الاثنين، 12 مارس 2018





تلخيص رواية: 
فوضى الحواس: أحلام مستغانمي. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

 

عكس الناس, كان يرغب في أن يختبر بها الإخلاص , وأن يجرب معها متعة الوفاء عن جوع , أن يربي حباً وسط ألغام الحواس . هي لا تدري كيف اهتدت فطرتها الانثوية اليه . هو الذي, بنظرة, يخلع عنها عقلها, ويلبسها شفتيه . كم كان يلزمها من الإيمان, كي تحمي نفسها من نظراته ! كم كان يلزمه من الصمت , كي لا تشي به الحرائق ! 

اليوم رجع .. هو الرجل الذي تنطبق عليه , على الدوام , مقولة اوسكار وايلد: "خلق الإنسان اللغة ليخفي بها عواطفه ". ما زال كلما تحدث تكسوه اللغة , ويعريه الصمت بين الجمل . وهي ما زالت أنثى التداعيات. تخلع وترتدي الكلمات على عجل عن ضجر جسدي ... تذكرُ جلست وحيدة في تلك الزاوية اليسرى , من ذلك المقهى "مقهى الموعد". منذ ذلك اليوم وهي تتصدى لشوقها الذي فخخه بالتحدي . تُلهي نفسها عن عشقه , بكراهيته, في انتظار العثور على مبرر مشرف حتى تتصل به . في تمويه لإخفاقات عِشقِيّة , عرضتْ عليه يوماً أن يصبحا اصحاب . أجابها ضاحكاً: لا أعرف مصادقة جسد أشتهيه . أنت أشهى عندما تغادرين , ثمة نساء يصبحن أجمل في الغياب . ولم تفهم ما الذي كان يقصده وقتها . أما الذي كان يعنيها, فأن تستمع إليه . هي كانت تريد أن تسأله فقط : كيف هو؟ ولكن قبل أن تتفوه بكلمة , سرق منها السؤال الذي لن يطرح غيره بعد ذلك, وقال: كيف أنتِ ؟ وهي قبل اليوم لم تكن تتوقع أن يزعجها الجواب عن سؤال كهذا . أجابته بنية مباغتته : الحمدلله , وأنت ؟ , ظلت عيناها تتابعانه. فقال : أنا مطابق لك . ثم أضاف بعد شيء من بعد الصمت : تماماً. أحببتُ هذه الحكاية , التي كتبتُها دون أن أعي تماماً ما كتبت . فأنا لم يحدث أن كتبتُ قصة قصيرة . كل ما كان يهمني و يعنيني , أن أكتب شيئاً. أي شيء أكسر به عامين من الصمت. لا أدري كيف ولدتْ هذه الحكاية . أدري كيف ولد صمتي. ولكن تلك حكاية ثانية . 

 منذ يومين, فاجأتُ ذاتي أعود إلى الكتابة . هكذا .. دون قرار مسبق. كعادتي عندما أنتهي من الكتابة في المساء , عدتُ إلى قراءة ذلك النص أول ما استيقظت . قرأتها لمرات عديدة , بنشوة متزايدة كل مرة. فقد كتبتُ أخيراً نصاً رائع الجمال . والأجمل أنه خارج من نفسي . وأنني تصورت فيه كل شيء. وهذا في حد ذاته , إنجاز صدمني . فأنا لم يحدث يوماً أن تعرفت إلى رجل يشبه هذا الرجل , في نفوره الجميل , وحضوره المربك, وله هذه القدرة الخرافية على خلق حالة من الإرتباك الجميل . في الحقيقة , إن يجبها عن سؤالها (كيف أنت ؟) بقوله (أنا مطابق لك.. تماماً) فهذا لا يعني الا أنه قرر أن لا يقول لها شيئاً. وحده هذا الرجل يهمني و يعنيني . بي فضول نسائي حتى افهمه . بي تحد ليس أكثر. وهكذا جلستُ إلى دفتري, ورحت أواصل كتابة الحكاية وكأنني لم أتوقف بالأمس عن كتابتها . 

ذات مطر .. جاء صوته على الهاتف : كيف أنتِ ؟ أما زال لك ذلك الولاء للمطر؟ قالت : أجل .. في بعض الاحيان . سألها: هل أراك غداً ؟ فكرت أنه يكون جميلاً لو ذهبنا لمشاهدة ذلك الفيلم سوية , في يوم ممطر. سألته: أين نلتقي ؟ قال : في سينما اوليمبك . ثم استدرك : أو إذا رغبت .. انتظريني عند مدخل الجامعة . سأمر و اصطحبك من هناك . وقبل أن يمنحها وقتاً تقول فيه شيئاً , كان قد وضع السماعة و هو يودعها , ليتركها من جديد لأسئلتها. 
سعدت بهذه النهاية التي لم أجهد ذاتي كثيراً في العثور عليها . حتى إنني كتبتها هكذا كما اتت دون تجميل . دون أن أفاضلها بواحد ثانية , ودون أن أشطب أي سطر فيها. هذا الرجل كان يصر على ان يكون صامتا , وأصر أنا على ان استنطقه . ها قد جعلته أخيراً ينطق , يقول كلاماً أردته أنا. فهل هزمته حقاً ؟ وبرغم ذلك , بإمكاني أن أعترف بأنه صدمني . لا لأنه طلب للمرة الثانية من المرأة أن ترافقه حتى يشاهدا ذلك الفيلم في السينما, ولكن لأنه أعطاها إسم قاعة سينما لم أسمع بها من قبل . فجأة , خطر ببالي أن أبحث في الصحف المحلية , إن كانت حقاً هذه القاعة موجودة . رحت أدقق في كل الجرائد القديمة المنتشرة في مكتب زوجي, عن إن كان حقاً هناك قاعة تدعى اوليمبك , وأن هناك فيلم يدعى حلقة الشعراء . وعثرت على ذلك الفيلم معروضاً في القاعة ذاتها . مفاجأة الإكتشاف جردتني من منطق الأجوبة. فأنا لم أعد اعلم إن كان قد نزل عليّ وحي ما, لكتابة أشياء لا دراية لي باي منها . وهل يجب أن أحذر هذه الحكاية التي جاءت مخيفة في تفاصيلها, أم هل أجد فيها إشارة من القدر ووعداً بلقاء ما ؟ أتراني قد وقعت تحت إغراء الكتابة و سحرها الفاتن لأصدق أن هذا الرجل هو الذي أملى عليّ موعداً.. كتبته بيدي ؟ 
 إن كل حكاية ترسو بك على شاطيء الذهول . أما إذا كان الرجل هذا زوجاً , فستوصلك الحكاية حتماً إلى سلسلة من المفاجآت. أتوقع أن يكون زوجي قد خلق بمزاج عسكري , و قبل أن يحمل أي شيء حمل السلاح . وإنني سعيدة بسكينتي أو استكانتي إليه . تاركة له الدور الاروع . دور الرجولة التي تأمر و تطالب و تتمادى , وتقرر,.... كنت أجد في تصرفاته شيئاً من الأبوة التي حُرمت من سيطرتها . أذكر.. بدأت علاقتنا بانبهار متبادل وبعنف التحدي الخفي . كان لا بد أن أتوقع أن العلاقات العنيفة هي علاقات قصيرة بحكم عنفها و قوتها . تنبهت بعد ذلك , إلى أن أبوته هي التي كانت تعني لي الأكثر. وأن رتبته العسكرية و مهامه السياسية لم تكن تعنيني بوجاهتها, وإنما لكونها استمراراً لذاكرة نضاليّة تربيت و ترعرعت عليها , وعنفوان جزائر حلمت بها . كم مر من الوقت , قبل أن أكتشف حماقة خلطي عقدة الماضي .. بالواقع المضاد . تماماً , كخلطي الآن, بين وهم الكتابة.. والحياة , وإصراري على الذهاب إلى ذلك الموعد . 
بين الرغبات الجارفة الأبدية الخالدة .. والأقدار المعاكسة.. كان قدري. كنت , في الواقع , مأخوذة بمقولةٍ لأندريه جيد " إن أجمل الأشياء هي التي يكتبها العقل و يقترحها الجنون ". مأخوذة بها لدرجة أنني , عندما اقترح عليّ الجنون أن أذهب إلى موعد ضربه بطل في حكايتي لامرأة أخرى , أخذت اقتراحه مأخذ الجد , وقررت أن أذهب بحجة كتابة شيء جميل. كنت مضطربة و متوترة لعدة ساعات قبل الموعد, ذلك الإرتباك الذي يسبق لقاء لا ندري ماذا ينتظرنا فيه , ولكننا نعتزم و نصر على الذهاب إليه, لأن شيئاً ما يأمرنا بأن نخرج . ولكني كنت أعي تماماً أنني أرتكب حماقة غير مضمونة النتائج و لا العواقب , بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم , في مدينة مثل قسنطينة , لا ترتاد فيها الفتيات قاعات السينما . فما بالك إذا كانت هذه المرأة زوجة أحد كبار ضباط هذه المدينة , وتصل إلى السينما بمركبة رسمية , لتجد في انتظارها جيشاً من الرجال الذين لا شغل لهم سوى التحرش بالفتيات . ولهذا, تعمدت أن أصل متأخرة عن الفيلم بربع ساعة , كي لا أقف في طابور الإنتظار . تماماً كما طلبت من السائق أن يرجع قبل موعد انتهاء الفيلم بربع ساعة. وكما تخيلت و تصورت , كان الحضور جميعه رجالاً. وحدهما رجل وامرأة , كانا يجلسان على انفراد في آخر القاعة ويبدو أنهما كانا هنا لسبب ثاني . استنتجت أنهما (هما) فاخترت لي مكانا تماماً خلفهما , وكأنني أحتمي بهما. كانت يد المرأة تتحرك ببطء نحو ذلك الرجل , وهو ما شجعني على التصور بأنها هي المرأة "ذاتها". ما دامت ليست معنية بهذا الفيلم , بقدر ما هي معنية بالتحرش بهذا الرجل . هذا الرجل الذي يبدو لي من الوراء , يقارب الأربعين, من الأرجح أنه "هو". ها هو يخلع جاكيته , ويضعه على ركبتيه, بطريقة يغطي بها أيضاً ركبتي تلك المرأة . ولن يكون من الصعب بعد الآن أن أتصور ما سيلي ذلك ! إنه في النهاية , ينتمي إلى السلالة الأسوأ من الرجال , تلك التي تخفي خلف وقارها و رصانتها , كل عقد العالم وقذارته . 

في لحظة من الخيبة كدت استعد لترك القاعة , ولكني تذكرت أن السائق لن يحضر قبل انقضاء ساعة . وهكذا رجعت حتى اشاهد الفيلم , محاولة تجاهل ما يحدث من حولي . فجأة شعرت أن شيئاً قد وقع مني. تحسست أذني, وإذا به قرطي قد سقط على الارض . انحنيت لأبحث عنه, وإذ بولاعة تشتعل بالقرب من يدي , ورجل ينحني ليضيء لي المكان. فاجأني وجود هذا الرجل , الذي كدت أنسى أنه جالس بالقرب مني . فجأة قررت أن أكف عن البحث. لم يعد أمر القرط يهمني كثيرا . كل الذي يشغلني نظرات هذا الرجل , أو على الأصح حضوره الذي اربكني كثيرا . الحب يجلس دائماً على غير الكرسي الذي نتوقعه . تماماً, بمحاذاة ما نتوقعه حباً. وبعد فترة جاء السائق , فاستأذنت حتى اخرج , وأعتقد أن نظرات هذا الرجل قد كانت بصحبتي حتى مغادرتي القاعة . 

في هذه المدينة التي تستعير فيها النساء من بعضهن بعضاً كل شيء , ماذا لو استعرت الشيء الوحيد الذي لا أملكه ؟ جسد امرأة ثانية غيري , قصتها مع رجل يهمني امره بشكل كبير للغاية . أود لو كان بإمكاني أن أتنكر في زيها , ليكون لي حق رؤيته . ولكن كيف ؟ وأين ؟ تستدرجني هذه التفاصيل , إلى فكرة على قدر من الجنون , فأركض باتجاه مكتبي , أحضر الدفتر وأشرع في قراءة تلك الحكاية , بحثاً عن شيء محدد, ما أكاد أعثر عليه , حتى أتوقف عن القراءة , بسعادة و بهجة من عثر على شيء أضاعه في البحر . لقد عثرت على اسم المقهى الذي كانا يلتقيان فيه . 
 سائق الأجرة الذي طلبتُ منه ان يرافقني إلى مقهى "الموعد", بدا عليه شيء من الصدمة و الذهول , جعلني أعتقد أن لا وجود لهذا المقهى. كنت أعي أنني أقترف حماقة ثانية , بذهابي إلى مكان لا أعرف عنه اي شيء . حتى أنني لست واثقة من وجود ذلك الرجل فيه . كان المقهى أكثر هدوءاً مما تخيلت . وبرغم ذلك دخلته بارتباك كبير و جلي . بدا لي المكان شاسعاً. يجلس في ركن أيسر منه فتاة و شاب . وفي زاويته اليمنى رجل بقميص أبيض , منهمك في الكتاب ة. جلست في الزاوية التي تقابله تماما . لم أتوقف عن متابعة ذلك الرجل في كل أوضاعه النفسية , وتقلباته المزاجية أمام ورقة . كان على قدر من الجمال و الوسامة . وكنت أشعر بمودة غامضة نحوه . إحساس ما , كان يقول لي إنني في زمن ما, أحببت رجل يشبهه, أو إنه يشبه تماماً رجل سأحبه في يوم من الايام . وفجأة جاء رجل يرتدي قميصاً بلون اسود , في العقد الرابع من عمره. بدا على الرجل وكأنه يعرف من انا , فقد ألقى نحوي نظرة غريبة , ثم سلاماً ودياً بإشارة من رأسه . وذهب للجلوس بالقرب من ذلك الرجل , وراحا يتبادلان حديثاً, لم يصلني منه اي كلمة . من هو هذا الرجل ؟ تراه يعرفني ؟ أم يعرف شقيقي .. أو زوجي ؟ وفجأة اقترب مني الرجل ذو القميص الأسود , وفي يده صحن عليه بعض قطع من السكر . لا اعلم كيف انتبه لما كنت سأطلبه , شكرته وبقيت دقائق أتأمله أثناء عودته إلى طاولته. اقترب إلى طاولتي الرجل ذو القميص الأسود , وقال: أتسمحين لي بان اجلس معك ؟ فأجبته : طبعاً. ولكنه لم يجلس . وقال : أنا أكره هذا المكان.. وأفضّل أن نذهب حتى نشرب شيءا ما في مكان ثاني .. أيزعجك هذا؟ أجبته : ابدا . ولم أملك سوى أن الحقه . 

ما الذي أوصلني إلى هنا؟ ترى فضولي الأدبي هو الذي جعلني أدخل مغامرة على هذا القدر من الغباء ؟ أم تراني أذهب إلى الحب بذريعة الأدب ؟ وكيف لرجل لم يقل لي الا كلمة واحدة , أن يأتي بي حتى هنا, دون أن أسأله حتى من يكون . وكأن كل قدراتي العقلية قد توقفت فجاة , لتنوب عنها حواسي. 
عند "سيدة السلام" توقفتْ بنا المركبة , أمام مقهى شاهق الموقع , هاديء الأجواء. كنت أعد ذاتي لحديث و ثرثرة كبيرة . ولكنه لم يقل شيئاً. أشعل سيجارة , وراح يحدق بي . ثم قال: أخيراً أنتِ ! غريب.. أن أصادفك في ذلك المقهى حقاً . شيء فيك تغيّر منذ ذلك الوقت . قلت وأنا أسايره : أعترفُ أنك فاجأتني .. قبلك لم أر رجلاً يلبس الأسود في هذه البلدة , لكأن الرجال يخافون هذا اللون أو لا يحبونه . عجيبة علاقتنا التي بدأت في الظلام . ابتسم وقال : ولكننا لم نلتقِ في الظلام . كل البدايات جميلة في الحب .. وأجملها بدايتنا . مذهل هذا الرجل , بكلامه المربك ك سكوته , ومنطقه البسيط و المعقد في الوقت ذاته . قلت له : أي أسم كنت تريد أن تحمل ؟ فقال: الأسم الذي اخترتِه لي في كتابك .. إنه يلائمني بشكل كبير . لم أصدق ما سمعت . جوابه كان يعني أنه يعلم من أكون. ولكن, من تراه يكون هو.. ليتكلم إليّ وكأنه خارج توّاً من قصتي ؟ قلت له : لماذا تناديني "سيدتي".. من أخبرك أنني متزوجة ؟ ابتسم وقال : ثمة نساء جئن العالم بهذه الرتبة , وأية تسمية ثانية هي إهانة لإنوثتهن . ما عدا ذلك فحالتك المدنية لم تعد تهمني البتة . قلت: ماذا تعمل في الحياة ؟..أقصد ماذا كنت تريد أن تكون ؟ قال : كنت ارغب في أن أكون ممثلاً .. أو روائياً كي أعيش أكثر من حياة , ولكنني رسام , و راض تمام الرضا عن مهنتي . قلت : كنت أعرف في السابق رساماً من قسنطينة . قال وهو يتأملني : أحبك في هذا الثوب .. الأسود يليق بك . ما زلت أذكر الثوب الذي كنت تلبسينه في المرة الاولى التي رايتك فيها . ولكن الذي أحزنني يومها أنني لم أستطع أن أتبادل معك ولو كلمة واحدة . كل الأضواء كانت ضدنا . ربما لأننا كنا الأجمل في زفاف كان لزوج غيرنا . شعرت أنه يتحدث عن امرأة ثانية و لست انا , فأنا لا أتذكر أني ذهبت إلى زفاف بمفردي ولبست ثوباً كهذا . خفت أن اقول له هذا , فأكسر كثيراً من جمالية وهمِ كلٍّ منا بالآخر. فبقيت صامتة. قال: أتدرين لماذا تركت لسائق السيارة حرية اختيار مكان لنا, وجازفت باول موعد لنا ؟ وقبل أن أسأله "لماذا؟" واصل : لأنه في الحب لا بد أن تكون لك علاقة ثقة بالقدر . أن تتركي له مقود مركبتك . ثم رفع يده وطلب من النادل الحساب .. وسيارة أجرة . وما هي إلا دقائق حتى كنا متجهين سوية صوب فراق, ونحن بعدُ مقبلان على حب . سألته: متى نرى بعضنا البعض مرة ثانية ؟ أجاب: سأتصل بك . قلت : كيف ؟ فقال : لا تخافي .. أعرف كل شيء. ثم طلب من السائق أن يوقفه أمام ضوء أحمر , ومده أمام دهشتي بورقة نقدية.. وبعنواني باكمله , طالباً منه حتى يوصلني إلى الباب. و ترك السيارة قائلاً : سأشتاقك !! 

من يكون هذا الرجل ؟ من أين له كل تلك التفاصيل عني ؟ وكيف يعرف حتى عنوان منزلي ؟ طبعاً , في منطق الأشياء كان يجب أن اعلم عنه أكثر مما يعلم عني , ما دام ليس إلا بطلاً في حكايتي . فجأة ينتابني إحساس بالخوف من هذه الحكاية التي ستؤلمني حتماً. وبرغم ذلك أنجرف نحوها دون اي رادع , ودون الإستفادة من كل ما تعلمته في الحياة . 
 زوجي أصبح يبدي تضايقه الواضح من جلوسي لساعات أمام طاولة الكتابة, بدل تخصيص هذا الوقت لطفل لا يأتي , دون أن يعترف بأن ما يضايقه تماماً , هو الكتابة بحد ذاتها. وراح يوجهني من طبيب إلى ثاني , ليحوّل الأمومة قضيتي و مشكلتي الأولى . سنتان وأنا أرافق أمي دون اقتناع, وحتى دون رغبة حقيقية في الشفاء من عقمي . عشرة أيام من الترقب الهادئ . حاولت خلالها أن أتجاهل أنني أنتظر شيئاً. كنت لسبب مجهول لا اعرفه , واثقة تماماً من أنه سيتصل بي. ولكنّ الحياة كانت تكذب حدسي يوماً بعد يوم . كان اليأس يتسلل إليّ تدريجياً, ليكتسح مساحات كبيرة , ملأتها أملاً. حتى إنني أصبحت لا اترك المنزل الا قليلا , خوفاً من أن يأتي هاتفه أثناء غيابي. تسألني أمي عن أخبار زوجي أجيب أنه بخير . ماذا ستفعل أمي لو قلت لها في نوبة جنون, إنني أحب رجلاً ثانيا .. غير زوجي ؟ تراها عرفت الحب حتى تفهم ما اعنيه . هي التي لم تعرف حتى معنى الزواج , و تحملت فقط نتائجه . أبي ذهب ولم يعد , وكان له شرف الإستشهاد , ولها قدر الترمل في العمر الذي تتزوج فيه الفتيات . 

توصلني أفكاري من جديد إلى ذلك الرجل. وأدري أن إمكانية العثور عليه في مدينة كهذه , قليلة للغاية . ها أنا في مركبة رسمية. أجلس جوار سائق سلمته مقود القدر . احس براحة غريبة , لأنني لم أجهد نفسي في البحث عن مكان لهذا الموعد. ما دامت التفاصيل الصغيرة, مهمة القدر , فلأترك للقدر إذن حق التصرف . تركض بي المركبة نحو المجهول. والسائق الذي يعرفني, يعجب لموضوعي , ولا يفهم طلبي العجيب: " خذني حيث رغبت .. أريد أن أتفرج على المدينة". ثم توقفنا عند أحد الجسور. اقتربت من سوره الحديدي , فتفاجئني قسنطينة كما لم أرها في اي يوم من الايام من جسر: هوة من الأودية المخيفة الصخرية . وأخذتني أفكاري . وفجأة خطفتني من أفكاري طلقات نارية انطلقت على مقربة مني . انتفضتُ, والتفت مذعورة ورائي . فلم ألمح سوى شاب يركض ك سهم وسط حشود الناس , ويختفي عند زقاق يتفرع من الجسر . بحثت عن السائق عمي أحمد, وإذ بجسده ممدد على الأرض ودم ينزف من دماغه , ومن صدره. ورحت أصيح للمارة : خذوه إلى المستشفى . بعد فترة اتت مركبة الإسعاف وتم نقله إليها. انتابني احساس بأنني لن أراه ثانية بعد الآن. رحت مع شرطيان إلى المخفر . وهناك سألني الضابط عن الحادثة. ثم غاردت المخفر إلى عالم الفجيعة و الذهول . =موت هذا الرجل جريمة أدب ؟ أم جريمة قدر ؟ وبالتالي إلى أي درجة أنا مسؤولة عن موته ؟ ولكن الأمور بالنسبة لزوجي , لا يمكن أن تكون إلى هذا الحد مبسطة . كانت الأسئلة التي تعنيه محض بوليسية , لا مكان فيها للقدر, ولا للأدب . وها أنا إذن, أمام شرح آخر لوفاة ذلك الرجل , شرح لا يبرأني أيضاً من دمه, ما دمت بجلوسي جواره , حولته في نظر الآخرين من سائق إلى ضابط , و بالتالي جعلته هدفاً لرصاصهم . لقد قتلت ذلك الرجل , لا بجنوني فقط, وإنما أيضاً بطيبتي . وتواضعي المبالغ فيه الذي يجعلني أصر على ان اجلس بجواره , لأهدي إليه وهْمَ التساوي بي . 
 موت عمي أحمد قلب حياتنا رأساً على عقب . فأمام اقتناع زوجي بأنه هو الذي كان معنياً بذلك الإغتيال , قرر أن يأخذ تدابير جديدة أمنية . فهل من عجب أن أصابَ هذا الأسبوع بإحباط يشبه الإنهيار العصبي . يومها لم ينقذني سوى مرور ناصر مصادفة بمنزل والدتي وكنت هناك. لا أذكر كم مر من الوقت على آخر لقاء لنا . ناصر يصغرني بثلاث اعوام ولكنه كان دائماً توأم فرحي و حزني , وتوأم رفضي أيضاً . ثم انكسر شيء بيننا فجأة , منذ زواجي وحل محله شيء من العتاب الساكت . ناصر تقاسم كل شيء مع الوطن وكانت تلك مصيبته . 
لم أعد أذكر أي حدث بالتحديد كان سبباً لدماري و انهياري , وأوصلني حد فقدان شهية الحياة . أمي كانت مشغولة عني بحَجتها . وزوجي مشغول عني بمسؤولياته. وأخي بقضيته, والبلد بمواجهاته. وعندما أردت أن أجد لي رجلاً من الوهم , أطلقوا الرصاص على أوهامي. زوجي قرر أن يبعث بي إلى العاصمة لأرتاح على شاطيء البحر بعض الوقت , حتى مرور تلك الزوبعة . وكانت تلك أجمل فكرة خطرت في باله منذ زمن بعيد , وهدية القدر لي التي .. لم اتصورها في يوم . 
قلما تأتي تلك الأفراح التي ننتظرها في محطة. مذ قررت أنه ليس هناك من حبيب يستحق ان انتظره , أصبح الحب مرابطاً عند بابي. وجئت إلى هذه المدينة بدون اي مشاريع او خطط . كان البيت رائعاً, بيت لا يغري سوى بالكسل و الحب , وربما بالكتابة. والآن لا رغبة لي سوى في تناول فطوري, والخروج صحبة "فريدة" على الأقدام, حتى اقوم باكتشاف هذه المنطقة . سعدتُ اليوم بمشواري الصباحي . أذكر أنني مشيت يومها دون هدف محدد , بانبهار الإكتشاف الأول . و رجعت الى المنزل مع فريدة محملتين بمشتريات.. وأحلام مختلفة . كنا نعيش أنا وفريدة على إيقاع جديد يتناسب مع حياة المصيف في العاصمة. فبالنسبة إلى فريدة التي افنت كل عمرها عبدة في بيت الزوجية, ولم تغادره سوى لتعود الى شقيقها مطلّقة. الحرية لم تكن أكثر من حقها في الحلم . كانت تشعر تجاهي بمسؤولية كونها مكلفة من طرف شقيقها بالسهر على صحتي . 
كان تنتابني كل يوم في وقت القيلولة حالة من الضجر الجسدي . ارتديت فستاني وغادرت البيت حتى اتمشى قليلا . واصلت جولتي بحثاً عن بائع الجرائد . كل شيء أصبح فجأة يغريني بالقراءة . أذكر أنني كنت أطالع واحدة منها , عندما جاءني صوت من الخلف يقول : اتركي الصحف .. لا شيء يستحق القراءة هذه الأيام ! ارتعشت .. والتفت خلفي. وكان هو. تسمرت مكاني و انا مصدومة . قال فجأة: أعترف بأنني لم أتوقع وجودك هنا. قلت: ولا أنا توقعت شيئاً كهذا. واصل و هو يبتسم : أما قلت لك تعلّمي أن تثقي بالقدر ؟ قلت : أذكر ذلك . قال: أنا لم آت حتى اشتري الصحف . الآن بإمكاني أن أقول إنني جئت لالتقي بك ..ولكنني جئت لأشتري سجائر لا غير . مشينا خطوات سوية , ثم توقفنا. قال: أريد أن أراكِ. قلت: لا أدري كيف يمكن أن يتم ذلك . أخذ مني صحيفة كنت أحملها, وخطّ على طرفها رقم تليفون وقال: اطلبيني على هذا الرقم , سنتفق على التفاصيل . و كما التقينا دون سلام افترقنا دون وداع . وأعترف بأنني كنت أتمنى لو أنه بقي أكثر, لو أنه قال أشياء أكثر . 

شيء يجرفني نحوه هذه الليلة . شيء يركض بي. شيء يجلسني جوار هاتف . امرأة مسرعة تطلب أرقامه الستة, وتنتظر كلمة منه . صوته يخترق صمتها يقول : كيف أنتِ ؟ انتظرت تليفونك . يواصل: جميل أن يأتي هاتفك هذا المساء . هي لم تقل شيئاً بعد.. وهو يتحدث إليها كأنه يراها بتداخل الحواس. تقول له أول جملة تخطر في بالها : أحب صوتك. ويجيب: أحب صمتك . قالت : ها أفهم أنك لا تحب حديثي . قال: بل أريد أن أسمع منك ما ارغب , لا ما تقولين. قالت: ماذا تعلم عني ؟ قال : أعرف ما يكفي لأحذرك .. وما يكفي أيضاً لأحبك . قالت : وهل يجب ان أحْذرك ؟ قال : بل يجب أن تحذري الحب .. وتحبيني . قالت: ولكني أحبك. قال : حقاً ؟ ثم قال : أريد أن التقي بك .. أن ألمسك.. أن أقول لك أشياء دون أن نكون مجبرين على الحديث . قالت: لا أدري أين يمكن أن نلتقي, فكل جيراني من الشرطة و الامن .. وهم يعرفون زوجي, ولا يمكن أن أجازف بموعد . قال : إذا شئت بإمكاننا أن نلتقي عندي في المنزل . ولكني أسكن في العاصمة, على بعد ساعة منك بالمركبة .. لا أدري إن كان هذا يلائمك ؟ قلت : دع لي يوماً للتفكير .. سأتدبر الأمر . 
استيقظتُ في اليوم الذي يليه مأخوذة بحالة عشقية. اتصلت به وقلت له: سأزورك اليوم بعد الظهر . فقال : أنا ليس لي برنامج سواك . وبإمكانك أن تأتي متى رغبت في ذلك , ولكن الوضع اليوم لا يوحي بالأمان . أنا أسكن في شارع العربي بن مهيدي.. وهو شارع متفرع عن ساحة الأمير عبدالقادر حيث يتم اعتصام كبير هذا اليوم . فقلت: لا يهم سأسلك طريقاً آخر. فقال : توقعت منك قراراً كهذا.. إنه يناسبك . أفهمت لماذا أحبك ؟ قلت: لا.. لم أفهم , ستشرح لي كل هذا عندما اتي اليك !
 أخيراً ها هي ذي البناية . أكاد لا أجتاز بابها حتى احس أنني أغادر عالماً وأدخل ثانيا . درجها المتسخ لا يهمني البتة . والطوابق الأربعة التي سأصعدها تزيد من حماسي . إن أجمل لحظات الحب .. هي عندما نصعد الدرج ! وقبل أن أدق الباب , يفتح لي فأدخل.. وينغلق الباب من ورائي . ألقي بحقيبة يدي على الكنبة , يقترب مني ويقول : كم اشتقتك ..! قلت : وأنا .. ماذا غير الشوق جاء بي إليكَ ؟ يجلس على الكنبة المقابلة لي. يتأملني وكأنه لا يتعرف إليّ . قلت : أريد أن أرى بعض من رسوماتك . قال: لقد تركتها في مدينة ثانية . يساورني فجأة إحساس بالشك في ما يقوله, وأنه لم يكن يوماً رساماً . كان يتكلم , وكنت مشغولة عنه, بالإنصات إلى يديه. فهو لا يستعمل منهما سوى واحدة : اليد اليمنى. ذهب ليقوم بصنع القهوة واتجهت نحو مكتبته الخاصة. كانت تحتوي على كتب متعددة المواضيع . لا أدري أي مصادفة قادتني إلى كتاب "أعمدة الزاوية" لهنري ميشو, فقد كان هو الكتاب الوحيد الذي وضع عليه الرجل بعض من ملاحظاته . شعرت وأنا أتصفحه أني وقعت على المفتاح الذي يفتح سر هذا الرجل . كنت ما أزال أتصفحه عندما رجع و هو يحمل القهوة بيده . سألته: أيمكنني أن أستعير منك هذا الكتاب. قال: بالطبع . كان صوته ملامساً لمسمعي . ما كدت التفت ورائي حتى وجدتني على حافة جسده. امتدت يده اليمنى على شعري, تلامسه مروراً بعنقي رويدا رويدا , و بعبث مثير. ثم بدأ بتقبيلي. جلسنا على الأريكة , وسألني: فيم تفكرين؟ قلت له : أحب الرجال في عمر الاربعين . قال : إن لي إحساساً بأنني قابلتك في بيت ثاني , وقبّلتك في زمن آخر. ثم نظر إلى ساعته وقال: متى يحضر السائق ؟ قلت له : سينتظرني عند الخامسة.. في الشارع الخلفي. فقال: أمامك ربع ساعة , أنصحك بان تذهبي . الوضع سيء, وقد تحدث مواجهات في الساعات القليلة القادمة بين الجيش و المتظاهرين . وأمام الباب افترقنا دون قبلة, دون سلام. كلمات قليلة قالها: أنتظر هاتفك..أطلبيني حال وصولك حتى اطمئن . لا أتعس من عاشق يهبط الدرج. و ارجع الى المنزل بخوف أكثر وحماس أقل. حال وصولي البيت اتصل بي زوجي ليعلمني بأنه عليّ ان ارجع إلى قسنطينة بعد غد. طلبت ذلك الرجل لأطمئنه بوصولي فقال بعد أن اطمأن على سلامتي: أنا مسافر غداً إلى فرنسا. قلت: ماذا ستفعل في فرنسا. قال: ما سيفعله الناس . أنا لست البطل الذي تتخيلينه . أبطالك لا يمرضون, ولا يشيخون, وأنا متعب ومريض يا سيدتي . قلت: ومتى سترجع . قال: لا أدري.. أنا رجل عابر. وفي اليوم الذي يليه , في الساعة السابعة صباحاً طلبت الرقم وأنا نصف نائمة. كان الهاتف يدق بطريقة شبيهة بالبكاء .. ولكن لم يكن ثمة من أحد ليوقف بكاءه على الطرف الآخر للذاكرة. إنها ملهاة الحب التي تتكرر دائما . الآن فقط يمكن للصمت أن يبكي ... 

نأتي للحب متأخرين قليلاً , متأخرين على الدوام . جاء العيد. ولقسنطينة عيد آخر . أكره الأعياد . وهذا العيد كان أكثر الأعياد بؤسا و حزنا . كان عيد الغياب. ماذا يفعل الناس صباح عيد الأضحى غير الإنقضاض على لحوم الخرفان سلخا و تقطيعا ؟ أطلب زوجي على الهاتف حتى اعايده . أشعر أن هاتفي يفاجأه وربما يفرحه . أسأله إن كان أرسل شيئاً إلى بيت عمي أحمد . يقول إنه نسي ذلك. أجيبه أني سأتكفل بالموضوع . وقبل أن أواصل حديثي يدق في مكتبه هاتف آخر, ويتوقف بيننا الحديث . أطلب من السائق أن يأخذ نصف الشاة إلى بيت ذلك الحزين . وأطلب منه أن يوصلني قبل ذلك إلى المقبرة. تقابلت مع ناصر هناك, وتحدثنا في أمور شتى. في الليل , جلست لياقة لأشارك زوجي العشاء . زوجي كان مرهقاً إلى درجة لم يلحظ معها ان شهيتي قد غابت الليلة . تبادلنا أحاديث عادية, ثم اتجه إلى حجرة نومه وألقى بنفسه على الفراش . أخبرته بلقائي بأخي ناصر فسألني: ألم يخبرك ناصر بشيء عندما التقيت به . قلت : لا, عدا أن أمي عائدة بعد غد من الحج . فقال: ألم يخبرك أنه اعتُقل ؟ فقلت : اعتقل؟ لماذا؟ ومتى حدث هذ ا؟ فقال : إن كثيراً من الشبهات تدور حوله. إن أخاك يثرثر كثيرا . إنه يعتقد أن الأسم الذي يحمله يمنحه حصانة, ويعطيه حق شتم السلطة . لقد تدخلت لإطلاق سراحه هذه المرة , ولكن لا يمكنني أن أفعل هذا في كل مرة . نحن نعيش حالة من التوتر الأمني يجب ألا يكون فيها استثناءات حتى لأقرب الناس إلينا.. لا بد أن تشرحي هذا له ! 
كانت عودة والدتي من الحج, هي كل ما يهمني في هذه اللحظات . سعدت بالإنفراد بها, وكأنني أسرق منها بعض بركاتها , قبل أن ترجع امرأة عادية. وأثناء حضور الجارات , أتركها وأذهب لناصر . قلت: لقد أبلغني زوجي أنك أثناء غيابي اعتقلت . فقال: وهل أبلغك أنه تدخل لإفراجي؟ إنها مراوغة سياسية ليجعلني مديناً له بهذه الخدمة , وليثير حولي الشبهات, ويجعل رفاقي يشكون في مصداقية انّي اعادي السلطات , ما دمت لم أسجن سوى يومين ويبقون هم هناك لعدة أشهر. ماذا بقي لي من اختيارٍ سوى ان ارحل من هنا ؟ استمعت إليه, كمن لا يصدق أمراً لفرط غرابته, أو كمن يرفع الغطاء خطأ مقابلك عن صندوق قمامة. سافر ناصر إلى ألمانيا منذ شهر, وأمي تطاردني بأسئلة عنه, لا أجد لها جواباً, ولا اعلم ماذا أقول لها. أنا ذاتي لم أعرف بوجهته إلا منذ أسبوع. وهكذا أصبحت أستمع برحابة صدر لثرثرة أمومتها و تذمرها , وشكواها ,. ولا أملك إلا أن أستسلم مكرهة لكل مطالبها . وحده الزمن سيدلك على الصواب حين يفقد الآخرون عقولهم . كان يوم 14 يناير 92 يوماً استثنائياً, حتى في اجوائه . فقد توقفت فيه الأمطار التي هطلت قبل ذلك بغزارة , وجاء يوم مشمس . طوال الظهيرة, تعلقت عيون الجزائر بشاشات التلفزة , الكل يريد أن يسمع و يرى هذا الرجل الذي دخل حزب الصمت, منذ ثلاثين عاما . ماذا تراه سيقول؟ منذ الأزل كنا ننتظر بوضياف دون أن نعلم . وفي اليوم التالي استيقظت المدينة بمزاج جاهز للجدل. واستيقظتُ بمزاج مستعد للكتابة , وكأنني لم أجد طريقة للإحتفاء بعودة بوضياف , سوى العودة إلى ذلك الدفتر. فتحته حيث توقف بي الحب, وتوقف بي الحبر, منذ أربعة أشهر, عند قبلة . كانت نيتي أن أكتب شيئاً عن ما يجري في الحاضر , ولكن كانت عواطفي تلوي عنقي نحو الماضي, وتوقظ داخلي رجلاً ثاني , رجلاً قال لي : تمنيت أن أموت وأنا أقبّلك. ورحل. من ساعتها , وأنا أغذي الذاكرة بكلماته المحمومة, كي لا تنطفيء في انتظاره نار الجسد. 
 أحب تلك الهدايا التي تقدمها لك الحياة, فتقلب بمصادفة كل حياتك . في صورة تذكارية تجمع بوضياف مع أعضاء من "التجمع الوطني" أراه, وأكاد لا أصدق عيوني . إنه.. "هو"! خطرت في بالي فكرة , اتجهت نحو الهاتف وطلبت تلك الأرقام التي أحفظها عن ظهر قلب. وفي الدقة الثانية سمعت صوته: كيف أنتِ ؟ قلت له : أأنت هنا ؟ كيف عرفتني؟ يجيب: من صمتك. قلت : اشتقتك.. أريد أن التقي بك .. كيف أراك؟ ماذا فعلت بي لأحبك إلى هذا الحد ؟ سألني : من أين تتحدثين الان ؟ قلت: من قسنطينة.. من المنزل . يرد: اطلبيني من مكان آخر. ويضع السماعة. ذهبت إلى عند والدتي , وطلبته من هناك بينما كانت والدتي تعد الغداء. يسألني: كيف أنتِ. أجبته كمن يحلم: الآن فقط بإمكاني أن أقول إنني جيدة. كنت احيا فراغاً في كل شيء. قال : احذري الفراغ.. إنه يصنع الرداءة. قلت: تبدو فاتر العواطف .. غير مشتاق. رد بنبرة مازحة : بلى, أنا مشتاق وعندي لوعة .. ولكن هاتفك في المنزل مراقب.. وربما هذا أيضاً. تحاشي طلبي من المنزل . أفضل أن تأتي إلى العاصمة. سيكون ذلك أفضل . النساء أيضاً كالشعوب, إذا هن أردن الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. لا أدري كيف قدرت أن أقنع زوجي بفكرة سفري إلى العاصمة للإستجمام على شاطيء البحر, في عز فصل الشتاء قارس البرودة ! من الأرجح أنه مشغول عني بالامور السياسية الجديدة , وأن لا وقت للتجسس على مشاغلي النسائية. عدت بصحبة والدتي إلى ذات المنزل الذي جئته منذ أربعة أشهر مع فريدة. وفي اليوم الذي يليه انطلقتْ بي السيارة ظهراً, سالكة طريق الحب ذاته . وصلتُ إليه . رجل لا إسم له ينتظرني يتأملني. يضمني. وقبلة خلف باب مقفل . يسألني: هل وجدت صعوبة في الوصول إليّ هذه المرة؟ أجيب: الأصعب كل مرة أن أجتاز هذا الباب دخولاً.. وخروجاً! يرد: إذن إبقي هنا ! قلت له: احجزني رهينة عندك .. أيمكنك هذا؟ فأجاب ساخراً : كلنا رهائن للوطن . قلت له وأنا العب بيديه : أحبك. يحتضنني ويسحبني نحوه قائلاً : الحب أن تسمحي لمن يحبك بأن يجتاحك ويهزمك , ويسطو على كل شيء هو أنت . واستسلمت لاجتياح شفتيه لي. لم أكن أملك الرغبة ولا القوة ل مقاومته . اتجهت نحو الحمام كي أجدد هيأتي. استوقفتني زجاجتا عطر على رف المغسلة. قلت له ناظرة إلى علبتَي العطر : ألأنني أبديت اعجابي الكبير بعطرك , أصبحت تشتري منه قارورتين ؟ رد ضاحكاً: لا.. لقد أحضرت معي هاتين القارورتين من فرنسا. كلما سافرت أحضرت واحدة لي , وأخرى لصديقي "عبد الحق". في الحقيقة, هو الذي جعلني أكتشفه. اتاسف اليك , لأني لم أحضر لك شيئاً معي. لقد عدت على وجه السرعة . هل تسمحين لي أن أهدي إليك هذا العطر؟ فقلت وأنا أضع العطر في حقيبتي : تبدو فكرة رائعة . ولكن أتدري ما هو أجمل شيء يمكن أن تهديه إلي ؟ قال: ما هو.. ؟ قلت: الحقيقة ! من حقي أعرف من تكون. ما اسمك ؟ فقال: لي إسمين أحدهما خالد بن طوبال . أردد و انا مندهشة : ولكن.. يقاطعني : أدري.. إنه إسم بطل في روايتك.. ولكنه أيضاً إسمي . أجلس على طرف الأريكة . أتفرج على رجل أتعرف عليه حديثا , وأستعيد آخر كان رساماً من قسنطينة. أيعقل أن يكون هو؟ قلت له: هل هذا هو الإسم الذي يناديك به اصحابك وزملاؤك في الشغل ؟ يرد: طبعاً.. وهو أيضاً الأسم الذي أوقع به مقالاتي. ثم أمام صدمتي يمدني بجريدة على مقربة منه, ويدلني على مقال سياسي يحمل توقيع خالد بن طوبال. ثم قال : تبحثين عن الحقيقة ؟ الكل يبحث عن الحقيقة. لأن الحقيقة تعبر عن ذاتها بشكل سيء . ثم يطفيء سيجارته ويشرع في فك قميصه بيد واحدة . أتذكر أنني لم أره في اي يوم يستعمل معي إلا يده اليمنى كما بطل روايتي . أنتبه فجأة إلى يده اليمنى , والتي تبدو مصابة بشلل يمنعها من الحركة, بينما تظهر أعلاها بعض التشويهات . وبدل أن اعاونه على تزرير قميصه, امتدت يدي تخلع عنه القميص, وراحت شفتاي تتدحرجان على مساحة صدره فتكسوها قُبلاً . 
لا أريد أن أصدق أن ذلك الرجل الذي ما انفك منذ ستة أشهر يقلب حياتي رأساً على عقب , هو خالد بن طوبال, ذلك الكائن المصنوع من حبر الذي خلقته منذ عدة اعوام , ثم نسيته داخل كتاب. هذا الكائن أعرفه عن ظهر قلب. فقد عشت معه ما يقارب الأربعمئة صفحة وما يقارب الأربع اعوام , ثم افترقنا. 
اتصلت به في اليوم الذي يليه في الليل فكان خطه مشغولاً. ثم دق الهاتف أخيراً, وجاء صوته: كيف أنتِ؟ قلت : بي شوق إليك. رأيت أن اهاتفك وكان خطك مشغولاً طول الوقت. قال: كنت اتكلم مع رفيقي عبد الحق. قلت: وهل ثمة من جديد؟ قال: لا..لا شيء, وأنتِ. قلت: أنا.. كنت أريد أن اسمع صوتك . لي كلام كثير إليك, ولكن أصبحت أتحاشى المكاشفة, ربما يتنصتون الآن إلينا . قال: تعالي غداً. أريد أن أسرّب إليكِ جنوني. قلت : ساتي . =ذهبت والدتي إلى أحد الأعراس , وتركتني أستعد لتلك الأفراح السرية التي كانت تهمني للغاية . وذهبت إليه ظهراً. قبّلني دون أن يقول شيئاً. فجلست على الأريكة المقابلة له , احدق فيه و اتامله . سألني فجأة : أما زلت تحبين زوربا ؟ قلت: ربما. قال : بل تحبينه. قلت: أجل. قال: تعالي إذن.. عندي لك ما يناسب مزاجك من سعادة . سحبني من يدي إلى حجرة مجاورة, يؤثثها فراش واسع . ووضع شريطاً لديميس روسوس. كنا على مشارف قبلة, عندما جاءت تلك الموسيقى إياها , مباغتة لنا . في حضرة زوربا.. خلع قميصه الأسود , وراح يجتاحني بحمى من القبل. بذراع واحدة يضمني , ويقول: إنها المرة الاولى التي أطل فيها من نافذة الصفحة لأتفرج على جسدك .. دعيني أراكِ أخيراً . كان يتقدم ويكتسح كل شيء في طريقه. يضع أعلام رجولته , على كل مكان يمر عليه . وكنت أكتشف فداحة فشلي و خسائري من قبله . سألني: هل تحبينني؟ فقلت: طبعاً أحبك.. لم يحدث للحب أن أوصلني إلى الخطيئة من قبل ان تاتي . قال: لقد خفت عليك دائماً من لحظة كهذه . قلت: جميل ما يجري بيننا الان . أريد أن أطالع التاريخ السري لجسدك . أرحني.. قل لي من تكون . قال لي: خالد بن طوبال هو الأسم الذي اخترته لأنه يشبهني. ولأنه مذ وصلتني تهديدات بالقتل كان لا بد أن اختار اسماً أوقع به مقالاتي غير اسمي . سألته: في الحياة.. من أنت ؟ قال: في الحياة..أعمل صحافياً. ولن تصدقيني لو قلت لك إنني منذ ثلاث اعوام كان هاجسي أن اتعرف إليك, بحجة إجراء حوار للصحيفة . وصادف صدور كتابك مع الحادثة التي شلت فيها ذراعي. أذكر أن رفيقي عبد الحق جاءني بكتابك إلى المستشفى. خفته قبل أن أقرأه .. ثم خفته لفرط ما قرأته . صدمني أن أعثر على بطل يشبهني إلى هذا الحد. ويوم رايتك , أصبح عندي يقين بأن حياتي ستطابق بطريقة أو بأخرى , حكايتك معه . لو تدرين كم أحببتك. ثم ضمني إليه وقال: سأعترف لك بشيء.. لا تضحكي منه ! حدث أن غرت من زياد . تصوري لم أغر من زوجك في اي يوم من الايام .. وغرت من كائن حبري . تقاسم معي بطولة ذلك الكتاب . ما زلت احس أنه وُجد حقاً في حياتك , وأنه سبقني إلى جسدك . أضحك وأقول: أيها المجنون.. هذا الرجل لم يوجد أبداً. لقد أوجدته لأنني أحب قصص الحب الثلاثية الأطراف. قال : هل أنت هنيئة و مرتاحة معي ؟ قلت : إن السعادة اكتشاف متأخر. وبعدها تركته . 

ما كدت أخلو بذاتي ذلك المساء, حتى فتحت الدفتر الأسود متصفحة حكايتي مع ذلك الرجل , كما كتبتها يوماً بعد يوم , على ذلك الدفتر. كيف يمكن لقاريء أن يفعل بكاتب كل هذا !؟ دخل هذا الرجل حياتي ذات صيف , مستفيداً من فقداني لأية مناعة عاطفية, وانشغالي بين فصلين, بكتابة قصة حب غير موجودة من صنع وهمي و عقلي . وحبه ليس إلا تصادف اجتماع عدة ظروف استثنائية. وهكذا أصبحت خلاصتي في النهاية , أن على الكاتب أن يفكر كثيراً قبل أن يكتب اي حكاية . ففي أية لحظة, قد تأخد الحياة حكايته مأخذ الجد, وتعاقبه بها, أو تعاقب ذلك الحزين الذي وقع تحت سطوة الكلمات, ولم يعد يدري وهو يقرأها , أين يقع الخط الفاصل بين الحياة و الوهم . 
قررت والدتي ان تعود إلى قسنطينة . خبر تلقيته بمذاق سابق للحزن. أصر على أن لا يكون موعدنا الأخير في منزله , وإنما في مطعم بحري. التقينا في مقهى ارتجله الحب لنا . قلت و انا اعاتبه : كان بإمكاننا أن نلتقي عندك. إنني أريدك..وقد لا نلتقي قبل زمن طويل . قال: لفرط ما أردتك أفهم معنى أن تريديني. ولكن لا بد أن نتعود على الفراق و الحرمان , حتى عندما نكون سوية . قلت: ولكن لماذا؟ قال: لأن قدرنا أن لا نكون دائماً سوية . مذ شلّت ذراعي, تعلمت شيئاً : الأجدر أن يُعرف الإنسان بما خسر , وليس بما يملك. فنحن دائماً نتيجة ما خسرناه في حياتنا . لم تسأليني يوماً كيف خسرت ذراعي, ومتى شلت.. وكيف؟ ألا يعنيك أن تعرفي هذا ؟ قلت: تصورت أن يكون في الأمر إزعاج لك. فقال: ولِمَ يخجلني أمر لست فاعله ؟ جرى ذلك في 88 . كنت وقتها أعمل مصوراً صحافياً. كان العسكر يضعون حاجزاً بشرياً أمام آلاف الشبان الذين راحوا يكسرون في طريقهم كل شيء. أذكر أنني حاولت أن اقوم بالتقاط صورة لعسكري, وهو يقف على مبنى مقر الحزب, موجهاً رشاشه نحو الشارع, عندما انطلق رصاص من ذلك المبنى , واخترق يدي اليسرى . تصوّري, تلك اللحظة التي نزلت كي أصورها, وتختزنها آلة تصويري اختزنها جسدي إلى نهاية عمري . وأصبحت ذاكرة جسد , أتقاسمها مع مئات القتلى و الجرحى . فقلت له : الحقيقة تزيدك إغراءاً . قال لي: هل تحبين زوجك ؟ قلت: حدث أن أحببته. ولكني أحياناً أكتشف مدى بؤسى و تعاستي . أسأله: لو انفصلتُ عنه.. هل تتزوجني ؟ قال : أتزوجك؟ أنت تمزحين ؟ أنا لا أملك شيئاً يا سيدتي . قلت : تلك الشقة التي تعيش فيها تكفينا. فقال : ولكن حتى تلك الشقة ليست لي , أنا أقيم فيها بشكل مؤقت . إنها لعبد الحق . يضع حاملة المفاتيح على الطاولة ويقول: بيننا وبين المتعة مفتاح لا أكثر . ولكنني أرفض أن يتحكم هذا المفتاح فينا, وإلا سيكون في هذا إهانة للحب . علينا أن نجرب لذة الإمتناع, لنكتشف جمالية الوفاء عن حرمان. أقاطعه: لا أفهم, لماذا أغريتني بالخيانة , إذا كنت ستطالبني بالوفاء.. عن جوع ! قال : أنا لم أطالبك باي شيء , أعددتك للإخلاص. إن المغامرة الحقيقية هي الوفاء . قلت : لماذا الأشياء معك معقدة إلى هذا الحد على الدوام ؟ أريد منك كلمات بسيطة, كتلك التي يقولها العشاق وهم على وشك غياب . فقال : لا أريد لنا حباً يقتات بالجمل , حتى لا يقتله عند البعد صمتنا . 

 أعود إلى قسنطينة و انا تحاشى النظر إلى هذه المدينة. هنا شوارع نخاف من عيون عابريها , مطاعم لا نجرؤ على ان نرتادها , بيوت لا يمكن أن ندخلها سوية . هنا مدينة لا تعترف بالحب, إلا في الأغاني . وأنا جئتها بأعراض عشقية . وهل أكثر شقاءاً من عاشق في قسنطينة ؟ 
 زوجي قابلني بطريقة لطيفة مثيرة للشبهات , بدا لي سعيداً برجعتي , أو ربما كان سعيداً لأسباب ثانية . فمذ جاء بوضياف, عاد شيء من الأمان إلى قلوب الناس . هذه الطمأنينة المباغتة , جعلتني أتعلم الإستكانة إلى المكان و الوقت , واثقة بكلام ذلك الرجل. هل تراني تعلمت منه التفاؤل.. أم تعلمت الصبر ؟ حتى إنني كثيراً ما قاومت تلك الرغبة التي تستيقظ داخلي , وتغريني بالتحري لاعرف من يكون عبدالحق. ولكنني قررت أن أترك موعدي مع عبد الحق للحياة , تتدبره كما ترغب . حتى لا أفقد عنصر المفاجأة.. وحتى لا أستعجل الخاتمة . 
 مر شهران, كنت خلالهما أكتفي بوجبات الأحلام, ورشفات حبر سريعة, وأترك للآخرين قهوة النميمة و ولائم الضجر ... ومع ذلك, قبلت يومها, حضور دعوة لدى إحدى القريبات, بمناسبة نجاح ابنتها في امتحان ما. كنا في نهاية حزيران. وكانت النساء من حولي يتبادلن اطراف الحديث , ورحت أتابع, بين حين و حين , خطاب بوضياف على التلفزيون. كان بوضياف في وقفته الأخيرة تلك مولياً ظهره إلى ستار القدر .. أو ستار الغدر . يبدو واثقاً وبريئاً وشجاعاً وساذجاً . لا أدري عن أي شيء كان يتحدث وقتها . أذكر أن آخر كلمة قالها كانت "الإسلام..". وقبل أن ينهي جملته , كان أحدهم , من المسؤولين عن أمنه , يخرج إلى المنصة من وراء الستار الموجود على بعد خطوة من وراءه , ويلقي قنبلة تمويهية .. جعل دويّها الحضور ينبطحون جميعهم على الارض . ثم راح يفرغ سلاحه في جسم بوضياف, هكذا مباشرة امام أعين المشاهدين, ويغادر المنصة من الستار ذاته . ذلك كان قدر بوضياف مع حزيران الوطن. منذ أربعين عاما , في الشهر ذاته , اقتاده رفاقه إلى سجون الصحراء. ثم جاء به الوطن, كي يحكمه 166 يوماً, وها هو يكافئه ذات حزيران.. بكفن ! لم أغادر يومها المنزل كي أشارك في تشييعه, فكان حزني أكبر من أن أتقاسمه مع أحد. 

أسبوعاً بعد اسبوع , موتاً بعد موت , كنت أعي أنني أعيش عمراً قيد الإعداد. فأنا امرأة تعيش بين رجال ثلاثة , حياتهم معلقة برصاصة القدر. أعيش بين شقيقي ناصر الأصولي الذي تطارده السلطة, وبين زوجي العسكري الذي يتربص به الأصوليون, وذلك الصحافي الذي اعشقه , فكيف يمكنني أن أعيش خارج دائرة الخوف ؟ حاولت الإتصال بذلك الرجل الذي أحببت ولكن دون اي فائدة , وهو الأمر الذي زاد من وحدتي . 

ذات صباح استيقظت, وبي رغبة للتحرش بالذاكرة . ولم أجد لي سوى مكان واحد حتى يوصلني اليه , أو إلى عبد الحق. فغادرت منزلي دون السائق وذهبت إلى مقهى الموعد. جلست أمام أمكنة الحب الفارغة . أترقب رجلاً.. تعودت أن أنتظره و انا صامتة . لم يكن في المقهى ما يمكن أن يثير فضولي . فرحت أتأمل بين الحين و الحين , شاباً في مقتبل العمر, يجلس على بعد طاولة مني, يطالع صحيفة . كدت أغادر المكان عندما رأيت الشاب يفتح على صفحة داخلية, وإذ بي ألمح خبراً في اول صفحة من الجريدة. كان الخبر ينقل مقتل عبدالحق !! ذهبت إلى الشاب, ولكنني لم أجد في صوتي شجاعة سوى لطلب تلك الصحيفة منه .. فناولني إياها.. ومضى. قرأت الجريدة. إنه عبدالحق إذاً.. الرجل الذي كان يجلس بقميص وبنطلون أبيض على هذه الطاولة نفسها .. في ذلك اليوم. أذكر.. أنه كان لا يتوقف عن التدخين و الكتابة .. 

رجعت إلى المنزل محملة بأكثر من جريدة باللغتين. هاهو ذا عبد الحق إذن..! أصبح بإمكاني الآن أن أطالع الصحف .. وأعرف من هو. هو ليس سوى صحافي. وجدتني, بحركة تلقائية, استخرج صورته من الصحيفة , وأخفيها بين أوراقي . 

في اليوم الذي يليه , استيقظت باكراً على غير عادتي . والأرجح أنني لم أنم . كنت أبحث عن طريقة أعيش بها ذلك اليوم, بما يلائمه من جمالية الألم. حاولت أن أكتب فلم اقدر على ذلك . كان ذلك الرجل الذي اختفى منذ شهرين, قد فرش لي حقولاً من الألغام في كل الطرق المؤدية بي إلى الكتابة. ولكن.. لا بدّ أن أكون هناك, كي أواصل حضوري الخفي , في آخر مشهد من قصة حب جئت أشيع فيها عن بعد رجلاً اعرف من هو ولا يعرف من انا , وأبحث عن آخر يعرفني.. وما زلت لا أعرفه. ولذا وصلت إلى تلك المقبرة , بتوقيت يكون معه الآخرون قد انتهوا من مراسم الدفن , دون أن يكونوا قد غادروا المقبرة بشكل كامل , عساني أعثر بينهم على ذلك الرجل. ثم انسحب الجمع , وأنا أقف وحيدة, وذلك الدفتر الأسود في يدي. عسى ذلك الرجل, إن جاء.. أن يستدل به عليّ. ولكنه لم يأتِ. أقترِبُ من القبر. لم أبكِ, وأنا أضع ذلك الدفتر على كومة التراب و امشي ! أمام المواقف غير المتوقعة التي تضعنا الحياة فيه ا, أحب أن يتبع المرء مزاجه السري, ويستسلم للفكرة الاولى التي تخطر براسه , وكانت تلك الفكرة, تشبه كاتبة عرفتها . حتى راحت الحياة بدورها, تلعب معها, لعبة تحويل كل ما تكتبه إلى حقيقة. أغرب ما يمكن أن يجري لكاتب و روائي , أن يكتشف أنه مع كل صفحة يكتبها, يكتب عمره القادم . وأنه برغم ذلك لا يستطيع رفع دعوة على الحياة لأنها طابقت خياله, وقلدت قصته تقليداً فاضحاً . 

هي الحياة إذن. برغم بؤسي و مرارتي .. غادرت المقبرة شبه سعيدة. أجل, كانت تسعدني فكرة التخلص من ذلك الدفتر, فقد أتعبني البقاء سنة على قيد الكتابة, بحجة أنها الوسيلة الوحيدة المتبقية التي تجعلني على قيد الحياة. عدت امرأة منزوعة الشهوات. لم يبق لها من تلك القصة سوى عطر اختزنه جسدها. وما زالت تتعطر به لتتحرش بالذاكرة. الرائحة.. هي آخر ما يتركه لنا الذين يغادرون , وأول ما يطالبنا به العائدون . زوجي استفاد من اهتمامي المفاجيء به , لينقذ علاقة اجتاحها برود لم يجد له سبباً. فراح يحاول استعادتي بتفاصيل صغيرة . وأمي كعادتها, لم تفهم شيئاً مما حل بي . و يوم امس .. قضت النهار وهي تملي عليّ رسالة إلى ناصر. وهذا الصباح, ما كادت تستيقظ حتى ارسلت في طلبي حتى تذكرني بارسالها . كدت أسلمها إلى زوجي , ليتكفل بها, ولكنني انتبهت أنني لا بد أن أخفي عنه العنوان الذي يسكن فيه ناصر. ففعلت ذلك بيدي . 


                                             النهاية.