الجمعة، 16 مارس 2018

تلخيص رواية: 
عابر سرير: أحلام مستغانمي 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

 


كنا مساء اللهفة الأولى, عاشقين في ضيافة المطر, رتّبت لهما صدفة القدر موعداً خارج المدن العربية للخوف . نسينا هذه الليلة أن نكون على حذر, اعتقادا و تصورا منا أن باريس تمتهن حراسة العشاق. كنا في غرفة الجلوس جالسين مقابل بعضنا البعض , على مرمى خدعة من المخدع. عاجزين على انتزاع فتيل قنبلة الغيرة تحت سرير اصبح لغيرنا . لموعدنا هذا, كانت تلزمنا مناطق ليس بها اي الذكريات , مجردة من مؤامرة الأشياء علينا, بعيدة عن كمين الذاكرة . فلماذا اتيت بها إلى هذا البيت بالذات, إذا كنت تخاف أن يتسرب الحزن إلى ارجلها ؟ ذلك أن بي شغفاً إلى ارجلها . وهذه حالة جديدة في الحب. فقبلها لم يحدث أن تعلقت بأقدام النساء . 

اشتقتها ! كم اشتقتها , هذه المرأة التي لم أعد اعلم ما هي صلة قرابتي بها , فأصبحتُ أنتسب إلى ارجلها . أنا الرجل الذي يحب مطاردة شذى عابرة سبيل, تمر من دون أن تنظر لي . أذكر يوم صادفتها في ذلك المقهى, منذ أكثر من عامين , لم أجد سوى ذريعة الموسلين لمبادرتها. سائلاً إن كانت هي التي رأيتها مرة في حفل زفاف , و كانت ترتدي ثوباً طويلاً من الموسلين الأسود . ارتبكت. اعتقد انها كانت ستقول "لا" ولكنها قالت "ربما". أحرجها أن تقول "نعم". في الواقع, لم نكن التقينا بعد . لكنني كنت أحب أن أختلق , , ذكريات ماض لم يكن مع امرأة مثلها . بدأنا منذ تلك الدقيقة نفصّل قصة على قياس ثوب لم يوجد في اي يوم من الايام في خزانتها . 

أتذكر, يوم انفتحت حقيبة تلك المرأة أمامي للمرة الاولى , كنت يومها على سرير المرض في المستشفى , عندما خطر على بال زميلي في الجريدة عبد الحق , , أن يهديني ذلك الكتاب.. كتابها. كنت أتماثل للشفاء من رصاصتين تلقيتهما في ذراعي اليسرى, وأنا أحاول التقاط صور للمتظاهرين أثناء أحداث أكتوبر 1988. كانت المدينة تشهد أول تظاهرة شعبية لها منذ الإستقلال, والغضب ينزل إلى الشوارع للمرة الاولى , ومعه الرصاص والفوضى والدمار . لم أعرف يومها, أتلقيت تينك الرصاصتين من أعلى أحد المباني الرسمية , عن قصد أم عن خطأ؟ تماماً, كما سوف لن أدري في اي يوم من الايام : أعن قصد, أم عن مصادفة جاءني عبدالحق بذلك الكتاب . ليس الحب, ولا الإعجاب, بل الخوف الكبير هو أول إحساس فاجأني أمام ذلك الكتاب. كنت أدخل مدار الحب والذعر معاً , وأنا أفتح ذلك الكتاب. منذ اول صفحة تبعثرت أشياء تلك المرأة على فراش مرضي. ثمة كتب عليك أن تقرأها قراءة حذرة . لكأنها كانت تكتب لتترك أحداً قتيلاً. تلك المشاعر لم افهمها مع زوجتي التي كنت لسنوات أفرض عليها تناول حبوب منع الحمل, مهووساً بخوفي من أن أغتال فتتكرر في طفلي مشاكلي . فكرة أن أترك ابني يتيماً كانت تعذبني, حتى أنني في تلك الفترة التي تلت اغتيال عبد الحق , كنت اصحو من النوم مذعوراً كما على صوت بكاء رضيع . 

 مع "حياة", اكتشفت أن الأبوة فعل حب , وهي التي لم أحلم بالإنجاب من اي احد غيرها . إن كنت أجلس اليوم لأكتب, فلأنها توفت . بعدما قتلتها, عدت لأمثل تفاصيل الجريمة في كتاب. كي تشفى من مشاعر غرامية , يلزمك رفاة حب, يلزمك قبر وشجاعة ورخام لدفن من كان أقرب الناس إليك. ليس البكاء مسالة نسائية . لا بد للرجال أن يستعيدوا حقهم في البكاء, أو على الحزن إذن أن يستعيد حقه في التهكم . بلغني أنني حصلت على جائزة هذه السنة , لأحسن صورة صحفية في مسابقة "فيزا الصورة" في فرنسا. ربما حصلت عليها لأنني سرقت تلك الصورة من فك الموت. كنت أعرف قيمتها حتماً , وقد كلفتني عشر اعوام , عطباً في ذراعي اليسرى. كل مصور حرب , مشروع قتيل يبحث عن صورته وسط الدمار . كنت دائم التخيل و التصور ان الصورة , كما الحب, تعثر عليها حيث لا يمكن ان تتوقع . إنها ككل الأشياء النادرة.. هدية المصادفة. المصادفة هي التي قادتني إلى تلك القرية ذات صباح . كانت القرى الجزائرية أمكنة تغريني بان اقوم بتصويرها . ربما لأن بها مخزوناً شاعريا في ذاكرتي مذ كنت أزورها في مواكب الفرح الطلابي في السبعينيات, للإحتفال بافتتاح قرية ضمن مشروع ألف قرية اشتراكية. وفي القرية رأيته ذلك الصغير الذي يجلس وحيداً على رصيف الذهول؟ كان الجميع منشغلين عنه بدفن الموتى الذين قتلهم القتلى . أخبرني أحدهم أنهم عثروا عليه تحت الفراش الذي كان ينام عليه والده. لقد أطبق الصمت على فمه, وعيناه الفارغتان تبدوان كأنهما تحدقان في شيء يراه وحده. حتى أنه لم ينتبه لجثة كلبه الملقاة بالقرب منه . التقطّت صورة لذلك الطفل. أول فكرة اجتاحتني , عندما علمت بنيلي تلك الجائزة عن أفضل صورة صحفية لهذه السنة , هي العودة إلى تلك القرية للبحث عن ذلك الطفل .

 ذات صباح, قصدتُ تلك القرية برفقة زميل . كانت ظاهرة الحواجز المزورة عمّت وانتشرت. كان الناس, حفاظاً على ارواحهم , يتنقلون بلا هويات, ولا بطاقات عمل, وهكذا قمنا نحن الاخرون . كان وصولي لتلك القرية بسلام إنجازاً تفاءلت به . ولكني كنت هناك ضائعا تائها . من الذي سأسأله عن ذلك الطفل, والأجوبة متناقضة في اقتضابها ؟ البعض يقول إن جمعية لرعاية اليتامى تكفّلت برعايته و تربيته . وآخر يقول إن أحد أقاربه حضر واصطحبه إلى قرية ثانية . وآخر يجزم أن الطفل اختفى مُلتاعاً. فانتابني حزن لا حد له أثناء تركي لتلك القرية . فقد فاجأني منظر الغابة التي تم حرقها من قبل السلطات, حتى يقوموا باجبار الإرهابيين على مغادرتها, بذريعة حماية المواطنين من القتلة. 

 يحدث أن أحن إلى جزائر السبعينيات. كنا في العشرين , وكان العالم لا يتجاوز أفقنا , لكننا كنا نتصور أن العالم كله كان يحسدنا. فقد كنا نصدر الاحلام و الثورة , لأناس ما زالوا مندهشين بشعب أعزل ركعت أمامه فرنسا. كانت لنا أنماط حياة متداخلة بحكم فرحة الإستقلال التي لمت شملنا. كانت الجزائر, الخارجة لتوها من الحرب, فتاة تقع في حب من جاؤوا من كل العالم لإدارة شؤونها و تهنئتها . بالنسبة لي, جاء الحب بولونياً. بحكم الجغرافية التي وضعت تلك المرأة الشقراء في مرمى بصري . كنت في عمر الإكتشافات الأولى مغرما بها و مولع . وعندما تزوجتُ بعد ذلك بعدة اعوام , وجدتني أقيم في حجرة نوم مقابلة لحجرتها . كانت "أولغا" أول "حفرة نسائية" وقعت فيها. قبل "أولغا" لم تكن تهمني النساء, بقدر ما كانت تهمني الحيوانات.. والأشياء. في فراش جدتي لأبي بدأت مشواري كعابر سرير ستتلقفه الأسرة واحداً بعد الآخر. منذ يتمي المبكر, وأنا أقيم علاقة أمومة مع كل ما يحيط بي. أختار لي كل فترة أماً حتى اليوم الذي تصدمني فيه الأشياء, وتذكرني أنني لست صبيا . اليتم, كالعقم, يجعلك تغار من حيوان, وتطالب الله بحق التساوي به ما دمت أحد مخلوقاته . 

باريس ذات أيلول .. كنا في خريف كأنه شتاء . وبالرغم من سعادتي بالسفر, إلا أن الحزن كان يفخخ كل ما يبدو لاي احد غيري كفرح , بدءاً بتلك الجائزة التي تجعلك تكتشف بسخرية مرة أنك تحتاج إلى أسابيع من مهانة الإجراءات , كي تتمكن من الانتقال الى فرنسا , لاستلام جائزة صورة لا يستغرق وصولها بالإنترنت إلى العالم باكمله , أكثر من لحظة. ما كنت لاتصور وأنا أقصد بعد يومين المعرض الجماعي لرسامين جزائريين, أن كل الأقدار الغريبة ستتكاثف في وقت لاحق إنطلاقاً من ذلك المعرض, لتقلب قدري رأساً على عقب. رحت أتجول في ذلك المعرض, عندما استوقفتْ نظري مجموعة لوحات معروضة تمثل جميعها جسوراً. فكرت, وأنا احدق بها و اتاملها , أن ثمة جسوراً تعبرنا, وأخرى تسكننا, حسب قول خالد بن طوال في " ذاكرة الجسد". لا اعلم كيف أوصلني التفكير في ذلك الكائن الحبري الذي انتحلتُ إسمه صحافياً لعدة اعوام . فقصدت المشرفة على المعرض, كي تزودني بمعلومات عن الرسام. فدلتني على سيدة في الاربعين من عمرها , والتي قالت لي: إنها لزيّان, أحد أكبر الرسامين الجزائريين. وبعد حديث كبير معها كنت سأبدي لهذه المرأة إعجابي بثقافتها لولا أن عقلي و راسي كان مشغولاً كلياً بذلك الرسام ولكني احسست برغبة في أن أضمها لصدري, أن أؤلمها, أن أبكيها. قطعت فرانسواز كل افكاري , وفاجأتني معتذرة لارتباطها بموعد, وغادرت المكان . 

 في اليوم الذي يليه , ذهبت إلى المعرض, وسألت فرانسواز عن أي لوحة تنصحني بان اقوم بشرائها ؟ فقالت: إحتكم لذوقك. المهم أن تعلق اللوحة التي تشتريها على جدران فؤادك . سألتها: هل أنت رسامة؟ ردت ضاحكة: إني أعمل "موديلاً". لقد تعرفت على زيان قبل عشر اعوام في إحدى جلسات الرسم. كدت أصيح: "أنت كاترين أليس كذلك؟ قرأت هذا في تلك الرواية." حينها قالت لي : عفواً.. أنت لم تعرّفني من انت . فقلت لها: إسمي خالد بن طوبال.. وأعمل مصوراً صحافياً. أبديتُ ل فرنسواز رغبتي في ان اقوم ب لقاء الرسام . وقالت: إن زيان حالياً يتعالج في مستشفى بباريس, لكن من المتوقع أن يغادر المستشفى حتى يحضر معرضه الفني الذي سيقام بعد عشرة أيام. إنه يعاني من السرطان. وهكذا, في أربع وعشرين ساعة لا أكثر, وجدتني متورطاً في حياة هذا الرجل, من بداياته الكئيبة وحتى أمراض شيخوخته, وصولاً إلى فرنسواز, الجسر الذي يربطني به. 
 عند رجوعي الى الحجرة , وجدت رسالة صوتية من مراد يخبرني فيها بأنه رجع إلى باريس وأنه ينتظر تليفون مني عاجلا . كان مراد مثقفاً معروفاً في قسنطينة باتجاهاته اليسارية , وتصرياته النارية ضد المجرمين . مع مراد , كانت لي ذكريات عديدة , وما توقعت أن تجمعنا مصادفات الغربة في فرنسا ايضا . عندما هاتفته في الصباح عاتبني لأنه تعب في الحصول على رقمي في باريس . في أحد لقاءاتي به في وقت لاحق , ضربت له موعداً في المعرض, بعد أن أبدى اهتمامه بزيارة معرض زيان. حتى يقوم بمشاهدة اللوحات . كنا نتجول بين اللوحات, عندما انضمت إلينا فرانسواز في كلامنا . راحت تسأله بتودد, كيف وجد المعرض. قال مراد: إنني أفهم وجع زيان , وأدري المأساة التي تحملها لوحاته , وأجد في هذه الجسور التي تمتد طويلا وهذه الأبواب المواربة رمزاً أنثوياً. فالباب الموارب هو الغشاء الذي تقبع خلفه كل أنوثة مغلولة بقيد الإنتظار. ما هو مشروع منه ليس سوى تلك الدعوة الأبدية للولوج, أما بعضه المقفل , فذلك هو التمنع القوي و الصارخ للإغواء. نزل علينا أنا وفرانسواز صمت كبير . شعرت بارتباك أنوثتها. كأنما بدأت أبوابها في الإنفتاح أمام ذلك الرجل . كنت على قناعة كبيرة بضرورة إبعاد هذا الرجل عن فرانسوز حتى لا يفسد عليّ مخططاتي ... 

 في صباح اليوم الذي يليه , قصدت المعرض بحثاً عن فرنسواز. لم أكن يوماً رجلاً للمغامرات العابرة , ولا كان يروق لي النوم في شراشف المصادفة , ولكن فرانسواز كانت تهمني لسبب ما , وأصبحت تعنيني لسببين. قد أكون تعلقت بها لحظة شرود في مشاعري , ولكنني الآن أريدها بسبب رجل آخر قررت ألا أدعه ينتزعها مني , فقط لأنه يمتلك جسارة ليست من صفاتي . =برغم درايتي بعدم حضوره , ذهبت حتى احضر افتتاح معرض زيّان الفردي. فرنسواز قالت إنه يكره ان يحضر يوم افتتاح معرض له, لأنه بأضواءه وضوضاءه يوم للغرباء. في غياب الرسام, يجتاحك احساس و شعور بالفقدان, بافتقاد شيء لم تمتلكه بعد . يجتاحك البؤس من أجل رجل لن تراه. عندما تركت ذلك المعرض, فكرة واحدة كانت تزداد رسوخاً داخلي: أن أطارد طيف هذا الرجل حتى منزل فرانسواز, كي أواصل تباعاً لملمة سره . 
غادرت الفندق الصغير الذي كنت أقيم فيه منذ ما يقارب الثلاثين يوما , وأعددت حقيبتي لاقوم بسفر على حين غرة نحو منزل فرانسواز , بعد أن دعتني إليه. وضعتني فرنسواز, بكثير من الترحاب , في الغرفة المجاورة لحجرتها . كنت أنا أريد امرأة نصفها طاهر, ونصفها عاهر, أتكفل بإصلاح أو إفساد أحد نصفيها . فبكل نصف فيها كنت أقيس رجولتي. فرنسواز كانت بهذا المقياس ، كانت فرانسواز اختباراً سيئاً لرجولتي . حتماً, كان الفراش في ذلك الموعد الأول مزدحماً بأشباح من سبقوني إليه, ووحدي كنت أشعر بذلك محاولاً استنطاق ذاكرته . صمت الأسرّة إحدى نعم الله علينا, ما دمنا, حيث حللنا, كلنا عابري سرير. كان للحب مع فرانسواز مذاق الفاكهة المجففة. لا أكثر كآبة من فعل حب لا حب فيه, بعده تعتريك رغبة كبيرة في البكاء . 

بعد يومين من إقامتي عند فرانسواز, تكلمت مع مراد حتى لا يقيم الدنيا ويقعدها بحثاً عني في باريس , بعد أن تركت الفندق دون ان اخبره بذلك حتى . تحاشيت إعطاءه تفاصيل عن إقامتي الجديدة . واقترحت عليه أن نلتقي في اليوم الذي يليه . ففاجأني بقوله: سأنتظر غداً ناصر عبدالمولى. سيقيم عندي.. وستحضر امه التي لم يرها منذ عامين إلى هنا أيضاً. وهكذا زف مراد لي خبرين : خبر مجيء ناصر, وحتمية مجيء شقيقته برفقة والدتها. فلم يكن من المعقول أن تأتي امه بمفردها إلى باريس !! أذهلتني صاعقة المفاجأة. أحقاً ستأتي تلك المرأة , والتي لفرط انتظارها ما عدت أنتظرها ان تاتي . تلك التي لم يتخل عنها يوماً رجل, تخليتُ عنها, خشية أن تتخلى هي عني . كنت رجل الخسارات الإختيارية بامتياز. ما كان لي أن أتقبل فكرة أن تهجرني امرأة إلى رجل ثاني . =كانت حياتي مع فرانسواز قد بدأت جميلة و هادئة , ولكن بدون لهفة وشغف. في حياة المصور كثير من الوقت الساكن , من الساعات المهملة, ومن تلك الحياة البيضاء التي تسبق الصورة. أخذت حماماً ونزلت أكتشف الحي الذي أقام فيه خالد لاعوام طويلة . كنت أتسقط أخباره, أتعقب آثاره. كنت أختبر الإفتتان ببطل رواية . كنت أعي أن موعدي مع زيّان, أياً كانت نوعية العلاقة التي ستتم بعده, والنتائج التي ستنتج عنه , هو حدث في حياتي . وعليّ أن أستعد له بذلك القدر من الحيطة الشاعرية , حتى لا أفسده خصوصاً بعد أن أخذ مني الأمر شهراً من مطاردة فرانسواز لإقناعها بضرورة أن اتعرف عليه .. ولو على فراش المرض . 

اشتريتُ باقة ورد و ذهبت اليه . نهض زيّان يسلم عليّ بحفاوة. جلس قبالتي. هاهوذا إذن . كان يرتدي همّ العمر بكل اناقة و لياقة . كان وسيماً, بحاجبين سميكين بعض الشيء. وكانت له عينان طاعنتان في الإغراء, ونظرة متعبة , لرجل أحبته النساء, لفرط ازدرائه للحياة . قلت: أنا أحب أعمالك الفنية . كنت أسأله عن حرب التحرير , وكانت إجاباته مغلقة لا إضافة لك عليها , لكنني كنت أبحث عن اي مدخل يقوم بايصالي اليه ، عساني أعرف إن كان له ماض يطابق ماضي خالد في ذلك الكتاب . وقعت في حب ذلك الرجل, في حب لهجته , في حب استعلائه على الألم وانتقائه معزوفة وجعه . وفجأة علمت ما هو سر الجاذبية التي تجتاحه . كانت تكمن في كونه أصبح حراً. عندما ما عاد لديه ما يخسره أو يخاف عليه . 
دفعة واحدة قررت الحياة أن تغدق عليك بتلك المصادفات الكبيرة في سخائها, إلى حد إرعابك من سعادة لم تحسب لها حساباً . لم أكد أصدّق لقائي بزيّان حتى كنت في اليوم الذي يليه أتعرف على ناصر. منذ غادرت الجزائر ما رجعت ذلك الصحافي ولا المصور الذي كنته. صرت بطلاً في رواية, أو في فيلم سينمائي يحيا على أهبة مباغتة ؟

جميلٌ ناصر . كان كما تصورته . وجميلاً لقائي به كان . ضممته فشعرت للحظة أنني احتضنت التاريخ والحب معاً, فقد كان نصفه "سي الطاهر" ونصفه "حياة". بدا مراد اكثر انسان سعيد بيننا . كان يحب لم شمل الأصدقاء. وكان دائم البحث عن مناسبة يحتفي فيها بالحياة . سألت ناصر: هل ستقيم امك هنا معك ؟ فقال: لا.. ستسكن مع شقيقتي في الفندق. لكنها ستزورني هنا بالتاكيد .. لا أدري بعد كيف ستتم الأمور . قال الشيء الوحيد الذي كنت أريد ان اعرفه . هي ستأتي إذن! وكيف لهذه المصادفات العنيفة في كرمها , أن تكتمل بدون مجيئها . دخلت في حالة شرود. ورحت أفكر بعيداً في مصادفة قد تجمعني بها أو اي حجة تعطيها علماً بوجودي هنا. كيف لي أن اعلم في أي فندق ستقيم؟ وإذا كان زوجها سيرافقها أم لا ؟ أغراني ناصر بسهرة قد لا تتكرر . ووجدت في قضائي ليلة مع ناصر, حدثاً قد لا يتكرر فأنا لم أنسَ لحظة أنه شقيق تلك الفتاة التي أحب. كان مراد أثناء كلامنا قد توجه نحو آلة التسجيل ووضع شريطاً لأغنية قسنطينية. وقف مراد , والسيجارة في طرف شفتيه , يرقص كأنه يراقص ذاته على موسيقى الزندالي . بدا لي فجأة أجمل مما هو. أجمل مما كان يوماً . وفهمت لماذا النساء تشتهيه! 

 صباح الضواحي الباردة , وأنت عابر سرير حيث غفوت , وقلبك الذي استيقظ مقلوباً رأساً على عقب , كمزاج الكراسي المقلوبة . أكان لمزاجي علاقة بليلة قضيتها على سرير أرضيٍّ أتقلّب بحثاً عن جانب يغفو عليه أرقي؟ أنا الذي كنت أختبر أغرب المصادفات , أن أتقاسم حجرة نوم مع أخ امرأة حلمت أن أقضي معها و لو ليلة واحدة ! أين أنجو من امرأة تطاردني حيث كنت ؟ ولكي أستدرجها إلى فخ صدفة القدر , فقد زودت ناصر ببطاقةٍ عن معرض زيّان, واثقاً تماماً أنه سيقوم باخبارها عنه , خاصة بعدما أخبرته بمرضه. عدت إلى المنزل سعيداً, واحتفت فرنسواز بعودتي. شعرتُ أنها اشتاقت لي . قمت بزيارة زيّان للإطمئنان عليه. وما كدت أعود إلى المنزل , حتى اتصلتُ بمراد متذرعاً بالإطمئنان على وصول أم ناصر وسلامتها. فقال لي: وصلت ظهراً بصحبة شقيقته ، وناصر سيبقى لقضاء الأمسية برفقتهما . حينها تنفستُ الصعداء, ولكن بقدر إصراري على رؤية "حياة", كنت لا أريد أن أفقد ابدا احترام ناصر اتجاهي , ولا أن أثير شكوك زيّان أو أسبب وجعه , ولا أن أخسر علاقة جميلة جمعتني بفرانسواز . 
ثمة أيضاً مصيبة الدخول في مدار حب محفوف بالمجازفات و المخاطر , مع امرأة تلاحقها فتنة الشائعات على الدوام , وتسبقها حيث هي حلت عيون المخبرين وأجهزة التنصت . وأنت على الدوام تبقى خائف عليها منها.. وخائف منها عليك ! أن تحب امرأة يحكم زوجها بلداً , بماله ومخبريه, يا لغواياتك المكلفة الجميلة.. يا لجنونك يا رجل! لم أستطع ليلتها معاشرة فرانسواز. كان جسدي سبقني وراح يبحث عنها في عناوين الفنادق. أكنت أفتقدها لأقاصص ذاتي باشتياقها بعد أن عذبني الإمتلاك المؤقت لها؟ وأنا الذي اعرف أنها ما عادت لتبقى , وأنني لن أمتلك منها هذه المرة إلا غبار السفر . لماذا تراني اتعجل لاراها ؟ 
استيقظتُ في الصباح بمزاج سعيد . قصدت المعرض في حدود الثانية عشرة, واثقاً أنها لن تغادر الفندق في وقت باكر . كنت أشك أن تحضر يومها. لكن , لم أكن أريد أن أفوت أي احتمال لملاقاتها .أحب ذلك التبذير الجميل في الحب. وبي ولع بكل أنواع الهدر الجنوني , عندما يتعلق الأمر بغاية عاطفية . وكنت قبل كل هذا رجلاً طاعناً في الصبر , بحكم عملي . كان الوقت يمر مملا و رتيبا . مرت ثلاث ساعات على وجودي في القاعة . قررت أن أقصد المقهى حتى احتسي القهوة . ثم غادرتُ المقهى عائداً إلى المنزل . وعندما رجعت فرانسواز, قالت لي: سأسافر نهاية الأسبوع إلى نيس لزيارة والدتي , وأعود الإثنين صباحاً. وسأقضي بالسفر نهاية الأسبوع وبعد ذلك تقاسمنا الفراش ذاته للنوم , تذكرت زوجتي التي استطاعت أن تسرق مني طفلاً بفضل حجج فراش الزوجية . 

على الدوام كان لي سوء ظن بالفرح, ارتيابٌ من الفرحة الغريبة للعيد . عندما غادرت المنزل متجهاً إلى الرواق. كانت المدينة مزدانة كما لتستخف بي. هي ذي باريس. لو أثلجت الدنيا وهي هنا , يا إله الشتاء, لو تكوم الثلج عند باب منزل و اقفل علينا كي أختبر تلك العدوانية الجميلة للثلج , عندما يتساقط في الخارج و نكون سوية جوار مدفأة الأشواق. لكنها لم تأتِ. والثلج واصل تساقطه داخلي , وأنا اقوم بانتظارها في الرواق . كان لغيابها المحرق الرهيب , غيابها الشهيّ الصقيعيّ, امرأة جميل معها حتى أن تخلف موعداً . عندما يئست من اتيانها لي , عاودتني الحاجة للقاء زيّان. عساني أطمئن على انباءه وأتسقط منه أخبارها. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر عندما قصدته . فاجأتني باقة ورد جوار طاولة فراشه . وجدته فرحا . ربما سعادة المتكيء ضاحكاً على مشاكله . سألني زيان: هل أنت متزوج ؟ فقلت: في بعض الاحيان . وأحياناً أخرى متشرد عاطفي, ولكنني رجل حذر .. ألزم منطقتي و جغرافيتي . وهل أنتَ متزوج ؟ فقال : رفضت الزواج لأنني أكره الخيانة . فلا أكثر كآبة من إحساسك بامتلاك أحد .. أو بامتلاكه لك إلى نهاية العمر . أنا أرفض امتلاك شيء, فكيف أقبل بامتلاك شخص ومطالبته بالوفاء الخالد لي بحكم ورقة ثبوتية. دققت في ذلك الكتاب الموجود على الطاولة المجاورة لفراشه . فضولي جعلني أمد يدي لأتصفحه , غير متوقع المفاجأة التي كانت تنتظرني داخله. فتحت الكتاب , وإذ بي أمام إهداء بخط يدها ! استنتجت أنها زارته هذا الصباح. 
 في طريق العودة إلى المنزل توقفت في مكتبة بحثاً عن كتاب "توأما نجمة" لبن عمار مديان الذي كان زيّان يطالعه . كان بي فضول أن اعلم لماذا أهدته إياه. وما كدت ارجع الى المنزل , حتى اعتذرتُ من فرنسواز وذهبت إلى حجرة النوم مستعجلاً مطالعته . ورغم انشغالها ببرنامج تلفزيوني لم تبدُ فرانسواز سعيدة أن تراني اتركها وحيدة وأختلي بنفسي للمطالعة . كان الأمر حقاً غريباً , فأنا لم أعرف امرأة إلا واعتبرت الكتاب غريمها الأول في المنزل . كان ما يزيد الطين بلة , ويجعل الكتاب ضرة, عادتي القراءة في الفراش . كنت دوماً أدعو الكتب التي أحبها إلى حجرة نومي لاعتقادي أن الكتب الجميلة كالفتيات الجميلات , لا يمكن مجالستهن بالصالون, ولا بد أن تراودك الرغبة في أن تخلو بهن .. في فراش . 
أعتقد أنني خلال اعوام طويلة للغاية ما أقمت علاقة جميلة سوى مع الكتب. بعض هذه العلاقات كانت تضاهي في طقوسها و شغفها شيئاً شبيهاً بالخيانة الزوجية , مما جعلني أتعاطاها في بعض الاحيان سراً متبرءاً من شبهتها , خاصة عندما كنت أقضي وقتاً طويلاً و انا منشغل عن زوجتي النائمة بالقرب مني , بمطالعة كتاب يعطيني من متعة المعرفة والمباغتة , أكثر مما يعطيني جسدها الذي احفظه عن ظهر زواج ! ونجحت في قراءة ذلك الكتاب الصغير الذي اشتريته , قبل أن تلحق بي فرانسواز وتنزلق تحت الاغطية .. وتمنعني من إنهاء صفحاته الأخيرة . 

ثم جاءت. انخلعت أبواب الترقب على تدفق ضوئها المفاجئ . توقف القلب دقة عن الخفقان كما لالتقاط الأنفاس من شهقة. أيتها السماء.. يا جبال الألب الممطره .... خذوا علماً أنها اتت . التقينا إذن .. هي ذي .. كيف يمكن فك الإشتباك مع عيونها . كل ما أردته كان النظر إليها بعد هذا الغياب. كانت تبدو كشجرة ليمون . تساقط زهرها على حين غرة عندما رأتني. كان آخر مكان توقعت أن تراني فيه هو باريس , في معرض رسام أنكرت وجوده خارج كتاب . قالت: شيء غير معقول . ما توقعت أبداً أن أراك هنا ! فقلت: هي حياة ندين بها لمصادفة اللقاءات . ماذا أفعل إذا كان كل شيء يعيدك إليّ . قالت: اعتقد انك غيّرت عنوان إقامتك منذ ذلك الحين! أجبت مازحاً: كما ترين : كلما هممت بمغادرتك تعثرتُ بكِ . بالمناسبة.. أجمل ما يحدث لنا لا نعثر عليه بل نتعثر به . 

النشوة معها حالة لغوية . لكأنني كنت أراقصها بجملي و كلماتي , أخاصرها, أطيرها, ألملمها أبعثرها ,. وكانت خطى كلماتنا دوماً تجد إيقاعها منذ اول جملة . ها هي ذي تفتح باب قاعة لتزور معرضا فتراني . إنه ليس زمن التانغو, بل أزمنة الفالس, وارتباك اولى خطواتها بجُمل منتشية, كتوتر شفتين قبل قبلة , لامرأة بلغت في غيابي العام الثلاثين لها .. وبعض قُبَل. ويلزمها سبع قبلات ثانية . الأشياء معها تبدأ كما تنتهي : على حافة اخر ربع من الساعة . 
كانت تتأملني بارتباك المفاجأة . دخلنا صمتاً في حوارات كبيرة لحديث لم يكن مهماً. سألتها إن كانت تعرف الرسّام . قالت: لا.. على الاطلاق . قلت مستدرجاً إياها لاعتراف ما : بربك ما الذي اتى بك الى هذا المكان ؟ فقالت: إنها مصادفة لا أكثر .. أمدني شقيقي ناصر ببطاقة إعلان عن هذا المعرض لعلمه أنني أحب الرسم . لم أفهم سر إصرارها على إنكار وجود هذا الرجل ذات يوم في حياتها . ونظراً لاختلاف إسم الرسام عن إسم بطلها , ربما اعتقدتْ أن الكذبة مشيت علي . سألتها وأنا أشعل سيجارة : هل كتبتِ شيئاً خلال هذين العامين ؟ ردت بصوت غائب : لا. لم تضف شيئاً على تلك الكلم ة, أي تبرير يمكن أن يغيِّر وقعها . شعرت بلسعة الألم وبوجع الإعتراف الذي تلقيته كإهانة لعشقنا . ألم يبق من اشتعالات ذلك الزمن الجميل ما يكفي لإضرام نار الكلمات في كتاب ؟ أهي لم تحبني إذن ؟ وما أحبت فيَّ سوى خالد بن طوال, الانسان الذي كنت أذكَّرها به والذي كانت تقول إنه أحد ابتكاراتها الروائية . ولكن لم اعلم لماذا, برغم ذلك, لم يزدني كلامي معها إلا اشتهاءاً لها. 
كاتبة مشغولة بالتهام الحياة عن كتابة الروايات , تفتح شهيتك لالتهامها. ها هي ذي. وأنا شارد بها عنها, نسيت كل مآخذي عليها . نسيت لماذا افترقنا.. ولماذا كرهتها. وها أنا الآن أريدها , فوراً, بالتطرف نفسه. فقلت لها : أي ساعة أراك في اليوم المقبل ؟ قالت: أأنت على عجل ؟ قلت: أنا على امتلاء . فقالت : يؤلمني أنك ما زلت لا تعلم كم أنا جاهزة لأدفع مقابل لقاء معك. ولكن عيون زوجي مبثوثة في كل مكان . سألتها بعد صمت : حياة هل أحببتني ؟ فقالت: لن ارد عليك . أرى في سؤالك استخفافاً بي, وفي جوابي عنه استخفافاً بك . قلت : أريد أن أراك لا بد أن تتدبري لنا موعداً . فقالت : لا اعتقد اني اقدر ان اتحايل على ناصر وأمي معاً . فقلت ضاحكاً : ولماذا إذن أنت روائية ؟ 
 تركتها تسبقني بخطوات , بعد أن تركت لها رقم تليفوني , ورحت عائداً إلى المنزل خوفاً على جمال فرحة قد أفضح بها . ثاني فرحة كانت سفر فرانسواز صباح الغد. وجدتها تعد حقيبة سفره ا, و فرحت للغاية بأنها لم تتحرش بي. كان عقلي كله عند "حياة" , ولم اعلم أن عقلها أيضاً كان عند رجل ثاني ! طلبت ناصر للإطمئنان على امه . بدا محتفياً بي, وأصر على دعوتي يوم السبت للعشاء عند مراد لأن امه ستحضر لتعد لهم أكلاً قسنطينيّاً ! 

 في اليوم الذي يليه استيقظتُ باكراً كي أتناول فطور الصباح مع فرانسواز, وأودّعها بما يقتضيه الموقف من حب . أوصلتها إلى باب البناية ثم رجعت الى البيت . لفرط انشغالي ب "حياة" كدت أنسى انتظاري لها. كنت ما أزال أستعيدها عندما انتفض الفؤاد ورن ذلك الشيء الذي كان ينتظر صوتها ليصبح تليفونا بحق . قالت: صباح الأشواق.. لماذا تأخرت في الرد. أمنهمك أنت في جمع الحطب؟ يا إلهي كيف بذلك القليل من رذاذ صوتها أيقظ كل الأعاصير الرائعة بداخلي. فقلت: أيتها القطة الضالة تحت مطر باريس, لا موقد لك غيرك .. تعالي كي يشتعل البيت ناراً ! تمنيت لو حادثتها لوقت اطول قليلا . كان لصوتها جسد, وكان له ملمس و رائحة , وكان كل ما أحتاجه لأبقى على قيد الفرح . قالت لي إن ذلك الهاتف كان مسروقاً من غفلة الناس , وإنها لن تتمكن من لقائي اليوم بسبب محاصرة ناصر و امها لها. ولكنها زفت لي فجأة خبراً كصاعقة غرامية : عثرت على حيلة تمكنني من أن أقضي ليلة الغد بالقرب منك . تصور من الأسهل أن أراكَ ليلة باكملها على أن أراك نصف ساعة من النهار. ستقيم أمي عشاءاً لناصر ولبعض اصحابه حيث يقيم, ومن الأرجح أن تنام هناك. ولا يمكنني أن اقوم بمرافقتها الى منزل رجل غريب وأنام عنده. كما لا يمكنني البقاء وحدي في الفندق. لذا قررت أن أبقى الليلة عند بهية. إنها إبنة عمي الذي كنت أقيم عنده أيام الجامعة . استنتجتُ أن الموضوع يتعلق 

بالعشاء الذي دعاني إليه ناصر في منزل مراد. دعوتها إلى بيتي, واتفقنا على أن ألقاها في مقهى ميرابو عند مخرج محطة المترو. كان الحب معها تمرين خطر وكان عليه أن يبقى كذلك فعلى كل البساطة التي تلفها ما كانت امرأة تملك حق المجازفة ككل النساء. حرك ذلك الهاتف أحاسيس وليدة متناقضة مشاعر عنيفة في جموحها, عاودتني تلك الأمنية نفسها : ليت صوتها يباع في الصيدليات حتى اشتريه . إنني أحتاج صوتها لأعيش أحتاج أن أتناوله ثلاث مرات في اليوم مرة على الريق ومرة قبل النوم ومرة عندما يهجم عليّ الفرح او الحزن كما الآن . 

 على يمين الذكريات, قبالة الضفة اليسرى لنهر السين, كانت كراسي تنتظر لقاء صدف القدر , وطاولات تحتسي الضجر المسائي, وكان ثمة أنا. أنتظرها على مرمى منزل خارج من كتاب. كنت شارداً بها خلف زجاج الترقّب حين فاجأني بريق طلتها . سلمت عليها ووضعت قبلتين على خديها. فباريس تجيز لك سرقة القبل . سحبتْ كرسياً وجلستْ مقابلي تماما . قالت: ضعتُ في متاهات الميترو.. ما الذي أوصلك إلى هنا؟ ما سمعت بهذه المحطة من قبل ! طبعاً لم أصدّقها. تركنا المقهى و ذهبنا الى البيت . واصلت التحرش بها وأنا أراها تسبقني بخطوات إلى المنزل قلت لها: حضورك يورطني دائماً في الأشياء الجميلة. 

عندما فتحتُ باب المنزل الذي أقيم به, شعرت وأنا أنير البيت أن نظرتها تتفقد المكان كما لتطمئن على سلامة الاثاث . قررت أن أمضي في لعبة التغابي إلى أقصاها. ما دام لم يبدُ عليها أي رد فعل غريب . قالت: اشتقتك .. كم انتظرت هذا اليوم . في الواقع , كانت لا تزال تحت وقع إرباك المكان, ولا تجرؤ على سؤالي كيف وصلت إلى هذا المنزل , ولا ماذا أفعل هنا. رحت أتأمل ملامح وجهها بعد مباغتة القبلة الأولى. ما كانت لي رغبة سوى ان احدق بها . جلستُ على الأريكة قبالة الموقد, أنظر إليها, وهي تتنقل في الصالون متأملة تمثال فينوس واللوحات المعلقة على الجدران. سعيداً بتأملها, شيء بها كان يذكرني باولغا جارتي البولونية.وكنت أعطيتها فستاناً أسود كنت قد اشتريته خصيصاً لها. أخذته إلى الحجرة القريبة لتقوم بتجربته . لم ألحق بها, رغم استعجال الجسد وجوعه, كنت أسعد بمتعة تأجيل متعتي , كفاكهة تدري أنها لك, ولكنك تؤجل التهامها . 

حاولت أن أستعين على انتظارها بالبحث عن شريط يليق بالمناسبة وضغطت على زر جهاز الكاسيت. وقفتْ مقابلي تماما , وكنت أتأمل غرابة فتنتها التي لا منطق لها. لم تكن اجمل فتاة . قطعاً ما كانت الأجمل, ولكنها كانت الأشهى. كانت الأبهى. وهذا أمر لا يمكن ان اقوم بتفسيره على الاطلاق , كغرابة صوتها الذي يحدث اضطراباً كونياً بكلمة . قلت لها: "حياة"..اشطحي لي. فاجأها طلبي . و بخجل قسنطينة عندما ترقص للمرة الاولى في حضرة رجل, راح جسدها يتهادى. ورقصنا بنشوة الحزن المتعالي.

 انحنت "حياة" تخلع ما بقدميها , وتواصل الرقص حافية الشهوات, على إيقاع خلخال أوهامي. ولفرط سحرها و جمالها , لم أتنبّه لحظتها لإمكان إزعاج الجيران. توجهت نحو المسجل أخفِّض صوت الموسيقى . رحت أقبّلها طويلاً . قبلة تأخرت كثيراً حتى لكأن عليها أن تغطّي نفقات سنتين من الإنتظار. فوحدها القبل بإمكانها أن تعيد إليك عمراً ضاع منك هباءا , بالرغم من حملك أثناءه .. ساعة في معصمك . قالت لي: ما علاقتك بهذه المرأة التي تغطي صورها كل مكان في هذا المنزل الذي تستقبلني فيه ؟ وهنا بدأت باستنطاقي عن فرانسواز. قررت أنا أن أتراشق معها بجمر الغيرة. فقلت: صديقة أقيم عندها منذ ما يقارب الشهر . تلقفتني "الحفر النسائية" بعدكِ. لكن في كل امرأة مررت بها تعثرت بكِ ! ردت بضحكة: لكثرة ما تعثرت بي في كل حفرة , أتوقع أن تكون قضيت الوقت أرضاً, هل استمتعتَ بذلك؟. تمادياً في إيلامها, تجاهلت كل اسالتها و فضولها . وأثناء تأملي بها تزايد ولعها بي , كلما ازدادت يقيناً بخياناتي لها, وقعتُ على مفارقة عجيبة, وأنا أكتشف أن وفاء رجل لامرأة واحدة , يجعله الأشهى في عيون بقية النساء اللائي يصبح هدفهنّ ان يوقعن به , بينما خيانته إيّاها تجعله شهياً بالنسبة لها ! 

كانت تبدو أجمل, عندما تتحدث في أشياء منطقية . فرُحتُ أستدرجها لحوار اعتقدت انه سيكون كذلك . فقلت: إن كنت تكرهين الجسور, لماذا تشغل كل رواياتك ؟ إشرحي لي . فقالت مراوغة : ثمة مقولة جميلة لبروست : "أن تشرح تفاصيل رواية كأن تنسى السعر على هدية". لذا لا أملك اي شروحات لأي شيء كتبته. 

بعد العشاء عندما وضعتُ على الطاولة صحن الفراولة و سلة الفواكه , قلت مازحاً: إحذري الفراولة فقد تشعل حرباً عالمية . خطورتها ليست في قوتها .. بل في شدة غوايتها . وربما لهذا يصعب على الناظر إليها ان يقاومها . لم أتوقع أن يجرؤ الحب على التخلي عنا هنا حيث جاء بنا , ولكنْ, أكان يمكن أن يحدث شيئاً بيننا في ذلك المنزل المزدحم بأشباح عشاق. ما كانت هي ولا كنت أنا. تحدثنا لغة ليست لغتنا. قلنا كلاماً غبياً لفرط تذاكينا . طوال السهرة, كنا نعاند تعب الأسئلة , نغالب نعاس الأجوبة. أمَا كان يحق لصبرنا من فراش تتمدد عليه رغباتنا المؤجلة ؟ 
 تمددتْ جواري في ذاك الفراش , أنثى منزوعة الفتيل. ضممتها إلى صدري طفلة وديعة, تلوذ بي, انتابني خوف مفاجيء بان افقدها . شعرت أن الموت سيسرق أحدنا من الثاني وأننا قد لا نلتقي أبداً. عاودني ما قاله ناصر: ماذا لو دبر لها زوجها ميتة "نظيفة", أو ماذا لو اغتالها القتلة مثلاً. لم يكن هاجسي احتمال وفاتي انا , إنما قصاص العيش بعدها. كانت فكرة موتها الحقيقي, امتحاناً فاضحاً لعشقي إياها . فأنت لا يمكن أن تدرك مدى حبك لشخص , إن لم تتمثل شوق الفراق , وتتأمل ردود فعلك, وأحاسيسك الأولى أمام جثمانه. كنا متمدّدين بثيابنا في حجرة فرانسواز, تحيط بنا صورها المرسومة على اللوحات. ضممتها إلى قلبي , وقلت وأنا أقبلها: نامي يا حبيبتي .. تصبحين على كتاب. 

استيقظنا صباحاً على فاجعة الضوء . هكذا فجأة انقضى مننا الوقت . يوم ماكر يتربص بسعادة تتثاءب لم تغسل وجهها بعد . سرير غير مرتب لليلة حب لم تكن. وعبور خاطف لرائحتها على مخدع امرأة ثانية غيرها . قلت وأنا أرافقها لانتظار سيارة الاجرة : ما جدوى كل اختراعات الإنسان إن لم يخترع آلة لإيقاف الزمن بعد . علّقت بنبرة تشي بمرارة حزنها : وما جدوى أن يخترع الإنسان آلة لإيقاف الزمن, إن كان سينفق ما كسب من وقت لمجرد تناول العشاء بعد الفطور !. كانت على حق. 

 إنها التاسعة والنصف صباح أحد . وضعتُ شيئاً من الموسيقى, ورحت أخفي آثار ما لم يجري اصلا في منزل غادرت زائرته, صافقة باب الحلم خلفها. فرانسواز ستعود في اليوم المقبل , عندما نراجع حياتنا نجد أن أجمل ما حدث لنا كان مصادفة, وأن الخيبات الكبيرة تأتي دوماً على سجاد فاخر فرشناه حتى نقوم باستقبال السعادة الكبيرة . قررت عن أسى الإستعداد لمغادرة هذا المنزل قبل خروج زيّان يوم الأربعاء من المستشفى. فعليَّ ألا أترك ما يشي بمروري . ذهبت إلى زيّان في المستشفى. كان في المستشفى حركة غير طبيعية ابدا , بسبب الزيارات التي تتزايد أيام العطل . طرقت الباب عليه, ثم فتحته, ولكني فوجئت بعجوز هزيلة تشغل مكانه على الفراش , فاعتذرت وغادرت مسرعاً. وحين استفسرت عنه, سألتني الممرضة إن كنت من أقاربه. أجبت نعم. قالت: لقد اتصلنا بالرقم الهاتفي الذي في حوزتنا حتى نقوم باخباركم بتدهور صحته ليلة البارحة, وتركنا رسالة صوتية نطلب حضور أقاربه, ولم يتصل بنا اي احد . نزل عليّ موته كصاعقة. كان احتمال موته قائماً, ولكنني لم أتوقع أن يأتي بهذه السرعة الكبيرة , ولا بهذا التوقيت. هو سيد التهكم والصمت الملتبس, ما ترك لي فرصة لكذبة أخيرة , كنت أعددتها لأبرر انشغالي عنه. عندما وصلت إلى المنزل , شعرت بهول الفاجعة. ارتميت على أريكة الصالون منهكاً كحصان سباق. كان عليّ أن أجلس لأفهم ما الذي أوصلني إلى هذا المنزل بالذات , أنا الذي كنت ألهو بممازحة الأدب, أكنت أمازح القدر دون علمي؟ يوم قرأت سيرة ذلك الرسام, تمنيت أن أكرر حياته بما تستحق الإعادة من فطنة و ذكاء . ولكن من يتذاكى مع "المكتوب"؟ سعدت أنني سأترك هذا المنزل عما قريب . ووجدتني أستعيد ما عشته منذ عامين بعد اغتيال عبد الحق, عندما كان عليّ أن أجمع أشيائي من منزله الذي كنت أقيم فيه. هي ذي الحياة بأشياء موتها التي لا تموت. هي ذي تلك الأشياء التي تعتقد انك تنالها فتنال منك, لأنها ستحيا بعدك.

 في الموت, الدور الأكثر بؤسا , ليس من نصيب الذي رحل وما عاد معنياً بشيء, إنما من نصيب الذي سيرى قدر الأشياء من وراءه . ماذا ستفعل بهذه الغربة الفضفاضة لرجل ضاق به الوطن وترك لك ما اعتقد انه وطناً كتباً في الشعر, و ثانية في تاريخ الجزائر, أشياء صغيرة لها ذكرى وحده يعرفها. 
 أذكر في احدى المرات عندما قمت بزيارته , وكان عليّ أن أغادر الغرفة وأنتظره بعض الوقت في الخارج ريثما تنتهي الممرضة من معاينته , راح يعتذر لي عن انتظاري. قال لي: هذه المرة الاولى التي أدخل فيها المستشفى مذ بترت ذراعي منذ أكثر من أربعين عاما . لا أحب مهانة المرض. ما أنقذني أنني تعودتُ في الحياة أن أواجه النظرات التي تُعرِّي عاهتي بأن أتغابى . التغابي هو بعض ما أكتسبته من اليتم . عندما تعيش يتيماً, تتكفل الحياة بان تعلمك أشياء مختلفة عن غيرك من الصغار. تعلمك الدونية. كل يتيم هو مريض بدونية يتداوى منها حسب استعداداته النفسية. أستعيد الآن كل حديثه هذا . ما زلت غير مصدق أن يكون في توقيت موته مصادفة, ولا أرى سبباً لتدهور مباغت في صحته . فلا شيء عندما التقيت به قبل ذلك بيوم, يشي بأن حياته في خطر أو أنه يعاني من انتكاسة ما. عندما عادت فرانسواز وأخبرتها بالأمر انهارت على الأريكة باكية. قالت لي: أين كنت ؟ آه صحيح.. ربما كنت يومها تتعشى عند مراد. بقيت صامتاً لبضع لحظات , وأنا أستنتج من عبارتها أنها على اتصال دائم مع مراد. لم يكن الظرف ملائما لأمعن التفكير في غدر صديق أثناء انشغالي بتفاصيل موت صديق ثاني . كنت رجلاً بإمكانه أن يتفهم خيانة زوجة, ولكنه لا يغفر خيانة صديق . فخيانة الزوجة قد تكون نزوة عابرة , أما خيانة الصديق فهي غدر مع سبق الإصرار و الترصد . وضعت تلك الجملة بيننا مسافة من جليد الجفاء . واكتفيت ليلاً بضمها إلى صدري, وأنا أفكر في اقتراب ليلة سياخذ فيها مراد مكاني عابراً لهذا السرير .. المقيم . 

لأنني لم أنم. تركت المنزل باكراً صباح اليوم التالي لأقضي بعض ما تأخر من مشاغلي, واستعداداً حتى اعود بسرعة إلى الجزائر. وعندما عدت مساءاً, أخبرت فرانسواز بأنني أريد نقل جثة زيّان للجزائر, وطلبت منها متابعة الإجراءات القانونية . بينما ذهبت أنا لأنهي ما تأخر عليّ من مشاغلي ومراجعة الخطوط الجزائرية .. مات الوقت يا عزيزي, أنت الآن في الوقت المجمد. كان زيّان في رسمه الأخير زاهداً في الحياة, كأنه يرسم أشياء تخلت عنه أو تخلى عنها . جثث أشياء ما عادت له, ولكنه ظل يعاملها بمودة العشرة. كان يرسم فاجعة الأشياء, أو خيانتها الصامتة أمام الفاجعة بالأحرى . بقيت أتحين الفرصة لأسال زيّان عن تفاصيل موت إبن أخيه لاني اعتقدت أن تفاصيل تلك الميتة دمرته أكثر من الموت ذاته . فقال لي مرة : أصبح ضرورياً إصدار كاتولوغ للموت العربي , يختار فيه الواحد طريقة وفاته . بإمكانك أيضاً أن لا تموت دفعة واحدة. ثمة أنظمة عربية تقدم تسهيلات في الموت, فتلقمك إياه بالتقسيط . مات إبن أخي سليم أكثر من مرة.. آخرها كانت بالرصاص . كان سليم مولعاً بالعلم, فأرسلته الدولة لفرنسا ليدرس فيها , كي يتمكن من إدخال نظام المعلوماتية إلى أجهزة الجمارك في قسنطينة. عندما استلم شغله هناك كان المجرمون قد بدأوا في قتل موظفي الدولة, فطالب بسكن أمني, فأعطوه منزلا فانتقل إلى ليكن أمنا منفياً على مشارف جبل الوحش. ولكنهم جاؤوه عندما تصور أنه ظفر بالأمان. وفي آخر لحظاته أوصى امرأته أن تسد الدين لزميل له إن هي حصلت على "دية" من الجمارك. تصور.. رجلاً يوصي امرأته أن تسد دينه بعد وفاته , بينما سادة لهم مدخول من الجثث ينهبون وطناً والناس يموتون . عدت إلى البيت مساءاً محملاً بزجاجة خمر فاخرة, وبقارورة عطر ملفوفة بكثير من الشرائط الجميلة هدية لفرانسواز. كنا في أعياد نهاية العام . وقبل أن أجلس إلى كأسي, طلبت ناصر حتى اخبره بوفاة زيّان, وكنت أجّلت الإتصال به إلى اليوم, حتى لا أجدني مضطراً إلى الحديث مع مراد, الذي انتهى أمره بالنسبة لي, وحتى لا ينقل ناصر الخبر إلى "حياة" فتفسد عليّ قدسية حزني . فقد أصبح موت زيّان قضيتي انا وحدي . 

تذكرت زيان يوم طلب مني أن أغلق باب حجرته كي يشعل سيجارة. سألته متعجباً: أوَليس التدخين ممنوعاً في المستشفى ؟ فرد مبتسماً: نعم.. بل يعادل ارتكاب جريمة. ولكن كما قال أمل دنقل : خلق القانون ليُخترق. ثم أنت لا تقدر يا رجل أن تعيش وتموت مطيعاً, ولا أن تموت جباناً في السابعة والستين من عمرك .. وتخاف سيجارة ! لا تصدق أن الأشياء مضرة بالصحة. وحدهم الأشخاص مضرون . ولذا كلما تقدم بي العمر, تعلمت أن استعيض عن الناس بالأشياء , أن أحيط ذاتي بالموسيقى واللوحات والنبيذ الجيد والكتب , فهي على الأقل لا تكيد لك ولا تغدر بك. كانت حكمة ذلك الرجل هي ما يدهشني حقا . وصوته لم يفارقني. يأتيني في كل مناسبة. وسعادتي اليوم تكمن في تلك الأشرطة التي سجلت عليها جلسات احاديثنا . رجل مات وترك لي صوته, بين غيوم اللغة وصحو الصمت, يدرّبك على إزالة خدع الحياة الفتّاكة وألغامها . 

أنا الذي جئت إلى فرنسا حتى استلم جائزة. أكان القدر قد جاء بي, فقط لأكون اليد التي تستلم جثماناً ؟ نهضتْ فرانسواز إلى المطبخ. ناديتها وطلبت منها الجلوس بالقرب مني . قلت لها: في موسم قطف الرؤوس وحصاد الأقلام, فشلنا نحن الصحافيين في ان نعثر على أسماء مستعارة نختفي خلفها من القتلة, الكل اختار إسمه الجديد حسب ما صادفه من أسماء. أنا انتحلت إسم بطل في رواية كنت قد احببتها يوما . فخالد بن طوبال ليس أنا, إنما زيّان. إنها لعبة الأقنعة في كرنفال الحياة. فقالت فرانسواز : ولكن ما اسمك ؟ فقلت: وماذا يغير إسمي , ما دمت تعرفين كنية يدي و لقب فمي , أي قصاص أن تحملي إسمك قيداً مدى العمر ! الموت يضع ترتيباً في القرابات. برغم تلك العشرة, تعود فرانسواز غريبة , فاخر موعد لها مع زيّان تم في المستشفى. ودّعتني فرانسواز بعدما أقلتني إلى المطار بمركبتها الخاصة , عرضتْ عليّ أن تحضر مراسم رفع الجثمان, ولكني عارضت لأني كنت أتوقع حضور "حياة" صحبة ناصر, وكنت أريد لجمالية ذلك المشهد الحزين ألا يفسده أحد علينا. في حضرة زيّان, اكتشفت أنني فقدت القدرة على البكاء, ولم يبق لي أمام الحزن إلا ذلك الأنين الصامت الاخرس للحيتان في عتمة المحيطات . 

فجاة لمحتها, كانت تقف بصحبة ناصر, إذن جاءت. عرّفني ناصر بأخته. كان أولى أن أعرّفه بها. مدّت يدها باتجاه يدي . المرأة ذات المعطف الفرو, لم تقل شيئاً, عساها تخفي تردد أكفّنا وارتباكها لحظة مصافحة. تحاشينا أن تطول بيننا النظرات. ضمني ناصر إلى صدره لفترة طويلة . عندما انتهينا من قراءة الفاتحة على روحه , ابتعدنا ثلاثتنا نحو ركن قصي من الصالة. ثم علا صوت المضيفة في المطار على الميكروفون يطالب المسافرين إلى قسنطينة ان يقوموا بالالتحاق بالبوابة . ضمني ناصر إلى صدره وقال: ربي يعظم أجرك , ويحميك. ثم وقف ناصر أمام الجثمان لحظات متمتماً بكلمات ربما كانت دعاء الميت . مدت يدها نحوي مودعة. رأيتها للمرة الاولى أمام جثمانه مجهشة بالبكاء. وتركتني ومضت. وحدي كنت معه, عندما جاؤوا حتى ينقلونه . حملوه ليقبع هناك شخصاً بين الأمتعة. أما أنا فولجت الطائرة متاعاً بين الركاب. وذهب آخر رفاق الريح فنم نومة لوحة ! ما عاد جسرك جسراً يا صاحبي .

 استعادت المطارات دورها الطبيعي و المعتاد . في كل مطار ينتصر الفراق, وتنفرط مسبحة العشاق . يا رجل الضفتين , مسافة جسر وتصل. وتستقر في حفرتك على مرمى قدر , لك قبر في ضيق ارض . لم يحدث أن عرفت موقفاً غريباً مثل هذا الموقف . السفر مع جثمان ميت, حجزت له بنفسي تذكرة معي , أو بالأحرى حجزت لذاتي تذكرة معه. كيف حدث هذا وكيف وصلنا إلى شيء على هذا القدر من الغرابة ؟ لا تنتظر أن يجيبك أحد هنا فالجواب ليس في الطائرة إنما في مكان ثاني حيث كان اول اقلاع لها . 

في الطائرة, كما في الحياة, عليك أن تحترم قانون المراتب , ولا تتحايل لتقفز مرتبة, فربما كان في ذلك المكسب موتك و نهايتك . عليك أن تعرف منذ البدء أين يوجد مكانك , في الأولى أم في الثانية. فأي تحايل قد يحيلك إلى أسفل .. مع الحقائب ! كنت دائم التنبه إلى الفتاة التي تجلس بالقرب مني و الى جواري , إلى عطرها الخفيف, وإلى تلك الرغبات الصامتة التي تولد في العتمة . يكفي شيء من الضوء الخافت , لتستيقظ الحواس وتصبح الفتيات أجمل مما هنَّ عليه . 

في مجرة الحب, من يدير سير الكواكب ؟ من يقربها و يبعدها ؟ من يبرمج تصادمها و تلاقيها ؟ من يطفيء إحداها ويضيء ثانية في سماء حياتنا ؟ وهل ينبغي أن يتعثر الانسان بجثمان ليقع في الحب ؟ أأكون ما شفيت منها ؟ لكأنها امرأة دخلت في خياشيم راسي و ذاكرتي , مخترقة مسام قدري. أتعثر بعطرها أينما ذهبت . ما كانت "حياة".. إنها الحياة . =كم حلمت بطائرات تأخذني إليها, بمدن جديدة نزورها سوية انا و هي . حلمت برقمها يظهر على شاشة تليفوني , بصوتها يتناول معي قهوتي, يطمئن عليّ, صوت يأخذ بيدي . لكن, كانت لي مع هذه المرأة دوماً متع مهددة. ليس ثمة غير هذه الجثث التي بيننا . حطت الطائرة على الأرض. ذهب تفكيري عنده , إلى نعشه الذي يرتج هذه الدقيقة مرتطماً بتراب قسنطينة. هنا نفترق أنا وهو. عليك أن تعلم أنك منذ الآن في حماية الديدان . =كان أزيز الطائرة يغطي صخب صمت تقاسمته معه طوال الرحلة . كان صوت المضيفة يعلن : الحرارة في الخارج ست درجات . الساعة الآن تشير إلى الحادية عشرة والنصف مساءا . الرجاء إبقاء أحزمتكم مربوطة. لقد حطت بنا الطائرة في قسنطينة في مطار محمد بوضياف ....

 ذاكرة الجسد. ...