الجمعة، 22 ديسمبر 2017








تلخيص رواية
مدينة الموتى: حسن الجندي
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

كانت تلك هي الزيارة الأولى ليوسف صاحب البشرة البيضاء, ذو الجسد  الذي يميل إلى النحافة, ولا يوجد شيء يميزه فليس له شارب أو لحية,  إلى سور الأزبكية، كان يسمع عنه قديماً كثيراً, وقد رسم له في مخيلته صورة بأنه سور طويل والباعة يفترشون الكتب على الأرض، لكنه صدم عندما شاهد تلك الأكشاك الخشبية بجانب بعضها البعض, مرصوصة بتلك الطريقة الغريبة, والتي تشعره أنه ذاهب إلى السوق كي يشتري خضار أو فاكهة ... إلا أنه استمتع أشد الإستمتاع من كل تلك الكتب التي كان يحلم باقتنائها, لا يعلم يوسف لما اقشعر جلده من أسماء تلك الكتب القديمة الموجودة هناك...! ربما من ملمسها.. ! لا يعرف, لكنه رأى هناك كتاباً قد شد انتباهه, في الواقع لم يكن كتاباً بالمعنى الحرفي بل هو سبع ورقات من الحجم الكبير, وهناك خيط يجمعهم من جانبهم الأيمن كي لا ينفك الورق, ولكن ما شده إليه أكثر هو ملمس الورق, فقد كان ورقاً سميكاً وخشناً وقد كتب في أول ورقة من الأعلى بخط يدوي )عن رواية الرحالة أحمد بن إسحاق البغدادي ) فاشتراه ومضى في طريقه .


في البيت قام يوسف وأحضر الورق الذي اشتراه ثم وضعة أمامه, سبع ورقات من الحجم الكبير, والكثير من الكلام ممسوح بل وفي بعض المواضع قد تداخلت بعض العبارات البسيطة على بعضها, و لكن بشيء من العسر يمكن تبين كُنه الكلمات. عن رواية الرحالة أحمد بن اسحاق البغدادي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ) بسم الله الرحمن الرحيم.... كتب سيدي وشيخي العلامة بن اسحاق في كتابه (كنز الرحلة) بعنوان مدينة الموتى في فصل رحلته إلى مصر "أنه سار من إحدى قرى الصعيد حتى أهلكه التعب, فرأى على مرمى البصر سور طويل يتوسطه باب عظيم, فاقترب منه فرأى على السور نقش كلمات كأروع ما يكون تقول: * يا معشر الإنس والجن لا تقربوا هذه البلدة فإن أهلها نيام حتى تقوم الساعة, فإذا دخلتم اليوم فليرحمكم الله, وإذا لم تدخلوا لا تذكروا مكانها حتى لا يراها غيركم, ولكم يوم الحساب جزاء على أفعالكم وسيسألكم الله كيف حفظتم سر هذه البلدة *. فلم يتمالك بن إسحاق نفسه فربط ناقته عند السور ودخل من الباب الحديدي, وسار وحيداً, فكانت البلدة كأحد أحياء القاهرة, ولكن العجب كانت بلا بشر, فالحوانيت مفتوحة وجاهزة لعرض بضاعتها ولكن لا بشر سوى بن إسحاق. فسار بن إسحاق حتى خرج عليه من أحد الحوانيت رجل أسود اللحية عظيم الشحم أبيض البشرة, يقبض بيده اليمنى على عصا كبيرة. إقترب الرجل من بن إسحاق ودعاه لأن يرتاح في بيته, وقال بأنه لحاد البلدة وأنه يكنى بمحمد السالمي, وحدثه اللحاد أن مرضاً غريباً اجتاح البلدة فمات كل من فيها..دخل بن إسحاق بيت الرجل وسأله عن ما حدث للبلدة, فقص الرجل على شيخنا قصة عجيبة فقال : منذ سنين طويلة كانت البلدة مزدهرة ومليئة بالتجار, حتى جاء فتى من بلاد الفرس يدعى الحي بن القصاب, وكان يفعل العجائب فكان يجري على الماء ويطير فوق الأرض, ثم أعلن الفتى عن أنه في مقدوره أن يحول الفقراء إلى أغنياء وأنه يحتاج إلى أربعة من البشر ليثبت كلامه, فتقدم إليه أحمد بن يزيد صانع السجاد, ويوسف العطار, وأحمد بن إبراهيم بن محمد, وشاب فقير يدعى إسماعيل الحلاج, وأجتمع بهم الفتى الفارسي في بيته الذي اشتراه عند وصوله البلدة, وقضوا الليل عنده, وفي الفجر خرج من البيت الأربعة فقراء, ولم يخرج الساحر ولم نجد له أثراً, ورأينا في أيدي كل منهم مفتاحاً ضخماً لخزائن كبيرة تحت دار كل منهم, تحتوي على ذهب وأشياء بديعة الصنع براقة المنظر. فاتَتْ سبع ليال وحضر أهل البلدة ليروا أحمد بن يزيد وقد سال من حلقه سائل أبيض, وأخذ يقول كلمات غريبة وكأنه يخاطب ( جزء غير واضح من الورق) ...فوقع أرضاً وقد أصيب بالحمى, وأخذ يشكو أنه رأى في منامه وكأنه يُحمل من أربعة رجال طوال البنية, سود الوجوه, صلع الرؤوس, حمر الأعين, أنزلوه على صخرة, وتقدم منه رجل, فذبحه الرجل بعد أن قرأ عليه كلمات. فأخذ أهل البلدة يداوونه من الحمى. وعند اقتراب الفجر سمع جميع أهل البلدة صفير طويل وكأنه صفير الرياح, وبعد انقطاع الصفير, خرج من فم وأنف وعين أحمد بن يزيد دماء كثيرة حتى توفاه الله عند الشروق. بعد سبعة أيام أصاب أحمد بن إبراهيم بن محمد ما أصاب أحمد بن يزيد, بعد أن روى لنا نفس الحلم الذي رواه لنا أحمد بن يزيد ومات. ثم سمعنا صفيراً آخراً وعرفنا أن يوسف العطار سيموت, ومات يوسف العطار بعد أن خرج الدم من جسده. طلع الصبح علينا ورأينا اسماعيل الحلاج وهو يغادر البلدة ويخرج وحيداً. وبعد سبعة ليال أصيب أهل البلدة بمرض غريب, فكان الواحد منهم يصرع في الأرض, ويخرج الدم من جسده ثم يموت ولا نفهم السبب, ولم يبق غيري فعينتني الحكومة المصرية حارساً للبلدة أهتم بها إلى أن تأتي لتوزع أملاك البلدة. بعدها طلب اللحاد من بن إسحاق أن ينام لأن الليل قد حل, ففرش اللحاد حشية لإبن إسحاق ونام جواره على الأرض. وعند شروق الشمس استيقظ بن إسحاق فلم يجد اللحاد, ووجد قصاصة من ورقتان كتب عليهم : (( بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء. إجتمع الساحر بالأربع فقراء وجعلهم يحفظون هذه الكلمات : **سمامها طولام فقدشبينا يوهانيط سمسمائيل يصيفيدش أحرق كل من عصى أمرك بحق إصطفار وبيوم عمياخ وبحياة هليع بحق إصطفار وبيوم عمياخ وبحياة هليع يا من تسمعون في وادي القرنيم بحق سيدكم وبحق مقبلكم فكوا قيد بن ذاعات فكوا قيد بن ذاعات فكوا قيد بن ذاعات فيدعاهاط موسماعل بق حتى إذا أحضرتم أحرقكم المولى بحق وصيل مشموهوه شرطيائيل موهوقمي نوخيشما بهدار مخلبي**. وبعد أن حفظ الأربعة الكلمات جلسوا وفي وسطهم شمعة صغيرة, إذا ارتفع لهبها إلى سقف الدار كان خادم الجن قد حضر, وجلس الحي بن القصاب بعيداً عنهم, ثم بدأ الأربعة ينطقون الكلمات بصوت واحد حتى انتهوا منها, فارتفع لهيب الشمعة إلى سقف الدار وحضر المارد لينفذ طلبات الساحر, حتى انبلج عليهم الفجر ولم يعلم أحد ما حدث بعد ذلك, حتى مات الثلاثة وهرب الرابع إلى دمياط)). وبعد أن انتهى بن اسحاق من قراءة الورقة نزل إلى مقبرة القرية ولمح بعينه أحد القبور مكتوب عليها محمد السالمي فاندهش بن إسحاق كيف كان يكلمه محمد السالمي وهو من الأموات !!!! فجرى بن إسحاق إلى أن وصل إلى ناقته فركبها وسار بها, وعندما نظر خلفه لم يجد أثراً للبلدة ولا لسورها الطويل, فحمد الله على سلامته وأكمل طريقه إلى أن وصل إلى القاهرة ) .

إنتهى يوسف من قراءة الورقة وقد شعر برجفة غريبة تسري في جسده. وفي صباح اليوم التالي أحضر الورق وعاد إلى الكومبيوتر وفعل أول شيء خطر إلى ذهنه, لقد قال في باله : لمَ لا أبحث على شبكة الإنترنت عن أي معلومات تخص تلك الحكاية التي قرأتها أمس, ففتح أحد مواقع البحث الشهيرة وبدأ البحث ليرى أن جميع المواقع التي ظهرت في البحث كانت تخص إبن اسحاق, فقد كتب عنه في أحد المواقع : ( ولد في ممباسا وعاش الكثير من عمره في بغداد ولذلك لقب بالبغدادي, درس الفلك والطب ولكن لم يكن له نبوغ خاص في الأخيرة, حيث انصبت جل شهرته على الفلك, وقد ألف هذا الرحالة كتابان أحدهما هو (غواص اللؤلؤ) وكان يختص بالفلك والكواكب, والآخر (كنز الرحلة) وكان يختص برحلاته العجيبة في البلاد التي زارها، ولم يصلنا من كتابيه سوى شذرات بسيطة, وبعض المخطوطات التي فقد أكثرها وذلك بسبب حرق كتبه واتهامه بالإشتغال بالسحر, ثم اختفاءه في نهاية حياته والذي أثار جدلاً حول شخصيته. قيل بأن هناك نصاً من إحدى رحلاته نقله عنه أحد تلاميذه والذي يدعى عبد الرحمن بن إبراهيم بن إسماعيل حيث تحدث في بضعة ورقات عن رحلته إلى مصر وأنه دخل إلى بلدة هاجمها وباء فقتل كل من بها ولم يبق شخص حي في البلدة, ولكن المشكلة هنا هي ضياع هذه المخطوطة نهائياً, ولم تصلنا منها إلا روايات من الأشخاص الذين رأوها منذ القدم. هنا انتصب الشعر في مؤخرة رأس يوسف, لو كان المكتوب عن ذلك الورق الذي يمتلكه حقيقي فذلك يعني أنه الوحيد الذي يمتلك نص تلك المخطوطة, مخطوطة بن إسحاق !.

كان يوسف طالباً في السنة الثالثة بكلية الحقوق... ولكننا الآن نراه سائراً بجانب تلك المباني التي تميز كلية الآداب بجامعته. إلتقى بأصدقائه: أولهم محمود إسماعيل, طالب بكلية الآداب قسم التاريخ, أبيض البشرة يظهر له شارب وذقن خفيفين, فلا تعرف هل هو نسي حلاقتهم أم هو ينوي تربيتهم, وبرغم ذلك هما تعطيانه مظهر الشاب الوقور راهب العلم الذي لا يهتم بالمظاهر. ثانيهم مصطفى أسامة, طالب بقسم التاريخ, ليس به شيء مميز, لون بشرته قمحي. ثالثهم أحمد محمد عبد الحميد طالب بالسنة الثالثة في كلية التجارة, ابيض البشرة, طويل القامة. ورابعهم حامد رزق طالب بقسم اللغة العربية, طوله يقترب من القصر, لون بشرته قمحي, كثير الضحك والكلام الغريب. أما الصديق الخامس هو إسلام جمال الذي يقوم بجميع الأشياء بلا مقابل، فإسلام منذ دخوله لكلية الآداب وهو يقوم بعلاقات بجميع الأشخاص مع الأسر الطلابية, ومع الموظفين الإداريين, ومع طلاب جميع الأقسام, طويل القامة, أبيض البشرة. نظر يوسف لأصدقاءه وقال: أريدكم أن تشاركوني موضوع يحيرني منذ ثلاثة أيام ولم أعرف له حل, لقد عثرت على مخطوطة نادرة جداً. ثم بدأ يوسف يشرح الموضوع منذ أن اشترى المخطوطة من سور الأزبكيه إلى أن بحث على شبكة الإنترنت عن معلومات عن بن إسحاق, فظهر على وجوه الجميع عدم التصديق, ثم أكمل يوسف قائلاً : لقد أتيت لكم لتساعدوني. بعد نقاش بين الأصدقاء قال يوسف: أعتقد أن مصطفى ومحمود قد عرفوا ما عليهم أن يفعلوه, سيسألون أحد الأساتذة الكبار في قسمهم عن بن إسحاق، ثم يسألونه عن المخطوطة وما تحتويه, وما هي احتمالات العثور عليها ؟ أما أنا فسأذهب لسور الأزبكية لسؤال البائع عن تلك المخطوطة ؟؟ ومن أعطاها له ؟ وليتصل بي من يجد منكم أي شيء .

إستقل يوسف المترو ليتجه أثناء عودته من الجامعة إلى سور الأزبكية , حيث أنه قد قرر أن يزور صاحب الكشك العجوز ليسأله عن مصدر المخطوطة, لكنه لم يجد الكشك, بل وجد مكاناً خالياً وبه شجرة تملأها الأغصان الخضراء!!...  كاد أن يجن, فسأل صاحب الكشك المجاور عن الكشك الذي كان محل الشجرة, فقال الرجل: لا يوجد كشك في مكان الشجرة لأنه ببساطة تلك الشجرة مزروعة من خمسة عشر عاماً. وعندما وصف يوسف شكل البائع العجوز للرجل، قال الرجل: أعتقد أنك بذلك تصف عم صبحي, ولكن المشكلة أنك لن تجده في سور الأزبكية الآن, لقد توفي عم صبحي منذ ما يقارب السبعة عشرة عاماً !! غادر يوسف الكشك وهو يحس بالخواء العقلي, عقله يأبى أن يفكر في شيء, عقله يحاول إثبات أي شيء آخر غير الحقيقة التي بدأت تتشكل في ذهنه, يبدو أن الحقائق التي تقابله قد ازدادت هذه الأيام, إنه منذ يومين قد حصل على مخطوطة نادرة, وقد حصل عليها من شخص ميت منذ سبعة عشر عاماً !! كيف يكون هذا؟

عاد أحمد, صديق يوسف, لمنزله وهو يفكر بشدة في كلمات يوسف التي قالها عن تلك المخطوطة التي وجدها, هل يمكن أن تكون حقيقية وتكون معدة لاستدعاء أحد خدام الجن الذي سيهب الثروة لمن يستدعيه ؟ لكنه توقف للحظة وقد حضرت في رأسه شخصية ما ... خاله عماد, يا لها من ذكريات. هنا جلس أحمد على فراشه, وطفق يتذكر منذ أن كان صغير السن, وخاله يجلس معه يحدثه عن أمور الجن والعفاريت والسحر والظواهر الغريبة, كان يسمع والده يتكلم مع والدته عن أن خاله يمتلك قدرة رهيبة على قراءة لغات عديدة قديمة, وبالفعل اتصل أحمد بخاله واتفقوا أن يلتقوا في اليوم التالي .
ذهب محمود ومصطفى, صديقا يوسف, عند الدكتور يسري (الدكتور الأكثر خبرة والأكبر سناً في قسم التاريخ في مجال التاريخ الإسلامي ) في مكتبه وقالا : الحقيقة أننا نملك بضعة أسئلة نرجو الإجابة عليها إذا سمح وقتك، فقال لهم الدكتور : تفضلوا ما هي أسئلتكم. قال مصطفى : لقد قرأنا أثناء تصفحنا شبكة الإنترنت على إحدى المنتديات عن شخصية رحالة إسمه أحمد بن إسحاق البغدادي وله حكاية واحدة من كتابه كنز الرحلة, حكاية قد دوّنها أحد تلاميذه والذي نقلها من الكتاب قبل حرقة, ولكن المخطوطة التي دونت بها الحكاية لم يراها العلماء حتى الآن, والحقيقة أننا نريد بشدة أن نعلم هل تلك القصة حقيقية أم لا. فقال الدكتور: هذه المعلومات لم أسمع بها من قبل..! ولكن مرّا عليّ غداً لأعطيكم الجواب على أسئلتكم .

وقف يوسف وأحمد أمام العمارة التي وصفها خال أحمد له في التليفون بأحد الشوارع المتفرعة من شارع الهرم. صعد الشابان حتى وصلا إلى الشقة التي تحتل الطابق الثالث, ثم ضغط  أحمد على جرس الباب لينفتح الباب ويظهر خلفه رجل في الثلاثين من عمره, يرتدي قميصاً قد شمر أكمامه, وعندما دخلا قال أحمد : أنا أعلم يا خالي أن لك اهتمامات كبيرة بتاريخ الأمم الغابرة وأساطيرها, والحقيقة أننا وقعنا في مشكلة غريبة بعض الشيء. وبعدها روى يوسف القصة كاملة لعماد, فقادهما عماد إلى مكتبته الخاصة التي كان بها كمية كتب رهيبة تتراص في تنظيم شديد, حيث أن هناك ورقة مطبوعة على مجموعة من الأرفف تبين نوعية الكتب التي تحتلها تلك الأرفف, ثم قال : بالنسبة لموضوع المخطوطة هذا فهو موضوع شائك وأنا لا أعلم عنه إلا القليل جداً, ولكن هناك كتاب لعبد الله بن جندب بن نافع, وقد حققه الباحث العربي د. كرم محمد القحطاني, ووجدت في هذا الكتاب, الذي يتعدى الـ 500 صفحة, ذكر في أحد الأبواب أخبار بن إسحاق مأخوذة من مجموعة من الرواة, والذي يقول المؤلف أن بن إسحاق لديه الكثير من التلاميذ, وأشهرهم هو عبدالرحمن بن ابراهيم الذي اختفى تماماً بلا أثر, وقيل أنهم وجدوا جثته بعد سنوات, وقيل أنه لم يعثر له على قبر حتى الآن ! أما مدينة الموتى كما ترى يا يوسف,  فهذا الكتاب الذي يعتبر بحثاً لنيل درجة الدكتوراة عن الأساطير, فإن هذا الباحث قد أخذ تلك الأسطورة على محمل الجد, وبحث وقرر أنه هناك مدينة بالفعل في هذا المكان, وهناك احتمال حقيقي لفناء تلك المدينة أو القرية بسبب انتشار سريع لوباء يعتقد الباحث أنه الكوليرا. أخذ عماد من يوسف صورة عن المخطوطة وقال له: يمكنك أن تتركني مع ذلك الورق لأستعين ببعض المراجع, ربما توصلت لشيء مهم. قال أحمد: إذن متى تنتهي من بحثك وراء تلك المخطوطة ؟ فقال عماد : لا أعلم, ربما يومان أو ثلاثة, ولكنني لن أبحث وراءها كثيراً, فأنا أبحث عن الكلمات ومعانيها وما الغرض منها. وعندما قام أحمد ويوسف ليستأذنا بالخروج, قرّب عماد فمه من أذن أحمد وهمس قائلاً : صديقك هذا يتبعه ثلاثة من الجن أينما ذهب, أنا لا أرى أشكالهم لسبب لا أعلمه, ولكنهم ثلاثة ويسيرون كظله, حاول أن تكون حذراً !! حينها نظر أحمد لخاله وقد اتسعت حدقتا عينيه في فزع   !!

بعد أن انتهى لقاء يوسف وأحمد مع عماد أنفصل الإثنان عن بعضيهما على وعد باللقاء والمتابعة في هذا الموضوع, وعند اقتراب يوسف من منزله سمع أذان العشاء فعاد للمسجد القريب من المنزل كي يصلي العشاء ثم يعود لمنزله. توجه يوسف بعد الصلاة إلى الإمام. لم يجد يوسف من يسأله عن أي سؤال يخطر بباله إلا هذا الشيخ فقال له : الحقيقة يا شيخ محمد لقد أردت أن أسألك سؤالاً حول مسألة الجن وتسخيرهم..؟ فقال الشيخ: تفضل. قال يوسف: أولاً, هل يمكن تسخير الجن؟ ثانياً, وهل الجن يمكن أن يؤذي الإنسان بالفعل؟ ثالثاً, وهل يمكن لكلمات بسيطة أن تؤثر في الجن أو تسخّره ؟ فقال الشيخ : إنك تتحدث الآن في قضية شائكة, لأنها من الغيبيات, سنتكلم في هذا الأمر في منزلي. إعتذر يوسف عن الذهاب إلى بيت الشيخ, ولكن الشيخ أصر على ذلك. في بيت الشيخ قال الشيخ:  أعتقد أن السؤال الأول : هل يمكن تسخير الجان ؟ وإجابته هي بتقديم القرابين التي يذكر عليها إسم ملك الجن أثناء ذبحها, والتي توقعك في دائرة الكفر, فيظل التودد هكذا إلى أن يرسل لك هذا الملك أو قائد العشيرة أحد خدامه الذين يعرفون طلباتك ويرسلها لملكه في ثوان, ويتم عمل معاهدة بينك وبينهم, وإذا خالف الإنسي المعاهدة فإن العقاب يكون سريعاً جداً. أما بالنسبة للسؤال الثاني وهو: هل من الممكن أن يؤذي الجن الإنسان, فالجن يمكن أن يؤذي الإنسان بالفعل, مثل المس واللبس والتأثير عن بعد, فللجن قدرات تُحدث تاثيراً في عالم البشر, ولكن هناك معلومة مهمة, وهو أن الكثيرين يهملون حقيقة أن الجن مكلفون بالعبادة كبني آدم, ويحاسبون ويدخلون الجنة أو النار مثلنا. أما بالنسبة للسؤال الثالث الذي هو عن تسخير الجن, فإن تسخير الجن يتم عن طريق كلمات ذكرتها لك منذ قليل, فالكلمات التي يرددها الساحر - والتي تُسمى عزائم - في أغلب الأحيان تكون شرك بالله عز وجل وتعظيم لشأن أحد ملوك الجن الكفرة, ولكن هناك طريقة أخرى وهي أن يقسم الساحر على أحد أفراد الجن أن يخدمه بحقِّ (إسم مارد من مردة الجن) حيث أن نفر الجن العادي يخاف من هذا المارد أن يسبب له الضرر, وفي بعض الأحيان تكون الكلمات هي طلب من بعض أفراد الجن الحضور لينفذ شيئاً معيناً مقابل كلام معين, وفي الغالب تكون تلك الكلمات باللغة السيريانية, أو اللاتينية, أو العبرية القديمة, أو أي لغة قديمة, وفي بعض الأحيان يعلّم الجن شفرة من الكلمات للساحر حتى يستدعيه بها في أي وقت, ويمكنهم التأثير على مراكز عقلك بطريقة غير مفهومة, حيث يجعلك تشعر بأحاسيس وترى أشياء ليس لها وجود في الواقع, فالجن يمكنه أن يتشكل في أشكال البشر أو أشكال الحيوانات أو أشكال بعض الجمادات, وبالطبع هناك طرق أخرى كثيرة لا يمكن معرفتها أو تحديدها .
الساعة الآن قاربت على الواحدة والنصف ليلاً وعماد ما زال يجلس أمام مكتبه, كان يفكر بعمق بالأحداث التي حدثت له صباحاً, تذكر تلك الحادثة التي ظل يندم عليها إلى الآن, عندما أراد أن يقتحم عالم الجن, عندما كان يبحث كالملهوف في داخل الكتب عن حوادث رؤية الجن أو العفاريت, ثم يسجل كل هذا في أبحاث ليبدأ تحليلها, وتفنيدها منذ الأحداث التي ذكرت في كتب السحر الأوروبية, إلى الأحداث التي ذكرت في كتب العرب. ففي تلك الليلة بدأ بإختيار طريقة من تلك الطرق, طريقة كتبت بأيد عربية في أحد كتب السحر العربية نفّذها بدقة شديدة وأنفتحت بعدها أبواب من العذاب لم يقدر على إغلاقها حتى الآن, لقد شعر بوخز خفيف في تلك الليلة في رأسه, ثم بدأت الرؤية تدخل في جانب من التشوش, ثم هناك تلك الأشياء التي تتحرك بسرعة رهيبة..! أشياء على السقف, أشياء على الأرض, على مكتبه, على سريره, أصوات كثيرة همسات, صرخات .. أضواء بيضاء تغمر الموجودات ثم الأثاث يهتز ويبدأ بالإرتفاع والهبوط بسرعة, لقد دفعه فضوله للدخول في عالم لن يمكنه تحمله بالتأكيد, ففي ذلك اليوم بدأ برؤية الرعب الحقيقي. ترك عماد ذكرياته جانباً وأعاد قراءة الأوراق التي تركها يوسف للمرة العشرة, هناك شيء غريب في تلك الكلمات, ففيها لهجة للمخاطبة, تحتوي على كلمات مثل (جنود) و(عودة) و(الجيش الأعظم) وأشياء غريبة ليس لها علاقة بالمال بالطبع ولا بخدام الجن, إن الكلمات فيها دعوة لشيء ما لا يعلم ما هو, ولكنه بالطبع ليس شيئاً حقيراً في عالم الجن, هناك دعوة لجنود لكي يصطفوا !! وعن فك قيد من يدعى (بن ذاعات) ؟ المشكلة أن الكلمات تفعل شيئاً في الحقيقة, لكنه يعلم أيضاً أنها لا تستدعي خداماً من الجن لجعل الأشخاص أغنياء. قرّب عماد رأسه من الورق ليتأكد من إسم بن ذاعات مرة أخرى, وهنا سمع أصواتاً كثيرة تصرخ, فنظر أمامه ليجد أن هناك أشياءاً تقف تنظر له وتطلق أصواتاً غريبة من حلقها, أحس بخدر رهيب في أطرافه فجأة ومال رأسه للأمام ليدخل في حالة إغماء, وبدأ برؤية أشياءاً كثيرة وكأن هناك فيلم سينمائي يُعرض أمامه, كائن مقيد بسلاسل وهو يصرخ, وأمامه يقف شيئان لم يتبين ملامحهم يحملون حراباً مدببة ويوجهونها ناحيته بتحفز, تبدلت الصورة فجأة ليظهر أمامه مقابر وسط منطقة صحراوية وقد غطت معظمها الرمال, مرة أخرى يتبدل المشهد ليرى ثلاثة رجال يغلفهم لون أحمر يخفي ملامحهم ويخفي ملامح أجسادهم, إنه يتذكر أنه رأى تلك الأجساد من قبل, نعم, هؤلاء الثلاثة هم الذين كانوا يتبعون يوسف عندما قابله اليوم, لقد بدأت الصورة بعدها تختفي تدريجياً وبدأ يفيق رويداً رويداً. ثم نظر إلى الأوراق التي تركها يوسف وهو يقول : هناك لغز رهيب وراء تلك الكلمات لا بد أن أفهمه .

هذا هو اليوم الذي سيخبر فيه د. يسري صاحبا يوسف عن حقيقة المخطوطة. دخل مصطفى ومحمود بهدوء, وجلسا أمام مكتبه وهما ينتظرانه أن يبدأ هو بالكلام. قال د. يسري : الحقيقة أن موضوعكم قد استغرق مني مدة في البحث عن شيء يمت للقصة في الكثير من الكتب والمراجع, ومما قرأت يمكنني أن أقول لكما أن الرحالة بن إسحاق كان موجوداً بالفعل, ولكنه لم يزر تلك المدينة, وبالنسبة لتلميذه فربما لم يكن موجوداً ولكنه لم يكتب أي ورق يتحدث عن المدينة, فكل تلك الحكايات هي من خيال الناس التي تضخم الأشياء عن حدها الطبيعي. كانت الصدمة واضحة من كلام الأستاذ على وجه الطالبين, فهما برغم كل شيء كانا يأملان أن يكون هناك شيء من الحقيقة في الموضوع, لكن أن تكون الحقيقة أليمة بتلك الطريقة فهذا شيء مؤسف.

عاد عماد إلى مكتبه مجهداً فدخل شقته وتوجه مباشرة إلى مكتبه ليكمل ما كان يبحث عنه في الأمس. لقد تحول المكتب إلى حظيرة خنازير من كثرة الفوضى, هناك خيوط كثيرة متشابكة لا تقوده إلى شيء, فهناك مخطوطة تحتوي على كلمات كتب بعضها بالسريانية وبعضها بالعربية وبعضها تجميع لحروف لا يفهم معناها, الكلمات العربية تدعو لفك قيد شخص يدعى بن ذاعات, ثم هناك دعوة لرجوع جنود المارد لتكوين الجيش الاعظم..!! أما الكلمات السريانية فقد حوت على أسماء من ملوك الجن في العالم القديم, هو يعرف إسم أو اثنين من أسماء هؤلاء الملوك لأنه قد قرأ أسمائهم في بعض كتب السحر, ولكن هناك أسماء لم يسمع بها. بدأت هناك فكرة تلتحم في رأسه, يا للهول, لقد فهم كل شيء الآن, عندما نطق وقال بن ذاعات في المرة السابقة ورأى بعدها عُمّار المكان من الجن ينظرون له يتعجب, ثم دخوله في غيبوية ونقل لعقله الكثير من المشاهد الغريبة, كان هناك مشهد يمثل كائناً مقيداً بسلاسل وهو يصرخ وأمامه يقف شيئان لم يتبين ملامحهم يحملون حراباً مدببة ويوجهونها ناحيته بتحفز هذا الشيء... هذا الشيء هو بن ذاعاااااااااااااااااات!! و بعدها دخل مرة أخرى في غيبوبة بعد نطقه للإسم, شعر بأن عقله متيقظ بطريقة طبيعية كأنه لم يدخل في الغيبوبة. بدأت تتشكل أمامه صورة مهزوزة لشاب يقف وهو مُعطِي ظهره لشيء غريب لا يدري ما هو لكنه يشبه الغوريلا من كثرة الشعر الذي يغطيه. تتردد كلمات باللغة الفارسية التي يفهمها جيداً, إنه أحد أنواع العهود من الجن, لقد كان الكائن يطلب أشياءاً من الشاب, لقد قال : عندما تحضر القرابين سنتقابل ثانياً يا بن القصاب. إذاً هذا هو الحي بن القصاب الساحر الفارسي الذي أتى إلى القرية المصرية. إذاً كان هؤلاء الأربعة قرابين. لقد فهم الموضوع الآن. إنه يرى أنه يقف أمام عرش مطعم بالذهب على جزيرة في وسط الماء والنار في كل مكان تشتعل وتخمد بانتظام. ثم رأى أربعة رجال يسيرون وهم ينظرون إلى الأرض بحزن ثم يقفون أمام العرش. هناك تشويش بسيط في الحلم لكنه يعتقد أنه رأى تلك الوجوه من قبل نعم .. نعم, هذا أحمد إبن أخته أحد الأربعة, يقف وهو حزين بينهم, فجأة  ظهر يوسف وهو يسير ببطء وخلفه يسير ثلاثة آخرين لا يتبين ملامحهم .. إنهم الذين رآهم مع يوسف يتبعونه أينما كان ..؟ تقدم يوسف ووقف أمام الأربعة. الحلم يتشوش وكأنه رؤية على صفحة من الماء, إنه يختفي ببطء لقد علم الآن ماذا يحدث, ومن هم القرابين. عاد عماد إلى وعيه وهو يقول : يجب أن أمنع القرابين من أن تُذبح .. يجب أن أمنع القرابين من أن تُذبح .

الساعة السابعة ليلاً، فتح يوسف باب الشقة ليدلف لداخلها ثم يضيء الأنوار. وبعد ربع ساعة وصل الأصدقاء إلى شقة يوسف, دخل حامد ومصطفى ومحمود ثم لحقهم إسلام وأحمد, وحين جلسوا جميعاً قال يوسف بجدية : حان الوقت لنتكلم فيه بجدية عن تلك المخطوطة, وسنحاول أن نجمع خيوطها لنعرف نهايتها, حينها قال مصطفى رأي الدكتور يسري في المخطوطة.

قال يوسف : لنتكلم منذ البداية، لقد ذهبت لسور الأزبكية مع  أحمد عادل, أحد القاطنين بشارعنا, وهناك وجدنا دكاناً صغيراً اشترينا منه بضعة ورقات وعدت بها أنا إلى المنزل, وبعد أن قرأتها بحثت في شبكة الإنترنت عن أي شيء عن القصة الموجودة في ذلك الورق الذي اشتريته, وكانت المفاجأة هي أنني رأيت معلومات في أكثر من موضوع على الإنترنت عن حكاية بن إسحاق, الذي سافر لمصر, وفي طريقه وجد مدينة أطلق عليها في كتابه (كنز الرحلة) إسم  مدينة الموتى, وكل من في المدينة كانوا موتى لسبب لا يعلمه إلا الله, وفجأة يقابل رجلاً يدعى محمد السالمي, وقال له الرجل أنه اللحّاد, ثم يدعوه اللحّاد للمبيت معه ويحكي له حكاية: أن هناك ساحراً أتى للبلدة, وطلب أربعة من الرجال الفقراء ليجعلهم أغنياء..! وتقدم له الأربعة رجال, ودخلوا للدار مع الساحر ولكنهم خرجوا وهم أغنياء ولم يخرج معهم الساحر, ثم يموت أولهم بعد سبعة ليال بعد أن يشكو من أعراض كثيرة كالحلم المزعج وأعراض أخرى غريبة, ويموت الثاني بعد سبعة أيام أيضاً, ويموت الثالث بعد سبعة أيام وكلهم بنفس الأعراض والتوقيت وطريقة الموت, ثم يهرب الرابع ولا يعرف أحد مكانه, وبعد سبعة ليال يصيب البلدة مرض غريب يجعلهم يموتون كالذباب, ولم يبق منهم, على قول اللحّاد, إلا هو...! وبعد أن ماتت البلدة بالكامل تم دفنهم, وإلى هنا ينتهي اللحّاد من سرد قصته لإبن إسحاق, ثم يدعوه إلى النوم. وفي الصباح, وبعد أن يستيقظ بن إسحاق لا يجد اللحّاد في الدار, ولكنه يجد ورقتين كتبهم اللحاد قبل رحيله الغريب, وفي الورقتين شرح فيهما اللحّاد ما حدث للأربعة رجال داخل دار الساحر, وفي داخل الورقتين الكلمات التي نطقها الساحر لاستدعاء أحد مردة الجن الذي سيجعل الأربعة فقراء أغنياء.... وفي نهاية الورقتين يدعو اللحاد  بن إسحاق للذهاب لمقابر البلدة لقراءة الفاتحة على روح أموات البلدة, ويذهب بن إسحاق إلى المقابر ليجد مفاجأة تنتظره هناك, أن هناك قبراً مكتوباً عليه إسم لحاد البلدة, أي أن الشخص الذي كان يحدّثه كان شخصاً ميتاً منذ سنوات! فيهرب بن إسحاق ويعود للقاهرة, ثم يكتب تلك الحكاية في كتابه (كنز الرحلة) والذي يحرق مع كتابه (غواص اللؤلؤ) بعد أن أعتقد الناس أن بن إسحاق يشتغل بالسحر. ويظهر على مسرح الأحداث تلميذ لإبن إسحاق يُدعى عبد الرحمن بن إبراهيم, وهو الذي نقل عن كتاب كنز الرحلة رحلته الغريبة إلى مصر في بضعة ورقات, والتي أعتقد أن تلك الورقات معي الآن بطريقة لا أفهمها. هذه هي المعلومات التي جمعتها من خلال الورق الذي اشتريته ومن خلال الإنترنت, ثم ذهبت للجامعة لآخذ مشورتكم واتفقت مع  مصطفى ومحمود ليسألا أحد أساتذة قسم التاريخ في موضوع حقيقة تلك الحكاية التي تُروى عن بن إسحاق, وفي نفس الوقت ذهبت أنا إلى سور الأزبكية للبحث عن الشخص الذي باعني المخطوطة, لأجد مفاجأة غير متوقعة وأرجو أن تصدقوني, لقد وجدت مكان الكشك الذي اشتريت منه الورق أرضاً خالية بها شجرة مزروعة...! وعندما سألت صاحب الكشك المجاور له, ووصفت له العجوز الذي باع لي الورق, قال لي الرجل الذي يقف في الكشك أن هناك عجوزاً بهذه المواصفات وكان له كشك مجاور في المنطقة الخالية الآن, لكنه مات منذ سبعة عشر عاماً. وعندما عدت لمنزلي في تلك الليلة التي زرت فيها سور الأزبكية, ظللت أفكر إلى أن نمت وحلمت بكابوس رهيب, حلمت أنني أقف أمام كرسي كبير مطعم بالذهب, وهناك أربعة رجال مكبلين بالقيود, والأربعة رجال بدأ جسدهم يسيح من حرارة لا أدري من أين تأتي, وقبل أن يكمل يوسف الحلم تكهرب الجو, لقد رأى النظرة على وجوه أصدقاءه تتبدل إلى الشك, ثم الفزع.

كان المشهد الذي يدور الآن في شقة يوسف يصعب علينا وصفه. لقد كان الخمسة أصدقاء في حالة اندهاش كبيرة, وكان الصمت هو السيد في تلك اللحظات, فقام إسلام وقال : لقد بدأت أفقد القدرة على التركيز, أرجو أن توضح لي كيف حلمنا نحن الستة بنفس الحلم وفي نفس الوقت ؟ قال يوسف : أعتقد أن تلك المخطوطة هي مفتاح لعالم الجن, أو إذا أردنا التحديد هي مفتاح لبوابات معينة في عالم الجن, لقد نويت أن أترك تلك المخطوطة لأي شخص يريدها منكم, فأنا قد ثقل علي حملها, ومن يريدها فليفعل بها ما يريد. فقال إسلام : سأحتفظ بها يا يوسف ولكن لبحثها وليس للذكرى, ثم استأذن إسلام لظرف في بيته بعد ما أخذ المخطوطة الأصلية.

أخذ بقية الأصدقاء يتناقشون في صحة المخطوطة والكلمات التي تحتويها, فقال حامد : لو ثبتت صحة الكلمات الموجودة في المخطوطة والتي تسخر الجن, لأمكننا إثبات صدق باقي حكاية المخطوطة, أما لو أثبتت فشلها, لثبتنا كذب حكاية المخطوطة, سنفعل كما فعل الساحر مع الأربعة شباب, سنقول الكلام الذي قالوه, ولو حدث شيء تكون المخطوطة صحيحة, ولو لم يحدث شيء ينتهي موضوعها وتصبح خرافة أخرى. حينها ساد الصمت بضعة ثوانٍ حتى قطعه يوسف وهو ينهض ليحضر النسخة التي احتفظ بها من المخطوطة, ثم قال : ستقرأون أنتم الكلام وأنا سأجلس بعيداً وأراقبكم, يجب أن نظلم المكان ثم نشعل شمعة صغيرة في وسطكم, ولكننا  قبل ذلك سننتقل إلى الشقة العلوية. وأثناء صعودهم السلالم للشقة العلوية كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة, وفجاة جاء خاطر بسيط للحظة في عقل يوسف, لقد ذكر حامد بسخرية كلماتٍ من المخطوطة, ولكن كيف قرأ حامد تلك الكلمات ومتى حفظها, وهو يعلم جيداً أنه لم ير المخطوطة إلا الليلة, كيف ذكر تلك الكلمات ؟؟ إلا أن ذلك الخاطر سرعان ما تبخر من عقله .

الساعة العاشرة والنصف بمنزل حامد .. نحن الآن في غرفة نوم حامد, ونرى الآن والدة وأخوات حامد وهم يجلسون حول الفراش, يا ترى من يجلس على الفراش ؟؟؟ إنه حامد...! يجلس على الفراش وقد وضعت قدمه اليمنى في الجبس ...؟ ويمسك تليفونه ويطلب رقم يوسف الذي يشير إلى أنه خارج نطاق الخدمة, يقول حامد لنفسه : أريد الإعتذار عن عدم ذهابي اليوم بسبب كسر قدمي أثناء نزولي على السلم, ولكن الغريب أن يوسف لم يطلبني هو ولا أي أحد من الأصدقاء على تليفوني ليستفسرعن غيابي .
الساعة الحادية عشر في منزل يوسف الدور الخامس : كان الأصدقاء الخمسة يرتقون درجات السلم بهدوء لكي لا  يثيروا جلبة في باقي المنزل. يا لها من رائحة عفن تهب عليك عند فتح باب الشقة, رائحة تكونت من عدم الإهتمام بتنظيفها إلا كل بضعة شهور.
جلس أحمد وحامد ومصطفى ومحمود على المقاعد الأربع والتي تلتف حول المنضدة, أما يوسف فقد جلس على مقعد بعيد بعد أن ثبت الشمعة في وسط المنضدة. مرت لحظات صمت بسيطة نظر فيها الأصدقاء الأربعة لبعضهم البعض, ثم بدأ الجميع القراءة بصوت عال : (سمامها طولام فقدشبينا يوهانيط سمسمائيل يصيفيدش أحرق كل من عصى أمرك بحق إصطفار وبيوم عمياخ وبحياة هليع بحق إصطفار وبيوم عمياخ وبحياة هليع.....يا من تسمعون في وادي القرنيم بحق سيدكم وبحق مقبلكم فكوا قيد بن ذاعات فكوا قيد بن ذاعات فكوا قيد بن ذاعات). عندما وصل الأصدقاء لتلك الكلمات ظهر شيء غريب, الهواء يتخلخل حول الأربعة الجالسين على المنضدة, وعند خروج الكلمات من حلوقهم أخذ الهواء يتخلخل حولهم أكثر وأكثر, أصوات صفير وكلمات تقال بسرعة رهيبة, كلمات لم تخرج من حلوق بشرية, عفاريت من الجن تتحرك في سرعة حول الأربعة, كل شخص من الجالسين على المنضدة يقف بجانبه نفر من الجن أثناء ترديد الكلام بصوت عال ما عدا شخص واحد. ما زال الأصدقاء يواصلون القراءة. في منطقة جبلية وعرة, هناك كهف في الصخور بجانب شلال من الماء, كان هنالك جني مكبل بالسلاسل داخل الكهف, وبدأت السلاسل تتكسر بسهولة وكأنها حبال مع قراءة الأصدقاء للكلمات, السجين يبتسم بهدوء للحارسين الذين يحرسانه وينظرون له برعب شديد. ما زال يوسف يكمل القراءة لوحده, وفجأة انقطع التيار الكهربائي عن الشقة, وانطفأت الشمعة. بدأ الجميع يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم . أحمد يجلس على المنضدة والظلام يغلفه من كل جانب. أضاء مصطفى الشمعة, أين أصدقاءه ....؟؟؟ المقاعد كلها خالية ولا أثر لأصدقاءه .. أين ذهبوا ؟؟ فالمقاعد خاوية ولا أثر لأحد. خرج ثلاثة أشخاص وهم يتجهون ناحية المنضدة التي يجلس عليها أحمد, ثم وبكل هدوء جلس هؤلاء الثلاثة على المقاعد المواجهة لأحمد ووجوههم تغلفها الظلام!!!...  ولكن بمجرد جلوس الثلاثة على المقاعد, ظهرت لأحمد أشكالهم, لم يملك إلا أن يطلق صرخة رهيبة من هول المشهد الذي يراه. أغمض عينيه وجسده يرتعش وظل يطلق الصرخات والدموع تنهمر من عينيه. إنه يتمنى الموت الآن. تكلم أحد الرجال قائلاً : شكراً لكم لمساعدتنا على الرجوع مرة أخرى .. لن ننسى لكم هذا الجميل.. أنتم القربان البشري الذي سيقدم لسيدنا الأعظم: المخلبي بن ذاعات سيد جيوش الجن. قال أحمد بصوت خرجت كلماته متقطعة: من أنتم. أجابوا:  نحن حراس المخلبي بن ذاعات وخدامه الذين تفرقوا في الوديان, أنصحك ان تنطق الشهادتين وتغمض عينيك. نطق أحمد الشهادتين وهو يبكي ثم أغمض عينيه.. رحم الله موتانا....

 عندما نظر محمود إلى مصطفى وجده في مشهد غريب!!. لقد كان مصطفى يرتعش بجنون وهو يحرك شفتيه بسرعة رهيبة وكأنه يحادث أكثر من شخص, أما عن حدقتا عينيه فقد كان في مكانهما بياض تام يغلفهما...؟  قال مصطفى والدموع تذرف من عينيه: يا للهول ماذا فعلنا ... أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, ثم انتفض جسده فجأة ولمعت عيناه وخرجت من حنجرته صوت حشرجة ثم سكنت حركته تماماً. حينها صرخ محمود: من أنتم أيها الأغبياء إظهروا لي , يا من قتلتم مصطفى لماذا تفعلون ذلك ؟ جرى يوسف ناحية باب الشقة ليفتحه, ولكن الباب لم يستجب له! وفجأة أضاءت أنوار الشقة كلها دفعة واحدة, والمفاجأة كانت أعنف على الحائط الذي يقف بجانبه محمود, كتبت كلمات بخط كبير مهزوز بالدم تقول :)أنت يا من تتحداني لا تتلفظ بما لا تعلم, فبحق الله كنت سأدعك لتعيش لكنك مغرور, وستموت لتلك الكلمات التي قلتها( ثم انطفأت الشمعة مع انطفاء الأنوار. نظر محمود إلى حامد الجالس كما هو, ربما تغير شكله بعض الشيء..؟ اعتقد أن شعره قد استطال فجأة وقد خرج من جانبي رأسه قرنان صغيران, بينما كانت عيناه سوداوان كالأبنوس. نظر لمحمود وقال : أنا الغوال من عشيرة الغيلان, كلفني سيدي بأن أتشكل لكم في شكل حامد وأجعلكم تنطقون كلمات رجوع الملك الأعظم المخلبي لتحرروه من قيده, ولتحرروا جيشه وتجمعوه من الأودية والفلاة, وقد أتممت مهمتي وحان وقت رجوعي لقبيلتي.. ومن وسط الظلام ارتفعت صرخة رهيبة تشق الظلام صرخة من يتعذب قبل أن يموت !

أخذ يوسف ينظر يميناً ويساراً برعب أين اصدقاءه ؟ سمع خطوات أقدام ثابتة, كان يوسف يرى الآن رجلاً وقوراً طويل القامة وسيم الملامح أبيض الوجه, يمتلك خصلات ناعمة من الشعر انسدل بعضها على جبينه ليعطيه مزيداً من الوسامة. جلس أمام يوسف وقال: كيف هي أحوالك يا يوسف؟ أنا المخلبي بن ذاعات, يبدو أنك مندهش من مظهري يا يوسف, لا تندهش فقد اخترت أن أظهر لك بمظهر رجل وسيم كي لا تفزع من شكلي الحقيقي, فأنا لا أريد إفزاعك يا صديقي, فكما قلت أن لك معزّة خاصة عندي . قال يوسف: ماذا يحدث...!! أنا لا أفهم شيئاً؟؟ فقال المخلبي: سأفسر لك الحكاية منذ البداية, قم معي. مشى يوسف وراء المخلبي كالمُنوم مغناطيسياً, وهنا اختفت الشقة وظهر أمام عين يوسف مشهد غريب, مشهد حرب طاحنة بين جيشين عظيمين, كان أشكال الجنود في الجيشين تثير الرعب في القلب. قال المخلبي ليوسف : منذ مئات السنين كنت قائداً لجيوش ممالك الجن, إلى أن جاء الأربع رجال الذي قرأت عنهم في الورق, لقد طلبت من الحي بن القصاب أن يقدم لي أربعة قرابين بشرية يقرأون كلمات تعني بأنهم سيضحون بنفسهم و بأرواحهم من أجلي أنا, فأخذ هذا الساحر هؤلاء الأربعة وأقنعهم أنهم سيصيرون أغنياء بعد أن يقرأوا تلك الكلمات, وبالفعل قرأوا الكلمات وتم الإتفاق, وأهديت الحي بن القصاب 100من أنفار الجن ليخدموه حتى يموت, فقتلت الأربع رجال ما عدا شخصاً واحداً والأخير هو اسماعيل الحلاج, الذي عقد معي اتفاقاً أكبر مقابل أن أتركه يعيش بسلام,, فقدم لي أهل قريته كلهم قرباناً حينها قال يوسف : هل اسماعيل هذا سفاح أم ماذا ؟ فنظر المخلبي إلى يوسف بغضب وقال : يبدو أن والديك لم يربوك جيداً يا فتى, كيف تتكلم عن جدك الأكبر بهذه الطريقة ؟!! جدك إسماعيل عقد معي اتفاقاً وهو أن أمنحه الخدام والقوة وهو يمنحني القرابين البشرية. فخرج إسماعيل لبلدته وقال أنه رأى رؤية أن القرية بها مرض غريب كالذي مات به الثلاثة السابقين, وأن النجاة من ذلك المرض تكون بأن يقول الرجل كلمات معينة تنجيه بعمره, فقالت معظم القرية الكلمات التي علمتها لإسماعيل, ثم هرب إسماعيل وترك القرية لي, فمن قال منهم الكلمات أخذته كقربان وقتلته. ولكن هناك بند في الإتفاق نسيت أن أذكره لك... حفيد إسماعيل الخامس عليه أن يجدد الإتفاق معي مرة أخرى, أي يعطيني القرابين البشرية وأنا أعطيه القوة, وأنت الحفيد الخامس لإسماعيل. شهق يوسف وهو يرتجف من تلك الكلمات, ماذا يحدث بالضبط, عفاريت واتفاقات مع الجن, رباه ماذا يحدث لي؟ قال المخلبي:  لكن في آخر سنوات من حياة جدك أحس بأنه أخطأ باتفاقه معي وأخذ يتضرع إلى الله تائباً, ودخل إلى عالم الجن المسلم وأفشى الإتفاق الذي بيني وبينه, فتم الحكم عليّ من مجموع القبائل بالسجن بقية حياتي. ولكن أنت لا تعرف, لي ثلاثة حراس شخصيين من أخلص رجالي عملوا على معرفة الكلمات التي سجنت بها, كانت المفاجأة أنني أحتاج لبشر يردد تلك الكلمات, فتشكل أحد حراسي الثلاثة على هيئة لحاد البلدة التي دمرتها وظهر لأحمد بن إسحاق وأعطاه الورق المكتوب به كلمات فك قيدي, ولكن  بن إسحاق لم يردد الكلمات, ولم يفهم, وحرق العلماء كتابه الذي دون به الكلمات, فتشكل حارسي الثاني على هيئة تلميذ بن إسحاق والمدعوعبد الرحمن بن إبراهيم, وكتب الكلمات والحكاية مرة أخرى كي يقرأها شخص آخر, فكتب حكاية الساحر والأربعة والبلدة ولكنه غيّر الكلمات التي قالها الساحر والأربعة وجعلها الكلمات التي تفك قيدي وتحرر جيوشي مرة أخرى. وبعد سنين طويلة وبعد ولادتك, قرر حراسي أنك الحفيد الخامس لإسماعيل, وأنك يجب أن تردد تلك الكلمات بأي ثمن حتى تعيدني مرة أخرى, فظلوا يتتبعونك سنوات طويلة ويمشون وراءك كظلك ويقومون بالتشكل لك في أيام كثيرة, ولكنك كنت تتجاهلهم, حتى تشكل لك حارسي الثالث في صورة رجل عجوز وأوهمك بوجود كشك لبيع الكتب وجعل الورق أمامك حتى تأخذه وقد كان هذا, أما أحد أصدقائي من قواد الجن فقد أرسل لي بهدية لكي يساعد في عودتي, فقد أرسل أحد أتباعه وهو الغوال ليتشكل لكم في شكل صديقك حامد ليستفزكم لتقرأوا الكلمات وتعيدونني يا صديقي مرة أخرى من سجني . قال يوسف: أصدقائي...ماذا فعلت بهم؟ قال المخلبي: هل هذا سؤال يا بني.. قتلتهم بالطبع فهم القربان البشري لرجوعي.
هل رأيت نظرة الخروف وهو يرى السكين التي سيذبح بها ..؟؟ ربما ستجده ينظر لها بهدوء وبتسليم, فلن يقدر على فعل شيء بالتأكيد, هذه هي النظرة التي نظر بها يوسف للمخلبي أمامه وهو يقول:  إذن فقد قدمت لك أعز أصدقائي كقربان لك وقمت بإعادتك من سجنك مرة أخرى, ماذا تريد مني الآن ؟ هل ستعطيني الجن الذي سيخدمني أم ستقتلني ؟ حينها قال المخلبي: لقد نقض جدك اتفاقنا وخانني وجعلني أسجن كل تلك السنوات, للأسف سأقتلك انتقاماً من جدك سأعذبك حتى تتمنى الموت .
إن الموت لهو رحمة من الله أدركها يوسف وهو بين أيدي المخلبي ... وبعد لحظات العذاب التي مرت كالسنوات على يوسف, كان الله به رحيماً, وارتاح يوسف الآن, رحمه الله .

الظالم يحيط بالشقة من جميع جوانبها ..بالطبع نحن لا  نرى خلف الظلام ولكن صدقني لن تريد رؤية تلك الأشياء التي يحيط بها الظلام .. إنتظرْ..؟ هناك صوت خطوات ثقيلة تتحرك باتجاه المنضدة التي كان الأصدقاء يجلسون عليها, أضاء المخلبي الشمعة التي بالوسط, الشمعة إنها تشتعل الآن ليظهر على ضوئها الكثير والكثير من الأشياء المرعبة, لقد كانت له خلقة مريعة, إنه المخلبي بنفسه, نفس الوجه المستطيل ولون الجلد الغريب, ولكن هذه المرة هناك شيء مميز بوجهه, لقد سقط الضوء على وجهه ليظهر وجهه وهو يبتسم وحوله تناثرت جثث الأصدقاء .


                                        النهاية.







إرسال تعليق