الثلاثاء، 2 يناير 2018








تلخيص رواية
لا تقرب النساء قبل سن الخامسة والعشرين:
معاذ جهاد
إعداد وإشراف: رجاء حمدان


هل يمكن أن تنسى حاسة الشم في ركام أحلامه ؟! فرائحة الحب الأبدية ستبقى تطارده دون رأفة. مقتول لينا اللعين الحاذق, أحقاً ستهاجر تلك الفتاة ذي الشعر القمحي المسود, والعينين المغموستين بالعسل المحنط ؟ أي حب هو الذي سيبقى مقيداً أربع سنين ونيف, ريثما تنهي هي فلوكلوراتها وأهوائها ؟! يا سيدتي ذلك القصير ذو العينين السوداوتين لن يحتمل ذلك !! كانت أحلامه العميقة تتمنى لو يعشق فلسطينية كاملة الجنسية, لا إبنة نصف دولة عظمى ونصف أرملة. أتريدين الرحيل عقاباً لي على ذنب لم أقترفه, وعلى جريمة آلت إليّ زوراً وبهتاناً ؟ إلتقى بها البارحة على مفترق الطريق, لم يتجاوز الأمر ثلاث ثوان. تلاقت العينان, وتصافحتا بصمت, وتابع كل منهما طريقه دون وعي.
مر شريط ذكريات أيمن أمام عينيه, من لحظة ما جلس بجانبها في المخيم الدراسي, لقاؤها في الجامعة, وكيف أحبها وكيف انتهى الأمر في الوداع الأخير ذاك. كان ذلك في ثلاث ثوان. ثلاث ثوان كانت كافية لتلقي تعويذتها تلك وتسلبه النوم ليلتها. سأل أيمن نفسه: أو تكون هي وضعت سم العشق في كأس شايه عندما كان يحاول أن يشرح لها مسألة فيزياء عالقة؟! إضمحل هو من تلقاء نفسه, أكان يحبها ؟ لا قطعاً, كان يعشقها, كان يدمنها, كان مريضاً بها .

كان البيت الأزرق القرميدي ذو الطابق الواحد, في السنوات الأخيرة لم تزره إلا التعاسة, وأفواج المقبلين على الزواج. كانت أرضية الساحة من الحجر النابلسي الذي يزداد جمالاً كلما اتسخت أرضيته, وربما شخصية أيمن الفوضوية والعفنة جعلت جماله لا يُضاهى. طرِق الباب على عجل, وفُتح الباب على عجل. نطقت هي : مرحباً, هل أنتما جاهزان وضحكت، قال أيمن في نفسه : آه لو التقطت ضحكتها تلك, ثم قال لها : نعم, إنتظري دقيقتين. قالت: سأنتظر بالسيارة خارجاً. حينها أغلق الباب وأغمض عينيه, فتحهما من جديد على يدٍ قد أرخيت على كتفه : سننهي الأمر بسرعة أيمن, سيسير الأمر كما خططنا منذ ثلاث سنوات.

من مذكرات لور ... إليك أكتب يا ناجي. أشتاقك وأحبك, فهلّا تأتي ؟ عندما كنت صغيرة يا ناجي, لم أكن أخاف شيئاً, لكن الواقع يجعلك تخاف من المفك وفأرة الحاسوب وفرشاة الأسنان واللون الأصفر, أتعرف لماذا أخاف من هذه الأشياء؟ لا تنتظر أن أجيب, ولو كنت أعرف لما سألتك. على كلٍّ, لا أحد يكترث لسيدة مختبئة في بيتها منذ فترة طويلة, ومغلقةٍ على نفسها الباب منذ ثلاثة أيام . ليزا رحلت. قبل خمس عشرة سنة, إلتقيتُ ليزا, إبنة الجيران التي قضينا كامل وقتنا معاً. لقد أضعنا طفولتنا كاملة في تعليم القطط كيفية التحدث, عبثاً. عمري يا ناجي الآن خمس وعشرون سنة. أعتذر عن الإطالة يا ناجي, إسمي لور مرة أخرى, ولعلك تتسائل, لماذا تختبيء سيدة في غرفتها منذ ثلاثة أيام ؟ كنت في السابق أفكر في هذه اللحظة كثيراً, سأختبيء في يوم ما عن وجه هذا العالم. على كلًّ, سأهرب يا ناجي, قررت منذ البارحة ليلاً, لماذا ؟ هناك حفلة يجب أن أغني فيها, ولكن أخي يمنعني من الذهاب, لذا قررت أن أهرب. سأهرب إن اخترعتُ دواءاً سحرياً يجعلني أختفي عن الأنظار, أو إذا هربت من الباب ليلاً بينما أمي وأخي نائمين. أريد الغناء في حفلة ما, ولكن أمي وأخي يمنعاني. يقولون بأن ذلك مرفوض وبأنني الآن مطلقة ولم أستطع الإنجاب. أسألُ نفسي, ممنوع أن أغني لأنني مطلقة يا ناجي ؟! لا أفهم الأمر, أيكون صوت المطلقات مختلفاً مثلاً ؟
كانت السيارة تنتظر في الخارج, إمتطى أيمن الكرسي الأمامي, وجلس مازن في المقعد الخلفي. قالت لينا التي قادت السيارة : أهلاً بك مازن, كيف حالك, مرت سنوات كثيرة منذ آخر مرة رأيتك فيها. سنذهب الآن إلى بيت وليد, وفي الطريق سنأخذ يارة معنا.. . منذ غادرت لينا إلى أمريكا فاتحت لينا يارة بالموضوع كثيراً: ألا زال يحبك ؟. مازن, صديق يارة ولينا المقرب, كما أن مازن قد تصادق وتعلق بأيمن, ومن ثم  شاركه عمله. لم يعرف مازن الحب إلا على يدي يارة. هو حاول مطولاً إجبار قلبه على اعتزال حبها والتنازل عنه, عبثاً كان يحاول. كانت لينا تحدق بمازن من المرآة الأمامية ناظرة إياه أن يحمر خجلاً وهو يرى يارة تصعد السيارة, لكن وجنتيه لم تفعلا. أترى قد انتهت صلاحية حبهما مثلاً؟

 سألت لينا نفسها : هل أكون عساى قد تلاشيت من قلب أيمن أيضاً ؟ أراد أيمن أن يلطّف الجو فقال : جميلة السيارة, هي معشوقتك منذ كنت صغيرة, أليس كذلك, فقالت لينا : نعم, هي كذلك, هدية وليد لي. وجاءت كالسهم, تلك الكلمة في قلب أيمن, نعم وليد ذاك. لقد بدأت القصة منذ عدة أيام, حين رن الهاتف في بيت أيمن, وكانت المتصلة لينا, قالت له : إنني أتصل لأدعوك إلى حفلة زفافي, يوم السبت القادم. وهنا لم يعرف ماذا يجيب. إذاً ستتزوج وتدعوك إلى عرسها. يا لوقاحة القاتل حين يدعو القتيل إلى جنازته؟! رد أيمن: مبارك. ولكني أعتذر, لن أستطيع القدوم, عليّ أن أحضر حفلة أخرى. قالت لينا: بدون اعتذار, سأرغمك على المجيء. كان أيمن ذلك الفيزيائي القديم الذي لم يكسب من فيزيائيته شيئاً. وهو أيضاً منسق الحفلات الذي ذاع صيته في الآونة الأخيرة. نعم, لم تكن تعرف أن الحفلة التي ستنسقها ستكون حفلتي أنا. أي شيء بإمكانه أن يقتله أكثر من أن يكون منسق حفل زواج محبوبته من شخص سواه ؟ قالت لينا : إن وليد يعمل مهندساً في إحدى شركات الخليج, وأنت ماذا عنك يا أيمن, لماذا لم تتزوج بعد ؟ فقال: يا سيدتي إن من يعشق القمر, لا يرضى بنجمة ! خاطبها وابتسامته ترتسم على وجهه, لم يدر كيف أطلقت سراح تلك الكلمات دون وعي, هي الآن ستتزوج, كيف تخاطبها وتغازلها بتلك الطريقة الجنونية؟! كان أيمن يغرق في ذكريات نفسه, كيف مرت الست سنين تلك ؟ يا لسرعتها ويا لحماقتنا .

خجول هو إلى الدرجة التي جعلته لا يصافح فتاة, خجل مرة حينما داس ظل فتاة خطأ, واليوم تتهمه هي بالإلحاد والفسوق, وأنه أصبح زانياً. باختصار, عندما لا تريدك امرأة, هي ستلصق بك أي شيء لتبعدك عنها, النساء ماكرات, إبتعدْ عنهن قبل سن الخامسة والعشرين فذلك أفضل. وها هو اليوم رجل على مشارف الخمس والعشرين يضيع باحثاً فى غابات عقله الإستوائي عن جسد امرأة وبقايا حب. إحدى عشر سنة مرت, كان طفلاً ذا أربعة عشر عاماً, وكانت أنثى ذات اثني عشرة عاماً, حينما التقيا بمخيم صيفي, لم تلفت انتباهه في البداية, ويذكر أن كل ما كان بينهما هو الشجار. غازلته يوماً قائلة : عيناك السوداوتان جميلتان, هو لم يستطع النوم ليلتها, ربما لو قالت له أحبك لمات بسكتة قلبية. لم يغرم بامرأة من قبل, كانت عيناه كافرتين بالحب, أكانت عيناها معجزتين إلى تلك الدرجة لتجعله يؤمن بها ويلحد بسواها؟! إن عينيها فريضتان فكيف لمسلم أن ينساهما ؟ ..

صحا مع الخامسة ومع جرس منبهه, توضأ وصلى, ودعا الله أن يصلح حاله مع أمه "حسناء", التي أخبرتها صديقتها المقربة زينب, أن ابنتها "جميلة" رأت أيمن يجلس في إحدى زوايا الجامعة مع فتاة ما. فغلي الدم في ثنايا ضلوعها, وحين استنطقته, أقسم لها أيمن بأنهما لم يتوحدا, وأن ذلك كان في إطار مجموعة فيها أربعة شباب وثلاث فتيات, حينها ذكّرته أمه أنه إبن قرية وليس إبن المدينة, حينها قال: أمي بربك, لقد بلغت التاسعة عشر من العمر, تباً للعادات والتقاليد ... منذ أكثر من سنة بدأ عقله بالتمرد كثيراً على قوانين القروية وقوانين أمه بالذات. كان يحتاج أن يتجرع شيئاً, توجه إلى بقالة أبي أحمد, لم يكن أبو أحمد موجوداً. لقد تبين لأيمن بأن أبو أحمد قد باع البقالة لشخص غريب إسمه خالد. 

كانت ساعة الثامنة لم تدق بعد حينما داس بقدمه مدخل العلوم في جامعته, وأخذ يسير إلى أن وصل إلى مختبر الفيزياء. كان هناك يشغل وظيفة مساعد في دائرة الفيزياء, بعد ما رأى فيه الدكتور غسان, دكتور الفيزياء, الإجتهاد الواضح على أيمن, فوظّفه بتلك الوظيفة بما يكفل له إعفاءاً دراسياً. فهو على الرغم من الملل الذي عاناه في الفترة الأخيرة, إلا أنه يحب الفيزياء, ويرى فيها استثناءاً, مع أنه لم يرغب بدراستها, ولكنها كانت أقل الإحتمالات سوءاً. بعد فترة جاء الدكتور غسان واتسع المختبر لتسعة عشر طالباً وطالبة. أشار الدكتور غسان على الطلبة أن يكوّنوا مجموعات ثنائية وأنهى قوله: من يتبقى منفرداً سيساعده أيمن, حينها رفعتْ يدها إحدى الطالبات فتقدم أيمن نحوها, فقالت له : ألم تعرفني ؟ إصطدمتَ بي قبل خمس سنوات, ورددتها لك صباحاً. وبالفعل في الصباح كان أيمن قد اصطدم بفتاة ولكنه لم يلحظ وجهها .

رفعت عينيها من على الأشجار التي تهرب من عينيها بسرعة من زجاج السيارة, وتطلعت إلى الرجل الذي بجانبها أيوب, اللاجيء من حيفا الذي هاجر إلى أمريكا في بدايات حياته, ولم يعد إلى حيفا. هي إبنة أبيها ومدللته. لينا أكبر الأخوات لكنها أصغر من أخيها. الذكر الوحيد, يكبرها بأربعة أعوام, يتلوها ثلاث بنات يتدرجن طولاً وعمراً. ياسمين, أمل, أنسام. أضف إليهما شبه أخت رابعة, يارة, الفتاة السمراء التي لم تفارق  منذ كانت في السادسة من العمر لينا. يأكلان معاً, ويسهران معاً, ويتعلمان الحياة معاً. وقفت السيارة, ونطق أيوب: تفضلي يا صغيرتي. ردت لينا: لا تتأخر أبي كعادتك أرجوك. فقال أيوب: لن أتأخر. خرجت من السيارة, وما كادت تدير جسدها نصف دورة حتى ارتطم بها أحدهم بيده. صرخت: ما بالك أيها الغبي. أدار وجهه بسرعة, وتوقف قائلاً: أعتذر لم أكن أقصد.  

كان قد وصل القرية للتو حين ناداه أحدهم : مرحباً سامي, أهلاً بعودتك, اشتقنا لك. كانت القرية قد تغيرت كثيراً. أكانت تكفي تسع سنوات من غيابه لجعل هذه البلدة تنقلب إلى مهرج غير متقن الصنعة ؟! كان إسمه سامي, رجل أربعيني العمر. كان قد قرر العودة أخيراً من أجل ابنه إن لم يكن من أجل زوجته التي أحبها. كيف سيكون وجه إبنه الآن  يا ترى ؟ بأي صف سيكون, السابع أم الثامن ؟ هل أسمع كلمة أبي أخيراً ؟ أم أن وجعي سيكون لامتناهٍ إذا ما هي رفضتْ عودتي؟! سيعتذر عما حدث, وسيحاول إرضائها. قال لنفسه : فلننه الأمر. طرق باب البيت ولكن ما من مجيب, أعاد الكرة عدة مرات, إلى أن جاءت إحدى الساكنات في البيت المجاور, وقالت : ليس هناك أحد في هذا البيت, لقد غادر سكانه قبل عدة سنوات.

ودعت حسناء جارتها زينب بعدما تطورت العلاقة بينهم كثيراً. فحسناء التي وعت على نفسها متأخرة, وجدت نفسها بين أربعة جدران وحيدة مع إبنها, فملت من جمودها ورأت في زينب الصديقة  الوفية. كانت زينب تصغر حسناء بعامين تقريباً, إنتقلت إلى الحي منذ عامين مع زوجها علاء وطفلتيها مرح وجميلة. رجعت حسناء إلى بيتها, فتحت باب غرفة أيمن وسحبت برفق الأوساخ التي استوطنت أسفل سريره. كان هناك جرابات, ورق, حذائه, فارة حاسوب, تحسست السرير بعد ذلك, ولامست يداها شيئاً ما. وحين وصل أيمن إلى البيت, صاحت أمه منادية عليه, حينها فكر أيمن بكل أخطائه منذ ثلاثة أيام, حينها فاجأته أمه تحمل الصورة التي كان يخبأها تحت وسادته, وقالت : ألم نتفق على أن ننتهي من هذا الموضوع ؟ فقال : أمي, إتفقتِ أنتِ وحدك, إنها صورة أبي, من حقي أن أحتفظ بها ولو كان مخطئاً.

إنتهى الأمر منذ أن كان أيمن في الخامسة من عمره. والده سامي الذي تزوج حسناء عن شبه حب, لم يكن يحتمل مزاجها وتصرفاتها الطائشة. تكاثرت المشاكل إلى أن طلبت الطلاق. وهاهي لا تستطيع أن تخفي تعاستها ووحدتها الآن ؟ راسلها بعد الطلاق بأربع رسائل, إتصل عليها كثيراً, لكنها كابرت أكثر. إنتقلت من قريته إلى قرية أخرى مجاورة, تعاقبه بترك كل شيء يخصه. ما يقلقها هو أيمن, ترى أن حقه لا يشمل تذكر والده الذي تركه قبل أن ينطق, وتزيد على ذلك بأنها هي الوحيدة التي يجب على أيمن التعلق بها, فهي من أفرغت حياتها له. أما أيمن فمنذ فترة بدأ شعور النقص يجتاح ضلوعه وثنايا عقله, حرم هو من كلمتي أخ وأخت وجوباً, أيحرم من كلمة أبي أيضاً. جلس على سريره وتذكر أحداث اليوم وقال لنفسه : لم أعتذر كفاية للفتاة التي اصطدمتُ بها اليوم خطأ, على كل حال لن أذهب إلى المخيم, ستنسى الأمر بعد فترة ولن تتذكرني. من ذا يزيل عن عينيه عينيه لكي يستريح الآن ؟ سأل نفسه : ماذا تراها تفعل الآن وأين هي ؟ لقد هاجرت مع سبق الإصرار والترصد, لم تبق حتى دليلاً واحداً ليعرف مكانها. الإناث عادة يتركن شيئاً ليعطين للرجال فرصة اللحاق والبحث عنهن, لكنها مختلفة كثيراً. إذاً, وماذا الآن ؟ هل سيبقى وحيداً. عمل باجتهاد في السنوات الأخيرة كي يرضيها, سيسافران معاً كما تشتهي هي, وسيشتري شقة في المدينة ويعيشان هناك كما أرادت, كان قد قرر. إذاً, أينكسر ؟!
أمام باب الصف في المخيم وقف إلى أن جاءت المعلمة, وقالت : أدخل, زميلتك تنتظرك في الداخل, لقد قمنا بتقسيمكم إلى مجموعات وعلى كل واحدة أن تتفق على عرض ما, فكّر أيمن قليلاً, ماذا سيفعل الآن ؟ إن فكرة الأنثى بالنسبة إليه أصبحت عقدة وضعتها أمه منذ صغره, ولكن المعلمة طلبت ذلك, فأمه لن تنزعج, هكذا حدّث نفسه. وحين دخل كانت زميلته في المجموعة هي الفتاة التي اصطدم بها بالأمس ! تأتأ قليلاً ثم قال: لم أكن أقصد, أقصد... أنني صدمتك, كنت أربط حذائي, ما اسمك ؟ فابتسمت له, وقالت : لينا. قال: جميلٌ إسمك. ضحكت هي. هو لم ينكر يومها أنها ذات ابتسامة فاتنة, قال يومها أنه وجب على القضاة منعها من الإبتسام, إن بسمة كتلك تردي أحدهم قتيلاً, وتسلبه النوم إن لم تسلبه من نفسه.

لننم حلماً آخر, ولتكن حياتنا ورقة شجر تحركها الرياح أينما شاءت هواجسها, لنعش عاديين هكذا, لنكن رقماً لا إسم. سبعة مليار إنسان يقطن الكرة الأرضية, وقليلون هم من يحكمون حياتنا, أنكون عبيداً روحياً ؟ أنحتفل بأعياد الغرب أكثر من ما نحتفل بأعيادنا ؟ أيصبح "الكورنفليكس" أكثر لذة من الزيت والزعتر, أنُدمِن الوجبات السريعة وننسى "المسخن" لأن "المسخن" ليس له ماركة ؟ أنحن مسيرون أم مخيرون؟! قالت له أمه : الهندسة أو الطب, وضَع التمثيل جانباً, ماذا سيقول الناس عنا, إبنك أصبح ممثلاً !! إنتهى النقاش, الهندسة أو الطب. فكّر وهو يضع رأسه على وسادته بكلام أمه, وفكّر, أليست هي من أخذته في باديء الأمر لمشاهدة مسرحية قريبة ؟ لماذا صفقت لذلك الممثل ومنعت إبنها من أن يصير مثله؟! إذاً لماذا يكون التمثيل الآن عقبة. أغمض عينيه, وكان يحلم أن يصبح ممثلاً !
قالت لينا وهي تدخل بسيارتها قصر وليد ذاك : ربما, لو أنك جمعت كل ما كسبته في الأربع سنوات, واعتشت على الزيت والزعتر, لم تكن لتستطيع أن  تجمع نصف ثمن هذا القصر قالت يارة : إثنتي عشر زوجاً من النخلات, الأوركيدا؟! جلنار؟! يا له من عاشق, كيف عرف أنك تحبينها ؟. قالت لينا: لقد اكتشف ذلك.

 سألت لينا نفسها : كيف حدث الأمر, لقد كلّمْته قبل نصف ساعة, والآن هو ميت. فقالت يارة : ما الأمر ؟ فقالت لينا : إسألي أيمن, منسق الحفلات أضحى منسقاً للموت !! لقد وجدوا وليد مقتولاً في شركته، إتصلت أختي وقالت لي إن الشرطة تبحث عني, وإنهم وجدوا بصماتي على الجثة !! أيمن, أنت قلت لي, أنك لو تعرف من سيتزوجني قبلك لقتلته, والبارحة عرفت من هو, يا لعجلتك, ألم تستطع أن تصبر أكثر؟ قتلته بكل تلك السرعة؟ اليوم تأكدت أنك مختل عقلياً سأسلمك للشرطة !!  قال أيمن : لينا إهدأي. مجنونة أنت, ماذا ستقولين للشرطة, غازلني قبل أربع سنوات وقال إنه سيقتل من يحبك بعده ؟ أديري عجلة السيارة دون جنون أرجوكي!
أكانت تحبه ؟! تسأل نفسها, وتجيب : لا لم أكن أفعل, كنت محتاجة لأعوض نقصاً ما, وها أنا أصل ذروة النقص الآن, يا لحظي البائس, أينقلب عرسي إلى جنازة, وأنا قاتلته لا زوجته ؟! رفعت رأسها على وقع خطى أحدهم متجهاً صوبها, كان أيمن, تبسم، كان هادئاً إلى درجة مبالغ فيها, قالت : إلى من هذه الشقة ؟ ألن يجدونا هنا ؟ فأجاب : لصديق, لقد طلبت إعارتها لفترة ولم يمانع. أما الشرطة فستجدنا في أقرب وقت ممكن.
كانت جرثومة في حياة أيمن غيرت تكوين حياته, منذ ثلاثة أيام شيء ما يحدث, إن هذا الفتى ذي التسعة عشرة عاماً, تغير كيانه في ثلاثة أيام, "لقد وقع في شباك عينيها" يقول في نفسه, "لماذا علقت تلك الأنثى بحافة عقلك الداخلية؟ لماذا يستحيل طرد صورتها من عينيك؟ أتراها تعششت فيهما؟" فكر قليلاً ثم قال إن الفيزيائي أقوى من أن تحكم دقات قلبه قوانين امرأة أو عيناها .

كانت لينا جميلة جداً وقد جهّزت نفسها للذهاب إلى مستشفى السرطان. كانت قد اعتادت المهجر كما يقول والدها, يوقن هو أن العودة حتمية لا نقاش فيها كما الوجود. كان قد قرر أن ينشيء ابنته في الوطن, أن يجعل قلبها وعقلها على الأقل فلسطينيين, يعتز هو بفلسطينيته. أما هي, فلم تكن قد تشبثت كثيراً بفكرة الوطن, ما كان يشغل عقلها هو السرطان. كانت قد اعتادت على زيارة مستشفى الأورام شهرياً على أقل تقدير, حتى بعد أن سرق المرض عمتها. كانت قد كوّنت الكثيرين من الأصدقاء هناك. كانت قد أقسمت بالقضاء عليه وهي ترى عجوزاً تبكي على تساقط خصلات شعرها. وهاهي حتى في غربتها تزور المستشفى أسبوعياً. ستنهي عامها هذا لتدرس الطب, كما قد قررت .

إذاً, أينغمس الآن في ذاته باحثاً فيها عن بقايا وطن ورمشٍ لإمرأة ؟ كان إسمه أيمن, شاب لم يكمل العشرين بعد, يبحث في عينيها عن كينونته, أصابته الشيخوخة المبكرة. إن الفقدان يعلمنا الحب. بحث عنها في أروقة الجامعة كالقتيل الذى يبحث عن قاتله. هو بعد أن رأى عينيها لساعة, كان قد قرر إسم ولده الأول. الذكور أغبياء جداً, وإلاناث عيونهن أشد فتكاً من القنابل النووية. نادى العم خالد, صاحب البقالة, على أيمن, وقال : قل لي ما اسمها ؟ فرد أيمن : كيف عرفت أن الأمر متعلق بأنثى؟ فقال العم خالد: السعادة المطلقة أو التعاسة المطلقة عادة ما تكون ورائهما أنثى !! ...
في الجامعة رآها, ماذا سيقول لها, أيقول أنه نسي قلبه مع دفترها عندما أراد أن يشرح مسألة ما وقت التجربة ؟ سألها عن حالها ولماذا تغيبت عن محاضرة المختبر, فقالت : أخذت إذناً من الدكتور غسان, غبت لبعض الوقت لأمر ما. قال أيمن في نفسه : لقد أخذت إذناً من الدكتور غسان ولكنك لم تأخذي إذناً من قلبي !! .
أفاقت الساعة الخامسة, كان كتاب الليلة الفائتة قد انزلق من يديها واتخذ الأرض مرقداً له. منذ فترة نضجت, وكبر عقلها فجأة, واتخذت الأشياء بمنطق. كم كبرت ؟ "كبرت بما يكفي لتتزوج" كما تقول أمها. رغم أن حلمها في محاربة السرطان هو جل ما يؤرقها, لكنه ليس السبب الوحيد في امتناعها عن الزواج, وليس عدم وجود الزوج المناسب هو السبب أيضاً, ولكن الفرص التي أتيحت لها كان سببها مخالفاً لاعتقاداتها بتاتاً. أما أيمن, فقد أيقن بعد كل تلك المنازعات بينه وبينه أنه أحبها. رن هاتفه فقطع شريط ذكرياته, كانت صديقة قديمة تدعوه لأن يجلس معها ومع مجموعة من الأصدقاء في المجمّع. وحين وصل المجمّع إلتقى بلمى, وهناك كان يتكيء مازن أيضاً, صديقه القديم من أيام سنته الجامعية الأولى, وهناك عرّفته لمى على صديقتها لينا, فضحك الإثنان سوية .

عاد الأمر يغتالها تدريجياً, الفتاة التي تزوجت قبل عامين زواجاً تقليدياً تعيساً من رجل غني يزيدها بخمسة أعوام, رفضت هي, لكنها كانت تحت سلطة أخيها ولم تكن قادرة على جبروته. وهناك, في السجن الشرعي, وفي بيت الدعارة القانونية المرخصة, لم يستطيعوا قتل الطفلة في قلبها, تزوجت ولم يأتِ ناجي. أتعرف أن المخلوقات الفضائية موجودة حقاً ؟؟ ألا تؤمن بها ؟ لور تستطيع إقناعك بالأمر بسهولة. لم تكن واقعية بتاتاً, كانت تقنع نفسها أن ما يحدث ليس إلا فيلماً سينمائياً نحن فيه ممثلون ليس إلا. التصوير يستمر فيه أربعة وعشرين ساعة في اليوم, إنه مرهق جداً ! منذ عامين تزوجت, ومنذ عامين لم تنجب, لم يعرف الطبيب ما المشكلة, فالزوج سليم, فمن المرجح أن السبب عائد إليها, لذا قال لها زوجها أن تجهز حاجياتها وأن الأوراق ستصلها بعد يومين. وعادت حياتها كما لو أنها لم تتزوج أصلاً. قبل عدة أيام كانت قد قررت أنها ستجرب الغناء, وعندما فاتحت أمها وأخيها بالأمر, قالوا : ضعي أوهامك جانباً, أنت مطلّقة الآن, إنتظري إلى أن تعطف أنامل رجل آخر على رفاتك, لا تلوّثي سمعة العائلة !! أن تُطلق امرأة في هذا المجتمع معناه أن تاريخ صلاحيتها انتهى.

قالت لينا : قلت لي إن آينشتاين كان ذكياً في حياته؟ فقال أيمن : بل كان غبياً في حياته, قلت أنه كان ذكياً في قوانينه. إن الأغبياء من يخترعون قوانين تفهّم الناس حياتهم, أما الأذكياء فهم يتكفلون بالعيش غالباً. فقالت : وما أدراك أنه لم يعش حياته إذاً ؟ هل يعشق الفيزيائي ؟ فقال : أنا فيزيائي أعاني بعض ما عاناه, ولكن لا أعتقد أنه يعشق, ولكن أتعرفين لو أن آينشتاين قد رأى جمالك, أجزم بأنه كان ليترك الفيزياء ويدمن الكحول. قالت : وأنت, ألم تحتس كحولاً قط ؟ فقال : كحل عينيك كافٍ ! قال هذه الكلمات دون وعي, وكانت وجنتاها تحمران خجلاً, ثم قال : لم أكن أقصد, ولكني لم أحتسِ الكحول أبداً. فقالت : آه, نسيت أنك متشدد في دينك. أتتزوج واحدة لا ترتدي الحجاب ؟ فقال: على الأغلب لا. إنني رجل شرقي شديد الغيرة. لنكن واقعيين الرجل والمرأة مختلفان, ألا ترين أنه من الحب أن تهدي المرأة جمالها لزوجها فقط ؟ فقالت : أيمكنني سؤالك شيئاً آخراً ؟ لماذا تكره النظارات إلى تلك الدرجة ؟ فقال : أي حق هو الذي يعطي لزجاجة أن تكون أقرب مني إليك ؟ 
شخص ما أضاع حلماً على ناصية الطريق, واختار أقل الأسوأين سوءاً بالنسبة إليه. أنهى الهندسة بأربعة أعوام ونصف, ووجد عملاً منذ شهرين. وها هو يعيش يوم روتيناً, يمضي من مشروع إلى آخر .

صحا عند الساعة السابعة, كان يوم أحد, ولكن امتحانات النصف سنة تُقدم في أيام الآحاد عادة. لم يدرس كثيراً, هجر سريره, وقف أمام المرآة ما يقرب الخمس عشرة دقيقة في ترتيب هيأته الجسمانية, لم يفعل ذلك من قبل مطلقاً, ولا أعتقد أن امتحاناً في الفيزياء يتطلب منك كل هذا, هي عينا امرأة فقط من تجبرك على اعتناق أناقتك. وجه أمه كان يرقبه. تدرك أن شيئاً ما يحصل وأن ابنها المدلل يخبّيء أمراً. وفي الجامعة حين رآها قالت: ماذا تفعل هنا ؟ فقال : لا شيء, المعلم جاء يطمئن على تلميذته. وبعد ساعة ونصف من المذاكرة معاً, إنصرف كلاهما إلى امتحانه. كان يعرف أنها لم تدرس جيداً, فقرر في امتحانه هو أن يترك ورقة إجابته فارغة ليشاركها الرسوب, ربما الحب أصغر وأبسط مما نتخيل.

لقد أهدته هذه الفتاة التعاسة المطلقة, وبخلت بشيء من عينيها, قاتلتاه ومعشوقتاه الأبديتان, هو لم يكسب الحب ما يقيت به جوعه حتى. "لقد اندثر كل شيء" قال لنفسه. لقد اعتاد الهجران. إن أنثى مثلها تغرس فيك الخطيئة والصواب, وتجعلك ملحداً بالنساء جميعاً. لماذا انتهى الأمر وهو لم يبدأ بعد؟ أيكون القدر أقوى منا جميعاً ؟ كان دائماً يقول لها بأنه يشم من عينيها رائحة بحر يافا .. اقتربَ .. اقتربَ .. حتى غرق. ألم يحن وقت نسيانها ؟ تسعة أشهر مرّوا بسلام ؟ لماذا عادت فكرة الإنتحار تتسلل إلى خلايا عقلك ؟ كان يوم خميس, لا يزال يذكر, حينما صادفها بعمل تطوعي في إحدى مستشفيات مرضى السرطان, لنقلْ أنها كانت صدفة, وهناك اعترف لها بحبه, ولكنها لم تسمعه. قرر أن يخبرها في اليوم التالي. وبينما كانا يتمشيان, تمتم كثيراً. أدركتْ هي أنه سيقول لها أحبك, أصرت عليه إلى أن اعترف, ثم صمتت قليلاً, وأجابت شكراً. لا أعرف أكان ذلك غباءاً أم قتل بلطافة. تخيل أن تقول لإحداهن أحبك فترد شكراً ؟! ولكن ذلك لم يغير الكثير في صداقتهما. وبعد يومين أثناء حفل موسيقي, مشي ورائها فاصطدمت يديه خطأ بظهر لينا, تأسف وأكمل مسيرته, ولكنها غادرت الحفل مع صديقتها بعد خمس دقائق. وبعد أيام طلبت منه المغادرة من حياتها متهمة إياه بأنه فعل ذلك عمداً ! وبعدها باحت له بأنها ستسافر أمريكا بعد فترة. يا لغباء امرأة التقيت بها باصطدام, وأعادت إليك الذكرى باصطدام وتحججت باصطدام لتنهي الأمر !! كان يدرك أن ذلك ليس السبب الحقيقي وراء ابتعادها, أرادت أن تنهي الأمر لأي سبب, أرادت أن توقف ذلك الحب بعد أن خافت أن يلتهمها ... وبعد أيام عرفت أمه بالأمر, وبأن قلبه قد خفق لأنثى, تشاجرا كثيراً وقرر أن يغادر المنزل.

أفاقت عند الساعة التاسعة فهي لم تنم قبل الثالثة صباحاً, ترى أيمن وتتذكره حين اصطدم بها أول مرة, وحين تصادفا في حصة الفيزياء تراه يشرح لها النسبية. ترى وداعهما الأخير, ثم تفتح عيناها بعد أن تراءى لها السواد في دم رجل مقتول بسكين زرعته يداها. تنهدت يارة, التي تقف معها اليوم في أقصى أيام حياتها. يا لفجاعة أحدهم يعود ليرى زفاف ابنته فتستيقظ عيناه على واقعة قتل. فمنذ الحادثة وهم يتصلون بها خوفاً, ولكن يارة طمأنتهم بأنها منذ يومين تنام عندها, سألت لينا يارة وقتها عن علاقتها بمازن, فأجابت بأن حبهم انتهى منذ فترة طويلة, ولم يعد يعنيها أي  شيء, الحب تافه كانت تقول سابقاً, والآن تؤكد ذلك, وأوضحت بعدها أنهما لم يلتقيا قبل ذلك اليوم منذ ثلاث سنوات.

بعد أن غادرت صديقتها, جلست  لينا بلا حراك, تفكر بعينه بكل ما حدث, يا لعينيه ويا لبرودته. كان هو من طرق الباب. إنه هو من أشعل التلفاز فرأت صورتها لأول مرة على التلفاز ولكن كقاتلة, قالت لأيمن : ألا زلت معجباً بفتاة طائشة ولا تعِ شيئاً ؟ ألا زلت تكره النظارات أم أنك أحببتها بعد أن كرهتني ؟  لقد كان يخونني رأيتهما من قبل, ياسمين أختي ووليد, قرأت رسائلهما, أهداها وردة على مرأى عيني, لا أعرف لماذا خطبني إن كان معجباً بها هي، فقال أيمن: ولكن لماذا أكملت الزواج إذاً  ...؟ فقالت : كنت أريد أن أعاقبك, لكنني جهلت أنني كنت لا أعاقب إلا نفسي .

ها أنا ذا, كيف ولدت ؟ السبب هو أن جدي, أبو محمد الذي تزوج  مرتين, أنجب من الثانية طفلاً ذا ملامح تشبهني كثيراً, أسماه سامي. وعندما سامي استيقظ هو وقد بلغ من العمر 22 سنة على صوت صراخ  نسائي, وكانت بنت الجيران التي اسيقظت لترى الماء قد شرّب غسيلها الذي كاد أن يجف, والسبب ماسورة تالفة من مواسير بيت أبي محمد. عشقها أبي وعشق صراخها ! وبعد ثلاثة أشهر من الحادثة, وبعد موافقة والدتي على الزواج, استقررت في رحم أمي. وسميت من الشق الأول من إسم جدي لأبي (أيسر) ويتبعه الشق الأول من إسم جدي لأمي (منير) وأصبحت أنا أيمن. وبعد سلسلة من المشاجرات التي انتهتْ بطلاق أمي وأنا إبن خمس سنوات, لأصبح فيما بعد ولباقي حياتي, إبن مطلقة. وها أنا ذا, وقد فشلت في أن ألصِق إسم إحداهن على هويتي بعد أن أدركت أنها قد تركت لي رسالة لأقابلها قبل أن تسافر, ولكن القدر لم يرني تلك الرسالة إلا بعد أن سافرت .

من مذكرات لور .. لقد استطعت الهرب يا ناجي, عليّ أن أغني في حفلة وأخي يمنعني بموجب السلطة الذكورية لهذا المجتمع البائس القذر, كيف لنا أن نتحرر من الإضطهاد ونحن نسقيه أخواتنا وأمهاتنا ؟ ماذا سآخذ في رحلتي يا ناجي ؟ سآخذ قصاصة الأظافر, ودفتر مذكراتي, والقلادة ومفكاً وفرشاة أسناني, ومعلقة ودميتي الصغيرة, ومكتة السجائر, وعلبة طارد حشرات، وحملتُ حقيبتي وهربت, وقضيتُ الصباح في التفكير في المكان الذي سأقصده, لقد نسيت أنني بحاجة لمكان أمكث فيه ولكن لا يهم. فكرت أن عليّ الإختباء لأنهم سيخبرون الشرطة بالأمر, وسيعرفون موقعي. ها أنا ذا, أجلس على أحد المقاعد الخشبية في ساحة ما, الساعة قد بلغت الثانية عشر ليلاً. المهم المارة يتطلعون إليّ بنظرات غريبة, أراهن أنهم يظنونني عاهرة يا ناجي, لا يدرون أني ضحية هذا العهر أصلاً .. ناجي, سأنقطع عن الكتابة لك يا صغيري, عليّ الغناء غداً وبعدها عليّ الهرب, كن بخير يا ناجي .. أتعرف كم أحبك ؟ كيف لا أحبك وأنت صغيري ناجي, طفلي المدلل الذي أحبه أكثر مني. إن لم أكتب لك بعد هذه السطور فاعلم أن أمك تحبك بالقدر الذي تتمنى فيه لو تأتي, لو تربّتْ على شعرك, لو تحضنك, لو تقبلك, لو تناديك بإسمك فتجيب .. إلى صغيري ناجي الذي ربما لن ينجو ولن يكون, إلى الحيوان المنوي الذي لم يخلق بعد, وإلى البويضة التي لم تخصب بعد, أرجوك كن بخير فأنت الوحيد الذي أحبه ! صغيري ناجي .. كن بخير .. أمك تحبك.

إذاً كيف قتل ؟ ولماذا التهمة ألصقت بي أنا ؟ هم يبحثون عني, بصماتي التي وجدت عليه, إن الأمر قد ألصق بي لا محالة, أترى, أيمن لا زال أيمن ذلك الأحمق الذي لاحقني في سنتي الجامعية الأولى وأنا لم أعره انتباهاً ؟ أكنت أحبه وأنا لا أعلم ؟ حتى لو, ماذا سيفيد الحب لقاتلة ؟ إتجهت إلى التلفاز, وتناولت علبة الأكامول. فكرتْ فيه, كانت قد اقتنعت أنها تحبه, لكن خوفها أكبر من أن تواجهه, شربت علبة الأكامول وهي تبتسم ثم هوت .

كيف له الآن أن يقوى على استعادتها بعد أن آل الأمر إلى النهاية الحتمية؟ أيموت الحب بعد موتنا أم يبقى ؟ يا خالقي كم كانت فاتنة حتى وهي شبه ميتة !. على الشق الأيسر من المقعد في العربة كانت هي, لم تكن ترتدي فستان عرس, كان فستاناً أحمراً طويلاً. كان شعرها قد مُشِّط. فتحت عينها وكانت يارة إلى جانبها قالت: ماذا حدث؟ قالت يارة: ستعرفين الآن, هيا اخرجي من العربة. وعندما نزلت انفرجت دفتا البوابة الكبيرة رويداً رويداً, رافق ذلك سجادة حمراء, وعلى طرفي السجادة ثماني وأربعين شمعة .. كانت البدلة البيضاء الأنيقة تكسوه, حليق اللحية ذو شعر مائل إلى الصفرة, طويل القامة, كان يمشي متجهاً إليها مع والدها. كانت عيناها تلمع حيرة. إنحنى على ركبته مخرجاً خاتماً, ثم نطق وليد: قلت لك سأعيدك من الموت, أتقبلين الزواج مني ؟ قالت في نفسها: لقد فعلها إذاً. ثم بدأت تبحث عن أيمن, كانت قد أيقنت أنه سيكون مختبئاً خلف كاميرة ما, هو قال لها قبل خمس سنوات أن لا أحد سيلتقط صورة زفافها غيره, أهو راضي الآن وهي تتزوج غيره وهو يكتفي بتصويرهما ؟ قالت : نعم أقبل.

كانت ذا عينين واسعتين جميلتين لكنها كانت كمن فقد حبيباً للتو, ذرفت دمعتين قبل أن تبدأ بالغناء ثم أنجبت صوتاً بلغ  المدى, وغنت.. نعم لقد غنّت !. كان حفلاً لم يَبُن فيه أي نقص, لكنها هي كانت تشعر بالنقص منه, كان يؤرقها, تستنظر عينيه من بعيد, تارة  كان يصور إحداهن, وتارة يقف مبتسماً للمارة. كانت تدرك أنه يعاني بعضاً من ما تعانيه لكنه هو المخطيء لا هي, تُحدث نفسها. ومن هناك, من أعلى القصر, قماش أبيض طويل مد من أعلاه إلى أسفله, تظهر عليه جملة : *وليد ولينا .. قصة حب لن تنتهي*. ثم بدأ الفيلم بصور تدريجية من أول تعارف لهما, زيارتهما لمرضى السرطان في أمريكا, يوم خطبتها, ضحكاتها في السيارة, صراخها بعد معرفتها بموته, لقطات من اختبائها في الثلاثة أيام, ولحظة انتحارها, تسود الشاشة قليلاً لتعود بصورتها بالفستان الأحمر التي ترتديه راكبة العربة تلك, خروجها من العربة وطلب يديها للزواج وتنتهي بقولها: "نعم أقبل". وصفق الجمهور بعد عبارة *إنتهى الفيلم, لكن لن ينته الحب*. أما هي, فتبسمت, وقالت : لقد خدعني ذلك المجنون, ركضت إلى يارة وقالت : إتصلي بالغبي بسرعة أين هو ؟ فقالت يارة : في الداخل, يجهزون كل شييء ماذا هناك يا لينا ؟.
قالت له : أخبرني عن كل شيء الآن, أكان كل شيء لعبة إذاً ؟ فقال : تقريباً, كيف لك أن تقتنعي أن وليد قد مات بمجرد أنّ أختك اتصلت وأخبرتك بالأمر. قالت لينا: كم كنت غبية. قال: صورتك التي على التلفاز كانت تصويرنا !! والسم مُنوم ليس إلا, أما السم الحقيقي فها هو معي, وأخرج العلبة ووضعها في المطبخ. طرق الباب وكان مازن, فضحكت لينا وقالت : لقد تزوجتم أيضاً أنت ويارة, ثم توجهت إلى أيمن وقالت : إذاً, الليلة الأخيرة  يا أيمن جعلتها كما تريد أنت, لقد أوقعت بي أقسم... ولكن... سؤال واحدٌ واجب بصدق أرجوك, ألا يزال ذاك الشيء موجود إلى الآن ؟ توتر هو, وقال : أنا مضطر للمغادرة, يحتاجونني في الخارج. ليلة سعيدة أتمنى أن تروقك الحفلة .

كانت الحفلة قد وصلت أوجها, ولور التي عادت إلى الحياة من جديد بدأت تغني الأغاني الوطنية. رفعت رأسها وعيناها تجولان في الأرجاء. إن عينيه موجوعتان لا محالة, ولكن... أآل قلبه إلى ما آل إليه قلبها الآن ؟ كان متكئاً على إحدى قدميه ممسكاً بكاميرة بكلتي يديه موجهاً إياها لإحداهن. تبسمت لينا, كانت عيناها قد أنبتت دمعة أخيرة, أحقاً تحبه ؟ لم يكن ذو مواصفات مثالية, ولكنه كان يملك الحب بين جعبته. كيف لي أن لا أعترف الآن يا أيمن ؟ كيف لي أن أخفي رجفات يدي الآن أو أخفض صوت دقات قلبي ؟ لكنني الآن يا أيمن أضعف من أن أقول أحبك, إنني امرأة متزوجة, فهلا تغفر لي خطيئتي الأخرى وتبقي على حبنا حلماً لم يكتمل, وقصة لم ترق للكاتب إلا أن تكون تعيسة, وقدراً محتماً وعصياناً للسعادة ... أهذا قدرنا يا أيمن؟ أن نعيش غريبين ونفترق ونموت غريبين؟ إلتقطتْ لينا أطراف فستانها وقالت لوليد : سأعود بعد قليل, توجهت بين المدعوين مسرعة دامعة, كانت تلحق بأطلاله, تبعت أيمن, الأمر يجب أن ينتهي, كانت عينيها قد غرقت بالدمع, وقالت له : أيمن باختصار, الأنثى التي أحببتها قبل ست سنوات أدركت أنها تحبك الآن. ماذا باستطاعتي أن افعل ؟ كان الباب قد طرق على دخول مازن ويارة ووليد, وكانت دمعاتها تذرف, صاح وليد: ماذا هناك أيمن؟ هناك فقال أيمن: لا شيء, كان رأسها يوجعها قليلاً, إذاً سأعود إلى عملي الآن, أتمنى أن تكون الحفلة قد أعجبتكم.  إلتف أيمن وخطى بعض الخطوات حينما كانت تدرك هي أنها الآن ستفقده إلى النهاية. كان قد وصل الباب حينما صرخت : نعم أحبه !! أيمن, أنا أحبك, وليحدث ما يحدث, لا أستطيع الكتمان أكثر. كانت قد تطلعت إلى وجه وليد الذي تلبد, ثم قالت: أنا أعتذر إليك وليد, لا يمكنني أن أكذب أكثر ! كان الصمت قد خيم على المكان على وقع خطى أيمن المتجهة صوبهما. ماذا سيحدث؟ سمعة العائلة والفتاة, صراخ والدها ووالدتها. الناس ستضحك على القصة كثيراً, والجرائد لن تبخل عن الكتابة عن الموضوع وجعل الصفحة الأولى تتزين *عروس يطلق عروسته بسبب منسق الأفراح*. حينما وصل أيمن, ربت على كتفي وليد وقال: والآن انتهى دورك. فقال وليد : أنت طالق لينا. قالت لينا: لم أفهم, ماذا؟ فقال أيمن : ألم أقل لك أن الدنيا أبسط من أن تتصوريها ؟! وليد ممثل, ممثل فقط, أحب التمثيل من صغره ولم تتح له فرصة ليلعب أي دور بأي مسرحية, وأنا أهديته هذا الدور, أنا من أرسلته إلى أمريكا لتبدأ القصة من هناك, منذ ثلاثة أعوام, فقالت : خدعتني مرة أخرى !! قال أيمن : اليوم التاريخ 27-7 تاريخ ميلادك, لقد صرت في الخامسة والعشرين من العمر ولقد وعدت أمي .. لا تقرب النساء قبل الخامسة والعشرين, والآن يمكنني الإقتراب قالت : أكان كل شيء خدعة ؟ قال : نعم كل شيء كان خدعة ! فقالت: وأنتم مشتركون في اللعبة؟ فقالت يارة: نعم, ثم ضحكت. قالت لينا: قل لي أن زجاجة السم التي تركتها في المطبخ قبل قليل كانت خدعة أيضاً؟ فقال : هي الشيء الصادق الوحيد, فقالت وهي تضحك مخرجة زجاجة الأكامول من بين يديها وقد انتقصت إلى النصف, وقالت : لقد شربت منها, لست وحدك من تداعبني. حينها أمسك أيمن بالعلبة وتجرع نصفها الباقي. قالت : ماذا تفعل يا مجنون؟ قال: أداعبك كما داعبتني. قالت: كم تبقى من الوقت؟ قال: ثماني ساعلت على أكثر تقدير. أدارت لينا رأسها إلى وليد وقالت : أعرف أنك تحب ياسمين, كنْ أشجع من أيمن أرجوك, وأنهيا قصتكما بنهاية سعيدة لا تعيسة أرجوك, ثم قال أيمن : ولكن قبل ذلك, هناك شيء صغير عليّ فعله, لينا أراك في المكان الذي كنا سنلتقي فيه قبل ست سنوات. قالت لينا: إرتدي معطفاً, إن عينيك كحيفا باردتان, منذ ست سنوات أنتظر..., فقال : وكيف لنا أن ندخل حيفا ؟ فقالت : من دخل قلبي أيعجز عن دخول حيفا ؟!
كان وجهها قد بدأت تجاعيده تتجلى. إنه يشبه أبيه, تعترف هي الآن, الإثنان هجراها. كيف له أن يكون الآن ؟ أتراه أصبح سعيداً بعد هجرانها ؟ كيف سيكون لو أنجب طفلاً ؟ ماذا سيجيب أبناءه حين يسأله أحدهم عن جدته ؟ أيقول أنه تعلم صنعة أبيه وهجرها ؟ ركبت في التاكسي فقال السائق : كيف حالك ؟ كانت قد تفاجأت منه, كيف لسائق أن يحدثها هكذا؟ وعندما أدار وجهه تبينت ملامحه, تبسمت من داخلها, لكنها تجهمت خارجياً, فقالت: من الله بخير, سائق تاكسي ؟ قلتُ لكَ أريد أن تصبح طبيباً أو فيزيائياً, توقف أريد أن أنزل, فقال: لن أقف, هل سامحتني؟ فقالت : على ماذا؟ لقد اعتدت الأمر, هجرتني كما فعل والدك. هل تزوجت ؟ فقال: قلت لي أن لا أقربهن قبل الخامسة والعشرين, ولكن... سؤال واحد, لماذا سن الخامسة والعشرين بالذات ؟ قالت: صراحة, لا أعرف... كنت أريد إبعادك عنهن وأن تبقى لي, وهُيأ لي أن سن 25 سيكون مناسباً, فقال: إشتقت إلى طعامك, هلا دعوتني إلى العشاء ؟ فقالت وهي تبتسم: لم لا ؟ قال: اسبقيني إلى البيت, سأوقف السيارة جانباً وسألحق بك. فتحت حسناء الباب وبهتت مما رأت, كانت شمعتان كبيرتان أشعلتا للتو, وقفت مذهولة تماماً بعد أن انطفأت الشمعتان وأضاء هو الضوء. كان متوتراً, لقد غيّرته السنوات العشرون, وجهه مجعد قليلاً, ولكنه لا زال أنيقاً, قال أيمن حين دخل وراء أمه : هيا يا أمي, لا تكابري, يكفيك عشرون سنة. أمسك أيمن بيد أمه وأجلسها إلى الطاولة بعد أن رأى والده جالساً هناك. منذ سبع سنوات وهو يقف أمام بيتك لينظر إليك في كل صباح, أليس هذا حباً ؟ أمي صاحب الدكانة خالد, ألم تشكِّي للحظة أن يكون والدي ؟ فقالت : لست تعمل سائقاً إذاً ؟ قال أيمن : بتاتاً . لنبدأ بالطعام, إنني أتضور جوعاً, لم نأكل ثلاثتنا على مائدة واحدة منذ عشرين عاماً يا أمي.
وفي آخر ليلة لهما في الدنيا لم يلمسها حتى, كان قد وعدها أن يلمسها في الجنة. كانا قد أمضيا الليلة بكاملها يتغازلان ويتحدثان عن سنواتهما الماضية بعد أن علمته كيفية ربط حذاءه. وقبل أن يشهق شهيق الموت الأخير, سألها : بعد كل ما حدث, بعد كل تلك السنوات العجاف, أكان ذلك حباً ؟ّ لكنها كانت قد فارقت الحياة... ولم تجب.
                                                                     النهاية 














إرسال تعليق