الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017







تلخيص رواية
المرتد: حسن الجندي
الجزء الثاني من مخطوطة إبن اسحاق
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

شقة إسلام الساعة 11:30 جاء لإسلام إتصال من حامد, قال حامد: ماذا يحدث عندك يا إسلام, ولماذا هواتفكم كلها مغلقة ؟ لم يفهم إسلام من حامد شيئاً فقال : متى عدت لمنزلك ؟ فقال حامد : ولكني لم أتحرك من منزلي. سكت إسلام للحظات, ثم قال: إسمع يا حامد, أنا قادم الآن لمنزلك. نزل إسلام جرياً من منزله وهو يتجه إلى منزل حامد, وفي رأسه ألف فكرة, فلو كان حامد مصاباً, ولم يأت تلك الليلة !! ستكون تلك مصيبة تفوق كل التوقعات !

نحن الآن في إحدى ممالك الجن, قال رئيس حراس المخلبي: إذن لقد تحرر المخلبي وجمع جيشه المتمرد مرة أخرى, فقال جني كان يقف على بعد منهم ويدعى يصفيدش : لقد قتل المخلبي أربعة من البشر من بينهم يوسف الحفيد الخامس لإسماعيل الحلاج, الذي تسبب في موت قرية كاملة, وإسماعيل الحلاج هو السبب الأول في معرفتنا بأن المخلبي يستخدم قواه في عالم البشر. جاء أحد الرجال إليهم فوقفوا احتراماً له, وقال: يجب منع المخلبي من عقد معاهدات مع العشائر المتمردة, والممالك التي تعادينا. نظر إلى أحد الرجال وقال له: أنت ستكون مهمتك مطاردة المخلبي وقتل حراسه الثلاثة... هنا قاطعه يصفيدش قائلاً : آسف يا سيدي, أنا أعلم شخص بالمخلبي وألاعيبه, فالصلة التي بيني وبينه هي السبب الرئيسي لأقتص منه, لذلك أريد أن أكون المسؤول عن قتله, فقال الرجل : يا بن ذاعات, أنا أعرف أنه من الصعب عليك أن تقتل أخاك الذي تربيت معه, لكني أثق بك يا يصفيدش !!

خرج إسلام من منزل حامد وهو فاقد القدرة على التفكير السليم. مَن هذا الذي قابله في بيت يوسف ؟ ولِمَ الآن جميع هواتف أصدقائه خارج نطاق الخدمة ؟ لم يبق عليه إلا أن يذهب إلى منزل يوسف ويفهم ما يحدث ؟ الشقة كانت كما تركها المخلبي. الجثث على المقاعد, والجثة الممزقة الملقاة على الأرض, والدماء المنتشرة في كل مكان. طرق إسلام باب البيت أكثر من مرة ولكن ما من مجيب, طرق الباب بعنف أكثر, حتى إن باب الشقة المقابل لشقة يوسف فُتح, وظهر خلفه عم يوسف. أخبر إسلام عم يوسف بأنه يحاول الإتصال بيوسف والأصقاء ولكن لا أحد يجيب, وأنه يخشى أن يكون قد حصل لهم مكروه ما. فقال عم يوسف: ربما صعدوا جميعاً إلى الطابق الخامس. صعدا إلى الطابق الخامس, وبدءا يطرقان على باب الشقة. ولما لم يجب أحد, أخذ إسلام وعم يوسف بدفع الباب بكل قوة, حتى تهاوى الباب وفُتح دفعة واحدة. هبت رائحة فظيعة من داخل الشقة بمجرد فتحها. أضاء عم يوسف أضواء الشقة. نظر إسلام للمشهد أمامه فلم يتمالك نفسه, ووقع على الأرض مغشياً عليه .

نظر وكيل النيابة إلى إسلام ثم قال للطبيب : هل تعتقد أنه فقد النطق نهائياً؟ هو الوحيد الذي يمتلك تفاصيل الحادث, فقال الطبيب : بالطبع لا, فتلك الحالة النفسية أصابته من مرأى الحادث. كان إسلام منذ أن أحضروه من يومين وهو بهذه الحالة, فبعد أن أفاق من الغيبوبة التي استمرت أكثر من خمس عشرة ساعة, أفاق, ولكنه لم ينطق بكلمة واحدة. قال الطبيب النفسي بالنسبة لحالته بأنه مدرك جيداً لما يحدث حوله, ولكنه يختار ألا يتكلم, إنه يحاول أن يعبّر عن حزنه على شكل دموع. هناك نيران تشتعل داخل عقله, يوسف مات, ومعه مصطفى ومحمود وأحمد, ماتوا جميعاً بلا رجعة. تذكر لحظة دخوله شقة يوسف : الظلام يغلف المكان, وعندما أضاء عم يوسف المكان, رأى الأجساد الجالسة على الثلاثة مقاعد, جالسين وعيونهم مفتوحة, تنظر للفراغ. أما المرعب, فكان فك كل منهم يلامس صدره بطريقة مفزعة, لقد كان الفك مكسوراً. ومن عيونهم وأنوفهم وآذانهم إنحدرت الدماء. وهناك على الأرض, كان يوسف ملقى, ثانيتين مرت على إسلام ليفهم المشهد الغريب الذي أمامه, لقد كان جسد يوسف مقطعاً, ومجمعاً مرة أخرى, وكأن جسده لعبة بازل. بعد هذا المشهد الذي سجلته ذاكرة إسلام, نظر إلى عم يوسف وشعر أن الحياة تنسحب منه ببطء, ثم أظلمت الدنيا في وجهه. لقد قَتل أصدقاؤه شخص ما أو شيء ما, أيّا كان من قتلهم, يجب أن يُعاقب. يجب أن ينتقم لموتهم, حتى لو مات بعدها !!

في المشرحة, سأل الطبيب عما جرى في تلك الليلة فقال الدكتور خالد : في الطابق الخامس رأيت الجثث الأربعة ممتلئة بآثار الجروح والدماء, كما أن الفم كان مكسوراً ومفتوحاً بطريقة غريبة. مددت يدي لأتفحص أول الجثث الجالسة لأتفقد حرارتها, فلاحظت أن يده تقبض على شيء ما, كانت في يده ورقة صغيرة, كتبت عليها كلمات غير مفهومة, ووجدت مثل تلك الورقة في يد جميع الجثث الأربعة. لم يكن هناك منفذ مفتوح ليدخل منه القاتل, فكيف دخل لا نعرف إلى الآن, ولكني وحين كنت ألتقط صورة لجثة الشاب يوسف الملقاة على الأرض, رأيت الإضاءة ترتعش رعشة خفيفة, ثم ثبتت, وفجأة سمعت صوتاً غريباً من خلفي : (مياااو). نظرت بسرعة, ففوجئت بقط أسود ينظر للجثة الملقاة على الأرض بتمعن!! ثم ينظر للجثث الجالسة على المقاعد, ثم نظر إلي وابتسم كاشفاً عن أسنانه. تسمرت في مكاني بلا حراك, وحين خرج القط ,ذهبت لأوبخ الحراس فقالوا لي : لم يمر بيننا قط, كما أنه لم يخرج قط من الباب أبداً !! حينها مرت ارتعاشة خفيفة في جسدي . ثم عدت مرة أخرى, وقمت بالفحوصات المبدئية.
قال الدكتور حسام: إذاً هيا بنا لنفحص الجثث يا دكتور خالد. ذهبوا جميعاً إلى غرفة تشريح الجثة الأولى, وبينما كانا يفحصان الجثة بدأ ضوء المصباح بالإهتزاز الشديد. كان أنفار الجن في المستشفى يرددون: يصفيدش بيننا.. يصفيدش بيننا, وهم يرون القط الأسود يمشي ببطء باتجاه غرفة التشريح. وحين ذهب مساعد الدكتور حسام ليرى ماذا حدث لمولد الكهرباء, رأوا جميعاً القط الأسود أمام الباب متحفزاً. شهق خالد وهو يتراجع إلى الخلف, وهنا انطفأت الأضواء في الغرفة, وشعر الدكتور خالد بصوت يحدثه في أذنه مباشرة ويقول له : (سأستعير الجثث لأيام يا صديقي !) ثم عادت الإضاءة مرة ثانية.. ولكن لا أثر للقط, أو للجثة, أو للتقارير التي كانت بجوار منضدة التشريح ..!!

قال يصفيدش للقائد : كان يجب عليّ أن أخفي كل ما يتعلق بالحادث لتنتهي القضية, وخطواتي القادمة يا قائد ستكون مفاجأة للجميع ! !

قام عماد من على مقعده, وقال : بن ذاعات إن كنت تريد أن تلعب, فلتلعب معي, ومن الآن بدأت اللعبة, وسأنتصر. تذكر عماد إبن شقيقته أحمد, وهو يلعب صغيراً في شقتهم, أما الآن فقد مات. أما إسلام فقد كان على حاله يجلس على الفراش وهو ينظر أمامه, وحوله جلست أمه وشقيقاته. سمع أمه ترحب بفتاة, فحرّك رأسه باتجاه الفتاة التي تقترب, فتاة متوسطة الطول, محجبة, بيضاء الوجه, تميزها عيناها التي تضفي مزيداً من الجمال عليها, برغم حالة الإعياء التي تظهر عليها. وبمجرد أن نظر إسلام إليها قال: حبيبة ؟! وحين نطق إسلام, هلل الجميع, حينها قالت حبيبة: بالله عليك يا إسلام, أخبرني ماذا حدث ليوسف ؟  قال إسلام: يوسف وأصدقاؤنا, تم تعذيبهم قبل قتلهم. كانت حبيبة صديقة يوسف وزميلته, وكان يوسف يخبرها بكل صغيرة وكبيرة عن حياته, وكانت على علم بقصة المخطوطة, ولكنها لا تدري كيف قتل. فقال إسلام : هذه حكاية طويلة سأرويها لك, ولكن الآن يجب أن أترك المستشفى, لأنتبه لما أنا مُقدم عليه .
بعد يومين وفي منزل يوسف أقيم العزاء. كان أبو يوسف يجلس على أحد المقاعد يدخن سيجارته وينظر للأرض. يأتي الرجال ليعزّونه, يقف ثم يجلس مرة أخرى بلا حراك. ومن أول الشارع دخل إسلام وبجانبه حبيبة. إتجه إسلام باتجاه أبو يوسف واحتضنه طويلاً, وعرّف إسلام والد يوسف على حبيبة, فرحب بها الوالد, ثم دعاها للدخول مع النساء في الداخل. ثم اتجه إسلام إلى الشيخ محمد وعرّفه عن نفسه. كان إسلام قد تذكر هذا الشيخ فهو نفسه الذي روى لهم يوسف قبل موته بأنه استعان بمشورته في تعليمه الكثير عن عالم الجن من منظور ديني, وهنا ظهر شاب طويل البنيان, بوجهه وسامة واضحة, إقترب من بعيد, ثم سأل أحد أصحاب المحلات عن إنْ كان هذا منزل يوسف, فأكد صاحب المحل بأنه هو . دخل إلى بيت العزاء, وسلم على والد يوسف, وعرّفه بنفسه قائلاً: البقاء لله, أنا عماد قريب أحمد, الذي توفي في الحادثة بجانب يوسف.

 كان إسلام ينظر لعماد وهو يتذكر أيضاً أن يوسف قد روى عنه الكثير, بالتأكيد سيستفيد من خبرته الرهيبة, فتقدم منه وعرّفه عن نفسه, فتعرف عليه عماد أيضاً, فقال إسلام : ليلة الحادث روى لنا يوسف كل شيء, وبالطبع لم يبق على قيد الحياة من يعلم المعلومات التي أعلمها أنا, أنا أريد الوصول للفاعل يا عماد ! تبادل حينها إسلام وعماد أرقام الهواتف, وفجأة انطلقت صرخة طويلة من شخص يُعذب من الطابق الخامس في العمارة, وفُتحت نوافذ الطابق الخامس مرة واحدة. فهرول الجميع إلى الشقة, بما فيهم النساء وحبيبة, ولكنها كانت خالية تماماً, كل شيء هاديء, والمقاعد في أماكنها كما تركتها الشرطة, ولكن لحظة واحدة! المنضدة تهتز هزات متتالية. بدأ الشيخ محمد بقراءة القرآن. ارتفع صوت الأنين مرة أخرى, فرأى الجميع عماد وهو يغطي عينيه بكلتا يديه, وعلى وجهه إمارات التأفف. الجميع يتمتم بالبسملة ويستعيذ من الشيطان, وفجأة قال عماد: أنت !! لماذا ؟! وحينها هدأ الأنين, ووقفت المنضدة عن الإهتزاز, وانسحب عماد بهدوء, بينما بقي الكثيرون في الشقة يقرأون القرآن !

عاد عماد إلى شقته وهو ما يزال يرتعش, وبدأ يتذكر ما حدث معه بالتفصيل: عندما دخل عماد مندفعاً إلى الشقة, رأى على المقاعد الثلاثة, ثلاثة شباب مكبلين يحاولون الحركة بلا فائدة, وهناك شخص على الأرض يُعذّب. نظر إلى ذلك الذي يتعذب, إنه يوسف, فقال عماد: أنت ؟! بينما كان هناك رجل عجوز يتقدم ناحية عماد, ثم قال له بنبرة رخيمة : أنا من قدّمت بلدتي كقربان للمخلبي, أنت لا تعلم شيئاً عن طموحاته, أخاف أن تقترب النهاية, عليكم حماية أصدقاء يوسف, فدورهم اقترب ! حينها صرخ عماد: لماذا ؟!

شقة متواضعة بأحد أحياء بولاق, تسير قليلاً لتصل إلى منتصف الشارع, فترى المنزل, إنها شقة الأستاذ حازم عبد الحميد, المدرس بأحد المدارس الثانوية. طرق عماد الباب فاستقلبه حازم بحفاوة. حازم كان صديق عماد منذ أيام الجامعه, حضرا سوية عدة جلسات لتحضير الأرواح ولعلاج الممسوسين من الجان. قال حازم : هناك شيء يجعلك تأتي لي الآن بعد غياب عام ونصف يا صديقي, وهو شيء هام جداً, وأعتقد أنك تريد مني أن أقوم بشيء ما, أليس كذلك ؟ فقال عماد: ما زلتَ كما أنت, تتوقع الأسوأ في كل شيء. حينها أخرج عماد أوراق نسخة المخطوطة التي أعطاه إياها يوسف في أول لقاء, وأعطاها لحازم. بدأ حازم بقراءة الأوراق بتركيز شديد, ثم قال: هنا عبارات تشبه إيصال رسالة بطريقة شفرية, ما تلك الأوراق, ومن هو بن إسحاق؟ فقال عماد: سأروي لك التفاصيل منذ البداية ... وبعد أن انتهى عماد من الكلام, قال حازم : قَتل أربعة شباب, دمّر قرية في الماضي, لم أر نفراً من الجن يعبث في عالم البشر بهذا الشكل, لماذا يقتل هذا الجني قرية بأكملها؟ أنت تعلم أنه لا وجود للقرابين بين أنفار الجن في الغالب, فعالم الجان ليس بهذه السذاجة يا عماد. هنا سمع الإثنان صوت قاصيم, وهو جني صديق وحارس لحازم, يقول: لا يوجد تقديم قرابين بشرية في عالم الجن إلا لأغراض معينة, قل لي إسم هذا الجني. فقال عماد: إسمه المخلبي بن ذاعات. فقال قاصيم حينها: إنه القائد القديم لاتحاد قبائل الجن.

وبدأ حينها قاصيم يروي بالعربية سبب استعمال المخلبي للقرابين البشرية, وما هي خطواته القادمة, فقال: عائلة ذاعات لقبوا بعائلة الحرب. عائلة ذات هيبة في عالم الجن. كانت عائلة ذاعات في جبهة القتال الإسلامي, ولقدرتهم الرهيبة في النفاذ إلى عالم البشر, فقد خرج منهم قواداً, وكان النصر دائماً حليفهم. وإذا أردت رأيي, فهناك رجلان من عائلة ذاعات كوّنا القوة والهيبة في عالمنا, أحدهم هو المخطط للحروب, وقائد جيوش القبائل المتحالفة المخلبي بن ذاعات, والثاني شقيقه, وهو اليد الضاربة, وصاحب القوة الأسطورية, ونائب رئيس المجلس القبلي, يصفيدش بن ذاعات. ولكن المخلبي لم يفهم معنى التعايش في سلام, بل كان شاغله هو توسيع إمبراطورية القبائل التي يخدمها, ولكن مع رفض المجلس لتفكيره, الذي يتعارض مع مبادئهم, بدأ حال المخلبي بالتغيير الشديد, ورفض الكثير من الأوامر التي يتلقاها, وجاء اليوم الذي دخل فيه البشري إسماعيل الحلاج في حراسة أنفار من الجن, يطلبون السماح بدخولهم, فحمل إسماعيل أنباءاً مفزعة للمجلس, المخلبي هو الجني المسؤول عن قتل 1600 شخص داخل قرية في الصعيد. هذا غير أنه عقد معاهدات مع كثير من البشر, مقابل إعطاءه قرابين بشرية, ليقتلها. وعندها ظهرت الحقيقة, فالمخلبي كان يستخدم جنوده للتدخل في عالم البشر, وقتلهم بلا سبب. لم يصدق يصفيدش الأنباء برغم التأكد منها, وانتهى الأمر بالحكم على المخلبي بالقتل, ولكن بتوسطٍ من يصفيدش خُفف الحكم إلى السجن باقي الحياة.

أما موضوع القرابين, هناك آلاف من الأعوام لا نعلم حصرها تفصلنا عن ملوك الجان العشرة, هؤلاء الملوك أقوياء جداً, وكانوا يثيرون الرعب في كل القبائل والبلاد والقوميات. هم من قبيلة لا نعلم أصلها, كانوا أقوياء بدرجة تفوق الوصف, وكان تدخلهم بين البشر لا حد له, لدرجة أن بعض البشر عبدوهم, وعندما زاد بطشهم طلبوا تقديم رجال يُقتلون إرضاءاً لهم, واتقاءاً لشرهم, كل عام عشرة رجال كقربان للملوك. ثم تفاقم شرهم, وطلبوا فتاة عذراء من القبائل والأمم التي تعبدهم كل عام. كان هذا الفعل هو السبب في إثارة قبائل الجان وملوكهم, فكان الإتحاد ما بين القبائل, وحاربوهم وقتلوا منهم ثلاثة ملوك, واستطاعت القبائل أن تأسر السبعة الملوك, وتسجنهم في العالم السفلي في مكان لا يعرفه إلا القبيلة الحارسة. وأيضاً هناك في العالم السفلي تقبع سبع بوابات تتولى حراستها القبيلة الحارسة, وهذه البوابات لفتحها يجب ترديد كلمات من الجان في حالة معينة من التشكل لفتح البوابات فقط, أما لإقناع الملوك بالخروج, فيجب تقديم ألفين من القرابين البشرية, وفتاة عذراء على قيد الحياة. حينها هب عماد من مقعده, وتذكر ما رآه في الطابق الخامس حين قال له إسماعيل: أخاف أن تقترب النهاية .. عليكم حماية أصدقاء يوسف فدورهم اقترب !! ثم تذكر عماد الفتاة المحجبة التي رآها في بيت يوسف يوم العزاء فصرخ: فتاة عذراء كقربان .. إنها حبيبة !! ثم أكمل قاصيم : وبعد الألفين من القرابين البشرية والفتاة العذراء, يأتي الجزء الأصعب من الموضوع, وهو أنّ من يُحرر الملوك السبعة, يجب أن يضع حياته تحت تصرفهم, أي يجب أن يدخل في حالة التمثل المادي, اثناء فتح البوابات, ليستقبل الملوك أمام البوابات, حيث أنه من السهل قتل الجني إذا وضع نفسه في حالة التمثل المادي. وهذا ما سيفعله المخلبي, فبقوة المخلبي وجيشه وقوة الملوك السبعة, سيفرضون سيطرتهم على أمم الجان جميعها؟! فقال عماد: ولذلك علينا منعه من ذلك, قال قاصيم: وأنا معكم. حينها قال عماد : يجب علينا أن نتكلم مع إسلام لنفهم ما حدث بالتفصيل في تلك الليلة, ثم يجب وضعه وأصدقاءه وحبيبة تحت المراقبة والحماية, لحمايتهم إذا ما قام المخلبي ببدء مخططه, وهذه ستكون مهمة قاصيم. فقال حازم : سأجعل قاصيم يترك مع كل منهم فرداً من جيشه, ليُعلم قاصيم بأي خطر فور حدوثه.

الساعة الآن الخامسة والنصف, وإسلام يروي لحامد وحبيبة كل الأحداث التي حدثت ليلة الحادث. قال حامد : هناك شيء لا أفهمه يا إسلام حتى الآن, وأحتاج للكثير من الإقناع حتى أتقبله, عندما قلت إنك رأيتني قد حضرت في تلك الليلة, إني كنت متاكداً أنني كنت في المنزل ورجلي مكسورة بالجبس ! إنقلب وجه إسلام, وأطلق زفرة حارة من صدره, وهو ينظر إلى حامد وحبيبة ثم قال : أعلم أن هناك الكثير من الأشياء صعبة التصديق في كل تلك الأحداث, ولكننا نمر بأشياء غريبة بالفعل, وللمرة الأخيرة, أؤكد أني رأيتك يا حامد. تنحنحت حبيبة ثم قالت لإسلام : إذاً فهذا الرجل, الذي يدعى عماد, هو الذي يبحث في المخطوطة, فلماذا لا تذهب إليه وتستفسر منه عما توصل له ؟! فقال حامد: نحن نتكلم عن عالم الجن, ويجب أن نتعاون مع شخص له خبرة بذلك العالم, أعرف رجلاً يعيش بالمقطم, وله خبرة بالموضوع, سأستفسر عن بيته لنذهب إليه.
 عندما عاد حامد إلى البيت, لم ينتبه للقط الأسود الذي وقف وراءه ينظر له. ولم ينتبه بعد للقط وهو يرتعش ويتضخم, وضباب أسود يحيط به, وفي تلك اللحظة ظهرت ملامح الجسد الذي يحيط به الضباب, إنه يصفيدش . كان حامد قد فتح الباب ودخل وهو يستند لعصاه, وخلفه دخل يصفيدش بصمت. وبعد ساعات إتصل حامد بإسلام وقال : لقد عرفت عنوان الساحر, لنذهب إليه في التاسعة صباحاً.

وفي الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي قفز حامد من الميكروباص يتبعه إسلام. وسار الإثنان لحظات حتى وصلا إلى عمارة كبيرة, ووقفا أمام شقة الساحر عباد. وبعد أن دخلا, وقف إسلام يتأمل غرفة الإنتظار التي أدخلهم إليها مساعد الساحر. تناول حامد كوب العصير الذي قدمه المساعد, بينما لم يقرب إسلام كوبه. بعد نصف ساعة أدخلهما المساعد إلى غرفة الساحر. كانت ملامح الرجل أمامهما تحمل خبثاً, وكأن الشيطان يجلس أمامهما, قال حامد : في الحقيقة جئناك للإستشارة فقط. قال إسلام: جئنا لنعرف تفاصيل حادثة قتل لها علاقة بالجان. قال الرجل: لم أفهمك, أرجو أن توضح قليلاً. هنا أخرج إسلام نسخة من المخطوطة, ووضعها أمام الساحر ثم قال : أريد أن أعلم معنى تلك الكلمات, فقال الساحر: أنت تريد معلومات, وأنا أريد شيئاً سأطلبه منك بعد أن أحضر لك المعلومات, سنكتب عقداً, وهذا العقد لا يلزمك بشيء, ولكن يعطيني أنا قليلاً من الإطمئنان في التعامل معك.

وافق إسلام على العقد, ووضع دمه على العقد كما طلب الساحر بدلاً من التوقيع. قال الساحر عباد : يمكنك أن تطرح أسئلتك الآن, فقال إسلام : من هو قاتل أصدقائي ؟ولمَ قتلهم ؟ وهل اختيارهم كان عشوائياً مرت ثوان طويلة, ثم دق شيء على الأرض, ثم جاء صوت أجش وقال : المخلبي بن ذاعات, أراد أن يعلن عودته لعشائر الجن الذين قيدوه, وأن تكون تلك العودة مؤثرة بقوة, وأراد أن يكمل عدد الجثث, ليكتمل القربان الذي سيقدمه للملوك السبعة. أما عن الإختيار فلم يكن عشوائياً. حينها صدم إسلام من الإجابة بينما نظر الساحر عباد إلى حامد وقال : لا أعتقد أنه بتخلصك من الجبس قبل ميعاد فكه شيء جيد. فقدمك كان يجب أن توضع في الجبس أكثر من ذلك, كي تلتئم العظام. حينها نظر إسلام لحامد متذكراً: متى فككت هذا الجبس يا حامد, وقد تركتك أمس به ؟ حرك حامد رأسه بطريقة لا تدل على شيء, ثم نظر من نظرة جانبية لعباد, الذي ابتسم له بخبث !!

عاد الشيخ محمد من عمله, ثم اتجه إلى غرفة نومه, واتجه لسريره لكي يريح جسده, لكنه وجد نفسه قد غط في سبات عميق.. هو ليس نوماً بالمعنى المفهوم, بل هو يرى نفسه وكأنه مستيقظ.. هناك شخص يقترب منه! .. يوسف !! نظر إليه الشيخ بذهول, غير مصدق, فقال يوسف بابتسامة : كيف حالك؟ لم يرد الشيخ. فقال يوسف: أنا لست هنا لإيذائك, أنا لست موجوداً أمامك الآن, ولكن يمكنني أن أحدثك للحظات. أنا هنا لأكمل طلبي منك, أصدقائي أخشى أن يُقتلوا, المخلبي يريدهم كقربان له, سيأخذ هذا القربان بعد ليلتين, وسيأخذه انتقاماً من عائلتي. سيأخذ فتاة عذراء يا شيخ, سيأخذ حبيبة معه لأسفل. ما عليك فعله يا شيخ هو أن تقبل المساعدة التي ستأتي لك ولا ترفضها, إقبلها كي تنقذ أصدقائي, وتذكّر عبارة المذبحة, فإنها كلمة الأمان التي ستساعدك. أما الآن يا شيخ فلتسترح والسلام عليكم.

 في الصباح وحين استيقظ الشيخ محمد نظر حوله وهو يتذكر الحلم الذي رآه, عليه أن يحمي أصدقاء يوسف, إذاً يجب عليه أن يذهب إليهم, ولكن كيف .. نعم لقد وجد فكرة لا بأس بها .

إتصل عماد بإسلام وحامد, وأراد أن يقابلهما في بيت إسلام ليعلم منهما تفاصيل أكثر عن ليلة الحادث. كان الصديقان ينتظران وصول عماد, ثم سمعا جرس باب الشقة. فتح إسلام الباب ليفاجأ بالشيخ محمد يقف أمام الباب. وعندما دخل, قال الشيخ : لا أعرف من أين أبدأ, ولكني يجب أن أخبركم أنني أعلم كل شيء يحدث عن مخطوطة بن إسحاق, فقد روى لي يوسف كل شيء قبل موته. وبينما كانوا يتحدثون قدم عماد وحازم, فرحب بهم إسلام وأدخلهم إلى الغرفة. كان التعارف سريعاً بين عماد وحازم ومحمد, حينها قال الشيخ : المخلبي يريد قتلكم, وقتل حبيبة, لذا عليّ أن أحميكم. إسمع يا إسلام, أخبر حبيبة بأن تأتي الآن هنا, كي أخبركم جميعاً أمراً هاماً. حينها رن جرس الباب مرة أخرى, فجرى إسلام ليفتحه, كان الشخص الموجود خلف الباب, هو آخر شخص يمكن لإسلام أن يتوقع أن يراه, كان الشخص هو الشيخ محمد بنفسه .. مفاجأة مرعبة !! أشار إسلام للشيخ بالدخول, وأغلق الباب خلفه, ثم اقترب ببطء من الصالون, ليرى حازم يقول للشيخ الجالس في الصالون: من الأشياء الفظيعة التي لا أتحملها, أن يكذب عليّ يا شيخنا, وانقض حازم على الشيخ الجالس في الغرفة وقال : أعرّفكم على الرجل الذي يجلس معكم, إنه رجل من الجان, من قبيلة الغيلان, حينها صرخ الرجل المتشكل بهيئة الشيخ  محمد وقال : عليّ تأدية مهمتي, وهي أن أقوم بجمع إسلام وحامد وحبيبة في مكان واحد, وأخبر سيدي لحظتها, ليرسل من يكمل المهمة, وأختفي. حينها تقدم إسلام بسكين نحو الشبيه وقال : من الذي يجعل لكم الحق بأن تقرروا قتل أصدقائي ؟ إنتهى زمن الألعاب الصبيانية, وحان الوقت لتبدأ الحرب الحقيقية. ثم قام إسلام بذبح الشبيه من رقبته. بدأت ملامح وجه الشبيه تتحول إلى اللون الأسود المتفحم, ثم بدأت الجثة تختفي تدريجياً, وكأن ستار من الدخان يغلفها عن الأنظار, حتى اختفت بلا أثر.
جلست حبيبة على الأرض على سجادة الصلاة, وبعد أن انتهت من الصلاة, قامت تطوي سجادة الصلاة, والأدعية ما زالت تخرج من شفتيها. بالرغم من منع نفسها من التفكير في يوسف, إلا أنها لم تمنع دموعها من السقوط على خديها, ووجدت نفسها تدعو له بالرحمة والمغفرة. جلست تتأمل تلك الأيام التي قضتها مع يوسف. وتذكرت تلك الجلسة الواثقة, التي كانت تشعر معها أن حبيبها أقوى رجل ، لقد عشقت كل شيء فيه, فكيف لها الآن أن تتحمل ذلك الألم الذي يعتصر قلبها بشدة, كلما تذكرت موت حبيبها. طالت تأملاتها لربع ساعة, ولم يقطعها إلا شعور حبيبة بشيء غريب ينتابها. شعرت فجأة بأنها تريد أن تتقيأ, ولكن شعور المجال المغناطيسي التي تشعر به يفوق الوصف. المرآة تعطي انعكاسات غريبة, المجال يزداد. نظرت برعب إلى ما حولها, فاشتعلت النار فجأة في بقعة صغيرة على السجادة, ثم ثانية وثالثة ورابعة. كانت النيران تشتعل من تلقاء نفسها. وفجأة تحطم الباب وطار لخارج الغرفة إلى الصالون, فجرت للخارج. إستيقظ والدها وحاول إخماد النار ولم يقدر, فجاء الجيران وساعدوا في إيقاف النيران إلى أن خبتت أخيراً.

أخبر حامد وإسلام الشيخ محمد وعماد وحازم عن زيارتهم للشيخ عباد, وأراد إسلام أن يعرف كيف لهذا الساحر أن يعرف الكثير من الأمور عنهم دون أن ينطقوا بها, فقال حازم : أعتقد أنه يقوم بإرسال أحد خدامه, ليستجوب قرين من يقف أمامه, فالقرين يرافقك دائماً, ويعتبر هو خزانة أسرارك التي تسجل كل ما تمر به في حياتك. وبعد موتك يظل قرينك على قيد الحياة. وبعد أن يتعرض القرين للضرب المبرح, ويعرف الخادم منه المعلومات المطلوبة, يعود ليخبر بها الساحر في أذنه, وبهذه الطريقة يعرف عبّاد بعض المعلومات عنكم. يجب أن أعرف عنوان عبّاد هذا لأنني سأزوره, وعليك يا إسلام أن تعرف أخبار حبيبة أول بأول, وتخبرنا بأي تغييرات. إعتدل عماد في مقعده وقال : ما وصلنا إليه من الكتب حتى الآن, منذ عشرات الآلاف من السنين ظهر في الجان عشرة ملوك, إنشقوا عن ممالك الجن, ودخلوا في حروب مع بقية الممالك, وفازت الممالك بعد قتل ثلاثة ملوك, والسبعة الباقون حُبسوا وراء أبواب, وهناك كلمات تفتح تلك الأبواب, لو قيلت هذه الكلمات فإن الأبواب تُفتح, ويعود الملوك السبع لمحاربة الجان مرة أخرى. وهناك قبيلة كانت تحرس البوابات الموصلة للعوالم الموازية, التي حبس الملوك ورائها, وتلك القبيلة تعرف الكلمات التي تفتح البوابات. وحتى تفتح هذه البوابات قبل نطق الكلمات, يجب أن يُقتل عدد ضخم من البشر والجان على السواء, بنية فتح البوابات, ويُنطق على البشر كلمة قبل قتلهم. إن إسماعيل الحلاج باع أهل قريته القديمة للمخلبي, مقابل بعض الخدام من الجن, وجَعَلهم ينطقون الكلمات, ومن ثم كان رجال المخلبي يقضون عليهم بسهولة. وحين أراد إسماعيل بعد فترة التكفيرعن ذنبه, قام بابلاغ مجالس الجان عن المذبحة, مما أدى إلى الحكم على المخلبي بالحبس مدى الحياة.

قال حامد مخالفاً توقعات الجميع : وبعد ما قضى المخلبي على القرية, ليجمع القرابين البشرية للبوابات, أكمل عمله في أماكن مختلفة, وبعد ما سُجن المخلبي, كان للمخلبي ثلاثة حراس, ساعدوه وحاولوا تحريره. وفي ذلك اليوم, الذي دخل فيه بن إسحاق للقرية التي قتل المخلبي أهلها, تخفى أحد حراس المخلبي في هيئة لحاد القرية, وترك لإبن اسحاق الورقات, التي تحتوي على الكلمات. وتحتوي الكلمات على الإسم المشفر الذي ينطق على القرابين قبل أن يقتلها المخلبي, وتحتوي على تعويذة استدعاء جيش المخلبي, وتحتوي على الكلمات المكتوبة على السلاسل التي تقيد المخلبي في سجنه.  فتح إسلام فمه مندهشاً, وهو ينظر لحامد غير مصدق للمعلومات التي أصبح يعلمها فجأة : كيف علمت بتلك التفاصيل يا حامد؟ فقال حامد : أنا أتعامل مع الجان منذ يومين, كنت عائداً إلى منزلي في ذلك اليوم .. دخل حامد يومها الباب, وخلفه يصفيدش دخل الشقة بصمت. وعندما أغلق الباب نظر أمامه ليجد يصفيدش يقف أمامه بجسد بشري. قال حامد: من أنت ؟ فأجاب: أنا يصفيدش بن ذاعات, أحتاجك في عهد بيننا. يمكنك أن تسير الآن على قدمك بطريقة طبيعية, هذه أول هداياي الخاصة لك. جلس حامد على أحد مقاعد الصالون, وهو ينظر تارة إلى قدمه, وتارة إلى يصفيدش, ثم قال يصفيدش : الحرب بين الجان قادمة, وأحتاجك فيها. وهديتي الثانية المؤقتة لك, هي أنه سيكون لك حراس شخصيين, هؤلاء. نظر حامد حوله ليجد خمس رجال يقفون حوله, ويحملون الرماح. أكمل يصفيدش قائلاً: وبجانب الحراس, سيكون هناك العشرات من أبناء عشيرتي, مرافقون لك, يتلقون أوامرهم مني, ولا يأتمرون بأمرك, ويعملون كوسيلة اتصال بيني وبين حراسك. ثم ردد حامد من وراء يصفيدش : بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا السماء, نقيم عهداً بيننا, قوامه الإيمان برب العالمين, بين حامد ويصفيدش بن ذاعات, عهداً خالصاً لوجه الله تعالى, يُعِين كل منا الآخر, ويحمي كل منا الآخر, ويطيع كل منا الآخر إلا في معصية الله, ويفك عهدنا بموت المخلبي بن ذاعات. نظر حامد إلى من حوله وقال : وعلمني يصفيدش أيضاً الكلمات التي توقف بها عمل الحراس مؤقتاً, وبها أستطيع أن أسيطر عليهم لوقت قليل, وأراني المجموعة التي ترافقني. ثم قال لي أن أذهب إلى الساحر عبّاد.

في اليوم التالي, إتفق كلٌّ من حامد وحازم على الذهاب إلى الساحر عبّاد. وفي الطريق إلى الساحر, أبلغ حازم حامد أن يصفيدش أرسل رسالة إلى الساحر عباد, يقول له أنه يريد أن يتعاون معه, لينقل عباد ليصفيدش تحركات القبائل والجان, وتحركات المخلبي, وأماكن البوابات, التي سجن خلفها الملوك السبعة, ولكن عباد رفض التعاون .

جلس كل من حازم وحامد في انتظار عباد أكثر من ساعة, وعندما أوشكا على الدخول, رنّ حازم على عماد. رن هاتف عماد, فابتسم , ونظر إلى قاصيم المتواجد أمامه وقال : يجب علينا البدء فوراً. أشعل عماد نقطة ظهر منها ضوء أزرق صافي, وبدأ بترديد كلمات لاستحضار الجسّاس (الجان المرافق لعباد), وفجأة اشتعل اللهب في الدائرة التي رسمها عماد على الأرض, ثم خفت اللهب مخلفاً وراءه جسداً قصيراً أسود اللون, إنه الجساس, الذي قال: لماذا أتيت بي إلى هنا ؟

قال عباد لحازم : لقد جاء لي حامد من قبل, وسألني خدّامه المساعدة, فرفضت, لماذا أتيت معه مرة ثانية ؟ فقال : لطلب نفس ما طلبه حامد منك, المساعدة, ولا تقل لي أنك على الحياد, إن كنت هكذا فلماذا أخذت دماء إسلام على العقد ؟ لقد أخذته يا عباد لأنك تريد تتبع خطواته, ولكنك تخشى المساعدة, كي لا تخرج عن حيادك. قلبك يقول لك تحرّك وساعد, ولكن تقاليدك تمنعك. عبّاد يمكنك أن تغيّر اتجاهك, تتخلى عن الحياد, وتنضم لنا. قال عبّاد: أنت لا تفهم يا حازم, مهمتي هي تنظيم معاملاتكم مع الجان, لا مساعدتكم. قال حازم: عالم الجن سيختل لو انتصر المخلبي, وأخرج الملوك السبع. قال عباد: يمكنني التعامل معه, ومعي من يساعدني. قال حازم: لو كنت تثق أنك وحيداً سيمكنك مواجهة المخلبي بجساسك وخدامك, فهيا بنا ننزل للغرفة النحاسية, لترى مفاجأة.
جلس إسلام شارداً في المقهى, يسترجع عقله أحداث الليلة السابقة, لقاءه بعباد الساحر, دماءه التي أخذها, والشبيه الذي قتله, حامد صديقه, الذي ظهرت حقيقة تعامله مع الجان. فجأة ظهرت حبيبة أمامه, حاول الإبتسام لها, فحاولت هي الأخرى, ولكنهما اكتشفا أنهما لا يستطيعان الإبتسام, فكلاهما قلق, يمتليء رأسه بالخوف والأفكار المرعبة, والنهايات الغامضة. قال إسلام : كان يجب أن أقابلك أمس يا حبيبة, أنتي مطلوبة في عالم الجان !!! ثم شرح لها كل شيء. وقالت له هي بدورها كل ما حصل لها, وعن النيران التي اشتعلت في منزلها بغرابة, فقالت له : أنا أثق فيك أكثر من نفسي يا إسلام, فبعد موت يوسف لم يبق لي إلا أنت, لكن ما تحكيه لي يمتليء بالكثير من الخيال, والأحداث غير الواقعية. فقال لها : أنت لا تحتاجين تصديقي, يكفي ما حدث لك بالأمس, هل اشتعال النيران ذاتياً من الأشياء الطبيعية ؟ هل طيران باب بيتك للصالة من الأشياء الطبيعية؟ لقد قابلتك لأحذرك يا حبيبة .. وفجأة اشتعلت النيران في المقهى, ثم انفجرت بقعة من النيران خلف مقعد إسلام. صرخت حبيبة وهي تنهض من مقعدها محاولة جذب إسلام, الذي سقط على الأرض من قوة الإنفجار, ومن حولها الناس تفر من المقهى بخوف. ثم مرة أخرى دوى انفجار آخر خلف حبيبة, فسقطت بجانب إسلام على الأرض. نهض إسلام بسرعة, وساعد حبيبة على النهوض. أمسك إسلام برأسها ودفنه بين صدره, وحاول أن يمنع عن وجهها وجسدها تلك النيران, ثم اشتعلت نيراناً أخرى, فضم إسلام حبيبة أكثر, ولكن طالت النيران يده وجانب من وجهه الأيسر فأبعد حبيبة عن جسده, وبمجرد أن أبعدها أطلق صرخة طويلة من الألم. فجأة انتهت النيران من حوله, نظر حوله بجنون باحثاً عن حبيبة...لم يتحمل جسده الألم فأغشي عليه !!
فتح عباد باب الغرفة النحاسية, دخل وخلفه حازم وحامد. كانت الغرفة كبيرة بالفعل, ذات جدران صفراء اللون ذات نقوش بارزة منها, بعضها بارز وشفاف, والآخر يحتوي على سائل, تلك النقوش تتغير وتتبدل مواضعها لتريك مشاهد من عالم الجن.  قال عباد: ها نحن في الغرفة النحاسية, ماذا تريد أن تقول. قال حازم: أريد أن أقول أن جساسك لن يفيدك, وإن أردت إثباتاً, فعليك باستدعائه. لاحظ عباد أن أحد النقوش قد بدأ يهتز, مما يعني أن منفذ الغرفة النحاسية قد اخترق. دخل الغرفة قاصيم ورجاله ومعهم الجساس مُقيداً, مما أجبر عباد للتعاون مع حازم في مراقبة كل الغرائب التي تطرأ على عالم الجان. وفجأة نظر حازم حوله وبدا وكأنه جاءه خبر من الجان الذين يرافقونه فقال : أين حبيبة ؟ ما معنى أنه لم تصلك من الرجال الذين يحرسوها تبليغ يومي ؟ لا تجدها في عالم البشر ؟ هذا يعني أنها إما ماتت, أو انتقلت لعالم الجن !!

إن اكتسبتَ قدرة الرؤية لداخل عالم الجان, سترى الحرب الآن بين جنود ورجال المخلبي وهم يحمون قصر المخلبي, وبين تحالف القبائل, الذي أنشأته القبائل للتصدي للمخلبي .. موعد الحرب: بعد اختطاف حبيبة بثلاث ساعات, بتوقيت عالم البشر.

فتح عينيه ببطء, يشعر بالعطش, ولكن شعوراً آخراً يساوره, هو ما يغطي على شعوره بالعطش, شعور بثقل في رأسه وجسده. سمع صوتاً أنثوياً يقول: إستاذ إسلام, لا تخف, أنت في المستشفى, هل تتذكر ما حدث؟ أخذ نفساً عميقاً ثم قال : نعم..لقد اشتعل حريق.. أين حبيبة ؟ قالت الطبيبة : من هي حبيبة ؟ لم يرافقك أحد إلى المستشفى, ولكنك أصبت بحروق من الدرجة الثالثة في وجهك, ومن الدرجة الثانية في بعض أجزاء جسدك. حينها بدأ إسلام يتحسس وجهه, فقالت الطبيبة : لا تخف, سأريك وجهك قريباً, ولكنه الآن مغطى بالضمادات, ولن نستطيع إزالتها الآن. إرتح الآن, وأنا سأجلس بجانبك في حال احتجتني, أنا دكتورة رقية, التي ستشرف على حالتك في الأيام القادمة .

إنطلق عماد وحازم وحامد إلى إسلام في المستشفى, بعد ما علموا بالأمر من أحد الجان, ولكن حازم توقف فجأة وقال : لن تصدقوا ما حدث, قرين إسلام اختفى اليوم, لم يعد له وجود, حينها توقف عماد عن السير فاتحاً فمه بذهول قائلاً : ماذا تقول ؟ القرين لا يغادر الجسد إلا بمغادرة الروح, والقرين لا يموت !! فقال حازم : لا تسألني, ها أنا ذاهب الآن لأتاكد بعيني, وأعرف ما حدث له, وكيف اختفت حبيبة, وإصيب إسلام ؟! إقترب الجميع من إسلام وهم ينظرون إليه بإشفاق, فقالت الدكتورة رقية: لقد دخل في صدمة بسيطة, نتيجة الحروق, غداً سيعود لحالته الطبيعية. أما بالنسبة لحروقه, فهي حروق من الدرحة الثالثة, وللأسف عميقة في الجلد بنسبة كبيرة. أرجو من الله ألا يحتاج لتدخل جراحي لترقيع الجلد. يمكنكم التحدث معه غداً ليلاً بإذن الله, لو أتى العلاج بنتيجة فعالة. سأل حامد: هل تعرفين سبب الحروق يا دكتورة؟ قالت الدكتورة: قالوا لي في الإستقبال إن إسلام جاء بسبب حريق في مقهى, بالقرب من جامعة عين شمس, وعندما أفاق سأل عن حبيبة, ولكني لم أعرفها. حينها نظر الجميع لبعضهم البعض, وسرى الصمت بينهم. وفجأة رن هاتف حازم, ليكون عباد على الجهة الأخرى من الهاتف, وقال له إنه يريده الآن .
نزل يصفيدش من على الدابة المدرعة, وبمجرد نزوله استوقفه أحد رجاله, وقال بصوت خفيض : لم يمت إسلام كما أبلغتنا الحراسة, ولكن رجال المخلبي قتلوا الحراسة التي عينها قاصيم على حبيبة, واختطفوها, وإسلام وقع بعد الحريق, وقد غادر قرينه جسده. حينها فكر يصفيدش قليلاً, ثم قال: يبدو أني سأضطر لكشف ما أخبيء !
قال عباد وهو يشير إلى إحدى النقوش, التي تُظهر أفراداً طوال يقفون أمام بحيرة بارزة, من داخل الغرفة النحاسية ثم قال : هذه هي المصيبة, أنظر يا حازم, هناك كرة صغيرة حمراء تتحرك داخل البحيرة, هذه النقطة .. هذا قرين إسلام .

فتح الرجل الواقف على باب غرفة المأمور باب الغرفة, فدلف الدكتور خالد ليصافح المأمور, ثم قال : لقد كذبت عليك, لقد قلت لك من قبل إن جميع التقارير والصور, التي التقطت لمسرح جريمة قتل الشبان الأربعة سرقت واختفت, وإنما الحقيقة أن ما سرق هي نسخة مطبوعة من الصور. أخرج د. خالد آلة تصوير رقمية وقال: أصل الصور مخزن على ذاكرة الكاميرا, ولم أمسحه بعد. حينها تناول المأمور الصور, وهو يشعر بقليل من القدسية لما سيرى, سيرى الجثث التي يكافح ليعرف من قتلها .
قال المخلبي : ما بال الغول الذي أرسلناه لقتل إسلام, هل وصل ؟ فقال الخادم : قارب على الوصول, لقد أرسلنا غولاً على شكل بشري ليتمكن من قتله...

إبتسم الدكتور محمود وهو يسير داخل إحدى ممرات المستشفى, والجميع ينظر إليه بدهشة, فهذه ليست عادة د.محمود الجاد دائماً. نظر د. محمود حوله ثم دخل إلى الغرفة التي يرقد فيها إسلام, مغلقاً وراءه الباب. أخرج من جيبه محقناً بلاستيكياً, وقنينة صغيرة, ووضعهم على المنضدة بجوار إسلام. ثم سحب من القنينة وغرس المحقن في ذراع إسلام, ولكن فجأة انفتح باب الغرفة ودخلت رقية, صرخت قائلة: ماذا تفعل؟ وجرت حتى وصلت إليه وجذبته من ملابسه, فخرج المحقن من ذراع إسلام, فقام محمود بلطم رقية بشدة, حتى أنها وقعت على الأرض من شدة اللطمة, ثم عاد لإمساك إسلام بقوة, وهو يغرس المحقن مرة أخرى .

تناول المأمور الصور محاولاً عدم إظهار رجفته من الموقف. تصفح الصور, ها هم, نفس صور الشباب الذي تأمل فيهم طوال الليل من الملفات, ولكن الفرق أنهم مشوهين, هذا هو مصطفى جالس, وفمه مكسور للأسفل, والدماء تخرج منه, وهذه صورة محمود الوسيم, وقد تشوه وجهه بنفس الطريقة, وهذه صورة أحمد بنفس التشوه السابق. قلب المأمور الصورة الرابعة, ليجد الوجه الرابع ذا الجثة المقطعة, تأمل الصورة بتأثر, ثم دهش مما رأى فسأل: د. خالد, صورة من هذه ؟ فقال د. خالد: هذه جثة يوسف. فتح المأمور الملفات, وأخذ يقلب بالأوراق, حتى أخرج ورقة بها تفاصيل يوسف وصورته يبتسم, وبياناته الجامعية على اليمين. وضع المأمور الورقة أمام وجه د. خالد, وقال بفزع : إذن صورة من هذه ؟ نظر د. خالد إلى الصورة التي يحملها, ثم إلى الصورة الموضوعة, وانتفض واقفاً, وهو يقول بصوت مرتعش : هذه ليست جثة يوسف !!!
قال يصفيدش: يوسف حي, لقد عذبه المخلبي, وقطع أصابع كفه الأيمن, وبدأ في سلخ جلده وهو حي, ولكن فجأة غادر قرينه جسده, وأغشي عليه, فاعتقد المخلبي أن يوسف مات, وتركه. وحين انتقلنا لنرى المذبحة التي حصلت في الشقة, سمعنا أنينه, فنقلتُ يوسف لعالمنا وهو في حالة غيبوبة, ووضعت بدلاً منه جثة شاب فاقد للأهلية, مات في حادث وتقطعت أجزاء من جسده, ثم قام رجالي بحرق أطرافها لتظهر للعيان أنها جثة يوسف, كي لا يعلم المخلبي باختفاء الجثة أيضاً, وسرقتُ الجثث والتقارير من المشرحة, كي لا تظهر الحقيقة عند التشريح. كنت أريد تأجيل الحقيقة, حتى لا يعلم المخلبي بأمر يوسف, ويكمل انتقامه منه, ولكن قرين يوسف تحرر, ويتصرف بإرادته, ويتحرك بين الأبعاد, ولذلك هو من أظهر نفسه لك شخصياً يا عماد ليحذركم. فقال عماد: ولكني رأيت قرين إسماعيل الحلاج أيضاً, فقال يصفيدش: وإسماعيل الحلاج نقلناه إلى عالمنا قديماً, وما زال حياً. سرت عليه قوانين عالمنا, وأيضاً بمجرد انتقاله لعالمنا, إنفصل قرينه عنه. لم يصدق عماد ما يسمعه بأذنه, فزاغت عيناه .

عندما وضع محمود المحقن للمرة الثانية في ذراع إسلام, فجأة... إنفجر الحائط المجاور لمحمود, من جراء اقتحامه من قبل كائن ما.. نظر محمود مفزوعاً, وكذلك رقية وإسلام. فخرج هذا الكائن مغطى بالأتربة المتساقطة, هنا صرخت رقية من الفزع وأغشي عليها, حينها ترك محمود المحقن في ذراع إسلام, بينما إسلام نفسه لم يصدق ما يرى. كان الخارج من الحائط شاباً عارياً تماماً, وجهه كوجه إسلام الأبيض الوسيم, ولكن عيناه مشقوقتان بالطول كالقطط, ومن وسط شعره يخرج قرنان بطول خمسة سنتيمترات تقريباً .. إنه قرين إسلام ! تقدم القرين من محمود, وأخذ يضرب رأسه بالحائط ,ومحمود يصرخ, والدماء تنفجر من رأسه, حتى خبتت حركته بعد عدة ضربات في الرأس. وقف القرين أمام إسلام وقال : تحت أمرك. وفجأة انفتح الباب, ليظهر رجل أمن المستشفى, رفع مسدسه وقال للقرين: إرفع يدك للأعلى. إقترب القرين من رجل الأمن, فأطلق عليه الرصاص, إلا أنه لم يتأثر بها, فجأة اختفى القرين, فنظر رجل الأمن لرقية المغشي عليها وجثة محمود. وبدأت ملامح محمود تتبدل, جسده يسيح, كأنه مغطى بالدهن, ويظهر ببطء جسد لا يتعدى المتر ونصف, غزير الشعر, ويرتدي نفس ملابس محمود ومعطفه .

قال عبّاد لحازم: قبل أن يأتي لي إسلام, وجدت نقطة شبيهة بتلك النقطة تتحرك بسرعة غريبة داخل سوائل الغرفة .. حازم ألا ترى أن هناك حركة غريبة بين سوائل الغرفة ؟ نظر حازم ورائه ليرى, وفجأة انفجرت الغرفة من الداخل, وطار حازم وعباد ليصطدما بالحوائط, واندلعت النيران في الغرفة من العدم, ثم توقفت. على الأرض زحف حازم, وقد تمزقت ملابسه, نحو جثة عباد, الذي لم يظهر وجهه من كثرة الدماء, ثم اقترب منه ليسمع عباد يقول بصوت خفيض منهك : يجب أن يكون لهذه الغرفة سيد, أنت من الآن سيد الغرفة, وبمجرد أن قال عباد تلك الجملة, أغمض عينيه, ومال رأسه .


                                             النهاية.








إرسال تعليق