الاثنين، 12 مارس 2018





تلخيص رواية:
فوضى الحواس: أحلام مستغانمي.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

عكس الناس, كان يريد أن يختبر بها الإخلاص, وأن يجرب معها متعة الوفاء عن جوع, أن يربي حباً وسط ألغام الحواس. هي لا تدري كيف اهتدت أنوثتها إليه. هو الذي, بنظرة, يخلع عنها عقلها, ويلبسها شفتيه. كم كان يلزمها من الإيمان, كي تقاوم نظرته! كم كان يلزمه من الصمت, كي لا تشي به الحرائق!
اليوم عاد.. هو الرجل الذي تنطبق عليه, دوماً, مقولة اوسكار وايلد: "خلق الإنسان اللغة ليخفي بها مشاعره". ما زال كلما تحدث تكسوه اللغة, ويعريه الصمت بين الجمل. وهي ما زالت أنثى التداعيات. تخلع وترتدي الكلمات عن ضجر جسدي.. على عجل. تذكرُ جلست وحيدة في تلك الزاوية اليسرى, من ذلك المقهى "مقهى الموعد". منذ ذلك اليوم وهي تتصدى لشوقها الذي فخخه بالتحدي. تُلهي نفسها عن حبه, بكراهيته, في انتظار العثور على مبرر مشرف للإتصال به. في تمويه لإخفاقات عِشقِيّة, عرضتْ عليه يوماً أن يصبحا صديقين. أجابها ضاحكاً: لا أعرف مصادقة جسد أشتهيه. أنت أشهى عندما ترحلين, ثمة نساء يصبحن أجمل في الغياب. ولم تفهم ما الذي كان يعنيه. أما الذي كان يعنيها, فأن تستمع إليه. هي كانت تريد أن تسأله فقط : كيف هو؟ ولكن قبل أن تقول شيئاً, سرق منها السؤال الذي لن يطرح غيره بعد ذلك, وقال: كيف أنتِ ؟ وهي قبل اليوم لم تكن تتوقع أن يربكها الجواب عن سؤال كهذا. أجابته بنية المباغتة: الحمدلله , وأنت ؟ , ظلت عيناها تتابعانه. فقال : أنا مطابق لك. ثم أضاف بعد شيء من الصمت: تماماً. أحببتُ هذه القصة, التي كتبتُها دون أن أعي تماماً ما كتبت. فأنا لم يحدث أن كتبتُ قصة قصيرة. كل ما كان يعنيني, أن أكتب شيئاً. أي شيء أكسر به سنتين من الصمت. لا أدري كيف ولدتْ هذه القصة. أدري كيف ولد صمتي. ولكن تلك قصة أخرى.


منذ يومين, فاجأتُ نفسي أعود إلى الكتابة. هكذا.. دون قرار مسبق. كعادتي عندما أنتهي من الكتابة ليلاً, عدتُ إلى قراءة ذلك النص أول ما استيقظت. قرأتها عدة مرات, بنشوة متزايدة كل مرة. فقد كتبتُ أخيراً نصاً جميلاً. والأجمل أنه خارج من ذاتي. وأنني تصورت فيه كل شيء. وهذا في حد ذاته, إنجاز أدهشني. فأنا لم يحدث يوماً أن تعرفت إلى رجل يشبه هذا الرجل, في نفوره الجذاب, وحضوره المربك, وله هذه القدرة الخرافية على خلق حالة من الإرتباك الجميل. في الواقع, إن يجبها عن سؤالها (كيف أنت ؟) بقوله (أنا مطابق لك.. تماماً) فهذا لا يعني سوى أنه قرر أن لا يقول لها شيئاً. وحده هذا الرجل يعنيني. بي فضول نسائي لفهمه. بي تحد ليس أكثر. وهكذا جلستُ إلى دفتري, ورحت أواصل كتابة القصة وكأنني لم أتوقف بالأمس عن كتابتها.
ذات مطر.. جاء صوته على الهاتف: كيف أنتِ ؟ أما زال لك ذلك الولاء للمطر؟ قالت: أجل.. أحياناً. سألها: هل أراك غداً ؟ فكرت أنه يكون جميلاً لو ذهبنا لمشاهدة ذلك الفيلم معاً, في يوم ممطر. سألته: أين نلتقي؟ قال: في سينما اوليمبك. ثم استدرك: أو إذا شئت..  انتظريني عند مدخل الجامعة. سأمر وآخذك من هناك. وقبل أن يمنحها وقتاً تقول فيه شيئاً, كان قد وضع السماعة مودعاً, ليتركها من جديد لأسئلتها.

سعدت بهذه النهاية التي لم أجهد نفسي كثيراً في العثور عليها. حتى إنني كتبتها هكذا كما جاءت. دون أن أفاضلها بأخرى, ودون أن أشطب أي سطر فيها. هذا الرجل كان يصر على الصمت, وأصر أنا على استنطاقه. ها قد جعلته ينطق أخيراً, يقول كلاماً أردته أنا. فهل هزمته حقاً ؟ وبرغم ذلك, بإمكاني أن أعترف بأنه فاجأني. لا لأنه طلب للمرة الثانية من المرأة أن ترافقه لمشاهدة ذلك الفيلم في السينما, ولكن لأنه أعطاها إسم قاعة سينما لم أسمع بها من قبل. فجأة, خطر ببالي أن أبحث في الجريدة, إن كانت هذه القاعة موجودة حقاً. رحت أدقق في كل الجرائد القديمة المكدسة في مكتب زوجي, عن إن كان حقاً هناك قاعة تدعى اوليمبك, وأن هناك فيلم يدعى حلقة الشعراء. وعثرت على ذلك الفيلم معروضاً في القاعة نفسها. مفاجأة الإكتشاف جردتني من منطق الأجوبة. فأنا لم أعد أدري إن كان قد نزل عليّ وحي ما, لكتابة أشياء لا علم لي بها. وهل يجب أن أحذر هذه القصة التي جاءت مخيفة في تفاصيلها, أم هل أجد فيها إشارة من القدر ووعداً بلقاء ما ؟ أتراني قد وقعت تحت إغراء الكتابة وفتنتها لأصدق أن هذا الرجل هو الذي أملى عليّ موعداً.. كتبته بيدي ؟
إن كل قصة ترسو بك على شاطيء المفاجأة. أما إذا كان الرجل هذا زوجاً, فستوصلك القصة حتماً إلى سلسلة من المفاجآت. أتوقع أن يكون زوجي قد خلق بمزاج عسكري, وحمل السلاح قبل أن يحمل أي شيء. وإنني سعيدة بسكينتي أو استكانتي إليه. تاركة له الدور الأجمل. دور الرجولة التي تأمر, وتقرر, وتطالب...وتتمادى. كنت أجد في تصرفاته شيئاً من الأبوة التي حُرمت من سلطتها. أذكر.. بدأت علاقتنا بانبهار متبادل وبعنف التحدي المستتر. كان لا بد أن أتوقع أن العلاقات العنيفة هي علاقات قصيرة بحكم شراستها. تنبهت بعد ذلك, إلى أن أبوته هي التي كانت تعني لي الأكثر. وأن مهامه السياسية ورتبته العسكرية لم تكن تعنيني بوجاهتها, وإنما لكونها استمراراً لذاكرة نضاليّة نشأتُ عليها, وعنفوان جزائر حلمت بها. كم مر من الوقت, قبل أن أكتشف حماقة خلطي عقدة الماضي.. بالواقع المضاد. تماماً, كخلطي الآن, بين وهم الكتابة.. والحياة, وإصراري على الذهاب إلى ذلك الموعد.

بين الرغبات الأبدية الجارفة.. والأقدار المعاكسة.. كان قدري. كنت, في الواقع, مأخوذة بمقولةٍ لأندريه جيد " إن أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل". مأخوذة بها لدرجة أنني, عندما اقترح عليّ الجنون أن أذهب إلى موعد ضربه بطل في قصتي لامرأة أخرى, أخذت اقتراحه مأخذ الجد, وقررت أن أذهب بذريعة كتابة شيء جميل. كنت مرتبكة لعدة ساعات قبل الموعد, ذلك الإرتباك الذي يسبق لقاء لا ندري ماذا ينتظرنا فيه, ولكننا نصر على الذهاب إليه, لأن شيئاً ما يأمرنا بأن نذهب. ولكني كنت أعي تماماً أنني أرتكب حماقة غير مضمونة العواقب, بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم, في مدينة مثل قسنطينة, لا ترتاد فيها النساء قاعات السينما. فما بالك إذا كانت هذه المرأة زوجة أحد كبار ضباط المدينة, وتصل إلى السينما بسيارة رسمية, لتجد في انتظارها جيشاً من الرجال الذين لا شغل لهم سوى التحرش بأنثى. ولهذا, تعمدت أن أصل متأخرة عن الفيلم بربع ساعة, كي لا أقف في طابور الإنتظار. تماماً كما طلبت من السائق أن يعود قبل موعد انتهاء الفيلم بربع ساعة.  وكما توقعت, كان الحضور جميعه رجالاً. وحدهما رجل وامرأة, كانا يجلسان على انفراد في آخر القاعة ويبدو أنهما كانا هنا لسبب آخر. استنتجت أنهما (هما) فاخترت لي مكانا خلفهما تماماً, وكأنني أحتمي بهما. كانت يد المرأة تتحرك ببطء نحو ذلك الرجل, وهو ما شجعني على الإعتقاد بأنها هي المرأة "ذاتها". ما دامت ليست معنية بهذا الفيلم, بقدر ما هي معنية بالتحرش بهذا الرجل. هذا الرجل الذي يبدو لي من الخلف, يقارب الأربعين, من الأرجح أنه "هو". ها هو يخلع معطفه, ويضعه على ركبتيه, بطريقة يغطي بها ركبتي تلك المرأة أيضاً. ولن يكون من الصعب بعد الآن أن أتصور ما سيلي ذلك! إنه في النهاية, ينتمي إلى السلالة الأسوأ من الرجال, تلك التي تخفي خلف رصانتها ووقارها, كل عقد العالم وقذارته .
في لحظة من الخيبة كدت أهم بمغادرة القاعة, ولكني تذكرت أن السائق لن يحضر قبل انقضاء ساعة. وهكذا عدت لأتابع الفيلم, محاولة تجاهل ما يحدث حولي. فجأة شعرت أن شيئاً قد وقع مني. تحسست أذني, وإذا به قرطي قد سقط أرضاً. انحنيت لأبحث عنه, وإذ بولاعة تشتعل على مقربة مني, ورجل ينحني ليضيء لي المكان. فاجأني وجود هذا الرجل, الذي كدت أنسى أنه جالس جواري. فجأة قررت أن أكف عن البحث. لم يعد أمر القرط يعنيني. كل الذي يشغلني نظرات هذا الرجل, أو على الأصح حضوره المربك. الحب يجلس دائماً على غير الكرسي الذي نتوقعه. تماماً, بمحاذاة ما نتوقعه حباً. وبعد فترة جاء السائق, فاستأذنت لأخرج, وأعتقد أن نظرات هذا الرجل قد رافقتني حتى مغادرتي القاعة .

في هذه المدينة التي تستعير فيها النساء من بعضهن بعضاً كل شيء, ماذا لو استعرت الشيء الوحيد الذي لا أملكه؟ جسد امرأة غيري, قصتها مع رجل يعنيني أمره. أود لو كان بإمكاني أن أتنكر في زيها, ليكون لي حق رؤيته. ولكن كيف؟ وأين؟ تستدرجني هذه التفاصيل, إلى فكرة على قدر من الجنون, فأركض نحو مكتبي, أحضر الدفتر وأشرع في قراءة تلك القصة, بحثاً عن شيء محدد, ما أكاد أعثر عليه, حتى أتوقف عن القراءة, بفرحة من عثر على شيء أضاعه في البحر. لقد عثرت على اسم المقهى الذي كانا يلتقيان فيه.    

سائق الأجرة الذي طلبتُ منه مرافقتي إلى مقهى "الموعد", بدا عليه شيء من الإندهاش, جعلني أعتقد أن لا وجود لهذا المقهى. كنت أعي أنني أقترف حماقة أخرى, بذهابي إلى مكان لا أعرف عنه شيئاً. حتى أنني لست واثقة من وجود ذلك الرجل فيه. كان المقهى أكثر هدوءاً مما توقعت. وبرغم ذلك دخلته بارتباك واضح. بدا لي المكان شاسعاً. يجلس في ركن أيسر منه شاب وفتاة. وفي زاويته اليمنى رجل بقميص أبيض, منهمك في الكتابة. جلست في الزاوية المقابلة له. لم أتوقف عن متابعة ذلك الرجل في كل أوضاعه النفسية, وتقلباته المزاجية أمام ورقة. كان على قدر من الوسامة. وكنت أشعر بمودة غامضة تجاهه. إحساس ما, كان يقول لي إنني في زمن ما, أحببت رجل يشبهه, أو إنه يشبه تماماً رجل سأحبه يوماً. وفجأة جاء رجل يرتدي قميصاً أسود, في العقد الرابع من عمره. بدا على الرجل وكأنه يعرفني, فقد ألقى نحوي نظرة مندهشة, ثم سلاماً ودياً بإشارة من رأسه. وذهب للجلوس جوار ذلك الرجل, وراحا يتبادلان حديثاً, لم يصلني منه شيء. من هو هذا الرجل ؟ تراه يعرفني ؟ أم يعرف أخي.. أو زوجي؟ وفجأة اقترب مني الرجل ذو القميص الأسود, وفي يده صحن عليه بعض قطع من السكر. لا ادري كيف انتبه لما كنت سأطلبه, شكرته وبقيت لحظات أتأمله أثناء عودته إلى طاولته. اقترب إلى طاولتي الرجل ذو القميص الأسود, وقال: أتسمحين لي بالجلوس ؟ فأجبته: طبعاً. ولكنه لم يجلس. وقال: أنا أكره هذا المكان.. وأفضّل أن نذهب لنتناول شيئاً في مقهى آخر.. أيزعجك هذا؟ أجبته: قطعاً. ولم أملك سوى أن أتبعه .

ما الذي أوصلني إلى هنا؟ ترى فضولي الأدبي هو الذي جعلني أدخل مغامرة على هذا القدر من الغرابة؟ أم تراني أذهب إلى الحب بذريعة الأدب؟ وكيف لرجل لم يقل سوى كلمة, أن يأتي بي حتى هنا, دون أن أسأله حتى من يكون. وكأن كل قدراتي العقلية قد تعطلت, لتنوب عنها حواسي.

عند "سيدة السلام" توقفتْ بنا السيارة, أمام مقهى شاهق الموقع, هاديء الأجواء. كنت أعد نفسي لكلام كثير. ولكنه لم يقل شيئاً. أشعل سيجارة, وراح يتأملني. ثم قال: أخيراً أنتِ ! غريب حقاً.. أن أصادفك في ذلك المقهى. شيء فيك تغيّر منذ ذلك الوقت. قلت وأنا أسايره : أعترفُ أنك فاجأتني.. قبلك لم أر رجلاً يلبس الأسود في هذه المدينة, لكأن الرجال يخافون هذا اللون أو يكرهونه. عجيبة علاقتنا التي بدأت في العتمة. ابتسم وقال: ولكننا لم نلتقِ في العتمة. كل البدايات جميلة في الحب.. وأجملها بدايتنا. مذهل هذا الرجل, بكلامه المربك كصمته, ومنطقه المعقد والبسيط في الوقت نفسه. قلت له : أي أسم كنت تريد أن تحمل ؟ فقال: الأسم الذي اخترتِه لي في كتابك.. إنه يناسبني. لم أصدق ما سمعت. جوابه كان يعني أنه يدري من أكون. ولكن, من تراه يكون هو.. ليتحدث إليّ وكأنه خارج توّاً من قصتي؟  قلت له : لماذا تناديني "سيدتي".. من أخبرك أنني متزوجة ؟ ابتسم وقال: ثمة نساء جئن العالم بهذه الرتبة, وأية تسمية أخرى هي إهانة لإنوثتهن. ما عدا ذلك فحالتك المدنية لم تعد تعنيني. قلت: ماذا تعمل في الحياة ؟..أقصد ماذا كنت تريد أن تكون؟ قال: كنت أريد أن أكون ممثلاً.. أو روائياً كي أعيش أكثر من حياة, ولكنني رسام, وراض تماماً عن مهنتي. قلت: كنت أعرف في السابق رساماً من قسنطينة. قال وهو يتأملني: أحبك في هذا الثوب.. الأسود يليق بك. ما زلت أذكر الثوب الذي كنت ترتدينه يوم رأيتك أول مرة. ولكن الذي أحزنني يومها أنني لم أستطع أن أتبادل معك ولو كلمة واحدة. كل الأضواء كانت ضدنا. ربما لأننا كنا الأجمل في زفاف كان لغيرنا. شعرت أنه يتحدث عن امرأة غيري, فأنا لا أتذكر أني ذهبت إلى زفاف بمفردي ولبست ثوباً كهذا. خفت أن أصارحه, فأكسر كثيراً من جمالية وهمِ كلٍّ منا بالآخر. فبقيت صامتة. قال: أتدرين لماذا تركت لسائق السيارة حرية اختيار مكان لنا, وجازفت بموعدنا الأول؟ وقبل أن أسأله "لماذا؟" واصل: لأنه في الحب لا بد أن تكون لك علاقة ثقة بالقدر. أن تتركي له مقود سيارتك. ثم رفع يده وطلب من النادل الحساب.. وسيارة أجرة. وما هي إلا دقائق حتى كنا متجهين معاً صوب فراق, ونحن بعدُ مقبلان على حب. سألته: متى نلتقي؟ أجاب: سأتصل بك. قلت: كيف ؟ فقال: لا تقلقي.. أعرف كل شيء. ثم طلب من السائق أن يوقفه أمام ضوء أحمر, ومده أمام دهشتي بورقة نقدية.. وبعنواني كاملاً, طالباً منه حتى يوصلني إلى الباب. وغادر السيارة قائلاً : سأشتاقك !!
من يكون هذا الرجل؟ من أين له كل تلك المعلومات ؟ وكيف يعرف حتى عنوان بيتي ؟ طبعاً, في منطق الأشياء كان يجب أن أعرف عنه أكثر مما يعرف عني, ما دام ليس إلا بطلاً في قصتي. فجأة ينتابني إحساس بالخوف من هذه القصة التي ستؤلمني حتماً. وبرغم ذلك أنجرف نحوها دون رادع, ودون الإستفادة من كل ما تعلمته في الحياة.
زوجي أصبح يبدي انزعاجه من جلوسي لساعات أمام طاولة الكتابة, بدل تخصيص هذا الوقت لطفل لا يأتي, دون أن يعترف تماماً بأن ما يزعجه, هو الكتابة بحد ذاتها. وراح يوجهني من طبيب إلى آخر, ليحوّل الأمومة مشكلتي وقضيتي الأولى. سنتان وأنا أرافق أمي دون اقتناع, وحتى دون رغبة حقيقية في الشفاء من عقمي .

عشرة أيام من الترقب الصامت. حاولت خلالها أن أتجاهل أنني أنتظر شيئاً. كنت لسبب غامض, واثقة تماماً من أنه سيتصل بي. ولكنّ الحياة كانت تكذب حدسي يوماً بعد آخر. كان اليأس يتسلل إليّ تدريجياً, ليكتسح مساحات شاسعة, ملأتها أملاً. حتى إنني أصبحت لا أغادر البيت, خوفاً من أن يأتي هاتفه أثناء غيابي. تسألني أمي عن أخبار زوجي أجيب أنه جيد. ماذا ستفعل أمي لو قلت لها في نوبة جنون, إنني أحب رجلاً آخر.. غير زوجي ؟ تراها عرفت الحب لتفهمني. هي التي لم تعرف حتى معنى الزواج, وتحملت نتائجه فقط. أبي ذهب ولم يعد, وكان له شرف الإستشهاد, ولها قدر الترمل في العمر الذي تتزوج فيه الأخريات .

توصلني أفكاري من جديد إلى ذلك الرجل. وأدري أن إمكانية العثور عليه في مدينة كهذه, ضئيلة جداً. ها أنا في سيارة رسمية. أجلس جوار سائق سلمته مقود القدر. أشعر براحة, لأنني لم أجهد نفسي في البحث عن مكان لهذا الموعد. ما دامت التفاصيل الصغيرة, مهمة القدر, فلأترك للقدر إذن حق التصرف. تركض بي السيارة نحو المجهول. والسائق الذي يعرفني, يعجب لأمري, ولا يفهم طلبي العجيب: " خذني حيث شئت.. أريد أن أتفرج على المدينة". ثم توقفنا عند أحد الجسور. اقتربت من سوره الحديدي, فتفاجئني قسنطينة كما لم أرها يوماً من جسر: هوة من الأودية الصخرية المخيفة. وأخذتني أفكاري. وفجأة خطفتني من أفكاري طلقات نارية انطلقت على مقربة مني. انتفضتُ, والتفت مذعورة خلفي. فلم ألمح سوى شاب يركض كسهم وسط الناس, ويختفي عند زقاق يتفرع من الجسر. بحثت عن السائق عمي أحمد, وإذ بجسده ممدد على الأرض ودم ينزف من رأسه, ومن صدره. ورحت أصيح للمارة : خذوه إلى المستشفى. بعد فترة جاءت سيارة الإسعاف وتم نقله إليها. انتابني شعور بأنني لن أراه ثانية بعد الآن. رحت مع شرطيان إلى المخفر. وهناك سألني الضابط عن الحادثة. ثم غاردت المخفر إلى عالم الذهول والفجيعة .

موت هذا الرجل جريمة قدر ؟ أم جريمة أدب ؟ وبالتالي إلى أي درجة أنا مسؤولة عن موته ؟ ولكن الأمور بالنسبة لزوجي, لا يمكن أن تكون مبسطة إلى هذا الحد. كانت الأسئلة التي تعنيه محض بوليسية, لا مكان فيها للقدر, ولا للأدب. وها أنا إذن, أمام شرح آخر لموته, شرح لا يبرأني أيضاً من دمه, ما دمت بجلوسي جواره, حولته في نظر الآخرين من سائق إلى ضابط, وجعلته بالتالي هدفاً لرصاصهم. لقد قتلت ذلك الرجل, لا بجنوني فقط, وإنما بطيبتي أيضاً. وتواضعي المبالغ فيه الذي يجعلني أصر على الجلوس بجواره, لأهدي إليه وهْمَ التساوي بي.

موت عمي أحمد قلب حياتنا رأساً على عقب. فأمام اقتناع زوجي بأنه هو الذي كان معنياً بذلك الإغتيال, قرر أن يأخذ تدابير أمنية جديدة. فهل من عجب أن أصابَ هذا الأسبوع بإحباط شبيه بالإنهيار العصبي. يومها لم ينقذني سوى مرور ناصر مصادفة ببيت أمي وكنت هناك. لا أذكر كم مر من الوقت على آخر لقاء لنا. ناصر يصغرني بثلاث سنوات ولكنه كان دائماً توأم حزني وفرحي, وتوأم رفضي أيضاً. ثم انكسر شيء بيننا فجأة, منذ زواجي وحل محله شيء من العتاب الصامت. ناصر تقاسم كل شيء مع الوطن وكانت تلك مصيبته .

لم أعد أذكر أي حدث بالتحديد كان سبباً لانهياري, وأوصلني حد فقدان شهية الحياة. أمي كانت مشغولة عني بحَجتها. وزوجي مشغول عني بمسؤولياته. وأخي بقضيته, والبلد بمواجهاته. وعندما أردت أن أجد لي رجلاً وهمياً, أطلقوا الرصاص على أوهامي. زوجي قرر أن يبعث بي إلى العاصمة لأرتاح بعض الوقت على شاطيء البحر, حتى مرور تلك الزوبعة. وكانت تلك أجمل فكرة خطرت في ذهنه منذ زمن بعيد, وهدية القدر لي التي.. لم أتوقعها.

قلما تأتي تلك الأفراح التي ننتظرها في محطة. مذ قررت أنه ليس هناك من حبيب يستحق الإنتظار, أصبح الحب مرابطاً عند بابي. وجئت إلى هذه المدينة بدون مشاريع. كان البيت رائعاً, بيت لا يغري سوى بالحب والكسل, وربما بالكتابة. والآن لا رغبة لي سوى في تناول فطوري, والخروج صحبة "فريدة" على الأقدام, لاكتشاف هذه المنطقة. سعدتُ اليوم بمشواري الصباحي. أذكر أنني مشيت يومها دون هدف محدد, بانبهار الإكتشاف الأول. وعدت إلى البيت مع فريدة محملتين بمشتريات.. وأحلام مختلفة. كنا نعيش أنا وفريدة على إيقاع جديد يتناسب مع حياة المصيف في العاصمة. فبالنسبة إلى فريدة التي قضت عمرها عبدة في بيت الزوجية, ولم تغادره سوى لتعود إلى أخيها مطلّقة. الحرية لم تكن أكثر من حقها في الحلم. كانت تشعر تجاهي بمسؤولية كونها مكلفة من طرف أخيها بالسهر على صحتي.

كانت تنتابني حالة من الضجر الجسدي كل يوم في وقت القيلولة. ارتديت فستاني وغادرت البيت لأتمشى. واصلت جولتي بحثاً عن بائع الجرائد. كل شيء أصبح فجأة يغريني بالقراءة. أذكر أنني كنت أطالع إحداها, عندما جاءني صوت من الخلف يقول: دعي الجرائد.. لا شيء يستحق القراءة هذه الأيام ! انتفضت.. والتفت خلفي. وكان هو. تسمرت مكاني دهشة. قال فجأة: أعترف بأنني لم أتوقع وجودك هنا. قلت: ولا أنا توقعت شيئاً كهذا. واصل مبتسماً: أما قلت لك تعلّمي أن تثقي بالقدر؟ قلت: أذكر ذلك. قال: أنا لم آت لأشتري جرائد. الآن بإمكاني أن أقول إنني جئت لأراك..ولكنني جئت لأشتري سجائر لا غير. مشينا خطوات معاً, ثم توقفنا. قال: أريد أن أراكِ. قلت: لا أدري كيف يمكن أن يتم ذلك. أخذ مني جريدة كنت أحملها, وخطّ على طرفها رقم هاتف وقال: اطلبيني على هذا الرقم, سنتفق على التفاصيل. افترقنا دون وداع كما التقينا دون سلام. وأعترف بأنني كنت أتمنى لو أنه بقي أكثر, لو أنه قال أشياء أكثر .
شيء يجرفني نحوه هذا المساء. شيء يركض بي. شيء يجلسني جوار هاتف. امرأة عجلى تطلب أرقامه الستة, وتنتظر كلمة منه. صوته يخترق صمتها يقول : كيف أنتِ ؟ انتظرت هاتفك. يواصل: جميل أن يأتي هاتفك ليلاً. هي لم تقل شيئاً بعد.. وهو يتحدث إليها كأنه يراها بتداخل الحواس. تقول له أول جملة تخطر في ذهنها : أحب صوتك. ويجيب: أحب صمتك. قالت : ها أفهم أنك لا تحب كلامي. قال: بل أريد أن أسمع منك ما أشاء, لا ما تقولين. قالت: ماذا تعرف عني ؟ قال : أعرف ما يكفي لأحذرك.. وما يكفي لأحبك أيضاً. قالت: وهل يجب ان أحْذرك ؟ قال: بل يجب أن تحذري الحب.. وتحبيني. قالت: ولكني أحبك. قال: حقاً ؟ ثم قال: أريد أن أراك.. أن ألمسك.. أن أقول لك أشياء دون أن نكون مجبرين على الكلام.  قالت: لا أدري أين يمكن أن نلتقي, فكل جيراني من الضباط.. وهم يعرفون زوجي, ولا يمكن أن أجازف بموعد. قال : إذا شئت بإمكاننا أن نلتقي عندي في البيت. ولكني أسكن في العاصمة, على بعد ساعة منك بالسيارة..لا أدري إن كان هذا يناسبك؟ قلت: دع لي يوماً للتفكير.. سأتدبر الأمر.
استيقظتُ في اليوم التالي مأخوذة بحالة عشقية. اتصلت به وقلت له: سأزورك اليوم بعد الظهر. فقال: أنا ليس لي برنامج غيرك. وبإمكانك أن تأتي متى شئت, ولكن الوضع لا يوحي بالأمان اليوم. أنا أسكن في شارع العربي بن مهيدي.. وهو شارع متفرع عن ساحة الأمير عبدالقادر حيث يتم اعتصام كبير هناك. فقلت: لا يهم سأسلك طريقاً آخر. فقال : توقعت منك قراراً كهذا.. إنه يشبهك. أفهمت لماذا أحبك ؟ قلت: لا.. لم أفهم, ستشرح لي كل هذا عندما أجيء!
ها هي ذي البناية أخيراً. أكاد لا أجتاز بابها حتى أشعر أنني أغادر عالماً وأدخل آخر. درجها المتسخ لا يعنيني. والطوابق الأربعة التي سأصعدها تزيد من حماسي. إن أجمل لحظات الحب.. هي عندما نصعد الدرج! وقبل أن أدق الباب, يفتح لي فأدخل.. وينغلق الباب خلفي. ألقي بحقيبة يدي على الأريكة, يقترب مني ويقول : كم اشتقتك..! قلت: وأنا.. ماذا غير الشوق جاء بي إليكَ؟ يجلس على الأريكة المقابلة لي. يتأملني وكأنه لا يتعرف إليّ. قلت: أريد أن أرى بعض أعمالك. قال: لقد تركتها في مدينة أخرى. يساورني فجأة إحساس بالشك في ما يقوله, وأنه لم يكن يوماً رساماً. كان يتحدث, وكنت مشغولة عنه, بالإنصات إلى يديه. فهو لا يستعمل منهما سوى واحدة: اليد اليمنى. ذهب ليعد القهوة واتجهت نحو مكتبته الخاصة. كانت تحتوي على كتب متعددة الإهتمامات. لا أدري أي مصادفة قادتني إلى كتاب "أعمدة الزاوية" لهنري ميشو, فقد كان هو الكتاب الوحيد الذي وضع عليه الرجل بعض ملاحظاته. شعرت وأنا أتصفحه أني وقعت على المفتاح الذي يفتح سر هذا الرجل. كنت ما أزال أتصفحه عندما عاد محملاً بالقهوة. سألته: أيمكنني أن أستعير منك هذا الكتاب. قال: طبعاً. كان صوته ملامساً لمسمعي. ما كدت التفت خلفي حتى وجدتني على حافة جسده. امتدت يده اليمنى على شعري, تلامسه مروراً بعنقي ببطء, وعبث مثير. ثم بدأ بتقبيلي. جلسنا على الأريكة, وسألني: فيم تفكرين؟ قلت له : أحب الرجال في الأربعين. قال : إن لي إحساساً بأنني قابلتك في بيت آخر, وقبّلتك في زمن آخر. ثم نظر إلى ساعته وقال: متى يحضر السائق ؟ أجبته: سينتظرني عند الخامسة.. في الشارع الخلفي. فقال: أمامك ربع ساعة, أنصحك بالذهاب. الوضع سيء, وقد تحدث مواجهات في الساعات القليلة القادمة بين المتظاهرين والجيش. وأمام الباب افترقنا دون قبلة, دون سلام. كلمات قليلة قالها: أنتظر هاتفك..أطلبيني حال وصولك لأطمئن عليك. لا أتعس من عاشق يهبط الدرج. وأعود للبيت بخوف أكثر وحماس أقل. حال وصولي البيت اتصل بي زوجي ليعلمني بأنه عليّ العودة إلى قسنطينة بعد غد. طلبت ذلك الرجل لأطمئنه بوصولي فقال بعد أن اطمأن على سلامتي: أنا مسافر غداً إلى فرنسا. قلت: ماذا ستفعل في فرنسا. قال: ما سيفعله الآخرون. أنا لست البطل الذي تتوهمين. أبطالك لا يمرضون, ولا يشيخون, وأنا متعب ومريض يا سيدتي. قلت: ومتى ستعود. قال: لا أدري.. أنا رجل عابر. وفي اليوم التالي, في الساعة السابعة صباحاً طلبت الرقم وأنا نصف نائمة. كان الهاتف يدق بطريقة شبيهة بالبكاء.. ولكن لم  يكن ثمة من أحد ليوقف بكاءه على الطرف الآخر للذاكرة. إنها ملهاة الحب الدائمة للتكرار. الآن فقط يمكن للصمت أن يبكي ...
نأتي للحب متأخرين قليلاً , متأخرين دوماً. جاء العيد. ولقسنطينة عيد آخر. أكره الأعياد. وهذا العيد كان أكثر الأعياد حزناً. كان عيد الغياب. ماذا يفعل الناس صباح عيد الأضحى غير الإنقضاض على لحوم الخرفان تقطيعاً وسلخاً ؟ أطلب زوجي على الهاتف لأعايده. أشعر أن هاتفي يفاجأه وربما يسعده. أسأله إن كان أرسل شيئاً إلى بيت عمي أحمد. يقول إنه نسي ذلك. أجيبه أني سأتكفل بالأمر. وقبل أن أواصل كلامي يدق في مكتبه هاتف آخر, ويتوقف بيننا الكلام. أطلب من السائق أن يأخذ نصف الشاة إلى بيت ذلك المسكين. وأطلب منه أن يوصلني قبل ذلك إلى المقبرة. تقابلت مع ناصر هناك, وتحدثنا في أمور شتى. في المساء, جلست لياقة لأشارك زوجي العشاء. زوجي كان مرهقاً إلى درجة لم يلحظ معها غياب شهيتي. تبادلنا أحاديث عادية, ثم اتجه إلى غرفة نومه وألقى بنفسه على السرير. أخبرته بلقائي بأخي ناصر فسألني: ألم يخبرك ناصر بشيء عندما التقيتيه. قلت : لا, عدا أن أمي عائدة بعد غد من الحج. فقال: ألم يخبرك أنه اعتُقل ؟ فقلت : اعتقل؟ لماذا؟ ومتى حدث هذا؟ فقال : إن كثيراً من الشبهات تدور حوله. إن أخاك يتكلم كثيراً. إنه يعتقد أن الأسم الذي يحمله يمنحه حصانة, ويعطيه حق شتم السلطة. لقد تدخلت هذه المرة لإطلاق سراحه, ولكن لا يمكنني أن أفعل هذا دائماً. نحن نعيش حالة من التوتر الأمني يجب ألا يكون فيها استثناءات حتى لأقرب الناس إلينا.. لا بد أن تشرحي له هذا!
كانت عودة أمي من الحج, هي كل ما يعنيني الآن. سعدت بالإنفراد بها, وكأنني أسرق منها بعض بركاتها, قبل أن تعود امرأة عادية. وأثناء حضور الجارات, أتركها وأذهب لناصر. قلت: لقد أبلغني زوجي أنك اعتقلت أثناء غيابي. فقال: وهل أبلغك أنه تدخل لإفراجي؟ إنها مراوغة سياسية ليجعلني مديناً له بهذه الخدمة, وليثير حولي الشبهات, ويجعل رفاقي يشكون في مصداقية معاداتي للسلطة, ما دمت لم أسجن سوى يومين ويبقون هم هناك لعدة أشهر. ماذا بقي لي من اختيارٍ سوى الرحيل؟ استمعت إليه, كمن لا يصدق أمراً لفرط غرابته, أو كمن يرفع الغطاء خطأ أمامك عن صندوق قمامة. سافر ناصر إلى ألمانيا منذ شهر, وأمي تطاردني بأسئلة عنه, لا أجد لها جواباً, ولا أدري ماذا أقول لها. أنا نفسي لم أعرف بوجهته إلا منذ أسبوع. وهكذا أصبحت أستمع برحابة صدر لتذمرها, وشكواها, وثرثرة أمومتها. ولا أملك إلا أن أستسلم مكرهة لكل نزواتها.
وحده الزمن سيدلك على الصواب حين يفقد الآخرون صوابهم. كان يوم 14 يناير 92 يوماً استثنائياً, حتى في طقسه. فقد توقفت فيه الأمطار التي هطلت قبل ذلك بغزارة, وجاء يوم مشمس. طوال الظهيرة, تعلقت عيون الجزائر بشاشة التلفزيون, الكل يريد أن يرى ويسمع هذا الرجل الذي دخل حزب الصمت, منذ ثلاثين سنة. ماذا تراه سيقول؟ منذ الأزل كنا ننتظر بوضياف دون أن ندري. وفي اليوم التالي استيقظت المدينة بمزاج جاهز للجدل. واستيقظتُ بمزاج جاهز للكتابة, وكأنني لم أجد طريقة للإحتفاء بعودة بوضياف, سوى العودة إلى ذلك الدفتر. فتحته حيث توقف بي الحب, وتوقف بي الحبر, منذ أربعة أشهر, عند قبلة. كانت نيتي أن أكتب شيئاً عن الحاضر, ولكن كانت عواطفي تلوي عنقي نحو الماضي, وتوقظ داخلي رجلاً آخر, رجلاً قال لي : تمنيت أن أموت وأنا أقبّلك. ورحل. من وقتها, وأنا أغذي الذاكرة بكلماته المحمومة, كي لا تنطفيء في انتظاره نار الجسد.

أحب تلك الهدايا التي تقدمها لك الحياة, فتقلب بمصادفة حياتك. في صورة تذكارية تجمع بوضياف مع أعضاء من "التجمع الوطني" أراه, وأكاد لا أصدق عيني. إنه.. "هو"! خطرت في ذهني فكرة , اتجهت نحو الهاتف وطلبت تلك الأرقام التي أحفظها عن ظهر قلب. وفي الدقة الثانية سمعت صوته: كيف أنتِ ؟ أرد:  أأنت هنا ؟ كيف عرفتني؟ يجيب: من صمتك. قلت: اشتقتك.. أريد أن أراك.. كيف أراك؟ ماذا فعلت بي لأحبك إلى هذا الحد؟ سألني: من أين تتكلمين؟ قلت: من قسنطينة.. من البيت. يرد: اطلبيني من مكان آخر. ويضع السماعة. ذهبت إلى عند أمي, وطلبته من هناك بينما كانت أمي تعد الغداء. يسألني: كيف أنتِ. أجبته كمن يحلم: الآن فقط بإمكاني أن أقول إنني جيدة.  كنت أعيش فراغاً في كل شيء. قال : احذري الفراغ.. إنه يصنع الرداءة. قلت: تبدو فاتر العواطف.. غير مشتاق. رد بنبرة ساخرة: بلى, أنا مشتاق وعندي لوعة.. ولكن هاتفك في البيت مراقب.. وربما هذا أيضاً. تحاشي طلبي من البيت. أفضل أن تأتي إلى العاصمة. سيكون ذلك أفضل.

النساء أيضاً كالشعوب, إذا هن أردن الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. لا أدري كيف استطعت أن أقنع زوجي بفكرة سفري إلى العاصمة للإستجمام على شاطيء البحر, في عز الشتاء! من الأرجح أنه مشغول عني بالمستجدات السياسية, وأن لا وقت للتجسس على مشاغلي النسائية. عدت بصحبة أمي إلى نفس البيت الذي جئته منذ أربعة أشهر مع فريدة. وفي اليوم التالي انطلقتْ بي السيارة ظهراً, سالكة طريق الحب نفسه.وصلتُ إليه. رجل لا إسم له ينتظرني. يتأملني. يضمني. وقبلة خلف باب مغلق. يسألني: هل وجدت صعوبة في الوصول إليّ هذه المرة؟ أجيب: الأصعب كل مرة أن أجتاز هذا الباب دخولاً.. وخروجاً! يرد: إبقي هنا إذن! قلت له: احجزني رهينة عندك.. أيمكنك هذا؟ فأجاب ساخراً: كلنا رهائن للوطن. قلت له وأنا أعبث بيده: أحبك. يحتضنني ويسحبني نحوه قائلاً: الحب أن تسمحي لمن يحبك بأن يجتاحك ويهزمك, ويسطو على كل شيء هو أنت. واستسلمت لاجتياح شفتيه لي. لم أكن أملك القوة, ولا الرغبة في مقاومته. اتجهت نحو الحمام كي أجدد هيأتي. استوقفتني زجاجتا عطر على رف المغسلة.  قلت له ناظرة إلى علبتَي العطر : ألأنني أبديت إعجابي بعطرك, أصبحت تشتري منه قارورتين ؟ رد ضاحكاً: لا.. لقد أحضرت معي هاتين القارورتين من فرنسا. كلما سافرت أحضرت واحدة لي, وأخرى لصديقي "عبد الحق". في الحقيقة, هو الذي جعلني أكتشفه. أعتذر, لأني لم أحضر لك شيئاً معي. لقد عدت على عجل. هل تسمحين لي أن أهدي إليك هذا العطر؟ فقلت وأنا أضع العطر في حقيبتي: تبدو فكرة جميلة. ولكن أتدري ما هو أجمل شيء يمكن أن تهديه إلي ؟ قال: ما هو.. ؟ قلت: الحقيقة! من حقي أعرف من تكون. ما اسمك ؟ فقال: لي إسمين أحدهما خالد بن طوبال. أردد مذهولة: ولكن.. يقاطعني: أدري.. إنه إسم بطل في روايتك.. ولكنه أيضاً إسمي. أجلس على طرف الأريكة. أتفرج على رجل أتعرف عليه, وأستعيد آخر كان رساماً من قسنطينة. أيعقل أن يكون هو؟  قلت له: هل هذا هو الإسم الذي يناديك به أصدقاؤك وزملاؤك في الشغل ؟ يرد: طبعاً.. وهو أيضاً الأسم الذي أوقع به مقالاتي. ثم أمام دهشتي يمدني بجريدة على مقربة منه, ويدلني على مقال سياسي يحمل توقيع خالد بن طوبال. ثم قال : تبحثين عن الحقيقة ؟ الكل يبحث عن الحقيقة. لأن الحقيقة تعبر عن نفسها بشكل رديء. ثم يطفيء سيجارته ويشرع في فك قميصه بيد واحدة. أتذكر أنني لم أره يوماً يستعمل معي إلا يده اليمنى كما بطل روايتي. أنتبه فجأة إلى ذراعه اليسرى, والتي تبدو مصابة بشلل يمنعها من الحركة, بينما تظهر أعلاها بعض التشويهات. وبدل أن أساعده على تزرير قميصه, امتدت يدي تخلع عنه القميص, وراحت شفتاي تتدحرجان على مساحة صدره فتكسوها قُبلاً .

لا أريد أن أصدق أن ذلك الرجل الذي ما انفك منذ ستة أشهر يقلب حياتي رأساً على عقب, هو خالد بن طوبال, ذلك الكائن الحبري الذي خلقته منذ عدة سنوات, ثم نسيته داخل كتاب. هذا الكائن أعرفه عن ظهر قلب. فقد عشت معه ما يقارب الأربعمئة صفحة وما يقارب الأربع سنوات, ثم افترقنا.

اتصلت به في اليوم التالي مساءأً فكان خطه مشغولاً. ثم دق الهاتف أخيراً, وجاء صوته: كيف أنتِ؟  قلت : بي شوق إليك. رأيت أن أطلبك وكان خطك مشغولاً طول الوقت. قال: كنت أتحدث مع صديقي عبد الحق. قلت: وهل ثمة من جديد؟ قال: لا..لا شيء, وأنتِ. قلت: أنا.. كنت أريد أن أسمعك. لي كلام كثير إليك, ولكن أصبحت أتحاشى المكاشفة, ربما يتنصتون إلينا الآن. قال: تعالي غداً. أريد أن أسرّب إليكِ جنوني. قلت:سأجيء.

ذهبت أمي إلى أحد الأعراس, وتركتني أستعد لتلك الأفراح السرية التي كانت تعنيني. وذهبت إليه ظهراً. قبّلني دون أن يقول شيئاً. فجلست على الأريكة المقابلة له, أتأمله. سألني فجأة : أما زلت تحبين زوربا ؟ قلت: ربما. أجاب: بل تحبينه. قلت: أجل. قال: تعالي إذن.. عندي لك ما يناسب مزاجك من متعة. سحبني من يدي إلى غرفة مجاورة, يؤثثها سرير شاسع. ووضع شريطاً لديميس روسوس. كنا على مشارف قبلة, عندما جاءت تلك الموسيقى إياها, مباغتة لنا. في حضرة زوربا.. خلع قميصه الأسود, وراح يجتاحني بحمى من القبل. بذراع واحدة يضمني, ويقول: إنها أول مرة أطل فيها من نافذة الصفحة لأتفرج على جسدك.. دعيني أراكِ أخيراً. كان يتقدم ويكتسح كل شيء في طريقه. يضع أعلام رجولته, على كل مكان يمر به. وكنت أكتشف فداحة خسائري قبله. سألني: هل تحبينني؟ فقلت: طبعاً أحبك.. لم يحدث للحب أن أوصلني إلى الخطيئة قبلك. قال: لقد خفت عليك دائماً من لحظة كهذه. قلت: جميل ما حدث بيننا. أريد أن أطالع التاريخ السري لجسدك. أرحني.. قل لي من تكون. قال لي: خالد بن طوبال هو الأسم الذي اخترته لأنه يشبهني. ولأنه مذ وصلتني تهديدات بالقتل كان لا بد أن اختار اسماً جديداً أوقع به مقالاتي. سألته: في الحياة.. من أنت ؟ قال: في الحياة..أعمل صحافياً. ولن تصدقيني لو قلت لك إنني منذ ثلاث سنوات كان هاجسي أن اتعرف إليك, بحجة إجراء حوار للجريدة. وصادف صدور كتابك مع الحادثة التي شلت فيها ذراعي. أذكر أن صديقي عبد الحق جاءني بكتابك إلى المستشفى. خفته قبل أن أقرأه..ثم خفته لفرط ما قرأته. أذهلني أن أعثر على بطل يشبهني إلى هذا الحد. ويوم التقيت بك, أصبح عندي يقين بأن حياتي ستطابق بطريقة أو بأخرى, قصتك معه. لو تدرين كم أحببتك. ثم ضمني إليه وقال: سأعترف لك بشيء.. لا تضحكي منه! حدث أن غرت من زياد. تصوري لم أغر من زوجك يوماً.. وغرت من كائن حبري. تقاسم معي بطولة ذلك الكتاب. ما زلت أشعر أنه وُجد حقاً في حياتك, وأنه سبقني إلى جسدك. أضحك وأقول: أيها المجنون.. هذا الرجل لم يوجد أبداً. لقد أوجدته لأنني أحب قصص الحب الثلاثية الأطراف. قال: هل أنت سعيدة معي ؟ قلت: إن السعادة اكتشاف متأخر. وبعدها غادرته.
ما كدت أخلو بنفسي ذلك المساء, حتى فتحت الدفتر الأسود متصفحة قصتي مع ذلك الرجل, كما كتبتها يوماً بعد آخر, على ذلك الدفتر. كيف يمكن لقاريء أن يفعل بكاتب كل هذا!؟ دخل هذا الرجل حياتي ذات صيف, مستفيداً من فقداني لأية مناعة عاطفية, وانشغالي بين فصلين, بكتابة قصة حب وهمية. وحبه ليس إلا تصادف اجتماع عدة ظروف استثنائية.

وهكذا أصبحت خلاصتي في النهاية, أن على الكاتب أن يفكر كثيراً قبل أن يكتب قصة. ففي أية لحظة, قد تأخد الحياة قصته مأخذ الجد, وتعاقبه بها, أو تعاقب ذلك المسكين الذي وقع تحت سطوة الكلمات, ولم يعد يدري وهو يقرأها, أين يقع الخط الفاصل بين الوهم والحياة .

قررت أمي العودة إلى قسنطينة. خبر تلقيته بمذاق سابق للحزن. أصر على أن لا يكون موعدنا الأخير في بيته, وإنما في مطعم بحري. التقينا في مقهى ارتجله الحب لنا. قلت عاتبة: كان بإمكاننا أن نلتقي عندك. إنني أريدك..وقد لا نلتقي قبل زمن طويل. قال: لفرط ما أردتك أفهم معنى أن تريديني. ولكن لا بد أن نتعود الحرمان, حتى عندما نكون معاً. قلت: ولكن لماذا؟ قال: لأن قدرنا أن لا نكون دائماً معاً. مذ شلّت ذراعي, تعلمت شيئاً: الأجدر أن يُعرف الإنسان بما فقد, وليس بما يملك. فنحن دائماً نتيجة ما فقدناه. لم تسأليني يوماً كيف فقدت ذراعي, ومتى شلت.. وكيف؟ ألا يعنيك أن تعرفي هذا ؟ قلت: توقعت أن يكون في الأمر إزعاج لك. فقال: ولِمَ يخجلني أمر لست فاعله؟ حدث ذلك في 88 . كنت وقتها أعمل مصوراً صحافياً. كان العسكر يضعون حاجزاً بشرياً أمام آلاف الشبان الذين راحوا يكسرون في طريقهم كل شيء. أذكر أنني حاولت أن التقط صورة لعسكري, وهو يقف على مبنى مقر الحزب, موجهاً رشاشه نحو الشارع, عندما انطلق رصاص من ذلك المبنى, واخترق ذراعي اليسرى. تصوّري, تلك اللحظة التي نزلت كي أصورها, وتختزنها آلة تصويري اختزنها جسدي إلى الأبد. وأصبحت ذاكرة جسد, أتقاسمها مع مئات الجرحى والقتلى. فقلت له : الحقيقة تزيدك إغراءاً. قال لي: هل تحبين زوجك ؟ قلت: حدث أن أحببته. ولكني أحياناً أكتشف تعاستي. أسأله: لو انفصلتُ عنه.. هل تتزوجني ؟ قال: أتزوجك؟ أنت تمزحين ؟ أنا لا أملك شيئاً يا سيدتي. قلت : تلك الشقة التي تسكنها تكفينا. فقال: ولكن حتى تلك الشقة ليست لي, أنا أقيم فيها مؤقتاً. إنها لعبد الحق . يضع حاملة المفاتيح على الطاولة ويقول: بيننا وبين المتعة مفتاح لا أكثر. ولكنني أرفض أن يتحكم هذا المفتاح فينا, وإلا سيكون في هذا إهانة للحب. علينا أن نجرب لذة الإمتناع, لنكتشف جمالية الوفاء عن حرمان. أقاطعه: لا أفهم, لماذا أغريتني بالخيانة, إذا كنت ستطالبني بالوفاء.. عن جوع! قال: أنا لم أطالبك بشيء, أعددتك للإخلاص. إن المغامرة الحقيقية هي الوفاء. قلت: لماذا الأشياء معك معقدة دائماً إلى هذا الحد ؟ أريد منك كلمات بسيطة, كتلك التي يقولها العشاق وهم على وشك غياب. فقال: لا أريد لنا حباً يقتات بالكلمات, حتى لا يقتله عند البعد صمتنا.
أعود إلى قسنطينة متحاشة النظر إلى هذه المدينة. هنا شوارع نخاف من عيون عابريها, مطاعم لا نجرؤ على ارتيادها, بيوت لا يمكن أن ندخلها معاً. هنا مدينة لا تعترف بالحب, إلا في الأغاني. وأنا جئتها بأعراض عشقية. وهل أكثر شقاءاً من عاشق في قسنطينة ؟
زوجي قابلني بلطف مثير للشبهات, بدا لي سعيداً بعودتي, أو ربما كان سعيداً لأسباب أخرى. فمذ جاء بوضياف, عاد شيء من الأمان إلى قلوب الناس. هذه الطمأنينة المباغتة, جعلتني أتعلم الإستكانة إلى الوقت والمكان, واثقة بكلام ذلك الرجل. تراني تعلمت منه التفاؤل.. أم تعلمت التريث ؟ حتى إنني كثيراً ما قاومت تلك الرغبة التي تستيقظ داخلي, وتغريني بالتحري لمعرفة من يكون عبدالحق. ولكنني قررت أن أترك موعدي مع عبد الحق للحياة, تتدبره كما تشاء. حتى لا أفقد عنصر المفاجأة.. وحتى لا أستعجل الخاتمة .

مر شهران, كنت خلالهما أكتفي بوجبات الأحلام, ورشفات حبر سريعة, وأترك للآخرين ولائم الضجر.. وقهوة النميمة. ومع ذلك, قبلت يومها, حضور دعوة لدى إحدى القريبات, احتفالاً بنجاح ابنتها في امتحان ما. كنا في نهاية حزيران. وكانت النساء من حولي يتبادلن الأحاديث, ورحت أتابع, بين حين وآخر, خطاب بوضياف على التلفزيون. كان بوضياف في وقفته الأخيرة تلك مولياً ظهره إلى ستار القدر.. أو ستار الغدر. يبدو واثقاً وساذجاً وشجاعاً وبريئاً. لا أدري عن أي شيء كان يتحدث لحظتها. أذكر أن آخر كلمة قالها كانت "الإسلام..". وقبل أن ينهي جملته, كان أحدهم, من المسؤولين عن أمنه, يخرج إلى المنصة من وراء الستار الموجود على بعد خطوة من ظهره, ويلقي قنبلة تمويهية.. جعل دويّها الحضور ينبطحون جميعهم أرضاً. ثم راح يفرغ سلاحه في جسد بوضياف, هكذا مباشرة امام أعين المشاهدين, ويغادر المنصة من الستار نفسه. ذلك كان قدر بوضياف مع حزيران الوطن. منذ أربعين سنة, في الشهر نفسه, اقتاده رفاقه إلى سجون الصحراء. ثم جاء به الوطن, كي يحكمه 166 يوماً, وها هو يكافئه ذات حزيران.. بكفن ! لم أغادر يومها البيت كي أشارك في تشييعه, فكان حزني أكبر من أن أتقاسمه مع أحد.

أسبوعاً بعد آخر, موتاً بعد آخر, كنت أعي أنني أعيش عمراً قيد الإعداد. فأنا امرأة تعيش بين رجال ثلاثة, حياتهم معلقة برصاصة القدر. أعيش بين أخي الأصولي الذي تطارده السلطة, وبين زوجي العسكري الذي يتربص به الأصوليون, وذلك الصحافي الذي أحب, فكيف يمكنني أن أعيش خارج دائرة الذعر ؟ حاولت الإتصال بذلك الرجل الذي أحببت ولكن دون جدوى, وهو الأمر الذي زاد من وحدتي .

ذات صباح استيقظت, وبي رغبة للتحرش بالذاكرة. ولم أجد لي سوى مكان واحد يوصلني إليه, أو إلى عبد الحق. فغادرت بيتي دون السائق وذهبت إلى مقهى الموعد. جلست أمام أمكنة الحب الشاغرة. أترقب رجلاً.. تعودت أن أنتظره بصمتي. لم يكن في المقهى ما يمكن أن يثير فضولي. فرحت أتأمل بين الحين والآخر, شاباً في مقتبل العمر, يجلس على بعد طاولة مني, يطالع جريدة. كدت أغادر المكان عندما رأيت الشاب يفتح على صفحة داخلية, وإذ بي ألمح خبراً في الصفحة الأولى من الجريدة. كان الخبر ينقل مقتل عبدالحق !! ذهبت إلى الشاب, ولكنني لم أجد في صوتي شجاعة سوى لطلب تلك الجريدة منه.. فناولني إياها.. ومضى. قرأت الجريدة. إنه عبدالحق إذاً.. الرجل الذي كان يجلس بقميص وبنطلون أبيض على هذه الطاولة إياها.. في ذلك اليوم. أذكر.. أنه كان لا يتوقف عن الكتابة والتدخين ..
عدت إلى البيت محملة بأكثر من جريدة باللغتين. هاهو ذا عبد الحق إذن..! أصبح بإمكاني الآن أن أطالع الجرائد.. وأعرف من هو. هو ليس سوى صحافي. وجدتني, بحركة تلقائية, أقتطع صورته, وأخفيها بين أوراقي.

في اليوم التالي, استيقظت باكراً على غير عادتي. والأرجح أنني لم أنم. كنت أبحث عن طريقة أعيش بها ذلك اليوم, بما يناسبه من جمالية الألم. حاولت أن أكتب فلم أستطع. كان ذلك الرجل الذي اختفى منذ شهرين, قد فرش لي حقولاً من الألغام في كل الطرق المؤدية بي إلى الكتابة. ولكن.. لا بدّ أن أكون هناك, كي أواصل حضوري السرّي, في آخر مشهد من قصة حب جئت أشيع فيها عن بعد رجلاً أعرفه ولا يعرفني, وأبحث عن آخر يعرفني.. وما زلت لا أعرفه. ولذا وصلت إلى تلك المقبرة, بتوقيت يكون معه الآخرون قد انتهوا من مراسم الدفن, دون أن يكونوا قد غادروا المقبرة تماماً, عساني أعثر بينهم على ذلك الرجل. ثم انسحب الجميع, وأنا أقف وحيدة, وذلك الدفتر الأسود في يدي. عسى ذلك الرجل, إن جاء.. أن يستدل به عليّ. ولكنه لم يأتِ. أقترِبُ من القبر. لم أبكِ, وأنا أضع ذلك الدفتر على كومة التراب وأمضي! أمام المواقف غير المتوقعة التي تضعنا الحياة فيها, أحب أن يتبع المرء مزاجه السري, ويستسلم لأول فكرة تخطر بذهنه, وكانت تلك الفكرة, تشبه كاتبة عرفتها. حتى راحت الحياة بدورها, تلعب معها, لعبة تحويل كل ما تكتبه إلى حقيقة. أغرب ما يمكن أن يحدث لكاتب, أن يكتشف أنه مع كل صفحة يكتبها, يكتب عمره الآتي. وأنه برغم ذلك لا يستطيع رفع دعوة على الحياة لأنها طابقت خياله, وقلدت قصته تقليداً فاضحاً .

هي الحياة إذن. برغم حزني.. غادرت المقبرة شبه سعيدة. أجل, كانت تسعدني فكرة التخلص من ذلك الدفتر, فقد أتعبني البقاء عاماً على قيد الكتابة, بحجة أنها وسيلتي الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.  عدت امرأة منزوعة الشهوات. لم يبق لها من تلك القصة سوى عطر اختزنه جسدها. وما زالت تتعطر به لتتحرش بالذاكرة. الرائحة.. هي آخر ما يتركه لنا الذين يرحلون, وأول ما يطالبنا به العائدون .

زوجي استفاد من اهتمامي المفاجيء به, لينقذ علاقة اجتاحها فتور لم يجد له سبباً. فراح يحاول استعادتي بالتفاتات صغيرة. وأمي كعادتها, لم تفهم شيئاً مما حل بي. والبارحة.. قضت النهار وهي تملي عليّ رسالة إلى ناصر. وهذا الصباح, ما كادت تستيقظ حتى طلبتني لتذكّرني بإرسالها. كدت أسلمها إلى زوجي, ليتكفل بها, ولكنني انتبهت أنني لا بد أن أخفي عنه العنوان الذي يقيم فيه ناصر. ففعلت ذلك بنفسي .
النهاية.






إرسال تعليق