الثلاثاء، 9 يناير 2018





تلخيص رواية
عهود الدم: حسين السيد
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

لم أفهم يوماً كنه ذلك العناد الذي يميزالعجائز. ولم أعي أبداً سر ارتباطهم العجيب ببيئتهم التي نشأوا بها أو عاشوا فيها. وكذلك كان أبي فهو لم يشذ عن تلك القاعدة. كان عنيداً في قراراته التي يتخذها, صلباً في تنفيذها كالصخر, وكذلك كان مرتبطاً ببيته الريفي كأنما روحه معلقة بين جدرانه وجنباته. وكان هذا سر معاناتي معه في عامه الأخير. أعيش أنا في القاهرة ويحيا أبي في بيت ريفي ضخم في إحدى قرى محافظة المنيا, أتّصل به في كل يوم مرتان وأزوره مع أبنائي كل شهر مرة. وظل الحال هكذا حتى عام قبل الآن ..
كان ذلك حين أصيب أبي بالشلل فجأة. فحصه الطبيب ليخبرني أنها جلطة قد استكانت في مكان ما في ثنايا مخه, فأنهت قدرته على التحكم بشقه الأيمن للأبد. وأصابت شذرة من تلك الجلطة اللعينة لسانه فأثقلته هو الآخر وأخرسته. صار نطقه عسيراً ثقيلاً, مبهماً غير مفهوم. لم أكن لأتركه حينها في البيت بمفرده, فأخبرته أنني سأصطحبه ليعيش معي في منزلي بالقاهرة,  فارتجف بدنه في ذلك الوقت, وقال كلمات متقطعة كثيرة عن البيت.. كلمات لم أعِ أغلبها, تتحدث عن البيت الذي لا يمكن مغادرته, وعن اللعنات التي ستنهال فوق رؤوسنا لو تركناه. وتركته يبوح بما في صدره دون أن أجادله. وراح حينها ينتحب بلوعة كأنما ستفارق روحه جسده على عتبة البيت حين يغادره. كنت أشفق عليه مما يكابده من أفكار, ومن أشواقه الغريبة نحو البيت. لكن كان عليه أن يعيش معي لأهتم به وأرعاه. وهذا ما فعلته .

أقطن في ضاحية المعادي بالقاهرة في شقة تحوي شرفة واسعة ترى منها منظر النيل البديع في كل وقت. أحبَّ أبي عند انتقاله عندي تلك الشرفة, واعتاد أن يذهب إليها كل يوم قبل الغروب. جلست معه مرة على الشرفة فقال لي : أعدني للبيت وسأعود كما كنت, أعدني إليه لأسترد قواي ثانية, إستمع إلي لمرة واحدة يا بني, وانظر بعينيك حينها كيف سأكون, إفعلها وسترى!يا بني, أنت لا تشعر بما أشعر به, إنني هاهنا بعيد عن موطني, إنني هنا رجل غريب. حينها لم أتمالك نفسي للحظة, وقد أعجزتني كلمات أبي الغريبة عن أن أتحكم في مشاعري, فقلت بصوت مرتفع : أي وطن هذا الذي تتحدث عنه, إنه بيت يا أبي لا أكثر, كومة من الحجارة والأخشاب, إن وطنك الحقيقي هو أبناؤك وأهلك, وها أنت بينهم بالفعل, فأي غربة تلك التي تشعر بها ؟ شعرت أن عقل أبي ينزلق نحو الهاوية والهذيان, إنه على وشك فقدان عقله تماماً. حينها صمت أبي قليلاً ثم قال : أتعلم لماذا لا تغضبني كلماتك؟ لأنك لم تعلم بعد, لأنك لم تدرك الرابط الذي يجمعنا بالبيت, إنني أشفق عليك من أعماقي, أشفق عليك مما أنت مقبل عليه وتجهله! إن بيننا وبين البيت ميثاق لا يحتمل النقض, ميثاق حافظنا عليه منذ عقود طويلة وسيأتي دورك يوماً ما للحفاظ عليه, المهم أين أبناؤك يا شاكر ؟ إسألهم أن يأتوا ليجلسوا معي .
كان لدي طفلان, عبد الحميد الذي أسميته على إسم جده, ورامي الذي اختارت له أمه هذا الإسم. ذهبت لحجرتيهما, وأخبرتهما أن جدهما يطلبهما. كانا يحبانه كثيراً, لذا هرولا إليه على الفور. وبعد قليل تعالت ضحكاتهم جميعاً, فأطلقت زفرة حارة وتنهدت بارتياح لضحكاتهم. جلست أتحدث إلى أختي أسماء عن والدي وعن رغبته بالعودة إلى بيته, وعن الميثاق الذي بينه وبين البيت, وأن البيت سيشفيه مما به,  فقالت لي: هل نسيت كيف كان جدنا يرفض بحزم أن يغادر أحدنا البيت إلا للضرورة, ألا تتذكر كيف كان أطفال القرية يرفضون أن يأتوا لزيارتنا في البيت حين كنا صغاراً. إن بيتنا لم يكن أبداً في أي يوم بيتاً طبيعياً, لكننا نحن من كان يتجاهل هذا, لقد تعمّدنا أن نغمض أعيننا ونصم آذاننا ومشاعرنا عما نحس به نحو البيت. كنت أفهم ما تقوله, وكنت أعلم الأقاويل التي تناثرت في كل مكان حول البيت, إلا أنني كنت على يقين أن هذه الأقوال ما هي إلا أوهام صنعها الجهل والقدم والغرابة, ولهذا قلت لأختي محتداً: كفى أنت الأخرى عن هذا الهراء, ولا تحاولي أن تختلقي أساطيراً حوله, يكفيني أساطير أبي التي لا يمل منها. إلا أنها قالت معترضة : وماذا عن أمي ؟! أما زلت تذكر كيف ماتت, أم أنك نسيت ؟ لقد رأيتَ بعينيك ما حدث, بل أنت الوحيد الذي رأيته, لقد قتلها البيت! وهذا ما هددها به جدنا قبل رحيلها, أليس كذلك ؟!!! لم أعقّب على ما قالته, ولكن عقلي سبح  نحو الماضي البعيد.
كان زواج أبي من أمي خطأ كبيراً أدركه كلاهما بعد حين, لكن هذا حدث متأخراً للغاية. كان أبي قد تعرّف على أمي في إحدى زياراته للإسكندرية, فأعجبته وأعجبها, ثم خطبها على الفور. لم يكن جدي راضياً في البداية, لقد خمّن مبكراً كيف ستكون النهاية!!! ويبدو أنه كان أكثرهم خبرة وحكمة, وأمام إصرار أبي لم يملك جدي إلا القبول مرغماً. وبعد سنوات من الزواج أدركت أمي أنها لم تعد تحتمل الحياة في البيت. فتلك الفاتنة التي عاشت بحرية وانطلاق في الإسكندرية, لم تكن لتتقبل طويلاً أن تحيا حبيسة, بين جدران بيت ريفي ممل, حتى ولو كان قصراً. كان عليها أن تعي هذا الشيء من البداية, ولكنها لم تفعل, فقررت الإنفصال عن أبي وطالبته بالطلاق. ثار أبي بشدة, فقد كان يحبها. وفي يوم, سمعت أبي يخبرها بأنه يحبها, لكنها احتدت عليه بأنه لو كان يحبها حقاً لغادر البيت معها. وما زلت أذكر ما قاله لها برجاء وعجز: إنني لا أستطيع أن أترك أبي أو البيت, لا يمكنني أن أفعل هذا, هذا أكبر مني. وحين عجز أبي عن إقناعها بعدم الرحيل, أرسل لها جدي ليمنعها. إكتفى جدي بأن قال لها مهدداً: لقد صرت واحدة مننا, فلا تعتقدي بأن البيت سيتركك تغادرينه, تقبلي الأمر أو تحملي عواقب قرارك. حينها حملت أمي حقيبة ملابسنا وحملت أختي التي كانت بالثالثة من عمرها وقادتني معها للخارج. كان الوقت حينها ليلاً ولا أدري لماذا لم تنتظر الصباح! وحين بلغنا الحديقة التي تحيط بالمنزل, إضطربتْ أمي فجأة, وبدت مذعورة كأنما هناك ما يفزعها ويخيفها. لم أر حينها أي شيء غريب بالمكان, لكني ما زلت أذكر الذعر الذي أرتسم على وجه أمي, وكيف صارت أنفاسها متلاحقة سريعة. ما أتذكره أنني رأيت أمي وقد أحاطها شيء كالضباب أو الدخان الأسود, وقد برز هذا الشيء من حولها فجأة من العدم. كان الضباب مخيفاً للغاية وقد أطلق الكثير من الخيالات والهواجس في رأسي فأثار رعبي. وما أثار هلعي حقاً هو ذلك العبد الأسود الذي بدا واضحاً بين الضباب, وهو يحيط بأمي. لقد كان مخيفاً بجثته الضخمة ورأسه الأصلع اللامع, وعيونه السوداء الواسعة المخيفة, ووجهه الجامد. بعدها لم أشعر بنفسي ولا أدري إن كنت نمت حينها أم فقدت وعيي. لكنني حين استيقظتُ علمت أن أمي قد ماتت. أخبرني جدي أنها سكته قلبية وهذا ما وجدته مدوّناً في شهادة وفاتها .
من مذكرات السيدة كوثر حلمي زوجة الأستاذ شاكرعبد الحميد :
أحب حماي بالفعل, إنه رجل طيب القلب فهو لم يكن مزعجاً أو فضولياً قط. ولم أنزعج من انتقاله للعيش معنا, ولكنني ومنذ البداية لاحظت كيف كان عقل حماي وتفكيره غريبين, ظل طوال الوقت يتحدث عن بيته القديم الذي تربى وعاش فيه, ولم يمل يوماً من مطالبة زوجي أن يعيده للبيت ثانية, كان لحوحاً, ولكني أوعزت ذلك لطبيعته ونشأته الريفية. ولكن ما أزعجني حقاً هو ما بدأ أبنائي يرددونه على أسماعي, عن رغبتهم في العيش ببيت جدهم القديم. هنا شعرت بالهلع وقد خشيت أن يكون قد نجح في زرع أوهامه تلك في عقولهم الصغيرة, فقصصت ما حدث على زوجي, لكنه طمأنني وأخبرني أن الحل بسيط للغاية, سوف يبيع البيت فور انتقال البيت إليه بالميراث. ولكن ما حدث بعدها كان غريباً ومخيفاً. كان هذا بعد منتصف الليل ذات ليلة, شعرت بمثانتي ممتلئة فنهضت مترنحة نحو الحمام, وكان عليّ أن أعبر من أمام حجرة حماي وأنا في طريقي نحو الحمام, هنا تناهت إلى مسامعي أصوات غامضة مبهمة تأتي من خلف الباب المغلق لحجرته, كنت أستمع لصوت آخر غير صوته, وقد أيقنت من هذا وأن كنت لا أعي ما يدور بينهما, وضعت أذني على الباب المغلق وتنصت لما يقال. شعرت بالفزع مما سمعت, كان الصوت الغامض يطالبه بالعودة إلى البيت, وكان حماي يبكي ويقول إن مرضه يعوقه عن هذا, ولكن الغريب أن حماي طالب الصوت الغريب أن يهبه الشفاء وسيفعل حينها ما يريده. حينها فتحت الباب واندفعت للداخل من دون أي  تفكير لأرى بعيني ما يحدث بالداخل. كان عمي جالساً على فراشه وبجوار نافذته كان هناك شيء آخر, طيف ما أو هو ضباب ما, لست أدري بالتحديد فأنا لم أره جيداً, لكنني لا زلت أذكر زوج العيون المتوهجة التي رمقتني بغضب وسط الضباب, بعدها لم أعِ شيئاً وفقدت وعيي . لا أدري لماذا قررت أن أخفي ما حدث لي, وأن أحتفظ بما حدث لنفسي, لا أدري! ولكنني بعدها رحت أتحاشى الحديث الطويل مع حماي وفعل هو المثل.
ما الذي يدور بعقل أبي بالضبط ؟! هذا ما لا أعلمه ولا أفهمه. وهل أصابه لوث ما, أو جن عقله ؟! أخشى أن يكون هذا ما حدث, وخاصة بعد ما فعله اليوم. فلقد جاءني حارس العمارة التي أقطنها, وكان يلهث مضطرباً أمام الباب, وطالبني بتوتر أن ألحق بابي الذي فوجيء به يزحف على الأرض مغادراً المصعد, وطلب منه أنه يستوقف له تاكسي. فشعرت بالذهول مما أقدم عليه أبي وقد تخيلت مأربه مما فعل. لا بد أنه يرغب في العودة إلى البيت. حينها نزلت إلى باب العمارة, وأوقفت السيارة التي ركبها أبي, وفتحت باب التاكسي وأخرجت أبي رغماً عنه من التاكسي وحملته صاعداً للأعلى, وقلبي يتمزق مما يعانيه وما يسيطر على عقله من أوهام. أرقدته على فراشه وربتّ على جبهته لأهديء من روعه, فأشاح وجهه عني وهو يتمتم ويكرر : لست تفهم شيئاً, لست تفهم شيئاً.
لكن الصباح حمل إليّ مفاجأة جديدة. كان أبي محموماً وقد راح في غيبوبة عميقة. أسرعت به إلى المستشفى حيث رقد بالعناية المركزة, وأجرى الأطباء عليه فحوصاتهم, وفي النهاية أخبرني الطبيب وهو يهز يديه بحيرة : الفحوصات تشير أن لا جديد هناك. مر الوقت طويلاً, وفي المساء أفاق أبي وطلبني للحديث معي بمفردي, فهرعت إليه. رأيته ضعيفاً واهياً, فأيقنت أن والدي يحتضر, بينما بذل هو مجهوداً شاقاً كي يتحدث فقال: لقد انتهى أمري يا شاكر, أعلم هذا وقد اقترب أجلي,  لذلك فقد حان دورك لترعى البيت. عد إلى البيت يا شاكر قبل فوات الأوان, عد وعش به وحينها ستفهم, لم يعد هناك وقت أمامي كي أخبرك بما أخفيته عنك, لهذا عِدني قبل أن أموت أن تعود للبيت, عِدني يا بني لأموت مستريحاً, إنه طلبي الأخير منك. فقلت له باقتضاب لأريحه : أعدك أن أفعل ذلك يا أبي. هنا استراحت ملامحه ولانت, وبان على وجهه السرور والحبور, ليعود بعدها لغيبوبته العميقة ثانية, قبل أن يموت بعدها بساعات .
إنشغلتُ بعدها بمراسم دفن أبي. كان قد أوصى أن يدفن مع أجداده في المقابر التي بنوها خلف البيت القديم, ولكنني قد قررت دفنه بالقبر الذي اشتريته له, لأنني أردت التخلص من البيت. وبعد أيام شعرت أن الوقت قد حان للنظر في أمر البيت, وقررت العودة إليه. بالطبع لم أكن  أنوي الإستقرار به طويلاً, سوف أمكث بالمكان بعض الوقت لأعلم عن كثب, مقدار ما وصلت إليه أسعار الأراضي والعقارات في تلك المنطقة لأبيعه بعدها, ثم أرحل عنه للأبد .
ذهبتُ للبيت, ومنذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماي المكان, شعرت برهبة لا أدري مصدرها. كان هناك هاتف خفي بداخلي يخبرني أن البيت لا يريدني, ولا يرغب بوجودي!!! لم يتبدل البيت عما كان عليه دائماً. ما زال محتفظاً بلونه الجيري الأبيض, وما زالت نوافذه البيضاوية الطويلة الشبيهة بأعين القطط على حالها مخيفة منذرة, وما زال البرج الضخم خلف البيت على حاله. شعرت ببرودة غريبة وسكون عجيب. كان البيت من الداخل نظيفاً ومرتباً وهذا ما أدهشني كثيراً وألهب حيرتي, فالبيت ظل مهجوراً لعام كامل. صعدت إلى حجرتي في الطابق العلوي. كانت حجرتي مرتبة ونظيفة. جالت بي الذكريات التي عايشتها في هذه الحجرة. كنت منهكاً من التعب بعد تلك المسافة الطويلة التي قطعتها بسيارتي من القاهرة إلى هنا, فغفوت. في الصباح, شعرت بالنشوة للنسمات الباردة التي ضربت وجهي فأنعشته, وعادت إليّ كل ذكريات الأيام الخوالي التي عشتها في هذا البيت, فشعرت وكأنني لم أغادره أبداً. ظلت عيناي معلقة بالحديقة الرائعة حتى انتبهت بفزع إلى أمرين غريبين. فحين أتيت إلى البيت كانت الشمس على وشك الغروب تماماً كما أراها الآن !!! إنني قد نمت لساعات طويلة, ولكنها حتماً لن تصل للنوم يوماً كاملاً,  فكيف ظلت الشمس على حالها ولم تغرب. كما أن الحديقة الخضراء التي أراها الآن, كانت قاحلة جدباء حين أتيت, هذا ما رأته عيناي حينها, بل وقد شعرت بالأسف عليها وحينها, فكيف تبدل حالها تماماً في الساعات القليلة التي نمتُ فيها؟ تسارعت دقات قلبي فزعاً وراحت أناملي ترتعش, كيف حدث هذا ؟! بدا الأمر كالسحر, ولكنه سحر مخيف لو شئتَ رأيي .
راودتني الرغبة أن أهبط إلى القرية. بدلت ملابسي واتخذت الطريق المؤدي إليها. مرت كل تلك الأعوام الطويلة, وظل عم عثمان كما هو. كان يدير مقهىً, ولكن حين تقدمت به السن ووهنت قواه, ترك العمل وصار يكتفي بالعيش على الصدقات التي يجود عليه بها سكان القرية. إقتربت منه وقلت : كيف حالك يا عم عثمان ؟ فقال لي : إنني على خير حال بفضل كرمك وخيرك يا عبد الحميد بك. حينها رمقته بتعجب, إنه يظنني أبي الراحل, بل وناداني بإسمه, فقلت له : إنني لست عبد الحميد, إنني إبنه شاكر, مضى زمن طويل لم أرك فيه يا رجل كيف الحال ؟ ففوجئت به يقول بحدة : أي زمن هذا الذي مضى يا عبد الحميد بك ؟ لقد زرتني هذا الصباح, وأعطيتني طعاماً كثيراً وبعض المال كما تفعل كل مرة, أرجو أن تكف عن الإستهزاء بي, إنني لم أصب بالخرف بعد. حينها تركته وتابعت سيري فانعطفت من الطريق الرئيسي نحو حارة جانبية حيث بيت العمدة, الذي لا بد أنه قد توفي الآن, ولا بد أن إبنه الأكبر إبراهيم هو من خلفه في منصبه كما هو معتاد. رأيته يجلس على الأريكة الخشبية التي طالما رأيت أباه جالساًعليها منذ أعوام. لمحني قادماً من بعيد, فأسرع بالنهوض, ورحب بي قائلاً : أهلاً بك يا عبد الحميد بك, لقد شرفتني بقدومك؟ وتجمدت بمكاني مذهولاُ, لماذا يناديني هو الآخر بعبدالحميد بك؟ فقلت : لا بد أنك إبراهيم إبن العمدة أليس كذلك ؟ فقال لي : إبراهيم من يا رجل ؟ الولد ما زال صغيراً ليحل محلي, كم أوحشتنا دعابتك يل رجل. حينها بدأ قلبي في الإرتعاش, وأنا أرى كل هذا الجنون حولي, إنه هو نفسه العمدة. وعاد عقلي يفكر بجنون في كل ما حدث لي منذ عدت للبيت. البيت النظيف, الحديقة التي عادت وارفة, عم عثمان, العمدة الذي ما زال على قيد الحياة وإبنه إبراهيم الذي لم يكبر. بدا الأمر وكأني عدت إلى زمن مضى منذ ثلاثين عاماً. حينها أخبرته برغبتي في بيع البيت وطالبته أن يبحث لى عن مشترٍ له, فبدا على وجهه تعبير غريب للغاية, ودهشة وخوف وعدم تصديق فقال : مستحيل, لا أنت ستبيعه ولا البيت سيسمح بشيء كهذا, ولا أحد سيجرؤ على التقدم لشراء البيت. فصرخت فيه: أنا لا أفهم ما الذي تقوله, أريد أن أخبرك بشيء, إنني لست عبدالحميد, إنني إبنه شاكر, وأنا هنا لابيع البيت رغم أنف الجميع. حينها تركته وضيوفه في جنونهم ورجعت إلى البيت. بدا البيت مختلفاً, إختفت الحديقة الخضراء الوارفة, وحلت مكانها الأرض الجرداء الميتة. كان البيت من الداخل على حاله نظيفاً مرتباً. شعرت بالجوع ففتحت الثلاجة فوجدتها ممتلئة عن آخرها بالطعام. بالتأكيد لست أنا من جلب كل هذا الطعام. كان هناك إناء ساخن مليء بالطعام فوق الموقد. هل هناك عفاريت هي من تفعل هذا بالبيت! تناولت الطعام الذي كان بالإناء فكان لذيذاً. إنتهيت من الطعام, فاتجهت إلى الراديو العتيق والذي طالما جلسنا حوله منذ عقود, فتحته فارتفع منه صوت المذيع رخيماً هادئاً, يذيع النشرة. كان المذيع يتحدث عن زيارة السادات لدمشق ولقاءه بحافظ الأسد, ثم راح يذيع أخباراً تعود لفترة في أواخر سبعينيات القرن الماضي, بدا الراديو وكأنه يستقبل موجات أثيرية من الماضي. لم أتمالك نفسي, هل انتقلت للماضي ؟؟!! بحثت عن هاتفي المحمول لأكلم زوجتي فلم أجده, فقررت أن أبحث عنه ثانية في الغد, وخلدت إلى النوم.
من مذكرات السيدة كوثر حلمي, زوجة الأستاذ شاكر عبدالحميد :
مرة أخرى يصير هاتف زوجي شاكر خارج نطاق الخدمة, ولا يستجيب لاتصالاتي المتكررة به. لا أدري لماذا صرت أفكر بالبيت بشيء من التشاؤم والخوف, صرت أخشاه حقاً !! ولا بد أن حديث حماي الراحل, قد سمم أفكاري عن البيت.
في الصباح استيقظتُ هلعاً .. كان كابوساً مرعباً !! كانت هذه أول مرة أرى فيها جدي في حلم منذ زمن طويل. كنتُ مبللاً بالعرق وكنت ألهث, طافت عيناي في الغرفة المظلمة وازدادت طرقات قلبي الفزعة حين وصلتْ عيناي للركن الملاصق للغرفة, كان هناك شبح رجل يقف قبالتي يدثره الظلام. كنت أرى عينيه المجوفتين, وهي ترمقني بثبات, إنه جدي !! ثم هتف فجأة بصوته الرخيم الذي طالما أرعبني وأنا صغير: لن تبيع البيت يا شقي, لن تستطيع أبداً أن تفعل هذا أيها الأبله, إن الميثاق بيننا أبدي. وهنا أفلتت صرخة من فمي, وأفقت مرة أخرى لأدرك أنني كنت أحلم, كان حلماً مزدوجاً, كاد الرعب أن يقتلني.  شعرت أن هناك وجوداً نفسياً للبيت, وربما كان هذا سر توتري. عاودني النعاس مرة أخرى, فنمت. طرقتان خفيفتان على الباب أيقظتاني, ليتبعها صوت أنثوي يقول : إستيقظ يا منصور وأسرع بتغيير ثيابك, جدك لا يحب أن ينتظر على المائدة ! لم أتمالك نفسي, من منصور هذا الذي نعتتني به؟ بل في البداية من تكون هي؟! تحسست حينها جبهتي وضغطت عليها, لأزيح قليلاً من الصداع الذي راح ينهش عقلي. ولكن هناك شيء غير مألوف حين لامست وجهي, كان وجهي أمرداً وكان أصغر حجماً مما اعتدته. فاستدرت بعنف نحو المرآة, ونظرت إلى وجهي بحذر وترقب. لم تعكس المرآة وجهي الذي أعرفه, بل رأيت فيها وجهاً آخراً. لقد ذهب وجهي وحل وجه جدي محله !! هل ما زلت أحلم؟ أم تراني جننت؟! حينها نزلت إلى المائدة لأجد أن هناك عائلة ما تجلس حول المائدة التي نتناول عليها الطعام. كان يجلس على صدر المائدة  رجل ضخم تبدو عليه القوة بالرغم من أنه مسن. كان هذا جدُّ جدي "بشتمر". حينها شعرت بالخواء والإعياء الشديد, وقلت : من أنتم؟ إنني أعرفكم جميعاً, كلكم أموات فكيف عدتم إلى الحياة ثانية؟ وجمتْ وجوههم وكأني ألقيت قنبلة, ولكني لم أهتم بهذا, وقررت أن أترك كل هذا الهراء وأغادر المكان .
يبدو أنني قد غفوت في الحديقة, وحين استيقظت كانت الشمس قد انتقلتْ إلى الغرب. تذكرت ما حدث لي في الصباح. الرجل الذي كان يجلس على المائدة لا بد أنه كان جدُّ جدّي, هل ما زالوا في الداخل بانتظاري؟ لو كانوا بالداخل فعليهم أن يفسروا لي ما يحدث. كان البيت فارغاً. فتشت عنهم بالأعلى فلم أجدهم, هل أتوهّم كل ما يحدث؟! نظرت إلى المرآة, فكانت صورتي التي أعرفها هي ما أراه خلالها, فتنهدت بارتياح. إنتقلت إلى المكتبة في البيت. منذ صغري وأنا أنظر إلى المكتبة الضخمة بانبهار شديد. رحت أتجول بين أرفف الكتب, ورحت أقرأ عناوين المجلدات الضخمة, شعرت بأن هذه الكتب تحمل سراً ما !! أتكون كتباً عن السحر؟ أم تكون كتباً أدبية ؟ ربما فأنا لا أفهم تلك اللغة المكتوبة بها. رن هاتفي فتذكرت أنني فقدته بالأمس. أسرعت بالبحث عنه. كانت شاشته تضيء فوق الأريكة, إلتقتّه, كانت زوجتي المتصلة. أتاني صوتها ببحتها التي أحبها متوتراً : أين كنت, ولماذا كان هاتفك مغلقاً ؟ حينها طمأنتها ثم سألتها عن الأولاد, فسألتني سؤالاً غريباً : شاكر, هل يمكنك أن تصف البيت لي, كيف يبدو من الخارج ؟ هل به برج طويل ؟ حينها شعرت بالدهشة, فأنا لم أحدثها به من قبل فكيف عرفت ؟ فقلت لها : صحيح, به برج لماذا تسألين ؟ فقالت لي: لقد رسم لي عبدالحميد البيت, رسمه تماماً كما وصفته. حينها ازدادت سرعة أنفاسها ثم قالت : أرجوك أترك هذا البيت اللعين حالاً, وتعال إلى القاهرة الآن, إنني خائفة بشدة .
من مذكرات السيدة كوثرحلمي زوجة الأستاذ شاكر عبدالحميد :
تغيّر أبنائي كثيراً في هذه الأيام الأربعة التي غادر فيها أبوهما, لم يعودا إلى تلك الشقاوة التي كانا عليها دائماً, صارا هادئين طوال الوقت. وفي يوم أتى رامي إلى حجرتي, وسألني بحيرة وسذاجة عن جده, فقلت له : لقد ذهب إلى السماء, وهو مسرور وسعيد هناك, إنه يعيش بالجنة. حينها صفق إبني رامي بكفيه الصغيرتين في جذل, وقال بعدها : ولكن إذا كان جدي سعيداً في الجنة, فلماذا عاد إلى هنا ثانية, ولماذا يبكي دائماً؟ لقد كان جدي معنا بالأمس في الحجرة, وكان يحدثنا وهو يبكي !!  إقشعر جسدي مما يقوله, فقلت له مستفسرة: لا بد أن هذا كان حلماً. هز رأسه نفياً, وقال: كلا لم يكن حلماً, وقد رآه عبدالحميد أيضاً. يا إلهي إنني بحيرة عظيمة, حيرة تدفعني إلى الجنون. وفي المساء كان عبدالحميد يرسم كعادته, وجذب انتباهي ما يرسمه, يرسم بيتاً قديماً ضخماً لونه أبيضاً, حينها قال لي : إنه بيت جدي, إنني أرسمه. ما رأيك؟ !! كان الرسم دقيقاً ويبدو حقيقياً تماماً. رحت أتفقده بحيرة لدقائق, وعبد الحميد يلحظ حيرتي وانبهاري. فقال لي هامساً : هل أخبرك بسر يا أمي؟ هذا البرج لا يعلم أبي كيف يدخله ولن يعلم الآن. إن له باباً خفياً, لا يعرف أبي مكانه. حينها لم أدري بما أرد عليه, هل كان ما يقوله من بنات خياله الواسع, أم أنه يعلم ما نجهله. إنني أشعر بالتيه. ولكن ما بدأت بالتيقن منه أن هذا البيت ملعون شرير .
في الصباح تناولت إفطاري ثم اتجهت إلى الحديقة. جلست أسفل خمائل الكروم. مرت قرابة الساعة, وأنا أستمتع بالنسمات الباردة والمنعشة, إلى أن رأيت أحدهم يقف خلف باب الحديقة ويشير إليَّ, حينها تحركتُ نحوه. فقال لي مبتسماً : أستاذ شاكر عبدالحميد ؟ فهززت رأسي مؤكداً. فقال لي : أنا محمود عبدالمقصود, محام ووكيل أعمال بعض رجال الأعمال المهمين هنا وفي القاهرة. عبد الفتاح العليمي أحد رجال الأعمال  ينوي شراء بيتك. فتحت باب البيت ليدلفه بخطوات سريعة, وراح يتفحص ويتفقد كل شيء بدقة. بدا منبهراً بكل شيء يراه. وفي النهاية سأل: هل يوجد بالمكان شيء ما آخر لم أره. حينها تذكرت المقابر التي دفن بها أجدادي, وكانت في الجزء الخلفي من الحديقة خلف البيت, فقلت للشاب عنها وقدته إليها حيث توجد خلف البيت. حينها وجدت المحامي يقول لاهثاً: هل أطمع أن تزودني بكوب ماء من فضلك. إتجهت للبيت لأجلب الماء, وعندما عدت لم أجده. بحثت بعيني في المكان فلم أعثر له على أثر. هممت بمغادرة المكان, ولكني قبل أن أفعل لاحظت شيئاً ما, هناك جزء من بدلة رمادية يبرز من خلف أحد قبور الصف الثاني. إقتربت بحذر لأجد البدلة الرمادية التي كان ذلك المحامي يرتديها وقميصه وملابسه الداخلية كذلك ملقاة خلف القبر !!! حينها صرخت بالبيت بحنق: ماذا فعلتَ بالرجل أيها البيت اللعين. وجاوبني الصمت, فحملت الملابس في يدي ودخلت البيت واجماً. وخشيت أن أقع تحت طائلة القانون بسبب هذا المحامي, فقمت بالتخلص من ملابسه كاملة, وأحرقتها قبل أن أنثر رمادها في الهواء لتنتهي تماماً. ولو سأل أحد عنه فسأنكر أنني قد رأيته .
تحولتْ حياتي في هذا البيت إلى كابوس متصل لا أفيق منه إلا لأعود إليه ثانية, إنها لعنة البيت التي صارت تلازمني. وجدت نفسي أستيقظ مرة أخرى وأنا شخص آخر. هذه المرة صرت طفلاً صغيراً لا يتجاوز العاشرة. تجذبني تلك الخادمة السوداء من ذراعي والنعاس يداعب أجفاني, فأسير خلفها مترنحاً. قالت لي : أفق يا سيدي عصمت, يجب أن تستحم قبل الإفطار, هكذا أمرني جدك .. ومن عصمت هذا؟ لا بد أنه جدّ جدي, هذا يعني أنني أعيش حياة ثانية أخرى لأحد أجدادي. في البداية شككت أنني لا بد أن أكون في حلم آخر, لكن المياه الباردة التي تسقط على جسدي حقيقية بلا شك. بعد الإستحمام نزلت ولكني سمعت صوت صرخات. شعرتُ بالرعب والغثيان فانتفضت فزعاً. كان هناك جمعٌ من النساء والرجال يشاهدون رجلاً وهو يضرب امرأة بالسوط. حينها وجدت نفسي أصرخ بفزع : أتركها أيها الوحش, أتركها وارحمها. حينها نظر إليّ الرجل ومد السوط الذي كان يمسكه نحوي داعياً إياي أن أمسكه, ثم قال : يوماً ما ستكون سيد هذا البيت, وسيد البيت لا بد أن تكون حازماً صارماً. إن هذه الجارية سرقتني وخانت البيت الذي يأويها, ولا بد أن تُعاقب, ألا ترى هذا؟ حينها نزلت دموعي, فصرخ في غضب: أتبكي يا ولد, ألم أخبرك أن البكاء للنساء فقط, ستعاقب أنت الآخر, هيا اتبعني إلى البرج. تبعته إلى باب خشبي صغير بجوار المدفأة الحجرية. لم أرَ هذا الباب من قبل ولا أعلم بوجوده. وصعدنا إلى قمة البرج. كانت الغرفة التي تعلو البرج مربعة وفسيحة بصورة لم أتخيلها, لم يكن بها أي أثاث, وكان هناك ذلك التمثال الحجري البشع الذي يتوسط المكان. حينها وضع جدي الجارية أمام التمثال الحجري الذي يتوسط المكان, وقال : قسمتك يا مولاي فيما أملك ! ففقدت الفتاة وعيها رعباً, وفجأة استدار رأس التمثال نحوه, وارتفع صوت مخيف لا أدري إن كان يصدر من التمثال أم الجدران وقال : أوفيت العهد أيها البشري فلك منا الحماية والأمان. ثم انبعث في المكان ضباب رمادي من مكان خفي لا أدري مصدره. وكان آخر ما رأيته عملاقاً أسود برز من بين الضباب وانحنى نحو الفتاة. بعدها لم أستطع أن أظل صامداً بوعيي أكثر من هذا ففقدته. وحين استيقظت كان ذلك حلماً آخراً. رحت أستعيد ما رأيته في حلمي الأخير. البرج الغريب والتمثال المخيف والعملاق الأسود. أغمض عيني وأعبيء صدري بالهواء محاولاً أن أستعيد رباطة جأشي, ثم أفتح عيني ثانية لأجد أبي جالساً على حافة الفراش بجواري يرمقني بوجه جامد. أسمعه يقول لي : لقد اقتربت وعلمت. إبحث عن باب البرج وهناك  تجد الإجابات, جدد الميثاق يا بني وأطع البيت يرعاك. جدد الميثاق وإلا فالويل لك. وأستيقظ مرة أخرى .. حلمٌ آخر بداخل الحلم الأول, لقد سئمت كل هذا العبث, ألا يمل هذا البيت مني؟
إستيقظتُ في الصباح دون أحلام أخرى. إتجهت نحو المطبخ لأجد كوباً من القهوة الساخنة على المنضدة بانتظاري. لم أشعر هذه المرة بالدهشة. التقطت الكوب وبدأت في تناوله. إتجهت للمدفأة للبحث عن باب البرج, طرقت على الجدار الذي رأيت الباب فيه بالحلم, كان الجدار مصمتاً. ثم قررت تحطيم الحجارة في هذا الجزء من الجدار. وبعد نصف ساعة كنت قد نجحت في إزاحة بعض الأحجار عن الجدار. وبعد دقيقة رأيت بوابة البرج, فعدت لإزاحة الأحجار ثانية, وبعد نصف ساعة أخرى كان الباب أمامي كاملاً. دفعت الباب الخشبي, وصعدت الدرجات الحجرية التي انتهت إلى الحجرة الواسعة التي رأيتها في حلمي. كانت مظلمة لكنها أضاءت الغرفة فجأة كالسحر حين مست قدماي أرضيتها الخشبية, ورأيت ذلك التمثال الحجري الغامض. بدا في المنتصف وبدا ساكناً منذراً. بدأ قلبي في التقافز توجساً وقلقاً, وشعرت بأنفاسي تضيق. ما سر هذا التمثال؟ ولماذا احتفظ به أجدادي هاهنا في البرج ؟! إنتبهت إلى صندوق خشبي في الغرفة. فاتجهت إليه وجلست لأرى ما بداخله, كان يمتليء بأوراق كثيرة صفراء ومكتوبة بخط اليد. أخرجت جزءاً من الأوراق كان مكتوباً عليها (طوسن بك الأرنؤوطي). كان هذا جدي الأول كما أعلم فأنا من عائلة الأرنؤوطي. إنها مذكرات كتبها جدي. لنر ما فيها :
كتب طوسن بك الأرنؤوطي .. لم يسترح أي منا نحن المماليك في يوم من الأيام, إلى ذلك الألباني الماكر الذي جاء إلى مصر لمحاربة الفرنجة الفرنسيس, وذلك عام 1801, ولم ير أحد منا دوراً بطولياً قام به في محاربة الفرنسيس. فحاربنا الفرنجة بقيادة الألفي بك, وطردناهم من مصر. وانتظرنا أن يعود ذلك الألباني إلى بلاده, لكنه كان داهية بحق, واستطاع تثبيت نفسه في حكم مصر. وقام بمذبحة حقيرة بحق المماليك جميعاً. ولكني استطعت النجاة, واتجهت بأهلي وبما استطعت حمله من أموال وجواهر واتجهت للصعيد. وهبطنا في منطقة جرداء مليئة بالحصى والمستنقعات غير المأهولة. ثم وجدنا كوخاً فلجأنا إليه واختبأنا فيه. كان الجنود يلاحقوننا, ورأيتهم من نافذة الكوخ يتجهون نحونا. وفجأة وجدت نفسي أمام تمثال مخيف بقرنين وعيون مشتعلة كأنها الجمر, وكان يتكلم. كنت مرعوباً ولا أرى بعيني مهرباً منه. لكنه طمأنني, ووعدني بالحماية والأمان لي ولأهلي. أخبرني أنه قد اختارني سيد هذا البيت الذي يقع الكوخ مكانه. وأمرني أن أعيش وأبنائي وأحفادي في البيت دائماً, وأن نظل نرعاه ونهتم بشأنه, على أن يقوم هو الآخر برعايتنا وحمايتنا. كان عليّ أن أقبل ما يعرضه عليَّ كى أشعر بالأمان, وكان عليّ  أن أضع التمثال الذي يسكنه سيد الظلام في أعلى البرج, وأن أجلب له كل حين أضحية بشرية. ولم يكن أمامي إلا القبول, أو الموت بيد الأعداء مع أسرتي, فوقّعت عقداً بيني وبينه بدمي, وكان ميثاق الدم هذا يربطني وذريتي أبد الدهر بسيد الظلام. وأفقت لأجد عشرات الجثث الممزقة للجنود الذين كانوا يتبعوننا أمام الكوخ. كان هناك عملاق أسود يمزقهم ويشتتهم بسيفه. وعلمت فيما بعد أنه خادم البيت. وبعد هذا الميثاق اختفى الكوخ وجاء هذا البيت مكانه في شيء عجيب كالسحر. واستقررنا فيه, وصار مأوانا للأبد. لم يكن جلب الأضحية البشرية كل حين للتمثال أمراً عسيراً عليّ,  فكان هناك الكثير من العبيد وعابري السبيل. ولم أشعر يوماً بالأمان والطمأنينة كما شعرت هنا في هذا البيت .
شعرت بالرعب من كلمات جدي الأكبر, ورحت أختلس النظر إلى ذلك التمثال المخيف. لقد كنت أشعر دائماً أن البيت يحمل سراً ما, لكني لم  أستطع تصديق أن هذا البيت هو بوابة خروج أحد الشياطين للأرض, وأن هذا التمثال البشع هو مأواه. قرأت ما كتبه أجدادي الذين جاءوا بعد جدي الأكبر, وتبين لي أنهم قد جددوا ميثاقهم مع التمثال, وحاول بعضهم التخلص من هذا الميثاق ولكن لم يجدوا طريقة لذلك, ومن ضمنهم أبي, الذي جلب كمية من الديناميت ليفجِّر بها البيت, ولكنه أصيب بالشلل قبل إقدامه على فعل ذلك. وأنهيت المذكرات لاهثاً. حينها وجدت نفسي أبكي أبي الراحل. لقد رغب أبي في حمايتي للنهاية ولكني لم أكن أفكر إلا في نفسي فقط. ليتني علمت الحقيقة قبل ذلك, ربما مكثت حينها في البيت معه وعاونته في البحث عن طريقة ما للتخلص من تلك اللعنة. حينها ترددتْ كلمات من ورائي : ( لقد علمت الحقيقة, وعلمت ما فعلناه لأجدادك أيها الفاني. والآن نطالبك بالوفاء بميثاقنا. نطالبك بميثاق الدم ) حينها التفتّ بعنف لأرى التمثال الحجري قد دار نحوي ونيران شيطانية تشتعل بعينيه. كان الصوت مفزعاً مخيفاً. فقلت: أنا لم أصنع عهداً مع أحد, لست أنا من فعلت. ثم تردد الصوت مرة أخرى : (بل فعلت, فميثاق الدم يجري في الدماء وينتقل من الآباء للأحفاد للأبد. أيها البشري, إلزم الميثاق وآتنا بالقرابين وارع البيت, أو تنال غضبنا الذي لا فرار منه. آتنا بالقرابين تنل منا العطايا السخية) حينها هربت ونزلت من البرج حتى خرجت منه. كنت مرعوباً, وكان عليّ أن أفعل شيئاً ما لتنتهي هذه اللعنة للأبد ..
سوف أحرق البيت !!!! بدا الحل سهلاً وممكناً. سحبت كمية من البنزين من السيارة, ونثرتها في داخل المنزل, وأشعلت عود ثقاب ورميته نحو بقعة من البنزين, فاشتعلت النيران بسرعة رهيبة حتى أنني تراجعت مبتعداً كي لا تلفحني النيران بألسنتها. وتحول المكان في لحظات لجحيم حقيقي. عشراتٌ من الصرخات المعذبة انطلقت من المكان, ورأيت الكثير من الخيالات والأشباح التي راحت تتراقص بين ألسنة اللهب. فجأة بدأت النيران تخبو وتضمحل, ثم همدت تماماً. تراجعتُ برعب وأنا أفكر في الفرار بسيارتي. حاولت أن أدير المحرك لكنه لم يستجب. رأيت عشرات الأشباح والشياطين تخرج من جدران البيت متجهة نحوي, ورأيت بينهم العملاق الأسود. وبرعب رحت أصرخ في السيارة علها تستجيب, ثم فقدت وعيي. وحينما أفقت وجدت نفسي مصلوباً أمام التمثال, وهناك العشرات من الشياطين ترمقني بعيون مشتعلة, ورأيت جدي الأكبر طوسن ينحني أمام التمثال ويقول بصوت رخيم : ( لقد خاننا فاستحق أن يكون قرباناً لغضبك يا مولاي) ثم توقف أمامي والسكين بيده, ثم هوت السكين بعدها نحو عنقي .
من مذكرات السيدة كوثر حلمي زوجة الأستاذ شاكر عبدالحميد :
إنه خط زوجي بالتأكيد, أنا أكثر من يعلم هذا. لا أدري متى كتبه ولا كيف كتب السطور الأخيرة التي تخبرنا كيف قتل. لقد تحطمتْ أعصابي تماماً ولم أعد بقادرة على النوم ثانية, فقررت أن أذهب إلى البيت بمفردي كي أبحث عن زوجي. وهناك وجدته مذبوحاً على فراشه دون قطرة دم واحدة. قال الأطباء الشرعيون إنه قتل قبل أيام في مكان آخر, قبل أن تُنقل جثته إلى فراشه. كان على جسده حينها الكثير من الأوشام الغريبة التي لم تكن موجودة من قبل, كما كانت هناك فجوة ضخمة بصدره انتزع قلبه من خلالها. وبعد شهور انتهى التحقيق دون أن نعلم من قتل زوجي, ولماذا فعل؟ لكنني كنت أعلم أن للبيت شأن فيما جرى. وبعد عام أصر إبناي على العودة للبيت بشكل غريب, صارا يتحدثان حديثاً عجيباً عن نداء البيت وعن الميثاق الذي يجب ألا يُنقض, فذكرني هذا بحديث جدهما الدائم عن البيت, وتلك القصص العجيبة التي كان يقصها عليهما. وفي النهاية قررت أن أعود بهم إلى البيت ما دامت تلك رغبتهم وليفعل الله ما يشاء. وعُدنا للبيت وبدا مرحّباً بنا للغاية, وبدا أبنائي في غاية السعادة, ولا أنكر أنني بدأت أشعر بالراحة بين جنبات البيت. ومرت الأعوام هادئة في البيت واستقرت حياتي مع أبنائي به, قبل أن أعثر على أوراق زوجي الراحل التي أطلعكم عليها الآن. وجدتها أسفل فراشي حين كنت أنظف أسفله, لا أدري أين كانت مخبوءة. وحين قرأتها تحققتْ كل هواجسي القديمة عن البيت, لقد قتل البيت زوجي لأنه رفضه ورفض العيش به. إنني لا أعلم حقاً إن كان صواباً أن نظل في هذا البيت بعد هذا الذي قرأته, ولكن أبنائي أحبا البيت حقاً ولا أعتقد أنهما قد يفعلا شيئاً كهذا, وأنا لن أترك أبنائي .. لقد تغير إبني عبدالحميد الآن كثيراً, صار وكأنه أصبح سيد البيت حقاً .. هل جدد الميثاق مع البيت ثانية ؟ إنه لم يخبرني بالطبع .. لكنني أعرف ..

                                         النهاية.







إرسال تعليق