السبت، 6 يناير 2018

تلخيص رواية 
 إمرأة صديقي: تونا كيرميتشي 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان& nbsp;

 وقفت عائشة في منتصف الحجرة , مرتدية أفرهول الفلاح الذي ابتاعه "أورهان" في عيد ميلادها منذ ثلاثة سنين . كانت عينيها محمرتين بسبب البكاء. سألتُها: ها يا حبيبتي, ماذا جرى في هذه المرة ؟ فقالت : لا يمكن التحدث مع هذا الرجل. إنفجر قبل أن نتحدث حتى , وصفعت أنا الباب ومشيت . كان زوجها بلا اي عمل لما يقارب السنة . وأعتقد أنه يجب أن أذكر هنا أن "عائشة" و"أورهان" صديقي زوجتي المقربين جدا , وعندما انفصلتُ أنا وزوجتي , انتهى حكم القاضي بأن تأخذ زوجتي "نازلي" إبنتي, واختارا هما جانبي , بعد أن وجدا موقف زوجتي فيه شيء من القساوة بعض الشيء. قلت "لعائشة" : أتعلمين ما الجيد في حياتكما أنتي و"أورهان", هو أنكما تستطيعان ان تستمرا في الشجار . لقد كنت أنا وزوجتي في مرحلة الحرب الباردة. وقتها ضحكت "عائشة" وقالت: "محمد" أنت علاج رائع للإكتئاب. ثم أكملت: إن "أورهان" مدرس رياضيات, ولكن المشكلة الحقيقية فيه هو, لم يلاقي استحسانا من مدير مركز الدروس الخصوصية على الإطلاق , وكذلك أولياء الأمور قدموا شكاوى التي ليست في صالحه لأنه كان يقرأ أشعاراً في الفصل. لقد خسر تلاميذه والآن من أين يجد طلاب ؟ فقلت لها: يعثر عليهم حيث اعثر عليهم أنا ؟ فقالت: الأمر مختلف, أنت مشهور. 

 كانت "ليندا" وعائلتها يسكنون في ببت يطل على البحر محاطاً بسور عال, على الجانب الآخر من البوسفور . أخبرتني والدتها أنها استيقظت لتوها . أحب التواجد في هذا البيت , أشبّه نفسي بأساتذة البيانو في الأيام الخوالي, يدفعون لي مبلغاً رائعا . قد يكونون أناساً طيبين, على الرغم من غناهم . أنا أخاف الاغنياء , ربما لأنني لا اعلم الكثير منهم في حياتي. كانت "ليندا" فتاة في الرابعة عشرة, وُلدت لا تبصر , ولكنها تتمتع بصوت حزين و لطيف . ومن خلال "ليندا" شاهدت قوة الشفاء التي تقدمها الموسيقى للناس أكثر من مرة, أحيانا يحس الانسان باتحاد كامل مع الآلة , وبالتالي نخرج من وحدتنا , بغض النظر عن مدى جودة أو سوء ذلك, نصبح جزءاً من العالم القريب مننا و حولنا , إذا ما أدركنا الجيتار كامتداد طبيعي لذواتنا , سنتمكن من الإحساس بالشجرة التي استخرج منها خشب الجيتار, والماء الذي سقاها لتنمو والأرض التي نبتت فيها, , هكذا أفكر دائماً ! 

عندما رجعت من عند "ليندا", وجدت "عائشة" تقعد على الادراج مقابل البيت , كان من الواضح أنها تبكي , ولكنها حاولت أن تضحك . دائماً ما تذكرني النساء اللاتي يحاولن إخفاء حزنهن بوالدتي . جلسنا جنباً إلى جنب لفترة دون أن نتكلم , إلى أن قالت : رحل "أورهان", قال إنه آسف, ولا أعلم متى سيرجع لي , ولكن حتى وإن رجع , فلن أسمح له بذلك , لقد تخلصت من ذلك الحيوان . أما أنا فلم أجد اي شيء لاقوله لها ... 

ورشتي عبارة عن جزء من الحجرة الضخمة الكبيرة المقابلة للحديقة. حيث تنتظر الجيتارات دورها للإصلاح. اعشق الجيتارات وكنت سأحبها ولو لم أتعلم العزف عليها , فلديها شكل متناسب بشكل كبير مع الجسد الكبير . بدأت شغل الصيانة هذا لأنني اضطررت له بعد انفصالنا . لم أعد قادراً على العزف مرة ثانية فلجأت إلى الصيانه . وعندما انتقلتُ لأسكن في شقة تحت شقة "عائشة" و"أورهان" كنت قد انفصلت عن "نازلي" . جمعت بعض االأالأشيا . وبنيت الورشة , وبدأت بالصيانة . 

أخيراً ظهرت الشمس بعد عدة أيام من الأمطار المتتالية . كانت الشوارع هادئة. وأثناء تجولي في الشارع احسست بإشراقة بداخلي , وخطر على بالي أن أذهب لاكل الغداء في مطعم "عائشة". مطعم "هانيميلي" هو أحد المطاعم الموجودة بين مبنيين لبنكين كبيرين , وهو مكان جيد يحسسك بالراحة. وبعد أن رحبتْ بي "عائشة" طلبت بعض المعكرونة , بينما أخذت "عائشة" تشعل سيجارة وتقول: لم نعد كما كنا قبلاً , لم نعد نفتقد بعضنا البعض , لا توجد لي اي رغبة في أن أبحث عنه , فلنتركه يعش كما يحلو له, فليس من المفيد لأي منا أن نستمر في تلك العلاقة . قلت : حسناً إذا كنتِ تعتقدين ذلك ...

 يوم الأحد قرابة موعد الغداء , توقفت لالتقاط إبنتي "إزجي", بدت والدتها جميلة , كانت تلبس إحدى بلوزاتها التي تناسبها . وبمجرد ان تحركنا , خرج "جميل" من المصعد واتجه إلى "نازلي". "جميل" لم يكن بالانسان السيء , ولكنَّ هناك توتراً بيننا كأمر اعتيادي , لوّحت حينها "لنازلي", ودخل "جميل" إلى البيت معها , وانغلق الباب . نزلنا من سيارة الاجرة أمام مراكب مطعم السمك. وبعد أن تناولنا الطعام , مشيت أنا و"إزجي" في المسار الذي نسلكه دائماً, نبدأ في التمشية وعندما تشعر بالاجهاد أحملها على ظهري . كان وزنها كل أسبوع يزداد , وكانت تلك هي طريقتي لمعرفة نموها, ولكني كنت بذلك المسار أصنع معها الذكريات المهمة, فلم يمنحني حكم القاضي إلا ظهيرة يوم الأحد فقط لأراها فيه. 

 وبعد انتهاء يومي مع "إزجي" ذهبت "لعائشة", جلست في منزلها , وبعد فترة ليست بالطويلة , جاءت بفنجان قهوة وصفحة ماخوذة من مذكرة مربعة الشكل ووضعتها مقابلي , لاحظت فيها خط يد "أورهان". قالت : رجع الى البيت وأنا في الشغل, أخذ كل اغراضه وترك لي هذه الورقة. أخذتُ الورقة المكتوب عليها : (عائشتي.. اظن أنه من الأفضل ألا نصطدم ببعضنا البعض بعد ذلك , أليس كذلك ؟ هناك شيء عليّ ان اقوم به, وأفضّل أن أقوم به بذاتي .. إعتني بنفسكِ جيداً , وكوني سعيدة, فالموضوع ليس بتلك الصعوبة لأي منّا .. حبيبكِ "أورهان" ) قلت: هذا بالضبط هو أسلوبه. قالت "عائشة": يحاول ان لا يكون صريحا على الاطلاق , يريد فقط ان يزعجني . فقلت: وهل أنتِ متضايقة فعلاً ؟! لم تجبني, ولم أدر بأي إجابة كنت سأسعد أنا الاخر . كانت "عائشة" قد تعرفت على "أورهان" في ليلة قارسة البرودة من ليالي ديسمبر , عاشا قصة حب جميلة . أعتقد أن ما وجده "أورهان" في "عائشة", بإمكانها فتح ثغرة للحياة في دماغه المنطقي . "فأورهان" يحتاج إلى شيء ما ليدفعه, و"عائشة" لديها وفرة عواطف تدفع أي شخص لفعل أي شيء, وربما هذا ما كان يحتاجه "أورهان", أن يتعرف على إمراة لا تسمح له بالنظر إلى امرأة ثانية غيرها. 

 يوم الأربعاء, كانت أول حفلة حقيقة أحضرها منذ اعوام طويلة , كنت متوتراً هذا اليوم, فذهبت إلى "هانيميلي". كان المطعم متروسا بالزبائن , إنتظرت "عائشة" حتى تنهي شغلها , وحين جلستْ مقابلي على الطاولة قالت: أرى الخوف واضحاً عليك , ولكن لا تخاف , سينضمون جميعهم إلى جمهورك . لاحظتُ ذاتي حينها أنني لم أكن أستمع إلى "عائشة" وهي تتكلم , لأنني كنت أراقبها, كنت ألاحظ شكل شفتيها وهي تنطق الحروف , رمشي عينيها , كيف تفتحهما و تقفلهما , والخطوط التي ترتسم على جبهتها عندما تعترض على شيء ما . أمسكت كأس النبيذ و رحت احتسيها , ودعوت ربي ألا ترتعش أصابعي تلك المرة , سيكون من الجيد أن يظهر "أورهان" في القريب العاجل . 

 "خوانتينو" هو من لحن أغنية (أنتِ حبيبة صديقي). كانت تلك الأغنية تصدمني على الدوام بنفاقها, حيث يظل الرجل يقول ل المرأة استحالة اكتمال قصة حبهما, بينما كان هناك موضوع ما غير واضح. وترجمة إسم هذه الأغنية (إمرأة صديقي) , فالمعاني التي تتجمع في الراس بمجرد سماعها تتمثل في اطلاق نار و مبارزات , فالرجال يحبون من يحارب من أجل أراضيهم وجيادهم , ويحبون أيضاً من يحارب من أجل امرأته . وفي هذا الوقت لم اعلم الى أي مرحلة وصلت حالتي , وخصوصاً في هذا الموقف حيث أنني لا أحظى بأماكن عديدة أختبيء فيها من "عائشة", يبدو أنني حوصرت من كل الانحاء , فقررت أن أبحث عن "أورهان". 

 وبعد الحفل وبينما كنت أفكر في اي طريقة للبحث عن "أورهان", طرق الباب وكانت "عائشة". دخلت "عائشة" برائحتها الجميلة التي تفقدك التركيز , في الواقع اعتدت على ذلك العطر لمدة سنة , ولكنني لم أشعر أبداً بمثل ما يحدث لي الآن من قبل , الآن كل شيء يخص تلك المرأة يربكني كثيرا . سألتني عن الحفل , ومن الواضح أنها احست بأنها ضايقتني فقالت : سأختفي من المكان , يبدو أني أزعجتك. فقلت لها : إنك لطيفة كثيرا . ثم رحلتْ وهي تضحك . كنت ارغب في أن ترحل فعلاً , عليها أن ترحل ولا ترجع البتة , لأنه إذا ما استمر الوضع كما هو, فلن أسمح لها بالخروج من هذا الباب مرة ثانية . 

شعرت بحبٍ شديد للشارع, فهو ملاذي في فترات الضعف , عند شعوري بالوهن , وهو المكان الذي أقلعت فيه عن الشرب, المكان الذي وقفت فيه على قدمي منتصبا مرة اخرى , فالأحياء التي عشت فيها تعجبني عندما يحين وقت الرحيل . ذهبت في وقت مبكر إلى أستوديو العزف , وعندما بدأتْ يدي بالعزف على الجيتار , وجدتني فجاة أفكر في "عائشة" , ربما كان هذا هو مغزى الحياة, لعبة مقابلة الانسان الذي تضعه الحياة امام أعيننا , وفن رفض ونفي ما تعرضه لنا بالتشويح بظهور أيدينا, هل سأندم على هذا ؟ كنت في موقف صعب بسببها, لم أعرف ماذا يجب أن أفعل. عقب البروفة في الأستوديو أوقفت سيارة اجرة , وجلست أشاهد هبوط الليل على اسطنبول كطائر ضخم . إنني في الثانية والأربعين , كنت أحيا كالميت, ولكن الحياة ما زالت مسممة بعض الشيء, قد تدخل إلى مجرى الدم وتحوله إلى شيء واعد في اي وقت . كنت أتمنى أن أجد "عائشة" في البيت, لديّ ملايين الكلمات من أجلها , وعندما رأيت مصباح غرفتها مضاءاً , إمتلأتُ بسعادة يرثى لها . فتحتْ لي الباب وعيناها منتفختان , وقالت قبل أن تعاود النحيب : "محمد", لقد افتقدته اليوم , إفتقدته جداً وبجنون, اتعرف هذا ؟ =يستطيع الانسان أحياناً ان يخبئ عواطفه عندما يواجه انعكاسه بالمرآة . وأحياناً نكره ذواتنا , وأحياناً نتعاطف معها . عندما كنت طفلا , إعتقدت أن الحياة ستصبح أسهل إذا ما امتلكت الخبرة الكافية , ولكن ما تعلمته هو أن اكتساب الخبرة تحتاج موهبة أيضاً, فعلى الرغم من كل ما جرى معي, لم أشعر أحياناً أنني اكتسبت خبرة ما. أغضب من ذاتي عندما أفكر في "عائشة", ربما أصبح الأمر أسهل إذا ما جرى في فترة ثانية من حياتي . عندما دخلت منزلي , قبل الإستعداد للذهاب إلى أضنة لإقامة حفل آخر, كان هناك خطاب عرفت الإسم المدون عليه بدون حتى قراءته . أخذته ووضعته في جيب معطفي , وخرجت إلى الشارع . 

وفي الطائرة , أخرجت الورقة من جيبي, وبدأ خط "عائشة" يظهر شيئا فشيئا , تجمعت الحروف سوياً لتكون كلمات , وتجمعت الكلمات سوياً لتبني جملاً. وهكذا ظهرت صورة "أورهان", صورة رسمتها امرأة تحتاجه في حياتها , مصقولة جيداً من نتاج دماغها , صورة تصيبك بجرح داخلي . تفتقده عائشة كثيراً. اظن أنها انتقلت إلى المرحلة الثانية من الهجران . وفي هذه المرحلة, قد تستمر الندبة الصغيرة في النزيف بشكل بطيء , تظهر من خلال كلمات لا تحكى , وإجابات لا تُلقى , وإمكانيات لا تلاحظها . فكتبتْ عائشة في نهاية رسالتها : (ذات مساء، عندما رجعت للبيت ، نظرتُ إلى الأثاث الذي لمسه وجلس عليه ، ولاحظت أن الأمر ليس بالسهل ، لأنني احسست بغيابه، نما وتصاعد غيابه وملأ المكان كله، بدا لي أننا لم نتذكر شيئ، وكأننا فقدنا الرابط بين سلسلة الأحداث والأشياءالتي أوصلتنا لهذا ، وبدون هذا الرابط، لن يطمئن بالي ، ولهذا أحتاج إلى أن التقي ب "أورهان"، يجب أن أسأله عدة أسئلة قليلة، هل تعاونني في هذا عند عودتك؟). ومر الحفل ولم يكن سيئاً كما ظننت , فالذاكرة البشرية قامت بدورها تماماً كما تفعل أثناء السباحة أو سياقة الدراجة, عزفت من البداية للنهاية من دون خطأ واحد . 

كلما خرجت من اسطنبول لفترة زمنية ما , أجدها عابسة عند رجوعي , إنها المدينة التي طالما شبهوها بالمرأة في التاريخ و انتهت بها الحياة أن اكتسبت صفات نسوية !!! تبحث عن الضعف بداخلي على الدوام لتجعلني أشعر بالكآبة كلما عدت إليها. اعتقد أن "عائشة" لم تُعانِ كثيراً في غيابي, فهي مشغولة بغياب "أورهان" الآن, ولذلك لم تتفاجأ عندما رأتني أمام بابها. قالت لي: لقد كلمت عمّه في اليوم الفائت , فلديه علاقات مع الشرطة, قال لي بأنهم سينتهوا إلى نتيجة خلال سبعة ايام قالت ذلك ولكنها لم تبدُ بحالة جيدة على الإطلاق . كان شعوري تجاه "أورهان" أكثر ما صدمني , فلم أشعر بالغيرة أو بالغضب. لقد كان التفكير بعلاقتي "بأورهان" أصعب من التفكير في علاقتي "بعائشة" أو في علاقة "عائشة" "بأورهان", لذلك اصررت في تلك الليلة على العشاء خارجاً مع عائشة, كان هناك شيء ما في "عائشة يعطيها القدرة الكبيرة على التمسك بالحياة , وأعجبني هذا ولم أرد لها أن تخسره. بعد العشاء خرجنا إلى حانة الجمهورية التي كان يذهب اليها "أورهان" لنسأل عنه هناك, وهناك أخبرنا النادل "علي" قائلاً : كان "أورهان" هنا ليلة البارحة !! وكان معه رجل فظ قبيح الوجه, يبدو على ذلك الرجل أنه رجل أعمال, فكان هناك حديثاً عن حقل عنب وأسعاره في جزيرة "بوزجادا" و"سجهيموزجادا". فقالت "عائشة": الله وحده يعرف من هذا الرجل , "فأورهان" لم يقم بمصادقة تلك النوعية , كما أنه لن يعلم شجرة العنب إذا ما نطر اليها . ثم أشار "علي" على مجموعة من الشعراء وقال: "أورهان" انتقل وجلس معهم عقب رحيل صاحبه . كنت حذراً جداً أثناء جلوسي مع الشعراء, وسبب حذري أن أبدو غبياً اذا ما تكلمت معهم , فأنا أعلم أن للشعراء نظرة مختلفة للحياة , وأنهم يتحدثون بالاستعارات و المجاز . فقال أحد الشعراء : لا تقلقي يا "عائشة" سيصبح غنيا. ولم يقل لنا كيف حتى الآن, فقط قرر أن يصبح غنيا , وتمنينا له أن يتعافى سريعاً. 

 في اليوم الذي يليه قمت بزيارة صاحبي "نهاد آبي" في المستشفى, كان محاطاً بالأجهزة كما شاهدته آخر مرة. وعندما رجعت , كانت "عائشة" لا تزال في بيتها , لم تكن في حالة جيدة , حتى مطر ليلة البارحة لم يُحسِّن من حالتها , قالت لي بانفعال : اتعرف "محمد" ما الذي لم اقدر ان اقبله ؟ لقد رجوت ذلك المغفل أن يأتي و يشتغل معنا في المطعم لعدة شهور, ولكن ما الذي فعله؟ لم يسمعني حتى , جلس في البيت يقرأ الشعر و هو في حالة ثمالة , أخذ يشرب ويقضي الليل سكران, والآن يجلس مع شخص غريب ويخطط لان ينتقل من هنا , أتعلم ما يعنيه هذا ؟؟ ما يعنيه أن "عائشة" صارت على الرف ! ثم توقفت عن الكلام فجأة, ومرة ثانية أعجبتني رقبتها الناعمة الطويلة, فقلت لها: "عائشة", أعتقد أن كل القرارات في الحياة يمكن التراجع عنها , من الأفضل أن نترك الأمور لفترة, فالزمن يهتم بكل شيء. ثم قالت : اتظن حقاً في هذا؟ قلت: بالطبع. قالت: حسناً فلنترك الأمر "محمد" ! حينها لبست معطفي وتوجهتُ إلى الباب, وأثناء خروجي نادتني وقالت : كانت نزهتنا للعشاء رائعة , شكراً لن أنساها أبداً. الآن علمت لماذا يدير الرجال ظهورهم عندما تكلمهم النساء دائماً في الأفلام القديمة التركية, حيث امتلأت عيناي بالدموع, والتفت إليها, وأنا متأكد من أنني على وشك اقتراف فضيحة ما. فأخبرتها من دون النغمة الواهنة في صوتي : وأنا كذلك, اظن أنني لن أنساها أبداً. 

 جاء الشتاء, وبعد ظهر يوم من الأيام رحت الى طالبي "فيلي", وعرض عليّ جهاز التأثيرات الصوتية الذي اشتراه من فترة قليلة جدا . كان هذا الشاب "فيلي" كالأطفال فعلاً, تستغرق زمنا كبيرا كي تُصدق بأنه تخطى الثلاثين من عمره, وبعد كلام مطوّل بيننا قلت له: هل لديك أي حشيش في البيت ؟ فقام ليحضره. وبعد نصف ساعة, كنا نضحك بعنف , والمفترض أننا نتمرن, فسألته : بربك من يدفع إيجار هذا البيت ؟ فقال: أمي. فقلت: أين والدتك الآن؟ وماذا تفعل؟. فقال: في "بوزجادة" يا لها من مجنونة اشترت مزرعة عنب,. فقلت: أهي الموضة الآن, شراء جناين العنب ؟!! 

عندما عدت الى المنزل وبختني "عائشة" على حالتي بعد شرب الحشيش, وأصرّت على أن تحضر من اجلي القهوة , وعندما دخلتْ إلى المطبخ وجدت الأريكة تجذبني اليها , فخلعت حذائي واستلقيت عليها. وعندما رجعتْ قالت لي إنها تنوي ان تدهب إلى "بوزجادة" هذا الأسبوع. حاولت أن أنهض من على الأريكة, ولكنني لم اقدر على ذلك , أصبح رأسي ثقيلاً جداً لدرجة أنني لم اقوى على رفعه. قلت: الدرس الذي ذهبت إليه اليوم, أم الفتى من "بوزجادة", اظن انها من الممكن ان تعاوننا . قالت: وماذا تفعل هناك؟ قلت: ما يفعله "أورهان", اظن أن مجال العنب مربح ولذلك يتطور . قالت "عائشة": ما أعلمه أن "أورهان" لم يكن يملك اي فلس , فإذا كان قد خبأ المال دون معرفتي , فالحال سيتغير, حيث لا يمكن للانسان أن يخبيء كل تلك النقود في ثلاثة أيام , خصوصاً إن كان لا يعمل , وإذا ما كان قد فعل هذا حقاً, فهذا يعني أنه خطط لكل شيء, ويعني ذلك أنه بالفعل قرر أن يتخلص مني, ألا تظن هذا؟ بدا لي ما قالته منطقياً جداً, فقلت لها : لم أعرف, لم أكن لاعلم . 

في اليوم الذي يليه وعند حلول منتصف الليل, رن جرس الهاتف , فالتقطت السماعة على الفور , وقلت بصوت مرتعش : ألو. فرد : ألو "محمد", كيف هو حالك ؟ كان هذا "أورهان", فقلت: أين أنت. قال "أورهان" : الآن أنا في محطة العبّارات في "بشكتاش". حينها ذهبت بسرعه إلى محطة العبّارات ووجدته هناك, فقال لي : مررت بحانة "الجمهورية" هذا المساء, و قال لي "علي" بانك سألت عني, ففكرت في أن أطلعك على المواضيع التي تسير على أقل تقدير, لأنني لا اظن أنه بإمكاني شرح كل تفاصيل الموقف "لعائشة". فركزت كل عقلي وذهنى في عينيه وقلت له: إسمع يا رجل, لديك زوجة, وليس لديك أي حق في أن تعمل هذا بها. قال: هناك امرأة ثانية بالموضوع . قلت: ومن هي تلك المرأة؟ فقال "أورهان": هناك امرأة كبيرة في السن ثرية, ,عانت من خيانة زوجها لها, إنها أم أحد طلابي , حاولت أن تكسب ودي لعدة شهور , وعندما ضجرتُ من البطالة سعيت في طلبها, ظننت أنه بإمكاني أن أحصل على شيء منها, فلها ممتلكات في "بوزجادة", والآن ستنقل ملكية بعضها الى ملكيتي , ثم بعد وقت سأختلق عذراً و اهجرها وحيدة . وسيكون القرار "لعائشة" بأن ندير حقول العنب أو نبيعها . قلت له: "أورهان" إن تلك أحمق خطة في العالم, بل و صبيانية , أتعتقد أنهم سيجعلونك تهرب بذلك العنب ؟ ومن ذلك الرجل الذي كان معك في حانة الجمهورية ؟ قال "أورهان": إنه محاميها, "محمد", لقد امضيت عمري اشتغل مثل الحمار, وأثناء جلوسي عاطلاً, بقيت طويلاً أفكر إن لم أسوي الأمر بشكل منطقي , فيجب أن يكون هناك طريقة ثانية , لأنه في هذا العالم هناك أشخاص يقومون بأداء الخدع بكل ذكاء . فقلت: هل أخبر "عائشة" بأي شيء؟ فقال: لا تقول ل "عائشة" أي شيء. 

 كانت الساعة الواحدة تقريباً عندما رجعت الى البيت , جلست في بيتي ثم رن جرس الباب, لم أكن أريده أن يرن, لم تكن لدي الرغبة في أن تنزل "عائشة" إليّ, لم أكن في مزاج يمكنني من اختلاق أية أكاذيب. وقفتْ على عتبة الباب وسألتْ: ممكن أدخل؟ قلت: ماذا بك؟ ألم تنامي؟ قالت "عائشة" : رأيتك راجعا ، أين ذهبت في منتصف الليل؟ قلت لها فوراً: كنت أتمشى. جلستْ على الأريكة ثم قالت : اتعرف في الواقع لم يجب أن اتضايق من "أورهان", فعندما أعيد التفكير الآن, أرى أن ما عمله كان كان صائباً, حاول الرجل البائس أن يقول لي لمدة طويلة, حاول أن يوضح لي بأن حبنا انتهى, ولكنني لم أفهم ذلك, لأنه لم يحكي لي بطريقة صريحة و واضحة . قلت: أعتقد أن "أورهان" ما زال يحبك, للرجال حدس كبير . وضعتْ كوعها على الوسادة ووضعت يدها على راسها وبدأت في البكاء ، لديها طريقة بكاء صامتة و جميلة . وضعتُ يدي على كتفها, فمالت نحوي ووضعت رأسها على صدري, ملت بجسمي اليها وقبلت شعرها, فدفست رأسها أكثر في حضني , وشعرتُ بدموعها تبلل ما ارتديه , بينما أخذ قلبي بالخفقان بعنف . حضنتها بذراعيَّ اللتين لم تعلما ماذا تفعلان لفترة قصيرة , ثم تطور كل شيء ببساطة مخيفة . همست إليّ قائلة: "محمد", ممكن ان اظل هنا؟ فأجبتها وأنا أتشمم رائحتها العطرة : لا. 

في اليوم الذي يليه ذهبت للقاء "إزجي", حيث أنني سانتقل إلى "بوزجادة" مع "عائشة" في اليوم الذي يليه، لقد كان يوماً شديد البرودة . عادت "نازلي" مبكراً إلى البيت بسببي, لم أرها مجهدة بهذا الشكل من قبل, كان يشوب نظراتها شيء لم اعتاده فيها من قبل, شيء مقلق و منهك , شيء يصعب وصفه. فسألتني بشيء من الضيق : تذهب في رحلات كثيرة هذه الأيام, أليس كذلك ؟ إلى أين ستنتقل هذه المرة؟ فقلت: إلى "بوزجادة" لمدة يومين. قالت: أتذهب لوحدك؟ لم أجبها, و بقيت لا انبس ببنت شفة . وقضيت يومي كله مع "إزجي" . 

 هذه هي المرة الأولى التي نسافر فيها أنا و"عائشة" مع بعضنا البعض إلى "بوزجادة", حتى وإن لم نصل لشيء, كنت آمل أن يُحسّن تغيير الجو من حال "عائشة" على الاقل . وعندما وصلنا إلى الفندق في بلدة "إيجابات", ذهب كل واحد منا إلى حجرته . وبمجرد ذهابي في النوم , سمعت طرقا على الباب, فتحت الباب لأرى "عائشة" مقابل عيني مرتدية بيجامتها. تقول : هناك رجلان يتشاجران في الحجرة الملاصقة لحجرتي , وكلاهما سكران, إنهما يتشاجران كالخنازير.فقلت: ولماذا لا تدخلي؟ دخلت ثم أشارت إلى الفراش وقالت: في أي جانب من الفراش ستنام, إنني ميتة من التعب ؟؟؟ 

وصلنا إلى "بوزجادة" عند حلول الليل. كانت أصغر مما تصورت , وكانت الشمس أثناء مغيبها تضيء واجهات المنازل المطلة على البحر. عاشت "وسيلة هانم" في مزرعة عنب صغيرة, رحبت بنا بشكل كبير جدا , هي امرأة جذابة في أوائل الستينيات, ولولا أنفها الأفطس لكان من المستحيل تصديق أنها أم "فيلي" صديقي. كنا قد نوينا أن نمضي وقتنا في مزرعتها التي تؤجر بعضاً من حجراتها للضيوف . 

وفي اليوم الذي يليه خرجنا لاستكشاف جزيرة "بوزجادة" و شرعنا في البحث عن "أورهان". وبحلول الليل وأثناء رجوعنا للبيت من دون إيجاد أي دليل, مررنا بالسيد "يانس", معاون "وسيلة هانم", حينها سألته "عائشة" عن "أورهان", فنكس السيد "يانس" رأسه, ثم قال بشكل بطيء : لقد قرر الإنفصال عن زوجته, ثم رحل فجأة, اظن إنه يقيم عند عائلة "أكمورات". اظن أن "وسيلة هانم" تعرف كل شيء. سألناه: وأين هذا المنزل ؟ كان السيد "يانس" متردداً, وتأكدت من كونه على معرفة تامة بعلاقة "أورهان", حيث كان واضحاً أنه يرغب في معاونتنا , ولكنه أراد أن يكون بعيداً عن القيل والقال. وأخبرنا: إنتهيا من قهوتكما, و سادلكما على الطريق. 

لم أستطع النوم في الليل, أردت ان اعرف كم الوقت فحاولت معرفته من ساعتي على الضوء القادم من الشباك . فكانت الساعة الثالثة صباحاً, فخرجت من حجىتي فلمحت نورا يتسلل من حجرة عائشة التي كانت بجواري في الطابق العلوي, طرقت عليها الباب باستحياء , فتحت لي الباب وقالت: أدخل. تحادثنا في شتى الامور . وفي اليوم التالي قررنا أن نترك الجزيرة. قالت "عائشة" أثناء رجوعها : في الحقيقة كان من الجيد حضورنا, سيكون الموضوع أهدأ من الآن فصاعداً . قلت: وماذا تقصدين بأهدأ؟ قالت: حسناً, ليس لدي الآن أي سبب لأنتظره, الموضوع الذي لن أتقبله, هو خيانته لي, إنه أمر مقرف . مددت يدي ليديها وأمسكتهما, لم يكن لهذا الفعل أن يخفف العلامات البائسة التي ظهرت على وجهها, وبقينا هكذا يداً بيد كحبيبين في المدرسة الثانوية. فكرت حينها من الممكن أن تتفاجأ "عائشة" عندما تسمع بخطة "أورهان" إذا ما أخبرها بها, ثم تضحك وتسامحه في النهاية, وهذا ما كان يرعبني , في الواقع لا يتناسب معي على الاطلاق .

 في اليوم التالي, جلست مقابل شباك المطبخ أنتظر "عائشة", رأيت الدنيا تظلم ببطء. وعند حلول الساعة السابعة توقفت سيارة اجرة في الشارع, وخرجت منه "عائشة" حاملة حقائب بيدها, بدت فاتنة الجمال في ضوء مصابيح الشارع . وعندما فتحتُ الباب كانت على الدرج فعاونتها قليلا , دخلتْ لبيتها ثم لحقتها وبعد أن وضعت ما بيدها من الحقائب ضمتني بيديها وقبلتني , أتت بجانبي ومعها قدحين بهما مكعبات الثلج ، فجلست على الأريكة أشاهد نورها , لم أستطع رفع عيني من عليها. فقالت لي : المحامي زوج صديقة "صفية" سيعاونني بشان قضية الطلاق , لأن ما فعله "أورهان" يتم تصنيفه رسمياً كحالة زنا. فقلت لها: اانت متاكد من أنه يريد طلاقك فعلاً؟ فتحتْ عينيها على وسعهما ونظرت إلىَّ. قلت: اترغبين في أن أخبرك بشيء عن أورهان ؟ عبست ونظرت إليَّ, وسألتني: أتعرف شيئاً لا أعرفه؟ فقلت: نعم. إختفت حينها لمعة عينيها و شرعت في عض شفتيها ناظرة إلى عيني, وقالت: تفضل تكلم فكلي آذان صاغية. قلت : "أورهان" مع تلك المرأة لسبب ثاني , المرأة ثرية, ويعتقد أنه في مقدوره ان يحصل على شيء من ذلك إذا ما أسعدها لمدة من الزمن . قالت: إنتظر لحظة, كيف عرفت كل هذا؟ قلت: لقد أجريت تفحصا دقيقا , فالمرأة أمّ أحد طلبة "أورهان", حاولتْ التودد إليه اكثر من مرة , وصدها في كل المرات. أنتِ تعرفينه يا "عائشة", هل في إمكانه أن يساير تلك المرأة إذا ما كان يسعى إلى غير الثروة ؟ قالت: وبماذا سيفعل بالأموال؟ قلت: اظن أنه سوف يمدك بالمساعدة المالية. ظلت "عائشة" صامتة فترة من الزمن , ثم نهضت وهى تضحك , وأخذت قطعة من الورق مطوية, وعندما وضعتها مقابلي رأيت خط "أورهان", حيث كانت الورقة هي خطابه بتاريخ يومين فائتين . إبتسمت "عائشة" وقالت: إنك كاذب كبير , ولكنك صديق جيد. 

 لنكن أمناء, لم أرد أن أذكر ما ورد بخطاب "أورهان" هنا كلمة بكلمة, وعلى أي حال, فقد قرأته على وجه السرعة , ولكنني فكرت في أنه لا بد أن تكون حبيبة "أورهان" الجديدة إمرأة شديدة الذكاء و قوية , لأنها كانت تتصور تخليها عن زوجها من أجل "أورهان", ولا شك أن أورهان ذاته كان يعرف شيئاً ما يمكنه من اتخاذ قرار ترك "عائشة" وكل حياته الماضية في الوقت ذاته. فربما تطورت عواطفي تجاهها إلى حب, ربما انتهى حبه "لعائشة", ربما كان السبب هو جاذبية امتلاك الأرض والعنب وتحقيق الراحة المادية , لم أستطع التحديد !!! ومع ذلك, فكل تلك الفروض لم تقدر ان تخفف من حدة غضبي من "أورهان" , فلقد خدع كل شخص بضمير مرتاح , ولا بد أنه خدع ذاتهش أيضاً في لحظة ما. 

 كان من الأمر الطبيعي أن تدفع ظهيرة يوم السبت الفرد إلى الاستغراق في التفكير العميق حول معنى الحياة. كان "نهاد آبي" ينام في النعش, لقد جاءه في النهاية الموت . وبعد انتهاء مراسم الدفن, كنا خمسة أشخاص في بيت "نهاد آبي". وبعد أن غادر "ألتان" و ابوه و"نازلي", بقيت أنا و"عائشة". قالت "عائشة": إن نازلي تظن أننا على علاقة, إنها تظن أننا حبيبان. كان يجب أن أبعد كل الأفكار عن راسي , لأن أصغر فكرة قد تخطر على بالي كفيلة بأن تمنعني مما انا في صدد فعله , وبدل التفكير, أمسكت يديها وسألتها: وهل نحن فعلاً حبيبان ؟ لم تجبني , ولم أردها أن تجيب أيضاً.

 كنت و"عائشة" في الأيام التالية نتجنب بعضنا البعض, كنا نحرص على ألا يظهر واحج مننا امام الشخص الثاني وهو يعبر بالحديقة الأمامية للبيت . حيث تغير موقفنا منذ الليلة التي امضيناها في منزل "نهاد آبي", واحتجنا إلى وقت للإستعداد لشيء لم اقدر ان احدد ماهيته . وبالليل عندما وضعت رأسي على الوسادة, نظرت إلى السقف وأنصتّ إلى وقع أقدام "عائشة" بالطابق الأعلى, وفي هذه اللحظة احسست برغبة في القفز من الفراش والذهاب إلى بابها وتقبيل قدميها حتى تطلع الشمس ....., ثم نعست ونمت. ولعب القدر لعبته، عند الصباح تلاقيت أنا و"عائشة" أثناء إخراجنا للقمامة خارج المنزل , قالت لي: مرت عليّ البارحة "كاموران" ,صاحبة البيت, وسألتنا إن كنا مستعدين لان نغادر المكام بحلول الربيع, لأن زوج ابنتها مصمم على بناء عمارة اخرى ثانية بدلاً من الحالية, وعن نفسي فأنا قبلت, لقد سأمت هذا المكان على أي حال. قلت لها : لا تقولي إنك مللته بسببي ؟ فأجابتني مبتسمة : تمنيت لو كان بسببك تمنيت هذا,. ما قالته أتعبني داخلياً, فلو كنت أميناً مع ذاتي لكان من السهل جداً إكتشاف ما الذي يضايقني , لأن المشاعر التي تأكل قلبي قديمة قدم التاريخ, حيث تخيلت دائماً أن "عائشة" تفكر فيَّ أثناء قضائها الليل لوحدها , وهذا شيء يحزنها, ولذلك تجاهد ذاتها , وتظل طوال الليل تتمشى في حجرتها بالطابق الذي يعلوني . 

 وبعد الظهر مررت ببيت "فيلي" لإعطائه الحصة الأسبوعية, وبعد أن أخذ نفساً داخليا , أخبرني بأنه يرغب في ان يترك دروس الموسيقى. بعد انتهاء حصتي مع "فيلي", كنت أتمشى في أحد الشوارع. ازعجتني تلك السيجارة التي لفها "فيلي" لأجلي هذه المرة, و احسست بالماء يتسرب إلى حذائي من البرك التي كنت امشي فيها. وبمجرد انتهاء السيجارة التي أدخنها, اصدمت القطرات الباردة بفؤادي , حتى وإن لم أكن رأيت ذاتي في حياتي في مثل هذه الحالة من قبل, إلا إنني كنت احس بوجع الحب , وهو ما يعتبر فضيحة غير مقبولة لي. عندما فتحتْ لي "عائشة" الباب لحظة ما دققت بابها, كان "أورهان" مستلقيا على الأريكة هناك, أدار ظهره ولكني لمحته , لم أكن مسطولاً إلى درجة ألا أتعرف عليه. إبتسمتْ "عائشة" عندما نظرت الي , لم تكن متأكدة من تقديم من ولمن, فقالت : عاد "أورهان", و اظن أنه عاد بالخير. عندما اقتربتُ من "أورهان" لاحظت أن وجهه صار أكثر نحافة, لا بد أنه فقد وزناً منذ أن قابلته عند مرسى العبّارات, وكبرت لحيته أيضاً, فقال "أورهان" : مرحباً "محمد", اظن انني تعرضت الى انهيار عصبي , ومن الممكن حدوث هذا لأي شخص, الآن رجعت للبيت , آسف على الموقف الذي وضعتكما فيه . تلاقت نظراتي مع "عائشة", كان هناك حزن في نظرتها , شيء حزين بشأن كل منا, ثم قال "أورهان" مرة ثانية : إنني آسف. قلت: حسناً, كل شيء جيد الآن أيها الرجل الجيد . أتت "عائشة" بجانبنا ووضعت يدها على كتفينا, ودعتنا إلى كأس من "الراكي", قلت : ساخرج الآن, فنحن نعمل هذا الأسبوع على تكوين فريق إنتاج شريط, عليّ أن أذهب إلى البيت وأعمل عليه, كما أن "أورهان" يحتاج إلى الراحة أيضاً, إلى اللقاء. كانت الدنيا قد أظلمت عندما وصلت إلى الأستوديو تماما , وكان المطر قد توقف تقريباً, وندمت على عدم الذهاب إلى البيت لتغيير جواربي, حيث بدأت أصابعي تؤلمني بقوة من البرودة . 

 في هذا الصباح, أستيقظت على صوت زقزقة "بيبر" لأجد ذاتي راقدا على كنبة "نهاد آبي", كانت برأسي همهمة لا تنتهي . فتحت الستائر, فملأ النور الشقة باكملها , لم يكن الجو قارس البرودة , ولكنني شعرت بالبرودة, سحبت كل البطاطين التي وجدتها في المنزل وتغطيت بها إلى ذقني ورقدت انظر الى السقف . لاحظت أنني أفتقد والدتي , شعرت بالوحدة, احسست بأن أحداً ما يدفعني بعيداً عنها, يبعدني عن الحياة, ربما لهذا احتجت إلى التفكير في والدتي رثيت حالي, رجل أصبح فى منتصف الأربعين من عمره وما زال يفتقد والدته إرتفعت حرارتي, رميت ذاتي تحت البطاطين, أغلقت جفنيَّ ونمت. وفي حلمي رأيت والدتي , كانت تكوي الثياب . نظرتُ إليها وتأملت جمال وجهها , حيث كانت من نوعية النساء التي تحب أن تقضي حياتك باكملها تحت قدميها, كان الجمال والحيوية ينبعثان من جسدها , وأثناء تمريرها للمكواة على الملابس, كانت تردد لحن أغنيتي على فمها . رن جرس الباب, وعندما نهضت احسست برأسي يدور, مشيت و انا متحذر إلى الباب, وعندما فتحته, وجدت "عائشة" أمامي. وقفت "عائشة" مقابلي وعلى وجهها ابتسامة, فقالت: مرحباً, ألن تدعوني للدخول؟ وعندما دخلت, كانت حالة الحجرة مقيتة , ولكني كنت ممتنّاً لأن عينيْ "عائشة" الزرقاوين تتطلعان إليّ وليس إلى الغرفة. قالت: ماذا أصابك؟ فقلت: أصبت ببرد خفيف. احضرت لي "عائشة" الشوربة وجلست احتسيها . قالت: أيعني هذا أنك عزّلت. قلت: ألديك فكرة احسن ؟ قال: لم أرد أن يصبح الموضوع هكذا. سألتها عن حال "أورهان", فقالت: اظن أنه يشعر بذنب كبير, إنه يطلب ان اغفر له طوال اليوم. ألا تريد معرفة سبب عودته لي . قلت: لا. ثم أخفت وجهها بيديها, وخشيت أن تبدأ بالبكاء, ثم أخذت نفساً داخليا , وبقيت الدموع متكومة في عينيها, وقالت: ليس في استطاعتي ان اعامله بالطريقة نفسها. لم أكن أعرف كيف أتصرف من دونك خلال كل تلك الأيام الفائتة , أعتقد أنني كنت لأجن من كثرة الحزن على ذاتي . قلت لها: كنت تدبرت أمورك بطريقة أو بأخرى. فقالت : اعرف أنك غاضب مني. من الأفضل أن اخرج من هنا . ثم رحلت, وكأننا كنا سنتقابل بعد ساعتين, ولكنني اكتشفت فيما بعد أننا لن نقابل بعضنا البعض ثانية !!!!. 

 خطفنا المشهد في ليلة عرض الأغنيات الحديثة , جعلنا الناس تتراقص وهي جالسة على الطاولات , جعلناهم يحسون بالحيوية, أسكرناهم. إنتهى عرضنا حوالي الثانية والنصف من صباح اليوم الذي يليه . بدأت عيناي تبحث عن صديقي "ألتان", ثم وجدته, كان يجلس و مقابله فتاة ذات شعر عسلي, ويجلس معهم مجموعة من الشبان و الفتيات . كان يجلس أمام الفتاة بالضبط, ثم نهضوا وذهب "ألتان" معهم إلى الباب, وخرجت اتتبعهم لارى اين ذهبوا . وهناك أتى إلى صديقي "ألتان" شاب كان يقف بالقرب من الفتاة عسلية الشعر وجذبه من قميصه وقال: هل تريد افتعال مشكلة معنا أم ماذا؟ فضربه "ألتان" على وجهه, فقام صديق الشاب بلكم أنف "ألتان", فلم أدري إلا بقبضة يدي وقد نزلت بكل قوتي على خدّ الفتى, وبعدها احسست بألم حاد في أنفي, وفقدت تركيزي , فأغلقت عينيَّ وانتظرت اللكمة التي تليها , وعندما لم يحدث شيء , فتّحتُ عينيّ, كان "ألتان" يجلس ويدعك خده ويضحك و هو بجانبي ... 

هب نسيم رقيق ينبيء بهجرة الصيف,أحسست به يتخللني ويخرج مني متسللا إلى الطريق, بعدها احسست ببرودة الصيف في أردافي. هكذا كان الأمر, في ليلة من ليالي نوفمبر, يتركونك بمفردك على الرصيف .. .. 



                                      النهاية. 



إرسال تعليق