غريبة تنتمي إلى عصور أخرى. هل كان هذا مسرحاً ؟! هنا؟ لم يكن يخطر ببالي أن سكان المخيم يمارسون نشاطات كهذه. كنت قد وجدت بعض الصور. لقطات تمثيلية. وضعت الصور في جعبتي وخرجت مسرعاً. جاءت الجرافة لتهدم المسرح على كل ما فيه من صور وذكريات للحظات لا يشوبها الإرهاب. منذ تلك اللحظة بدأت أدخل البيوت بوعي مختلف, وأرى محتوياتها بعيون أخرى. بدأت ألاحظ الأطباق والمواعين, فناجين القهوة, دفاتر المدرسة !!

دخلنا منزلاً في أحد أطراف المخيم. كان بابه مفتوحاً وقد ارتمى عند مدخله شابان مسلحان. كانا ميتين. دخلت بحذر. ليس هناك أحد على ما يبدو. أردت المغادرة, ثم فجأة تنبهت إلى رائحة قوية تنبعث من إحدى الغرف, رائحة جسد متحلل. فتحت باب الغرفة وألقيت نظرة. كانت هناك سيدة مسنة, ملقاة على الأرض, ميتة. فتحت باب غرفة أخرى ثم أطلقت صرخة. لماذا ؟ كانت هناك فتاة شابة صغيرة, ملقاة على الأرض. إقتربت منها. كانت تبدو أصغر مني بسنوات قليلة. ربما كانت طالبة مدرسة, أو قد تكون على أعتاب حياتها الجامعية. ما يهم الآن ؟ هي لم تعد شيئاً. ألقيت نظرة على مكونات الغرفة. دخلت المطبخ. رأيت طبقاً صغيراً فيه مربى المشمش. أحسست بالجوع. 

فغمست أصبعي في الطبق ولحسته. كان لذيذاً. غمست أصبعي مرة أخرى, أحسست بشعور غريب, أنا الآن شاركت سكان هذا المنزل طعامهم. لا, ليس بالضبط, فأنا جئت بدون دعوة, رغما عنهم. عدت إلى الغرفة, تأملت وجه الفتاة الذي يلفه سكون الكون. لاحظت أنها تقبض بيدها على شيء. كانت تمسك بكراسة مدرسية. انتزعتها منها برفق. حاولت قراءة ما فيه ولم أستطع. بدأت أتبين بعض النصوص. غير معقول ! يا إلهي؟ هذه الفتاة كانت تكتب يومياتها! في أثناء القصف. داهمتني رغبة قوية بالبكاء. حشرت الكراسة في جعبتي, وقلت للجندي من جانبي : ساعدني على إخراج الفتاة من هنا, هناك سيدة عجوز أيضاً في الغرفة الأخرى. أحسست كأن هؤلاء يختلفون عن الذين مررت بجثثهم. لهم ملامح لم أتبينها, وقصص لم أقرأها بعد, لكني سأفعل. سأترجم ما كتبته هذه الفتاة, أريد أن أعرف من هي. بماذا كانت تحلم ؟ كيف كانت تعيش؟ أريد أن أعرف من قتلتْ رصاصاتنا. أشك أن هذه الصبية تسللت يوماً إلى مدننا بحزام ناسف, ولكنها منذ اللحظة تسللت إلى كياني .

انتهت معركة المخيم ولكنا بقينا فيه. قالوا لنا إن هذه بؤرة إرهاب. أراهن أن رفاقي في الوحدة لم يكونوا يتخيلون أن في المخيم أطفالاً ونساء. لا يمكن أن يكونوا فكروا أن في هذه البيوت الفقيرة تعيش عائلات تستيقظ في الصباح وتتناول وجبتها حول مائدة واحدة, أطفال يذهبون إلى المدارس وآباء إلى عملهم. طعم مربى المشمش الذي تذوقته في ذلك المنزل يلسعني الآن. آه يا رأسي. منذ عدت والصداع يفتك بي. لم تُجْدِ معه المسكنات بأنواعها.

مكثنا في المخيم لأسبوعين بعد استسلام آخر مسلح, وكانت فترة خدمتي قد انتهت فطلبت تسريحي, وعدت إلى عائلتي في يافا. شهقت والدتي من الفرحة حين رأتني, وصرخت : إلياهو, عاد ديفيد. رجع سالماً. فهرع والدي واحتضنني. أما أنا فكنت في عالم آخر.

في اليوم التالي لعودتي إلتقيت بليلى, زميلة دراستي السابقة, أمها يهودية وأبوها عربي. تتحدث العربية والعبرية بالمستوى نفسه. سأطلب منها أن تترجم لي ما في الكراسة التي وجدتها في المخيم. كلما أخرجت الكراسة من حقيبتي ورأيت بقع الدم على غلافها أحسست ببشاعة ما اقترفناه . التقينا أنا وليلى في "مقهى يافا". طلبتُ من النادل مربى المشمش, وضعته أمامي على الطاولة, وغمست أصبعي فيه ولحسته بتلذذ. أخرجت الكراسة من حقيبتي, وقلت لها: أريدك أن تترجمي لي هذه الكراسة, وسأدفع لك ما تشائين. ثم أخرجت الصور التي حصلت عليها في مسرح المخيم, وقلت لها: أريد أن أعرف من هؤلاء. قالت: هذه المرأة ليست عربية. ربما كانت ناشطة أوروبية. الشاب كذلك. ووعدتني أن تحصل على معلومات عنهم. منحني هذا شيئاً من الأمل. أريد أن أعرف ما أستطيع معرفته. لا أدري إن كان في عمري متسع لمعرفة كل ما حرصت على معرفته. لقد كنت مغيباً. كنا مغيبين !
اتصلت بي ليلى بعد أيام, وقالت بشأن الصور: المرأة التي في الصورة يهودية يسارية إسمها آرنا, كانت تنشط مع أطفال المخيم قبل المعارك. والشاب الذي معها هو ابنها إسمه جوليانو. هو مخرج مسرحي أو مخرج أفلام على ما أظن. حينها صرخت من الفرحة: ليلى أنت رائعة. ولكن أريد أن أصل إلى آرنا وجوليانو. فقالت ليلى : لن يكون هذا صعباً. أحسست بالتفاؤل, للمرة الأولى منذ عودتي من جنين أحس بشعور إيجابي .
وبالفعل رتبتْ لي ليلى لقاء مع جوليانو في الناصرة. سافرت إلى هناك والفضول يقتلني. لمحت شخصاً يشبه صاحب الصورة التي أحتفظ بها بجيبتي. فلوحتُ له, وقلت : مرحباً أنا ديفيد. مد يده مصافحاً وقال: أنا جوليانو. من أين تعرفني؟ أخرجت الصورة وقلت له: من هذه الصورة. حصلت عليها من مخيم جنين. أنت على علاقة بأهل المخيم كما هو واضح. وهنا بدأت أقص على جوليانو تطور مأزقي من أول سؤال طرحته على والدي عن ملكية منزلنا إلى أن عثرت على تلك الكراسة المضرجة بالدماء التي أرقناها. وحين انتهيت قال : صحوة ضمير إذن. فقلت له: أريدك أن تساعدني. أريد أن أقيم علاقة مع أهل المخيم. فقال لي: أعطني مهلة للتفكير. أعطيته رقم هاتفي, وأحسست بفرح غير مسبوق, ووددت أن أعانقه ولكني لم أفعل .

لم يستغرق الأمر ليلى أكثر من أسبوع. كنت قد قلت لها لا أريد ترجمة أدبية, أريد فقط أن أعرف مضمون ما كتبت تلك الفتاة التي اتضح أن اسمها أريج. إسمها أريج الشايب, وماتت وهي تعد لامتحانات الثانوية العامة وتحلم بأشياء كثيرة. كيف جعلونا نرى الفلسطينيين شيئاً مجرداً لا ملامح له على الإطلاق, لا عواطف سوى كراهية اليهودي. بدأت بتصفح يوميات أريج. شدتني إلى حد بعيد, ووضعتني تلك الفتاة في جو حياتها الصغيرة. أريج, يا أريج, دمك في رقبتي أنا شخصياً. لم تكن رصاصتي هي التي قتلتك ولكن تواطؤي. أنا أكرهني وأكره كل شيء حولي, عائلتي, بلدي القائم على ركام حياة الآخرين. كنت أستطيع أن أعمل شيئاً مختلفاً لو كانت لدي ذرة من الشجاعة والقدرة على الحسم. فات الأوان الآن .. فات الآوان ..

يوميات الحصار .. أريج الشايب

لم أدخل السجن في حياتي, رغم كوني فلسطينية, وابنة مخيم, إذن أنا أنتمي إلى القلة المحظوظة من الفلسطينيين. لو كنت قضيت بضعة شهور في سجن إسرائيلي لتعلمت مهارات كثيرة, في كيفية قضاء الوقت وأنا محصورة في بيت مغلق. أخي هاني, حين سُجن صنع لي أقراطاً جميلة.....bummm إنه صوت انفجار آخر, ربما في مدخل المخيم, وصوت زخات رصاص لا تنقطع, لكن الصوت بعيد نسبياً. دخلت إلى المطبخ لأجلب كأساً من الماء لجدتي, ولكن أغمي عليّ بفعل الإنفجار الذي لا بد أنه وقع في مكان قريب. وحين نهضت توجهت إلى جدتي, ناديتها لكنها لم تجب. هل عادت للنوم ؟ صرخت أكثر وهززتها, ولكن لا حياة ولا فائدة. عيناها شاخصتان, لكنها في مكان آخر. هل عيون الموتى تبقى مفتوحة ؟ ماذا أعمل الآن يا ربي ؟! نظرتُ إليها وفكرت في ما آلت إليه. أنا الآن وحيدة في بيت ليس فيه سوى جدتي الميتة, وأصوات الرصاص والإنفجارات في الخارج تصم الآذان. ثم فجأة أحسست بهدوء غريب. قمت بأكثر من محاولة لإعادتها إلى سريرها. لم أفلح, فهي أثقل مني بكثير. غطيتها بحرام, وغطيت وجهها أيضاً, فأنا الآن واثقة أنها ميتة, ثم بدأت أعد لمواجهة الواقع الجديد, وحيدة ...

أنا خائفة, خائفة جداً. لا أريد أن أموت, أخاف من الموت. أريد أن أبقى هنا مع صديقاتي وعائلتي. يا الله, أين هي عائلتي ؟ أين وفاء وهاني ومحمد ؟ أين أمي وأبي ؟ ومتى يأتون ليعيدوني إلى بيتنا ؟ أين هاني ؟ هو مع الشباب, لم يذهب مع أهلي إلى عمان, هل هو في أمان ؟ أنا خائفة أن أموت دون أن أرى عائلتي. وخائفة من جدتي. كلما نظرت إليها أحس أني أنظر إلى شبح. أحكمت إغلاق باب غرفة جدتي. أحسست بشيء من الإطمئنان, وبدأت بقراءة سورة ياسين. أحس الآن بجوع شديد, أكلت آخر ما تبقى من الخبز. ولكني لن أموت جوعاً, فمطبخ جدتي عامر. حين تصل الأسعار إلى الحضيض تشتري جدتي كل شيء: مشمش, عنب, سفرجل وتصنع منها مربيات, وتصنع الكبيس من الخيار والفقوس, والمقدوس من الباذنجان والفلفل. رفوف مطبخها عامرة بالمرطبانات المليئة بالمربيات والمخللات, لن أموت جوعاً إذن. تحسست مربى المشمش من أحد الرفوف. أخذت المرطبان معي إلى الغرفة وبدأت أنتشل أنصاف ثمار المشمش بيدي وألتهمها. ثم عدت إلى سريري, أغمضت عيني وحاولت النوم. لم يكن ذلك سهلاً, ولكني غفوت .

كان أول ما عملته حين أفقت أن توجهت إلى غرفة جدتي, فتحت الباب وقلبي يدق. كانت هناك كما تركتها, وعيناها ما زالتا مفتوحتين, ومنظرهما مخيف. وانفجرت بالبكاء مرة أخرى. أغمضت عينيها ثم خرجت إلى المطبخ. لقد اشتقت لعائلتي, أبي وأمي ووفاء ومحمد وهاني. أحسست برغبة في التحدث إليهم .

لم أعد أخاف من جدتي, أعني شبح جدتي. أصبح وجودها لا يثير بي الخوف. والأغرب من ذلك أني بدأت أتعود على أصوات الإنفجارات, ولم تعد تثير بي الرعب كما في البداية. إهتديت إلى أفكار لقتل الصمت من حولي. سأحاور كل الأشخاص في حياتي: أمي, أبي, وفاء, حمودة, أبناء وبنات عمتي شذى, المدرسين والمدرسات. وعارف. من هو عارف؟ عارف حبيب القلب. كانت بداية علاقتنا غريبة. هو وحيد والدته وقرة عينها, تخاف عليه من هب النسيم. وحين اندلعت الإنتفاضة كان عارف ملتزماً بنصيحة أمه: "إمشي الزيق الزيق يما". لذلك اعتقد الشباب في المخيم أنه عميل. فأشبعوه ركلاً وضرباً ثم اكتشفوا أنه بريء, فقدموا لأمه كوفية فلسطينية. عارف جارنا, وقد نشأنا معاً. هو أكبر مني بثلاث سنوات. في البداية كان مسالماً بشكل غير مألوف, لم يكن يتعارك مع أحد إلا مرة واحدة وكانت بسببي. تلك الليلة لم أنم بسهولة. رأيته في حلمي أكثر وسامة, رأيته يمسك بيدي ويجري بي بعيداً. وحين فتحت عيني في الصباح كان قلبي يرقص جذلاً. هل وقعت في الحب ؟ وكيف لي أن أعرف ؟ لم يحدث أن جربت ذلك من قبل. كل ما أعرفه أن يومي أصبح له مذاق مختلف, أصبحت أصفف شعرى بعناية أكبر, وقررت شراء ملابس داخلية جديدة, غير تلك البائسة التي تشتريها لي أمي. تعزز شعوري أكثر بأني أنثى, وأصبح في حياتي سر أنثوي آخر, جميل, ليس كذلك الذي يداهمني كل أربعة أسابيع .

إلى متى سيستمر هذا الوضع ؟ عليّ التقنين في الإستهلاك. أنا آكل وجبة واحدة ولا أظنني أستطيع التقنين أكثر من ذلك. المقاومة خفت, ولكنها لم تتوقف نهائياً. فليكن, الآن سأعد شوربة العدس .

أفقت اليوم على صوت انفجار مزلزل. فتحت عيني مرعوبة. خفت أن يحدث انفجار آخر وتدخل الشظايا من النوافذ. خطرت ببالي فكرة. إذا حجبت زجاج النوافذ بقطع أثاث, هل يمنع هذا الشظايا من الدخول؟ ممكن. نهضت من سريري وبدأت أحاول زحزحة خزانة الملابس. يجب أن أفرغها من محتوياتها. رأيت ملابس جدتي فبدأتُ أبكي. أحسست الآن أن جدتي ليست شبحاً كما توهمت في الأيام الماضية. هي جدتي الطيبة التي كانت تعمل أطيب "كلاج" في الدنيا. دخلت إلى غرفتها. يا ربي, ما هذه الرائحة ؟ ناديتها مرة أخرى, ولم تجب. فارتميت فوقها وأجهشت بالبكاء. لا أريد أن أستوعب أنها الآن جسم بلا حياة, كأي قطعة أثاث, كالسرير والخزانة والطاولة. هل يعقل هذا ؟ كيف تُمحى حياتنا هكذا وتصير ضرباً من اللاشيء ؟ حبيبتي يا ستي! وتابعتُ النشيج .

أفرغت الخزانة من كل ما فيها من ملابس, ورفوف وأدراج, ثم قمت بجرها ووضعتها أمام النافذة. اندفعت نحو غرفة جدتي, احتضنتها وبقيت أبكي فوقها إلى أن غفوت. استيقظت على أصوات القصف الشديد, كالعادة. الغرفة كانت مظلمة. نهضت وتوجهت إلى الحمام, اغتسلت, ودخلت المطبخ لإعداد كوب شاي بالميرمية. أنا أفضل من يصنع الشاي بالميرمية. هذه الكلمات سمعتها من عارف. ربما قصد أن يتغزل بي, على طريقته الخجولة. عارف, أين أنت الآن يا حبيبي؟ أنت هش, ربما أكثر من أعرفهم هشاشة, ولكن وجودك بجانبي كان سيجعلني قوية. كنت سأحتضن هشاشتك وأحس بالقوة, لماذا لست معي ؟ لماذا ؟

أصبح القصف شبه متواصل. عاد لي خوفي. ليست أصوات القصف وحدها التي ترعبني, بل صراخ أشخاص ربما أصيبوا أو قتلوا في الجوار القريب أو البعيد. انقطع الماء, ولكن لدي ما يكفي في الأوعية التي ملأتها. إلى متى سيستمر هذا الوضع. يا ربي, لماذا؟ لماذا لم أولد في مكان آخر ؟ لماذا لم أولد في بلد ليس فيه أي من هذا ؟ غير معقول أختي وفاء, في العاشرة من عمرها, وهي تجيد استخدام الكلاشنيكوف. وأخي هاني أكبر مني بسنتين لكنه قضى ما مجموعه سنة في السجون الإسرائيلية, وهو الآن مع المقاتلين في أحد أزقة المخيم. أخي حبيبي, هل أنت حي يا ترى ؟ لم يكن أخي هاني ينام في البيت معظم الليالي, واعتقل قبل الإمتحانات بشهور. وخرج قبل الإمتحانات بأسبوعين. نظرت إليه بعيون حزينة وقلت له : إوعدني بإشي. إبتسم وقال لي: اللي بدك اياه. فقلت: تستشهدش. فربت على كتفي وقال : بوعدك. لكني لم آخذ وعده على محمل الجد. كيف يستطيع فلسطيني, إبن مخيم, أن يفي بوعد كهذا ؟ ما أغباني! وكأن الأمر متوقف عليه! وكأن أحداً استشاره إن كان يريد أن يولد في بلد محتل, لعائلة مهجرة, في مخيم توصد بيوته أبوابها كل ليلة على اليأس, وتفتحها كل صباح على البؤس .

سمعت صوت عارف في الجوار. هاجمني شعور بوحدة قاتلة. مللت من البكاء, ما أغرب هذا الشعور! إذن حمل عارف السلاح. مع أي تنظيم هو يا ترى ؟ لا أهمية لذلك الآن. لا مكان للأسئلة حين نكون في مرمى نيرانهم, هم لا يميزون بيننا, هم يروننا لوناً واحداً, هدفاً واحداً, وعلينا أن نقف أمامهم صفاً واحداً الآن. آه, لو طرق بابي ! لو رأيت عينيه الحزينتين ..لو .. لو ضمني.

اليوم هو عيد ميلادي السابع عشر. في العام الماضي صادف يوم مولدي أيضاً ظروفاً مشابهة نوعا ما, كان منع التجول مفروضاً على المخيم, وهذا ما يحدث كثيراً, ولكننا لا نكترث له. يوم عيد ميلادي كانت الدوريات الإسرائيلية تجوب أزقة المخيم, وتعلن في مكبرات الصوت حظر التجوال. لم أشتر كعكة عيد الميلاد, لكن والدتي كانت قد أعدت المناقيش بالزعتر والصفيحة والسمبوسك ومعجنات أخرى. أين أنت الآن يا أمي ؟ .. اليوم أتممت سنتي السابعة عشرة, كل سنة وأنا سالمة. الآن أدركت معنى هذه العبارة: كل سنة وأنتي سالمة ! هل سأسلم فعلاً ؟ هل سأعيش لأحتفل بعيد ميلادي القادم ؟
اشتقت لغرفتي. أفتقد سريري وأوراقي وملابسي. لم أحضر معي الكثير من الملابس حين جئت للإقامة عند جدتي, كان يفترض أن أقيم هنا بضعة أيام, لحين عودة عائلتي من عمان. أفتقد عائلتي أيضاً. هذا يوم الحنين. أحن إلى كل شيء. هل هذا فأل سيء ؟ هل يعني أن النهاية تقترب ؟ لم أكن أؤمن يوماً بالخزعبلات, أما الآن فلم أعد أؤمن بشيء. كيف لي أن أرى في هذا العالم غير العبث ونحن نُترك هنا لنموت تحت الأنقاض ولا يكترث أحد في هذا العالم الواسع لمصيرنا ؟
بوم بوم بوم ! إنفجارات متلاحقة.

طرقٌ على الباب وصوتٌ غير مألوف: يا جماعة افتحوا! في حدا هون ؟ ماذا أفعل الآن ؟ لا بد أنّ أحد الشباب جرح. ابتعدتْ الأصوات تدريجياً, ثم اختفتْ. أحسست بالذنب, لكن هذا الشعور لم يدم طويلاً. لا شيء يدوم في هذه الظروف. حتى موت جدتي تعودت عليه. حتى موتي أنا بدأت أتصالح مع إمكانيته. أنا لا أؤمن بالمعجزات. لا بد أن تخترق البيت قذيفة. لم أعد أكترث كثيراً. لا أعرف ماذا يجري في الخارج, ناهيك عن ما يجري في العالم الواسع. هل يجتمع مجلس الأمن ؟ الجامعة العربية ؟ وزراء الخارجية العرب ؟ ثم ماذا ؟ يتناولون وجبة دسمة ثم يغادر كل منهم إلى حياته الآمنة . طز! اللعنة على هذا العالم! .. بوم .. قذيقة أخرى في الجوار. لماذا لا ينهار البيت فوق رأسي ؟ تعبت من الإنتظار ! تعبت ! يا رب قذيفة أخرى ! يا رب رصاصة طائشة . تعبت ! تعبت !
الوقت يطحنني. أتممت السابعة عشرة لتوي لكن وقتي ينفذ. نحن هنا لا نخضع لدورة الحياة الطبيعية كما بقية خلق الله : طفولة , مراهقة وبلوغ , شباب, كهولة, شيخوخة. طفولتنا فريدة, فضاؤنا محدود. لا مجال لحياة خاصة حتى في بيتنا. وفي غياب الباربي الباهظة الثمن تصنع أختي وفاء دمى باستخدام قطع ملابس بالية وأزرار. فالألعاب تعوض, وغيابها ربما لم يحدث ضرراً بالغاً في طفولتنا, ولكن ما أمقته هو عسكرة حياتنا منذ سن مبكرة .

خفتت أصوات الرصاص, لكن حدة القصف لم تخف. هذه ليست بادرة جيدة, لأنها تعني أن المقاومة تموت والإجتياح وشيك. ماذا سيفعلون بنا ؟ فكرة الموت ما عادت تسبب لي أي شعور بالكآبة. وصلت إلى حالة غريبة من التسليم واللامبالاة. كل ما يشغلني الآن هو كيف أجعل الساعات الثقيلة تمر. يلا حان وقت اللعب, سألعب "بيت بيوت".
أفقت في الصباح على رائحة قوية تزكم أنفي مصدرها غرفة جدتي. يا ربي ماذا أفعل ؟ وضعت عليها كل مكعبات الثلج التي وجدتها في الفريزر, لكنها ذابت في ساعات. ستي ! كانت رائحتك أزكى من المسك ! ستي ! تعبت يا ستي. الرائحة لم تعد تطاق. القصف أصبح مرعباً, والمقاومة توقفت تقريباً. المخيم أصبح مفعولاً به الآن. سمعت فجأة صوت: ستي , ستي, أريج افتحي ! يا ربي هذا صوت هاني! كاد قلبي يقفز من مكانه. قال هاني: إفتحي يختي بسرعة. إحنا مكشوفين. قلت: هاني الباب مسكر بالمفتاح, رايح أدور عليه. قال: أسرعي. ركضت إلى الداخل كالمجنونة, بحثت في كل الأماكن المحتملة. لا أثر لمفتاح البيت. وفجأة فتح الباب. خلعوه, واندفع أخي مع ثلاثة من المسلحين. حينها حضنته وأمطرته بالقبلات. حينها قلت له ما جرى مع ستي. فقال للشباب : لازم نطلّع ستي من هون. فقال أحد رفاقه : تعال نستكشف المنطقة قبل ما نطلع, إحنا قراب من مدخل المخيم ما بصير نجازف هيك. وخرج هاني ورفيقه, وصعد اثنان إلى السطح. وسمعت بعدها إطلاق نار كثيفاً وصرختين حادتين, ثم ارتطام أجساد بأرض الشارع. فاندفعت نحو الباب كالمجنونة. ماتوا جميعهم لم يبق أحد, وبقيت هنا وحدي. أحسست بتعب لا أستطيع وصفه. نظرت إلى كراستي التي أكتب فيها, كانت ملقاة على الأرض كجثة. ما أكثر الجثث ! كل ما حولي جثث. جثتان على السطح, وجثة في غرفة جدتي, وجثتان أمام البيت, وأنا الوحيدة الحية. يا ربي لو أموت لو أمووووووت ....................

أجريتُ اتصالاتٍ ببعض الصحف العبرية , سألتهم إنْ كانوا معنيين بنشر ولو أجزاء من يوميات أريج , سخروا مني. من يريد أن يقرأ قصة حب ساذجة ولكن في غاية الشفافية بين فتاة رومانسية من مخيم جنين وشاب خارج عن قوانين مجتمعه ؟ من يريد أن يسمع أصواتاً غير تلك التي اعتادها ؟ لا فائدة! نحن نغوص في الوحل نقتلهم , ثم يقتلوننا ثم نقتلهم, ولا يتوقف أي منا. اتصلتْ بي شوشانا في هذا الصباح, كانت تريد أن نلتقي ولكني اختلقت أعذاراً كثيرة. بكت وهي تقول لي: أنا في صفك يا ديفيد, وأريد أن أساعدك. أعطني فرصة لأساعدك. أصبحت قاسياً جداً في تعاملي مع أبناء قومي, حتى والدي ووالدتي. الآن هدفي هو نشر يوميات أريج لا غير. صوت أريج يجب أن يخرج إلى العالم. لم يتصل جوليانو, وأخشى ألا يتصل, لا بد أنه ارتاب في أمري. أريد العودة إلى المخيم حيث تركت بصماتي القاتلة, أريد التكفير, أريد تتبع خطى أريج الشايب. أصبحت مسكوناً بها.

أخيراً اتصل بي جوليانو ودعاني إلى لقاء آخر. علمت منه بعد لقائنا أن المسرح الذي كان في المخيم, كانت السيدة أرنا والدته هي من أسسته كمشروع للأطفال, بهدف مساعدة الأطفال على التغلب على صدماتهم النفسية. الصدمات التي يسببها الإحتلال. نحن. أخبرت جوليانو بأن مشروع والدته قد أصبح أنقاضاً. أخبرني جوليانو أنه يريد أن يقوم بزيارة استطلاعية للمخيم. فقلت: هل أستطيع أن أرافقك؟ فتأمل بي وقال لي : هل سيثق بك أهل المخيم ؟ فعلاً, لماذا يثق بي من كنت أطلق عليهم النار قبل أسابيع قليلة ؟ بدأت أحس باليأس. ثم قال جوليانو: على كل حال سنحاول. تعال معي, ستقود السيارة, وسأقدمك على أنك صديقي وسائقي. ستقابل هناك آثار ما صنعته يداك وأيدي رفاقك. هززت رأسي. إن قبلني أهل المخيم سيساعدني هذا على التصالح مع نفسي, وإن لفظوني أكون نلت عقابي .

 جاء اليوم الموعود. يوم الإنطلاق إلى جنين. غني عن القول أنني لم أنم لحظة واحدة تلك الليلة. كنت أحس بوحدة رهيبة. قرأت يوميات أريج مرة أخرى. كانت تكتب وأنا كنت أطلق الرصاص على كل شيء يتحرك, وأحياناً على لا شيء. أريج تعيش في بلد محتل, تقيد فيه حركتها, وحتى أنفاسها, لكنها تحلم, وفي حلمها توسع حدود فضائها. هي الحرة وأنا السجين. سجين الأنماط والأفكار المبتذلة والأوامر العسكرية. قالت لي أمي في الصباح : ديفيد, ما الذي يشغلك يا ولدي؟ فقلت: لا شيء. قالت: حاول أن تغير الجو من حولك سافر, لو أردت. قلت: هذا ما سأفعله. قالت: ربما إيلات أفضل مكان في هذا الوقت. حينها قلت: أنا ذاهب إلى جنين. شهقت من الصدمة, وضربت على صدرها وقالت: عند العرب؟! فقلت: عند العرب. بانت الصدمة في عينيها وانفجرت بالبكاء. وفهم أبي من أمي القصة فقال لي : إذا خرجت من الباب الآن فلا تعد ! لا أريد رؤيتك هنا مرة أخرى. لم أجب, بل توجهت إلى الباب, وغادرت.

سألني جوليانو ونحن في الطريق: بماذا تشعر؟ فقلت: شعور مجرم عائد إلى مسرح الجريمة. بدأ الألم يتفاقم في داخلي, كلما اقتربت مع جوليانو إلى المخيم. سأتحدث هناك مع أشخاص, لا عن إرهابيين. هم أصدقاء جوليانو, لهم أسماء وملامح, ضحكات وأحاديث وذكريات معه. كان كلام جوليانو يشعرني بشيء من الرضا, وكأنه يخلصني من شعوري القاتل بالذنب. دخلنا المخيم, وبدأت دقات قلبي تتسارع بجنون, وأحسست بضيق في التنفس. وصلنا وسط المخيم, نزلنا من السيارة. بدأ الأطفال يتجمعون حول جوليانو ويتحدثون إليه. تركناهم وتابعنا سيرنا إلى المسرح. صعدنا الدرج وسط الركام. تحولت شقة الأستوديو إلى أنقاض. خرج جوليانو إلى الشرفة,ثم جاء صوته فجأة: سنعيد بناء كل شيء. كان صوته مختلفاً هذه المرة, فيه حياة وتصميم. ابتسمتُ رغماً عن المشاعر المدمرة التي كانت تتنازعني. فقلت: نعم, سنعيد بناء كل شيء. أرجو أن تقبلني في فريقك, أريد أن أعيد بناء بعض ما دمرت. هل تقبلني معكم, جوليانو ؟ سأنام هنا. سنزيل الركام ونعيد ترميم المكان. فربّت على كتفي ثم تركني على أن يعود بعد بضع ساعات. فخلعت سترتي وباشرت العمل .

عاد جوليانو بعد قرابة ساعتين ومعه مجموعة من الفتية. عملنا لمدة ثلاث ساعات, ثم جاءت أمرأة شابة بصينية عليها طعام. تناولنا الغداء. أكلت بشهية غير طبيعية. لا أدري إن كان الطعام بهذه اللذة, أم أنني بدأت أجد نفسي. كان طعاماً بسيطاً : بيضاً مقلياً, بندورة مقلية وبطاطا مقلية. كان الطعام لذيذاً بلا شك. ونمت في المكان.
وفي الصباح أيقظنا الأطفال, أحضروا لنا الشاي الساخن وإفطاراً مكوناً من الحمص والفلافل الطازج. أكثر من مرة داهمتني رغبة بالبكاء, قبل أسابيع كنت أطلق النار هنا, والآن عدت ضيفاً يحظى بواجب الضيافة العربية. أي فظاعة هذه ؟! كنت أحس بارتباك حيال الفتية. من هم بالنسبة لي؟ أعدائي الذين جئنا إلى هنا قبل أسابيع لاصطيادهم؟ ومن أنا بالنسبة لهم؟ ضيف يكرمونه. زرنا دار أهل علاء. رحبوا بنا بحرارة. وتحدثت والدة علاء عن كيفية استشهاد ابنها علاء. بدأت أفكر وأتأمل, واتخذت قراري. سأغادر من هنا, ولن أعود. سأخوض معركتي وحيداً, في عزلة, أو على الأقل بعيداً عن مسرح الجريمة.

على مشارف تل أبيت بدأت أعود إلى أناي. عدت إبن المدينة, إبن الدولة, إبن الثقافة التي أنتجت كل الحروب والإجتياحات. قرعت جرس بيتنا وانتظرت, ولم أسمع صوت والدتي. فتح لي أبي الباب بوجه متجهم وقال: لماذا رجعت ؟ عد إلى العرب, أصدقاؤك. حينها أدرت ظهري دون كلمة واحدة وأجهشت بالبكاء. حضرتني وجوه الفتية والنساء في المخيم, ثم وجه جوليانو, لكني لن أعود إليهم. نظرت إلى وجوه الناس من حولي وأنا أحتسي البيرة في البار. شعرت بالغربة . اتصلت بشوشانا. وبعد عدة اتصالات ردت على التليفون. كان حديثها معي بارداً, فقلت لها: آسف لإزعاجك. مساؤك سعيد. أغلقَتِ الخط دون أن ترد. أين مكاني إذن ؟ لم أجده في جنين بين العرب ولا أجده هنا وسط اليهود ! غادرت البار. لا توجد هناك وجهة محددة أقصدها. تسكعت مترنحاً في الشوارع , ثم وجدت نفسي على الشاطيء. جلست وأضفت آخر خواطري إلى اليوميات التي بدأت كتابتها منذ فترة. في حقيبتي الآن يوميات لشخصين : أريج الشايب وديفيد أشكنازي. كانت أضواء المدينة تنعكس على صفحة المياه. خلعت حذائي, ثم خلعت كل ملابسي, لن يلفظني البحر كما لفظني الآخرون. ألقيت بنفسي بين أمواجه . تابعت السباحة مبتعداً عن الشاطيء باتجاه المجهول. بدأت عضلاتي ترتخي, أحسست بالإعياء. لا أدري إن كنت سأثق بامرأة بعد أن خذلتني شوشانا بهذه البشاعة في أصعب لحظاتي. كنت أظنها تحبني. كل ما أريده هو الراحة.  أريد أن أرتاح .. أن أرتاح ....... أن أرتا.....

وجدتُ مكالمة من ديفيد حين استيقظت هذا الصباح. حاولت الإتصال به لكت هاتفه كان مغلقاً. اتصلت بوالدته, فقالت لي بصوت حزين إنه عاد مساء أمس إلى البيت وإن والده طرده. أحسست بالقلق. اتصلت بالشرطة, لا خبر عنه. ثم اتصلت بقسم الحوادث في مسشفى قريب من مكان سكنه. فقالوا لي: عثر على جثته في الصباح ملقاة على الشاطيء. يبدو أنه توغل بعيداً في البحر وهو في حالة سكر, وغرق. أطلقت صرخة حادة. لم أصدق. لم أكن صديقته, ولكني أحسست به قريباً بشكل مفاجيء في آخر لقاء لنا, بعد أن ترجمت له يوميات تلك الفتاة من جنين. كشفت الغطاء عن وجهه في المستشفى. لم تكن ملامحه هادئة. أخذ عذابه وتمزقه إلى العالم الآخر. انفجرت بالبكاء, وخرجت. أخذت مقتنياته ومضيت .

اليوم أحسست أنني قمت بواجبي تجاهك يا صديقي. أخيراً وافق مدير إحدى دور النشر على قراءة اليوميات, يوميات أريج ويومياتك. كلماتك وكلماتها لن تضيع في العدم. كل ما يحز في نفسي أنك ذهبت وفي حلقك غصة وفي روحك مرارة , إن الجميع تخلى عنك. لا, ليس الجميع, ديفيد, ليس الجميع يا صديقي ...


                                            النهاية.  



إرسال تعليق