الجمعة، 16 مارس 2018







تلخيص رواية:
عابر سرير: أحلام مستغانمي.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

كنا مساء اللهفة الأولى, عاشقين في ضيافة المطر, رتّبت لهما المصادفة موعداً خارج المدن العربية للخوف. نسينا لليلة أن نكون على حذر, ظناً منا أن باريس تمتهن حراسة العشاق. كنا في غرفة الجلوس متقابلين, على مرمى خدعة من المخدع. عاجزين على انتزاع فتيل قنبلة الغيرة تحت سرير صار لغيرنا. لموعدنا هذا, كانت تلزمنا مناطق منزوعة الذكريات, مجردة من مؤامرة الأشياء علينا, بعيدة عن كمين الذاكرة. فلماذا جئت بها إلى هذا البيت بالذات, إذا كنت تخاف أن يتسرب الحزن إلى قدميها ؟ ذلك أن بي شغفاً إلى قدميها. وهذه حالة جديدة في الحب. فقبلها لم يحدث أن تعلقت بأقدام النساء.
اشتقتها ! كم اشتقتها, هذه المرأة التي لم أعد أعرف قرابتي بها, فأصبحتُ أنتسب إلى قدميها. أنا الرجل الذي يحب مطاردة شذى عابرة سبيل, تمر من دون أن تلتفت. أذكر يوم صادفتها في ذلك المقهى, منذ أكثر من سنتين, لم أجد سوى ذريعة الموسلين لمبادرتها. سائلاً إن كانت هي التي رأيتها مرة في حفل زفاف, مرتدية ثوباً طويلاً من الموسلين الأسود. ارتبكت. أظنها كانت ستقول "لا" ولكنها قالت "ربما". أحرجها أن تقول "نعم". في الواقع, لم نكن التقينا بعد. لكنني كنت أحب أن أختلق, مع امرأة, ذكريات ماض لم يكن. بدأنا منذ تلك اللحظة نفصّل قصة على قياس ثوب لم يوجد يوماً في خزانتها .


أتذكر, يوم انفتحت حقيبة تلك المرأة أمامي لأول مرة, كنت يومها على سرير المرض في المستشفى, عندما خطر على بال عبد الحق, زميلي في الجريدة, أن يهديني ذلك الكتاب.. كتابها. كنت أتماثل للشفاء من رصاصتين تلقيتهما في ذراعي اليسرى, وأنا أحاول التقاط صور للمتظاهرين أثناء أحداث أكتوبر 1988. كانت البلاد تشهد أول تظاهرة شعبية لها منذ الإستقلال, والغضب ينزل إلى الشوارع لأول مرة, ومعه الرصاص والدمار والفوضى. لم أعرف يومها, أتلقيت تينك الرصاصتين من أعلى أحد المباني الرسمية, عن قصد أم عن خطأ؟ تماماً, كما سوف لن أدري يوماً: أعن قصد, أم عن مصادفة جاءني عبدالحق بذلك الكتاب. ليس الحب, ولا الإعجاب, بل الذعر هو أول إحساس فاجأني أمام ذلك الكتاب. كنت أدخل مدار الحب والذعر معاً, وأنا أفتح ذلك الكتاب. منذ الصفحة الأولى تبعثرت أشياء تلك المرأة على فراش مرضي. ثمة كتب عليك أن تقرأها قراءة حذرة. لكأنها كانت تكتب لتردي أحداً قتيلاً. تلك الأحاسيس لم أعرفها مع زوجتي التي كنت لسنوات أفرض عليها تناول حبوب منع الحمل, مهووساً بخوفي من أن أغتال فتتكرر في طفلي مأساتي. فكرة أن أترك ابني يتيماً كانت تعذبني, حتى أنني في تلك الفترة التي تلت اغتيال عبد الحق, كنت أستيقظ مذعوراً كما على صوت بكاء رضيع .

مع "حياة", اكتشفت أن الأبوة فعل حب, وهي التي لم أحلم بالإنجاب من سواها. إن كنت أجلس اليوم لأكتب, فلأنها ماتت. بعدما قتلتها, عدت لأمثل تفاصيل الجريمة في كتاب. كي تشفى من حالة عشقية, يلزمك رفاة حب, يلزمك قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس إليك. ليس البكاء شأناً نسائياً. لا بد للرجال أن يستعيدوا حقهم في البكاء, أو على الحزن إذن أن يستعيد حقه في التهكم.

بلغني أنني حصلت على جائزة العام, لأحسن صورة صحفية في مسابقة "فيزا الصورة" في فرنسا.  ربما حصلت عليها لأنني سرقت تلك الصورة من فك الموت. كنت حتماً أعرف قيمتها, وقد كلفتني عشر سنوات, عطباً في ذراعي اليسرى. كل مصور حرب, مشروع قتيل يبحث عن صورته وسط الدمار. كنت دائم الإعتقاد أن الصورة, كما الحب, تعثر عليها حيث لا تتوقعها. إنها ككل الأشياء النادرة.. هدية المصادفة. المصادفة هي التي قادتني ذات صباح إلى تلك القرية. كانت القرى الجزائرية أمكنة تغريني بتصويرها. ربما لأن بها مخزوناً عاطفياً في ذاكرتي مذ كنت أزورها في مواكب الفرح الطلابي في السبعينيات, للإحتفال بافتتاح قرية ضمن مشروع ألف قرية اشتراكية. وفي القرية رأيته ذلك الصغير الجالس وحيداً على رصيف الذهول؟ كان الجميع منشغلين عنه بدفن الموتى الذين قتلهم القتلى. أخبرني أحدهم أنهم عثروا عليه تحت السرير الذي كان ينام عليه والده. لقد أطبق الصمت على فمه, وعيناه الفارغتان تبدوان كأنهما تنظران إلى شيء يراه وحده. حتى أنه لم ينتبه لجثة كلبه الملقاة بجانبه. التقطّت صورة لذلك الطفل. أول فكرة راودتني, عندما علمت بنيلي تلك الجائزة عن أفضل صورة صحفية للعام, هي العودة إلى تلك القرية للبحث عن ذلك الطفل .

ذات صباح, قصدتُ رفقة زميل تلك القرية. كانت ظاهرة الحواجز المزورة عمّت وانتشرت. كان الناس, حفاظاً على سلامتهم, يتنقلون بلا هويات, ولا بطاقات عمل, وهكذا فعلنا. كان وصولي لتلك القرية بسلام إنجازاً تفاءلت به. ولكني كنت هناك تائهاً. من الذي سأسأله عن ذلك الطفل, والأجوبة متناقضة في اقتضابها؟ البعض يقول إن جمعية لرعاية اليتامى تكفّلت به. وآخر يقول إن أحد أقاربه حضر واصطحبه إلى قرية أخرى. وآخر يجزم أن الطفل اختفى مُلتاعاً. فانتابني حزن لا حد له  أثناء مغادرتي . فقد فاجأني منظر الغابة التي تم حرقها من قبل السلطات, لإجبار الإرهابيين على مغادرتها, بذريعة حماية المواطنين من القتلة.

يحدث أن أحن إلى جزائر السبعينيات. كنا في العشرين, وكان العالم لا يتجاوز أفقنا, لكننا كنا نعتقد أن العالم كله كان يحسدنا. فقد كنا نصدر الثورة والأحلام, لأناس ما زالوا منبهرين بشعب أعزل ركعت أمامه فرنسا. كانت لنا أنماط حياة متداخلة بحكم فرحة الإستقلال التي لمت شملنا. كانت الجزائر, الخارجة لتوها من الحرب, صبية تقع في حب من جاؤوا من كل العالم لتهنئتها وإدارة شؤونها. بالنسبة لي, جاء الحب بولونياً. بحكم الجغرافية التي وضعت تلك المرأة الشقراء في مرمى بصري. كنت في عمر الإكتشافات الأولى مولعاً بها. وعندما تزوجتُ بعد ذلك بعدة سنوات, وجدتني أقيم في غرفة نوم مقابلة لغرفتها. كانت "أولغا" أول "حفرة نسائية" وقعت فيها. قبل "أولغا" لم تكن تعنيني النساء, بقدر ما كانت تعنيني الحيوانات.. والأشياء. في فراش جدتي لأبي بدأت مشواري  كعابر سرير ستتلقفه الأسرة واحداً بعد الآخر. منذ يتمي المبكر, وأنا أقيم علاقة أمومة مع كل ما يحيط بي. أختار لي كل فترة أماً حتى اليوم الذي تصدمني فيه الأشياء, وتذكرني أنني لست طفلاً . اليتم, كالعقم, يجعلك تغار من حيوان, وتطالب الله بحق التساوي به ما دمت أحد مخلوقاته .

باريس ذات أيلول .. كنا في خريف كأنه شتاء. وبالرغم  من سعادتي بالسفر, إلا أن الحزن كان يفخخ كل ما يبدو لغيري فرحاً, بدءاً بتلك الجائزة التي تجعلك تكتشف بسخرية مرة أنك تحتاج إلى أسابيع من مهانة الإجراءات, كي تتمكن من السفر إلى باريس, لاستلام جائزة صورة لا يستغرق وصولها بالإنترنت إلى العالم كله, أكثر من لحظة. ما كنت لأظن وأنا أقصد بعد يومين المعرض الجماعي لرسامين جزائريين, أن كل الأقدار الغريبة ستتضافر لاحقاً إنطلاقاً من ذلك المعرض, لتقلب قدري رأساً على عقب. رحت أتجول في ذلك المعرض, عندما استوقفتْ نظري مجموعة لوحات معروضة تمثل جميعها جسوراً. فكرت, وأنا أتأملها, أن ثمة جسوراً تعبرنا, وأخرى تسكننا, حسب قول خالد بن طوال في " ذاكرة الجسد". لا أدري كيف أوصلني التفكير في ذلك الكائن الحبري الذي انتحلتُ إسمه صحافياً لعدة سنوات. فقصدت المشرفة على المعرض, كي تزودني بمعلومات عن الرسام. فدلتني على سيدة أربعينية, والتي قالت لي: إنها لزيّان, أحد أكبر الرسامين الجزائريين. وبعد حديث مبهر معها كنت سأبدي لهذه المرأة إعجابي بثقافتها لولا أن ذهني كان مشغولاً كلياً بذلك الرسام ولكني شعرت برغبة في أن أضمها لصدري, أن أؤلمها, أن أبكيها. قطعت فرانسواز تفكيري, وفاجأتني معتذرة لارتباطها بموعد, وغادرت القاعة.  

في اليوم التالي, ذهبت إلى المعرض, وسألتُ فرانسواز عن أي لوحة تنصحني بشرائها؟ فقالت: إحتكم لذوقك. المهم أن تعلق اللوحة التي تشتريها على جدران قلبك. سألتها: هل أنت رسامة؟ ردت ضاحكة: إني أعمل "موديلاً". لقد تعرفت على زيان قبل عشر سنوات في إحدى جلسات الرسم. كدت أصيح: "أنت كاترين أليس كذلك؟ قرأت هذا في تلك الرواية." حينها قالت لي : عفواً.. أنت لم تعرّفني بنفسك. فقلت لها: إسمي خالد بن طوبال.. وأعمل مصوراً صحافياً. أبديتُ ل فرنسواز رغبتي في لقاء الرسام. وقالت: إن زيان حالياً يتعالج في مستشفى بباريس, لكن من المتوقع أن يغادر المستشفى لحضور معرضه الفني الذي سيقام بعد عشرة أيام. إنه يعاني من السرطان. وهكذا, في أربع وعشرين ساعة لا أكثر, وجدتني متورطاً في حياة هذا الرجل, من بداياته البائسة وحتى أمراض شيخوخته, وصولاً إلى فرنسواز, الجسر الذي يربطني به.

 عند عودتي إلى الغرفة, وجدت رسالة صوتية من مراد يخبرني فيها بأنه عاد إلى باريس وأنه ينتظر مكالمة مني. كان مراد مثقفاً معروفاً في قسنطينة باتجاهاته اليسارية, وتصرياته النارية ضد المجرمين. مع مراد, كانت لي ذكريات كثيرة, وما توقعت أن تجمعنا مصادفات الغربة في باريس. عندما هاتفته في الصباح عاتبني لأنه تعب في الحصول على رقمي في باريس. في أحد لقاءاتي به لاحقاً, ضربت له موعداً في المعرض, بعد أن أبدى اهتمامه بزيارة معرض زيان. كنا نتجول بين اللوحات, عندما انضمت إلينا فرانسواز في حديثنا. راحت تسأله بتودد, كيف وجد المعرض. قال مراد: إنني أفهم وجع زيان, وأدري المأساة التي تحملها لوحاته, وأجد في هذه الجسور الممددة وهذه الأبواب المواربة رمزاً أنثوياً. فالباب الموارب هو الغشاء الذي تقبع خلفه كل أنوثة مغلولة بقيد الإنتظار. ما هو مشروع منه ليس سوى تلك الدعوة الأبدية للولوج, أما بعضه المغلق, فذلك هو التمنع الصارخ للإغواء. نزل علينا أنا وفرانسواز صمت مفاجيء. شعرت بارتباك أنوثتها. كأنما بدأت أبوابها في الإنفتاح أمام ذلك الرجل. كنت على قناعة بضرورة إبعاد هذا الرجل عن فرانسوز حتى لا يفسد عليّ خططي ...
 في صباح اليوم التالي, قصدت المعرض بحثاً عن فرنسواز. لم أكن يوماً رجلاً للمغامرات العابرة, ولا كان يروق لي النوم في شراشف المصادفة, ولكن فرانسواز كانت تعنيني لسبب, وأصبحت تعنيني لسببين. قد أكون تعلقت بها لحظة شرود عاطفي, ولكنني الآن أريدها بسبب رجل آخر قررت ألا أدعه يأخذها مني, فقط لأنه يمتلك جسارة ليست من طبعي .

برغم درايتي بعدم حضوره, ذهبت لحضور افتتاح معرض زيّان الفردي. فرنسواز قالت إنه يكره حضور يوم افتتاح معرض له, لأنه بأضواءه وضوضاءه يوم للغرباء. في غياب الرسام, ينتابك شعور بالفقدان, بافتقاد شيء لم تمتلكه بعد.  يجتاحك الأسى من أجل رجل لن تراه. عندما غادرت ذلك المعرض, فكرة واحدة كانت تزداد رسوخاً داخلي: أن أطارد طيف هذا الرجل حتى بيت فرانسواز, كي أواصل تباعاً لملمة سره.
غادرت الفندق الصغير الذي كنت أقيم فيه منذ ما يقارب الشهر, وأعددت حقيبتي لسفر مفاجيء نحو بيت فرانسواز, بعد أن دعتني إليه. وضعتني فرنسواز, بكثير من الإحتفاء, في الغرفة المجاورة لغرفتها. كنت أنا أريد امرأة نصفها طاهر, ونصفها عاهر, أتكفل بإصلاح أو إفساد أحد نصفيها. فبكل نصف فيها كنت أقيس رجولتي. فرنسواز كانت بهذا المقياس، كانت فرانسواز اختباراً سيئاً للرجولة. حتماً, كان السرير في ذلك الموعد الأول مزدحماً بأشباح من سبقوني إليه, ووحدي كنت أشعر بذلك محاولاً استنطاق ذاكرته. صمت الأسرّة إحدى نعم الله علينا, ما دمنا, حيث حللنا, جميعنا عابري سرير. كان للحب مع فرانسواز مذاق الفاكهة المجففة. لا أكثر كآبة من فعل حب لا حب فيه, بعده تعتريك رغبة ملحة في البكاء .

بعد يومين من إقامتي عند فرانسواز, هاتفت مراد حتى لا يقيم الدنيا ويقعدها بحثاً عني في باريس, بعد أن تركت الفندق دون إخباره بذلك. تحاشيت إعطاءه تفاصيل عن إقامتي الجديدة. واقترحت عليه أن نلتقي في اليوم التالي. ففاجأني بقوله: سأنتظر غداً ناصر عبدالمولى. سيقيم عندي.. وستحضر والدته التي لم يرها منذ سنتين إلى هنا أيضاً. وهكذا زف مراد لي خبرين : خبر مجيء ناصر, وحتمية مجيء أخته برفقة والدتها. فلم يكن من المعقول أن تأتي والدته بمفردها إلى باريس !! أذهلتني صاعقة المفاجأة. أحقاً ستأتي تلك المرأة, والتي لفرط انتظارها ما عدت أنتظر مجيئها. تلك التي لم يتخل عنها يوماً رجل, تخليتُ عنها, خشية أن تتخلى هي عني. كنت رجل الخسارات الإختيارية بامتياز. ما كان لي أن أتقبل فكرة أن تهجرني امرأة إلى رجل آخر .

كانت حياتي مع فرانسواز قد بدأت هادئة وجميلة, ولكن بدون لهفة وشغف. في حياة المصور كثير من الوقت الصامت, من الساعات المهملة, ومن تلك الحياة البيضاء التي تسبق الصورة. أخذت حماماً ونزلت أكتشف الحي الذي أقام فيه خالد لسنوات. كنت أتسقط أخباره, أتعقب آثاره. كنت أختبر الإفتتان ببطل رواية. كنت أعي أن موعدي مع زيّان, أياً كانت نوعية العلاقة التي ستتم بعده, والنتائج التي ستنتج  عنه, هو حدث في حياتي. وعليّ أن أستعد له بذلك القدر من الحيطة العاطفية, حتى لا أفسده  خصوصاً بعد أن أخذ مني الأمر شهراً من مطاردة فرانسواز لإقناعها بضرورة أن اتعرف عليه.. ولو على سرير المرض .

اشتريتُ باقة ورد وقصدته. نهض زيّان يسلم عليّ بحفاوة. جلس قبالتي. هاهوذا إذن.  كان يرتدي همّ العمر بأناقة. كان وسيماً, بحاجبين سميكين بعض الشيء. وكانت له عينان طاعنتان في الإغراء, ونظرة منهكة, لرجل أحبته النساء, لفرط ازدرائه للحياة. قلت: أنا أحب أعمالك الفنية. كنت أسأله عن حرب التحرير, وكانت إجاباته مغلقة لا إضافة لك عليها, لكنني كنت أبحث عن مدخل يوصلني إليه، عساني أعرف إن كان له ماض يطابق ماضي خالد في تلك الرواية. وقعت في حب ذلك الرجل, في حب لغته, في حب استعلائه على الألم وانتقائه معزوفة وجعه. وفجأة أدركت سر جاذبيته. كانت تكمن في كونه أصبح حراً. عندما ما عاد لديه ما يخسره أو يخاف عليه .

دفعة واحدة قررت الحياة أن تغدق عليك بتلك المصادفات المفجعة في سخائها, إلى حد إرعابك من سعادة لم تحسب لها حساباً. لم أكد أصدّق لقائي بزيّان حتى كنت في اليوم التالي أتعرف على ناصر. منذ غادرت الجزائر ما عدت ذلك الصحافي ولا المصور الذي كنته. أصبحت بطلاً في رواية, أو في فيلم سينمائي يعيش على أهبة مباغتة؟
جميلٌ ناصر. كما تصورته كان. وجميلاً كان لقائي به. ضممته فأحسست للحظة أنني احتضنت التاريخ والحب معاً, فقد كان نصفه "سي الطاهر" ونصفه "حياة". بدا مراد أسعدنا. كان يحب لم شمل الأصدقاء. وكان دائم البحث عن مناسبة يحتفي فيها بالحياة. سألت ناصر: هل ستقيم والدتك هنا معك ؟ فقال: لا.. ستسكن مع أختي في الفندق. لكنها ستزورني حتماً هنا.. لا أدري بعد كيف ستتم الأمور. قال الشيء الوحيد الذي كنت أريد معرفته. هي ستأتي إذن! وكيف لهذه المصادفات العنيفة في سخائها, أن تكتمل بدون مجيئها. دخلت في حالة شرود. ورحت أفكر بعيداً في مصادفة قد تجمعني بها أو ذريعة تعطيها علماً بوجودي هنا. كيف لي أن أعرف في أي فندق ستقيم؟ وإذا كان زوجها سيرافقها أم لا ؟ أغراني ناصر بسهرة قد لا تتكرر. ووجدت في قضائي ليلة مع ناصر, حدثاً قد لا يتكرر فأنا لم أنسَ لحظة أنه أخ المرأة التي أحب.
صباح الضواحي الباردة, وأنت عابر سرير حيث نمت, وقلبك الذي استيقظ مقلوباً رأساً على عقب, كمزاج الكراسي المقلوبة. أكان لمزاجي علاقة بليلة قضيتها على فراشٍ أرضيٍّ أتقلّب بحثاً عن جانب يغفو عليه أرقي؟ أنا الذي كنت أختبر أغرب المصادفات, أن أتقاسم غرفة نوم مع أخ امرأة حلمت أن أقضي معها ليلة! أين أنجو من امرأة تطاردني حيث كنت؟ ولكي أستدرجها إلى فخ المصادفة, فقد زودت ناصر ببطاقةٍ عن معرض زيّان, واثقاً تماماً أنه سيحدّثها عنه, خاصة بعدما أخبرته بمرضه. عدت إلى البيت سعيداً, واحتفت فرنسواز بعودتي. شعرتُ أنها افتقدتني. قمت بزيارة زيّان للإطمئنان عليه. وما كدت أعود إلى البيت, حتى اتصلتُ بمراد متذرعاً بالإطمئنان على وصول أم ناصر وسلامتها. فقال لي: وصلت ظهراً بصحبة أخته، وناصر سيبقى لقضاء الأمسية معهما. حينها تنفستُ الصعداء, ولكن بقدر إصراري على رؤية "حياة", كنت لا أريد أن أفقد احترام ناصر, ولا أن أثير شكوك زيّان أو أسبب ألمه, ولا أن أخسر علاقة جميلة جمعتني بفرانسواز .

ثمة أيضاً مصيبة الدخول في مدار حب محفوف بالمخاطر والمجازفات, مع امرأة تلاحقها دائماً فتنة الشائعات, وتسبقها حيث هي حلت عيون المخبرين وأجهزة التنصت. وأنت دائماً خائف عليها منها.. وخائف منها عليك! أن تحب امرأة يحكم زوجها بلداً, بماله ومخبريه, يا لغواياتك الجميلة المكلفة.. يا لجنونك يا رجل! لم أستطع ليلتها معاشرة فرانسواز. كان جسدي سبقني وراح يبحث عنها في عناوين الفنادق. أكنت أفتقدها لأقاصص نفسي باشتياقها بعد أن عذبني الإمتلاك المؤقت لها؟ وأنا الذي أعلم أنها ما عادت لتبقى, وأنني لن أمتلك منها هذه المرة إلا غبار السفر. لماذا تراني على عجل ؟

استيقظتُ في الصباح بمزاج جميل. قصدت المعرض في حدود الثانية عشرة, واثقاً أنها لن تغادر الفندق باكراً. كنت أشك أن تحضر يومها. لكن, لم أكن أريد أن أفوت أي احتمال لمرورها.أحب ذلك التبذير الجميل في الحب. وبي ولع بكل أنواع الهدر الجنوني, عندما يتعلق الأمر بغاية عاطفية. وكنت قبل كل هذا رجلاً طاعناً في الصبر, بحكم مهنتي. كان الوقت يمر رتيباً. مرت ثلاث ساعات على وجودي في القاعة. قررت أن أقصد المقهى لأحتسي قهوة. ثم غادرتُ المقهى عائداً إلى البيت. وعندما عادت فرانسواز, قالت لي: سأسافر نهاية الأسبوع إلى "نيس" لزيارة أمي, وأعود الإثنين صباحاً.

دوما كان لي سوء ظن بالفرح, ارتيابٌ من البهجة المضللة للعيد. عندما غادرت البيت متجهاً إلى الرواق. كانت المدينة مزدانة كما لتستخف بي. هي ذي باريس. لو أثلجت الدنيا وهي هنا, يا إله الشتاء, لو تكوم الثلج عند باب بيت انغلق علينا كي أختبر تلك العدوانية الجميلة للثلج, عندما يتساقط في الخارج ونكون معاً جوار مدفأة الأشواق. لكنها لم تأتِ. والثلج واصل تساقطه داخلي, وأنا أنتظرها في الرواق. كان لغيابها الرهيب المحرق, غيابها الشهيّ الصقيعيّ, امرأة جميل معها حتى أن تخلف موعداً. عندما يئست من مجيئها, عاودتني الحاجة للقاء زيّان. عساني أطمئن على أخباره وأتسقط منه أخبارها. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر عندما قصدته. فاجأتني باقة ورد جوار طاولة سريره. وجدته سعيداً. ربما سعادة المتكيء ضاحكاً على خرائبه. سألني زيان: هل أنت متزوج ؟ فقلت: أحياناً. وأحياناً أخرى متشرد عاطفي, ولكنني رجل حذر.. ألزم جغرافيتي. وهل أنتَ متزوج ؟ فقال: لأنني أكره الخيانة رفضت الزواج. فلا أكثر كآبة من إحساسك بامتلاك أحد.. أو بامتلاكه لك إلى الأبد. أنا أرفض امتلاك شيء, فكيف أقبل بامتلاك شخص ومطالبته بالوفاء الأبدي لي بحكم ورقة ثبوتية. دققت في ذلك الكتاب الموجود على الطاولة المجاورة لسريره. فضولي جعلني أمد يدي لأتصفحه, غير متوقع المفاجأة التي كانت تنتظرني داخله. فتحت الكتاب, وإذ بي أمام إهداء بخطها! استنتجت أنها زارته هذا الصباح.

في طريق العودة إلى البيت توقفت في مكتبة بحثاً عن كتاب "توأما نجمة" لبن عمار مديان الذي كان زيّان يطالعه. كان بي فضول أن أعرف لماذا أهدته إياه. وما كدت أعود إلى البيت, حتى اعتذرتُ من فرنسواز وذهبت إلى غرفة النوم مستعجلاً مطالعته. ورغم انشغالها ببرنامج تلفزيوني لم تبدُ فرانسواز سعيدة أن تراني أتركها وأختلي بنفسي للمطالعة. كان الأمر غريباً حقاً, فأنا لم أعرف امرأة إلا واعتبرت الكتاب غريمها الأول في البيت. كان ما يزيد الطين بلة, ويجعل الكتاب ضرة, عادتي القراءة في السرير. كنت دوماً أدعو الكتب التي أحبها إلى غرفة نومي لاعتقادي أن الكتب الجميلة كالنساء الجميلات, لا يمكن مجالستهن بالصالون, ولا بد أن تراودك الرغبة في أن تخلو بهن..في مخدع .

ثم جاءت. انخلعت أبواب الترقب على تدفق ضوئها المباغت. توقف القلب دقة عن الخفقان كما لالتقاط الأنفاس من شهقة. أيتها السماء.. أيها المطر.. يا جبال الألب.. خذوا علماً أنها جاءت. التقينا إذن.. هي ذي.. كيف يمكن فك الإشتباك مع عينيها. كل ما أردته كان النظر إليها بعد هذا الغياب. كانت تبدو كشجرة ليمون. تساقط زهرها دهشة عندما رأتني. كان آخر مكان توقعت أن تراني فيه هو باريس, في معرض رسام أنكرت وجوده خارج كتاب. قالت: شيء لا يصدق. ما توقعت أبداً أن أراك هنا ! فقلت: هي حياة ندين بها لمصادفة اللقاءات. ماذا أفعل إذا كان كل شيء يعيدك إليّ. قالت: ظننتك غيّرت عنوان إقامتك منذ ذلك الحين! أجبت مازحاً: كما ترين: كلما هممت بمغادرتك تعثرتُ بكِ. بالمناسبة.. أجمل ما يحدث لنا لا نعثر عليه بل نتعثر به.
النشوة معها حالة لغوية. لكأنني كنت أراقصها بالكلمات, أخاصرها, أطيرها, أبعثرها, ألملمها. وكانت خطى كلماتنا دوماً تجد إيقاعها منذ الجملة الأولى. ها هي ذي تفتح باب قاعة لتزور معرضا فتلقاني.

كانت تتأملني بارتباك المفاجأة. دخلنا صمتاً في حوارات طويلة لحديث لم يكن. سألتها إن كانت تعرف الرسّام. قالت: لا.. أبداً. قلت مستدرجاً إياها لاعتراف ما : بربك ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ فقالت: إنها مصادفة لا أكثر.. أمدني أخي ناصر ببطاقة إعلان عن هذا المعرض لعلمه أنني أحب الرسم. لم أفهم سر إصرارها على إنكار وجود هذا الرجل ذات يوم في حياتها. ونظراً لاختلاف إسم الرسام عن إسم بطلها, ربما اعتقدتْ أن الكذبة انطلت عليَّ. سألتها وأنا أشعل سيجارة : هل كتبتِ شيئاً خلال هاتين السنتين ؟ ردت بصوت غائب : لا. لم تضف شيئاً على تلك الكلمة, أي تبرير يمكن أن يغيِّر وقعها. شعرت بلسعة الألم وبوجع الإعتراف الذي تلقيته كإهانة لحبنا. ألم يبق من اشتعالات ذلك الزمن الجميل ما يكفي لإضرام نار الكلمات في كتاب ؟ أهي لم تحبني إذن ؟ وما أحبت فيَّ سوى خالد بن طوال, الرجل الذي كنت أذكَّرها به والذي كانت تقول إنه أحد ابتكاراتها الروائية. ولكن لم أدر لماذا, برغم ذلك, لم يزدني حديثي معها إلا اشتهاءاً لها.

كاتبة مشغولة عن كتابة الروايات بالتهام الحياة, تفتح شهيتك لالتهامها. ها هي ذي. وأنا شارد بها عنها, نسيت كل مآخذي عليها. نسيت لماذا افترقنا.. ولماذا كرهتها. وها أنا أريدها الآن, فوراً, بالتطرف نفسه. فقلت لها : أي ساعة أراك غداً ؟ قالت: أأنت على عجل ؟ قلت: أنا على امتلاء. فقالت : يؤلمني أنك ما زلت لا تعي كم أنا جاهزة لأدفع مقابل لقاء معك. ولكن عيون زوجي مبثوثة في كل مكان. سألتها بعد صمت : حياة هل أحببتني ؟ فقالت: لن أجيبك. أرى في سؤالك استخفافاً بي, وفي جوابي عنه استخفافاً بك. قلت: أريد أن أراك لا بد أن تتدبري لنا موعداً. فقالت: لا أظنني أستطيع التحايل على ناصر وأمي معاً. فقلت ضاحكاً: ولماذا أنت روائية إذن ؟

تركتها تسبقني بخطوات, بعد أن تركت لها رقم هاتفي, ورحت عائداً إلى البيت خوفاً على جمال فرحة قد أفضح بها. الفرحة الأخرى كانت سفر فرانسواز صباح الغد. وجدتها تعد حقيبة سفرها, وسعدت بأنها لم تتحرش بي. كان عقلي كله عند "حياة", ولم أدرك أن عقلها أيضاً كان عند رجل آخر! طلبت ناصر للإطمئنان على والدته. بدا محتفياً بي, وأصر على دعوتي يوم السبت للعشاء عند مراد لأن والدته ستحضر لتعد لهم أكلاً قسنطينيّاً!

في اليوم التالي استيقظتُ باكراً كي أتناول فطور الصباح مع فرانسواز, وأودّعها بما يقتضيه الموقف من حرارة. أوصلتها إلى باب البناية ثم عدت إلى الشقة. لفرط انشغالي ب "حياة" كدت أنسى انتظاري لها. كنت ما أزال أستعيدها عندما انتفض القلب ورن ذلك الشيء الذي كان ينتظر صوتها ليصبح هاتفاً. قالت: صباح الأشواق.. لماذا تأخرت في الرد. أمنهمك أنت في جمع الحطب؟ يا إلهي كيف بذلك القليل من رذاذ صوتها أيقظ كل الأعاصير الجميلة بداخلي. فقلت: أيتها القطة الضالة تحت مطر باريس, لا موقد لك سواي.. تعالي كي يشتعل البيت ناراً! تمنيت لو حادثتها طويلاً. كان لصوتها جسد, وكان له رائحة وملمس, وكان كل ما أحتاجه لأبقى على قيد الفرح. قالت لي إن ذلك الهاتف كان مسروقاً من غفلة الآخرين, وإنها لن تتمكن من لقائي اليوم بسبب محاصرة ناصر ووالدتها لها. ولكنها زفت لي فجأة خبراً كصاعقة عشقية: عثرت على حيلة تمكنني من أن أقضي ليلة الغد معك. تصور من الأسهل أن أراكَ ليلة كاملة على أن أراك نصف ساعة من النهار. ستقيم أمي عشاءاً لناصر ولبعض أصدقاءه حيث يقيم, ومن الأرجح أن تنام هناك. ولا يمكنني أن أرافقها إلى بيت رجل غريب وأنام عنده. كما لا يمكنني البقاء وحدي في الفندق. لذا قررت أن أبقى الليلة عند بهية. إنها إبنة عمي الذي كنت أقيم عنده أيام دراستي. استنتجتُ أن الموضوع يتعلق بالعشاء الذي دعاني إليه ناصر في بيت مراد. دعوتها إلى بيتي, واتفقنا على أن ألقاها في مقهى ميرابو عند مخرج محطة المترو. كان الحب معها تمرين خطر وكان عليه أن يبقى كذلك فعلى بساطتها ما كانت امرأة تملك حق المجازفة ككل النساء. حرك ذلك الهاتف أحاسيس متناقضة وليدة مشاعر عنيفة في جموحها, عاودتني تلك الأمنية ذاتها: ليت صوتها يباع في الصيدليات لأشتريه.

على يمين الذكريات, قبالة الضفة اليسرى لنهر السين, كانت كراسي تنتظر لقاء المصادفات, وطاولات تحتسي الضجر المسائي, وكان ثمة أنا. أنتظرها على مرمى بيت خارج من كتاب. كنت شارداً بها خلف زجاج الترقّب حين فاجأني برق طلتها. سلمت عليها ووضعت قبلتين على خديها. فباريس تجيز لك سرقة القبل. سحبتْ كرسياً وجلستْ قبالتي. قالت: ضعتُ في متاهات الميترو.. ما الذي أوصلك إلى هنا؟ ما سمعت بهذه المحطة من قبل! طبعاً لم أصدّقها. غادرنا المقهى إلى البيت.

عندما فتحتُ باب البيت الذي أقيم به, شعرت وأنا أنير البيت أن نظرتها تتفقد المكان كما لتطمئن على سلامة الأشياء. قررت أن أمضي في لعبة التغابي إلى أقصاها. ما دام لم يبدُ عليها أي رد فعل صارخ. قالت: اشتقتك.. كم انتظرت هذا اليوم. في الواقع, كانت لا تزال تحت وقع إرباك المكان, ولا تجرؤ على سؤالي كيف وصلت إلى هذا البيت, ولا ماذا أفعل هنا. رحت أتأمل ملامحها بعد مباغتة القبلة الأولى. ما كانت لي رغبة سوى تأملها. جلستُ على الأريكة قبالة الموقد, أنظر إليها, وهي تتنقل في الصالون متأملة تمثال فينوس واللوحات المعلقة على الجدران. أعطيتها فستاناً أسود كنت قد اشتريته خصيصاً لها. أخذته إلى الغرفة المجاورة لترتديه. لم ألحق بها, رغم استعجال الجسد وجوعه, كنت أسعد بمتعة تأجيل متعتي, كفاكهة تدري أنها لك, ولكنك تؤجل قضمها.
حاولت أن أستعين على انتظارها بالبحث عن شريط يليق بالمناسبة وضغطت على زر جهاز الكاسيت. وقفتْ قبالتي, وكنت أتأمل غرابة فتنتها التي لا منطق لها. لم تكن الأجمل. قطعاً ما كانت الأجمل, ولكنها كانت الأشهى. كانت الأبهى. وهذا أمر لا تفسير له, كغرابة صوتها الذي يحدث اضطراباً كونياً بكلمة. قلت لها: "حياة"..اشطحي لي. فاجأها طلبي. وبحشمةِ قسنطينة عندما ترقص لأول مرة في حضرة رجل, راح جسدها يتهادى. ورقصنا بنشوة الحزن المتعالي.

انحنت "حياة" تخلع حذاءها, وتواصل الرقص حافية الشهوات, على إيقاع خلخال أوهامي. ولفرط انخطافي بها, لم أتنبّه لحظتها لإمكان إزعاج الجيران. توجهت نحو المسجل أخفِّض صوت الموسيقى. رحت أقبّلها طويلاً. قبلة تأخرت كثيراً حتى لكأن عليها أن تغطّي نفقات عامين من الإنتظار. فوحدها القبل بإمكانها أن تعيد إليك عمراً أفلت منك, بالرغم من حملك أثناءه.. ساعة في معصمك. قالت لي: ما علاقتك بهذه المرأة التي تغطي صورها كل مكان في هذا البيت الذي تستقبلني فيه ؟ وهنا بدأت باستنطاقي عن فرانسواز. قررت أنا أن أتراشق معها بجمر الغيرة. فقلت: صديقة أقيم عندها منذ شهر. تلقفتني "الحفر النسائية" بعدكِ. لكن في كل امرأة مررت بها تعثرت بكِ! ردت بضحكة: لكثرة ما تعثرت بي في كل حفرة, أتوقع أن تكون قضيت الوقت أرضاً, هل استمتعتَ بذلك؟. تمادياً في إيلامها, تجاهلت فضولها. وأثناء تأملي بها تزايد ولعها بي, كلما ازدادت يقيناً بخياناتي لها, وقعتُ على مفارقة عجيبة, وأنا أكتشف أن وفاء رجل لامرأة واحدة, يجعله الأشهى في عيون بقية النساء اللائي يصبح هدفهنّ الإيقاع به, بينما خيانته إيّاها تجعله شهياً لديها!

كانت تبدو أجمل, عندما تتحدث في أشياء جدية. فرُحتُ أستدرجها لحوار ظنته سيكون كذلك. فقلت: إن كنت تكرهين الجسور, لماذا تشغل كل رواياتك؟ إشرحي لي. فقالت مراوغة : ثمة مقولة جميلة لبروست : "أن تشرح تفاصيل رواية كأن تنسى السعر على هدية". لذا لا أملك شروحاً لأي شيء كتبته.

بعد العشاء عندما وضعتُ على الطاولة سلة الفواكه وصحن الفراولة, قلت مازحاً: إحذري الفراولة فقد تشعل حرباً عالمية. خطورتها ليست في قوتها.. بل في حمرة غوايتها. وربما لهذا يصعب على الناظر إليها مقاومتها. لم أتوقع أن يجرؤ الحب على التخلي عنا هنا حيث قادنا, ولكنْ, أكان يمكن أن يحدث شيئاً بيننا في ذلك البيت المزدحم بأشباح عشاق. ما كانت هي ولا كنت أنا. تحدثنا لغة ليست لغتنا. قلنا كلاماً غبياً لفرط تذاكينا. طوال السهرة, كنا نعاند تعب الأسئلة, نغالب نعاس الأجوبة. أمَا كان يحق لصبرنا من سرير تتمدد عليه رغباتنا المؤجلة ؟
تمددتْ جواري في ذاك السرير, أنثى منزوعة الفتيل. ضممتها إلى صدري طفلة وديعة, تلوذ بي, انتابني خوف مفاجيء بفقدانها. شعرت أن الموت سيسرق أحدنا من الآخر وأننا قد لا نلتقي أبداً. عاودني ما قاله ناصر: ماذا لو دبر لها زوجها ميتة "نظيفة", أو ماذا لو اغتالها القتلة مثلاً. لم يكن هاجسي احتمال موتي أنا, إنما قصاص العيش بعدها. كانت فكرة موتها الحقيقي, امتحاناً فاضحاً لعشقي إياها. فأنت لا يمكن أن تدرك مدى حبك لشخص, إن لم تتمثل محنة الغياب, وتتأمل ردود فعلك, وأحاسيسك الأولى أمام جثمانه. كنا متمدّدين بثيابنا في غرفة فرانسواز, تحيط بنا صورها المرسومة على اللوحات. ضممتها إلى صدري, وقلت وأنا أقبلها: نامي يا حبيبتي .. تصبحين على كتاب.
استيقظنا صباحاً على فاجعة الضوء. هكذا فجأة نفذ الوقت. يوم ماكر يتربص بسعادة تتثاءب لم تغسل وجهها بعد. سرير غير مرتب لليلة حب لم تكن. وعبور خاطف لرائحتها على مخدع امرأة أخرى. قلت وأنا أرافقها لانتظار التاكسي: ما جدوى كل اختراعات الإنسان إن لم يخترع آلة لإيقاف الزمن بعد. علّقت بنبرة تشي بمرارة خيبتها: وما جدوى أن يخترع الإنسان آلة لإيقاف الزمن, إن كان سينفق ما كسب من وقت لمجرد تناول الفطور والعشاء!. كانت على حق.  

إنها التاسعة والنصف صباح أحد. وضعتُ شيئاً من الموسيقى, ورحت أخفي آثار ما لم يحدث في بيت غادرت زائرته, صافقة باب الحلم خلفها. عندما نراجع حياتنا نجد أن أجمل ما حدث لنا كان مصادفة, وأن الخيبات الكبرى تأتي دوماً على سجاد فاخر فرشناه لاستقبال السعادة. قررت عن أسى الإستعداد لمغادرة هذا البيت قبل خروج زيّان يوم الأربعاء من المستشفى. فعليَّ ألا أترك ما يشي بمروري. ذهبت إلى زيّان في المستشفى. كان في المستشفى حركة غير عادية, بسبب الزيارات التي تتزايد أيام العطل. طرقت الباب عليه, ثم فتحته, ولكني فوجئت بعجوز هزيلة تشغل مكانه على السرير, فاعتذرت وغادرت مسرعاً. وحين استفسرت عنه, سألتني الممرضة إن كنت من أقاربه. أجبت نعم. قالت: لقد اتصلنا بالرقم الهاتفي الذي في حوزتنا لنخبركم بتدهور صحته ليلة البارحة, وتركنا رسالة صوتية نطلب حضور أقاربه, ولم يتصل بنا أحد. نزل عليّ موته كصاعقة. كان احتمال موته قائماً, ولكنني لم أتوقع أن يأتي سريعاً, ولا بهذا التوقيت. هو سيد التهكم والصمت الملتبس, ما ترك لي فرصة لكذبة أخيرة, كنت أعددتها لأبرر انشغالي عنه. عندما وصلت إلى البيت, شعرت بهول الفاجعة. ارتميت على أريكة الصالون منهكاً كحصان سباق. كان عليّ أن أجلس لأفهم ما الذي أوصلني إلى هذا البيت, أنا الذي كنت ألهو بممازحة الأدب, أكنت أمازح القدر دون علمي؟ يوم قرأت سيرة ذلك الرسام, تمنيت أن أكرر حياته بما تستحق الإعادة من ذكاء. ولكن من يتذاكى مع "المكتوب"؟ سعدت أنني سأترك هذا البيت قريباً.

في الموت, الدور الأكثر تعاسة, ليس من نصيب الذي رحل وما عاد معنياً بشيء, إنما من نصيب الذي سيرى قدر الأشياء بعده. ماذا ستفعل بهذه الغربة الفضفاضة لرجل ضاق به الوطن وترك لك ما خاله وطناً كتباً في الشعر, وأخرى في تاريخ الجزائر, أشياء صغيرة لها ذكرى وحده يعرفها.

أذكر عندما زرته في إحدى المرات, وكان عليّ أن أغادر الغرفة وأنتظره بعض الوقت في الخارج ريثما تنتهي الممرضة من خدمته, راح يعتذر لي عن انتظاري. قال لي: هذه أول مرة أدخل فيها المستشفى مذ بترت ذراعي منذ أكثر من أربعين سنة. لا أحب مهانة المرض. ما أنقذني أنني تعودتُ في الحياة أن أواجه النظرات التي تُعرِّي عاهتي بأن أتغابى. التغابي هو بعض ما أكتسبته من اليتم. عندما تعيش يتيماً, تتكفل الحياة بتعليمك أشياء مختلفة عن غيرك من الصغار. تعلمك الدونية. كل يتيم هو مريض بدونية يتداوى منها حسب استعداداته النفسية. أستعيد الآن كلامه هذا. ما زلت غير مصدق أن يكون في توقيت موته مصادفة, ولا أرى سبباً لتدهور مباغت لصحته. فلا شيء عندما التقيت به قبل ذلك بيوم, يشي بأن حياته في خطر أو أنه يعاني من انتكاسة ما. عندما رجعتْ فرانسواز وأخبرتها بالأمر انهارت على الأريكة باكية. قالت لي: أين كنت ؟ آه صحيح.. ربما كنت يومها تتعشى عند مراد. بقيت صامتاً للحظات, وأنا أستنتج من عبارتها أنها على اتصال دائم مع مراد. لم يكن الظرف مناسباً لأمعن التفكير في غدر صديق أثناء انشغالي بتفاصيل موت صديق آخر. كنت رجلاً بإمكانه أن يتفهم خيانة زوجة, ولكنه لا يغفر خيانة صديق. فخيانة الزوجة قد تكون نزوة عابرة, أما خيانة الصديق فهي غدر مع سبق الإصرار. وضعت تلك الجملة بيننا مسافة من جليد الجفاء. واكتفيت ليلاً بضمها إلى صدري, وأنا أفكر في اقتراب ليلة سيحتل فيها مراد مكاني عابراً لهذا السرير.. المقيم .

لأنني لم أنم. غادرت البيت باكراً صباح اليوم التالي لأقضي بعض ما تأخر من مشاغلي, واستعداداً لعودة وشيكة إلى الجزائر. وعندما عدت مساءاً, أخبرت فرانسواز بأنني أريد نقل جثة زيّان للجزائر, وطلبت منها متابعة الإجراءات الإدارية. بينما ذهبت أنا لمراجعة الخطوط الجزائرية..

مات الوقت يا عزيزي, أنت الآن في الوقت المجمد. كان زيّان في رسمه الأخير زاهداً في الحياة, كأنه يرسم أشياء تخلى عنها أو تخلت عنه. جثث أشياء ما عادت له, ولكنه ظل يعاملها بمودة العشرة. كان يرسم فاجعة الأشياء, أو بالأحرى خيانتها الصامتة أمام الفاجعة. بقيت أتحين الفرصة لأسال زيّان عن تفاصيل موت إبن أخيه لاعتقادي أن تفاصيل تلك الميتة دمرته أكثر من الموت نفسه. فقال لي مرة : أصبح ضرورياً إصدار كاتولوغ للموت العربي, يختار فيه الواحد طريقة موته. بإمكانك أيضاً أن لا تموت دفعة واحدة. ثمة أنظمة عربية تقدم تسهيلات في الموت, فتلقمك إياه بالتقسيط. مات إبن أخي سليم أكثر من مرة.. آخرها كانت بالرصاص. كان سليم مولعاً بالعلم, فأرسلته الدولة لفرنسا للدراسة, كي يتمكن من إدخال نظام المعلوماتية إلى أجهزة الجمارك في قسنطينة. عندما استلم وظيفته كان المجرمون قد بدأوا في قتل موظفي الدولة, فطالب بسكن أمني, فأعطوه بيتاً منفياً على مشارف جبل الوحش. ولكنهم جاؤوه عندما اعتقد أنه ظفر بالأمان. وفي آخر لحظاته أوصى امرأته أن تسد الدين لزميل له إن هي حصلت على "دية" من الجمارك. تصور.. رجلاً يوصي امرأته أن تسد دينه بعد موته, بينما سادة لهم مدخول من الجثث ينهبون وطناً والناس يموتون .

مساءاً عدت إلى البيت محملاً بزجاجة خمر فاخرة, وبقارورة عطر ملفوفة بكثير من الشرائط الجميلة هدية لفرانسواز. كنا في أعياد نهاية السنة. وقبل أن أجلس إلى  كأسي, طلبت ناصر لأخبره بوفاة زيّان, وكنت أجّلت الإتصال به إلى اليوم, حتى لا أجدني مضطراً إلى الحديث مع مراد, الذي انتهى أمره بالنسبة لي, وحتى لا ينقل ناصر الخبر إلى "حياة" فتفسد عليّ قدسية حزني. فقد أصبح موت زيّان قضيتي وحدي .
تذكرت زيان يوم طلب مني أن أغلق باب غرفته كي يشعل سيجارة. سألته متعجباً: أوَليس التدخين ممنوعاً في المستشفى ؟ فرد مبتسماً: نعم.. بل يعادل ارتكاب جريمة. ولكن كما قال أمل دنقل: خلق القانون ليُخترق. ثم أنت لا تستطيع يا رجل أن تعيش وتموت مطيعاً, ولا أن تموت جباناً في السابعة والستين من عمرك.. وتخاف سيجارة! لا تصدق أن الأشياء مضرة بالصحة. وحدهم الأشخاص مضرون. ولذا كلما تقدم بي العمر, تعلمت أن استعيض عن الناس بالأشياء, أن أحيط نفسي بالموسيقى والكتب واللوحات والنبيذ الجيد, فهي على الأقل لا تكيد لك ولا تغدر بك. كانت حكمة ذلك الرجل هي ما يذهلني. وصوته لم يفارقني. يأتيني في كل مناسبة. وسعادتي اليوم تكمن في تلك الأشرطة التي سجلت عليها جلسات حوارانا. رجل مات وترك لي صوته, بين غيوم اللغة وصحو الصمت, يدرّبك على إزالة خدع الحياة الفتّاكة وألغامها .
أنا الذي جئت إلى فرنسا لأستلم جائزة. أكان القدر قد جاء بي, فقط لأكون اليد التي تستلم جثماناً ؟ نهضتْ فرانسواز إلى المطبخ. ناديتها وطلبت منها الجلوس بجواري. قلت لها: في موسم قطف الرؤوس وحصاد الأقلام, فشلنا نحن الصحافيين في العثور على أسماء مستعارة نختفي خلفها من القتلة, الكل اختار إسمه الجديد حسب ما صادفه من أسماء. أنا انتحلت إسم بطل في رواية أحببتها. فخالد بن طوبال ليس أنا, إنما زيّان. إنها لعبة الأقنعة في كرنفال الحياة. فقالت فرانسواز : ولكن ما اسمك ؟ فقلت: وماذا يغير إسمي, ما دمت تعرفين لقب فمي وكنية يدي, أي قصاص أن تحملي إسمك قيداً مدى العمر !
الموت يضع ترتيباً في القرابات. برغم تلك العشرة, تعود فرانسواز غريبة, فموعدها الأخير مع زيّان تم في المستشفى. ودّعتني فرانسواز بعدما أقلتني إلى المطار بسيارتها, عرضتْ عليّ أن تحضر مراسم رفع الجثمان, ولكني عارضت لأني كنت أتوقع حضور "حياة" صحبة ناصر, وكنت أريد لجمالية ذلك المشهد التراجيدي ألا يفسده أحد علينا. في حضرة زيّان, اكتشفت أنني فقدت القدرة على البكاء, ولم يبق لي أمام الحزن إلا ذلك الأنين الأخرس للحيتان في عتمة المحيطات .

فجاة لمحتها, كانت برفقة ناصر, إذن جاءت. عرّفني ناصر بأخته. كان أولى أن أعرّفه بها. مدّت يدها نحوي. المرأة ذات المعطف الفرو, لم تقل شيئاً, عساها تخفي تردد أكفّنا وارتباكها لحظة مصافحة. تحاشينا أن تطول بيننا النظرات. ضمني ناصر إلى صدره طويلاً.

عندما انتهينا من قراءة الفاتحة على روحه, ابتعدنا ثلاثتنا نحو ركن قصي من الصالة. ثم علا صوت المضيفة في المطار على الميكروفون يطالب المسافرين إلى قسنطينة الإلتحاق بالبوابة. ضمني ناصر إلى صدره وقال: ربي يعظم أجرك, ويحميك. ثم وقف ناصر أمام الجثمان لحظات متمتماً بكلمات كأنها دعاء. مدت يدها نحوي مودعة. رأيتها لأول مرة أمام جثمانه مجهشة بالبكاء. وتركتني ومضت. وحدي كنت معه, عندما جاؤوا لنقله. حملوه ليقبع هناك شخصاً بين الأمتعة. أما أنا فولجت الطائرة متاعاً بين الركاب. وذهب آخر رفاق الريح فنم نومة لوحة ! ما عاد جسرك جسراً يا صاحبي .
استعادت المطارات دورها المعتاد. في كل مطار ينتصر الفراق, وتنفرط مسبحة العشاق. يا رجل الضفتين, مسافة جسر وتصل. وتستقر في حفرتك على مرمى قدر, لك قبر في ضيق وطن. لم يحدث أن عرفت موقفاً غريباً كهذا. السفر مع جثمان ميت, حجزت له بنفسي تذكرة معي, أو بالأحرى حجزت لنفسي تذكرة معه.
كنت دائم التنبه إلى الفتاة الجالسة بجواري, إلى عطرها الخفيف, وإلى تلك الرغبات الصامتة التي تولد في العتمة. يكفي شيء من الضوء الخافت, لتستيقظ الحواس وتصبح النساء أجمل مما هنَّ عليه .

كم حلمت بطائرات تأخذني إليها, بمدن جديدة نزورها معاً. حلمت برقمها يظهر على شاشة هاتفي, بصوتها يتناول معي قهوتي, يطمئن عليّ, صوت يأخذ بيدي. لكن, دوماً كانت لي مع هذه المرأة متع مهددة. ليس ثمة غير هذه الجثث التي بيننا. حطت الطائرة على الأرض. ذهب تفكيري عنده, إلى نعشه الذي يرتج اللحظة مرتطماً بتراب قسنطينة. هنا نفترق أنا وهو. عليك أن تعرف أنك منذ الآن في حماية الديدان .
كان أزيز الطائرة يغطي صخب صمت تقاسمته طوال الرحلة معه. كان صوت المضيفة يعلن: الحرارة في الخارج ست درجات. الساعة الآن تشير إلى الحادية عشرة والنصف ليلاً. الرجاء إبقاء أحزمتكم مربوطة. لقد حطت بنا الطائرة في مطار محمد بوضياف .. قسنطينة ..

                                    النهاية.







  1. ما هو السبب التي جعلت صاحب المعرض يتغيب عن معرضه الخاص

    ردحذف